← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

سورة الحجر ٢٧١ من مظاهر قدرته وآثار نعمته ٢٧٥ قصة آدم وتكوينه، وعلاقته بالملائكة والجن ٢٧٨ المتقون يوم القيامة ٢٨٤ أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر ٢٨٩ توجيهات إلهية إلى الحبيب المصطفى ﷺ ٢٩١ سورة النحل: من دلائل وحدانية الله ٢٩٦ من نعمة الله علينا أيضا ٣٠٠ هذا هو الخلاق المنعم فأين الشركاء ٣٠٢ المستكبرون وجزاؤهم ٣٠٤ المتقون وجزاؤهم ٣٠٦ عاقبة الكفار ٣٠٨ بعض حججهم الواهية ٣٠٩ جزاء المؤمنين، وتهديد الكافرين ٣١١ مناقشة المشركين في عقائدهم وأعمالهم ٣١٤ من مظاهر قدرته ونعمه علينا ٣١٨ من عجائب قدرة الله وآيات وحدانيته ٣٢٢ مثل الأوثان والأصنام ٣٢٥ من نعم الله علينا ٣٢٧ مشهد من مشاهد يوم القيامة ٣٢٩ أجمع آية للخير والشر ٣٣٢ من أدب القرآن وتوجيهه ٣٣٦ المرتدون عن الإسلام والعياذ بالله ٣٣٨ عاقبة من يكفر بالنعمة ٣٤١ نقاش المشركين في معتقداتهم ٣٤٣ منهاج الوعاظ والدعاة ٣٤٥ سورة الإسراء ٣٤٩ خلاصة لتاريخ بنى إسرائيل ٣٥٣ من نعم الله علينا ٣٥٧ من أراد العاجلة ومن أراد الباقية ٣٦١ دعائم المجتمع الإسلامى ٣٦٣ الرد على من يدعى لله شريكا ٣٧٤ السر في كفرهم وعنادهم ٣٧٦ شبهتهم في البعث والرد عليهم ٣٧٧ مناقشة المشركين في عقائدهم ٣٨٠ أصل الداء ٣٨٣ من نعم الله علينا ٣٨٥ بعض مشاهد يوم القيامة ٣٨٧

стр. 1787

إرشادات ومواعظ ٣٩٠ القرآن هو المعجزة الباقية ٣٩٣ شبهتهم في الرسالة والرد عليها ٣٩٥ تسلية للنبي ﷺ ٣٩٨بماذا ندعوا الله ٤٠١ سورة الكهف ٤٠٣ قصة أهل الكهف ٤٠٥ توجيهات إلى النبي ﷺ ٤١٢ مثل للمعتز بالدنيا المغرور بها ٤١٥ مثل الحياة الدنيا ٤١٨ من مشاهد يوم القيامة ٤٢٠ توجيهات إلهية ٤٢١ إنذار وتخويف ٤٢٣ قصة موسى مع الخضر ٤٢٦ جواز ارتكاب أخف الضررين ٤٣٢ قصة ذي القرنين ٤٣٣ عاقبة الكفار يوم القيامة ٤٣٨ عاقبة الإيمان والعمل الصالح ٤٤٠ كمال علمه واحاطته بكل شيء ٤٤١ سورة مريم- قصة زكريا ٤٤٣ يحيى ﵇ ٤٤٦ قصة ولادة عيسى بن مريم ٤٤٧ القول الحق في عيسى ﵇ ٤٥٢ قصة إبراهيم مع أبيه ٤٥٤ ذكر بعض الأنبياء ﵈ ٤٥٨ من آثار بعثة الرسل ﵈ ٤٦١ الأمر كله بيد الله ٤٦٢ المنكرون للبعث وجزاؤهم ٤٦٤ حجة واهية ٤٦٧ هؤلاء هم المشركون ٤٧٠ فرية اتخاذ الولد ٤٧٢ ختام السورة ٤٧٣ سورة طه- القرآن ومن أنزله ٤٧٦ قصة موسى مع فرعون وبنى إسرائيل ٤٧٩ موسى بالوادي المقدس ٤٨٠ بعثة موسى ﵇ وما طلبه من ربه ٤٨٣ بعض الألطاف التي صادفت موسى ٤٨٥ دعوة موسى لفرعون، ومحاجته له ٤٨٨

стр. 1788

موسى والسحرة الذين جمعهم فرعون ٤٩٢ خروج بنى إسرائيل من مصر، ورحيل فرعون لطلبهم ٤٩٧ اتخاذ بنى إسرائيل إلها يعبدونه ٤٩٩ المعرضون عن القرآن يوم القيامة ٥٠٤ قصة السجود لآدم ٥٠٧ عبر ونصائح ٥١١ سورة الأنبياء- المشركون ودعواهم والرد عليهم ٥١٥ إنذار وتهديد ٥١٩ مناقشة المشركين في عقائدهم ٥٢٣ الأدلة الكونية على وجود الواحد الأحد ٥٢٦ من مواقف المشركين مع النبي ﷺ ٥٢٩ لا راد لقضاء الله ٥٣٢ عدل السماء ٥٣٥ موسى وهارون ٥٣٦ شيء من قصة إبراهيم ﵇ ٥٣٧ طرف من قصة لوط ونوح ﵉ ٥٤٣ داود وسليمان ﵉ ٥٤٥ أيوب ﵇ ٥٤٧ إسماعيل وإدريس وذا الكفل ٥٤٩ يونس ﵇ ٥٥٠ زكريا ويحيى ومريم ٥٥٢ وحدة المقصد من إرسال الأنبياء ٥٥٤ نهاية الكافرين ونهاية المؤمنين ٥٥٧ موقف النبي ﷺ من الناس ٥٦٠ سورة الحج- الدعوة إلى تقوى الله ٥٦٣ من أدلة البعث ٥٦٥ هكذا يكون الناس ٥٦٩ الله ناصر رسوله ٥٧٢ من مظاهر عدله وقدرته ٥٧٣ الكافرون والمؤمنون وجزاء كل ٥٧٥ صد الكفار عن المسجد الحرام وبيان مكانه ٥٧٨ حج بيت الله الحرام ٥٧٩ توجيهات إلهية لتعظيم حرمات الله وشعائره ٥٨٢ من آدب الذبح في الحج ٥٨٦ المؤمنون الذين يدافع الله عنهم ٥٨٨ حثهم على العبرة بمن تقدمهم من الأمم ٥٩١ مهمة الرسول ﷺ ٥٩٤ كتاب الله محكم لا ريب فيه ٥٩٥

стр. 1789

فضل الله على المؤمنين ٥٩٩ لكل أمة شريعة صالحة لها ٦٠٣ بعض أعمال الكفار والمشركين ٦٠٥ مجمل التشريع الإسلامى ٦٠٨ سورة المؤمنون- ومن هم المؤمنون ٦١١ الإيمان بالله القادر الحكيم ٦١٥ العبرة من قصة نوح ﵇ ٦٢٠ قصة هود ﵇ ٦٢٣ ذكر بعض الأنبياء ٦٢٦ المبادئ العامة في الرسلات ٦٢٩ المؤمنون المسارعون في عمل الخير ٦٣١ الكفار وأعمالهم وأسبابها ٦٣٣ إصرارهم على الشرك رغم ظهور الأدلة ٦٣٧ ليس لله ولد وليس له شريك ٦٤١ توجيهات إلهية للحبيب المصطفى ٦٤٢ من مشاهد يوم القيامة ٦٤٣ سورة النور- افتتاح السورة ٦٤٦ الزنا وحده ٦٥٠ القذف بالزنا ٦٥٤ قذف الرجل زوجته ٦٥٦ قصة الإفك ٦٥٩ نهاية القصة ٦٦٧ الاستئذان وآدابه ٦٧٠ آية الحجاب ٦٧٣ من علاج أزمة الزواج ٦٧٦ الله نور السموات والأرض ٦٨١ المنتفعون بنور الحق ﵎ ٦٨٤ المحرمون من نور الحق ٦٨٥ انقياد الكون لله ٦٨٧ وجود الضلال رغم الآيات الناطقة ٦٨٩ هؤلاء هم المؤمنون المتمثلون ٦٩٣ دولة المؤمنين ٦٩٥ آداب لمن يعيشون في بيت واحد ٦٩٧ آداب إسلامية ٧٠٠ من آداب الجماعة نحو الرسول ﷺ ٧٠٢ سورة الفرقان- لا معبود بحق في الوجود إلا الله ٧٠٥ شبهاتهم في القرآن والنبي ﷺ والرد عليهم ٧٠٨

стр. 1790

رد عليهم وبيان لحالهم يوم القيامة ٧١١ من مشاهد يوم القيامة ٧١٣ بعض سوءاتهم وعاقبتها ٧١٦ من مشاهد يوم القيامة أيضا ٧١٨ من سوءاتهم أيضا ٧٢٠ قصص بعض الأمم التي كذبت رسلها ٧٢٢ من قبيح أعمالهم ٧٢٥ بعض الظواهر الكونية التي تدل على وجود الله ونعمه علينا ٧٢٦ من دلائل التوحيد وجميل الأنعام وكريم التوجيه للنبي ﷺ ٧٣٠ من صفات المؤمنين ٧٣٤ من صفاتهم أيضا ٧٣٧ سورة الشعراء - موقف المشركين من الدعوة الإسلامية ٧٤٢ قصة موسى مع فرعون وملئه ٧٤٥ قصة إبراهيم ٧٥٥ قصة نوح مع قومه ٧٦٠ قصة هود مع قومه ٧٦٢ قصة صالح مع قومه ثمود ٧٦٥ قصة لوط مع قومه ٧٦٨ قصة شعيب مع أصحاب الأيكة ٧٧٠ الحديث عن القرآن وموقف المشركين منه ٧٧٢ نصائح ربانية ٧٧٦ الرد على من يصف النبي ﷺ بأنه كاهن أو شاعر ٧٧٨ سورة النمل- افتتاح السورة بالكلام عن القرآن وأثره ٧٨١ موسى بالوادي المقدس ٧٨٣ من نعم الله على داود وسليمان وقصة النملة ٧٨٥ قصة الهدهد أو بلقيس ٧٨٨ صالح مع قومه ثمود ٧٩٤ قصة لوط مع قومه ٧٩٧ الشواهد الدالة على الوحدانية والقدرة ٧٩٨ اعتقادهم في البعث ٨٠٢ القرآن الكريم والنبي ﷺ ٨٠٤ من مناظر يوم القيامة مع ذكر مقدماته ٨٠٦ من علامات يوم القيامة ٨٠٩ ختام سورة النمل ٨١١ سورة القصص- افتتاح السورة والكلام على قصة فرعون ٨١٣ قصة موسى ٨١٦ ولادته وإرضاعه ٨١٦

стр. 1791

سبب خروجه من أرض مصر ٨٢٠ أرض مدين ونزوله بها ومصاهرته للشيخ ٨٢٣ قضى موسى الأجل وسار بالوادي المقدس ٨٢٦ محاجته لهم وعناد فرعون وآله وعاقبتهم ٨٢٩ الحاجة إلى إرسال الرسل ٨٣٣ المؤمنون من أهل الكتاب ٨٣٦ رد بعض مزاعم المشركين ٨٣٧ بعض مواقف المشركين يوم القيامة ٨٤١ الله يتصف بصفات الجلال والكمال ٨٤٣ قصة المال وتأثيره في النفس الإنسانية ٨٤٦ البشرى بالعودة إلى مكة ٨٥٢ سورة العنكبوت ٨٥٤ مدى فتنة الكفار للمؤمنين وتهديد الله للكفار وللمنافقين ٨٥٨ نوح وقومه ٨٦٢ قصة إبراهيم وقومه ٨٦٣ قصة لوط مع قومه ٨٦٧ قصص مدين وعاد وثمود وغيرهم ٨٧٠ مثل اتخاذ الأصنام آلهة ٨٧٢ آداب إسلامية ٨٧٤

стр. 1792

[الجزء الثالث] [بقية سورة العنكبوت] كيف ندعو أهل الكتاب إلى الإسلام [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٩] وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) المفردات: وَلا تُجادِلُوا المجادلة: المناقشة يَجْحَدُ الجحد: إنكار الشيء بعد معرفته لَارْتابَ: لشك الْمُبْطِلُونَ: غير المحقين فيما ذهبوا إليه. وهذا شروع في إرشاد أهل الكتاب ومعالجتهم ودعوتهم إلى الدين الحق دين الفطرة السليمة، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى أتباع موسى وعيسى ﵈، وهم قوم يقولون بوجود الله واليوم الآخر والتصديق ببعض الكتب والأنبياء، هذه عقائدهم الأساسية، وإن حاولوا طمسها في بعض الأحيان والأحوال.

стр. 1793

وهذه الآية تدعونا إلى البحث في واجب المسلمين نحو دعوتهم ونشر دينهم، وماذا يكون موقفهم أمام معارضيهم وأعدائهم، في هذا الموضوع كتبت أنا وزميل لي بحثا تاما كاملا في مشروعية القتال سيطبع قريبا إن شاء الله. والخلاصة أن علينا نشر الدعوة لأنها دعوة عامة شاملة صالحة لكل زمان ومكان وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.. [سورة الأنعام آية ١٩] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [سورة الأعراف آية ١٥٨] . والذي ندعوه إن قبل الإسلام فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن حاربنا ووقف في طريقنا وكمّم أفواه دعاتنا لا سيما إن كان من مشركي العرب الذين بالغوا في عداوة الإسلام حاربناه، ودعوتنا إلى الإسلام أولا تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. لهذا لا نعجب إن رأينا آيات في القرآن تحثنا على الدعوة إلى الإسلام بالحسنى وآيات تأمرنا بالقتال وتحث عليه فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.. [التوبة ٥] . المعنى: ادع إلى سبيل ربك، وانشر دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رأيت ممن تخاطبه إعراضا وشكا فيما دعوته إليه أو جحدا وإنكارا فجادلهم بالتي هي أحسن واعلم بأن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله فيجازيه على عمله، ولا شيء عليك أيها الداعي، فإن تحرجت المسألة وانتهت إلى جدال بالعنف والشدة والقتال على أنهم هم البادئون لا أنتم أيها المسلمون، فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم على الأذى في أول الأمر لهو خير للصابرين. ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالطريقة التي هي أحسن من أختها عملا بقوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت ٣٤] . وأهل الكتاب منهم المعتدلون في آرائهم ومعتقداتهم البعيدون عن الشرك وإثبات الولد والتثليث، وهؤلاء يؤمنون بالله وبكتابهم ونبيهم وباليوم الآخر فليس بيننا وبينهم إلا الإيمان بمحمد مع عيسى أو موسى، وأظن أن هؤلاء بعد توفيق الله لهم وشرح صدورهم للإسلام لا يحتاجون إلا إلى نقاش بسيط وجدال بالتي هي أحسن.

стр. 1794

ومن أهل الكتاب قوم خلطوا بين التوحيد والتثليث، وحرفوا في الكتب وغيروا، ونسبوا لله ولدا أو شريكا وهؤلاء قد ضلوا السبيل، وعموا عن الطريق، ومع هذا فيأمرنا الدين بدعوتهم بالتي هي أحسن، لأن الإسلام يحترم حرية الرأى والعقيدة ويطلب من الناس أن يعاملوه بها، وهو بدوره يعامل الناس بها. نعم إذا سلك أهل الكتاب طريقا معوجا بأن نقضوا العهود. وألّبوا الناس ضد الإسلام، ووقفوا في سبيل نشر دعوته بالقوة، ومنعوا دعاته بالعنف والشدة فلم يسلكوا في رد الإسلام الحجة والبرهان بل سلكوا سبيل القوة والبطش، أليس هؤلاء قد ظلموا وتجاوزوا الحد المعقول؟ أمن العدل والكرامة أن يقف الإسلام منهم موقف الخزي والذل، ويطأطئ رأسه احتراما لظلمهم وعنفهم؟ كلا وألف كلا! فلن يقف الإسلام موقف المتفرج ممن يهدم بيته ويقض مضجعه- ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ورجاله يبغون إحدى الحسنين- بل يقابل الشدة بمثلها ويمنع الظلم بالقتال. وانظر إلى تأديب القرآن وإرشاده لنا بأن نقول عند الجدال بالحسنى: نحن يا أهل الكتاب آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وآمنا بأنبيائكم ورسلكم فنحن قوم لم نفرق بين نبي ونبي، ولم نؤمن ببعض الكتب دون بعض، على أن الكل يؤمن بالله الأحد الفرد الصمد، ونحن له مسلمون ومنقادون فما المانع أن تكونوا كذلك؟ وتؤمنوا بمحمد ﷺ على أنه خاتم الأنبياء، ورسالته ناسخة لكل الرسالات، فالدستور الجديد ينسخ العمل بالقديم. وقد بشر بالقرآن وبمحمد في كتبكم، ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه على موسى وعيسى أنزلنا إليك يا محمد الكتاب. أى: القرآن، فليس من العدل أن نؤمن ببعض الكتب ونكفر ببعض، فالذين آتيناهم الكتاب كموسى وعيسى وداود يؤمنون بالنبي محمد وبكتابه بل وبشروا به وأمروكم بتصديقه إذا ظهر بعلاماته المعروفة عندهم. ومن هؤلاء، أى: أهل الكتاب المعاصرين من يؤمن به ويصدق لأنه آثر الباقية على الفانية، ولم تغره الدنيا بزخارفها كأمثال عبد الله بن سلام، وتميم الأنصارى وغيرهم كثير. وما يجحد بآياتنا الظاهرة التي تدل على صدق رسولنا محمد إلا الكافرون، وأنتم

стр. 1795

يجب أن تكونوا بعيدين عن الكفر إذ أنتم من الموحدين الذين كنتم تستفتحون بهذا النبي العربي على الذين كفروا. وها كم دليلا آخر على صدق محمد في رسالته، ولعله أوضح مما مضى: يا أهل الكتاب ويا أتباع الأنبياء وأصحاب الكتاب. هذا النبي العربي وصفه عندكم أنه أمى، ما كان يتلو كتابا، ولا يخط بيمينه حرفا، ولم يجلس إلى معلم، ولم يستمع إلى مدرس ومع هذا فقد أتى بالقرآن المعجز في أسلوبه وعلومه، وقصصه وأحكامه وتشريعه، أليس في هذا دليل على صدقه؟! على أنه إذا كان قارئا عالما ثم أتى بهذا القرآن المحكم، ذلك الكتاب الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ما كان يصح أن يرتاب في صدقه إلا المبطلون، فإن جميع علماء الأرض لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ومعينا، فكيف يرتاب إنسان في أن هذا القرآن نزل من عند الله على محمد، وهو المعجزة الشاهدة على صدقه إلى الأبد، ولا يشك في هذا إلا رجل غير محق في رأيه، بل هو آيات بينات واضحات في صدور الذين أوتوا العلم والمعرفة، ولذا ورد.. «هذه الامّة أناجيلهم في صدورهم» وبعد هذا ما يجحد بآيات ربك إلا الظالمون الذين يعرفون الحق ثم ينأون عنه حسدا من عند أنفسهم وبغيا. وأنتم يا أهل الكتاب إذا جحدتم هذه الآية، وكفرتم بتلك الرسالة المحمدية لزمكم إنكار الرسل والكفر بالكتب كلها. وكنتم ملحقين بالمشركين الظالمين، وما يجحد بآياتنا بعد ذلك إلا الظالمون. ذكر بعض الشبه والرد عليها [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٥] وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)

стр. 1796

المفردات: شَهِيداً: يشهد بصدق. أَجَلٌ مُسَمًّى: معلوم محدد بَغْتَةً: فجأة يَغْشاهُمُ: يصيبهم. المعنى: وقالوا: لولا أنزل على النبي ﷺ آيات من ربه، تكون دليلا على صدقه، ومعجزة بينة له تثبت أنه رسول من عند الله، وكأنهم لم يكتفوا بالقرآن على أنه معجزة مع أنه أكبر شاهد على صدق الرسول كما مضى من قبل. ومن الذي قال ذلك؟ أهم مشركو مكة أم أهل الكتاب؟ قال بعض العلماء: إنهم المشركون! وقال بعضهم: هم أهل الكتاب لأن الكلام معهم والرد عليهم. وقد رد الله على من يطلب آية فأمر النبي ﷺ أن يقول لهم: إنما الآيات التي تطلبونها عند الله وليس عندي شيء منها، إنما وظيفتي الإنذار فقط، ومن شاء فليؤمن

стр. 1797

ومن شاء فليكفر، طلبوا من النبي آيات كفلق البحر، وانقلاب العصا حية إلى آخر ما مضى من الآيات التسع التي أنزلت على موسى، وكالآيات التي أنزلت على عيسى من إحياء الموتى وإبراء المرضى إلى آخر ما عرفت، فرد الله عليهم أيضا لافتا نظرهم إلى القرآن الذي هو المعجزة الباقية فقال: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، وقد تحداهم ربك أن يأتوا بمثله أو بسورة منه وأن يتعاونوا في ذلك مجتمعين مع شهدائهم وأوليائهم فعجزوا عن هذا مع التحدي الشديد اللهجة، وهم قوم عرب يؤلمهم جدا أن يهزموا، أفلا يكفيهم هذا معجزة؟ ولو أتاهم ربك بآيات كآيات موسى وعيسى لقالوا: سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون!! على أنهم قوم عرب نبغوا في صناعة البلاغة والبيان فيكونون أقدر الناس على فهم حقيقة الإعجاز فيه، كسحرة فرعون بالنسبة إلى عصا موسى. لا يا قوم! إن في ذلك الكتاب لرحمة، وأى رحمة أكثر من هذا؟ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً وإنه لذكرى وأى ذكرى؟ فهو الباقي، وكل آية مادية تفنى، وهل يكون غيره دليلا على صدق رسالة باقية إلى الأبد؟ فهو الآية المستمرة الباقية على مر الدهور والسنين بخلاف ناقة صالح، وعصا موسى، وإبراء الأكمه من عيسى- عليهم جميعا الصلاة والسلام- نعم هو الكتاب الذي يتلى، وهو الآية التي لا تنقضي عجائبها، ولا تخلق جدتها، بل كلما تقدم الزمن وتقدم العلم ظهرت أسرار الشريعة، وحقائق القرآن واضحة جلية سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.. [سورة فصلت آية ٥٣] . هو رحمة وذكرى وعظة وعبرة ولكن لقوم يؤمنون. قل لهم يا محمد: كفى الله شهيدا، وكفاه بيني وبينكم حكما مقسطا يشهد بصدقى وهو العليم الخبير بخلقه، ويعلم ما في السموات والأرض، وأنا أدّعى أنى رسوله فلو كنت كاذبا لقطع منّى الوتين، ولخسف بي وبداري الأرض، وكنت من المهلكين، وكيف يكون ذلك. وهو يرعاني ويكلؤنى بعين لا تنام، ويحرسنى بيد لا ترام!! والذين آمنوا بالباطل، وصدقوا بالتّرهات والأراجيف، والذين كفروا بالله، أولئك جميعا هم الخاسرون، أما الأولون فهم أهل الكتاب الذين لم يتبعوا الحق، وأما الآخرون فهم المشركون الضالون.

стр. 1798

ويستعجلونك بالعذاب الذي وعظتهم به، وخوفتهم من عاقبته، وسقت لهم القصص ليعتبروا بمن سبقهم، ولولا أجل معلوم، ووقت محدود، وأن لكل أجل كتابا، وكل شيء عند ربك بمقدار. لولا هذا كله لجاءهم العذاب عاجلا، وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون، وقد أتاهم ببدر وفي مشارف المدينة من قوم أخرجوا من ديارهم، وأخذت أموالهم وحصروا في الشعب ثلاث سنين ذاقوا فيها الأمرّين. يا عجبا لهم يستعجلونك بالعذاب، وإن جهنم لمحيطة بهم، يوم يغشاهم العذاب من كل جانب، ويصب عليهم من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، وما عهدوا نارا تأتى من فوق ومن أسفل، ولكنها نار وقودها الناس والحجارة. ثم يقال لهم- تأنيبا وتوبيخا- ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون. توجيهات إلهية للمسلمين [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٥ الى ٦٤] يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)

стр. 1799

المفردات: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم غُرَفاً الغرف: جمع غرفة، وهي الحجرة وَكَأَيِّنْ أى: كم بمعنى كثير من الدواب سَخَّرَ: ذلل دَابَّةٍ: كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان يقال له دابة يُؤْفَكُونَ يصرفون يَقْدِرُ لَهُ يضيق عليه، أى: يقتر عليه رزقه لَهْوٌ اللهو: الاشتغال بما لا يعنى وما لا ينفع عن النافع المفيد، وفي المصباح: اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، واللعب: هو العبث الْحَيَوانُ: الحياة الدائمة الخالدة الجديرة باسم الحياة. المعنى: بعد ما وفي الحق- ﵎ الكلام على المشركين وأهل الكتاب أخذ يوجه نصائح للمسلمين، وهم في أشد الحاجة إليها، وخاصة حينما جاهروا بالدعوة واشتد إيذاء الكفار لهم في مكة، وهذه التوجيهات تهدف إلى خلق المؤمن الكامل الذي يبيع نفسه وماله ووطنه في سبيل إعلاء كلمة الله. يا عبادي الذين آمنوا بالله ورسوله إن أرضى واسعة فهاجروا فيها وفروا بدينكم من عنت المشركين أعداء الله وأعدائكم، يا عبادي إن ضاق بكم موضع فإياى فتوجهوا لأن أرضى واسعة. وهذا تحبيب للمسلمين في الهجرة مع رسول الله، وكانت واجبة قبل فتح مكة ثم بعدها لا هجرة، وإنما المهاجر من هجر ما نهى الله عنه.

стр. 1800

وفي هذه الأيام لا هجرة من بلد إلى بلد كما يهاجر سكان شمال أفريقيا إلى بلاد الحجاز خوفا من عنت الفرنسيين، لا يا قوم، اثبتوا في مكانكم وتجمعوا مع إخوانكم وشقوا لأنفسكم الطريق، وتمسكوا بدينكم تفوزوا على أعدائكم. وإلا فسيكون مآل بلاد الإسلام إلى تسليمها للأعداء، فالآية نزلت في الهجرة قبل الفتح لا في الهجرة مطلقا في كل وقت ومن أى بلد. وها هي ذي المرغبات في الجهاد والهجرة في سبيل الله يسوقها الله فيقول: كل نفس مهما كانت لا بد أن تذوق الموت، وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تجعل الخوف من الموت سببا في الخضوع والذلة، والمكث في دار الكفر حبا في الدنيا مع أنك مفارقها حتما وميت حتما، وإلى الله وحده ترجع الأمور كلها، فمن العقل أن تعمل لذلك اللقاء، وتدخر ليوم الحساب ما تقدم من صالح الأعمال. وها هم أولاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة أماكن عالية ولننزلنهم فيها غرفا تجرى من تحتها الأنهار، وخالدين فيها وذلك جزاء المحسنين، ونعم أجر العاملين أجرهم. وهم الذين صبروا على الأذى ما دام المصير خيرا للدين والدعوة، وعلى ربهم يتوكلون إن سافروا وهاجروا في سبيل الله أو قاموا بعمل نافع. وإذا كان الأمر كله بيد الله، وهو الرزاق ذو القوة المتين، فاعلم أنه يرزق من ليس له حيلة حتى يعجب صاحب الحيلة، ويرزق الطير يغدو خماصا ويروح بطانا نعم كم من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها من حيث لا تعلم، ويرزقكم يا أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة، وهو السميع لكل قول، العليم بكل فعل، وهذا غرس لمبدأ التوكل على الله، وقد كان ذلك كذلك فقد هاجر المسلمون إلى المدينة ثم فتح الله لهم الدنيا. ومن الغريب لئن سألتهم من خلق السموات والأرض، وما فيهما من عوالم لا يعلمها إلا خالقها؟ ومن سخر الشمس والقمر تسخيرا يحير العقول في إدراك سره ونظامه؟، فتسخير الشمس والقمر بهذا الوضع الذي ينشأ منه الليل والنهار، والفصول السنوية من صيف وشتاء وربيع وخريف أدل على كمال القدرة وتمام العلم وحسن النظام من نفس خلق الشمس والقمر، ولعل هذا هو السر في تعبير القرآن بسخر، ولئن سألتهم عن هذا ليقولن الله فكيف تصرفون عن التوحيد إلى الإشراك؟! كيف تقرون بأن الله خالق

стр. 1801

هذا الكون، ومدبر هذا الوجود ومنظمه، ثم تشركون معه في الربوبية آلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟!! والله سبحانه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويوسعه، ويضيق الرزق على من يشاء ويقتر عليه سواء كان في بلده ووسط أهله وعشيرته أو هاجر إلى بلد ناء بعيد، إن الله بكل شيء عليم. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به موات الأرض، وعطاش الحيوان؟ ليقولن الله! عجبا لهم فكيف يشركون معه غيره؟! قل لهم: الحمد لله قد لزمتكم الحجة، وقد أقررتم بذلك. والحمد لله على ما أنزل من مطر أحيا به الأرض بعد موتها، الحمد لله على كل حال. بل أكثرهم لا يعقلون إدراك هذه الأسرار. وما هذه الحياة الدنيا التي يتكالب عليها الناس إلا لهو ولعب، فهي في حقارتها وسرعة زوالها وانقضائها، وأنه لا خير فيها ولا دوام لها كاللهو واللعب، وإن الدار الآخرة لهى الحياة الدائمة، الحياة الكاملة التي لا زوال فيها ولا انقضاء، لو كانوا يعلمون ما يبقى على ما يفنى، وفي هذا أيضا تنفير من الدنيا وتحبيب في العمل الصالح. وتربية سليمة لخلق المؤمن الكامل صاحب المثل العليا الذي يستحق من الله وصفه بالعبودية له. بيان حال الكفار في الشدة والرخاء [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٥ الى ٦٩] فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)

стр. 1802

المفردات: الْفُلْكِ: السفينة في البحر مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: صادقين في نياتهم حَرَماً آمِناً: حرما ذا أمن وطمأنينة مَثْوىً: مأوى ومستقر يُتَخَطَّفُ الخطف: الأخذ بسرعة، والمراد: يقتل بعضهم بعضا بسرعة ويسبى بعضهم بعضا أَظْلَمُ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. المعنى: هذه الحياة الدنيا التي هي لهو ولعب هي السبب في كفر هؤلاء وشركهم وذلك أنه إذا انقطع رجاؤهم من الدنيا بسبب من الأسباب كأن ركبوا في الفلك واضطرب البحر وعصفت الريح، وتيقنوا الغرق، إذا حصل هذا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد، ودعوا الله مخلصين له النية، صادقين بحسب الظاهر في الدعاء، وفي الحقيقة قلوبهم مشحونة بالشرك بدليل أنه إذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ. وكانت العاقبة أنهم كفروا بالله، وبما آتاهم من نعمه، وبما حباهم من فضل، لتكون عاقبتهم أيضا أنهم يتمتعون في الدنيا متاعا هم مهددون فيه بالفقر والمرض والموت، وفي الآخرة سوف يعلمون عاقبة ذلك كله لأنهم سيجازون الجزاء الأوفى على أعمالهم. عجبا لهؤلاء! يدعون الله مخلصين له الدين إذا كانوا في حال شديدة من الخوف والاضطراب، وعندئذ يضلون عن الأصنام والأوثان، فإذا أمنوا على أنفسهم وزال

стр. 1803

الخطر عنهم يكفرون بالله ويدعون الأوثان.. إن هذا لعجيب فإن حالهم متناقضة إذ دعاؤهم الله في الضراء دليل على أنهم يثقون أن النعمة ودفع الأذى منه وحده، فما بالهم وقد عادوا إلى السراء، وحلوا بالأوطان يكفرون بالرحمن.. ويعبدون الأوثان؟! أعموا ولم يعلموا أن الله- هو الذي جعل حرمهم مكان أمن وطمأنينة يأمن فيه الخائف، ويسكن فيه المضطرب، ويتخطف الناس من حوله بالسرقة والقتل، والسلب والنهب. أعموا ولم يعلموا أن صاحب الفضل في الشدائد الذي أنجاهم من المخاوف هو الله الذي حباهم بالنعمة، وأسكنهم الحرم الأمين؟ عجبا لهم! أبالباطل وما لا خير فيه بل ما فيه الضرر يؤمنون، وبنعمة الله وفضله يكفرون؟! ولما بين الله- سبحانه- الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة، والطريق المعوج الموصل إلى النار، وحذر الناس من اتباعه، وحثهم على سلوك طريق الحق والنور، لما بين الله هذا وذاك أمر نبيه أن يقول للناس: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب. وها أنذا أدعى أنى رسول الله وأن ما أنزل على هو كتاب الله، وبعضكم كذبني، ولا يخلو الحال من أمرين لا ثالث لهما: إما أننى كاذب في دعواي وقد افتريت على الله الكذب، وإما أنكم قد كذبتم بالحق لما جاءكم من عنده، لكنني معترف بالحساب والجزاء لمن كذب على الله فلا يعقل أن أقدم على ذلك إذا في القرآن الذي نزل على أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ والمتنبي الكاذب كافر بلا شك. وأما أنتم فقد كذبتموني وكفرتم بالله وباليوم الآخر، وفي جهنم مثوى القوم الكافرين أمثالكم. وأما أنتم أيها المؤمنون فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فإن الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وبأنفسهم أو بما قدروا عليه فالله هاديهم وموفقهم، وحافظهم وراعيهم، وهو معهم، وناهيك بالمعية القدسية، والقرب من الحضرة العلية، وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده، وربك ذو فضل عظيم.

стр. 1804

سورة الروم مكية، وعدد آياتها ستون آية: وهي تدور حول إثبات أن الأمر لله من قبل ومن بعد، مع ذكر بعض صفات الله الواجبة له، وتهديد المشركين، وبيان أن الإسلام دين الفطرة، وبيان طبيعة الإنسان، ويلاحظ فيها ذكر الآيات الكونية الدالة على العلم والقدرة والوحدانية كثيرا. من أخبار الغيب [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) المفردات: الم فيها ما مر في أخواتها من حيث القراءة والمراد الرُّومُ: هي مملكة الرومان وعاصمتها القسطنطينية فِي أَدْنَى الْأَرْضِ المراد أقرب الأرض إلى العرب من جهة الشام مما يلي فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ البضع: ما بين الثلاثة إلى التسع من السنين.

стр. 1805

نزلت هذه الآيات عند ما غزا الفرس الرومان، وغلبوهم في مشارف الشام مما يلي بلاد العرب، ففرح بذلك مشركو العرب إذ قالوا: إن الفرس لا كتاب لهم مثلنا، والرومان لهم كتاب مثلكم لأنهم من النصارى، ولننتصرن عليكم كما انتصر الفرس فحلف أبو بكر بعد نزول الآية أن الرومان سيغلبون الفرس بعد هزيمتهم هذه، فقالوا له: اجعل لنا موعدا ونراهنك على ذلك، فضرب موعدا بسيطا، ثم استشار النبي ﷺ فقال له: زد في الرهان ومد الأجل فإن البضع من ثلاث إلى تسع. ففعل وانتصر الرومان في السنة التاسعة، وأخذ أبو بكر الجعل، وتصدق به. المعنى: الم. غلبت الفرس الروم، ولكن الروم من بعد غلبهم وهزيمتهم سيغلبون الفرس، وذلك في بضع سنين، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وكانت هاتان الدولتان هما المسيطرتان على العالم في ذلك الوقت، إحداهما في الشرق وهي فارس والأخرى في الغرب وهي الروم، وقد كانتا تتنازعان على السيادة على بلاد لستام وغيرها. ولله الأمر كله من قبل هذا ومن بعده، إذ الكل منه وإليه، فلو كان الانتصار عن قوة ذاتية لما تخلف، ولو كانت الهزيمة عن ضعف ذاتى لما تخلفت، ولكنها إرادة الله وقدرته، فاعتبروا يا أولى الأبصار! فلا تغرنكم قوتكم يا قريش ولا تستهينوا بقوة المسلمين على ضعفهم، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وأما أنتم أيها المسلمون فثقوا بالله واعتمدوا عليه، وتوكلوا فهو نعم المولى ونعم النصير. ويومئذ ينتصر الروم وهم أهل الكتاب على فارس الوثنية يفرح المؤمنون لتحقق وعد الله، إنه ينصر من يشاء، وهو العزيز يعز أولياءه بقوته وقدرته. الرحيم بخلقه لا يدع القوى يتحكم في الضعيف. وعدهم الله وعدا، ووعده لا يتخلف، وكيف يتخلف؟ وهو وعد من هو عالم بالأمور بواطنها وظواهرها، قادر على كل شيء، وله الأمر من قبل ومن بعد، فثقوا أيها الناس بوعد الله فإنه متحقق لا محالة، وما يحصل لكم أيها المسلمون فهو ابتلاء واختبار، وتربية وتهذيب وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ [آل عمران ١٤١]

стр. 1806

ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، وهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، أى: يعلمون جانبا ظاهريا فقط في الدنيا، وهو التمتع فيها مع الغرور بها وهم لا يعلمون بواطنها وأسرارها وحقيقتها، على أنها طريق الآخرة ومزرعتها، وأنها فانية غير باقية وبعضهم يفسر الآية على أن أكثر الناس لا يعلمون العلم النافع المفيد، العلم المنجى من يوم القيامة وعذابه، ولكنهم يعلمون علوم الدنيا الظاهرة، العلوم المادية التي بها يستخدمون الدنيا وما فيها من عناصر. وهم عن الآخرة وما فيها من أهوال الحساب والجزاء، وما أعد فيها للصالحين والفاسقين من نعيم مقيم، وعذاب مهين. هم عن هذا كله غافلون لم يعملوا لذلك أبدا. لفت أنظار المشركين وتهديد لهم [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٨ الى ١٦] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)

стр. 1807

المفردات: وَأَثارُوا الْأَرْضَ: حرثوها وزرعوها السُّواى: مؤنث الأسوأ، والمراد بها النار يُبْلِسُ أبلس الرجل: إذا سكت وانقطعت حجته، ولا يؤمل أن تكون له حجة، والمبلس: الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدى إليها رَوْضَةٍ الروضة: الجنة، وأصلها النبات حول الغدير من البقول يُحْبَرُونَ: ينعمون ويسرون، من الحبور وهو السرور. ما سبق يفيد أنهم ينكرون ما يجب لله بإنكار تحقيق وعد الله. وأنهم ينكرون اليوم الآخر لأنهم عن الآخرة غافلون، وفي هذا بيان أن ذلك الجهل والتقصير وعدم وضع الأمور في نصابها راجع لهم، وإلا فأسباب العلم الصحيح والفكر السليم الموصل إلى الحقائق الواجبة لله موجودة معهم، بل هي في نفوسهم وما حولهم. المعنى: أعموا ولم يتفكروا في أنفسهم من الذي خلقها فسواها؟ ومن الذي قدرها فهداها؟ أو لم يتفكروا في أنفسهم، وما انطوت عليه من دقائق ودلائل شاهدة على أن هذا الخلق خلق الله، وأن هذا التركيب العجيب تركيب الخبير البصير القوى الحكيم، إنك إن نظرت في نفسك إلى جهاز الإحساس لرأيت عجبا، أو إلى جهاز الدورة الدموية، وكيف تخرج من القلب ثم تتفرع إلى فروع فشعيرات تصل إلى جميع أجزاء الجسم ثم تتجمع ثانية في شعيرات ثم في فروع إلى القلب والرئة لتصهر وتخرج نقية نظيفة صالحة

стр. 1808

للحياة، وهكذا وهكذا من ذلك كثير كما يعرفه علماء الطب والتشريح، ولقد صدق الله حيث يقول: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [سورة الذاريات آية ٢١] . أو لم يتفكروا في أنفسهم، وهي أقرب الأشياء إليهم فيعلموا أن خلق السموات والأرض وما فيها لا يمكن أن يكون إلا وفق حكمة الحكيم وتدبير الخبير البصير وأنه لا بد لهذا الكون من آخر، وله نهاية ينتهى إليها للحساب والعقاب، وأنه لا يعقل أبدا أن يخلق عبثا إلا لحكمة أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون ١١٥] . وقيل: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ معناه: أو لم يحدثوا التفكير في أنفسهم وفي قلوبهم الفارغة الخالية من الفكر والتفكير فيعلموا أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، أى: ما خلقهما باطلا وعبثا بغير غرض صحيح، وحكمة بالغة، وإنما خلقهما خلقا مقرونا بالحق مصحوبا بالحكمة، والتقدير إلى أجل مسمى عنده، ينتهى إلى قيام الساعة. وإن كثيرا من الناس بعد هذا كله بلقاء ربهم لكافرون وجاحدون. ثم انتقل بعد هذا إلى الدلائل المحسوسة والشواهد الناطقة بهلاك أمثالهم ومن هم أشد منهم قوة وأكثر مالا، وإثارة للأرض حتى عمروها لعلهم يعتبرون. أو لم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار من قبلهم من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية وقد كانوا أشد من كفار مكة قوة في المال والرجال! وكانوا أصحاب زرع وضرع، وعمارة وبناء، وقد عمروا الأرض أكثر مما عمرها العرب، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات، وأمروهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فلما كذبوا رسلهم أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقبة الذين أساءوا هي السوأى، أى: أن ما تقدم من الهلاك كان عقابا لهم في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم السوأى، أى: جهنم، لأنهم كفروا برسلنا وكذبوا بآياتنا، وكانوا بها يستهزئون، فانظروا يا آل مكة إلى أنفسكم، فأنتم أولى بالهلاك في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة فهل من مدكر؟؟ ولا غرابة في ذلك فالله يبدئ الخلق ثم يعيده، ثم إليه ترجعون، واذكروا يوما ترجعون فيه إلى الله، ويبلس فيه المجرمون، من شدة الأهوال فيسكتون وتنقطع عنهم

стр. 1809

الأخبار، ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء يشفعون لهم أو يردون عنهم عذابا أو ألما، وكانوا بشركائهم وآلهتهم كافرين في ذلك اليوم. ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فمنهم شقي، ومنهم سعيد. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة من رياض الجنة فيها يحبرون ويسرون سرورا أبديّا بما يؤتون فيها من نعم مقيم، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولهم فيها ما يدعون فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [سورة السجدة آية ١٧] ورضوان الله أكبر. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب مقيمون، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون. أوقات التسبيح والعبادة [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٧ الى ١٩] فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) المفردات: فَسُبْحانَ: علم على التسبيح، وهو التنزيه، وقيل: هو الصلاة تُمْسُونَ: تدخلون في المساء وهو انتشار الظلام وَعَشِيًّا العشى والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل: العشاء: آخر النهار عند ميل الشمس إلى المغيب، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر، وذلك هو وقت العصر.

стр. 1810

لما بين الله- سبحانه- أن المقام الأعلى لمن آمن وعمل صالحا حيث قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قال: إذا علمتم ذلك فاعلموا أن الإيمان تنزيه بالجنان، وتوحيد باللسان وعمل صالح يشمل جميع الأركان، وكل هذا تنزيه وتقديس، وتحميد وتسبيح، فسبحان الله، أى: فسبحوا الله تسبيحا، علمه سبحان الله وهو بهذه المعاني إيمان وتوحيد وعمل- فإنه الموصل إلى الحبور، والجالب للسرور في جنان الخلد والنعيم. سبحوه حين تمسون، وحين تصبحون، وفي العشى وحين تظهرون، عن ابن عباس- رضى الله عنه-: «الصلوات الخمس في القرآن» قيل له: أين؟ فقال: «قال الله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ صلاة المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الفجر وَعَشِيًّا صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الظهر» ولعل تخصيص هذه الأوقات للعبادة إشارة إلى ما يجب عمله في تحصيل المعاش وجلب الرزق فالإسلام دين الجد والعمل لا دين الرهبانية والكسل. ولله الحمد- في السموات والأرض، نعم له الحمد من كل مخلوق، وهذه الجملة معترضة بين الأوقات للإشارة إلى أن هذا التسبيح لله في الصلاة إنما هو لأصحابه وألا يعود منه شيء على الله، فعليهم أن يحمدوه حمدا يوازى نعماءه وهدايته. والله- يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيى الأرض بالنبات بعد موتها وجدبها، ومثل ذلك الإخراج والانتقال من حال إلى حال مخالفة تخرجون وتبعثون من موت وفناء إلى حياة خاصة للثواب والعقاب. وعلى هذا فالمراد بالتسبيح في الآية ما يعم الصلاة والتنزيه لله عن صفات النقص ووصفه بصفات الكمال والجلال، ولا شك أن الصلاة عماد ذلك الدين وعموده. ولعل المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها أن الإنسان في الصباح يخرج من الموت الأصغر وهو النوم إلى الحياة، فكذلك تبعثون من الموت إلى الحياة الآخرة. وعن رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (الآية) .

стр. 1811

بعض آيات الله الناطقة بقدرته ووحدانيته [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٠ الى ٢٧] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)

стр. 1812

المفردات: تَنْتَشِرُونَ أى: منتشرون في الأرض تبتغون من فضل الله لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يقال: سكن إليه إذا مال إليه مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قال السدى: المودة والمحبة والرحمة: الشفقة الْبَرْقَ: هو الشرارة الكهربائية التي تظهر في الجو وخاصة عند السحب، وينشأ عنها الرعد قانِتُونَ: مخلصون في طاعته الْمَثَلُ الْأَعْلى: الصفة العليا. وهذه بعض آيات الله الناطقة بوحدانية الله تعالى، الشاهدة بربوبيته، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا يستحق العبادة والتقديس سواه، وهذا كدليل على ما سبق من قوله فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ.. (الآية) . وقد ذكر الله- في هذه الآيات بدء خلق الإنسان، وعمارته للأرض وبقاءه فيها بخلق الذكر والأنثى، ثم ذكر من مظاهر الكون السماء والأرض، ثم ذكر من لوازم الإنسان اختلاف ألسنته وألوانه، ومن عوارضه النوم والسعى في الرزق، ثم ذكر من عوارض السماء والأرض البرق والمطر، ومن لوازمهما قيامهما، وإنا نرى أن الله- ذكر لفظ (ومن آياته) ست مرات جمع فيها بين بدء خلق الإنسان ونهايته خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ.. إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ. المعنى: ومن آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب، على معنى أنه خلق أبانا من تراب، ثم خلق أبناءه من ماء مهين، ولنا أن نتوسع ونقول: نحن جميعا مخلوقون من تراب: أما أبونا آدم فظاهر فيه ذلك بنص القرآن الكريم، وأما ذريته فهم من ماء مهين، وهذا الماء من الدم، والدم من الغذاء. والغذاء يرجع في جملته إلى النبات، والنبات من الأرض، فتكون النتيجة أنا خلقنا من تراب، فإذا عبر القرآن بخلق البشر من التراب فهذا هو الأصل والأساس، وإن عبر بأنه خلقنا من ماء مهين فهذا هو الظاهر في ذرية آدم. خلقكم من تراب يابس جاف لا حياة فيه ولا نمو ولا حركة ثم مع هذا كله إذا أنتم بشر أحياء عقلاء مفكرون تتصرفون في قوام معايشكم، وعمارة أرضكم، واستخدام

стр. 1813

قوى الطبيعة لخدمتكم، أليس الله القادر على هذا كله بقادر على أن يحيى الموتى؟ بل إنه هو الواحد الأحد، القادر المنفرد بالألوهية! وانظر إلى تصوير القرآن ذلك التصوير العجيب المستفاد من قوله: (ثم إذا..) فإن كوننا بشرا يأتى بعد أطوار ذكرت في سورة المؤمنون وغيرها ولذا أتى بثم المفيدة للترتيب والمهلة فإنه بعد أطوار النطفة والعلقة إلى آخر ما مر فاجأ بالبشرية والانتشار. وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم آية ٢١] . نعم من آياته أنه خلق لكم من أنفسكم نساء أنتم وهن سواء في البشرية والآدمية وفي الطباع العامة والغرائز، خلقهن الله بهذا الوصف لتسكنوا إليهن، فإن النفس ميالة إلى ما يوافقها ويلائمها ويلتقى معها في الغرض العام، وهذا معنى قوله: من أنفسكم. والإنسان الذي يجتمع مع المرأة في الحلال يدرك بوضوح معنى السكنى إليها والميل لها، والهدوء النفسي عند ما يزورها، ومن هنا سمى المكان الذي يلتقى فيه الرجل بالمرأة سكنا ومسكنا لأن فيه تسكن النفس وتهدأ، ويطمئن الرجل، ويستريح من وعثاء الطريق ومشاق الحياة الكادحة، وفي الحديث «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتّى تصبح» . وجعل بينكم مودة ومحبة، وصلة روحية قوية قد تفوق في غالب الأحيان صلتك بأقرب الناس إليك، والشرع الشريف يلاحظ هذا جيدا في تقدير الميراث والنفقات والمخالطة الداخلية، والإسرار إلى الزوجات بذات الصدور. وجعل بينكم رحمة وشفقة، وعطفا عميقا، ليس مصدره الغريزة الجنسية والاتصال المادي، بل مبعثه اختلاط الأرواح، واتصال النفوس، والاجتماع لغرض واحد وبناء عش الزوجية على أسس كريمة، ودعائم قويمة هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة ١٨٧] . إن ذلك لآيات ناطقة بوحدانية الله، وقدرته وحكمته. وأنه بصير، ولكنها آيات لقوم يتفكرون، لأن الفكر السليم يؤدى إلى الوقوف على تلك المعاني الحية في الحياة الزوجية، هذه يا أخى الحياة الزوجية الصالحة التي يمتن الله بها على عباده، أما ما يحدث من بعض الناس فهذا شيء لا يتحمله الدين، وليس عنوانا على الإسلام.

стр. 1814

ومن آياته خلق السموات والأرض: وما فيها من عوالم لا يعلمها إلا خالقها، ومن آياته كذلك اختلاف ألسنتكم في اللغات واللهجات، إذ كل سكان العالم من أصل واحد، ومن أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، فمن الذي أوجد اختلاف اللغات واللهجات؟! إنهم يقولون: إن اللغة في الإنسان نشأت لمحاكاته للأصوات التي يسمعها في بيئته، وهذا معقول وجميل، ولكن الذي أودع في الإنسان قوة المحاكاة، وفي الطبيعة تلك الأصوات المختلفة أليس هو الله؟! ومن هنا تدرك السر في اقتران اختلاف الألسنة والألوان بخلق السموات والأرض. ومن آياته اختلاف الألوان والاتجاهات والمعاني النفسية والخلقية في كل نفس، وهذا الاختلاف يكون بين أبناء الرجل الواحد الذين عاشوا في بيئة واحدة. إن في ذلك كله لآيات للعالمين بأسرار الكون سمائه وأرضه علويه وسفليه، ونظام الجماعات والأفراد والعلماء بعلوم الاجتماع واللغات والأخلاق، وليس القرآن يخاطب بذلك الفلاسفة وحدهم. لا بل هو خطاب عام، ولكن فهم تلك الآيات فهما واسعا دقيقا إنما هو للعلماء، ولا يمنع أن غيرهم يدرك إدراكا متناسبا مع قواه، ولعل هذا هو السر في قوله تعالى عند خلق الإنسان وخلق الزوجات.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وهنا.. قال: للعالمين. ومن آياته نومكم بالليل والنهار، وابتغاؤكم من فضله، وتصرفكم في طلب المعيشة بإرادته، نعم من آياته النوم بالليل والنهار. ولا شك أن النوم موت أصغر، وأن هذه الحساسية والتفكير والإدراك تختفى عند النوم الذي يلقى فيه الإنسان بنفسه بين أحضانه فيترك الدنيا ويستريح جزءا من الوقت يكون فيه أشبه بالميت ثم يعود ثانية إلى الحياة نشيطا مجدّا بلا كسل ولا ملل يبتغى من فضل الله ويسعى لجلب الرزق، فهذه القوى العقلية، وأجهزة الإدراك أين ذهبت حساسيتها؟ وكيف تعود؟ إن في ذلك لآيات شاهدة على الألوهية ولكن لقوم يسمعون القول فيتبعون أحسنه. ومن آياته يريكم البرق الخاطف الذي يظهر بين السحب المتراكمة المحملة بالماء والذي يبهر الأنظار، أى: يجعلكم ترون البرق خائفين من صواعقه وأمطاره الضارة طامعين في خيره وبره، والله- سبحانه- هو الذي يعلم الضار والنافع، وهو الذي

стр. 1815

خلق الخلق على أوضاع: فمنهم من يخاف المطر، ومنهم من يرجوه، وسبحانه من أودع في كل قلب ما أشغله! وهو ينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يستخدمون عقولهم في إدراك تلك الحقائق الكونية، وكيف توجد النار وسط السحب، والنباتات في الأرض القاحلة، فلا غرابة أن توجد حياة بعد الموت والفناء. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، فهو وحده الذي حكم بهذا، وهو الذي رفع السماء وبسط الأرض وحملهما بقدرته، وصيرهما بإرادته وأمره الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [سورة الرعد آية ٢] . ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض، أى: وأنتم فيها، كما نقول: دعوته من أعلى البيت فنزل إلى.. تجيبون بلا مكث ولا انتظار كما يجيب الداعي الطائع من دعاه، وليس هنا أطوار ولا انتقالات في الخروج من القبور، بل بعث بسرعة وبلا مهلة ولذا لم يأت هنا بثم فقال: إذا أنتم تخرجون من قبوركم للبعث والحساب والثواب والعقاب. وله من في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، كل له قانتون ومخلصون في طاعته إن طواعية وإن كرها، فكيف بكم يا من تنكرون البعث وتستبعدونه ظنّا منكم أن الحياة بعد العدم ونفق الأجزاء ضرب من المحال إنه الذي يبدأ الخلق ثم بعد ذلك يعيده فهو أهون عليه بالنسبة لحكمنا العادي في الأمور العادية، وأما بالنسبة لله- فكل شيء هين إذ قدرته شاملة، وله- كل شيء. وله المثل الأعلى والصفة الكاملة التي تتلخص في وصفه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص، وفي أنه لا إله إلا هو في السموات، والأرض، وهو العزيز في ملكه لا يعجزه شيء من خلقه، الحكيم في صنعه، خلق فسوى وقدر فهدى، سبحانه هو الله لا شريك له. والله- قد وصف السموات والأرض على ألسنة الخلق، وبأقلام الحق، وبنطق الآيات الكونية فيهما على أنه هو القادر الذي لا يعجزه شيء من بدء وإعادة، القاهرة فوق عباده لا راد لقضائه، الحكيم الذي يجرى كل شيء في الكون على مقتضى حكمته، ووفق علمه وإرادته، فحقّا: له المثل الأعلى في السموات والأرض.

стр. 1816

المثل من أنفسكم [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) المفردات: مَثَلًا: صفة غريبة تشبه المثل في الغرابة نُفَصِّلُ: نوضح ونبين. بعد ما ظهرت الآيات الناطقة بالوحدانية والقدرة في الإنسان وأطواره، وهذا الكون العجيب وأحواله، وثبت بهذا أنه له المثل الأعلى والصفات الجلى التي منها الوحدانية وغيرها. ضرب مثلا لهؤلاء المشركين حيث أشركوا بالله خلقا من خلقه كشف به سترهم، وقوض به حجتهم، وكان المثل في أقرب شيء لهم وهي نفوسهم. المعنى: ضرب الله لكم مثلا وانتزعه من أنفسكم التي هي أقرب شيء لكم: هل ترضون أن يكون لكم أيها المشركون شركاء فيما رزقناكم؟ وهؤلاء الشركاء من المملوكين لكم كالعبيد والأرقاء مثلا؟ هل لكم شركاء في أموالكم التي رزقكم الله من عبيدكم وإمائكم فتكونوا أنتم وهم في هذه الأموال سواء، تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم لأنهم شركاء كما يهاب بعضكم بعضا وأنتم أحرار!

стр. 1817

وإذا كان الإنسان يأبى أن يكون عبده- وقد يبيعه في وقت أو يعتقه- شريكا له في ماله- الذي هو في الواقع رزق سيق إليه من الله- وهو يخافه ولا يتصرف فيه إلا بأمره، لكونه شريكا، إذا كان الإنسان يأبى أن يشاركه عبده في هذا المال مع أن هذا العبد يستوي معه في البشرية والعبودية لله فكيف يقول: إن لله شريكا في تصريف هذا الكون الذي هو ملكه، والشريك عبد دائم العبودية. أظن أنه لا يقول بشركة الأصنام والأوثان لله إنسان عاقل كامل القوى. مثل ذلك التفصيل والبيان في إلزام الخصم الحجة قوية نفصل الآيات ونوضحها لقوم يحكمون عقولهم فيما يعرض لهم. بل اتبع هؤلاء المشركون الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم، اتبعوا أهواءهم ولم يحكموا عقولهم فليس لهم في هذا الشرك سند من عقل أو نقل أو حجة أو منطق فهم قوم ساروا على غير هدى ولا علم ولا بصيرة فلا أمل في رجوعهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وإذا كان أمر هؤلاء الناس كذلك فمن يهدى من أضله الله؟ لا أحد يقدر على هداية من خذله الله ولم يوفقه إلى الحق لأنه يستحق ذلك بطبعه، وما له من ناصر ينصره حتى لا يخذل، ويمنعه من عذاب الله حتى لا يعذب. الإسلام دين الفطرة [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

стр. 1818

المفردات: حَنِيفاً: مائلا عن جميع الأديان المحرفة فِطْرَتَ اللَّهِ: خلقة الله الْقَيِّمُ المستقيم على الطريق الحق مُنِيبِينَ إِلَيْهِ: مقبلين عليه شِيَعاً: جمع شيعة وهي الحزب والجماعة المتشيعة لإمامها حِزْبٍ الحزب: الجماعة المتحزبة المتجمعة حول رأى خاص. المعنى: إذا ظهر الحق ودلائله وبطل الشرك وأوهامه، وقامت البراهين القوية على ذلك، فأقم وجهك للدين حنيفا، على معنى: قوم وجهك، وعدل نفسك واتجه بذاتك كلها إلى الدين الحق الذي ظهرت آياته، حالة كونك مائلا عن كل ما عداه، وهذه العبارة- فأقم وجهك للدين حنيفا- تمثيل للإقبال على الدين، والثبات عليه والاهتمام بأسبابه، والأخذ بمبادئه، فإن من اهتم بشيء عقد عزمه عليه، وسدد وجهه إليه، وقوم ذاته نحوه، لا يميل عنه يمنة ويسرة، وهذا أمر للنبي ﷺ ، وهو كذلك أمر لأمته، والزموا فطرة الله التي فطر الناس عليها، والفطرة هي الخلقة والطبيعة التي خلق الله الناس عليها، وقيل في تفسيرها: إنها الإسلام أو الدين الحق، ولكن الرأى الأول أرجح لقوله تعالى.. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى خالق. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ أى: خلقني، والفطرة بمعنى الخلقة يراد بها أن الله خلق الخلق مستعدين بفطرتهم وطبيعتهم إلى التوحيد قابلين له غير جاحدين ولا منكرين، فلو ترك الشخص وشأنه لما اختار غير الإسلام دينا له لأنه دين الفطرة والطبيعة، دين جاء يخاطب العقل، ويسير مع حاجات النفوس السليمة في كل أحكامه وضوابطه، هذا هو دين الفطرة الأولى صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً، ومن غوى من الناس فإنما يكون بوسوسة الشيطان. وتأثير الإنسان الذي يعاشره في بيئته- وخاصة أبويه- ومن هنا نفهم الحديث القائل: «كلّ مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه» وعليه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «كلّ عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيرى»

стр. 1819

أيها الناس: الزموا فطرة الله التي فطر الناس جميعا، ولا تبدلوا ما خلقه الله فيكم من التوحيد، ولا تغيروا فطرتكم الطبيعية باتباع وسوسة الشيطان وإغوائه، وعودوا إلى دين الفطرة دين الإسلام، وذلك هو الدين القيم، المستقيم على الصراط المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والزموا فطرة الله حالة كونكم منيبين إليه مقبلين عليه، تائبين وراجعين إلى أحكامه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين، الذين فارقوا دينهم الطبيعي، وتركوا الإسلام وفرقوا دين الفطرة، وجعلوه أديانا وآراء، وكانوا شيعا، وكل حزب بما لديهم فرحون، يظنون أن باطلهم هو الحق لا شك فيه، ولا مرية، والحق ما أراده الله والخير فيما اختاره الله. بيان طبيعة الناس مع توجيهات لهم [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٩] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)

стр. 1820

المفردات: ضُرٌّ المراد: شدة وبلاء سُلْطاناً: حجة قوية تتسلط عليهم يَقْنَطُونَ القنوط: اليأس من رحمة الله يَبْسُطُ: يوسع يَقْدِرُ: يضيق وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً المراد: ما فعلتم من ربا وجئتم به الْمُضْعِفُونَ مأخوذ من أضعف: إذا صار ذا قوة ويسار. المعنى: لما بين الله- التوحيد بالآيات والأدلة وضرب الأمثال، وأبان أن الإسلام والتوحيد دين الفطرة السليمة والطبيعة الكريمة بين هنا أن حالة الناس مع هذا عجب فهم في الشدة والضيق يلجئون للواحد القهار، وفي الغنى والرخاء يتجهون لآلهتهم من أنصاب وأوثان. إذا مس الناس- وبخاصة المشركين- ضر أو شدة من مرض أو قحط أو أزمة من الأزمات دعوا ربهم مقبلين عليه، وضل عنهم ما كانوا يعبدون، ثم إذا أذاقهم- ولو قليلا- بدل العذاب والضر رحمة، إذا فريق منهم بربهم يشركون، يا عجبا لكم أفي الشدة والضراء لا تتجهون إلا إلى الله، وفي السراء والرخاء تنسون أنفسكم، وتشركون بربكم؟! والله إن أمركم لعجب!! يشركون ليكون إشراكهم كفرا بنعمة الإنقاذ من الضر والشدة، وإذا كان الأمر كذلك فتمتعوا أيها المشركون فسوف تعلمون عاقبة ذلك، وهذا الأمر في قوله: فَتَمَتَّعُوا للتهديد، نظير قوله: اعملوا ما شئتم! بل أنزلنا عليهم سلطانا وحجة قوية على ما يفعلون؟! فهو يتكلم بما كانوا يشركون، وإسناد الكلام إلى السلطان كقولك: إن كتابك ينطق بكذا، وهذه الآية تفيد تأكيد

стр. 1821

التعجب من حالهم فإن الخطأ في شركهم ظاهر للعيان، والضرر اللاحق بهم لا يختلف فيه اثنان، فماذا بقي بعد ذلك؟ أعندهم حجة؟ بل أهم مأمورون بذلك حتى نلتمس لهم العذر؟ لا هذا ولا ذاك: ولكنهم في ضلالتهم يعمهون. هذه حال المشركين في الشدة والرخاء، وهي حال ظاهر فيها الشرك وسوء الرأى كالشمس، وهناك حال أخرى قد تكون أخف، حال من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضى، وإن أصابه شر أو سوء قنط به وسخط، وإذا ذاق نعمة من الله ورحمة فرح بها وسر، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ «١» فهم لا يصبرون عليها صبرا قليلا لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، ويهبهم من لدنه فرجا، ولكنهم قوم يستعجلون، لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، فهم يعبدون الله للدنيا والنعمة، وأما المؤمن حقّا فصابر على البلاء راض بالقضاء، شاكر ربه في السراء والضراء. وهو إن أعطى من الدنيا شكر، وإن حرم صبر.. أنسوا ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء بقطع النظر عن الكفر والمعصية والذنب؟ ويقتر الرزق على من يشاء بصرف النظر عن الإيمان وصالح الأعمال؟ فالدنيا عند الله لا تزن جناح بعوضة، وليست محل ثواب أو عقاب، فالمؤمن هو الراضي بقضاء الله الذي لا ييأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يبطر إن أصابته نعمة بل يقوم بالشكر والثناء لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [سورة الحديد آية ٢٣] إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وإذا كان الرزق من الله، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، فآت كل ذي حق حقه، ولا تبخل بما آتاك الله، وجعلك خليفة عليه، أعط ذوى القربى حقهم والمسكين وابن السبيل، ذلك خير في نفسه، وأى خير؟ للذين يريدون وجه الله، ويقصدون بذلك رضاء الله لا يفعلون ذلك رياء وسمعة، وأولئك هم المفلحون الذين سعدوا في الدنيا والآخرة. يقول العلماء: إن الربا نوعان: ربا لا إثم فيه، وربا فيه إثم كبير. أما الأول فهو من يهب أو يهدى قاصدا أن ترد هديته بزيادة له. والثاني الربا المحرم شرعا الذي يمحقه الله

стр. 1822

ويؤذن صاحبه بحرب لا هوادة فيها يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ «١» يقول الله: وما آتيتم وفعلتم من هدية أو هبة بقصد الزيادة عند ردها- فسمى الهدية والهبة ربا لأن الزيادة هي المطلوبة له، والربا هو الزيادة- ليربو ويزيد في اجتلاب أموال الناس، فلا يربو ولا يزيد عند الله، ففي الحقيقة الذي حصلت له الزيادة هو الذي أعطيت له الهبة وأخذها لا من أعطى ليأخذ الزيادة، إذ هو شخص ارتكب مكروها، وهذا أدب قرآنى عادل وتوجيه لنا سام. وما آتيتم من زكاة ودفعتموها لوجه الله فأولئك هم المضعفون الذين يضاعف الله لهم الثواب، وانظر يا أخى لمن يعطى قاصدا رد العطية وزيادة فكأنه مراب، ومن يعطى صدقة لا يبغى بها سوى وجه الله، فأولئك هم الذين يضاعف الله لهم الحسنات، ويجازيهم عليها عشرا أو سبعمائة وقد تزيد. من دلائل التوحيد ونتائج الأعمال [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٠ الى ٤٥] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)

стр. 1823

المفردات: الْفَسادُ: الجدب، وأخذ المال ظلما، والمفسدة: ضد المصلحة يَرْجِعُونَ: يثوبون إلى رشدهم ويؤمنون بربهم لا مَرَدَّ لَهُ: لا راد له ولا نافع منه. يَصَّدَّعُونَ: يتفرقون يَمْهَدُونَ: يوطئون لأنهم جعلوا لها فراشا ومسكنا وقرارا. المعنى: الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود بحق في الوجود سواه، هو الذي خلقكم على ما ترون من كمال الخلقة، وحسن الهيئة، وشرف الوضع والنظام الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ خلقكم ثم رزقكم بكل أنواع الرزق حيث خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم بعد ذلك يميتكم إذا انتهى أجلكم، ثم يحييكم ليأخذ كلّ جزاءه وافيا، ومن قدر على بدء الخلق فهو القادر على الإعادة، هل من شركائكم من يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك؟! لا وأيم الحق إنها عاجزة عن دفع الذباب عن نفسها. سبحانه وتنزيها له وتقديسا، أى: نزهوه ولا تصفوه بالإشراك، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فهو لا يجوز عليه شيء من ذلك. لقد كانت الدنيا تموج بالخير، وتسعد بالرخاء، ويعمها الأمن والسعة لقلة الطمع في المال، وعدم التكالب على الدنيا- ولعل قلة العدد لها مدخل في ذلك- وظل الإنسان يرفل في ثوب السعادة يعيش هنيئا حتى ظهر الحقد والحسد، واستشرى الفساد والطمع، وظهر في ألوان مختلفة، وانتهى الأمر إلى الشرك بالله، واتخاذ الآلهة من دونه، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، فوقع الصراع

стр. 1824

بين الحق والباطل، وكان لا بد من عقاب العصاة وإثابة المؤمنين، فكان الهلاك والتدمير لبعض الأمم، ونزعت البركة من الناس، وعوقبوا بنقص في الأموال والأنفس والثمرات كي يتوبوا ويثوبوا إلى رشدهم، وهذا معنى قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فكان القحط ونزع البركة وحلول بعض الآفات جزاء في الدنيا لأعمال الكفار والعصاة لعلهم يرجعون عماهم فيه، فإن من الناس من لا يستقيم أمره إلا بإيقاع العذاب عليهم سريعا. ثم أكد تسبب المعاصي لغضب الله ونكاله حيث كلفهم بأن يسيروا في الأرض لينظروا كيف أهلك الله الأمم السابقة، وأذاقهم سوء العذاب لطغيانهم وسوء أعمالهم وكأن قوله- : كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ كالبرهان على أن الشرك وحده لم يكن سبب التدمير وإيقاع العذاب، بل قد يكون ما دونه مما تحقر من الأعمال هو سبب البلاء والعذاب، نعم فالمسلمون الآن يؤمنون بالله، ولكنهم يأتون أعمالا هي سبب خذلانهم وضعفهم وإيقاع العذاب بهم، فهل من مدكر؟! لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن بالواجب عليه فقال مخاطبا الرسول إيذانا بخطر المأمور به، وعناية به: إذا كان الأمر كذلك فأقم وجهك، واجعل قصدك خالصا للدين القيم الذي هو الإسلام فهو دين الفطرة الإنسانية، ولا تلتفت لغيره أبدا من قبل أن يأتى يوم الحساب والجزاء، وهو يوم لا يرده راد، ولا يتهيأ لأحد دفعه من دون الله. يومئذ يصدعون ويتفرقون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وهذا شحذ للهمة، وتحريض على انتهاز الفرصة من قبل هذا اليوم. من كفر فعليه وزر كفره وعاقبته، ومن عمل صالحا بعد الإيمان فلنفسه طلب الخير، ولها مهد مقعدا كريما وهيأ لها مسكنا مناسبا يتناسب مع ما قدم من العمل. كل ذلك ليجزي ربك الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إذ لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولكن بمحض فضل الله. أما الكفار فإن ربك لا يحبهم، وناهيك بعدم المحبة فهي عنوان العذاب الدائم والألم الشديد بما كانوا يكسبون، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..

стр. 1825

من آياته في الرياح والمطر [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٦ الى ٥٣] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)
следующие страницы →