Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وهذا تحذير من الشيطان ووسوسته بعد تحذيرنا من النفس الأمارة بالسوء التي تحب دائما إذاعة الفاحشة فإن المعاصي تقع دائما من قائد يأمر بالسوء وهو الشيطان ونفس مدفوعة إلى الشر بطبعها.
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومسالكه فإنه يأمركم بالفحشاء والمنكر ويدعوكم دائما إلى كل ضار في دينكم ودنياكم الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [سورة البقرة آية ٢٦٨] .
والشيطان يوسوس للنفوس الضعيفة، ويزين لها الوقوع في المعاصي، عن طريق التدرج خطوة فخطوة حتى يتم له ما أراد، وإن خطوات الشيطان تكون فيما نحقر من أعمالنا «ولكنها تجرنا إلى المهالك» .
فأعظم حادثة أو أكبر فاحشة لا تقع دفعة واحدة، ولكن لها خطوات يضعها الشيطان حتى يتم له ما أراد. نظرة ... فكلام ... فموعد ... فلقاء.. فوقوع في المهالك ... وهكذا.
يحكى أن عابدا في صومعته كان بجواره رجلان لهما أخت، فسافرا لأمر، وتركا أختهما في حراسة العابد، فكان كل يوم يضع لها الطعام أمام باب الصومعة لتأخذه فوسوس له الشيطان أن يضع الطعام على باب بيتها بحجة أنها لا تتجشم مشقة التعب والحضور إليه، ثم انتقل إلى خطوة أخرى، وهي أن يزيدها إكراما فيطلبها لتأخذ الطعام، ثم انتقل إلى خطوة ثالثة ورأى من وسوسة الشيطان أن المرأة في طول مقامها منفردة تلقى مشقة وتعبا فقد يكون من الخير لها أن تجلس معه ليسرى عنها بالتحدث إليه فترة وجيزة ففعل، وهنا ينطبق
الحديث «ما اجتمع رجل بامرأة إلّا وكان الشّيطان ثالثهما»
، فلما اجتمعا وقعا في التهلكة، لأن العابد مهما كان فهو رجل، والمرأة مهما كانت فهي أنثى، وفيها الغريزة الجنسية! فأنت ترى أن الشيطان جاءهما من طريق مؤثر، وهو في الظاهر خير، فحقّا لا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه للإنسان عدو مبين.
أبعد هذا يتوانى المسلمون في فهم الحقائق البشرية، وتطبيق قواعد الدين؟! ومن العجب أن ينادى بعض المسلمين بالاختلاط بين الجنسين، ويجره الشيطان إلى هذا بحجة أن الاختلاط يمنع الوقوع في المعصية، وما علم أن الطبيعة البشرية أقوى، ولا يعدلها
стр. 1577
ويخفف من حدتها، ويوجهها إلى الوجهة العليا إلا الخوف من الله، وتلاوة القرآن ومدارسة الحديث، ومجالسة العلماء، والانضمام إلى الجمعيات الدينية حتى يشغل فراغه ويصرف وقته في النافع، وإن أساس الوقوع في المعصية هو الشباب والفراغ والمال فإذا أمكننا صرف الشباب إلى الوجهة النافعة، وشغل وقتهم وفراغهم بالهوايات الصالحة النافعة كالرياضة البدنية وغيرها توصلنا بهذا إلى التقليل من وقوع الجرائم الجنسية. والنبي ﷺ قد عالج هذا الموضوع
بقوله «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة- أى:
النكاح- فليتزوّج وإلّا فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء»
ولا شك أن في الصوم جنة، ورياضة روحية، وإضعافا للقوة الجسمية.
يا جماعة المسلمين: لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا وكيف يسير الإنسان على الصراط المستقيم، وهو بين قائد ضال ودافع أضل؟ ولكن الله يزكى من يشاء، ويهدى إليه من ينيب، والله سميع عليم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.
أليس في هذا خير لنا وهداية؟ نسأله التوفيق والسداد.
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أى: لا يحلف أصحاب الغنى والجاه أن يؤتوا أولى القربى والمساكين مما أعطاهم الله من خيره جزاء ما اشتركوا في إثم الإفك، وهذا نهى لأبى بكر حتى لا يمنع مسطحا من النفقة التي كان يجريها، وهكذا كل مسلم.
وليعفوا عن السيئات، وليصفحوا عن العصاة والمذنبين، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ وهذا تمثيل أى كما تحبون أن يغفر الله لكم، فاغفروا أنتم لمن دونكم
«من لا يرحم لا يرحم»
والله سبحانه كثير المغفرة والرحمة فاقتدوا به واعملوا بما أمر فهو خير لكم.
نهاية القصة [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
стр. 1578
المفردات:
لُعِنُوا طردوا من الرحمة دِينَهُمُ المراد جزاءهم مُبَرَّؤُنَ منزهون وهذا بعد الكلام الخاص في العفو والصفح عن بعض من خاض في الإفك كالدليل على أن هذا الجرم شديد وجزاؤه عظيم.
المعنى:
إن الذين يرمون المحصنات العفيفات الغافلات البعيدات عن التفكير في المعاصي والفواحش المؤمنات الصادقات هؤلاء لعنوا في الدنيا ولعنوا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم هوله شديد وقعه.
ومن المعلوم أن هذا الحكم- مع من يرمى المحصن الغافل المؤمن- كذلك وإنما تخصيصهن بالذكر، لأنه الكثير الغالب، وأن رمى النساء بالإفك أكبر إساءة لهن، وهذا هو الموافق لحديث الإفك.
ولا شك أن القذف بالزنا كالرمى بالحجارة التي تصيب كل من يصادفها بلا تفريق بين أب أو زوج أو أخ أو قريب.
والإحصان والغفلة والإيمان حواجز وموانع كان الواجب أن تمنع القذف وهي كالسبب المقتضى لذلك الجزاء الشديد لمن يقذف المحصنات.
وهؤلاء القذفة وبخاصة من قذف السيدة عائشة ملعونون على لسان الملائكة والمؤمنون إلى يوم القيامة، ومطرودون من رحمة الله في الدنيا حيث استحق الحد والتعذيب،
стр. 1579
ولعن في الآخرة حيث استحق العذاب الشديد وعظم العذاب بقدر عظيم الجرائم، ومن يقذف بالفاحشة بريئا فقد أقض مضاجع، ونال من كرامات وثلم من شرف، وآذى من أبرياء، فهو يستحق هذا العذاب، وإن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
نعم هم يستحقون ذلك العذاب يوم تشهد عليهم ألسنتهم.
ولعل هؤلاء الناس يوم القيامة يحاولون الإنكار والتنصل فيمنعهم الله من الإنكار، ثم ينطق ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما اقترفوا قطعا لعذرهم. وتنكيلا بهم. كل ذلك بسبب ما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعطيهم جزاءهم كاملا عادلا لا يزيد على جريرتهم ولا ينقص.
ويومئذ يرون أن كل ما وعد به الرسل، وما وصفوا به من عذاب العصاة وثواب الطائعين كله حق ولا شك فيه ولا مرية وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وهل هذه الآية عامة في كل محصنة غافلة مؤمنة؟ وإن كان سبب النزول قصة عائشة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أم هو خاص بعائشة- ﵂ نظرا إلى شدة الوعيد وعدم ذكر التوبة، وقيل إن الآية خاصة بكفار قريش إذ كانوا يرمون المؤمنات المهاجرات بأنهن هاجرن للفجور.
والظاهر والله أعلم أنها عامة في محصنة غافلة مؤمنة، والسيدة عائشة وأمهات المؤمنين داخلات فيها دخولا أوليّا، وعظم الجزاء لعظم الجرم، وعدم ذكر التوبة لا يمنع من قبولها فبابها مفتوح حتى للكفار.
كيف ترمون بيت النبوة بهذا الإفك؟!! أو ما علمتم أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، وهذا حكم غالبى فالخبيث يكون للخبيثة، ولا يصح أن يتخلف هذا الحكم في أشرف بيت ومع أكرم خلق الله على الله.
والطيبات من النساء كالسيدة عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين للطيبين من الرجال فالله يختار لكل فئة ما يناسبها ويليق بها، فلا يمكن أن يختار أخبث الخبيثات لأطيب الطيبين، وهذا قريب مما سبق في قوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وعند بعضهم أن المراد الخبيثات والطيبات من الكلام
стр. 1580
للخبيثين والطيبين من الرجال والنساء، على معنى أن خبيث القول إنما يوجه للخبيث من الناس، والخبيث من الناس هو المستحق للخبيث من الكلام.
أولئك المذكورون من الطيبين والطيبات مبرأون مما يقول الخبيثون والخبيثات. وكلا المعنيين مروى عن ابن عباس.
والرأى الأول هو الظاهر والله أعلم.
الاستئذان وآدابه [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)
المفردات:
بُيُوتاً جمع بيت وهو المسكن لأن المرء يأوى عادة إلى مسكنه ليلا تَسْتَأْنِسُوا المراد تستأذنوا لأن من دخل بيتا غير بيته تلازمه الوحشة حتى يؤذن له لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أى لا حرج ولا إثم.
وهذا حكم آخر يتعلق بالأسرة والبيوت، وهو مناسب لأصل الموضوع الأول، ومن دواعي البعد عن الريبة والظن والوقوع في الزنى، وأسس الآداب والمدنية والإنسانية.
стр. 1581
المعنى:
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، اعلموا أنه يدعوكم إلى الفضيلة والآداب، ويرشدكم إلى أنكم لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم، أى ليس لكم فيها حق السكنى والمنفعة «وإن كانت ملكا لكم، لا تدخلوا حتى تستأنسوا وتستأذنوا، ولا شك أن الإذن يذهب الوحشة، ولذا سمى الإذن أنسا، بدليل قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ.
والاستئذان يكون بقرع الباب، أو النداء لمن في البيت، أو التسبيح والتحميد أو صريح الاستئذان وغير ذلك.
ومنع الدخول قبل الاستئذان عام في الرجال والنساء، مع المحارم وغير المحارم إذ كل إنسان له حالات لا يحب أن يطلع عليها أحد، ولو كان والدا أو ولدا،
ولقد قال رجل للنبي ﷺ : أأستأذن يا رسول الله على أمى؟ قال النبي «نعم» قال: ليس لها خادم غيرى أأستأذن عليها؟ قال «أتحبّ أن تراها عريانة؟» قال: لا. قال:
«فاستأذن عليها» .
حتى تستأنسوا، وتسلموا على أهلها أى: على من فيها، وظاهر الآية أن الاستئذان يحصل ثم السلام، وبعضهم يرى العكس، والبعض يرى أنه إذا رأى أحدا في الدار سلم أولا ثم استأذن: فإن لم ير استأذن أولا.
ذلكم خير لكم وأفضل، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للسر، وأدعى إلى احترام البيوت والحرمات، ولا تظنوا أن في الاستئذان مذلة، بل هو خير لكم وأزكى، لعلكم تذكرون ذلك فتعملوا بمقتضاه.
ولا مانع من جعل حجرات الموظفين كالبيوت يحسن الاستئذان عند دخولها فلربما كان الموظف في شغل شاغل، أو عنده شخص في مصلحة لا يحب أن يطلع عليها أحد، وهذا بلا شك أحفظ للوقت، وأدعى إلى العمل والجد.
فإن لم تجدوا فيها أحدا من ساكنيها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وهذا تعبير دقيق يشير إلى معنى أدق، فربما كان في البيت صاحبه، ولم يرد عليك ولم يأذن لك فيصدق على المستأذن أنه لم يجد أحدا في البيت.
стр. 1582
وإن قيل لكم ارجعوا، ولا تدخلوا، فارجعوا وامتثلوا أمر صاحب البيت فهذا حقه وهو حر فيه، والرجوع أزكى وأطهر، والله بما تعملون عليم ومحيط.
وقد يكون في البيت ما يدعو إلى الدخول بلا إذن كحريق أو حادث أو استغاثة مثلا وهنا تدخل بلا إذن. ولا حرج عليك.
ليس عليكم جناح ولا إثم في أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة، وفيها متاع لكم كالحوانيت ومحال البيع والشراء، وقد روى أن أبا بكر- رضى الله عنه- لما نزلت آية الاستئذان قال: يا رسول الله فكيف يعمل تجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام، ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون؟ وليس فيها سكان؟ فنزل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ الآية.
والمعنى: أن البيوت العامة كالمقاهى والبيوت التجارية ما دامت مفتوحة فلا استئذان في دخولها.
وهل بيت الإنسان الخاص الذي فيه أهل بيته يستأذن أم يكفى السلام فقط والإشعار بالحضور بأى شيء، الظاهر أن هذا يكفى.
والله يعلم ما تبدون وما تكتمون، فإن إباحة الدخول في الأماكن العامة لغرض، أو في البيوت الخاصة مثلا قد يتخذه بعض الناس لغرض آخر سيّئ فجاء قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ليذكرهم بأن الله يعلم، وأنتم لا تعلمون وهو يعلم السر وأخفى.
ومن الآداب أنك عند زيارتك لإنسان، ووجدت الباب مفتوحا، أن تقف بحيث لا تطلع على شيء في البيت، فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: من ملأ عينيه من قاعة بيت فقد فسق
وروى في الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله ﷺ ، ومع النبي ﷺ مدرى يرجل به رأسه فقال له الرسول: «لو علمت أنّك تنظر لطعنت به في عينك، إنّما جعل الله الإذن من أجل البصر» .
стр. 1583
آية الحجاب [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)
المفردات:
يَغُضُّوا غض البصر كفه يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ يظهرن مواضع الزنية بِخُمُرِهِنَّ جمع خمار وهو ما يستر الرأس جُيُوبِهِنَّ جمع جيب وهو فتحة في أعلى الجلباب يبدو منها بعض الصدر لِبُعُولَتِهِنَّ هم الأزواج الْإِرْبَةِ الحاجة يَظْهَرُوا يعرفوا ويطلعوا على عورات النساء.
وهذا حكم آخر من الأحكام التي تحفظ العرض، ويصان النسب، وتمنع الفحشاء،
стр. 1584
وببعد الزنى، فالإذن قبل الدخول، والحجاب وعدم النظر ومنع الاختلاط مما يباعد بلا شك بين الشخص وبين الخطر.
المعنى:
قل يا محمد، وكذا كل رئيس للمؤمنين أو إمام لهم، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويكفوها عن النظر إلى الأجنبيات غير المحارم، ويحفظوا فروجهم من كل منكر كالنظر واللمس والزنى، وانظر إلى قوله- تعالى- وقد قدم تحريم النظر على حفظ الفروج التي هي المقصود الأساسى من الكلام ليعلم الناس جميعا ما للنظر من خطر وأثر، وأنه رسول الشهوة: وبريد الزنى، وبذرة الفسق والفجور.
وخص المؤمنين بالذكر لأنهم الممتثلون المنتفعون بهذا. ذلك أزكى لهم وأطهر، وأبعد عن الشك وأنفى للريبة، وأبقى للنفس طاهرة زكية بعيدة عن الخطر. واعلموا أيها الناس أن الله خبير بما تصنعون، فراقبوا الله واتقوا عذابه، واعلموا أنه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون.
وكل أمر في القرآن للمؤمنين فهو كذلك للمؤمنات، ولكنه أعيد الحكم هنا مع المؤمنات لأن النساء في أشد الحاجة إلى ذلك، على أن الحكم من أخطر الأحكام التي تقتضي التفصيل والبيان.
وقل: أيها القائد والمربى والمشرف على المؤمنات وتربيتهن والإرعاء عليهن سواء كنت حاكما أو زوجا أو معلما قل لهن يغضضن من أبصارهن، ويمنعن بعض أبصارهن عن النظر أما النظر جملة فمنعه شاق وعسير، ولقد صدق رسول الله حيث يقول: «لك الأولى وعليك الثّانية» أى لك النظرة الأولى دون الثانية، فالمنهى عنه النظر الذي يتجاوز الحد المعروف شرعا.
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين مواضع الزينة منهن، وإنما نهى القرآن عن الزينة والمراد مواضعها للمبالغة في المنع، إلا ما جرت به العادة بكشفه لاقتضاء الضرورة ذلك كالوجه والكفين، لأنه لا غنى عن كشفهما.
وقد كانت العادة المتفشية في الجاهلية أن تكشف المرأة عن نحرها وصدرها وللأسف
стр. 1585
أصبحت هذه العادة متفشية في مجتمعنا الحاضر- ولذا خصها الله بالذكر وإن كان في الحكم السابق يشملهما لاقتلاع تلك العادة السيئة التي يقع فيها كثير من الناس.
وكان قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ للإشارة إلى معنى الإلصاق والملازمة التي لا تنفك كضرب الخيمة في المكان.
وقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، زيادة التقرير والتأكيد وتوطئة للاستثناء الآتي، فليس تكرارا لما مضى.
وها هم أولاء الذين استثناهم الله فجاز أن تكشف المرأة زينتها لهم فيما عدا السرة والركبة فكأن الله يقول: ولا يبدين زينتهن لأحد إلا لبعولتهن الآية.
١- الأزواج لأنهن أحق الناس بألا يستر عنهم شيء، ولأنه يباح لهم النظر إلى جميع البدن ما عدا الفرج، وكذلك الاستمتاع بكل أنواعه الحلال ولذا قدمهم على غيرهم.
٢- آباؤهن: وكذا الأجداد، سواء كانوا لأب أو لأم.
٣- أبناء بعولتهن. سواء كانوا ذكورا. أو إناثا.
٤- الإخوة: الأشقاء أو لأب، أو لأم.
٥- أبناء الإخوة: كذلك، ويلحق بهؤلاء المذكورين الأعمام والأخوال وهذا الحكم يجرى في الأقارب من جهة النسب كما تقدم، وفي الأقارب من جهة الرضاع وهؤلاء يسمون المحارم.
وقوله تعالى: أو نسائهن أى الحرائر من المسلمات، أما الإماء فسيأتى حكمهن، وأما المرأة الكافرة فهي من المسلمة كالأجنبى، وقيل كالمسلمة.
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات، وهو رأى لبعضهم، وقال ابن عباس لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ إنما عنى بها الإماء ولم يعن بها العبيد، وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الآية فقيل: هم المسنون الضعفة الذين يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم، أو هم البله الذين لا يفهمون من أمور
стр. 1586
النساء شيئا، أو هو العنين أو الممسوخ، وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى لا فهم له ولا اتجاه عنده إلى أمر النساء.
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ والمراد الأطفال الذين لم يفهموا عورات النساء، ولم تظهر فيهم الغريزة الجنسية لصغر سنهم، وإنما يكون هذا دون البلوغ.
وفي النهاية ختم الآية بقوله: وإياكم أيها النساء أن تضربن بأرجلكن ليعلم ما تخفين من الزينة، والمعنى عليكم ألا تظهروا ما خفى من مواضع الزينة فيكن، وهذه نصيحة قرآنية للنساء خالصة لهن خاصة بهن، فإن بروز المرأة من خدرها، وإظهار ما خفى من زينتها، وعرضها جمالها وجلالها في السوق والشارع كان له عميق الأثر من انصراف الشباب عن الزواج، فلقد صدق من يقول: أحب شيء إلى الإنسان ما منع.
ولسنا نقول: إن المرأة يجب أن تكون في السجن، لا، بل نقول لها اخرجى وتعلمي، واقضى حاجتك، ولكن نطالبها بالعفة ونطالبها بالمحافظة على نفسها، ونلح عليها في ألا تبرز زينتها، وألا تعرض نفسها على الناس فيقل طلبها واحترامها والنظر إليها.
وتوبوا أيها الناس جميعا مما تلمون به من نظر أو كلام أو اجتماع، توبوا إلى الله وارجعوا إليه لعلكم تفلحون، وهذا ختام جميل، وتذييل دقيق المعنى.
ويحسن أن نذكر العورة عند الرجل والمرأة باختصار فنقول: عورة الرجل ما بين سرته وركبتيه بالنسبة للرجال والنساء المحرمات عليه، وهي كذلك في الصلاة وعورة المرأة في الصلاة كل بدنها إلا وجهها وكفيها، وهي كلها عورة بالنسبة للرجال الأجانب وبعضهم يقول: كلها إلا الوجه والكفين ما لم تخف للفتنة. أما المحارم فما بين السرة والركبة، وأما مع الزوج فلا عورة معه أبدا، ويحرم النظر إلى الفرج خاصة من كل منهما، والأمة عورتها كالرجل ما بين السرة والركبة.
من علاج أزمة الزواج [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
стр. 1587
المفردات:
الْأَيامى جمع أيم وهو من لا زوج له ذكرا كان أو أنثى، سبق زواج أم لا، وقيل من فقد زوجه بموت أو طلاق فلا يقال للبكر أيم، وقيل: هذا اللفظ خاص بالأنثى الْكِتابَ والمكاتبة هي عقد بين المالك وعبده على أن يؤدى مالا لسيده فيعتق على هذا المال الْبِغاءِ هو زنى النساء خاصة.
المعنى:
ما مضى في حكم الزنى وفظاعته، وأنه سبة تقتضي عقابا خاصا لمن يسب بها مسلما بدون شهود على فعله، ثم جاءت قصة الإفك، وما فيها من آيات ومواعظ وحكم ومنافع، ثم كان الكلام على الإذن قبل الدخول، وعلى غض البصر كل ذلك لأجل البعد عن الزنى الذي هو من أكبر الفواحش والآثام، وبعد ذلك كان العلاج لهذا الداء الوبيل والخطر الجسيم، وهذا العلاج هو النكاح أى: الزواج الذي هو حرز لنصف
стр. 1588
الدين وتنفيس شرعي اجتماعي للغريزة الجنسية، وفي هذه الآيات علاج لأزمة الزواج وقطع لعلل بعض الناس.
وأنكحوا أيها الأولياء، والسادة للعبيد، أو هو أمر موجه للأمة جميعا بمعنى التعاون وإزالة العقبات حتى يتم على أكمل صورة، وهل هو أمر للوجوب؟ الظاهر أنه أمر لمطلق الطلب لا للوجوب، إذا لم يقل أحد أن السيد واجب عليه أن يزوج عبده.
أيها الأولياء والسادة زوجوا من لا زوج له من الأحرار أو الحرائر، وكذا زوجوا الصالحين من عبيدكم وإمائكم، والمراد بالصالحين هم القائمون بحقوق الشرع الواجبة عليهم من امتثال الأوامر واجتناب النواهي ولا تنظروا إلى المال.
وإنما خص الصالحين من العبيد دون الأحرار، لأن الصالح من العبيد هو الذي يستحق أن يطلب من سيده وأن يجاب إلى طلبه.
وأما الأيامى من الأحرار فنفقاتهم على أنفسهم فالترغيب في زواجهم محمول على الإطلاق بدون شرط.
ولكن نرى كثيرا من الشباب يتعلل بالفقر، ويقول: كيف أتزوج وأنا فقير فيرد الله على هؤلاء بقوله: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، فالغنى والفقر بيد الله لا بيد مخلوق، وكما أعطاكم ورزقكم متفرقين يعطيكم مجتمعين بالزواج.
على أن الزواج قد يكون مدعاة للغنى فالشعور بالمسئولية، وحث الزوجة زوجها على العمل، وأنه صار صاحب بيت وأسرة، وقد تعلق به من هو في حاجة إليه، وقد يصير ذا أولاد بعد زمن، كل ذلك يدفع الرجل إلى العمل والجد والاجتهاد، وهذا يحصل الغنى، وبهذا يتحقق وعد الله، والواقع يؤيد ذلك غالبا.
والله واسع الفضل، عليم بالخلق يعطى كما يشاء ويعلم، فقد يتزوج الشخص ثم يظل فقيرا فلا يغتر إنسان بأن الزواج باب موصل مضمون للغنى، وإنما هو مظنة فقط، أو على الأقل هو إزاحة للتعليل الذي يتعلل به البعض.
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أى: ليعمل من لا يجد وسائل الزواج الموصلة إليه على العفة وضبط النفس وعدم الاسترسال في طريق الشهوات والبعد عما يثير الغرائز الجنسية كالاختلاط بالنساء والجلوس إليهن، والتعفف يدخل فيه تقوية الناحية الروحية بقراءة القرآن والصلاة والذكر ومجالسة أهل العلم والجلوس مع الصالحين
стр. 1589
والاشتغال بما يفيد الدين ويغرس الخلق الفاضل، والتعفف يكون كذلك بإضعاف الناحية البدنية من شغل الجسم بالأعمال الشاقة والرياضة البدنية العنيفة والاشتغال بالهوايات التي يهواها الشخص أيا كانت بشرط أن تكون حلالا.
ولقد جمع رسول الله ﷺ العلاج
بقوله: «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء»
والصوم علاج روحي وجسمي وحذار أيها المسلمون من الاندفاع مع دعاة الشر وأتباع الشياطين الذين ينادون بأن الكبت ضار وأن التحلل علاج- وقانا الله شرهم-:
وهذا أمر يتعلق بالنكاح أيضا وخاصة الأرقاء فقد يكون الرقيق كبير النفس واسع العقل كبير الهمة فيريد أن يشترى نفسه من سيده بمال ليكون حرّا وهذا غالبا يكون عند شعوره بالحاجة إلى الزواج ذكرا أو أنثى حتى يكون له بيت أو أولاد ويظهر والله أعلم أن هذا هو السر في وضع تلك الآية هنا.
والشرع لا يدع فرصة تمر إلا وهو يدعو بإلحاح إلى العتق، وإلى الحرية والذين يبتغون الكتاب والمكاتبة، ويتعاقدون مع سيدهم على إعطائه جزءا من مال منجما على أوقات، فإذا ما وفي صار حرّا، إن حصل هذا فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، واستعدادا طيبا للوفاء، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، وأنفقوا عليهم مما جعلكم مستخلفين فيه، ولا تبخلوا عليهم أبدا، ولحرص الشارع على الحرية، وتحرير الرقاب أمر أن يعطى المكاتب ما لا يستعين به على أداء ما عليه من أقساط، وجعل له حقّا في الصدقات إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقابِ [سورة التوبة آية ٦٠] أى فك الرقاب.
وهذا علاج آخر لمرض كان شائعا مبعثه حب المال والتحكم في الرقيق، فقد كانوا يؤجرون عبيدهم للزنى.
وجاء النهى عن تلك العادة بأسلوب شديد، وعبارة قاسية تتناسب مع شناعة الفعلة، فقال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً.
ولقد نهاهم عن الإكراه، والإكراه أشنع من الإباحة وأفظع، وقال فتياتكم أى في سن المراهقة التي فيها الغرائز على أشد ما تكون، من الميل إلى الفجور وعدم تقدير الأمور، ثم أضافهن إليهم، ومن ذا الذي يقبل أن يكره فتاته المختلطة به وبأهل بيته
стр. 1590
المنسوبة إليه على الزنى؟!! إنه لمجرد من الشهامة والرجولة، وقد روى أن عبد الله بن أبى كان يفعل هذا! وكان الإكراه في حال أنهن أردن تحصنا وتعففا، يا لله من جرم قبيح تكره فتاتك على الزنى وهي تريد الإحصان والعفة!!! تكرههنّ لأنك تبغى عرض الحياة الدنيا، يا لله من الناس في هذه الأيام!!! ألسنا نسمع الآن أن مصلحة السياحة تريد أن تؤجر سيدات وفتيات يصاحبن السائحين الأثرياء الأغنياء الوافدين علينا، تؤجرهن ليقمن معهم ويصاحبنهم في أسفارهم وحلهم، وخلواتهم.. يا لله من أولئك الرؤساء المتحللين الذين يكرهون الفتيات ويمهدون السبيل إلى البغاء العلنى بحجة الحضارة والمدنية، وللعجب العجاب قام بعض الكتاب والعلماء يطلبون وقف هذا ومنعه رسميا فلم يسمع لهم، بل نفذ الأمر وتم، وقام كاتب فاجر داعر يملك صحيفة وينادى بأن العلماء متأخرون جهلاء ينادون بالرجعية، وهم العقبة في سبيل التقدم!! إننا والله نسأله أن يأخذنا وألا تطول حياتنا في هذه الأيام السود، وماذا نعمل وقد عم الفساد والتحلل الخلقي، بل والدعوة السافرة إلى الاختلاط القبيح في الإذاعة والصحف والكتب والنشرات، ونرى تأييدا لهم من كل جهة تأييدا خفيا، حتى إذا تم الأمر وتمكن الحال جاهروا بإماتة الدين والعادات الإسلامية بحجة أننا في عهد الحرية والتقدم، يا رب أنقذنا من هذا!!! ونحن كالمستجير من الرمضاء بالنار.
والخلاصة: إن إكراه الفتيات على الزنا المباشر أو غير المباشر، سواء أردن تحصنا وعفة أم لا جرم كبير وذنب فظيع.
ومن يكرههنّ، وهن غير راغبات، فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم بهن أما من أكرههن فله جهنم، وبئس المصير، والله أقوى من الجميع ووعد بهذا ووعده الحق وقوله الصدق، والعاقبة للمتقين..
أيها الناس! أيها المسلمون! أيها الشرقيون! لقد أنزل الله لكم آيات تدل على كمال العلم والحكمة، وأنها من الله العزيز الحكيم، وهي شاهدة بصدق الرسول، وتبين لنا الطريق الحق، والقول الصدق الذي ينجينا من المهالك إذ هي علاج صاحب الوجود الخالق للنفوس العالم بالطوايا، ولا يغرنكم ما نصاب به من نظريات وتقاليد للأجانب، فلسنا مثلهم، وليست أجواؤنا، وبيئاتنا كبيئاتهم.
стр. 1591
ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم، وقصصا عجبا، لتعتبروا فهذا يوسف رمى بالزنى وبرأه الله، وهذه مريم البتول رماها اليهود وهي العفيفة الحصان، وها هي ذي عائشة رماها عبد الله بن أبى وهي البريئة بنص القرآن، فهذا كله موعظة وهدى، ولكن للمتقين.
الله نور السموات والأرض [سورة النور (٢٤) : آية ٣٥]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)
المفردات:
نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أصل لفظ النور يطلق على النور الحسى الذي تبصر به العين، وقد تعورف في لسان الشرع على أنه ما به الاهتداء والإدراك كَمِشْكاةٍ المشكاة الكوة غير النافذة في الجبل أو الحائط. وقيل: هي ما يوضع فيه المصباح.
مِصْباحٌ هو السراج الضخم الثاقب مأخوذ من الصبح الزُّجاجَةُ جسم كالقنديل شفاف صاف كَوْكَبٌ الكوكب الجرم السماوي المضيء دُرِّيٌّ نسبة إلى الدر لصفائه وتلألئه.
المعنى:
إن من يقرأ تلك الآيات البينات، والأحكام المحكمات، وذلك النظام الدقيق للأسرة
стр. 1592
التي هي نواة المجتمع النظيف، ويكرر النظر في ذلك يجد أن ذلك نور لو استضأنا به ما أظلمت حياتنا أبدا، ولما وقعنا في خطر أبدا، وكيف نضل، ومعنا النور الإلهى الذي يهدينا إلى الحق؟!! والله هو صاحب النور في السموات والأرض، هو يهدى إلى الحق، ويهدى إلى طريق مستقيم.
واعلم يا أخى أن الهدى والنور- بمعنى الاهتداء- أساس الفوز في الأعمال وأصل النجاح فيها، وعلى الهدى والنور تؤتى الأعمال ثمرتها والمرجو منها، من أجل هذا توسعوا في لفظ النور حتى أطلقوه على كثير من المعاني التي تعتبر أساسا لغيرها في الثمرات فقيل: فلان نور البلد، إذا كان عليه نظامها وإليه يرجع الفضل في تدبير أمرها وترتيب شئونها ويقال لنفس النظام والتدبير: نور فيقال مثلا: قد بنى هذا النظام على نور أى نظام وإتقان.
وعلى هذا يمكن أن نفهم قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية على ما يأتى:
الله- هو صاحب النور في السموات والأرض وهو خالق ذلك النور الحسى فيهما وهو صاحب النور فيها بمعنى أنه هو الذي بث فيهما من كمال النظام وحسن التدبير، ما لو تفكر فيهما إنسان بعقل حر برىء لآمن به إيمانا كاملا وهو- ﵎ نور السماء بالملائكة، والأرض بالشرائع وما فطر عليه النفوس من الفطر السليمة التي تهدى إلى الحق، والله- نور السماء بالكواكب، والأرض بالأنبياء.
ولك أن تقول بالإجمال، الله- سبحانه- هو المدبر لما يجرى في السموات والأرض وهو المبدع لخلقهما، وهو منزل الشرائع وباعث الملائكة بالوحي، والهادي لعباده بالأنبياء والرسل جل شأنه وتبارك اسمه وتقدس في علاه، فهو نور السموات والأرض حقا.
وإن أردت أن تتمثل نور الحق- ﵎، وتتصوره بمثال حسى يجلوه لك فهو كمشكاة فيها مصباح قد وضع في زجاجة صافية كأنها كوكب درى.
مثل نوره وهدايته التي بسطها للعالمين من أدلة عقلية وسمعية وأحكام صحيحة وفي
стр. 1593
قوته وشدة تأثيره ووضوحه: كمشكاة فيها مصباح قوى الإضاءة، شديد التأثير وهذا المصباح في زجاجة صافية، كأنها كوكب مضيء متلألئ كالدر صفاء وتلألؤا، يدفع نوره بعضه بعضا لشدته ولمعانه ووضعه بهذا الشكل، وهذا المصباح يوقد من شجرة مباركة طيبة هي شجرة الزيتون، وليست تقع شرقى شيء كالجبل، ولا غربي شيء كذلك فإنها إن وقعت في هذا الموقع حجب الحاجز عنها ضوء الشمس في أول النهار وآخره فكانت الشجرة ضعيفة، فالشجرة في مكان جيد متمتع بضوء الشمس والهواء الطلق، وذلك أكمل لنضجها وطيب ثمرها.
وانظر يا أخى إلى هذا التمثيل، وذلك التصوير الذي أبرز النور في صورة مؤثرة أخاذة للنفس، فقد جعل النور في مصباح، والمصباح في زجاجة، وهو في كورة داخلة، كل ذلك يجعل نوره مسلطا في جهة معينة، مبددا للظلام الحالك الذي يحيط به، وهو أشد روعة من نور الشمس الوهاج الذي لا يحيط به ظلام، ألا ترى إلى البرق الخاطف وأثره في النفس؟ أليس أشد من ضوء الشمس تأثيرا في النفس وإن المصباح وسط الظلمات المتكاثفة لهو أشبه شيء بنور الحق وسط ظلمات الكفر والفسق والعصيان.
ولذا وصف الشجرة بأنها مباركة نامية، لا يحجبها عن نور الشمس والهواء الطليق جبل أو حاجز ولعل قوله تعالى: لا شرقية ولا غربية إشارة دقيقة إلى أن نور الإسلام وشرائعه وسط بين طرفين متقابلين وما في شرائع الإسلام شاهد على ذلك وهذا الزيت المستخرج من تلك الشجرة، زيت صاف يكاد يضيء بدون مس النور.
تأمل هذا التصوير تجد نفسك أمام نور قد استجمع مظاهر النور، وتجلى في وسط ظلمة زادت بهاء ظهورا، فهو بحق نور، وهذا شأن هداية الله لعباده نور من كل ناحية، وضوء من كل جانب فهو نور متضاعف يزداد كلما نظرت فيه، وحاولت الوقوف على سره.
وانظر إلى التصوير الفنى العالي للمصباح وما يحيط به ثم انظر إليه وقد تعرض لمادة النور، وهم لا يعرفون من مادة الاستصباح إلا الزيت، وأجوده زيت الزيتون.
وإذا كان هذا هو وصف هداية الله وتمثيلها بالنور الحسى فما بالنا نرى كثيرا لم يهتد بذلك النور، فرد الله على ذلك بقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
стр. 1594
يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ كل على حسب ما جبلت عليه نفسه، وما اختاره الله له، ولا عيب في النور، ولا عجز فيه.
ويضرب الله الأمثال للناس: ويبصرهم بما خفى عليهم في صور مختلفة، والله بكل شيء من المحسوس والمعقول والظاهر والخفى عليم، وبه خبير.
المنتفعون بنور الحق ﵎ [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)
المفردات:
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ المراد المساجد المرفوعة لذكر الله بِالْغُدُوِّ الغداة والغدو أول النهار الْآصالِ جمع أصيل وهو آخر النهار.
وهذا نهاية المطاف بعد الحديث عن الهداية الإلهية فأثرها إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، وهكذا كان الناس منهم سعيد، ومنهم شقي.
المعنى:
يسبح الله، ويقدس له المسبحون في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر في تلك البيوت
стр. 1595
اسمه، والمعنى ينزهه ويقدسه في الصلاة والوعظ والذكر والتفكير في الملكوت وغيره، يسبحون في بيوت أراد الله أن ترفع وأن تكون خاصة لذكره جل شأنه، يسبحونه في أول النهار وآخره، والمراد كل وقت ... رجال.
هؤلاء المسبحون رجال لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، أى ليسوا ماديين نفعيين، بل هم قوم لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة بل يذكرون الله، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم تتردد فيه النفوس بين الخوف والرجاء فتتقلب القلوب متجهة إلى اليمين والشمال لا تدرى من أين تؤخذ؟
أو من أين تؤتى كتبها؟ أمن اليمين أم من الشمال؟.
فهم يسبحون الله ويذكرونه ويقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة، ويخافون يوم الحساب ليجزيهم الله على أحسن ما عملوا الجزاء الأوفى، ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب وهو واسع الفضل، وهو على كل شيء قدير.
المحرومون من نور الحق [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
المفردات:
كَسَرابٍ السراب ما يرى في الصحراء نصف النهار في اشتداد الحر كالماء،
стр. 1596
وهو يلتصق بالأرض بِقِيعَةٍ القيعة مفردها قاع وهو ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت، وفيه السراب، وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء الظَّمْآنُ العطشان لُجِّيٍّ هو الذي لا يدرك قعره، واللجة معظم الماء واللجة أصوات الناس.
وهذا مثل للكفار بعد مثل المؤمنين.
المعنى:
والذين كفروا بالله ورسوله أعمالهم التي يعملونها وفي ظاهرها خير إذا كانوا يوم القيامة وجدها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فهذه أعمالهم التي يعملونها من بر أو صدقة أو غيرها لا خير فيها ولا جزاء عليها يوم القيامة فهو أشبه ما تكون بالسراب مع العطشان لا يفيده شيئا، نرى هؤلاء يوم القيامة، قد خاب أملهم وطاش ظنهم وضاع مرتقبهم كالعطاش في الصحراء إذا اشتد بهم العطش ظنوا الماء في السراب حتى إذا ذهبوا إليه لم يجدوا شيئا وهم في أشد الحاجة إلى الماء.
وأما ما عمله من سيئ الأعمال، فإنه يراه وقد عظم جرمه، وتراكم ذنبه من جهة كفره وسوء عمله، وبطلان قصده، وضلال نفسه وكأنه قد قذف به في بحر لجي تلاطمت أمواجه، وتراكمت غيومه، واشتد ظلام ليله، فإذا حاول أن يرى يده لم يرها، لأنه فقد نور ربه، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
وإن هذه الآيات البينات لتوحى لنا أن شرع الله ونظامه هو نور السموات والأرض نور الدنيا ونور في الآخرة والمتبعون ذلك النور هم المنتفعون به الناجون يوم القيامة.
وأما غير ذلك النور، وأما التشريع المخالف لذلك التشريع فهو كالسراب مع الظمآن في الصحراء يحسب فيه الخير فإذا ذهب إليه وعمل به لم يجد شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب.
فهل من مدكر؟!! ولا عجب، فإنما يتذكر أولو الألباب ...
стр. 1597
انقياد الكون لله [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
المفردات:
صَافَّاتٍ مصطفات الأجنحة في الهواء، والطير أثناء طيرانه يقبض أجنحته وقد يسطها بلا تحرك يُزْجِي يسوق يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يجمعه رُكاماً مجتمعا يركب بعضه بعضا الْوَدْقَ قيل: إنه البرق، أو المطر وبكل نطق العرب سَنا بَرْقِهِ ضوء ذلك البرق الذي في السحاب.
إذا كان الله أحكم كتاب الكون الناطق بلسان الحال على قدرته وحكمته أفلا يكون هذا دليلا على إحكام كتابه الناطق المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه.
المعنى:
الله نور السموات والأرض، وواهب الهداية للكل، فمن الخلق من انتفع بذلك
стр. 1598
النور، واهتدى بهديه، ومنهم من ضل سواء السبيل، وتراكمت عليه الظلمات حتى إذا أخرج يده (وهي أقرب الأشياء إليه) لم يكد يراها.. والله قد ساق من الأدلة الحسية ما يشهد بذلك ويؤيده، ويبين مدى انقياد الكون كله لله، وفي هذا ما يدل على فرط جهل الكفار، وبيان ضلالهم.
ألم تر وتعلم أيها النبي وكذلك كل مخاطب أن الله- سبحانه- يسبح له من في السموات ومن في الأرض، وما بينهما من الطير، ولقد ساق الله هذا بأسلوب فيه استفهام تقريرى وفي ذلك إشارة إلى أن تسبيح الكائنات وانقيادها له- سبحانه- واضح إلى حد أن يرى ويعلم علما لا شك فيه.
هذا الكون كله بما فيه من سماء وأرض وفضاء وكل شيء يدل دلالة قوية على تنزيه الحق- ، ويشهد على ذلك بلسان الحال لا بلسان المقال، وبما أودع فيها من آيات الإبداع والإتقان الدالات على كمال منشئها وعظيم قدرته وحسن تنظيمه وإتقانه.
انظر إلى العوالم التي في السماء، والعوالم التي في الأرض، وإلى عالم الطير الذي يعيش في الجو، وما يحويه كل عالم من عجائب تجدها ناطقة على قدرة القادر، ووحدة الصانع، ووصفه بصفات الكمال والجلال:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
وهذا تقرير الربوبية، ولفت النظر إلى الكائنات العلوية والسفلية، وإنما خص الطير حالة كونها صافات أجنحتها بلا تحرك وهي في أجواء الفضاء طائرة لأن ذلك أدل على قدرة الله الصانع.
كل كائن في السماء أو في الأرض أو بينهما قد علم الله صلاته وتسبيحه، والله عليم بما يفعلون، فما بالك أيها الإنسان تكفر بربك، وتجحد نعمته ولا تؤمن بكتابه.
والله وحده ملك السموات والأرض، وما فيهن، وإلى الله وحده المصير، وإليه المرجع والمآب، والكل منه وإليه.
وهذا دليل آخر من أدلة العظمة الإلهية، التي نراها ونلمسها في كل وقت وحين ألم تر أن الله يزجى سحابا أى: يسوق بعضه إلى بعض، ولا غرابة فهو يتكون من
стр. 1599
البخار الذي يخرج من البحار، ويرتفع إلى أعلى منساقا بعضه إلى بعض، ثم يؤلف الله بين أجزائه ويجمعها حتى يتكون منها سحاب عال مرتفع في طبقات الجو الباردة، وهذا معنى قوله: ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً.
فترى الودق أى المطر أو البرق يخرج من خلال السحاب. وهذه السحب المتجمعة في السماء تشبه الجبل، وتراها وقد أنزل منها المطر والبرد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء بحكمته وقدرته.
يكاد سنا برق السحاب يذهب الأبصار لقوته وإن منظر السحاب في تراكمه ثم نزوله مطرا أو ثلجا أو بردا مما يوقظ النفوس الغافلة وينبهها إلى الأدلة الحسية التي تثبت وجود القادر المهيمن على العالم، وإن ظهور البرق الخاطف والرعد القاصف وسط السحاب المملوء ماء لدليل على قدرة الله- جل شأنه- وتصريفه الكامل للسموات والأرض.
يقلب الله الليل والنهار، فيتعاقب كل منهما على الآخر، ويأكل كل منهما من أخيه بزيادة أو نقص، وتنقلب الأحوال فيهما من حر وبرد وغيرهما كل هذا يحصل أمام الناس ويشاهدونه، فهل من مدكر؟!! إن في ذلك كله لعبرة وعظة لأولى الأبصار، فهي أدلة مجموعة يكفى لإدراكها البصر فقط، وليست من الأمور العويصة التي تحتاج إلى فكر ونظر وبصيرة.
وجود الضلال رغم الآيات الناطقة [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٥ الى ٥٠]
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
стр. 1600
المفردات:
دَابَّةٍ الدابة، اسم على لكل ما دب ودرج على وجه الأرض، وقد يستعمل في العرف العام: خاصة بذوات الأربع يَتَوَلَّى يعرض مُذْعِنِينَ طائعين منقادين ارْتابُوا شكوا يَحِيفَ يجور ويظلم.
وهذا من تتمة الأدلة على كمال القدرة، وتمام العلم والحكمة، مع التعرض لبعض من عميت بصائرهم فلم يهتدوا بنور الحق كالمنافقين.
المعنى:
والله- خلق كل دابة تدب على الأرض من إنسان وحيوان، وطير، ووحش، وغيرها. خلق كل ذلك من ماء، وهل هو المنى الحيواني الذي يخرج من كل كائن حي للقاح؟ أم المراد بالماء العنصر المعروف، بناء على أنه داخل في قوام كل حيوان، ولا غنى عنه في تخلق الحيوان وحياته، كل هذا يصح.
وأيّا ما كان فإن هذه الآية تشبه في الدلالة على باهر القدرة، قوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [سورة الرعد آية ٤] فقد خلق الكل من الماء ثم باين بين الأنواع مباينة تامة، وفي هذا دلالة على كمال القدرة.
فمنهم من يمشى على بطنه، وهذا النوع أظهر في الدلالة حيث يمشى بلا رجلين ومنهم من يمشى على رجلين، ومنهم من يمشى على أربعة أرجل، وقد عبر بمن وهي للعقلاء تغليبا ثم عبر في كل نوع بها للمشاكلة فإن من يمشى على رجلين يدخل فيه الإنسان والطير فعبر بمن تغليبا، وعبر بها في غيره المشاكلة.
стр. 1601
يخلق الله خلقه على ما يشاء ولا غرابة في ذلك. إنه على كل شيء قدير.
بعض العلماء يرى أن هذا المثل ضرب للكفار إذ هم يمشون على بطونهم وقد ضرب للمنافق ما يمشى على أربع وضرب للمسلم المنتفع بنور الله من يمشى على رجلين والله أعلم.
لقد أنزل آيات دالات على كمال القدرة منها ما ذكر هنا، وهذه الآيات مبينات للحق والهدى، ظاهرات في نفسها، ولكن لا يهتدى بها إلا من يشاء الله له الهداية، لأنه بطبعه يميل إليها وهو يستحقها، والله- سبحانه- يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وذلك الفضل من الله وكان الله عليما حكيما، وهو على كل شيء شاءه قدير.
بعد أن ساق- جل شأنه- من الأدلة والبراهين، ما يثبت الإيمان الحق، في قلوب الناس، وينفى الشك والريب. شرع- ﷻ يبين أن هذه الآيات وإن تكن بينة واضحة في نفسها مبينة وموضحة حقيقة الشرع، إلا أنها لا تكفى وحدها بل لا بد من هداية من الله وتوفيقه لمن يشاء، حتى يظل الإنسان طامعا في عفوه، غير خارج عن حظيرة الرجوع إلى الله في كل شيء، وهذه قصة بعض المنافقين، الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم يؤمنون باللسان ثم لا يرضون بحكم الله، وهؤلاء قد ضلوا سواء السبيل. ولعل ذكر أوصافهم صريحة مما يقوى تمثيلهم بالحيوان.
روى أن رجلا من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى رسول الله، ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف فرارا من الحكم الحق الذي سيحكمه رسول الله ثم انتهى الأمر، وتحاكما إلى رسول الله فحكم لليهودي،
لأنه صاحب الحق، ورسول الله لا يحكم إلا به ولو على أقرب الناس إليه، فرضي اليهودي بذلك، ولم يرض المنافق، وتحاكما إلى عمر طمعا فيه فقال له اليهودي: قد تحاكمنا إلى رسول الله ورضيت ولم يرض زميلي فقال عمر: أهذا حصل، قال المنافق:
نعم، فضرب عمر رقبته بالسيف حيث لم يرض بحكم رسول الله!!.
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
стр. 1602
والمعنى: من الناس من يقول بلسانه بدون اعتقاد: آمنا وأطعنا ثم يتسلل فريق منهم ويعرض عن حكم الله الذي هو مقتضى قوله آمنا وأطعنا، وانظر إلى قوله: ثم التي تفيد العطف ولكن مع التراخي في الترتيب إذ بعيد على العاقل أن يقر بالإيمان والطاعة ثم يعرض عن حكم الله ورسوله وما أولئك بالمؤمنين أبدا.
أليس هذا كافيا؟! لمن يدعى الإيمان ثم يجاهر بالرضا عن الحكم بغير كتاب الله وسنة رسوله!! إنه بلا شك في الدرك الأسفل من النفاق العملي: وإذا دعوا هؤلاء إلى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ليحكم بينهم إذا فريق- وقد يكون كبيرا- منهم معرضون، وكيف يقبلون التحاكم إلى الله؟ الله يحكم بشدة على الزاني والسارق وشارب الخمر، والذي يسب المحصنات الغافلات، ويحرم الاختلاط، والسفور، ويقول للمؤمنين وللمؤمنات: غضوا من أبصاركم واحفظوا فروجكم وأنفسكم عن الفاحشة.
فلا يقبل هذا ولا يرضى به إلا كل مسلم عفيف، وكل محصنة عفيفة، أما من يريد الإباحية، والفوضى الخلقية، فيتعلل بأنظمة واهية، وتقاليد غريبة بالية لا تصلح لنا ولا تعيش في جونا، وما أشبه الليلة بالبارحة.
فأولئك هم الذين ينفقون النفس والنفيس في سبيل عرقلة الدعوة إلى الحكم بكتاب الله، وأصارحكم يا إخوانى أن هناك عدة جهات همها وعملها في الشرق إماتة كل حركة إسلامية فإنها العدو اللدود للاستعمار.
ومن الغريب أن يخدع بعض الشباب المسلم بهذا، وينادى بما ينادى به أولئك القوم، ولكن لا غرابة فالله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
هؤلاء الذين لا يرضون الحكم بكتاب الله يقول الله في شأنهم:
أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ ... بل أولئك هم الظالمون ...
نعم فهم لا يخرجون عن واحد من هذه الفروض ليخلص أن الباعث الحقيقي هو ظلمهم وتوغلهم فيه وحدهم.
ومعنى الآية: أعميت بصائرهم فلم يدركوا هذا النور الذي ملأ السموات والأرض؟!! .. بل أهم في شك من أمره ﷺ ، فلا يدرون أحق ما جاء به أم
стр. 1603
باطل؟!! بل ألحقهم الخوف من أن يحيف عليهم حكم الرسول ﷺ لما شعروا به من ضلالهم وظلمهم؟!! كلا! وألف كلا! لم يكن شيء من ذلك عند من أعرض عن حكم الرسول قديما وبدليل أنهم يأتون إليه مذعنين عند ما يعلمون أن الحكم في جانبهم، وأنهم لا يتكلفون شيئا.
فهل هذا إلا لشيء واحد هو ظلمهم، وتمسكهم به، والاستفهام في الآية لإنكار أن يكون السبب غير الظلم فقط وتمسكهم به.
وانظر إلى مكانة الرسول ﷺ حيث جعل مع الله في سلك واحد في قوله وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ فقد بينت الآية أن حكم الرسول هو حكم الله فهل يعقل أن من هذا وضعه مع الله- سبحانه- يحيف في الحكم، أو ينطق عن الهوى أو بالإثم؟!!.
رب إن الهدى هداك وآيا ... تك نور تهدى بها من تشاء
هؤلاء هم المؤمنون الممتثلون [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
стр. 1604
المفردات:
جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
قدر طاقتهم من اليمين وَيَتَّقْهِ أى: ويتق فالهاء للسكت.
المعنى:
لقد مضى الكلام في المنافقين المترددين في قبول حكم الله وحكم رسوله، الذين يسيرون مع الإسلام إذا كانت لهم مصلحة، فإن ابتعدت المصلحة ابتعدوا عن الإسلام وركبه، واعلم يا أخى أن هذه أمراض لا زلنا نراها في كثير من الناس؟ أما المؤمنون الصادقون فها هو ذا قولهم الحق الناشئ عن إيمانهم الصدق، إنما كان قول المؤمنون إذا دعوا إلى الله ورسوله في أى شيء يتعلق بهم وبخاصة في الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله، إنما كان قولهم أن يقولوا بألسنتهم وقلوبهم: سمعنا وأطعنا، أى: سمعنا دعوتكم للتحاكم لرسول الله وشرعه، وأطعناكم فيما تطلبون، وتلك مقالة المؤمنين الواثقين المتمكنين.
ومن يطع الله ورسوله في أمور الدين كلها، ومن يخش الله أى: يخف عذابه وعقابه فيما مضى من الذنوب، ويتقه فيما يستقبل منها فأولئك هم الفائزون وحدهم، لأجل اتصافهم بطاعة الله وطاعة رسوله وبخشيته وتقواه.
ثم عاد الكلام إلى الفريق الأول من المنافقين، وما أكثرهم في كل زمان ومكان وأقسموا بالله جهد طاقتهم من الأيمان لئن أمرتهم ليخرجن إلى العدو أو ليخرجن من أموالهم بالصدقة، فيرد الله عليهم قائلا: قل لهم: لا تقسموا ... طاعتكم معروفة.
فأنتم تطيعون في السهل من الأمور كالصلاة مثلا، أما صعبها كتحكيم كتاب الله أو الجهاد أو الشيء يحتاج إلى بذل وعطاء فلستم معنا إن الله خبير بما تعملون.
قل لهم يا محمد: أطيعوا الله وأطيعوا رسوله في كل ما فرض الله وسن رسوله،
стр. 1605
فإن تولوا واعرضوا فلا شيء أبدا، إذ لا تذر وازرة وزر أخرى فإنما على الرسول ما حمل، وعليه تنفيذ ما طلب منه، وعليكم إثم ما طلب منكم، ولم تقوموا بأدائه.
وإن تطيعوا الرسول تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ فقط وما يتصل به: وليس عليه الهداية والحساب فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [سورة الغاشية ٢١- ٢٦] .
دولة المؤمنين [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٥ الى ٥٧]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
المفردات:
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ليجعلنهم خلفاء فيها وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ليجعلنه ممكنا بتثبيت قواعده وإعزاز جانبه مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أى: لا تلحقهم قدرة الله.
لما كشف الله سر المنافقين، وفضح حالهم، وعرفهم المؤمنون، وكان في ذلك تقليل لعددهم، وأراد الله أن يطمئن المؤمنين، ويشد أزرهم ببيان مكانة الدولة الإسلامية بين الدول.
стр. 1606
المعنى:
- وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليجعلنهم خلفاء الله في أرضه ووعده ناجز، وقوله صادق فالله لا يخلف الميعاد وقد شرط الله ذلك بالإيمان والعمل الصالح فإن تحقق الشرط تحقق المشروط، والعكس صحيح، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فاستخلف المؤمنين في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، ومكّن لهم دينهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
ولا يزال هذا شأن كل أمة مسلمة تؤمن بالله حقا وتعمل الصالح الذي أمر الله- تعالى- به. ونهى عن غيره، فأقاموا العدل والنظام وحكموا بما أمر الله، وأخذوا الحيطة لأنفسهم كجماعة ودولة.
والتمكين لهم في دينهم بإعزاز جانبه. وإرساء قواعده. وتقوية حجته. حتى يقبلوا عليه بنفوس اشتراها الله ليكون لهم الجنة فيجاهدون في سبيله بأموالهم وأنفسهم ابتغاء رضوانه.
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً اعلم يا أخى أن المؤمنين بالله في كل عصر وزمن قلة بالنسبة لغيرهم فيريد الله أن يقلع جذور الخوف من قلوبهم. ويملؤها. إيمانا ويقينا وثباتا بنصر الله ومعونته وتأييده ودفاعه عنهم. ليعلموا أن النصر والنهاية الحسنة لهم ما داموا مؤمنين عاملين. عابدين حقا لا يشركون به شيئا. والإشراك بالله باب واسع يشمل الشرك في العقيدة كالمشركين والوثنيين، ويشمل الشرك في العمل كالمرائين والمتكبرين والمعجبين.
ولقد وعد الله المؤمنين أن يخلفهم في الأرض وأن يمكن لهم في دينهم وأن يبدل خوفهم أمنا إذا آمنوا إيمانا عميقا. وعملوا عملا وثيقا. وعبدوا الله عبادة خالصة يتحقق فيها قوله تعالى. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
ومن كفر بعد ذلك البيان الكامل الذي ينير الطريق. فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن حدود الدين الصحيح وفي هذا تهديد ووعيد.
أيها المؤمنون إن العمل الصالح له دعائم. هي إقامة الصلاة التي هي عماد الدين التي تجر إلى فضائل كثيرة. وتنهى عن رذائل كثيرة، ولا تعترض بما يفعله بعض المصلين
стр. 1607
من الخروج عن حدود الدين. فأولئك يأتون بصلاة لا روح فيها. صلاة من غير عقل إذ قد خلت من الخشوع والخضوع. وكمال الاستحضار الدعامة الثانية الزكاة فالصلاة لتقويم الفرد أولا ثم المجموع ثانيا. والزكاة لتقويم الجماعة. وتصفية الضمائر، وتقوية الأواصر. وتجعل الأمة كالبنيان المرصوص لهذا قرنت دائما بالصلاة في القرآن.
وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون. وفي هذا إجمال لكل ما جاء به النبي ﷺ لعلكم بعد هذا ترحمون وتلك هي الدعامة الثالثة.
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وفي هذا تبديد لمخاوفهم وتطمين لنفوسهم حتى لا يرهبون أعداء الله مع كثرتهم وقوتهم فإن الله معهم وناصرهم وهو القوى القادر فلا تظنوا أن الكفار مهما كانوا يعجزون الله هربا بل هم في قبضة الله، في الدنيا، وأما في الآخرة فمأواهم النار وبئس المصير مصيرهم.
والخلاصة أن دولة المؤمنين وعزهم وسلطانهم مشروط بالإيمان والعمل الصالح والعبادة الخالصة بلا إشراك مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول في كل ما جاء به فإن تخلوا عن ذلك أو عن جزء منه أصابهم الوهن والعجز والانحلال وتحكم فيهم عدوهم وعدو دينهم.
آداب لمن يعيشون في بيت واحد [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
стр. 1608
المفردات:
الظَّهِيرَةِ وقت الظهر لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ أى: لم يحتملوا، والبلوغ الذي هو مناط التكليف يكون بالاحتلام أو ببلوغ السن خمس عشرة سنة طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أى يطوفون عليكم وَالْقَواعِدُ النساء قعدن لكبرهن وضعفهن مُتَبَرِّجاتٍ التبرج الظهور والتكشف.
المعنى:
تلك آداب خاصة لمن يعيش في أسرة كبيرة في بيت واحد، ويكون فيه الإخوة والأولاد والخدم والعبيد مثلا، فالواحد منهم لم يدخل بيتا غير بيته حتى تشمله الآيات السابقة الخاصة بالاستئذان، وما من شخص إلا وله أحوال داخلية، لا يجب أن يطلع عليها إنسان، ولو كان ابنه، لهذا لم يتركنا القرآن الكريم الذي هو الدستور الإسلامى الإلهى بل أنقذنا من ذلك الحرج فقال:
يا أيها الذين آمنوا: ليستأذنكم المملوكون لكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات وكون الصبى غير مكلف لا يمنع أن وليه يعوده على ما يطلب منه من الآداب والحقوق ألا ترى إلى
قول الرسول: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر» .
стр. 1609
أما الأوقات الثلاث فهي: من قبل صلاة الفجر حين يستيقظ من نومه ويهب من فراشه، فيخلع ثوبا ويلبس ثوبا، ولعله بحاجة إلى خلوة في هذه الحال، ومن بعد صلاة العشاء حيث يكون قد فرغ من عمله، وتخلى عن تكاليف الحياة وأوى إلى أهل بيته ليأنس بهم، ويأنسوا به، وهو يستعد إلى النوم، وربما لبس ثيابا خاصة، ولا منغص له أكثر من طارئ يفاجئه على هذه الحال مهما كان، ولو كان صغيرا ما دام يعقل، ولم يتعرض لما بين الوقتين لندرة الدخول حينئذ ويمكنك أن تفهم بالإشارة استحباب تعجيل النوم عقب صلاة العشاء والتبكير باليقظة قبل صلاة الفجر فذلك أعون على انتظام الصحة العامة الوقت الثالث: حين تضعون ثيابكم من الظهيرة.
وليس محددا كأخويه إذ القيلولة قد يتعجلها إنسان. ويتأخر بها آخر. فلذلك قال وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ.
هي ثلاث عورات لكم. وهذا تعديل للحكم. وبيان لحكمة التشريع. والعورات كل ما يكره الإنسان أن يطلع عليه غيره.
أما في غير هذه الأوقات، فلا حرج ولا جناح عليكم فإن الإنسان في بيته حيث لم يكن في حجرته الخاصة لا يسوؤه أن يراه أحد من خدمه وأولاده مثلا بلا استئذان على أن من في البيت يطوفون عليكم بعضكم على بعض فلو استأذنوا لشق عليهم ذلك كذلك يبين لكم آياته الكاملة والله عليم بخلقه حكيم في حكمه يضع الأمور في نصابها.
وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم أى: بلغوا سن التكليف فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم في الآيات السابقة لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
وهذا علاج لبعض البيوت غير المحافظة التي ترى أن الطفل وإن شب وترعرع فلا مانع من الاختلاط لأنه كان صغيرا وكانوا يطلعون عليه فهذه الآيات تمنع تلك العادة. والقواعد من النساء وهن من قعدن في البيوت أو كان أغلب أحوالهن القعود ولا يطمع فيهن لكبرهن ولا جناح عليهن ولا حرج في أن يضعن ثيابهن التي لا يفضى خلعها إلى كشف العورة مثل القناع والجلباب الذي يلبس فوق الملابس الداخلية، حالة كونهن غير متبرجات بزينة، وهذا المعنى هو الحد الفارق بين من يخشى منها الفتنة ومن لا يخشى منها ذلك، فالثانية لا جناح عليها أن تضع ثيابها التي لا تكشف
стр. 1610
العورة بشرط عدم التبرج بالزينة ومع هذا فالاستعفاف، والاحتياط بالستر خير لهن وأكمل نسأل الله أن يوفقنا إلى العمل بكتابه وإرشاداته وأن يعصمنا من الزلل.
آداب إسلامية [سورة النور (٢٤) : آية ٦١]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
المفردات:
حَرَجٌ الحرج الضيق، وفي لسان الشرع هو الإثم والذنب أَشْتاتاً متفرقين مُبارَكَةً كثيرة الخير.
стр. 1611
المعنى:
أراد الله- وهو أرحم الراحمين بنا ألا يتركنا نتخبط في شيء حتى في الأمور العامة التي هي من المباحات وليست من العقائد والعبادات، أراد الحق- جل شأنه- أن يرسم لنا الطريق، ويؤدبنا بأدب الإسلام العالي في الأكل والشرب مع غيرنا.
وقد كان بعض الناس يأنف من الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض مثلا حرصا على نفسه، أو حبّا في أن يتمتع صاحب العلة كل حسب ما يريد، فجاء القرآن ونفى الحرج والإثم عن ذلك وقال ما معناه: ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج وليس عليهم إثم في أن يأكلوا مع الأصحاء، وأن يجتمعوا معهن على مائدة واحدة، إذ الأمر أوسع مما تظنون أيها المتزمتون فالله يربينا على أن مسائل الأكل والشرب من توافه الأمور وبسائطها التي يجب ألا يعنى بها المسلم إلى هذه الدرجات لأننا نأكل لنعيش ولنقيم أودنا، ولسنا في الدنيا نعيش لنأكل كالبهائم والكفار.
والخلاصة: ليس على هؤلاء حرج في أن يأكلوا مع غيرهم من الأصحاء، وكذلك لا حرج على من يؤاكلهم على مائدة واحدة، وليس عليهم حرج أن يأكلوا من بيوت غيرهم حيث أباحوا لهم ذلك في غيبتهم.
وقوله تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ إلى آخر الآية إنما هو توسعة على الناس، وبيان لما تقتضيه أواصر الصلات والمحبة بين الأفراد، والآية أباحت لنا أن نأكل من أحد عشر موضعا بلا إذن حيث نعلم أنه لا يتألم، ولا تشح نفسه لذلك بل يسر فإن عرفت أن قريبك يتألم من أكلك طعامه في غيبته فإياك أن تأكل منه وكن عفيفا، والأحد عشر هم:
(١) الأكل من بيوتنا، ولعله أراد بيوت أبنائنا، فإن مقتضى الصلة الأكيدة التي بين الأب وابنه أن يجعل من بيوت الأبناء بيوتا للآباء.
(٢) أو بيوت آبائكم.
(٣) أو بيوت أمهاتكم.
(٤) أو بيوت إخوانكم.
(٥) أو بيوت أخواتكم.
(٦) أو بيوت أعمامكم. (٧) أو بيوت عماتكم.
стр. 1612
(٨) أو بيوت أخوالكم.
(٩) أو بيوت خالاتكم.
(١٠) أو ما ملكتم مفاتحه، كأن تكونوا وكلاء عن أصحاب المال مثلا.
(١١) أو بيوت صديقكم، ومحل ذلك كله إذا كنت تعلم أنه يسر ويرضى كما هو مقتضى الصلة والصداقة والأخوة الإسلامية، فإذا ظننت أنه لا يرضى فحرام عليك الأكل
لقوله ﷺ . «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» .
والواقع يؤيد ذلك فإن من يأكل الطعام في غيبة صاحب البيت يعتبر هذا عملا يسر له صاحب البيت بل ربما كان مثل هذا العمل من دواعي إزالة بعض ما في النفوس.
ليس عليكم أن تأكلوا جميعا أى مجتمعين أو أشتاتا أى: متفرقين فلا حرج عليكم في هذا أو ذاك.
فإذا دخلتم بيوت الأقارب والأهل والأصدقاء فسلموا على من فيه بتحية الإسلام، وهذا أدب قرآنى أى إذا دخلتم بيتا أبيح لكم دخوله كبيت أبيك أو أخيك أو صديقك مثلا فلا تتهجم وتدخل بلا إذن بل عليك أن تستأذن وتسلم على من فيه بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة نامية كثيرة الخيرات والبركات.
على هذا النحو من البيان الرائع والأدب العالي، والتوجيه السليم جرت عادة القرآن الكريم أن يبين الله آياته فيه فتملأ قلوبنا حكمة، ونفوسنا رحمة، وحياتنا تنظيما وكل هذا لعلكم تعقلون فيزداد تمكنكم بها، وتعلقكم بأهدابها، ويكثر شكركم من أجلها والله أعلم.
من آداب الجماعة نحو الرسول ﷺ [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
стр. 1613
المفردات:
جامِعٍ أمر مهم يحتاج إلى الاجتماع والتشاور دُعاءَ الرَّسُولِ طلب الرسول لهم أن يجتمعوا يَتَسَلَّلُونَ التسلل الخروج خفية لِواذاً أى: متسترين بعضهم ببعض.
المعنى:
كان هذا خير ما يختم به تلك السورة العظيمة التي عالجت علاقة الناس مع بعضهم وبخاصة في الأسرة والبيوت وها هي الآن تعالج أدب الجلوس مع النبي ﷺ في أمر هام.
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا مع النبي مجتمعين على أمر هام جامع، اجتمعوا فيه للتشاور وأخذ الرأى، لم يذهبوا حتى يستأذنوه، فالانصراف في هذه الحالة ضار بالشخص نفسه لحرمانه من شهود مجتمع هام، وضار بالمجتمعين أنفسهم، لما يلقيه من الوهن والضعف، وشديد على النبي ﷺ لحرصه على هداية قومه، وانتفاعهم بكل مجالسه، لما فيها من الخير النافع لهم في دينهم ودنياهم، والآية
стр. 1614
قد حصرت المؤمنين في من اجتمع فيه ثلاث خصال: الإيمان بالله، والإيمان برسوله، والتزام مجتمعه ﷺ إذا كان أمر مهم فلا يذهب شخص حتى يستأذنه.
وفي هذا بيان لما يجب أن يكون عليه المؤمنون مع النبي ﷺ ، وهذا الحكم يجرى مع الجماعة ورئيسها العام أم الخاص.
فالذين يذهبون ولا يستأذنون أولئك هم المنافقون، وليسوا من الإيمان في شيء وهذا ما يوافق سبب النزول، فقد
روى أن الآية نزلت في قوم منافقين كانوا ينصرفون عن النبي ﷺ أثناء الخطبة عند ما كانوا يحسون بالحرج والألم وقت أن يشرح النبي حال المنافقين.
إن الذين يستأذنونك، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، وهذا يجعلنا نقول إن الاستئذان يكون للأمر المهم لا لكل أمر عارض، إن الإذن موكول للرئيس إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن والمفروض فيه أنه يعالج ما يعرض له حسب الحكمة، ويحسن بنا ألا ننصرف- ولو بإذن لبعض الشئون الهامة- حيث كان الاجتماع لأمر مهم يتعلق بالجماعة، وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ يفيد أن الإذن مهما كانت دواعية مما يقتضى الاستغفار.
يا أيها الناس لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم لبعض فإن النبي حينما يدعوكم لأمر يتعلق بدينكم أو بدنياكم يجب أن تأخذوه على أنه أمر مهم واجتماع من المصلحة العامة ألا تحرموا منه، ويجب أن تتقبلوه بصدر رحب ولا تظنوه كدعوة بعضكم لبعض في توافه الأمور، ودعاء بعضكم لبعض المراد منه دعاء من ليس له ولاية عليكم، فمتى ثبتت الولاية لشخص ثبت له الحكم، واعلموا أن الله يعلم الذين يتسللون ويخرجون خفية متسترين ببعض بلا إذن، وسيجازيهم على ذلك.
فليحذر الذين يخالفون خارجين عن أمره- مهما كان ليحذروا أن تصيبهم فتنة في دينهم أو دنياهم أو يصيبهم عذاب أليم، وهذا تهديد شديد نشفق منه على الأمة الإسلامية ولعل ما يصيبنا من فتنة راجع لمخالفتنا أوامر القرآن في كل شيء.
وهذه الأوامر والتكاليف التي في السورة كلها يجب عليكم أن تتنبهوا لها، وتعملوا بها فإنها صادرة ممن يملك السماء وما فيها، والأرض وما عليها، ويعلم ما أنتم عليه من سر وجهر، ويوم يرجع الناس إليه فينبئهم بما عملوا ويجازيهم عليه، والله بكل شيء عليم.
стр. 1615
سورة الفرقان
مكية: وآياتها سبع وسبعون وقيل هي مكية إلا آيات ٦٨، ٦٩، ٧٠ فقط.
لقد تكلم الله في هذه السورة على التوحيد الخالص له وعلى القرآن. وعلى النبوة، وأحوال القيامة، وختمها بوصف العباد المؤمنين، كما افتتحها بالكلام على إثبات الصانع ووصفه بالجلال والكمال، وتنزهه عن النقص وما هو محال، وفي خلال ذلك تكلم عن أعمال المؤمنين والكافرين وعاقبتها ... وهدد الكفار بذكر قصص الأمم السابقة.
لا معبود بحق في الوجود إلا الله [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)
المفردات:
تَبارَكَ البركة: الزيادة في الخير وكثرته الْفُرْقانَ هو القرآن نُشُوراً النشور: الإحياء بعد الموت للحساب.
следующие страницы →