مشاهدة من يؤمن بالآخرة حقّا ممن هو في شك منها، وربك على كل شيء حفيظ، وقد قطع الله عليهم وعلى أمثالهم حجتهم في أن يقولوا: وماذا نعمل، وقد أغوانا الشيطان وأضلنا؟ لا. ما جعل الله لإبليس عليكم سلطانا فالعيب عيبكم، وقد حذر كم ربكم مرارا فلم ترجعوا عن غوايتكم..
مناقشة المشركين في اتخاذهم من دون الله آلهة شفعاء لهم [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٢ الى ٣٠]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)
стр. 1927
المفردات:
مِثْقالَ ذَرَّةٍ: وزن ذرة ظَهِيرٍ: معين فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: من التفزيع، وهو إزالة الفزع والخوف عن قلوبهم أَجْرَمْنا: أذنبنا، من الجرم وهو الذنب يَفْتَحُ: يحكم، والفتاح: الحاكم لأنه يفتح طريق الحق ويظهره كَلَّا:
كلمة ردع لهم كَافَّةً أى: مانعا لهم، من الكف وهو المنع، أو جامعا لهم، مأخوذة من الكف بمعنى الجمع، والتاء للمبالغة، والمراد: جامعا للناس في الإبلاغ.
وهذا رجوع إلى خطاب الكفار والمشركين الذي مضى أول السورة بعد ذكر طرف من قصة داود وسليمان، وما أنعم الله به عليهما، وذكر قصة قوم سبأ، وفي هذا من آيات القدرة ما فيه، ومن دلائل تفرد الله بالوحدانية ما هو غنى عن البيان.. وهو خطاب توبيخ وتأنيب لهم، وخاصة بعد ما تقدم!
المعنى:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين سواء السبيل: ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة، وسميتموهم آلهة، وزعمتم أنهم يستحقون أن يكونوا شركاء لله الواحد القهار، ادعوهم في السراء والضراء كما تدعون الله، والجأوا إليهم في الشدائد كما تلجأون إلى الله، وانظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون من الله الإجابة والرحمة.
ولقد أجاب الحق- ﵎ عنهم بإجابة هي المتعينة وحدها- ولا يجيب منصف إلا بها- فقال ما معناه: إنهم لا يملكون شيئا أبدا، ولا يملكون وزن ذرة من خير أو شر في جميع جهات السموات والأرض، وما لهم في السموات كلها وفي الأرض جميعا من شركة في الخلق أو في الملك ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [سورة الكهف آية ٥١] .
قل لهم: لا تسألون يوم القيامة عن أعمالنا وذنوبنا، ونحن لا نسأل عما تعملون، قل
стр. 1928
وليس لله منهم من ظهير ومعين، وكيف يكون غير ذلك؟! فبطل بهذا اتخاذهم الأصنام آلهة من دون الله حيث لا تملك نفعا ولا ضررا بل إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب.
وكانوا يقولون: نحن نتخذهم شفعاء لله يوم القيامة.
فيرد الله عليهم أبلغ رد وأكده بقوله: ولا تنفع الشفاعة عنده يوم القيامة إلا لمن أذن له فيها، وهذا تكذيب بلا شك لقولهم: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» .
وهل الإذن في الشفاعة يكون من السهولة واليسر كما يظن؟ لا بل هناك موقف شديد، وأمره عسير، يحول بين الإنسان ولسانه بل يجعله في غمرة من الخوف والفزع رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ، لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً «١» .
كان الناس يتربصون ويتوقعون مدة من الزمن فزعين وخائفين حتى إذا فزع عن قلوبهم، وكشف عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يكلمها الرب جل شأنه- إذا حصل هذا- تباشروا بذلك وسرى عنهم وقالوا: قال القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن يشاء ويرضى، وهو الحق- ﵎ صاحب العلو والكبرياء ليس لملك ولا لنبي أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى.
فانظروا يا آل مكة أين أنتم من هذا؟ وأين أصنامكم في هذا الوقت العصيب؟! عجبا لكم أيها المشركون! وأى عجب؟! تدعون من دون الله آلهة لا تنفع ولا تضر أى: قصدا، وإلا فإنها تضر قطعا، قل لهم يا رسول الله: من الذي يرزقكم من السموات والأرض؟! أمره بالإجابة عن هذا السؤال لأن هذه الإجابة هي المتعينة، ولأنهم لو أزيل عنهم كابوس الشرك، وغطاء العناد والكفر وخلّيت قلوبهم وحدها لقالوا: هو الله الرزاق ذو القوة المتين قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ؟!. [سورة يونس آية ٣١] .
وانظر إلى أدب الخطاب، واستدراج الخصم لعله ينظر في حاله وحال من يجادله
стр. 1929
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعد ما ساق من الآيات التي تدل على صدق قوله وفساد قول خصمه.
قل لهم: لا تسألون يوم القيامة عن أعمالنا وذنوبنا، ونحن لا نسأل عما تعملون، قل لهم: سوف يجمع الله بيننا بالحق ثم يحكم بيننا بالعدل، وهو الحكيم العليم بأمور خلقه، فسيعطيهم جزاءهم وافيا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. عجبا لكم! قل لهم يا محمد:
أرونى الذين ألحقتموهم بالله شركاء، وجعلتموهم لله أندادا، أرونى أين هم؟ وفي هذا توجيه لهم ولفت لأنظارهم لعلهم ينظرون إلى الحق فيتبعوه! كلا وألف كلا! وبعدا لرأيهم المجافى للحق والعدل! فليس الأمر كما زعمتم بل هو الله وحده، لا إله إلا هو العزيز لا يغلبه غالب، ولا يعجزه أحد في أرضه وسمائه، فهو الحكيم في كل أعماله، العليم بكل خلقه، سبحانه وتعالى عما يشركون، وأما أنت يا محمد فما أرسلناك إلا كافة للناس تمنعهم من الكفر والفسوق والعصيان، وتدعوهم جميعا إلى الإسلام، ولا عليك شيء بعد هذا أبدا فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف آية ٢٩] . ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا.
ويقولون: متى هذا الوعد؟ إن كنتم أيها المسلمون صادقين في قولكم: إن الساعة آتية لا ريب فيها.
قل لهم يا محمد: لكم ميعاد يوم معلوم عند الله، وأجل محدود بوقت معين، لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون لحظة، والأمر كله بيد الله.
من مواقف المشركين [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)
стр. 1930
المفردات:
مَوْقُوفُونَ: محبوسون وممنوعون اسْتُضْعِفُوا: هم المستضعفون اسْتَكْبَرُوا: هم المستكبرون من الرؤساء والمقدمين مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ المكر: الاحتيال والخديعة، والمراد مكركم في الليل والنهار أَنْداداً: جمع ند وهو النظير والشبيه والمثل وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أى: أظهروها الْأَغْلالَ: جمع غل، وهو طوق من حديد يوضع في العنق فلا يفلت صاحبه.
المعنى:
روى أن المشركين سألوا أهل الكتاب عن صفة النبي عندهم، فقال أهل الكتاب:
نعم إن صفته عندنا في كتبنا، فقال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن، ولن نؤمن بالذي بين يديه من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل، وكانوا قبل ذلك يرجعون إلى أهل الكتاب ويسمعون لقولهم في هذا. فانظر إلى اضطرابهم وتضارب آرائهم، وهذا موقف لهم في الدنيا.
وفي الآخرة: لو ترى يا محمد هؤلاء الظالمين وقد وقفوا للحساب، ومنعوا من التحرك والانفلات، لو تراهم موقوفين عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول،
стр. 1931
ويناقش بعضهم بعضا في حالهم التي وصلوا إليها، لو تراهم والحالة هذه لرأيت أمرا عجبا.
ولو تراهم إذ يقول الأتباع والمستضعفون للذين استكبروا وتعالوا عليهم من القادة والرؤساء: لولا أنتم أيها الرؤساء موجودون لكنا مؤمنين، فأنتم السبب في كفرنا وعليكم التبعة، وأنتم تستحقون مضاعفة العذاب. وبماذا رد الذين استكبروا؟ قالوا لهم: أنحن صددناكم عن الهدى ومنعناكم منه بعد إذ جاءكم؟ لا لم يحصل هذا أبدا. بل كنتم أنتم مجرمين ومرتكبين الإثم والكفر باختياركم وميلكم، ليس لنا دخل في صدكم وكفركم بالله، وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا يردون عليهم مقالتهم: بل مكركم الدائم ليلا ونهارا هو الذي حملنا على الكفر وأمرنا به، نعم دعايتكم المسمومة وحيلتكم الفتاكة ووضعكم في موضع القيادة والتبع، كل هذا أثر فينا حتى كفرنا وأشركنا من حيث لا نعلم، فكان ما صنعتموه معنا أشبه شيء بالمكر والحيلة حتى وصلنا إليه.
وأظهروا جميعا- التابعون والمتبوعون- الندامة لما رأوا العذاب محضرا، وجعلنا الأغلال في أعناقهم فلا يفلتون من عذاب ربك أبدا، وهل هذا إلا جزاء أعمالهم في الدنيا؟ نعم وهل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟
تسلية للنبي ﷺ [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
стр. 1932
المفردات:
مُتْرَفُوها: أغنياؤها وقادتها يَبْسُطُ الرِّزْقَ: يوسعه زُلْفى وزلفى كقربى في الوزن و المعنى جَزاءُ الضِّعْفِ أى: الجزاء المضاعف مُعاجِزِينَ:
مغالبين وَيَقْدِرُ لَهُ يقدر: يضيق يُخْلِفُهُ: يجعل له خلفا..
وهذه تسلية للنبي ﷺ ببيان أن أخلاق الكفار وأعمالهم واحدة في كل زمان ومكان حتى لا يتألم الرسول، وبهذا نعرف لكفار مكة موقفا آخر.
المعنى:
وما أرسلنا قبلك في قرية من نذير ورسول إلا قال مترفوها وأغنياؤها حسدا من عند أنفسهم وبغيا وغرورا كاذبا قالوا: إنا بما أرسلتم به أيها الرسل كافرون، إذ لو كان هذا الذي يدعيه الرسول حقّا لكنا أولى به منه لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وقالوا كغيرهم: نحن أكثر أموالا وأولادا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وإذا كنا كذلك في الدنيا، وهذا الرزق من عند الله كما هو معلوم، فنحن أكرم على الله منكم إذ أنتم فقراء ضعفاء، وإذا كان الأمر كذلك فما نحن يوم القيامة بمعذبين أصلا إما لأنه لا بعث ولا جزاء، أو إن كان هناك جزاء فنحن أصحاب الجزاء الحسن لأن الله أعطانا لكرامتنا ومكانتنا عنده.
عجبا لهؤلاء! ليس الرزق في الدنيا لكرامة صاحبه على الله، ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ويقتر الرزق على من يشاء تبعا لحكمة هو يعلمها بقطع النظر عن عمل الصالحين والفاسقين، أما جزاء العمل الصالح والعمل الفاسد فهو يوم القيامة فقط،
стр. 1933
يعطى العاصي والكافر استدراجا، ويمنع الطائع ابتلاء واختبارا لتكثر حسناته ويعظم عند الله أجره.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فهم يزعمون أن مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار التضييق هو الهوان والذل، وما علموا أن البسط قد يكون استدراجا، والتقتير قد يكون للابتلاء ورفع الدرجات.
وما أموالكم بالتي تقربكم عند الله زلفى وقربى، ولا أولادكم كذلك، فما الأموال ولا الأولاد تقرب أحدا إلى الله، لكن المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله، ويعلم أولاده الخير، ويربيهم على الإسلام وينشئهم تنشئة إسلامية مدارها على حب الله والوطن وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فأولئك لهم الجزاء المضاعف إلى عشر أو إلى سبعمائة بما عملوا، وهم في غرفات الجنة هم آمنون، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
والذين يسعون جاهدين ومنفقين النفس والنفيس في إبطال آياتنا معاجزين لله على حسب ظنهم القاصر وإدراكهم العاجز أولئك هم في العذاب محضرون، وفي نار جهنم مخلدون! جزاء بما كانوا يعملون.
قل لكفار مكة الذين كانوا يفاخرون ويباهون بكثرة الأموال والأولاد: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقتر عليه، وقد كرر هذه العبارة للتأكيد، وقيل:
بينهما مخالفة فالأولى لشخصين أحدهما وسع عليه والثاني قتر عليه، وأما هنا فلشخص واحد في وقتين بدليل ذكر الضمير الذي يعود على (من) في قوله: «له» وهذا مما يؤكد أن التوسيع والتقتير ليس لكرامة ولا لهوان، فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد، وليس المقصود من الأموال التباهي بها، والاعتماد عليها، وإنما الواجب أن يستغلها صاحبها في الإنفاق،
عن النبي ﷺ : «ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأبقيت» .
فاعلموا أيها الناس أن ما أنفقتم من شيء في سبيل الله، وسبيل الله هنا موسعة فالنفقة الواجبة من صدقة أو زكاة، والنفقة المندوبة على الأهل والأولاد كلها هنا في سبيل الله، ما أنفقتم من شيء في هذا فالله يخلفه، وهو خير الرازقين. والمراد بقوله: «يخلفه» يعطيه بدله وخلفه، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة،
وعن أبى هريرة قال: قال
стр. 1934
رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا وملكان ينزلان فيقول أحدهما:
اللهمّ أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا» .
وعن أبى هريرة أيضا عن رسول الله ﷺ : «إنّ الله قال لي: أنفق أنفق عليك»
وهذا إشارة إلى إعطاء البدل في الدنيا إما بالمال أو بالقناعة والرضا، وهما كنزان، أو في الآخرة وهو الثواب الجزيل، وذلك كله إذا كانت النفقة في طاعة الله، وعلم من هذا أن الخلف قد لا يكون في الدنيا.
بعض مواقف الكفار في الدنيا والآخرة [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٠ الى ٥٤]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
стр. 1935
المفردات:
يَصُدَّكُمْ: يمنعكم إِفْكٌ: كذب مُفْتَرىً: مختلق لا أساس له يَدْرُسُونَها: يقرءونها مِعْشارَ المعشار والعشر سواء، وقيل: المعشار:
عشر العشر، أى: واحد في المائة، وقيل: هو عشر العشير، والعشير العشر، أى: واحد في الألف نَكِيرِ المراد: فكيف كان عقابي وعذابي مَثْنى وَفُرادى المراد:
وحدانا وجماعات مِنْ جِنَّةٍ: من جنون يَقْذِفُ بِالْحَقِّ المراد: يبين الحجة ويرمى بها الباطل فَزِعُوا الفزع: الخوف والاضطراب فَلا فَوْتَ أى: فلا هروب ولا نجاة التَّناوُشُ أصل التناوش: التناول بسهولة ويسر وَيَقْذِفُونَ:
يرمون بِأَشْياعِهِمْ جمع (شيع) الذي هو جمع شيعة، وهي الجماعة المتشيعة لمذهب أو لرجل.
стр. 1936
المعنى:
وتلك مواقف من مواقف المشركين في الدنيا والآخرة، ولا غرابة إذا طال نقاش القرآن لهم فيها، وعرض أمورهم عرضا واضحا مكشوفا مع الرد عليهم في كل جزئية، إذ السورة مكية والمقام يقتضى ذلك لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرجعون عن غيّهم.
واذكر يوم يحشرون جميعا، ويجمعون للحساب جميعا، ويا هول ذلك الموقف الشديد موقف الزحام والحساب العسير. ثم يقول ربك للملائكة في هذا الاجتماع وعلى رءوس الأشهاد: أهؤلاء- الإشارة للكفار- إياكم كانوا يعبدون؟! أهؤلاء الكفار كانوا يخضعون لكم بالعبادة والتقديس وأنتم خلق من خلق الله؟! فتقول الملائكة:
سبحانك يا رب وتنزيها لك بعد تنزيه، أنت ولينا ومتولى أمورنا وأمور غيرنا من خلقك، يا رب أنت الذي نواليك ونتقرب منك بالعبادة ونواصلك ونرجوك، وليس بيننا وبينهم موالاة من جهتنا، وهذا معنى قوله: «من دونهم» ثم بينوا السبب الحامل لهم على عبادتهم فقالوا: بل كانوا يعبدون الجن، أى: فليس لنا دخل، وإنما السبب هو الجن حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، وقيل: إن حيّا من خزاعة كانوا يعبدون الجن ويزعمون أنهم من الملائكة، وأنهم من بنات الله وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً.
فالاستفهام في قوله للملائكة: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ للتفريغ وتوبيخ الكفار على عبادتهم غير الله، وهو جار على نظام المثل القائل: «إياك أعنى واسمعي يا جارة» وهدا يشبه قول الله للمسيح: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ؟ [سورة المائدة آية ١١٦] ، فاليوم لا يملك بعضهم لبعض نفعا كشفاعة ونجاة، ولا ضرا كعذاب أو هلاك بل الأمر يومئذ لله، وإليه وحده ترجع الأمور، ويقال حينئذ توبيخا وتأنيبا للكفار: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون.
ذلك موقف لهم شديد من مواقف يوم القيامة، وما أطوله عليهم! وهذا موقف آخر في الدنيا سيق بيانا لسبب هذا العذاب الشديد:
هؤلاء الكفار والمشركون إذا تتلى عليهم آياتنا بينات واضحات كالشمس أو أشد قالوا: ما هذا الذي يتلو عليكم الآيات إلا رجل- كأنه غير معروف- يريد لأمر في نفسه أن يصدكم عن عبادة آبائكم وأسلافكم الآلهة التي كانوا يعبدونها، فهذا رجل
стр. 1937
) يسفه أحلام أسلافكم، ويعيب آلهتكم.. وقالوا في شأن القرآن الذي يتلى: ما هذا إلا كذب واختلاق وزور وبهتان: ولما رأوا أثره في النفوس وفعله في القلوب قالوا: ما هذا إلا سحر مبين فهم يتخبطون ولا يدرون ماذا يقولون؟ فتارة قالوا: إنه سحر، وتارة قالوا إفك وكذب. وهذا شأن المتخبط المتحير الذي أغشى عينه قوة النور، وبهر نفسه بريق الحق فهو لا يدرى ماذا يقول؟! يا عجبا لهؤلاء! كيف توصلوا إلى ذلك الحكم على النبي ﷺ ؟! هل في سيرته أو في دعوته أو في شخصه ما يدعو إلى ذلك؟ معاذ الله إنه الصادق المصدوق، الأمين العفيف عن الدنيا وأعراضها الزائلة! الذي أتى بالهدى والرحمة للناس جميعا وما سندهم في هذا الحكم؟ أعندهم كتاب يقرءون فيه ذلك؟! أو أرسل إليهم قبلك يا محمد رسول بلغهم ذلك؟ لا.. لا لم يكن عندهم كتاب ينطق بتكذيب الرسول ﷺ ولم يرسل قبلهم رسول يكذبه، ولم يكن عندهم في الخارج أى دليل على صدق قولهم بأنه ساحر أو كذاب أو به جنون؟! ولكنهم كذبوا لا عن دليل، وأعرضوا مع وجود ألف دليل ودليل على صدق الرسول، ولا غرابة فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة، وما بلغ أهل مكة معشار ما آتينا تلك الأمم من قوة وسلطان، أو علم وحجة وبرهان.
فكذبت الأمم رسلي فكانت العقوبة الصارمة. والجزاء العاجل والهلاك المهلك فكيف كان عقابي؟ وفي هذا تهديد لهم شديد.
ثم رجع القرآن بعد هذا يستدرجهم. ويعرض عليهم الدين ويطالبهم أن يحكموا عقولهم، وينظروا ببصائرهم لعلهم يرشدون فقال: قل لهم يا محمد: إنما أعظكم وأذكركم، وأحذركم سوء عاقبتكم، أعظكم بواحدة، أى: بخصلة واحدة فقط هي أن تقوموا لله وحدانا ومجتمعين منفردين بالرأى أو متشاورين. ومعنى القيام هنا هو طلب الحق لوجه الحق، وما أقوى هذا التصوير وما أبلغه؟! إنه لتصوير رب العالمين بلا شك. تقومون تاركين القعود والكسل. والخمول والتقليد، تاركين موت النفس ونوم العقل متسلحين بيقظة الضمير ونشاط العقول، ناظرين متفكرين في هذه الرسالة وصاحبها، مجردين أنفسكم من كل ما يعوق البحث الحر، والفكر السليم الخالي من الهوى والغرض.
стр. 1938
ثم تتفكروا ما بصاحبكم؟! هل جربتم عليه كذبا؟ لا: إنه الصادق، هل جربتم عليه خيانة؟ .. لا. إنه الأمين، هل رأيتم فيه ميلا إلى الدنيا حتى يقال إنه يطلب المال أو الملك؟ لا: إنه العفيف عن الدنيا وأهلها، هل رأيتم عليه فسادا أو تحللا أو نشوزا أو سوء خلق؟ لا: بل هو الرجل الحكيم المتزن في كل أفعاله، تفكروا في رسالته هل يدعوكم إلى فسق أو فجور أو يدعوكم إلى حق ونور وعلم وعرفان؟ هل يدعوكم إلى أسر التقليد، وحمى الجاهلية وسوء العمل أو يدعوكم إلى الحرية المنظمة وإلى الحضارة المقدسة وإلى العلم النافع، وإلى تكوين المجتمع الصالح، وخلق الفرد الكامل الذي يسعى لخير الدنيا والآخرة؟! نعم إنه يدعو إلى بناء الفرد والمجتمع والدولة، ويحارب الرذيلة، والاستبداد ويمنع جور الحكام وظلم الأقوياء والأغنياء، إنه يدعو إلى نصرة الفقير، وإعانة المظلوم، وإغاثة الملهوف، إنه نذير بين يدي عذاب شديد.
إنه يدعو إلى كل خير، ويحرم كل شر فتفكروا بصائركم عسى أن يهديكم ربكم إلى الحق ونوره.
قل يا محمد لهم: لست رجلا طالبا للدنيا وعرضها، ولست أبغى من دعوتي أجرا ولا مالا ولا جاها ولا سلطانا، إن أجرى إلا على الله، وهو على كل شيء شهيد.
قل لهم تطمينا لقلوب المؤمنين أتباعك، وتثبيتا لهم على دعوتك، وتهديدا للمخالفين: إن ربي يقذف بالحق ليدمغ الباطل، وهو علام الغيوب، ولله ما أقوى هذا التعبير جعل الحق كالقنبلة التي تقذف من حكيم عليم بارع يعلم خفايا مهنته أتراها لا تصيب الهدف؟ فصبرا أيها المسلمون ثم صبرا، قل: جاء الحق، وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد؟ إنه لا ثبات له ولا قرار، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
قل لهم يا محمد: إنه ضللت فإنما أضل على نفسي لأنها هي التي أمرتنى بالسوء، وإن اهتديت فبسبب ما يوحى إلى من ربي إنه سميع قريب.
ومن هنا نعلم أن طريق الضلال هو النفس الأمارة بالسوء، وما يحيط بها من مجتمع فاسد موبوء، وأن الهداية والخير، والنور والفلاح من طريق الوحى والقرآن.. ألم يأن
стр. 1939
للذين آمنوا وادعوا أنهم من أتباع الرسول ومن أمة القرآن؟ ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم لنور الحق، وأن تخضع نفوسهم لحكم القرآن؟ ألم يأن لهم أن يرفعوا رءوسهم عالية مجاهدين طالبين مستميتين في طلب الحكم بالقرآن، والسير في ركاب الرحمن، وترك الهوى والشيطان؟!! ألم يأن للشعوب الإسلامية أن ترجع إلى دينها، وتثوب إلى رشدها؟! فلا هداية ولا سعادة إلا في ظل الدستور القرآنى، ومن يتبع غير حكم الله فأولئك هم الضالون أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ! وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة ٥٠] .
نحن لا نطالب بحكم القرآن إلا لخير المسلمين وقطع دابر الفتن وعبث العابثين مؤتسين بقول الحق على لسان الرسول ﷺ : قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
وهناك موقف آخر:
ولو ترى يا أيها النبي- أو من يتأتى منه الرؤية- إذ فزعوا وخافوا واضطربوا يوم لقاء الله لرأيت أمرا عظيما، وشاهدت أحوالا هائلة يستريح لها قلب من عضه الألم، وحز في نفسه الحزن من أفعالهم.
لو تراهم إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة، وكيف النجاة وهم بين يدي القوى القادر؟
وقد أخذوا من مكان قريب فهم لم يرموا عن بعد بل أخذوا عن قرب فكيف يفلتون؟
وعند ذلك يقولون: آمنا بالقرآن والنبي، فهل ينفع الذين ظلموا إيمانهم في هذا الوقت؟ كلا! وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟ تمنوا أن ينفعهم إيمانهم في هذه الظروف كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، وأنى لهم ذلك؟. وهل يسوى بين من يتناول الشيء من مكان بعيد جدّا بيده كمن يتناوله تناولا سهلا من مكان قريب وبلا حاجز، وكيف يستويان؟
وهم قد كفروا بالقرآن والنبي من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد كقولهم في النبي: إنه ساحر، وشاعر، وكذاب، وهذا تكلم بالغيب ورجم به من جهة بعيدة جدا عن الحقيقة لأن ما جاء به أبعد شيء عن السحر والشعر والكذب، فهم أشبه ما يكون بمن يقذف الغرض من جهة بعيدة جدا، وهو غائب عنه غير مشاهد له، فهل يصيبه؟
стр. 1940
وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الرجوع إلى الدنيا والفرار من العذاب والخلوص من الموقف كما يفعل بأشباههم ونظرائهم من الأمم السابقة، ولا تعجب من هذا لأنهم كانوا في شك من البعث، ومبدأ الثواب والعقاب كانوا في شك منه مريب!!
стр. 1941
سورة فاطر أو سورة الملائكة
مكية عند الجميع، وآياتها خمس وأربعون آية، نزلت بعد الفرقان.
ويدور الكلام فيها حول العقيدة السليمة من وصف لله بما يستحق، ومن خطاب الرسول بما يثبت قلبه. ومن لفت أنظار الناس إلى الكون وما فيه من آيات تدل على قدرة الله على البعث، وفي خلال ذلك هدد المشركين وتوعدوهم.
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
المفردات:
فاطِرِ أصل الفطر: الشق، وقد شق العدم بإخراج السماء والأرض منه، والمراد خلقهما ابتداء أُولِي أَجْنِحَةٍ: أصحاب أجنحة مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ والمراد اثنين اثنين، فعدل عن هذا التركيب إلى قوله: مثنى، وكذا ثلاث ورباع، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية ما يَفْتَحِ المراد: ما يرسل من رحمة تُؤْفَكُونَ هذا اللفظ إن أخذ من الأفك بمعنى الصرف كان معناه: كيف تصرفون
стр. 1942
عن الإيمان إلى الكفر، وإن قلنا: إنه مأخوذ من الإفك بمعنى الكذب كان المعنى: من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله.
المعنى:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كما حمد به نفسه، تعظيما لها وتشريفا، وتعليما لعباده وتأديبا، فهو المستحق وحده الثناء الجميل، لأنه صاحب الفعل الجليل، تبارك اسمه وتعالى، ، خالق السموات والأرض، ومبدعهما لا على مثال سابق، فهو صاحب الخلق الأول، ومن قدر على البدء فهو قادر بلا شك على الإعادة.
وهو الذي جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع، والمراد كثرة الأجنحة التي لا يعلمها إلا الله، ليتصور الخلق بإدراكهم قوة الملائكة على الحركة، وقدرة الله التي لا تحد، يزيد في الخلق ما يشاء، ويزيد زيادة غير محدودة ولا معروفة، وكيف نعرفها، ونحن أجهل الخلق بأنفسنا بل بأمس الأشياء بنا، فكيف نعرف زيادة الله في خلقه؟ وفي كل يوم يكشف لنا العلم والواقع زيادات وزيادات لم تكن معروفة، وما نعرفه جزء من أجزاء كثيرة لا نعرفها، وسبحان علام الغيوب.
ولا تعجبوا لأن الله على كل شيء قدير، وبخلقه بصير وخبير.
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، الله أكبر، ولله الحمد!! نعم ما يرسل الله من نعمة في السماء أو في الأرض فلا ممسك لها موجود، ولا مانع لها معروف، إذ لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وعلى هذا المبدأ يعيش المسلم في حياته سعيدا مطمئنا.
ولعلك تسأل: ما الحكمة في التعبير بالفتح «ما يفتح» بدل ما يرسل؟ إذا كان المراد هو الإرسال بدليل قوله تعالى: وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ وقد أجاب عن ذلك الزمخشري وتبعه أبو السعود فقال: «عبر عن إرسالها بالفتح إيذانا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون، وأعزها منالا، وتنكيرها للإشاعة والإبهام، أى: أى شيء
стр. 1943
يفتح الله من خزائن رحمته أيا كانت من نعمة أو صحة أو أمن أو علم أو حكمة إلى غير ذلك مما لا يحاط به» فلا ممسك لها.
وأى شيء من نعمة يمسكه فلا مرسل له من بعده، وما أدق ختام الآية بقوله:
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هو العزيز لا يغلبه غالب، ولا يعجزه شيء، الحكيم في كل فعله فيرسل لحكمة، ويمسك لحكمة، وهو العزيز الحكيم.
يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم التي لا تعد ولا تحصى. اذكروها باللسان واذكروها بالقلب ذكرا مصحوبا بالشكر والثناء على صاحب النعم الرحمن الرحيم جل شأنه، هل هناك خالق يرزقكم غير الله؟! تعالى عما يشركون! هل في هذا الكون إله يرزقكم من السماء؟! معاذ الله، لا إله إلا هو، ولا معبود بحق في الوجود سواه.
فكيف تصرفون عن الإيمان والتوحيد الخالص إلى الشرك وعبادة الأوثان التي لا تنفع ولا تضر؟! عجبا لكم وأى عجب؟! وإن يكذبوك يا محمد فتأس بمن تقدمك من الرسل أولى العزم فقد كذبوا ونالهم ما نالهم فصبروا على ما كذبوا به وأوذوا في سبيل الله، وإلى الله وحده ترجع الأمور فيجازى المكذبين والكفار، والمعتدين على الرسول بما كانوا يعملون، وهل يجازى إلا الكفور!! والله وحده هو الذي يتولى أموركم وأمور دينه، وإليه يرجع الأمر وحده، فسيجازيكم على صبركم وأعمالكم نعم الجزاء.
وعظ وإرشاد مع إثبات مبدأ الثواب والجزاء [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٥ الى ١٠]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)
стр. 1944
المفردات:
تَغُرَّنَّكُمُ: تلهينكم الْغَرُورُ: الشيطان حِزْبَهُ: صحابه المتحزبين له المجتمعين حوله سُوءُ عَمَلِهِ المراد: عمله السيئ حَسَناً: صوابا فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ: فلا تتعاط أسباب ذهاب النفس، أى: هلاكها حَسَراتٍ: جمع حسرة وهي هم النفس على فوات أمر، بمعنى التلهف الشديد على الشيء الفائت فَتُثِيرُ سَحاباً فتزعجه وتحركه الْعِزَّةَ المراد: العز والجاه يَصْعَدُ صعود الكلم الطيب فيه تجوز والمراد قبول الله له، أو علمه به يَبُورُ: يهلك ويضيع.
وهذا كالدليل على ما سبق بيانه إجمالا من إثبات البعث والثواب.
المعنى:
يا أيها الناس إن وعد الله بالبعث والثواب والعقاب حق لا شك فيه، فلا تغرنكم الحياة الدنيا بأعراضها الزائلة، وزخارفها الفانية، فالآخرة خير وأبقى، ولا تشغلنكم الدنيا بنعيمها ولذاتها عن العمل للآخرة حتى لا تكونوا في موقف الذي يقول: يا ليتني قدمت لحياتي!!
стр. 1945
ولا يغرنكم بالله الغرور، فيقول لكم الشيطان وأتباعه: اعملوا ما شئتم فإن الله غفور، يغفر السيئات، ويعفو عن الخطيئات، أيها الناس لا تغرنكم الأمانى الكاذبة التي نسمعها من بعض الناس الذين يقولون: نحن أتباع النبي محمد فلن نصاب بسوء، تلك أمانيهم، وليس الإيمان والثواب عليه بالتمني الكاذب.
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أخبرنا الله- بأن الشيطان يبدو لنا من قديم الأزل فهو الذي أخرج أبانا آدم من الجنة، وأوقعه في الزلة، وهو الذي أقسم على إغوائنا وإضلالنا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ [سورة النساء آية ١١٩] لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [سورة الأعراف آية ١٦] .
وإنه لعجيب أن نتولاه ونطيعه فيما يأمر به ويريده، مع أن فيه هلاكنا! ولذا يقول الله: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا في كل أعمالكم وأحوالكم الظاهرة والخفية، وناصبوه العداء في سركم وجهركم، واعلموا أن لوسوسة الشيطان علامة، ولإلهام الملك علامة،
عن النبي ﷺ : «للشّيطان لمّة وللملك لمّة- خطرة- تقع في القلب، فأمّا لمّة الشّيطان فإيعاد بالشّر وتكذيب بالحقّ وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ..
الحديث» ، وهو مروى عن عبد الله بن مسعود.
احذروا الشيطان، ولا تتبعوا خطواته فإنه إنما يدعو حزبه وأتباعه ليوردهم موارد الهلكة، وليوقعهم في حبائله التي تقذف بهم في نار جهنم يتلظون بسعيرها وما لكم لا تسرعون في البعد عن حزب الشيطان والدخول في حزب الرحمن والقرآن؟!.
إن الذين كفروا واتبعوا الشيطان لهم عذاب شديد، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك حزب الله لهم مغفرة ورزق كريم، وأجر كبير، ولما ذكر الفريقين الكافر والمؤمن قال لنبيه: أفمن زين له عمله السّيئ فرآه عند نفسه حسنا وصوابا كمن لم يزين له السوء بل اهتدى واتبع الحق؟! وكأن النبي ﷺ قال: لا. فقال الله: فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء على معنى هذا الذي عمل السوء حتى أظلم قلبه وفرغ من خشية الله حتى أصبح عنده القبيح حسنا والحسن قبيحا، هذا الصنف لا يعبأ به الله يخذله ويتركه، ومن تاب فالله يهديه ويوفقه ويساعده على ذلك.
стр. 1946
وإذا كان الله يعامل الذي يتبع الشيطان والهوى هكذا فعليه أيها الرسول ألا تهتم بأمرهم، وألا تعنى بشأنهم، وألا تحزن من أجلهم، وألا تتحسر عليهم حتى تذهب نفسك وتهلكها عليهم متحسرا على عدم إيمانهم وطاعتهم.. إن الله عليم بما يصنعون وسيجازيهم على ذلك كله يوم القيامة.
وهاك دليلا حسيا على إمكان البعث وأنه تحت قدرة الله: والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا وتحركه فيتحرك إلى حيث شاء الله، أى: فساقه الله إلى بلد ميت لا نبات به ولا زرع فأحيا الله به تكل الأرض حتى أصبحت ذات زرع وشجر بعد أن كانت قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، أى: صحراء جرداء لا شيء فيها، مثل ذلك- أى: إحياء الأرض بالخضر بعد موتها- نشر الأموات وإحياؤها للبعث والثواب والعقاب.
عن أبى رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله: كيف يحيى الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثمّ مررت به يهتزّ خضرا؟» قال: نعم يا رسول الله: قال: «فكذلك يحيى الله الموتى وتلك آيته في خلقه» .
كان المشركون يعبدون الأصنام يطلبون بها العزة وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [سورة مريم آية ٨١] .
فبين الله أن العزة لله ولأوليائه، ومن كان يريد العزة فلله العزة جميعا، من كان يريد العزة والجاه فليطلبهما عند الله فإنهما لله وحده ولرسوله وللمؤمنين.
العزة- أيها الناس- لله ولرسوله وللمؤمنين، وليست لمصر أو الشام أو غير هما؟
العزة لله يعز بها من يشاء ويذل بها من يشاء، فمن أراد عز الدارين فليطع الله العزيز الحكيم.
ثم بين الله أن ما يطلب به العزة في الدنيا والآخرة هو الإيمان والعمل الصالح، إليه يصعد الكلم الطيب، وصعوده: قبوله وعلمه والمجازاة عليه: والكلم الطيب: كل كلام يتصف بأنه طيب كذكر الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتعليم الخير والحث عليه، وتعليم النافع في الدنيا والآخرة.
стр. 1947
والعمل الصالح الله يرفعه ويثيب عليه. ويجازى صاحبه بالخير والحسنى والذين يمكرون المكرات السيئات، ويحتالون الحيل التي لا تخفى على علام الغيوب لهم عذاب شديد، ومكرهم بائر وهالك، ولا خير فيه، فإن الناقد بصير وخبير.
الآيات الدالة على قدرة الله وإمكان البعث [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
стр. 1948
المفردات:
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أى: يزداد في عمره فُراتٌ: شديد العذوبة، يقال: فرت الماء فروتة: عذب أُجاجٌ: شديد الملوحة، يقال: أج الماء أجوجا:
إذا اشتدت ملوحته حِلْيَةً: ما يتحلى به من سوار أو خاتم مَواخِرَ: تمخر الماء، أى: تشقه شقاّ في إقبالها وإدبارها قِطْمِيرٍ: هو لفافة النواة، أى: القشرة الرقيقة التي تكون على النواة.
وهذا دليل آخر على قدرة الله وفضله ونعمه علينا، وهذا مما يجعل البعث أمرا ممكنا من صاحب هذه القدرة.
المعنى:
والله خلقكم يا بنى آدم من تراب خلق أباكم منه، ثم خلقكم أنتم من نطفة من ظهور آبائكم، ثم جعلكم أزواجا وأصنافا وأشكالا متباينة لا يكاد يتفق إنسان مع أخيه، أليس في هذا دليل قاطع على إمكان البعث؟ فإنهم كانوا يفهمون إحالته لبعد ما بين الحياة والموت، فبعد أن نكون ترابا كيف تعاد لنا الحياة؟ وبين التراب البارد المتفرق، والحياة وما فيها من حرارة وتجمع بون شاسع، ولذا يرد الله عليهم بأنه لا غرابة في ذلك، فقد خلق آدم- وهو إنسان حي- من تراب وبينهما بون شاسع: وخلقناه من نطفة، وهل بين الذرة من منى الرجل والمرأة، وبين الإنسان منا الذي يعقل ويسمع ويتحرك ويمشى بون شاسع أم لا؟! وإذا كان الأصل واحدا فما هذا الاختلاف في الشكل واللون والخلقة والطبيعة والعادة في كل شيء؟ أليس هذا دليلا على القدرة، وعلى إمكان إعادة الخلق يوم القيامة للحساب؟
ولا يدورن بخلدك أن جمع الأجزاء المتفرقة غير ممكن لاستحالة الإحاطة بالجزئيات التي تفرقت في التراب أو في جوف المياه أو بطون السمك والسباع، لا تظن هذا..
فالذي يجمعها هو الذي يعلم الغيب والشهادة، وهو الله الذي يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار، وما تحمل كل أنثى، ولا تضع
стр. 1949
إلا بعلمه، وإن من يعلم تركيب الجهاز التناسلى، وعملية الحمل والوضع، وكيف يتم ذلك، يعرف حقا القدرة الإلهية والعلم الشامل الذي لا يحيط به إلا هو، ولا يعمر من شخص معمر، ولا ينقص من آخر إلا في كتاب، فليست زيادة الأعمار أو نقصها أمورا مرتجلة تخضع لحوادث الكون لا: بل كل شيء عند ربك بمقدار. حقيقة من أراد أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه- كما نطق بذلك الحديث الشريف- فهذا محمول على زيادة البركة في العمر، وإلا فالقرآن صريح في قوله:
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة الأعراف آية ٣٤] .
إن كتابة الآجال وتثبيت الأعمار، وتدوين كل ما هو كائن على الله يسير، وبه جدير.
وانظروا إلى المياه التي حولكم: هذا عذب شديد العذوبة سائغ شرابه سهل تناوله يزيل العطش أو يجلب الري ويمنع الظمأ، وبجواره مياه ملحة شديدة الملوحة لا يستساغ شربها، وإن كانت هي أصل المياه العذبة فهل تصدق أن جميع المياه العذبة أصلها ماء البحر الملح؟ وما ذلك على الله بعزيز، لا يستوي البحران أبدا، هذا ملح أجاج، وهذا عذب فرات، ومن كل واحد منهما تأكلون لحما طريا، وتستخرجون من البحر الملح حلية تلبسونها يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «١» وترى الفلك الموقرة بالأحمال الثقال في البحار تمخر العباب جيئة وذهابا، سخر ذلك لكم لتبتغوا من فضل الله عليكم بالتجارة والانتقال، ولتشكروا ربكم الذي سخر لكم البحر بقدرته.
أليس في العذوبة والملوحة مفارقات؟ وفي الحلي التي تخرج من البحار والسمك الذي يعيش في جوفه مفارقات. أليس في جرى السفينة على الماء، ولا ترسب في قاعه مفارقات؟ ولكنها القدرة فلا تنكروا البعث لأن فيه مفارقات.
هو الله الذي يولج الليل في زمن النهار: ويدخل النهار في زمن الليل إن هذا بلا شك لعجيب! وهو الذي سخر الشمس والقمر، كل يجرى لأجل مسمى عنده ذلكم الله صاحب القوى والقدر، والعالم بكل ما غاب وما حضر، والمتفضل بكل نعمة ما عظم منها وما صغر، ذلكم الله ربكم وحده له الملك، وإليه وحده الأمر، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، وآمنوا به وبرسله وباليوم الآخر.
стр. 1950
وأما الذين تدعونهم من دون الله فأولئك لا يملكون شيئا مهما صغر، فهم لا يملكون نقيرا ولا قطميرا، ولا صغيرا ولا حقيرا.
إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، وكيف يسمعون وهم أصنام وأحجار؟ ولو سمعوا فرضا، ما استجابوا لكم! ويوم القيامة يوم الفزع الأكبر يكفرون بشرككم، ويتخلصون منكم، انظروا إلى قول الحق مخبرا عن عيسى بن مريم: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [سورة المائدة آية ١١٧] ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [سورة المائدة آية ١١٦] .
ولا ينبئك عن هذا كله مثل خبير، وهو الله- سبحانه- فهو العالم بخلقه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ [سورة الملك آية ١٤] والمراد تحقيق وتأكيد ما أخبر به عن آلهتهم ونفى ما يدعون لها من الألوهية.
وعظ وإرشاد [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ٢٦]
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩)
وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)
стр. 1951
المفردات:
الْفُقَراءُ: المحتاجون وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ المراد: لا تحمل نفس وازرة، أى:
آثمة وِزْرَ أُخْرى: حمل أخرى تَزَكَّى: تطهر أُمَّةٍ: الأمة الجماعة الكثيرة وَبِالزُّبُرِ: الكتب المكتوبة نَكِيرِ أى: عقابي على أعمالهم.
المعنى:
يا أيها الناس: أنتم الفقراء المحتاجون إلى الله في كل أموركم الظاهرة والخفية، وكل الخلائق محتاجة إليه، إلا أن حاجة الإنسان إلى الله أكثر، فكأنه قال: أنتم وحدكم الفقراء (مع عدم الاعتداد بحاجة غيرهم) والله وحده هو الغنى عن الكل فليس في حاجة إلى عبادة العباد. ولا تضره معصيتهم، وهو الغنى المحمود في الأرض والسماء، أى:
الغنى النافع بغناه الرحمن الرحيم بخلقه.
أيها الناس: اعلموا أن الله على كل شيء قدير، إن يشأ يذهبكم ويستبدل قوما غيركم أطوع منكم وأزكى، يذهبكم، ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز فإنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
واعلموا أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تحمل نفس وازرة حمل نفس أخرى: بل كل نفس بما كسبت مرهونة، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، فكل نفس لا تستطيع أبدا حمل أى ذنب عن أخرى مهما كانت.
стр. 1952
وإن تدع نفس مثقلة بحملها نفسا أخرى لتحمل عنها لا يحمل منه شيء أبدا ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى.
روى أن الرجل يأتى إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا، وعليك مشفقا وإليك محسنا، وأنت ترى ما أنا فيه فهب لي حسنة من حسناتك أو احمل عنى سيئة فيقول: إن الذي سألتنى يسير، ولكن أخاف مثل ما تخاف وإن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيرد عليه نحو هذا الرد.
روى أن امرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن حجري لك وطاء؟ فيقول: بلى يا أماه! فتقول: يا بنى قد أثقلتنى ذنوبي فاحمل عنى ذنبا واحدا فيقول: إليك عنى يا أماه فإنى بذنبي عنك مشغول.
وأما أنت يا محمد فإنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب.. نعم إنك لا تنذر إلا هؤلاء أما غيرهم فقلوبهم في أكنة مما تدعو إليه فلا تلق بالا لهم. إنما يهتدى بك ويسمع لك الذين يخشون ربهم بالغيب، وهم الذين يؤمنون بالغيب، فالناس نوعان: نوع يؤمن بأن هناك إلها له قدرة، هذه القدرة هي اليد المحركة لهذا الكون وهذا الصنف قلبه مفتوح لقبول رسالات الرسل، وهناك صنف مادى لا يؤمن إلا بالمادة فلا يؤمن بالقوة الغيبية، القوة الإلهية، وهذا لا يمكن أن ينتفع بإنذارك.
إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب، ويقيمون الصلاة، ويؤدون الزكاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ففائدة زكاته عائدة عليه، وإلى الله المصير.
وهل يستوي المؤمن والكافر؟! أظن لا يستويان أبدا، وكيف يستويان؟ وما يستوي الأعمى والبصير، ولا تستوي الظلمات ولا النور، ولا يستوي الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات، فالمؤمن حي حياة سعيدة، والكافر ميت القلب والضمير يعيش كالحيوان، فحياته غير معترف بها.
إن الله يسمع من يشاء فهو الذي علم ما فيهم من خير فوفقهم له، وعلم ما في غيرهم من شر فخذلهم عن الحق، وأما أنت فخفى عليك حالهم، ولذا تطمع فيهم وما أنت بمسمع الأموات الذين عطلوا حواس قلوبهم حتى كأنهم أموات في القبور بل أشد، ولا عليك شيء بسببهم، إن أنت إلا نذير، وما أرسلك ربك إلا بالحق حالة كونك مبشرا بالجنة ومنذرا بالنار، وما من أمة إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها.
стр. 1953
وإن يكذبوك فلا تحزن فقد كذبت رسلي من قبلك، كذبتهم أممهم حينما جاءوهم بالبينات، وبالكتب المكتوبة؟ وبالكتاب المنير الذي ينير لهم الطريق كالتوراة والإنجيل والزبور، ثم لما كذبوا أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، فانظر كيف كان عقابي؟
الناس مختلفون في خشية الله وأخشاهم لله أعلمهم به [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٠]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)
المفردات:
جُدَدٌ: جمع جدة. وهي الطرائق المختلفة الألوان وَغَرابِيبُ سُودٌ أصل اللفظ: وسود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد: لونه كلون الغراب. أسود غريب لَنْ تَبُورَ: لن تفنى ولن تضيع.
وهذا كلام مسوق لتقرير ما مضى من اختلاف أحوال الناس ببيان أن الاختلاف أمر عام، وحقيقة مطردة في كل زمان ومكان.
стр. 1954
المعنى:
أنزل الله من السماء ماء فسالت أودية بقدرها، وانتفع بالماء من أراد الله له الخير.
وكل على قدر طاقته، وهكذا كانت الشرائع أشبه شيء بالماء فالماء يحيى موات الأرض، ويزيل الضمأ والصدى، والدين يحيى موات القلوب ويزيل ظمأها وصداها، والناس معه مختلفون اختلافا بينا، وما أدق التعبير القرآنى حين يتكلم على الدين واختلاف الناس فيه فيقدم له بالكلام على نظيره وشبيهه وهو الماء.
ألم تر وتعلم أن الله- سبحانه- أنزل من السماء ماء، فأخرجنا من الأرض ثمرات مختلفا ألوانها فهذا رمان وذاك تفاح، والصنف الواحد مختلف ألوانه فهذا أصفر فاقع، وذاك أبيض ناصع، وهذا أحمر قان. ألم تر إلى البرتقال واختلاف شكله ولونه وطعمه وحجمه، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل، انظر إلى السر في قوله:
فأخرجنا: وكان الظاهر أن يقال: فأخرج كما قال: أنزل من السماء ماء. ولعل هذا الالتفات والانتقال من أسلوب الغيبة إلى أسلوب التكلم في قوله: فأخرجنا لأن المنة بإخراج الثمرات مختلفة أبلغ من إنزال الماء وأظهر وأدل على كمال القدرة، وشبيه بهذا تماما قوله تعالى فيما مضى في آية ٩: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ومن الجبال ما هو ذو طرائق مختلفة في الألوان مع أن الجبل كله من تراب أو صخر فمن الذي غير الألوان؟ منها ما هو أبيض ناصع وأحمر قان، وأصفر فاقع، وأسود قاتم، وسود غرابيب، فهذه ألوان مختلفة.
ومن الناس والدواب والأنعام صنف مختلف ألوانه اختلافا كثيرا في أصل الصفة ومقدارها، مثل ذلك الاختلاف الذي رأيناه، وكذا فيما يخرج من الأرض مع أن الماء واحد، واختلاف الناس في خشية الله مع أن الله أنزل الدين عاما للجميع وطالب به الكل على السواء.
إنما يخشى الله من عباده العلماء، فهم أحق الناس بخشية الله لأنهم أعرف الناس به وبقدرته وعظمته، وهم أعرف الناس بيوم القيامة وما فيه، ولذا كان من أوائل الناس عذابا يوم القيامة العلماء الذين لم يعملوا بما علموا.
стр. 1955
ومن هم العلماء؟ قال ابن عباس: الذين علموا أن الله على كل شيء قدير، وفي
الحديث: «أعلمكم بالله أشدكم خشية له»
وقال رجل للشعبى: أفتنى أيها العالم.
فقال: العالم من خشي الله.. ثم ختم الآية بقوله: إن الله عزيز غفور، وهذا مما يدعو إلى الخشية، إذ العزة تقتضي عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب والمثاب حقه أن يخشى الله.
ولم يتركنا القرآن نبحث عن العلماء فقد قال: هم الذين يتلون كتاب الله، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقناهم سرا وعلانية راجين من الله حسن المثوبة وكمال الأجر، وزيادة الفضل.
فالعلماء هم الذين يتلون كتاب الله ويتدارسونه، ويعلمونه، ويعملون بما فيه خاصة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويقيمون صلاتهم بالخشوع والخضوع ويؤدون زكاتهم وصدقتهم سرا ما استطاعوا وجهرا إذا دعت الظروف إلى ذلك، وهم المخلصون في أعمالهم وأقوالهم لا يرجون من غير الله ثوابا. ولا يفعلون ذلك رياء، وإنما يرجون من الله تجارة لن تضيع، وثوابا لن يذهب، طالبين من الله زيادة الثواب والفضل، وهو الغفور للسيئات الشكور على قليل الأفعال، الذي يثيب على العمل القليل جزيل الثواب.
فكل من توافرت فيهم هذه الأوصاف فهم العلماء العاملون، نسأل الله أن نكون منهم.
القرآن والمؤمنون به والكافرون [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣١ الى ٣٨]
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨)
стр. 1956
المفردات:
أَوْرَثْنَا الْكِتابَ: أعطيناه بلا تعب ولا مشقة كما يعطى الميراث اصْطَفَيْنا: اخترنا، واشتقاقه من الصفو وهو الخلوص من شوائب الكدر ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الظلم تجاوز الحد مُقْتَصِدٌ: متوسط سابِقٌ بِالْخَيْراتِ: سبق غيره وبزه بعمل الخير أَساوِرَ: وهي حلية تلبس في اليد كَفُورٍ: كثير الكفر يَصْطَرِخُونَ: يستغيثون في النار بصوت عال، والصراخ الصوت العالي، والصارخ: المستغيث، والمصرخ: المغيث نُعَمِّرْكُمْ: نجعلكم تعمرون وقتا.
стр. 1957
المعنى:
الذي أوحينا إليك من القرآن هو الحق لا شك فيه ولا مرية، حالة كونه مصدقا لما بين يديه من الكتب، ومهيمنا عليه، والله هو الذي وضعه هذا الوضع، وأنزله على خاتم رسله محمد ﷺ لأن الحكمة والعدل يقتضيان ذلك والله بعباده خبير بصير.
أوحينا إليك الكتاب ثم أورثناه الذين اصطفينا دينهم واخترناهم من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.
إلا أن هذه الآية فيها مشكل لم يخف على الصحابة والتابعين، ولا على المفسرين وذلك أن قوله: ظالم لنفسه مع قوله: اصطفينا، وقوله بعده: جنات عدن يدخلونها مشكل، إذ كيف يكون ظالما لنفسه مع أنه من المصطفين؟! وكيف يدخل في قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها؟ ولقد تعرض لهذا الإشكال العلامة القرطبي في تفسيره، وذكر عددا من الأقوال فروى عن عمر، وعثمان، وأبى الدرداء وابن مسعود، وعقبة بن عامر، وعائشة وخلاصته: أن الظالم لنفسه مؤمن عمل الصغار والمقتصد مؤمن أعطى الدنيا حقها والآخرة حقها، ويكون قوله: جنات عدن يدخلونها تشمل الأصناف الثلاثة.
ومما يؤيد هذا قول كعب الأحبار: استوت مناكبهم- ورب الكعبة- وتفاضلوا بأعمالهم، وما
روى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية وقال: «كلّهم في الجنّة»
، وما
روى عن عمر بن الخطاب أنه قرأها ثم قال: قال رسول الله ﷺ :
«سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» .
وعلى هذا القول يقدر مفعول اصطفينا- كما قلنا أولا- اصطفينا دينهم، فالاصطفاء موجه إلى دينهم لا إلى أشخاصهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ وخلاصة الآراء الأخرى: أن الظالم كافر أو فاسق أو مرتكب للكبيرة، وهو لا يدخل الجنة، والرأى الأول على ما أظن أحسن لأن الكافر والمنافق والفاسق لم يصطفوا، وكفاه فخرا أنه رأى ستة من كبار الصحابة. ذلك أن إيتاء الكتاب لهم هو الفضل الكبير، وأى فضل أكبر من هذا؟ جنات عدن يدخلونها مقيمين فيها إلى ما شاء الله يحلون فيها بعض أساور من ذهب ويحلون فيها لؤلؤا، ولباسهم فيها حرير، ولا شك أن نعيم الجنة فوق هذا بكثير،
стр. 1958
ولكنه تقريب لأذهاننا وإدراكنا وقالوا: الحمد لله على نعمه، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن الذي كان يساورنا من خشية الله والإشفاق من عذابه إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ.
إن ربنا لغفور للسيئات شكور على فعل الطاعات، الذي أحلنا دار الإقامة من عطائه وأفضاله، لا يمسنا فيها نصب، أى: تعب، ولا يمسنا فيها لغوب، أى: إعياء واسترخاء.
هؤلاء هم المؤمنون بالقرآن، وهم حزب الرحمن، أما حزب الشيطان الكافرون بالقرآن فها هم أولاء: والذين كفروا لهم نار جهنم خالدين فيها أبدا لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا ليستريحوا، بل كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ولا يخفف عنهم من عذابها أبدا، مثل ذلك الجزاء نجزى كل كفور بالله ورسوله، وهم يصرخون فيها، ويستغيثون منها بأصوات عالية قائلين: ربنا أخرجنا منها وأرجعنا إلى الدنيا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، فيقال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون أو لم نعمركم وقتا كافيا يتذكر فيه من يريد التذكر؟ وجاءتكم النذر: من الكتاب والرسول ونذر الشيب والموت فلم تتعظوا أبدا بشيء وغرتكم الدنيا وغركم بالله الغرور.
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا، وذوقوا فما للظالمين من نصير، وهل يجابون إلى طلبهم بالرجوع إلى الدنيا؟! لا فلو رجعوا لعادوا لأفظع مما عملوا، وربك يعلم غيب السماء والأرض، وهو عليم بذات الصدور.
نقاش المشركين [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٩ الى ٤١]
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)
стр. 1959
المفردات:
خَلائِفَ: جمع خليفة مَقْتاً: غضبا شديدا شِرْكٌ: شركة غُرُوراً: باطلا تَزُولا: من الزوال، أى: يمنعهما منه.
المعنى:
وهذا نقاش لهم بتعداد نعم الله عليهم وعلى الناس جميعا، وبيان كمال قدرته، مع تسليط الأضواء الكاشفة على آلهتهم وأصنامهم لنعرف أثرها وحقيقتها.
هو الذي جعلكم خلائف في الأرض يخلف بعضكم بعضا، أنتم خلائف لله في أرضه إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً «١» وهذا الوضع يقتضى منكم أن تتذكروا أنكم مفارقون لهذه الدنيا، فلا تغتروا بها، ولتنظروا إلى أنفسكم، وأنتم خلفاء لله فلا تتخذوا معه شركاء لا يمتون لكم بصلة شريفة.
وأنتم خلفاء في أرضى ولقد حكمت أن من يكفر فعليه وزر كفره، فمن كفر من الناس فعليه وبال كفره، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند الله إلا مقتا وغضبا شديدا ولا يزيدهم إلا خسارا في الآخرة وعذابا أليما.
يا عجبا لكم! قل يا محمد تبكيتا وتأنيبا: أخبرونى عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، ماذا خلقوا من الأرض؟ بل ألهم شركة في خلق السماء؟ بل أآتيناهم كتابا يشهد لهم بذلك؟ فهو حجة في أيديهم بأنهم شركاء في خلق أى شيء.. لا شيء من هذا
стр. 1960
أبدا.. وفائدة هذا الكلام توجيه الأنظار لهم، ولفت العقول إلى باطلهم لعلكم تتفكرون! بل ما يعد الظالمون من رؤسائهم وقادتهم وشياطينهم ما يعد الظالمون غيرهم من أتباعهم، فهم ظالمون أيضا لأنفسهم، ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا بقولهم:
لا بعث ولا حساب، وإن كان فالآلهة تشفع لنا وسترد عنكم العذاب، ونحن سادة في الدنيا فسنكون كذلك في الآخرة، أليس هذا كله غرورا في غرور؟
وكيف يكون شيء من هذا؟ ولله الأمر وحده من قبل ومن بعد، وهو الذي رفع السماء وبسط الأرض، ويمنعها من السقوط والزوال إلى الأبد، ولئن حكم عليها بالزوال فما أحد من الموجودين بقادر على إمساكهما ومنعهما من الزوال، إنه كان حليما بخلقه غفورا لسيئاتهم.
فانظروا أيها المشركون أين أنتم؟
حقيقة هؤلاء المشركين [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٥]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
стр. 1961
المفردات:
جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: طاقتها وغايتها نُفُوراً: إعراضا وتباعدا عن الهدى يَحِيقُ: يحيط يَنْظُرُونَ: ينتظرون لِيُعْجِزَهُ: ليسبقه ويفوته.
بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله ﷺ أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه.
المعنى:
وأقسموا بالله جاهدين بالغين طاقة جهدهم، وغاية أيمانهم، وذلك لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا اشتد عليهم الحال، وأرادوا تحقيق الحق حلفوا وأقسموا بالله جهد أيمانهم وطاقتها، لئن جاءهم نذير من أنفسهم، ونبي من العرب- وكانوا يتمنون ذلك لأن الأنبياء كانت من بنى إسرائيل- ليكونن أهدى من كل الأمم، وليؤمننّ به مسرعين.
فلما جاءهم نذير من العرب، ورسول من أشرف قبائلهم ما زادهم النذير إلا نفورا وإعراضا عن الحق الذي جاء، حالة كونهم مستكبرين في الأرض وحاسدين وباغين، وماكرين مكر السوء على الضعاف والأتباع وحرصا على دنيا كاذبة، وعرض زائل ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله، وقد وقعوا في شر أعمالهم، وباءوا بالخسران المبين في الدنيا والآخرة.
стр. 1962
فهل ينتظرون بأعمالهم إلا سنة الأولين، وسنة الله فيهم العذاب لتكذيب رسلهم بعد سوق الآيات الناطقة بصدقهم، فكفار مكة لا ينتظرون بعد تكذيبهم النبي إلا العذاب كما نزل بمن سبقهم من الكفار، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولا تحويلا.
أقعدوا ولم يسيروا في الأرض فينظروا حين ينتقلون إلى الشام والعراق واليمن كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ممن كذب رسله واتبع نفسه وهواه؟ وقد كانوا أشد منهم قوة، وأكثر أموالا وأولادا، فما أغنت عنهم في شيء، وما كان الله ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، وكيف يعجزه أحد، وهو الخالق البارئ العالم المحيط بكل شيء. وانظر إلى تذييل الآية وختامها بقوله: إنه عليم قدير.
وبعد هذا يبين الله أنه الرحمن الرحيم بخلقه وهو الغفور الستار بعباده، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا من المعاصي ما ترك على ظهر الأرض من دابة انتقاما وجزاء لما يصنعون، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الربانية أن يؤخرهم إلى أجل مسمى عنده هو أعلم به، إكراما للنبي ﷺ وتشريفا له ولأمته، ولعلهم يتوبون، ويثوبون إلى رشدهم، فإذا جاء أجلهم لا ستأخرون ساعة ولا يستقدمون بل سيفارقون الدنيا، ويحاسبون على أعمالهم إن كانت خيرا فخير، وإن كانت شرا فجزاؤهم شر، ولا غرابة فإن الله كان بعباده خبيرا بصيرا. فبادروا أيها الناس بالتوبة والرجوع إلى الله وأسرعوا فأنتم لا تدرون انتهاء الأجل، فربّ ليلة نبيتها لا نصبح معها، بل ربّ نفس خرج لا يعود، ولا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وهو بالعباد خبير بصير.
стр. 1963
سورة يس
وهي مكية بالإجماع كما حكى القرطبي، وعدد آياتها ثلاث وثمانون آية، وقد ذكر في فضلها أحاديث كثيرة، والله أعلم بصحتها.
وهي كالسور المكية المفتتحة بأحرف هجائية تعرضت للقرآن الكريم والنبي ﷺ وإثبات البعث، ثم ضرب الأمثال، وذكر القصص، والتعرض للآيات الكونية، ومناقشة الكفار في بعض عقائدهم وأفعالهم، ثم ذكر صور لمشاهد يوم القيامة، والتعرض لمبدأ التوحيد والبعث مع الاستدلال بالمشاهد المحسوسة على ذلك، وتفنيد شبهة المشركين وقطع حججهم، وكل هذه الموضوعات ترمى إلى فتح قلوب غلف، وإحياء نفوس طال عليها الأمد حتى قست فأصبحت كالحجارة أو أشد.
موقف النبي ﷺ مع قومه [سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
стр. 1964
المفردات:
يس نقرأ هكذا: يأس بمد الياء وإدغام السين في الواو التي بعدها، وقرأ بعضهم ياسين بإظهار النون ساكنة، وبعضهم أظهر حركة النون بالضم أو بالفتح أو بالكسر، ولكل وجه تخريج في الحكم الإعرابى حَقَّ الْقَوْلُ ثبت فلا يبدل الْأَذْقانِ جمع ذقن، وهي ملتقى الفكين الأسفلين مُقْمَحُونَ والمقمح: هو الذي يرفع رأسه ويغض بصره، وفي القاموس: وأقمح الغل الأسير: ضاق على عنقه وترك رأسه مرفوعا وَآثارَهُمْ المراد: ما خلفوه وراءهم من خير أو شر.
ولا بد لذكر هذه الحروف من حكمة، ولا بد لها من معنى، وإن خفى علينا وستظل سرّا بين الله وبين رسوله، فهي أشبه شيء بالشفرة في عصرنا، والله أعلم بمراده منها، وقيل: إن هذا اسم من أسماء الله واسم من أسماء النبي ذكر قبل القسم تعظيما له، وقيل غير ذلك.
المعنى:
أقسم الحق ﵎ بالقرآن المحكم الآيات الكامل المعجزات بأنك يا محمد لمن المرسلين على صراط مستقيم لا عوج فيه وهو الإسلام، وهو طريق الأنبياء من قبلك..
وليس القسم بالقرآن قد ذكر عرضا من غير قصد، لا. بل الظاهر- والله أعلم- أنه لفت لأنظارنا إذ هو المعجزة الباقية، والدليل الأول على أن محمدا ﷺ صادق في دعواه، وأنه رسول من عند مولاه.
هذا القرآن نزل تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه، وفي هذا إشارة إلى مكانة القرآن وأنه أجل نعمة من نعم الرحمن، أنزل عليك لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم
стр. 1965
الأقربون- وإلا فآباؤهم الأقدمون قد أنذروا بإسماعيل- ﵇ فهم غافلون عن طريق الحق والنور.
لقد حق القول على أكثرهم وثبت، إذ لا يبدل القول عند العزيز الحكيم، وعلى ذلك فالمراد بالقول: الحكم والقضاء الأزلى، تحقق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، ولكن لا بطريق الجبر والإلجاء، بل باختيارهم وإصرارهم على الكفر والعناد، وفي هذا تطمين للنبي ﷺ .
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وهذه الآية لتقرير الحكم السابق عليهم «١» بأنهم لا يؤمنون، ولا تنفع معهم النذر بالآيات، فالقرآن الكريم يريد أن يشبههم ويمثلهم حيث لم يؤمنوا ولم يذعنوا بمن غلت يده في عنقه فلم يستطع أن يتعاطى مقصودا للمعنى الحسى القائم به، وهو الغل البالغ إلى الذقن الذي جعل صاحبه مقمحا، أى: رافعا رأسه لا يستطيع أن يبصر تحت قدميه.
وقيل: إن الآية حقيقة وليس فيها (استعارة) وإنما هذا تصوير لهم يوم القيامة إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [سورة غافر آية ٧١] .
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وهذا تمثيل آخر لهم أنهم وقد سدت عليهم طرق الإيمان سدا إلهيا معنويا يشبهون من سدت عليهم الطرق سداّ حسيا فلم يصلوا إلى مطلوبهم، والسد الذي بين أيديهم منعهم من قبول الشرائع في الدنيا، والسد الذي خلفهم منعهم عن قبول البعث، انظر إلى قوله تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [سورة فصلت آية ٢٥] والمراد زينوا لهم الدنيا فاغتروا بها، وزينوا لهم الآخرة فكذبوا بها.
وجعلنا من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا فأعميناهم عن الحق فهم لا يبصرون وسواء عليهم إنذارك وعدمه- وهذا توبيخ لهم- فهم لا يؤمنون.
هذا شأن من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله! وما ذاك إلا أنه صرف نفسه عن النظر الصحيح والرأى المجرد عن الهوى، البعيد عن ضلال التقليد.