روى أنه إذا مات الميت سئل عن ربه، وعن نبيه وعن دينه، أما المسلم فيقول:
ربي الله، ونبيي محمد ﷺ ، وديني الإسلام دين الفطرة، والتوحيد الخالص البريء، وأما الكافر والمشرك فلا يجيب بشيء، بل يسكت، إذ من كان في هذا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيل، ولهذا قال الله: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ بل يسكتون.
وانظر إلى قوله: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ وما فيها من بلاغة!!.
فأما من تاب إلى الله وآمن بالله، وصدق رسول الله، وعمل عملا صالحا لوجه الله فعسى أن يكون من المفلحين الفائزين، وعسى في كلام صاحب الملك والملكوت للتحقيق..
وهكذا يضرب الله الأمثال، ويبين للمؤمنين والكافرين الأحوال، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فاعتبروا بذلك يا أولى الأبصار.
الله متصف بصفات الجلال والكمال [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٨ الى ٧٥]
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)
стр. 1752
المفردات:
الْخِيَرَةُ أى الاختيار تُكِنُّ تخفى سَرْمَداً دائما مأخوذ من السرد وهو المتابعة تَسْكُنُونَ فِيهِ تهدءون فيه وتستريحون وَنَزَعْنا أخرجنا وَضَلَّ عَنْهُمْ تاه.
المعنى:
وربك يا محمد صاحب الجلالة، إليه الأمر كله، وهو المنزه عن كل نقص، الموصوف بكل حمد، الرحمن الرحيم، صاحب الفضل العميم، يخلق ما يشاء لا معقب عليه، ولا راد له، ويختار ما يشاء من الأفعال والأحكام، ومن يشاء من الخلق لما يشاء من الأمر، وهذا متصل بذكر الشركاء لله والشفعاء له، وقيل هو رد لكلام الوليد بن المغيرة حين قال: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعنى بذلك نفسه وعروة بن مسعود الثقفي شيخ الطائف.
وهذا عجب وأى عجب؟! أهم يقسمون رحمة ربك؟ أهم أوصياء على فاطر السموات والأرض، أليس الله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بخلقه وأحوالهم واستعدادهم أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ سبحان الله وتعالى عما يشركون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وتخفيها، وما تبديها وتعلنها إذ هو العليم بذات
стр. 1753
الصدور، وهو الله ﷻ ؟ لا إله إلا هو، ولا معبود في الوجود بحق إلا هو، له الحمد في الدنيا والآخرة، وفي الأولى والثانية، وله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله، وإليه وحده ترجع الخلائق يوم القيامة. هذه حقائق تشهد بها آيات الله الكونية، وآياته القرآنية.
قل لهم يا محمد أخبرونى: إن جعل الله عليكم الليل دائما بلا نهار إلى يوم القيامة! هل هناك إله غير الله يأتيكم بضياء تتمتعون به؟ أفلا تسمعون ذلك سماع تفهم وتدبر؟!! قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار دائما إلى يوم القيامة، هل هناك إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه وتهدءون؟ أفلا تبصرون هذه الحقائق فتعرفون لصاحبها- ﷻ حقه الكامل، وتصفونه بصفات الجلال والكمال، وتنزهونه عن صفات الحوادث والمخلوقات.
ومن رحمته بخلقه جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبصروا فيه منافعكم وتحصلوا أمور معاشكم، ولتشكروا فيه ربكم على ما أسدى لكم من نعمة. وما حباكم به من فضل.
وإن من يذهب إلى البلاد الشمالية الواقعة جهة القطب الشمالي مثلا ويرى انعدام الحياة فيها لأن النهار قد يمكث ستة أشهر، والليل كذلك أو قريبا منه يدرك السر في اختلاف الليل والنهار، وتعاقبهما، وما في ذلك من النعم التي لا تحصى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان آية ٦٢] .
يا عجبا! هذه آيات ناطقة بأنه القادر وحده على كل شيء، الواحد ذاتا وصفة وفعلا وله الأمر، ومع هذا فبعض الخلائق تدعى له شركاء لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب!!.
واذكر يوم يناديهم فيقول لهم: أين شركائى الذين كنتم تزعمون؟! ولعل النداء كرر لاختلاف الحالتين ينادون مرة- كما سبق- فيدعون الأصنام فلا يستجيبون فتظهر حيرتهم، ثم ينادون مرة أخرى- كما هنا- فيسكتون ولا يجدون جوابا، وهذا توبيخ لهم وتأنيب، ويقول القرطبي ﵀. والمناداة هنا ليست من الله لأنه تعالى لا يكلم الكفار لقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لكنه تعالى يأمر من يوبخهم ويبكتهم،
стр. 1754
ويقيم الحجة عليهم في مقام الحساب، وقيل: يحتمل أن يكون من الله ويكون قوله:
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ محمولا على بعض الأحوال حين يقال لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [سورة المؤمنون آية ١٠٨] .
ونزعنا من كل أمة شهيدا يشهد عليهم بأعمالهم في الدنيا، وهو رسولهم الذي أرسل لهم، ثم يأتى محمد ﷺ ويشهد على الأنبياء جميعا فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [سورة النساء آية ٤١] فقلنا: هاتوا برهانكم وحجتكم، فعلموا حينئذ أن الحق لله، وأن ما جاءت به الأنبياء حق وصدق، وضل عنهم ما كانوا يفترون.
وفي كتب التفسير عند تفسير قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ يحسن بمن يريد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا أن يستخير الله بأن يصلى ركعتين بنبيه صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ الآية، وفي الركعة الثانية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ثم يدعو بعد السلام بهذا الدعاء، وهو ما
رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل. اللهم إنى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمرى أو قال في عاجل أمرى وآجله. فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياى ومعاشي وعاقبة أمرى، أو قال في عاجل أمرى وآجله، فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به» . قال:
ويسمى حاجته.
قصة المال والعلم وتأثيرهما في النفس الإنسانية [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٨٤]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠)
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)
стр. 1755
المفردات:
فَبَغى عَلَيْهِمْ تكبر عليهم أو ظلمهم الْكُنُوزِ كنز المال: جمعه وادخره، والكنز: المال المدفون وجمعه كنوز لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ لتثقل يقال ناء به الحمل ثقل عليه، والعصبة الجماعة من الناس وَابْتَغِ اطلب عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوتيته على معرفة عندي وَيْلَكُمْ الويل: الهلاك أو العذاب، فخسفنا المراد جعلنا عاليها سافلها وَيْكَأَنَّهُ كلمة وى بمعنى أتعجب، وكأن للتشبيه وَيَقْدِرُ أى: يضيق ويقتر عُلُوًّا تكبرا وغلبة.
وهذه هي قصة المال والغرور بالعلم وكيف كان مآلهما بعد قصة الملك والسلطان وكيف كانت نهايتهما.
المعنى:
- إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم مع أنه منهم، وعاش معهم ولكنه لم يرع لذلك كله حرمة أو جوارا، وبغى عليهم حتى جمع ذلك المال الوفير، وبغى عليهم بتكبره وطغيانه وظلمه لهم.
وآتاه الله من الأموال المنقولة والثابتة ما إن علمه والإحاطة به والمحافظة عليه لتنوء به العصبة من أولى العلم والقوة وبعضهم يرى أن المعنى. وآتيناه من الكنوز والأموال ما إن مفاتيح خزائنه لتنوء بحملها العصبة من الرجال أولى القوة، ومنشأ هذا الخلاف في الرأى أن المفاتيح قد يراد بها العلوم والمعارف نظرا إلى قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [سورة الأنعام آية ٥٩] وقد يراد بها مفاتيح الخزائن المعروفة.
كان قارون من قوم موسى، وكان ذا مال وفير، والمقصود المهم من القصة هو ما يأتى:
اذكر وقت أن قال له قومه على جهة الوعظ والإرشاد.
стр. 1756
لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض.
وهذه خمسة أصول مهمة، ومن تمسك بها وعمل بمقتضاها نجا من الدنيا وما فيها.
١- قالوا له: لا تفرح بدنياك فرحا مصحوبا بالبطر والأشر، والفتنة والغرور فالدنيا عرض زائل، وعارية مستردة يربح فيها من عرفها، ويخسر من اغتربها لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ.
ب- وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ نعم فالدنيا طريق الآخرة، هي المزرعة للباقية من زرع فيها الخير حصد، ومن أضاع عمره فيما لا يرضى ربه ندم والعاقل من طلب بدنياه آخرته، ومن ابتغى فيما آتاه الله الدار الآخرة والله- سبحانه- لا يطالبك بأن تعطى مالك كله، بل إن تنفق القليل طلبا لرضا الرب الجليل، ترجع بالخير الكثير والجزاء الجزيل.
ج- وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا نعم فهذا هو الطريق الوسط والرأى الرشد، أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وتعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، فليس من الدين الزهد في الدنيا حتى تتركها وتعيش عالة على غيرك، بل الدين يطالبك بالعمل والجد والغنى من طريق الحلال، فإذا جمعت المال فأعط حق الله فيه، ولا تنس نصيبك من الدنيا، أى: تمتع ببعضه بلا إسراف ولا تقتير، انظر إلى هذا النظام المحكم الدقيق الذي وضعه الحكيم البصير! د- وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ والإحسان هو الإتقان في العمل، وهو يقتضى إعطاء كل ذي حق حقه.
هـ- وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بالظلم أو العسف أو الكبر أو الإضرار بالناس فكل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها، إن الله لا يحب المفسدين بأى شكل كان.
انظر إلى قارون وقد أبى أن يقبل هذا النصح- لأنه غير موفق- بل زاد عليه بقوله: قال: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي!! بمعنى أنه أوتى هذا المال لفضل علمه وكمال استحقاقه له، أو المعنى أنه أوتيه على علم عنده بوجوه الكسب وطرق
стр. 1757
الزيادة، وإنماء المال، كأنه قال إنما أوتيت هذا المال لفضل علمي وتمام مجهودي وتجاربي، فليس لأحد حق له في هذا المال، وكأنه ينكر إنعام الله عليه بتلك الأموال لاستحقاقه لها عن جدارة فهو حر التصرف.
ولقد رد الله عليه أبلغ رد حيث بين له حقيقة الأمر.
أعنده مثل هذا العلم الذي افتخر به وتعاظم، ورأى نفسه مستوجبة لكل نعمة، ولم يعمل به حتى يقي به نفسه مصارع السوء التي أهلك الله بها الطغاة المتجبرين الذين هم أشد منه قوة، وأكثر مالا وعددا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، وهكذا يجب على الإنسان ألا يغتر بماله، وأولاده وجموعه مهما كانت، فإن الله إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، وليعلم المسلم أن الأيام دول، وأن الدهر قلب، وليعتبر بما حصل في الماضي، وليحصن ماله بالإنفاق.
هذا حال قارون مع ماله، وموقفه ممن وعظه، وغروره بنفسه واستمع إلى الناس، وقد انقسموا إلى فريقين: فريق ينظر نظرة سطحية، فتعميه الدنيا وزخارفها عن الوضع السليم والطريق المستقيم وآخر قد نور الله بصيرته فهو ينظر إلى الدنيا بعين العبرة والعظة، عين الرجل الفاهم للحقائق الذي لا تخدعه المظاهر الخلابة.
أما الفريق الأول فيقول، وقد خرج قارون في أكمل زينته وتمام أبهته: يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون، وإنه لذو حظ عظيم، نظر هؤلاء إلى من فوقهم فتمنوا أن يكونوا مثل قارون في غناه وأبهته، ونسوا أن لله في خلقه شئونا، وأن السعادة والخير ليس في المال الكثير، والجاه العريض، وإنما الخير والسعادة شيء وراء ذلك كله، ما دام العبد موصولا بربه، راضيا مرضيّا، ولقد عالج القرآن هذا الداء علاجا حاسما لأن الحق- ﵎ يعلم خطره، إذ من يمد عينيه إلى مال غيره ويتمناه، يعود وقد امتلأ قلبه حسدا وحقدا، وناهيك بهذه الأخطار التي ينشأ عنها معظم الجرائم: اقرأ معى قوله- تعالى- لنبيه الكريم وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه ١٣٢] .
أما الفريق الثاني فيقول ناصحا لأصحابه: ويلكم [هذه كلمة زجر] ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا فالسعادة فيه، والخير لصاحبه إذ هو دائم، لا تعب معه
стр. 1758
ولا ضرر فيه، وهذا المال مصدر تعب وشقاء لصاحبه في الواقع ونفس الأمر كما نشاهد ذلك عند أغلب الأغنياء.
ولا يلقّاها إلّا الصابرون، أى: ولا يلقى هذه الحقائق ويعمل بها إلا الصابرون، ولا شك أن هذه الحقائق هي الإيمان والعمل الصالح، وإدراك ما يوصل إلى خيرى الدنيا والآخرة.
وقد جاءت نهاية قارون مؤيدة لما ذهب إليه أهل العلم والبصر بالدنيا والآخرة فخسف الله بقارون وبداره وبماله وبجموعه الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ويمنعون عنه بأس الله وبطشه، حيث لم يعمل عملا صالحا يقربه إلى ربه، ولم يحصن ماله بالصدقة والزكاة، ولم يتقرب إلى الله وإلى الناس بترك الكبر والغرور والغطرسة، ولهذا كله كانت النتيجة أن ضاعت دنياه، وخسف الله به الأرض، والله على كل شيء قدير، وبعباده خبير بصير، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون:
وى [كلمة تفيد معنى التعجب] كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، نعم، الله وحده هو الذي يعطى ويمنع ويبسط الرزق لمن يشاء ويقتر، فلم يعط إنسانا لعقله وعلمه، ولم يحرم آخر لجهله وسوء رأيه، بل الأمر كله لله، وإذا كان كذلك فالواجب هو امتثال أمر الله، ومخالفة النفس الأمارة بالسوء، وترك الغرور والكبر فإن الأمر كله بيد الله، وهو صاحب الأمر، لولا أن من الله علينا لأصابنا ما أصاب قارون، وى كأنه لم يفلح الكافرون حقيقة، وما هم فيه في الدنيا فهو استدراج لهم، وفتنة لغيرهم، تلك الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم دائم لا تعب ولا مشقة معه يجعلها ربك للذين لا يريدون علوّا في الأرض على غيرهم، ولا يريدون فسادا والعاقبة للمتقين، وانظر إلى قوله تعالى: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً حيث علق الوعد بترك إرادة العلو والفساد وميل القلب إليهما، لا بفعلهما مبالغة في تحذير المؤمنين وإبعادهم عن هذه الأمراض الخطيرة التي تبيد الأمم، وتهلك الأفراد والجماعات.
ولا غرابة في ذلك كله فإن هناك قانونا وسنة لا تتخلف هي: من جاء بالحسنة فله خير منها، أى: ثواب خير منها وهو عشر أمثالها. والله يضاعف لمن يشاء، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فقط جزاء لعمله، وربك ذو فضل عظيم، إذ لا يجزى بالسيئة إلا مثلها، ويجزى بالحسنة عشر أمثالها، إن ربك واسع المغفرة.
стр. 1759
البشرى بالعودة إلى مكة [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٥ الى ٨٨]
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
المفردات:
فَرَضَ أنزله عليك مَعادٍ قيل: هو المقام المحمود الذي وعد أن يبعث فيه وقيل: هو مكة إذ معاد الرجل بلده لأنه ينصرف منها ثم يعود إليها ظَهِيراً معينا وناصرا يقول الفخر الرازي في تفسيره: ثم إنه- لما شرح لرسوله أمر يوم القيامة واستقصى في ذلك. شرح له ما يتصل بأحواله فقال: إن الذي فرض عليك القرآن ...
المعنى:
يقول الله- إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وأنزله عليك إنزالا له أثره ومغزاه لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ وهو المقام المحمود الذي وعد أن يبعث فيه بعد الموت، وقيل المعنى: إن الذي أنزل عليك القرآن لرادك إلى مكة بلدك الحبيب الذي انصرفت منه وستعود إليه فاتحا منتصرا بعد خروجك منه مهاجرا، وتكون الآية نزلت على النبي وهو بمكة متحملا لأذى قومه صابرا على آلامهم، وعلى هذا فهي
стр. 1760
من باب المغيبات، وهذا الرأى هو الأصح، لأنه دليل على النبوة من حيث صدق خبره.
قل لهؤلاء المشركين: ربي هو العالم البصير الذي يعلم الغيب والشهادة، وهو أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، ومن هو في ضلال بين ظاهر، فينصر الأول ويعصمه من الناس ويؤيده، وأما من هو في الضلال والكفر فهو المخذول، وستكون الدائرة عليه، وسيعاقبه على ضلاله عقابا صارما شديدا.
وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب، ولا تأمل إنزال هذا القرآن المحكم البين الكامل في كل شيء، لكن رحمة من ربك وفضلا وإحسانا ألقى إليك هذا الكتاب الذي لا ريب فيه، وهو هدى للناس وآيات للمتقين.
وإذا كان الأمر كذلك فها هي ذي تكاليف خمسة يجب عليك أن تحرص عليها إذ هي دعائم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.
١- فلا تكونن ظهيرا ومعينا للكفار بحال من الأحوال بل كن ظهيرا للمسلمين ومعينا لهم، والله معك وعاصمك من النّاس جميعا وحافظك.
٢- ولا يمنعك عن تبليغ آيات الله كلها بعد إذ أنزلت عليك مانع أبدا مهما كان يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة آية ٦٧] .
٣- وادع إلى ربك وإلى دينه بكافة الطرق، متشددا في ذلك أو متساهلا تبعا للظروف ولا يهمك أمرهم.
٤- ولا تكونن من المشركين لأن من رضى عن طريقتهم أو مال إليها كان منهم.
٥- ولا تدع مع الله إلها آخر في أى عمل من الأعمال، ومعلوم أن النبي ﷺ لا يمكن أن يفعل شيئا من ذلك حتى ينهى عنه، والجواب أن هذا من باب [إياك أعنى واسمعي يا جارة] فالكلام مع النبي والمراد غيره، وإنما كان ذلك كذلك تعظيما لأمر هذه الأشياء.
وكيف تدعو مع الله إلها آخر؟ وهو الله لا إله إلا هو، كل شيء غيره في العالم هالك لأن وجوده ليس لذاته بل مستند إلى واجب الوجود، فكل شيء سوى الله
стр. 1761
بهذا المعنى هالك ومعدوم بالقوة أو بالفعل إذ وجوده من غيره، وهو موقوت بوقت مهما طال، كل شيء هالك إلا ذاته- جل شأنه- فهو الواجب الوجود القديم الباقي الذي لا يجوز عليه العدم والفناء بحال من الأحوال.
له الحكم وإليه وحده الأمر كله، وإليه وحده ترجعون فتحاسبون، وتجازون على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ...
سورة العنكبوت
مكية كلها في قول بعضهم، وعن ابن عباس إنها مكية إلا عشر آيات من أولها، والظاهر أنها نزلت بين مكة والمدينة كما قال على بن أبى طالب ... وهي تسع وستون آية. وعلى العموم فإنها تدور حول بيان حقيقة الإيمان، وما يصادف المؤمنين من فتن تصهرهم وتقوى روحهم ومع ذلك فالنصر للإيمان، وقد جاء القصص مؤيدا لذلك مع ضرب المثل لقوة الكفار وآلهتهم، ونتيجة الجهاد في سبيل الله.
شحذ عزائم المسلمين وتقوية إرادتهم وتهديد أعدائهم [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
стр. 1762
المفردات:
أَحَسِبَ النَّاسُ أظنوا وتخيلوا لا يُفْتَنُونَ الفتنة: الابتلاء والاختبار بالشدائد التي تصادف الناس أَنْ يَسْبِقُونا أى: يفوتونا فلا ننتقم منهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ بئس حكمهم يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أى: يأمل في لقائه وثوابه، قيل:
يخاف لقائه.
لقد ذكر الفخر الرازي- ﵀ في تفسيره مسائل في تفسير هذه الآية، منها مسألة في حكمة افتتاح هذه السورة بقوله الم وأنا ألخصها فيما يأتى:
البليغ الحكيم إذا خاطب مشغول البال، أو من هو في غفلة، يقدم ما يجعل المخاطب يلتفت إليه، ويتجه بقلبه ثم يشرع فيما يريده، وهذا المقدم قد يكون كلاما له معنى مفهوم مثل: اسمع. التفت تنبه إلخ، وقد يكون أداة استعملت للتنبيه كأدوات النداء والاستفتاح مثل أمحمد. يا على: ألا يا خالد، وقد يكون المقدم صوتا غير مفهوم كالتصفير مثلا أو التصفيق باليد إلخ.
ومن المألوف في أساليب اللغة أن ألفاظ التنبيه تستعمل عند الغفلة على حسبها، وتستعمل على شكل واسع إذا كان المقصود من الكلام مهما، وموضعه خطيرا.
وإذا قدم المتكلم البليغ على كلامه لفظا غير مفهوم المعنى، كان ذلك أدعى للالتفات، وأقوى في التنبيه لما بعده مثل الحروف الهجائية التي تفتتح بها السور فإن قال قائل: ما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فالجواب: أن عقل البشر قاصر عن إدراك الأشياء الجزئية والحكم المقصودة من ذلك، والله ورسوله أعلم بذلك كله.
ولكن هذا لا يمنع من ذكر ما يوفقنا الله له فنقول (أى الفخر) : كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو القرآن، واقرأ أول سورة البقرة وآل عمران. والأعراف. ويس. وق والقرآن المجيد. والحواميم إلا ثلاث سور: سورة مريم، والعنكبوت هذه، والروم ...
ولعل الحكمة كما قلنا سابقا أن القرآن عبء ثقيل، وفيه أحكام وحكم، وهو دستور
стр. 1763
الأمة، فإذا تكلم القرآن على نفسه في أول السورة وجب أن يقدم التنبيه الذي يوقظ النفوس، ويحرك المشاعر.
ولعل بدء السورة التي ليس في أولها ذكر للكتاب كما هنا وفي سورة الروم، ومريم بحروف ليست لها معاني معروفة لخطر ما بدئت به وأهميته حتى احتاجت إلى هذا التنبيه، ولا عجب ففتنة المسلم كما هنا، وذكر زكريا ويحيى وعيسى كما في سورة مريم والإخبار بالمغيبات في سورة الروم غاية الأهمية ولقد سبق أن تكلمت في هذا الموضوع، وهو موضوع شائك ولعل سلوى الجميع فيه وفي أمثاله قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [سورة آل عمران آية ٧] .
المعنى:
ألم. أظن الناس أن يتركوا لأنهم قالوا آمنا في حال أنهم لا يفتنون، ولا يبتلون بأنواع المحن والفتن؟ التي تمحص المتقين المخلصين من المنافقين الكاذبين وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران ١٥٤] .
نزلت هذه الآيات في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام كسلمة بن هشام. وعياش بن أبى ربيعة. والوليد بن الوليد.
وعمار بن ياسر. وياسر أبوه وسمية أمه، فكانت صدورهم تضيق بذلك وربما استنكر بعض الناس أن يمكن الله الكفار من المؤمنين!.
فنزلت هذه الآية مسلية ومعلنة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبار للمؤمنين وفتنة لهم وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ [سورة آل عمران آية ١٤١] .
قال بعض العلماء: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه فهي باقية في أمة محمد ﷺ موجود حكمها ما دام هناك إسلام وحق يدافع عنه بعض الناس، فلا بد من وجود إيذاء وشدائد لهم.
ولقد فتنا الذين من قبلهم، وابتليناهم قديما كما ابتلينا إبراهيم بإلقائه في النار، وكما
стр. 1764
حصل لقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه أبدا
وروى البخاري عن خباب ابن الأرت: قال شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟.
فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دين الله. والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلّا الله والذّئب على غنمه ولكنّكم تستعجلون» .
فليعلن الله الذين صدقوا أى: فليظهرن الله الذين صدقوا، وليظهرن الكاذبين، إذ علمه بهم حاصل قبل الاختبار وبعده.
بل أحسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا فلا ندركهم؟ أظنوا أنهم يفوتوننا فلا ننتقم منهم. لا. بل إن ربك لبالمرصاد، وسيجازيهم على أعمالهم جزاء وفاقا.
ألا ساء حكمهم وتقديرهم إن فهموا أنهم يسبقوننا.
من كان يرجو لقاء الله ويؤمل ثوابه، ويخاف عقابه فليستعد لذلك اليوم استعدادا كاملا، وليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، فإن أجل الله لآت له، وإن وقته المضروب للقائه آت بلا شك، فمن الخير له الاستعداد لذلك اللقاء بالعمل الصالح، والله هو السميع لكل قول، العليم بكل فعل.
وقد مضت حقائق ثلاثة: هي اختبار المؤمن بالفتن، وعقاب العاصي على العمل، وجزاء المحسن الذي يرجو لقاء ربه آت بلا شك ولا جدل، وربك الغنى عن عباده الطائعين، ولا يضره عصيان العاصين، ومن جاهد نفسه وهواه، واتبع طريق الحق والعدل والكرامة فإنما يجاهد لنفسه لا لغيره مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها «١» إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «٢» .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات من الأعمال لنكفرن عنهم سيئاتهم التي قد يلمون بها. فالإنسان لا بد أن يرتكب بعض السوء وإن لم يشعر به خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
«٣» .
стр. 1765
ولنجزينهم بأحسن أعمالهم فنقدرها على أحسن وجه وأكمله فنجازيهم عليها، وليس المعنى أن الله يختار أحسن الأعمال ويترك الباقي.
أرأيت إلى هذه الآيات الكريمة التي تشحذ العزائم وتربط على القلوب ببيان أن المؤمن صاحب العقيدة لا بد من ابتلائه، وأن هذه سنة الله قديما وحديثا، مع بيان أن المسيء الذي يسيء المؤمن سيجازى على عمله حتما، وقد بين الله أنه لا بد من يوم يجازى فيه المحسن والمسيء وهو قريب الحصول، وهذا العمل الصالح من العبد يكون خيرا له لا لغيره، والله يكفر عنه سيئاته ويجازيه على أعماله أحسن الجزاء- اللهم وفقنا واهدنا إلى سوء السبيل.
مدى فتنة الكفار للمؤمنين، وتهديد الله للكفار وللمنافقين [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ١٣]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
стр. 1766
المفردات:
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ أى: أمرناه، فكلمة وصى في اللغة كأمر في معناها وتصرفها حُسْناً أى: بأن يفعل معهم حسنا، أى: فعلا ذا حسن، أو هو نفس الحسن مبالغة فِتْنَةَ النَّاسِ أى أذاهم واستعمال القوة والعنف في الرد عن الإسلام أَثْقالَهُمْ أوزارهم.
لا يزال الكلام في فتنة المسلمين وردهم بالقوة عن الإسلام، والذين فتنوهم المستضعفون، ومن فتنهم هم الكفار الأقوياء أصحاب الجاه والسلطان، ومن كان يملك رقابهم، وهناك صنف آخر من المعذبين الذين فتنوا هم الأبناء والأقارب والذين فتنهم آباؤهم وأقاربهم مستخدمين سلاح العطف وصلة الرحم، ولذا نبه الله هنا على ذلك، ونزلت تلك الآية وآية لقمان وآية الأحقاف في سعد بن أبى وقاص.
وروى عن سعد قال: كنت بارا بأمى فأسلمت فقالت: لتدعن دينك أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ويقال لك: يا قاتل أمك، وبقيت يوما ويوما فقلت يا أماه! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلى، فلما رأت ذلك أكلت، ونزلت الآية.
المعنى:
ووصينا الإنسان بوالديه أن يفعل معهما فعلا حسنا، وقلنا له: إن جاهداك لتشرك بالله ما ليس لك به علم، أى: ما لا علم لك بألوهيته كالأصنام، والمراد بنفي العلم المعلوم كأنه قال: وإن جاهداك وحملاك بالفتنة والإغراء على أن تشرك بالله شيئا لا
стр. 1767
يصح أن يكون إلها، ولا يستقيم بحال، فلا تطعهما في ذلك أبدا مع الإحسان إليهما ومداراتهما وترضيهما كما أمر النبي ﷺ سعدا أن يفعل مع أمه «وقد ثبت ذلك في بعض الروايات» .
وصى الله الإنسان بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم نبهه إلى عدم طاعتهما، إذا أراداه على الشرك، إذ كل حق وإن عظم ساقط إذا جاء حق الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثم قال: إلىّ مرجعكم، نعم إلى الله وحده ترجع الأمور وسيجازى كلا على ما عمل فلا يحدثن أحد من الناس نفسه بجفوة والديه إذا أشركا، ولا يحرمهما من بره وعطفه في الدنيا إذا عصيا، وإياه ومتابعتهما على الشرك بل اثبت في دينك، واستقم كما أمرت فالله معك، وسيجازيك على هذا كله، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات، وصبروا على المكروه والأذى في سبيل الله فأولئك يدخلون الجنة مع الصالحين والأنبياء والمرسلين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
يا أخى لا تظن أن مرتبة الصلاح هينة فلله در الإمام الشافعى حيث يقول: «أحبّ الصّالحين ولست منهم» . وهذا النبي سليمان بن داود يدعو ربه أن يدخله مع الصالحين وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ «١» . وفي إبراهيم يقول الله وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «٢» .
هذا هو حال المؤمنين الذين فتنوا واختبروا في دينهم كبلال وصهيب وآل ياسر كلهم: وهذا سعد بن أبى وقاص يبتلى بأمه وكانت أحب الناس إليه، وهذا حال من فتن من صناديد قريش وزعماء الكفار.
ولكن أليس في المجتمع المسلم منافقون ضعاف الإيمان إذا فتنوا رجعوا عن دين الله؟.
نعم فيه ذلك، إذ لا يخلو منهم زمان ولا مكان، والمحن هي محك الاختبار، وفيها الامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب.
وها هم أولاء يقولون آمنا بالله فإذا أوذوا في سبيل الله، وافتتنوا في دينهم، ومحصوا بالابتلاء الواقع، وانكشفت الستائر، وجعلوا فتنة الناس تمنع من الثبات في دينه كما يمنع عذاب الله من الكفار، وإذا نصر الله المسلمين ليقولن: إنا كنا معكم، وكنا ثابتين على دينكم فأعطونا من الغنائم! أو ليس الله بأعلم بما في الصدور؟! وهو يعلم السر
стр. 1768
وأخفى، وليعلمن الله الذين آمنوا بقلوبهم وألسنتهم، وليعلمن المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، الثابتين على النفاق الدائمين على المكر والخداع، وسيجازيهم على ذلك كله إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ «١» .
وانظر إلى مدى فتنة الكفار، وإغراء المسلمين على ترك دينهم!!! وصحائف التاريخ مملوءة بأخبار المعذبين من الصحابة، وأخبار العتاة المجرمين من زعماء الكفر، وليتهم وقفوا عند حد الإغراء بالعذاب والتنكيل بالإيذاء البدني بل لما رأوا أنهم لم يفلحوا في ذلك، وثبت المسلمون، أو فروا بدينهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
ولما رأوا أن فتنتهم المادية لم تؤت ثمرها أخذوا يفتنونهم بالحيلة والإغراء بكافة الطرق.
انظر إليهم وهم يقولون.
وقال الذين كفروا للذين آمنوا: اتبعوا سبيلنا، وارجعوا إلى ديننا، ونحن نتحمل عنكم خطاياكم إن كان هناك حساب أو جزاء.
ولقد ثبت أن صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث ولا أنتم، فإن كان ذلك فإننا نتحمل عنكم الإثم، وما هم بحاملين من ذنوبهم وآثامهم شيئا، إذ كل امرئ بما كسب رهين إن هؤلاء الزعماء لكاذبون في هذا القول، وليحملن أثقال أنفسهم وأوزارها، وأثقالا أخر غير الخطايا التي ضمنوا حملها للمؤمنين، وهي أثقال وأوزار الذين كانوا سببا في ضلالهم
«من سنّ في الإسلام سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» حديث شريف.
وقال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ «٢» .
وليسألن يوم القيامة سؤال تقريع وتوبيخ عما كانوا يفترون ويختلقون من أكاذيب وأباطيل.
стр. 1769
نوح وقومه [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)
المفردات:
الطُّوفانُ ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو موت أو ظلام ليل.
وهذه قصة نوح- ﵇ أطول الأنبياء عمرا، دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع هذا فلم يؤمن معه إلا قليل، وقد سيقت تسلية وعبرة لمن يعتبر، وقد ذكر بعدها قصص بعض الأنبياء لهذا الغرض.
المعنى:
ولقد أرسلنا نوحا- وقد ورد أنه أول نبي أرسل- إلى قومه وكانوا أهل كفر وفسق وعصيان فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ويذكرهم بيوم القيامة، ولكنهم كانوا يردون عليه أسوأ رد وأفحشه، وقد بذل نوح منتهى ما في وسعه كبشر، وطال الزمن وهو يدعوهم أن يقلعوا عن عبادة الأصنام فلم يزدهم دعاؤه إلا إعراضا واستكبارا، وقال نوح: رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا، وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فقال لما ضاق به الأمر: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا.
وكان أن صنع السفينة وركبها هو والمؤمنون وترك الكفار فغرقوا جميعا، وأخذهم الطوفان وهم ظالمون، ونجاه الله هو ومن معه في الفلك المشحون، وجعل ربك سفينة نوح آية وعبرة للعالمين، فهل من مدكر؟!!.
المفردات:
أَوْثاناً الوثن: هو ما اتخذ من جص أو حجر، والصنم ما كان من معدن، والتمثال: ما لوحظ فيه أن يكون مثالا لكائن حي إِفْكاً الإفك: الكذب مأخوذ من الأفك وهو صرف الشيء عن وجهه، والكذب كلام مصروف عن وجهه النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ هي إعادة الخلق في الآخرة تُقْلَبُونَ تردون وَلِيٍّ صديق وناصر أو متولى أمر الإنسان حَرِّقُوهُ أحرقوه مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ لتتوادوا بينكم وتتواصلوا.
وتلك قصة إبراهيم أبى الأنبياء فانظر يا أيها الرسول كيف كان موقفه مع قومه وما انتهى إليه أمره وأمرهم، والأمر كله لله.
المعنى:
واذكر إبراهيم وقت أن قال لقومه اعبدوا الله، والمراد ذكر ما حصل في الوقت، أرسل الله إبراهيم حين بلغ من السن والعلم مبلغا صح معه أن يكون رسولا يهدى إلى الحق فقال لقومه: اعبدوا الله واتقوه، ما لكم من إله غيره، وهو المستحق للعبادة
стр. 1772
والتقديس دون سواه، ذلكم خير لكم، إن كنتم تعلمون طريق الخير من طريق الشر فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، وتضلوا سواء السبيل.
إنما تعبدون من دون الله أوثانا لا خير فيها، ولا نفع يرجى منها بل هي حجارة لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، إنما تعبدون من دون الله أوثانا. والحال أنكم تخلقون إفكا، واختلاقهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله أو شفعاء له على أنهم هم الذين صنعوها وخلقوها للإفك والكذب.
إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا أبدا قليلا أو كثيرا، فابتغوا عند الله الرزق كله، فإنه هو الرزاق ذو القوة المتين، الذي له ملك السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، وهو الحكيم الخبير، إذا كان كذلك فاعبدوه وحده، واشكروا له حق شكره، إليه وحده ترجعون فاستعدوا للقائه بعبادته وشكره على نعمه.
وإن تكذبوني فلا تضروني أبدا؟ فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أمم، وما أصابهم من ذلك ضرر، ولكن الأمم قد أضروا أنفسهم بذلك، إذ الواجب على الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب، فإذا بلغ كل ما أنزل إليه وأدى الرسالة كاملة فلا عليه شيء بعدها أبدا سواء آمن به الناس أم كفروا.
وهذه الآيات والتي بعدها إلى قوله- تعالى-: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ:
محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم أو هي معترضة نزلت في شأن الرسول ﷺ وشأن قريش في أثناء قصة إبراهيم، والمناسبة بين القصة وبين الكلام المعترض ظاهرة، إذ كل في موضوع واحد وهو تكذيب الأمم لرسلها، وقصة إبراهيم ذكرت تسلية للنبي ﷺ فوحدة الموضوع والغرض موجودة، والآيات التي ذكرت بعد هذه الآية من توابعها، ألا ترى أن الله بين التوحيد أولا ثم أشار إلى الرسالة ثانيا بقوله وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.
وقد شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك ذكر بعضها عن بعض.
أعموا ولم يروا كيفية بدء الخلق؟ ولما كان العقل يعلم أن البدء من الله بلا شك لأن الخلق الأول لا يتصور أن يكون من مخلوق، وإلا لما كان أول الخلق، وإذا كان
стр. 1773
الخلق الأول من الله- وهذا معلوم بالضرورة- كان ذلك في مقام الرؤية، والمقصود الاستدلال- بما علموه علما أصبح كالرؤية أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ من أحوال بدء الخلق- على إثبات المعاد، فإن من قدر على البدء يقدر بلا شك على الإعادة بل هي أهون عليه في نظرنا، إن ذلك المذكور من بدء الخلق وإعادته على الله يسير، فكيف ينكرون الإعادة ويؤمنون بالبدء؟ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ على معنى قال الله لي: قل- يا إبراهيم أو يا محمد- لهم سيروا أيها المنكرون للبعث في الأرض لتشاهدوا مظاهر قدرة الله وآياته الدالة على أنه هو الخالق وحده لهذا الكون.
وهو المنفرد ببدء الخلق، ومن قدر على ذلك فهو القادر وحده على أن ينشئ النشأة الأخرى يوم القيامة إن الله على كل شيء قدير، وفي النشأة الأخرى يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب من الكفار والعصاة، ويرحم من يشاء من عباده فضلا منه ورحمة.
وما أنتم يا بنى آدم بمعجزين الله في الأرض ولا في السماء، وليس في وسعكم الهرب من قضاء الله في جهة السفل أو جهة العلو، وما لكم من غير الله ولى ولا نصير ينصركم من عذابه.
والذين كفروا بآيات الله، ولقائه أولئك يئسوا من رحمة الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، أولئك لهم عذاب مؤلم موجع، أما المؤمنون بالله ولقائه فأولئك يرجون رحمته، إن رحمة الله قريب من المحسنين ولنرجع إلى إبراهيم ماذا حصل له؟.
لما أمرهم بعبادة الله- تعالى-، وبين خطأهم في عبادة الأوثان، وظهرت حجته عليهم فما كان جواب قومه على قوله لهم: اعبدوا الله واتقوه، واتركوا عبادة الأوثان، وما أنا إلا نذير وبشير، وعلى البلاغ فقط، واعلموا أن هناك يوما للحساب والعقاب ومن خلق الخلق أولا قادر على الإعادة ثانيا.
فما كان جواب قومه على ذلك إلا أن قال كبارهم ورؤساؤهم: اقتلوه، أو حرقوه بالنار، يا عجبا لهم!! يدعوهم إلى الخير، ويبصرهم بالطريق الحق فيكون المآل القتل أو الإحراق.
ولكن أيتركه ربه الذي أرسله للخلق ووعده بالعصمة والحفظ؟ كلا كلا: فقد أنجاه الله من النار حين قذفوه فيها، وقال الله لها: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم
стр. 1774
وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين، إن في ذلك كله لآيات لقوم يؤمنون، وأى آية أظهر من تلك؟ يلقى إنسان في النار المحرقة فلا تؤثر فيه شيئا سبحانك يا رب أنت القادر على كل شيء!! وقال إبراهيم بعد خروجه من النار: يا قوم: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا تعبدونهم لا ينفعون ولا يضرون.
إن الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة بينكم، أى: لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها لا ينفعكم بل يكون عليكم، بدليل قوله بعد ذلك ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً على معنى أن هذه المودة التي في الدنيا ستنقلب بينكم إلى تلاعن وتباغض، وتعاد، يتلاعن المتبوعون والتابعون، ويتلاعن العبدة كلهم مع الأصنام وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، ومأواكم النار جزاء ما عبدتم غير الله، وما لكم من ناصرين ينصرونكم وقت الشدة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم خالص من الذنوب..
ولما خرج من النار إبراهيم سليما معافى آمن لوط بنبوة إبراهيم.
وقال إبراهيم: إنى مهاجر إلى أمر ربي أى: حيث أمرنى، وقد هاجر من سواد العراق ومعه زوجته سارة، ولوط ابن أخيه أو ابن أخته، والله أعلم، هاجر من سواد العراق إلى حران ثم منها إلى فلسطين، ونزل لوط قرية سدوم.
ووهبنا إلى إبراهيم- بعد إسماعيل- إسحاق ومن نسله يعقوب، وجعلنا في ذريته النبوة فكانت الأنبياء كلها بعد إبراهيم من ذريته، وآتيناه الكتب فنزلت التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى والقرآن على محمد، وكلهم من نسله، وآتيناه أجره في الدنيا حيث يحمده الكل، ويؤمن به ويمجده، وهو في الآخرة من الصالحين الذين لهم الدرجات العلا.
قصة لوط مع قومه [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٨ الى ٣٥]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
стр. 1775
المفردات:
الْفاحِشَةَ أى: الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح، قيل: هي إتيان الرجال في أدبارها وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ أى: الطريق الْمُنْكَرَ الأمر المخالف للشرع المجافى للطبع السلم كاللواط وأنواع الفحش بِالْبُشْرى بالبشارة بإسحاق ويعقوب الْغابِرِينَ الباقين في العذاب سِيءَ بِهِمْ جاءته المساءة والغم بسبهم
стр. 1776
ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أى: ضاق ذرعه بهم، وذرع الإنسان كقولهم: ضاقت يده عن كذا مثلا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ عذابا شديدا منها، وسمى بذلك لأنه يقلق المعذب مأخوذ من قولهم: ارتجز إذا ارتجس أى: اضطرب.
المعنى:
- واذكر لوطا وقت أن قال لقومه: إنكم لتأتون الفعلة المتناهية في الفحش، التي ما سبقكم بفعلها أحد من الجن والإنس لأنها مما تشمئز منها الطباع، وتعافها النفوس.
أإنكم لتأتون الرجال في أدبارهم، وتتركون النساء، وتقطعون السبيل حيث تفعلون الفاحشة بمن يمر بكم فترك الناس الطريق لذلك: وتأتون في ناديكم المنكر شرعا وعقلا وعرفا، وذلك أنهم ابتدعوا منكرات ما سبقهم إليها أحدا من خلق الله وقد وعظهم لوط ونصحهم كثيرا وخوفهم عاقبة هذا العمل فلم يأبهوا ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والإنذار ما كان جواب قومه إلا أن قالوا استهزاء به: ائتنا بعذاب الله الذي تعدنا، إن كنت من الصادقين في دعواك، قال لوط لما يئس منهم، ونفد صبره:
يا رب انصرني بإنزال العذاب على هؤلاء القوم الذين عاثوا في الأرض الفساد فاستجاب الله الدعاء، فأرسل ملائكة لإهلاكهم، وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بذرية طيبة مباركة فجاءوا أولا لإبراهيم بالبشرى بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وقالوا له: إنا مهلكوا أهل قرية لوط إن أهلها كانوا ظالمين وكافرين.
قال إبراهيم: إن فيها لوطا، وأنتم تعرفون من هو.. قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته إنها كانت من القوم الفاسقين، فاستحقت أن تكون من الباقين في العذاب المهين.
ولما أن جاءت رسل الهلاك إلى لوط سىء بهم وحزن، وضاق بهم صدره، لأنهم جاءوا في صورة غلمان مرد حسان، فجاء أهل القرية إلى لوط طالبين ضيوفه ليفعلوا معهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته فلم يصغوا إليه، فلما رأت الملائكة حيرته وتغير حاله، قالوا له: لا تخف ولا تحزن إنا جئنا للتنكيل بأولئك القوم، وإنا منجوك وأهلك إلا امرأتك إنها كانت من الباقين في العذاب، وإنا يا لوط منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء وعذابا تضطرب له النفس وتتزلزل، كل ذلك بما كانوا يفسقون، وقد أخرجت الملائكة لوطا
стр. 1777
وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم ألا يلتفتوا، فصدعوا بالأمر إلى امرأته فإنها التفتت إلى أهل القرية لترى ما يحل بهم ولقد تركنا منها آية بينة وعبرة وموعظة لقوم يعقلون ويعلمون نتيجة الكفر والإيمان، ويتدبرون كيف ينجى الله الذين آمنوا، ويهلك الفاسقين والآية التي تركوها عبرة وعظة هي منازلهم الخربة، وقيل هي أخبارهم وقصصهم..
قصص مدين وعاد وثمود وغيرهم [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
стр. 1778
المفردات:
الرَّجْفَةُ الزلزلة يقال رجف يرجف أى اضطرب جاثِمِينَ باركين على اركبهم ميتين سابِقِينَ فائتين غير مدركين حاصِباً ريحا حاصبا أى: فيها حصباء يقال حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء الصَّيْحَةُ الصرخة الشديدة.
المعنى:
وإلى مدين أرسلنا لهم أخاهم شعيبا فدعاهم إلى الإيمان بالله وقال لهم: يا قوم اعبدوا الله ربكم مالكم من إله غيره، وارجوا اليوم الآخر أى: افعلوا ما ترجون به العافية في يوم الحساب والجزاء، وإياكم والفساد في الأرض، فإن عاقبته وخيمة.
فكذبوه ولم يؤمنوا به فأخذتهم الصيحة بالعذاب فارتجفت قلوبهم واضطربت حيث لا ينفع الاضطراب والخوف، وأصبحوا في ديارهم جائمين على ركبهم ميتين كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية؟ فهل من مدكر؟ وأهلكنا عادا لما أرسلنا لهم أخاهم هودا يدعوهم إلى الإيمان بالله ورسله، فكذبوا وكفروا، وأهلكنا ثمود لما أرسلنا لهم أخاهم صالحا يدعوهم إلى عبادة الله فكفروا به وكذبوه.
وها أنتم أولاء يا أهل مكة، ويا مشركي العرب قد تبين لكم ذلك، أى: إهلاكهم وهم قد زين لهم الشيطان أعمالهم فكانت عاقبة أمرهم خسرا، وكانوا مستبصرين أى:
عقلاء أصحاب فكر ونظر ولكنهم لم ينتفعوا بذلك!! أفليس من العقل والحكمة أن تعتبروا وتتعظوا بهؤلاء.
وأهلكنا قارون لما طغى ولم يمتثل أمر الله، وأهلكنا فرعون وهامان، ولقد جاءهم موسى بالبينات من عند ربهم فاستكبروا في الأرض، ولكنهم ما كانوا سابقين وفائتين بل أدركهم أمر الله وبطشه إن بطش ربك لشديد.
فكلا من هؤلاء وهؤلاء أخذنا بذنبه إذ كل نفس بما كسبت رهينة فمنهم من أرسلنا عليه ريحا حاصبة أهلكته وهم قوم لوط إنهم كانوا قوما يعملون الخبائث، ومنهم من أخذته الصيحة بالعذاب كمدين وثمود، صيحة ترجف الأرض منها والجبال فكانت
стр. 1779
بحق هي الرجفة، ومنهم من خسفنا به وبداره الأرض. وهو قارون ليكون عبرة لكل طاغية جبار.
ومنهم من أغرقنا كقوم نوح وفرعون، لما طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وما كان الله ليظلمهم أبدا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..
مثل اتخاذ الأصنام آلهة [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)
المفردات:
أَوْلِياءَ أصناما يرجون نفعها الْعَنْكَبُوتِ حشرة معروفة أَوْهَنَ أضعف مَثَلُ المثل الصفة التي تشبه المثل في الغرابة.
لما بين الله تعالى أنه أهلك المشركين وأفناهم حينما كذبوا الرسل، وكان هذا بمثابة تعجيل العذاب لهم في الدنيا زيادة على ما أعد لهم في الآخرة من عذاب مقيم ولم ينفعهم في الدارين من دون الله معبود.
стр. 1780
لما بين هذا ضرب لهم مثلا في اتخاذهم معبوداتهم آلهة باتخاذ العنكبوت بيتا لم يقها من شر عاد عليها.
المعنى:
مثل هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء والحال أنهم لم ينتفعوا منها بشيء أبدا مع أنهم اتخذوها راجين النفع والشفاعة منها كمثل العنكبوت اتخذت بيتا من نسيجها، وإن أوهن البيوت لبيوت العنكبوت.
ولعل السر في جعل المثل دائرا حول اتخاذ العنكبوت بيتا ولم يقل نسيجا، أن البيت يكون للظل والوقاية من حر الشمس وزمهرير البرد، ومنع العدوان إلى غير ذلك من المنافع، ولكن بيت العنكبوت لا يفيد شيئا ولا يقي خطرا. فكذلك معبوداتهم لا تنفع شيئا، ولا تدفع ضررا، على أن نسيج العنكبوت من حيث كونه بيتا لا يفيد فكذلك الأصنام من حيث كونها آلهة لا تنفع ولا تضر، حقا. وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون!.
ولعل السر في اختيار لفظ الأولياء بدل الآلهة إبطال الشرك الخفى، وهو العبادة للرياء والسمعة فإن من يفعل ذلك يصدق عليه أنه اتخذ من دون الله وليا ...
وانظر إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ بعد التمثيل ... ! على معنى إن الله يعلم أنهم لا يدعون من دونه شيئا له وجود، وهو العزيز الحكيم فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم العليم الخبير، ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلا.
وتلك الأمثال الرائعة التي هي من عيون الكلام لعمق أثرها في النفس، وقوة فعلها في العقل نضربها للناس لا للبهائم والجمادات، وما يعقلها ويدرك سرها ويقف على إشاراتها إلا العالمون، ويقول الفخر: العلم الحدسى التجريبى يعلمه العاقل والعلم الفكرى الدقيق يعقله العالم، وذلك كالأمثال، ومن هنا ندرك السر في تعبير القرآن:
وما يعقلها إلا العالمون.
стр. 1781
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فإن خلق الله السموات والأرض بالحق هو للمؤمنين بيان ظاهر وبرهان واضح وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر. أما خلقهما فقط هو آية لكل عاقل كما قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ... لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
آداب إسلامية [سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٥]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
لقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر- أى ألم به أمر شديد- هم إلى الصلاة وحالة الكفار والمشركين الذين لم ينتفعوا بالقصص والأمثال قد تؤلم فجاءت هذه الآية سلوى وعلاجا وإرشادا وتأديبا. فالمناسبة ظاهرة.
ولا شك أن العلاج الوحيد لكل الأزمات، والدواء الوحيد لكل الأدواء، هو القرآن وتلاوته العمل بما فيه.
ولعلك يا أخى تستشف معى من وضع هذه الآية هنا أن آلامنا ومتاعبنا كافة مسلمة تدين بالإسلام قد يكون معظمه من تلك الناحية والحوادث تؤيد هذا، ولعل العلاج من هذا كله، ومن أمراضنا الداخلية هو القرآن وتلاوته وحفظه للعمل به لا للتغنى به ولا للرقى!!.
المعنى:
اتل يا محمد، وكذا كل مسلم، اتل ما أوحى إليك من الكتاب الكامل الذي لا ريب فيه، واعمل بما فيه، ففيه نجاتك وخيرك وعلاجك.
стр. 1782
وعليك بالصلاة فهي عماد الدين، وهي الصلة بين العبد والرب، فإن ألم بك حادث تكرهه أو جفاك الناس فعليك بالقرآن، والجأ إلى الصلاة تتصل بالله وإذا اتصلت به كنت ربانيا روحانيّا عند ذلك تدين لك الصعاب، وتخضع الرقاب، وتصل إلى ما تريد وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «١» .
والصلاة عملية تطهير لصاحبها، وتتكرر لتغسل أدرانه، وما قد يكون علق بنفسه وروحه من غبار الدنيا، وهي كما يقول النبي ﷺ ما معناه: هي نهر أمام بيتك تغتسل منه خمس مرات فهل يبق عليك درن ووسخ؟!!.
الصلاة الحقيقية التامة الأركان، المستوفية الشروط، المقومة بأركانها وسننها وآدابها، الصادرة من قلب برىء خالص، سليم من الرياء والنفاق، مملوء بالخوف من الله والرجاء في عفوه.
هذه الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، عن ابن عباس وابن مسعود قالا:
«في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله- تعالى- فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزد بصلاته من الله- تعالى- إلا بعدا» وقال الحسن وقتادة «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه» ومن هنا ندرك كيف يقع من بعض المصلين فحش ومنكر؟ والجواب أنها صلاة بلا روح صلاة بلا خشوع ولا خضوع، صلاة فيها رياء وسمعة، صلاة لا يمكن أن تنهى عن فحشاء ومنكر.
فليست الصلاة تنهى بقيامها وركوعها وسجودها لا. إنما تنهى بذكر الله وتذكره أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «٢» ومن هنا قال الله وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ والله يعلم الغيب والشهادة، وهو العليم بذات الصدور، فراقبوا الله مراقبة من يعلم أن الله يسمعه ويراه.
والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم وإقبال القلب وتفرغ النفس مما سوى الله، وأما ما لا يتجاوز اللسان فشيء آخر، والله يعلم ما تصنعون وفقنا الله للخير.
стр. 1783
فهرس
المتخلفون بغير عذر وموقف المسلمين منهم ٣ كيف كان الأعراب ٥ الناس أنواع ٧ الصدقة، والتوبة، والعمل ١١ صنف آخر من المتخلفين ١٣ مسجد الضرار. ولم بنى، وموقف الرسول منه ١٤ من هم المؤمنون الكاملون؟ ١٩ الاستغفار للمشركين ومتى يؤاخذ الله على الذنب؟ ٢١ التوبة وشروطها، والصدق وفضله ٢٣ وجوب الجهاد مع رسول الله وجزاؤه ٢٧ طلب العلم فريضة ٢٩ توجيهات في قتال الكفار ٣١ المنافقون واستقبالهم للقرآن ٣٢ الرسول ﵊ ونفسه الكريمة ٣٤ سورة يونس ﵇ ٣٦ المظاهر الكونية ودلالتها على أصول الإيمان ٣٨ المؤمن والكافر وعاقبة كل ٤٢ من طبائع الإنسان وغرائزه ٤٤ من أوهام المشركين والرد عليهم ٤٦ هكذا فطر الله الناس ٤٩ اقتراح المشركين آيات كونية ٥٠ هكذا طبع الإنسان وخلقه ٥١ المثل البليغ لحياة الدنيا ٥٣ ترغيب في الجنة وتنفير من النار ٥٥ من مشاهد يوم القيامة ٥٧ نقاش مع المشركين لإثبات التوحيد وبطلان الشرك ٥٨ القرآن كلام الله ومعجزة النبي وموقفهم منه ٦٢ هكذا الدنيا وهذه نهايتها ٦٦ القول الفصل في الرد على المشركين وعلى استعجالهم العذاب ٦٦ القرآن الكريم وأغراضه الشريفة ٧٠ لون آخر في ثبات الوحى والنبوة ٧٢ مراقبته تعالى لعباده، واحاطته بكل شيء علما ٧٣ من هم أولياء الله؟ ٧٤ العزة لله ٧٦ كيف يكون لله ولد؟! ٧٧ قصة نوح ﵇ ٧٩
стр. 1784
قصة موسى مع فرعون ٨١ الذين أمنوا بموسى ٨٣ من مواقف موسى مع فرعون ٨٥ تقرير صدق القرآن ٨٨ إيمان قوم يونس ٨٩ إنذار وبشارة، وحث على العلم ٩١ المبادئ العامة للدعوة الإسلامية ٩٢ خلاصة ما مضى ٩٤ سورة هود ٩٧ من أعمال الكفار مع كمال علم الله وقدرته ١٠٠ طباع الإنسان وتهذيب الدين لها ١٠٤ تقوية الروح المعنوية للنبي ﷺ وتحديهم بالقرآن ١٠٦ من يؤثر الدنيا على الآخرة ١٠٩ المؤمنون بالآخرة ١١٠ الكافرون وأعمالهم في الدنيا وجزاؤهم عليها، وكذلك المؤمنون ١١١ القصة في القرآن ١١٣ قصة نوح ﵇ ١١٥ اشتداد الحال حتى استعجلوا العذاب ١١٩ صنع نوح للسفينة ١٢١ نهاية القوم واستشفاع نوح لابنه ١٢٣ خاتمة القصة وما تشير إليه قصة هود ﵇ ١٢٧ قصة صالح ﵇ ١٣١ قصة إبراهيم ﵇ وبشارته ١٣٤ قصة لوط مع قومه وكيف نجا المؤمنون وهلك الكافرون ١٣٦ قصة شعيب ١٣٩ من قصة موسى وفرعون ١٤٤ العبرة والعظة من القصص بعذاب الدنيا ١٤٥ تحذير وتثبيت ١٤٩ نتيجة ما مضى من السورة ١٥٠ السبب العام في هلاك الأمم السابقة ١٥٣ خاتمة السورة ١٥٦ سورة يوسف ١٥٨ يوسف في دور الطفولة مع أبيه ١٥٩ يوسف وأخوته وما كان بينهم ١٦١ يوسف مع السيارة ١٦٦ يوسف في مصر ١٦٧ يوسف مع امرأة العزيز وكيف كانت محنته ١٦٩ شيوع الخبر في المدينة ما يترتب على ذلك ١٧٣
стр. 1785
يوسف في السجن ١٧٦ تأويل يوسف لرؤيا صاحبيه ١٧٨ تأويل يوسف لرؤيا ملك مصر ١٨٠ طلب الملك له وحكمة يوسف ١٨٢ النفس أمارة بالسوء ١٨٥ يوسف وقد تولى زمام الأمر في مصر ١٨٦ موقف أخوة يوسف معه ثم مع أبيه ١٨٨ يعقوب يوصى أبناءه الذاهبين إلى مصر ١٩٢ يوسف يتعرف على أخيه بنيامين ويحتال على على إبقائه عنده ١٩٣ حوار بين يوسف وإخوته وبينهم وبين أبيهم ١٩٦ تعرف إخوة يوسف عليه واعترافهم بالذنب ٢٠١ يعقوب وقد جاء البشير ٢٠٣ تأويل رؤيا يوسف من قبل ٢٠٥ القصة وما تشير إليه من أهداف ٢٠٧ سورة الرعد: القرآن حق والله قادر على كل شيء ٢١٢ بعض أقوالهم والجزاء عليها ٢١٥ من مظاهر علمه وحكمته ٢١٧ من مظاهر قدرة الله وألوهيته ٢٢٠ هذا مثل للحق وأهله وللباطل وحزبه ٢٢٣ من هم أولو الألباب وما جزاؤهم؟ ٢٢٦ من هم الأشقياء وما جزاؤهم؟ ٢٢٩ من أوصافهم أيضا ٢٣٠ رد على المشركين وبيان قدرة الله على كل شيء ٢٣٢ وصف الجنة، ومناقشة المعترضين من أهل الكتاب المشركين ٢٣٦ الرسول ﷺ مبلغ والله محاسب ومنتقم ٢٤٠ سورة إبراهيم: نعمة إنزال القرآن وإرسال النبي ﷺ وأثرهما ٢٤٣ مهمة الرسل ٢٤٦ بعض أنباء الأمم السابقة ٢٤٨ العاقبة للمتقين ٢٥١ حوار بين أهل النار ٢٥٤ مثل كلمة الحق وكلمة الباطل ٢٥٨ هكذا يفعل الكفار ٢٦٠ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ٢٦٢ دعاء إبراهيم ﵇ ٢٦٤ تذكير وعظة بأيام القيامة ومشاهدها ٢٦٧
стр. 1786
سورة الحجر ٢٧١ من مظاهر قدرته وآثار نعمته ٢٧٥ قصة آدم وتكوينه، وعلاقته بالملائكة والجن ٢٧٨ المتقون يوم القيامة ٢٨٤ أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر ٢٨٩ توجيهات إلهية إلى الحبيب المصطفى ﷺ ٢٩١ سورة النحل: من دلائل وحدانية الله ٢٩٦ من نعمة الله علينا أيضا ٣٠٠ هذا هو الخلاق المنعم فأين الشركاء ٣٠٢ المستكبرون وجزاؤهم ٣٠٤ المتقون وجزاؤهم ٣٠٦ عاقبة الكفار ٣٠٨ بعض حججهم الواهية ٣٠٩ جزاء المؤمنين، وتهديد الكافرين ٣١١ مناقشة المشركين في عقائدهم وأعمالهم ٣١٤ من مظاهر قدرته ونعمه علينا ٣١٨ من عجائب
قدرة الله وآيات وحدانيته ٣٢٢ مثل الأوثان والأصنام ٣٢٥ من نعم الله علينا ٣٢٧ مشهد من مشاهد يوم القيامة ٣٢٩ أجمع آية للخير والشر ٣٣٢ من أدب القرآن وتوجيهه ٣٣٦ المرتدون عن الإسلام والعياذ بالله ٣٣٨ عاقبة من يكفر بالنعمة ٣٤١ نقاش المشركين في معتقداتهم ٣٤٣ منهاج الوعاظ والدعاة ٣٤٥ سورة الإسراء ٣٤٩ خلاصة لتاريخ بنى إسرائيل ٣٥٣ من نعم الله علينا ٣٥٧ من أراد العاجلة ومن أراد الباقية ٣٦١ دعائم المجتمع الإسلامى ٣٦٣ الرد على من يدعى لله شريكا ٣٧٤ السر في كفرهم وعنادهم ٣٧٦ شبهتهم في البعث والرد عليهم ٣٧٧ مناقشة المشركين في عقائدهم ٣٨٠ أصل الداء ٣٨٣ من نعم الله علينا ٣٨٥ بعض مشاهد يوم القيامة ٣٨٧
стр. 1787
إرشادات ومواعظ ٣٩٠ القرآن هو المعجزة الباقية ٣٩٣ شبهتهم في الرسالة والرد عليها ٣٩٥ تسلية للنبي ﷺ ٣٩٨بماذا ندعوا الله ٤٠١ سورة الكهف ٤٠٣ قصة أهل الكهف ٤٠٥ توجيهات إلى النبي ﷺ ٤١٢ مثل للمعتز بالدنيا المغرور بها ٤١٥ مثل الحياة الدنيا ٤١٨ من مشاهد يوم القيامة ٤٢٠ توجيهات إلهية ٤٢١ إنذار وتخويف ٤٢٣ قصة موسى مع الخضر ٤٢٦ جواز ارتكاب أخف الضررين ٤٣٢ قصة ذي القرنين ٤٣٣ عاقبة الكفار يوم القيامة ٤٣٨ عاقبة الإيمان والعمل الصالح ٤٤٠ كمال علمه واحاطته بكل شيء ٤٤١ سورة مريم- قصة زكريا ٤٤٣ يحيى ﵇ ٤٤٦ قصة ولادة عيسى بن مريم ٤٤٧ القول الحق في عيسى ﵇ ٤٥٢ قصة إبراهيم مع أبيه ٤٥٤ ذكر بعض الأنبياء ﵈ ٤٥٨ من آثار بعثة الرسل ﵈ ٤٦١ الأمر كله بيد الله ٤٦٢ المنكرون للبعث وجزاؤهم ٤٦٤ حجة واهية ٤٦٧ هؤلاء هم المشركون ٤٧٠ فرية اتخاذ الولد ٤٧٢ ختام السورة ٤٧٣ سورة طه- القرآن ومن أنزله ٤٧٦ قصة موسى مع فرعون وبنى إسرائيل ٤٧٩ موسى بالوادي المقدس ٤٨٠ بعثة موسى ﵇ وما طلبه من ربه ٤٨٣ بعض الألطاف التي صادفت موسى ٤٨٥ دعوة موسى لفرعون، ومحاجته له ٤٨٨
стр. 1788
موسى والسحرة الذين جمعهم فرعون ٤٩٢ خروج بنى إسرائيل من مصر، ورحيل فرعون لطلبهم ٤٩٧ اتخاذ بنى إسرائيل إلها يعبدونه ٤٩٩ المعرضون عن القرآن يوم القيامة ٥٠٤ قصة السجود لآدم ٥٠٧ عبر ونصائح ٥١١ سورة الأنبياء- المشركون ودعواهم والرد عليهم ٥١٥ إنذار وتهديد ٥١٩ مناقشة المشركين في عقائدهم ٥٢٣ الأدلة الكونية على وجود الواحد الأحد ٥٢٦ من مواقف المشركين مع النبي ﷺ ٥٢٩ لا راد لقضاء الله ٥٣٢ عدل السماء ٥٣٥ موسى وهارون ٥٣٦ شيء من قصة إبراهيم ﵇ ٥٣٧ طرف من قصة لوط ونوح ﵉ ٥٤٣ داود وسليمان ﵉ ٥٤٥ أيوب ﵇ ٥٤٧ إسماعيل وإدريس وذا الكفل ٥٤٩ يونس ﵇ ٥٥٠ زكريا ويحيى ومريم ٥٥٢ وحدة المقصد من إرسال الأنبياء ٥٥٤ نهاية الكافرين ونهاية المؤمنين ٥٥٧ موقف النبي ﷺ من الناس ٥٦٠ سورة الحج- الدعوة إلى تقوى الله ٥٦٣ من أدلة البعث ٥٦٥ هكذا يكون الناس ٥٦٩ الله ناصر رسوله ٥٧٢ من مظاهر عدله وقدرته ٥٧٣ الكافرون والمؤمنون وجزاء كل ٥٧٥ صد الكفار عن المسجد الحرام وبيان مكانه ٥٧٨ حج بيت الله الحرام ٥٧٩ توجيهات إلهية لتعظيم حرمات الله وشعائره ٥٨٢ من آدب الذبح في الحج ٥٨٦ المؤمنون الذين يدافع الله عنهم ٥٨٨ حثهم على العبرة بمن تقدمهم من الأمم ٥٩١ مهمة الرسول ﷺ ٥٩٤ كتاب الله محكم لا ريب فيه ٥٩٥
стр. 1789
فضل الله على المؤمنين ٥٩٩ لكل أمة شريعة صالحة لها ٦٠٣ بعض أعمال الكفار والمشركين ٦٠٥ مجمل التشريع الإسلامى ٦٠٨ سورة المؤمنون- ومن هم المؤمنون ٦١١ الإيمان بالله القادر الحكيم ٦١٥ العبرة من قصة نوح ﵇ ٦٢٠ قصة هود ﵇ ٦٢٣ ذكر بعض الأنبياء ٦٢٦ المبادئ العامة في الرسلات ٦٢٩ المؤمنون المسارعون في عمل الخير ٦٣١ الكفار وأعمالهم وأسبابها ٦٣٣ إصرارهم على الشرك رغم ظهور الأدلة ٦٣٧ ليس لله ولد وليس له شريك ٦٤١ توجيهات إلهية للحبيب المصطفى ٦٤٢ من مشاهد يوم القيامة ٦٤٣ سورة النور- افتتاح السورة ٦٤٦ الزنا وحده ٦٥٠ القذف بالزنا ٦٥٤ قذف الرجل زوجته ٦٥٦ قصة الإفك ٦٥٩ نهاية القصة ٦٦٧ الاستئذان وآدابه ٦٧٠ آية الحجاب ٦٧٣ من علاج أزمة الزواج ٦٧٦ الله نور السموات والأرض ٦٨١ المنتفعون بنور الحق ﵎ ٦٨٤ المحرمون من نور الحق ٦٨٥ انقياد الكون لله ٦٨٧ وجود الضلال رغم الآيات الناطقة ٦٨٩ هؤلاء هم المؤمنون المتمثلون ٦٩٣ دولة المؤمنين ٦٩٥ آداب لمن يعيشون في بيت واحد ٦٩٧ آداب إسلامية ٧٠٠ من آداب الجماعة نحو الرسول ﷺ ٧٠٢ سورة الفرقان- لا معبود بحق في الوجود إلا الله ٧٠٥ شبهاتهم في القرآن والنبي ﷺ والرد عليهم ٧٠٨
стр. 1790
رد عليهم وبيان لحالهم يوم القيامة ٧١١ من مشاهد يوم القيامة ٧١٣ بعض سوءاتهم وعاقبتها ٧١٦ من مشاهد يوم القيامة أيضا ٧١٨ من سوءاتهم أيضا ٧٢٠ قصص بعض الأمم التي كذبت رسلها ٧٢٢ من قبيح أعمالهم ٧٢٥ بعض الظواهر الكونية التي تدل على وجود الله ونعمه علينا ٧٢٦ من دلائل التوحيد وجميل الأنعام وكريم التوجيه للنبي ﷺ ٧٣٠ من صفات المؤمنين ٧٣٤ من صفاتهم أيضا ٧٣٧ سورة الشعراء
- موقف المشركين من الدعوة الإسلامية ٧٤٢ قصة موسى مع فرعون وملئه ٧٤٥ قصة إبراهيم ٧٥٥ قصة نوح مع قومه ٧٦٠ قصة هود مع قومه ٧٦٢ قصة صالح مع قومه ثمود ٧٦٥ قصة لوط مع قومه ٧٦٨ قصة شعيب مع أصحاب الأيكة ٧٧٠ الحديث عن القرآن وموقف المشركين منه ٧٧٢ نصائح ربانية ٧٧٦ الرد على من يصف النبي ﷺ بأنه كاهن أو شاعر ٧٧٨ سورة النمل- افتتاح السورة بالكلام عن القرآن وأثره ٧٨١ موسى بالوادي المقدس ٧٨٣ من نعم الله على داود وسليمان وقصة النملة ٧٨٥ قصة الهدهد أو بلقيس ٧٨٨ صالح مع قومه ثمود ٧٩٤ قصة لوط مع قومه ٧٩٧ الشواهد الدالة على الوحدانية والقدرة ٧٩٨ اعتقادهم في البعث ٨٠٢ القرآن الكريم والنبي ﷺ ٨٠٤ من مناظر يوم القيامة مع ذكر مقدماته ٨٠٦ من علامات يوم القيامة ٨٠٩ ختام سورة النمل ٨١١ سورة القصص- افتتاح السورة والكلام على قصة فرعون ٨١٣ قصة موسى ٨١٦ ولادته وإرضاعه ٨١٦