← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

من أقوال بعيدة عن الصواب جدا، وقد علمت الحق فيها الذي تؤيده الشواهد الكثيرة. والله أعلم بكتابه. من تأديب الله للمؤمنين وعنايته بهم [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤١ الى ٤٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) المعنى: يا أيها المؤمنون: اذكروا الله ولا تكونوا كالذين نسوه فأنساهم أنفسهم حتى ضلوا السبيل، يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا في القيام والقعود وعلى جنوبكم، أى: في كل حال يجب على المسلم أن يذكر ربه ولا ينساه، يذكره بقلبه، ويستشعر عظمته، ويخشى حسابه وعذابه، ويراقبه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، اذكروه على سبيل التعظيم والإجلال، وسبحوه بكرة وأصيلا، والذكر والتسبيح أعم من الصلاة وأشمل، والمراد بالبكرة والأصيل: أول النهار وآخره، وإن كان المقصود جميع الأوقات فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [سورة الروم الآيتان ١٧، ١٨] . هو الذي يصلّى عليكم أيها المؤمنون، وتصلى عليكم ملائكته، والصلاة من الله رحمة بنا، ومن الملائكة استغفار لنا، كل ذلك ليخرجكم من ظلمات النفس الأمارة بالسوء. ومن ظلمات الدنيا الغرور. ومن ظلمات وسوسة الشيطان. بما يهديكم ويرشدكم ويثنى عليكم ويوفقكم إلى طرق النور والعلم والإسلام والخير، وكان بالمؤمنين رحيما اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة ٢٥٧] .

стр. 1892

وإذا كان الله يصلى علينا ويرحمنا ويخرجنا من الظلمات إلى النور، وهو ربنا الرءوف الرحيم أفلا نذكره ذكرا كثيرا؟ وهو القائل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [سورة البقرة آية ١٥٢] . واذكروا أيها المؤمنون أن الله- سبحانه- لا ينساكم يوم القيامة بل هو صاحب الفضل عليكم يحيى عباده بالتحية المباركة الطيبة: تحيتهم يوم يلقونه سلام، سلام من الله وفضل عظيم، وأعد لهم وهيأ أجرا لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه، وإنما هو أجر كريم يأتى العباد بلا طلب ولا تعب ولا مشقة. نسأله- سبحانه- أن يوفقنا للعمل حتى نكون مع هؤلاء في ذلك الأجر الكريم!! بعض الآداب الإسلامية [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٩] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)

стр. 1893

المعنى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على الناس ترقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل الشهادة على ما صدر عنهم من التصديق والتكذيب، وسائر الأعمال: تشهد عليهم وتؤدى الشهادة يوم القيامة بعد أن دعوتهم سرا وإعلانا ليؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [سورة البقرة آية ١٤٣] . يا أيها النبي إن ربك أرسلك شاهدا على الناس يوم القيامة، ومبشرا من آمن بك بالجنة، ومنذرا من كفر بك أو عصاك بالنار، وداعيا إلى الله وإلى طاعته بإذنه وأمره، فلست مدعيا ولا متقولا بل كل هذا أمر الله وإذنه، وأنت أيها الرسول السراج المنير الذي يهدى الناس إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. أرسلك ربك لتفتح أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، والسكينة والوقار لباسك، والبر شعارك، والتقوى زادك، والحكمة قولك، والصدق طبعك، والخلق الكريم خلقك، والحق والعدل شريعتك، وقد ألفت بهذا أمما متفرقة، وقلوبا متنافرة، وأنقذت بهذا فئات من الناس قد ضلوا من قبل سواء السبيل، حتى أصبحوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين صادقين مصدقين، يهدون بالحق وبه يعدلون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم. فحقا لقد صدق الله إذ يقول: وبشر يا محمد المؤمنين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، العاملين بكتاب الله وسنة رسوله، بشرهم بأن لهم من الله فضلا لا يعرف له قدره، فضلا من الله كبيرا، وأجرا من عند الله عظيما، ورزقا من الله كريما. وبعد هذا لا تطع الكافرين والمنافقين، ولا تأبه بهم ولا تعن بشأنهم، ودع أذاهم حتى تؤمر بما فيه علاجهم، وتوكل على الله وحده ناصرك وحافظك ومن توكل على الله فهو حسبه، وكفى بالله وكيلا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ الآية قد يقول قائل: وما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ وقد أجاب على ذلك الفخر

стр. 1894

الرازي- ﵀: وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله- تعالى- ذكر في هذه السورة مكارم الأخلاق وأدب نبيه ﷺ لكن الله- تعالى- أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل، فكلما ذكر للنبي مكرمة، وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فكما بدأ الله في تأديب النبي ﷺ بذكر ما تعلق بجانب الله بقوله: يا أيها النبي اتق الله! وثنى بما يتعلق بأزواجه حيث قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ، وثلث بما يتعلق بجانب عامة الأمة بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً. كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله حيث يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ، ثم ثنى بما يتعلق بأزواجهن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ وثلث بما يتعلق بأدب المؤمنين مع النبي حيث قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ. والمعنى المراد: إذا نكحتم المؤمنات وكذلك الكتابيات- وإنما تركهن ليعلم المؤمنون أن الأولى نكاح المؤمنات- ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهن فليس لكم عليهن من عدة، إذ المطلقة قبل الدخول بها لا تحتاج إلى براءة رحم، وإنما المتوفى زوجها عدتها أربعة أشهر وعشر تفجعا على زوجها لا لبراءة الرحم إذ الرحم تبرأ بشهر أو بحيضة. والواجب هو أن يمتّعن، أى: يعطين المتعة وهي نصف المهر إذا فرض لها مهر، أو أى شيء يستمتعن به جبرا لخاطرهن، وسرحوهن سراحا جميلا لا ألم فيه ولا تعذيب. من خصوصيات النبي ﷺ [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)

стр. 1895

المفردات: أُجُورَهُنَّ: مهورهن أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ: رده يَسْتَنْكِحَها: ينكحها حَرَجٌ: إثم وضيق تُرْجِي: من الإرجاء وهو التأخير وَتُؤْوِي: تضم ابْتَغَيْتَ أى: طلبت عَزَلْتَ والعزلة: الإزالة والمراد عزلتها من القسمة. المعنى: يا أيها النبي إن الله أحل لك أن تتزوج من النساء اللاتي أعطيتهن مهورهن واللاتي تملكهن بيمينك من الفيء والغنيمة. وأحل الله لك من بنات أقاربك ما شئت من بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك. وأحل الله لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها إليك. وأردت نكاحها خالصة من دون المؤمنين، كل ذلك لئلا يكون عليك حرج ولا إثم.

стр. 1896

ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله يبين للنبي الجهة والوصف العام الذي يصح أن يكون أساسا لاختياره نساءه، فالمرأة التي أوتيت أجرها وقبلت مهرها مهما كان فهي أولى وأفضل ممن لم تأخذ صداقها، والمملوكة التي سباها الرجل بنفسه أفضل من التي اشتراها من غيره. وبنات عمه وعماته وخاله وخالاته أولى إذا هاجرن مع النبي، فإن من هاجر أشرف وأولى ممن لم يهاجر. روى السدى عن أم هانئ بنت أبى طالب قالت: خطبنى رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه- لأننى كنت امرأة كثيرة العيال- فقبل عذري فأنزل الله هذه الآية. قالت: فلم أكن أحل له، لأننى لم أهاجر وكنت من الطلقاء. ويؤكد هذا المعنى- أفضلية وأولوية تلك الأصناف- قوله تعالى: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وأراد نكاحها خالصة له حتى تصير له زوجة، وللمؤمنين أما. وقد ذكر القرطبي- ﵀ في تفسيره لهذه الآية وجهين آخرين: أولهما أن الآية تفيد حل جميع النساء للنبي إذا آتاهن أجورهن، وعلى هذا فالآية مبيحة للنبي ﷺ التزوج بمن شاء ما عدا المحارم لأنه لا جائز أن تفهم أن المراد أحل له أزواجه اللاتي هن معه لأن الحل يقتضى تقدم الحظر، ولا حظر موجود، وأيضا فلم يكن تحته من بنات عمه ولا عماته. ولا خاله ولا خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهؤلاء ابتداء، وعلى ذلك فالآية ناسخة- على رأى من يقول بالنسخ- لقوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وإن كانت متقدمة عليها. وقيل المراد: أحللنا لك أزواجك اللاتي هن عندك فقط، وآتيتهن أجورهن لأنهن اخترنك وآثرن البقاء معك على الدنيا وزخرفها، والذي رجح هذا قوله- تعالى- آتيت أجورهن: لأن (آتى) فعل ماض ليس للمستقبل، ويؤيد هذا التأويل قول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج من أى النساء شاء، وكان يشق ذلك على نسائه. فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء، إلا من سمى سر نساؤه، وهذا رأى الجمهور، وفيه تضييق على النبي ﷺ . وقد رجح القول الأول القرطبي لما ذكرناه عنه، ولقول عائشة- رضى الله عنها-: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله تعالى له النساء. بقي ذكر بنات عمه

стр. 1897

وعماته ... إلخ فالجمهور يقولون: أحل الله لك ذلك زائدا على الأزواج اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، لأنه لولا أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجتها وآتيتها المهر لما كان لذكرهن فائدة- وأصحاب الرأى الأول يقولون إن المراد التوسيع على النبي لا التضييق عليه وتلك خصوصية له، وإنما ذكرهن تشريفا لهن ولهذا نظير قوله: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [سورة الرحمن آية ٦٨]- الله أعلم بكتابه. وإنما خص المهاجرات من الأقارب بجواز تزوج النبي منهن متى شاء لأن من لم يهاجر لم يكمل، ومن لم يكمل لا يصلح للنبي ﷺ الذي كمل وشرف وعظم. وهل يجوز نكاح الهبة؟ لقد أجمع العلماء أن هبة المرأة نفسها غير جائزة وأن هذا اللفظ من الهبة لا يتم عليه نكاح، وعند أبى حنيفة وصاحبه: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. لقد وهب كثير من النساء أنفسهن للنبي ﷺ ، وروى عن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأقول: أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل؟ حتى أنزل الله- : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقالت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وروى البخاري أن خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله، وقيل الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. قال الشعبي في قوله تعالى: ترجى من تشاء منهن.. الآية.. هن الواهبات أنفسهن وتزوج رسول الله منهن، وترك منهن، وقال الزهري: ما علمنا أن رسول الله ﷺ أرجأ أحدا من أزواجه بل آواهن كلهن. وهذا هو المعقول، والآية سيقت توسعة على رسول الله. وقيل: المعنى المراد هو أن النبي ﷺ مخير مع أزواجه بين أن يقسم بالسوية أو يترك القسم إن شاء أرجأ وأخر بعضهن، وإن شاء آوى إليه وجمع بعضهن، ولكنه كان يقسم بالسوية، ويؤوى إليه الكل، دون أن يفرض الله عليه ذلك من قبل، وإنما فعل ذلك تطييبا لنفوسهن وصونا لها عن أحوال الغيرة التي قد تؤدى إلى ما لا تحمد عقباه.

стр. 1898

ومن ابتغيتها وطلبتها بعد أن عزلتها وأزلتها فلا جناح عليك في ذلك، أى: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها إليك فلا بأس عليك في ذلك، وكذلك حكم الإرجاء، ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى إرضائهن وسرورهن بكل ما تفعل، وتلك خصوصية للنبي ﷺ . ومن الأحكام الشرعية أن الرجل الذي يتزوج امرأتين واجب عليه أن يعدل بينهن بالسوية في كل شيء. الله يعلم ما في قلوبكم، وكان الله عليما بكل شيء حليما في كل حكم. لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ الآية.. في هذه الآية خلاف بين العلماء تبعا لما قالوا في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ الآية. فقال بعضهم: لا يحل لك النساء من بعد ما وصفنا وبينا لك من الأوصاف السابقة أما غيرهن من الكتابيات أو غير المهاجرات من أقاربك فلا يحل لك منهن أحد، وقال بعضهم: هذه منسوخة بالآية المتقدمة، وتقدمها في التلاوة لا يضر. وقال بعضهم: لما اختار نساء النبي ﷺ ذاته الشريفة جوزين على ذلك بتحريم غيرهن على النبي، وعدم طلاقهن منه، وجعلهن أمهات للمؤمنين، ذلك مكافأة لهن على ذلك. ولا أن تبدل بهن من أزواج، أى: لا يحل طلاقهن وتزوج غيرهن، ولو كنت معجبا بحسنهن إلا ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك. وكان الله على كل شيء رقيبا. كلمة عن تعدد أزواج النبي ﷺ لقد تكلم بعض الناس في أزواج النبي ﷺ وكثرتهن يرمون إلى أنه رجل شهوانى لا يعقل أن يكون نبيا!! حقيقة مات النبي عن تسع نسوة لكل واحدة ظرف خاص في زواجها لو عرفناه لحكمنا حكما صحيحا في هذا الموضوع. أما السيدة خديجة فقد تزوجها وسنه خمس وعشرون سنة وسنها أربعون سنة، ومع هذا الفارق الكبير فقد عاشا عيشة سعيدة حتى توفيت، وقد أمضى معها زهرة شبابه، إذ ماتت وهي في سن

стр. 1899

الخامسة والستين، ومع هذا لم يتزوج مع غيرها مع عدم المانع، ثم تزوج بعائشة مع صغر سنها، وبحفصة مع عدم جمالها، وأم سلمة مع كثرة عيالها وكبر سنها كل هذا لإرضاء أصحابه ورجال دعوته، وجبرا لخاطر امرأة كأم سلمة هاجرت مع زوجها إلى الحبشة وإلى المدينة لما مات زوجها، أليس من المروءة أن يجبر خاطرها حتى يطمئن كل قواده وجنوده على أهليهم بعد وفاتهم، وهذه سودة العجوز ليس الزواج بها لشهوة، وهذه زينب بنت جحش قد عرفت قصتها سابقا، وأما النساء الباقيات فأم حبيبة بنت أبى سفيان زعيم قريش أسلمت قبل أبيها وهاجرت إلى الحبشة ثم لما مات زوجها تزوجها النبي إكراما لها وتقديرا لعملها، وصفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود، وجويرية بنت الحارث زعيم بنى المصطلق وقد هزمت قبيلتهما فأراد النبي أن يجبر خاطر صفية وجويرية فتزوجهما لأسباب سياسية لا تخفى على قائد جماعة وصاحب دعوة. ولا يظن أحد أن النبي ﷺ كان يعيش عيشة المترفين في بيته، فهذه عائشة يروى أنها قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله نار! فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. فعلى رسلكم أيها النقاد بغير علم، أو بعلم، وقد أعماكم هذا التعصب الذي يجعل القلوب في أكنة بعيدة عن نور الحق، هذه حياة النبي، وتلك ظروف زوجاته كلهن فما تزوج لجمال أو لشباب، أو لطلب رفاهية؟ وما كان ﷺ مترفا في مأكل أو مشرب أو مسكن «تقول عائشة: لقد توفى رسول الله وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي» ، وكان الحصير يؤثر في جنبه ﷺ ما وجب على المؤمنين نحو بيت النبي مع آية الحجاب [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)

стр. 1900

المفردات: إِناهُ: منتظرين نضجه، وأصل الكلمة من: أنى الشيء يأنى إناه: إذا حان إدراكه، وفي شرح القاموس: (أنى) بمعنى أدرك وبلغ. فَانْتَشِرُوا: اذهبوا حيث شئتم وتفرقوا. مَتاعاً المراد: ما يحتاج إليه وينتفع به من سائر المرافق. هذه الآيات تضمنت أمرين مهمين: أولهما: الآداب العامة عند الطعام والجلوس له. ثانيهما: الحجاب وعدم الاختلاط، وقد نزلت الآيات في بيت النبي، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما الأمر الأول: فالجمهور من المفسرين على أن سبب النزول هو: لما تزوج النبي من زينب بنت جحش أولم عليها ودعا الناس، فلما طعموا جلس بعض الناس يتحدثون في بيت رسول الله، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط- إذ البيت عبارة عن حجرة واحدة- فثقلوا على رسول الله ﷺ قال أنس بن مالك: فقام رسول الله ﷺ فخرج

стр. 1901

وخرجت معه لكي يخرجوا وقد تباطأ القوم في الخروج، قال أنس: وأخبرت النبي أن القوم خرجوا، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، فأنزل الله- : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى قوله: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً روى هذا الحديث ب المعنى ، وأصله موجود في البخاري ومسلم. وعن ابن عباس: أنها نزلت في أناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ فيدخلون قبل أن يدرك الطعام فيقعدون إلى أن يدرك ثمّ يأكلون ولا يخرجون. وقال بعضهم: هذا أدب أدب الله به الثقلاء. المعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي في حال من الأحوال إلا في حال قد أذن لكم فيه إلى طعام غير منتظرين نضجه، أى: لا تدخلوا بيوت النبي إلا في وقت الإذن لكم إلى طعام، ولا تدخلوه إلا غير منتظرين إناه، ولكن إذا دعيتم إلى الطعام وأذن لكم في الدخول فادخلوا فإذا طعمتم فاذهبوا متفرقين، ولا تمكثوا مستأنسين بالحديث كما فعل بعضهم في وليمة زينب جحش. إن ذلكم كان يؤذى النبي، وأى إيذاء أكبر من بقاء عامة الناس في بيت الزوجية؟ الذي هو حق لها، وسكن الزوج مع زوجته، وكان النبي يستحى ويمتنع من إظهار ألمه لكم، ولكن الله لا يستحيى من إظهار الحق. بل يبين للناس ما به يتأدبون بأدب القرآن فاعلموا أن هذا الانتظار خطأ وحرام عليكم فلا تعودوا لمثله أبدا. روى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فنزلت الآية. وانظر إلى القرآن وهو يعالج أمر الحجاب مبتدئا بأمهات المؤمنين اللائي هن أطهر النساء وأعفهن، حتى نتبصر في أمرنا حينما يقال لنا: إنا نختلط ولا يحصل شيء أبدا، ولست أدرى: ما سبب الحوادث التي نقرؤها كل يوم في الجرائد عن الخيانات والقتل والطلاق؟! أليس مرجعها كلها إلى ضعف الوازع الديني وإلى الاختلاط في البيوت والشارع بل وفي المقاهى والمسارح والمصايف؟!

стр. 1902

وإذا سألتموهن- نساء النبي- متاعا أى متاع في الدين والدنيا فاسألوهن من وراء حجاب. ذلكم، أى: ما ذكر من الاستئذان قبل الدخول، وعدم الاستئناس للحديث، وسؤال المتاع من وراء الحجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الخواطر التي تعرض لكل رجل وامرأة إذا اختلى بها، وذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة وأمنع في الحصانة. أليس هذا دليلا على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن وأحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. وإذا كان هذا حال الرعيل الأول من المسلمين فما بالنا اليوم؟ اللهم نسألك اللطف والهداية والرحمة. وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا ينبغي منكم ذلك. وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، فإنهن أمهات المؤمنين، ولا يليق بكم أن تفعلوا ذلك أبدا. وهذه الآية رد على من قال: إذا مات رسول الله أتزوج عائشة من بعده، إن ذلكم المذكور من ألم رسول الله بدخول الناس بدون إذن أو مكثهم لغير حاجة أو طلبهم نكاح أزواجه من بعده، إن ذلكم كان عند الله عظيما، فلا ذنب أعظم منه، وهذا يفيد أن هذه من الكبائر، واعلموا أن الله يعلم الغيب والشهادة وهو العليم بذات الصدور، فإن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله بكل شيء عليم، وسيجازى عليه. ولما نزلت آية الحجاب تساءل بعض أقارب أمهات المؤمنين: أنحن نكلمهم من وراء حجاب؟ فرد الله عليهم بقوله: لا جناح عليهن ولا إثم في أن يكلمن آباءهن أو أبناءهن، أو إخوانهن أو أبناء إخوانهن، أو ما ملكت أيمانهن من العبيد، وكذا بقية المحارم التي ذكرت في سورة النور كالعم والخال مثلا. واتقين الله- أيها النساء- فأنتن سبب الاختلاط، وعليكن الوزر الأكبر فيه، إذ المرأة هي التي تستطيع رد الرجل، ويستحيل عليه أن يتمكن منها إلا برضاها، ولذا خصهن بالأمر بالتقوى، إن الله كان على كل شيء شهيدا ورقيبا، فاحذروه، واتقوه، واعلموا أنّه يراكم ويحصى عليكم أعمالكم.

стр. 1903

مكانة الرسول ﷺ وجزاء من يؤذيه هو والمؤمنين [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) المفردات: لَعَنَهُمُ اللَّهُ: أبعدهم وطردهم من رحمته مُهِيناً: غاية في الإهانة مُبِيناً: بينا واضحا. المعنى: وهذه الآية قد أظهرت الرسول، وأبانت مكانته عند الله وعند ملائكته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والصلاة من الله على نبيه رحمة ورضوان، ومن الملائكة دعاء واستغفار، ومن الأمة دعاء وتعظيم للنبي، وصلاتنا عليه ﷺ بل وصلاة الملائكة بعد هذا الشرف العالي بالصلاة عليه من المتعالي- ﷻ لإظهار مكانته عند ربه. ولننال شرف الصلاة عليه وثوابها الجزيل، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلّى علىّ صلاة صلّى الله عليه عشرا» ، وكفاه شرفا أن الله وملائكته يصلون عليه، ولا عجب إذ يوجبها الشافعى في الصلاة ويعد الصلاة على النبي في التشهد الأخير ركنا من أركانها، وإن خالفه في ذلك أكثر الأئمة.

стр. 1904

لهذا نادى الحق- ﵎ المؤمنين آمرا لهم بالصلاة على حبيبه وخاتم رسله فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. أما كيفية الصلاة على النبي فصل بأى صيغة شئت، والوارد أن مالكا روى عن أبى مسعود الأنصارى قال: أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلى عليك يا رسول الله فكيف نصلى عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مّجيد. والسّلام كما قد علمتم» أى: في التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. هذه مكانة أشرف الخلق على الله وفضل الصلاة عليه، وهم كما يقولون: الضد أقرب خطورا بالبال، فما جزاء من يؤذيه، ولا يصلى عليه؟ أما من يؤذى الله ورسوله فالويل ثم الويل له ألف مرة ومرة، إنما جزاؤه لعنة الله وطرده من رحمته، ويا له من جزاء قاس يناسب هذا الجرم وفي الآخرة أعد له عذاب شديد ذو إهانة وقسوة. من يؤذى الله بالإشراك به ونسبة ما لا يليق له والكذب عليه، وعدم الامتثال لأمره، ومخالفة رسله، وإيذاء الرسول بوصفه بما لا يليق، والهجوم عليه، وعدم الامتثال له وتكذيبه والطعن في آل بيته، والكلام في حقه وعدم الرضا بفعله، كل هذا إيذاء لله ورسوله عليه الجزاء الشديد في الدنيا والآخرة. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير جرم ارتكبوه أو ذنب اقترفوه إيذاء بالظلم لا بالحق، وهم بهذا الوصف وهو الإيمان، أى: لأجله، هؤلاء قد احتملوا إثما كبيرا هو كإثم البهتان والكذب على الله. ولا يدخل في ذلك من يقوم.. بالرعاية والتأديب فيقسو لغرض شريف.

стр. 1905

ستر عورات النساء [سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٥٩] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) المفردات: يُدْنِينَ الإدناء: التقريب، والمراد الإرخاء والسدل جَلَابِيبِهِنَّ: جمع جلباب وهو الثوب الذي يستر جميع البدن. المعنى: توفى رسول الله ﷺ عن تسع من النساء هن عائشة، وحفصة، وأم حبيبة. وسودة، وأم سلمة، وميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وصفية بنت حيي ابن أخطب الهارونية. وأما أولاده فسبعة: ثلاثة ذكور، وهم القاسم، وعبد الله وأمهما خديجة، وإبراهيم وأمه مارية القبطية التي أهداها له المقوقس عظيم القبط بمصر، وأربع إناث وهن فاطمة الزهراء- رضى الله عنها- وزوجها على بن أبى طالب وأمها خديجة، وزينب وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، ورقية زوجها عثمان بن عفان، وماتت والنبي ﷺ في غزوة بدر، وأم كلثوم تزوجها عثمان بعد وفاة أختها ولذا سمى بذي النورين وتوفيت في حياة النبي ﷺ . فكل أولاده ﷺ الذكور والإناث من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وقد فارقن الحياة قبل النبي ﷺ إلا فاطمة الزهراء فماتت بعد النبي وهي أول من لحق به من آل بيته الكرام- رضى الله عنهم جميعا- فتلك ذرية بعضها من بعض.

стр. 1906

وقد كانت العرب في الجاهلية منغمسين في التبذل، وإبداء الزينة ومواضعها والكشف عما يجب ستره كما يفعل الإماء. وقد جاء الإسلام دين السلام ودعوة الحق والتحرر من قيد التقليد الأعمى، والانطلاق نحو المثل العليا وتكوين المجتمع الصالح، المؤسس على تقوى من الله ورضوان. جاء الإسلام فخاطب النبي ﷺ أولا في شأن أزواجه وبناته ونساء المؤمنين عامة ليعلم الكل أن هذا علاج مر. وأنه لا يقوم به إلا أولو العزم من الرجال، وحقا لا يستطيع تأديب زوجته وأخته وبنته، وكبح جماح الغريزة التي تدعو إلى التبرج والظهور إلا كل رجل! وكفى!! .. يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن فيسترن أجسامهن كلها حتى وجوههن إلا ما به ترى الطريق، ويرى بعضهم أن ستر الوجه إنما يكون عند الفتنة، ولا يبدين زينتهن، أى: موضعها إلا لمحارمهن التي ذكرت في سورة النور، آية ٣١. أمر الله تعالى جميع النساء بالستر وإن ذلك لا يكون إلا بما يستر بدنها، إلا إذا كانت المرأة مع زوجها وفي بيتها، فلها أن تلبس ما تشاء لأن لزوجها أن يستمتع بها كيف شاء! يا نساء المؤمنين اسمعن ما نصح به النبي بعض أصحابه: روى أن دحية الكلبي لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي ﷺ قبطية فقال: «اجعل صديعا- نصفا- لك قميصا ولصاحبتك صديعا تختمر» ثم قال له: «مرها تجعل تحتها شيئا لئلّا يصف..» . وروى عن النبي ﷺ أنه قال: «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهنّ مثل أسنمة البخت- نوع من الإبل- لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها» . وقال عمر- رضى الله عنه-: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها وأطمار جارتها مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها.

стр. 1907

ذلك الذي يأمركم به ربكم من الستر أدنى وأقرب أن تعرفن وتتميزن بأنكن المؤمنات القانتات العابدات الحافظات فروجهن، فلا تؤذين بقول من ساب أو جاهل، ويعرفكن الأبرار الصالحون فيتكون البيت المسلم الكامل. أيتها المؤمنات: إن الدين حينما يفرض الحجاب، ويوصى بالستر التام للجسم كله إنما يهدف إلى عدم الإيذاء لكن، فكم من امرأة عفيفة ظهرت في الشارع سافرة فلاقت من الأذى ما لاقت! وإنى لأعجب حينما نرى بعض نساء المؤمنين في الشارع قد برزن بروزا يلفت النظر، خرجن كاشفات عن مواضع في أجسامهن لا يليق بهن أبدا كشفها. أفيليق من المرأة المؤمنة أن تخرج كاشفة عن وجهها ورأسها وثديها وساقها وإبطها، وتستر الباقي بثوب شفاف يظهر ثديها؟ .. وايم الحق قد ترى حلمة الثدي وموضع السرة!! .. يا لله للمسلمين والمسلمات!! يا نساء المسلمين إن جاز هذا من غيرنا فليس يجوز أبدا منا!! يا نساء المؤمنين ليس في الكشف عن العورة فائدة أبدا بل هناك الضرر كل الضرر.. يا نساء المؤمنين كل بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها. يا نساء! إن في ستر العورة منعا للفتنة، ومدعاة للعفة وبعدا عن مظان التهمة، وحفظا لكن من تعرض الفساق وإيذائهم بالرفث وفحش القول. يا أيها المؤمنون اعلموا أنكم المطالبون بستر عورات نسائكم، فأنتم مع الرسول مخاطبون يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الآية.. فلا يعتذرن أحد، ولا يلقين أحد تبعة هذا على النساء وحدهن!! أيتها الأخت المسلمة: كوني مثلا أعلى للمسلمات، واحذرى الشيطان وفتنة المجتمع المنحل الذي تعيشين فيه، وتذرعى بالصبر، واعلمي أنه لا يزال في الأمة من يقدر العفاف والأدب وحسن السيرة! وإنى أختتم هذا بأن أدعو الله أن يرزقنا التوفيق والسداد فهو ربنا الرحمن الرحيم بنا،

стр. 1908

فموضوع الاختلاط والتبرج والانحلال الخلقي العام في طبقات الشعب داء استشرى، وفساد عم، لم يعد يكفيه وعظ وإرشاد، وإنما هو في حاجة إلى قوة السلطان وصولة الحاكم الذي يدين بعلاج القرآن، ويؤمن أن فيه خير الشعب والدولة، وما ذلك على الله بعزيز، وهو نعم المولى ونعم النصير. هؤلاء المنافقون وهذا جزاؤهم [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢) المفردات: مَرَضٌ المراد: مرض الفسوق والعصيان وَالْمُرْجِفُونَ: الإرجاف والرجفان الاضطراب الشديد، والمراد المتلمسون الفتنة المشيعون للأكاذيب والأباطيل لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ: لنسلطنك عليهم. المعنى: وهذه آية نزلت في المنافقين كاشفة حالهم، هاتكة سترهم، مهددة لهم، وأى تهديد أكثر من قوله: لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا؟! وقد أجمع المفسرون تقريبا على أن هذه الأوصاف الثلاثة- النفاق، ومرض القلب والإرجاف- لشيء واحد، ولا شك أن من لوازم النفاق مرض القلب فهما

стр. 1909

متلازمان، والإرجاف بالفتنة، وإشاعة السوء نهاية النفاق، والمنافقون جمعوا بين هذه الأوصاف الثلاثة. على أن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وفيهم قوم برزوا في الإرجاف وإذاعة السوء، وإذاعة الأكاذيب التي تفت في عضد الجماعة، وتقتل فيهم روح الإقدام، وكانوا ينتهزون فرص الحرب والقتال فيذيعون كل ضار ومفسد. ولقد أقسم الله بنفسه مهددا لهم: لئن لم يكف هؤلاء المنافقون عن نفاقهم، وينتهوا عن أعمالهم القبيحة التي تنشأ عن مرض القلب وسوء القصد، وفساد النفس، ولئن لم يبتعدوا عن الإرجاف في المدينة بالسوء، لئن لم ينتهوا عن ذلك لنغرينك بهم!! إنه لتصوير بديع جدا حيث أبرز الرسول ﷺ كأنه أسد مفترس أمامه فريسته ضعيفة مهينة، وهو ممنوع منها. ثم هم بعد ذلك لن يجاوروك في تلك المدينة التي جئتها مهاجرا إلا زمنا قليلا، وقد كان ذلك كذلك. وهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله ومنبوذون من الناس حيث عرفوا وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [سورة التوبة آية ٨٤] . أينما ثقفوا ووجدوا أخذوا بالضرب والتنكيل والاحتقار، وهذا جزاء النفاق وهم يقتلون تقتيلا حيثما وجدوا، ولا غرابة في ذلك، فالأمم الحديثة الآن لا تعرف الرحمة مع الجواسيس والخارجين على الدولة الذين يطعنون من الخلف، ويتعاونون مع العدو مع تظاهرهم بالإخلاص. وتلك سنة الله مع المنافقين في كل زمن، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولا تغييرا. يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: «وفي الآية جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه حتى مات، أى: النبي» . ولعل السر في وضع هذه الآية هنا للإشارة إلى أن إيذاء الرسول ﷺ بالقول أو الفعل، والتعرض بالسوء لنسائه وبيته، وعدم امتثال أمر الله مطلقا وخاصة في ستر

стр. 1910

عورات النساء كل هذا من لوازم النفاق العملي الذي يأباه الله ويتنافى مع حقيقة الإسلام، ونرجو أن يمتثل المسلمون اليوم للأمر بستر عورات نسائهم حتى لا ينطبق علينا وصف النفاق. وهذا جزاء الكافرين [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٣ الى ٦٨] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) المفردات: سادَتَنا: جمع سيد، وهو كبير قومه ضِعْفَيْنِ: مثلين. المعنى: كان النبي يتوعد الكفار والفساق بعذاب شديد يوم الساعة، فكانوا يسألون عن الساعة استبعادا لها وتكذيبا، لأنهم كانوا ينكرون البعث ويقولون: ما يهلكنا إلا الدهر. فيرد الله عليهم آمرا نبيه أن يقول لهم: قل لهم: إنما علمها عند الله فهو الذي يعلم

стр. 1911

وحده متى تأتى؟ وما أنا إلا بشير ونذير، وليس لي علم بالغيب إلا ما أطلعنى الله عليه فقط، على أن إخفاء الساعة من دعائم الحياة في الدنيا، ولو أننا نعلم متى نفارقها لكان لنا نظام آخر في معيشتنا وحياتنا، ولكن الله الحكيم العليم أخفاها لأسرار وحكم هو يعلمها، ولعل إخفاءها لنستعد في كل وقت، وما يدريك؟ لعل الساعة يكون قريبا حدوثها، لقد ورد عن النبي ﷺ «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والوسطى. إن الله لعن الكافرين وطردهم من رحمته وأعد لهم عذاب جهنم، نارا مسعرة خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا يلي أمورهم، ولا نصيرا ينصرهم يوم تقلب وجوههم في النار التي وقودها الناس والحجارة، وخصت الوجوه بالذكر لأنها طالما عصت ربها، وآذت رسوله، وتكبرت على عباده المؤمنين. واذكر يوم يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول!! ندموا على ما فرط منهم حين رأوا العذاب المعد لهم، ندموا ولات ساعة مندم؟ وقالوا معتذرين: يا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فهم الذين قادونا إلى هذا العذاب وأضلونا عن سواء السبيل. ربنا آتهم ضعفين من العذاب، ضعف لكفرهم، وسوء أعمالهم، وضعف لأنهم أضلونا وقادونا إلى هذا. ربنا اطردهم من رحمتك وأبعدهم عن جنابك بعدا كبيرا فهم يستحقون ذلك، وكثيرا ما ينازعون، ويلقى كل منهم التبعة على الآخر والكل سواء في العذاب المهين لأن الله خلق عقلا وفكرا مستقلا فآثر طريق الشيطان والهوى على طريق الحق والهدى فكان هذا جزاءه ومأواه، وبئس مأوى الظالمين مأواهم. توجيهات وعظات [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)

стр. 1912

المفردات: وَجِيهاً الوجيه: العظيم القدر، الرفيع المنزلة، المعروف بكرم الفعال سَدِيداً: صوابا. المعنى: سبق أن بين الحق- ﵎ أن إيذاء الله يوجب اللعن والطرد من رحمة الله، وهذا الإيذاء يجر إلى الكفر، وهناك نوع منه يجر إلى الإثم، نهى الله المؤمنين عنه قائلا: يا أيها المؤمنون لا تتقدموا إلى رسولكم بإيذاء أيا كان نوعه حتى لا تكونوا كالذين آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا، وأعد لمن آذاه عذابا شديدا. وكان موسى عند الله وجيها. وقد ورد أن بعض الناس لم يرض بقسمة الرسول، وبحكمه في الفيء، وهذا بلا شك إيذاء. أما إيذاء موسى فحسبك ما رواه القرآن من أن بعض بنى إسرائيل قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا. وقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وقولهم: لن نصبر على طعام واحد، وقيل: إنهم كانوا يصفونه بأنه آدر. فأراد الله- أن يرشد المؤمنين إلى طريق الخير، وينبههم إلى مواضع الخطر، حتى لا يكونوا كبني إسرائيل مع موسى، فإذا أمرهم الرسول بقتال لا يقولون: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولا يليق بالمؤمنين أن يسألوا ما لم يؤذن لهم فيه،

стр. 1913

وإذا أمروا بأمر أن يأتوا منه ما استطاعوا، وقد برأه الله من قولهم: إنه آدر، حيث كشف عورته قهرا عنه فرأوه سليما صحيحا، وقد برأه مما قالوا حيث قطع حججهم، وأبطل كيدهم، ثم ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وكان موسى عند الله وجيها وكريما محبوبا. فاحذروا أيها المؤمنون، ولا تكونوا كمن سبقكم، فهذا الرسول الكريم على الله مبرأ من كل دنس وعيب وآل بيته الكرام، فكفوا عن الأذى، واتبعوا ما أنزل عليكم، وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلحون. ويا أيها المؤمنون اتقوا الله، وقولوا قولا سديدا، قولا صوابا فيه خيركم، ولا تقولوا ما فيه ضلالكم وما به عذابكم من كل قول فيه إثم وفحش وزور وبهتان، فإن تتقوا وتصلحوا أنفسكم، وتقولوا الخير كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: يصلح لكم أعمالكم في الدنيا والآخرة ويغفر لكم ذنوبكم. فيا عباد الله: إن تتقوا الله يصلح لكم أعمالكم، ويمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله في الآخرة، والله على كل شيء قدير، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أمانة التكاليف وحملها [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)

стр. 1914

الْأَمانَةَ: المراد بها التكاليف فَأَبَيْنَ: امتنعن خوفا وإشفاقا. وهذا ختام رائع لتلك السورة التي جمعت أوامر عالية، وآدابا سامية وحكما ومواعظ رائعة كلها من تكاليف الإسلام بل هي لبابه، وفي هذه الآيات بيان أن التكاليف ليست هينة، وإنما هي عظائم الأمور التي نأت عنها السموات والأرضون. المعنى: إنا عرضنا الأمانة- التكاليف كلها من طاعات وفرائض- عرضناها على السموات والأرض والجبال فلم تطقها وأبين أن يحملنها وحملها الإنسان على ما بها إنه كان ظلوما جهولا. الله- عرض التكاليف على السموات وما فيها، والأرض وما عليها من جبال وسهول ونبات وغيره، فأدت ما طلب منها فورا، وأبت كل هذه الأشياء أن تحمل الأمانة وتؤخر الوفاء بها، ألا ترى إلى الملائكة؟! هل هم يحملون الأمانة؟ أم هم يقومون بما عليهم فورا، ولا يحملون شيئا، الملائكة على هذا الاعتبار لم يحملوا الأمانة، ولأضربن لك مثلا بسيطا: إذا وجب الظهر وجبت عليك صلاته في وقته، فإن أديته فورا صدق عليك أنك لم تحمل أمانته بل أديتها في وقتها كالرجل الذي عنده وديعة إلى أجل إذا حل الأجل لم يحملها، بل يعطيها لصاحبها، وإذا تأخرت عن الصلاة حتى فات الوقت كنت حاملا للأمانة، والله أعلم. فالسماوات والأرض والجبال ومن فيهن وما عليهن لا يحملون الأمانة أبدا بل يقومون بما طلب منهم فورا ساعة طلبه. أما الإنسان، أى: بعضه فقد حمل الأمانة على ما بها من جزاء العاملين وعذاب المقصرين بهذا المعنى السابق، ولم يأب حملها، ولم يشفق منها ومن عذابها إنه كان ظلوما لنفسه جهولا لم يعمل ما يقيه من العذاب المعد لمن خان الأمانة، ولم يوف بالعهد. وكان من نتائج أن الله حمله تلك التكاليف فحملها: أن الله يعذب المشركين والمنافقين على أعمالهم السيئة، وعلى خيانتهم للأمانة وعدم وفائهم بالعهود. وكان من نتائج ذلك أيضا أن الله يتوب على المؤمنين، ويثيبهم على ما عملوا من صالح الأعمال، وعلى ما أدوا من أمانات ووفوا بالتزامات، وكان الله غفورا رحيما.

стр. 1915

سورة سبأ مكية كلها إلا آية (٦) : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الآية.. فقيل فيها: إنها مكية وقيل: هي مدنية. وآياتها أربع وخمسون آية. ويدور محور الكلام فيها على البعث، ونقاش المشركين في أعمالهم وعقائدهم، وخاصة إثبات البعث، وفي خلال ذلك سيقت بعض القصص للعبرة والتسلية.. إثبات البعث وبيان دواعيه على منكريه [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)

стр. 1916

المفردات: يَلِجُ: يدخل فيها يَعْرُجُ فِيها: يصعد فيها لا يَعْزُبُ: لا يغيب مُعاجِزِينَ: عاجزه وأعجزه: سبقه وغالبه مُزِّقْتُمْ: قطعتم قطعا صغيرة نَخْسِفْ خسف المكان: ذهب في الأرض، وخسف به الأرض غاب به فيها كِسَفاً جمع كسفة: وهي القطعة مُنِيبٍ: راجع إلى ربه. وهذا افتتاح لسورة سبأ وهي سورة مكية عنيت بإثبات البعث والرد على منكريه، كما ذكرنا. المقصود من هذه الآيات إثبات البعث، وقدم له الحق- ﵎ بمقدمة غاية في الدقة، ونهاية في الحسن والجمال، إذ نعم الله تنحصر في الجملة في نعمتين: نعمة الإيجاد والإبقاء في الدنيا، ونعمة الإعادة والدوام في الآخرة، ونرى أن السورة التي بدأت بالحمد في القرآن خمس: اثنتان في النصف الأول هما الأنعام والكهف، واثنتان في النصف الثاني هما سبأ وفاطر، والخامسة الفاتحة وهي توضع في الأول والآخر.

стр. 1917

وفي أول سورة الأنعام الإشارة إلى نعمة الإيجاد هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ وفي أول الكهف الإشارة إلى الإبقاء الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ولا تبقى الدنيا بلا قانون وأحكام دستور ونظام ولذا تكلم فيها عن القرآن، وهنا الإشارة إلى الإعادة والبعث بدليل قوله: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وفي أول سورة فاطر الإشارة إلى دوام وبقاء الحياة الآخرة جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ والملائكة كلها لا تكون رسلا إلا يوم القيامة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ. وسورة الفاتحة جمعت البدء والإعادة معا فقرئت في البدء والختام للقرآن. المعنى: الحمد لله حمدا يوازى نعماءه، ويكافئ فضله، فهو الله الذي لا إله إلا هو له الحمد المطلق في الأولى، وله الحمد في الآخرة، وله وحده الحكم، وإليه وحده ترجعون، الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا فهو وحده صاحب النعم لأنه المالك للكل فهو إذن المستحق للحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير بكل كائن. يعلم كل ما يلج في الأرض ويدخل فيها من بذور وماء وثمار وكنوز ودفائن وأجسام، ويعلم كل ما يخرج منها من نبات وأشجار، وحيوان ومياه ومعادن وأحجار، ويعلم ما ينزل من السماء من مطر وثلوج وصواعق وأرزاق وما يعرج فيها ويصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد. وهو مع ذلك كله الغفور الرحيم، لمن يفرط في واجب الشكر والثناء لصاحب هذه النعم. ثم بين القرآن أن هذه النعمة التي يستحق بها الحمد وهي نعمة الحياة الآخرة أنكرها قوم وكفروا بها فقال: وقال الذين كفروا من المشركين وغيرهم الذين ينكرون البعث والحياة الآخرة قالوا لا: لا تأتينا الساعة أبدا. فرد الله عليهم بقوله لنبيه: قل لهم: بلى ستأتيكم أيها

стр. 1918

المنكرون ثم أقسم على ذلك مؤكدا فقال: وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. يا أخى: قف معى عند قوله تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ أليست معجزة القرآن حيث ذكر تفتيت الذرة من أربعة عشر قرنا؟! سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصلت آية ٥٣] . لم يكتف الله بالقسم على إتيان يوم الساعة بل ذكر الدليل على ذلك فقال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد قوله: عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ولعل هذا هو السر في اختيار وصف الله بالعلم هنا، ووجه الدلالة أنهم كانوا يفهمون أن البعث محال لتفتت الأجسام وضياع الأجزاء فكيف يتأتى جمعها بعد تفريقها؟ والله يرد عليهم بأنه عالم يعلم السر وأخفى، وهو العليم بكل الجزئيات التي في السموات والأرضين، على أنه حكيم ومن الحكمة أن يجازى المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، وأن الدنيا ليست محل جزاء بل هي موضع ابتلاء لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «١» فربك يوم القيامة يجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنة، أولئك البعيدون في درجات الكمال الذين يشار إليهم بالبنان لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة من الله ورضوان، ولهم رزق كريم لا يتبعه من ولا ألم، وليس صاحبه مهددا بفقر أو موت. والذين سعوا جاهدين في إبطال آياتنا حالة كونهم معتقدين عجزنا وأننا لن نحيط بأعمالهم، وفي قراءة (معاجزين) أى: مسابقين الله، وإن كان هذا مما لا يتصور إلا أن المكذبين بآيات الله لما قدروا في أنفسهم وطمعوا أن كيدهم في الإسلام يتم لهم شبهوا بمن يسابق الله بحسب زعمهم. والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز- وهو أسوأ العذاب- أليم غاية الألم، إذا لا بد من البعث ليأخذ كل جزاءه على ما قدم.

стр. 1919

تلك مقالة الكفار والرد عليها، أما الذين أوتوا العلم، وهدوا إلى الطيب من القول فيرون أن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، وهو يهدى إلى صراط العزيز الحميد، وفيه الإخبار بالبعث وأحوال يوم القيامة فهو حق لا شك فيه. وانظر إلى الكفار يقولون على سبيل السخرية والاستهزاء: هل ندلكم على رجل يخبركم بالبعث إذا مزقتم كل ممزق؟! أبعد هذا التمزيق وأننا نضل في الأرض نبعث على خلق جديد إن هذا لعجيب؟!! تلك مقالة الكفار ثم يتبعونها بقولهم: أهذا الرجل يفترى على الله الكذب عمدا، أم هو رجل مجنون قد اختلط عقله فما يدرى ما يقول؟! بل أنتم أيها الكفار قوم ليس عندكم استعداد للإيمان بالآخرة، وأنتم في العذاب بسبب أعمالكم والضلال البعيد لاعتقادكم الباطل؟ أعموا فلم يروا ما بين أيديهم، وما خلفهم، وما على جوانبهم في السماء والأرض من آيات شاهدة وأدلة ناطقة على قدرة الله القادرة، وعلى علمه الكامل المحيط بكل صغيرة وكبيرة، وأن الله- قادر على أن يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون لما بغى، أو يسقط عليهم كسفا من السماء كما فعل بأصحاب الأيكة لما ظلموا، إن في ذلك كله لآيات لكل عبد منيب تواب يرجع إلى الله. داوود وسليمان [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٠ الى ١٤] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)

стр. 1920

المفردات: أَوِّبِي التأويب: التسبيح سابِغاتٍ المراد: دروعا سابغات، وهي الدروع الكوامل. يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما: إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه وَقَدِّرْ من التقدير، أى: قدر تقديرا حسنا يجمع بين الخفة والمتانة فِي السَّرْدِ أى: نسج الدروع المحكمة، بمعنى أن تكون حلقها متوالية غير مختلفة أَسَلْنا: جعلناها سائلة عَيْنَ الْقِطْرِ: هو النحاس المذاب يَزِغْ مِنْهُمْ زاغ عن الأمر: ابتعد وعدل عنه مَحارِيبَ جمع: محراب، وهو البناء المرتفع، ومنه محراب الصلاة، لأنه يرفع ويعظم وَتَماثِيلَ: جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء، أى: صورته بصورته سواء كان حيوانا أو غيره وَجِفانٍ: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة، والمراد إناء للأكل كبير كَالْجَوابِ: جمع جابية: وهي الحفرة الكبيرة يجيء إليها الماء، أى: يجتمع فيها الماء راسِياتٍ المراد أنها ثابتات لا تتحرك لعظمها دَابَّةُ الْأَرْضِ: وهي دويبة تأكل الخشب يقال لها الأرضة مِنْسَأَتَهُ أى: عصاه خَرَّ: سقط. المعنى: كان داود في عصر حروب ونزاع بينه وبين الملك المعاصر حتى أتيحت له الفرصة

стр. 1921

فقتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء، وخاصة ما يتعلق بالحروب كعمل الدروع السابغات وغير ذلك. ولقد آتينا داود منا فضلا كبيرا يظهر في نواح كثيرة أظهرها أنا قلنا: يا جبال أوبى معه وسبحي إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [سورة ص ١٨، ١٩] . وهذا أمر يدل على عظم شأن داود وكبرياء سلطانه حيث جعل الله الجبال عقلاء منقادين لأمره في نفاذ مشيئته، تسبيح إذا سبح، وتكبر إذا كبر، ولقد سخرنا لداود الطير، وألنا له الحديد، ولا شك أن إلانة الحديد بدون نار معجزة لداود، وهي مناسبة لحاله، وهو في أشد الحاجة لها هو وقومه، وأمرناه: أن اعمل دروعا سابغات كاملات تحفظك من بطش العدو، وتقيك إذا اشتد الحرب وحمى الوطيس. وقدر في نسجها تقديرا حسنا يجمع بين خفتها ومتانتها، وأن تكون متتابعة متلاحقة، ولعل هذا هو السر في قوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ إذ السرد يعطى معنى التتابع. واعملوا يا آل داود بعد هذا صالحا من الأعمال فإنه لا نجاح ولا فوز على العدو بالقوة المادية فقط، بل لا بد من العمل الصالح الذي يقوم النفوس ويطهر الأرواح، ويحصنها حتى لا تكبو، ومن المطلع على خفايا النفوس؟ إنه الله عالم الغيب والشهادة إنه بما تعملون بصير فاحذروه. وسخرنا لسليمان الريح تجرى رخاء حيث أصاب، ريح مسرعة مع الهدوء والسكون تقطع في الغداة ما يقطعه المسافر النشيط في شهر وتقطع في الرواح ما يقطعه المسافر في شهر، فغدوها شهر ورواحها شهر، والله على كل شيء قدير. وأسلنا لسليمان عين القطر، وأجرينا له عينا تخرج نحاسا مذابا بلا نار ولا فحم يستخدمه في أغراضه، وتكون معجزة له أمام بنى إسرائيل. ويظهر- والله أعلم- أن داود كافح وقاتل حتى خلص الملك من الأعداء فمدته كانت مدة حرب وجلاد، ولذلك كان مشغولا بعمل الدروع السوابغ، وفي أيام سليمان كان الهدوء مخيما على المملكة فكان سليمان ينتقل على بساطه الذي يحمله الريح

стр. 1922

ليشرف على أطراف المملكة الواسعة الأرجاء، والشعب كان مشغولا بالبناء والصناعة وتأسيس الدور والمعابد، ولذلك من الله عليه بإذابة النحاس له، وتسخير الجن يعملون له ما يشاء من محاريب، وتماثيل، وقصاع كالجوابى، وقدور واسعة ثقيلة لا تنقل بل هي راسيات كالجبال. وكانت الجن تعمل بين يديه ما يريده بإذن ربه، وهي مهددة فمن يزغ منهم عن أمر الله: يملّ عنه يذقه عذابا شديدا من عذاب السعير. فيا آل داود: هذه بعض نعم الله عليكم، وهي نعم سابغة كثيرة، ومن أعطى هذا فليعمل لله شكرا، وقليل من عباده الشكور، نعم قليل ما هم، فقليل من تصفو نفسه ويطهر قلبه، ويقابل الإحسان بالشكر والنعمة بالحمد «إن الإنسان لربه لكنود» . وخذوا أيها الناس العبرة من داود وسليمان، عبدا ربهما وشكرا وأخلصا فمن الله عليهما بالنعم التي لا تحصى، وأجرى على أيديهما المعجزات. فلما قضينا على سليمان بالموت، وحكمنا عليه به، ما دل الجن التي كانت تعمل مسخرة تحت أمره على موته إلا دويبة صغيرة كانت تأكل من عصاه فسقط على الأرض بعد موته بسنة- كما ورد-. فلما سقط تبينت الجن أمر موته، وتبين لهم وللناس أنهم لا يعلمون الغيب ولو أنهم يعلمونه لعلموا بموته ولما لبثوا في العذاب المهين الذي هم فيه، وهو عذاب التسخير، ومن هنا يمكننا أن نتبصر فيما يقال عن الجن وعلمهم الغيب حتى لا نكون فريسة لأوهام المضللين الفسقة. فاعتبروا يا أولى الأبصار بتلك القصص فإنها عبرة وعظة. قصة سبأ وسيل العرم [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٥ الى ٢١] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)

стр. 1923

المفردات: لِسَبَإٍ: قبيلة من قبائل العرب العاربة كانت تسكن بلاد اليمن، وتعتبر أصلا تفرع منها عدة فروع في الجزيرة سَيْلَ الْعَرِمِ: جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره كالسد ذَواتَيْ مثنى ذات أُكُلٍ بمعنى: مأكول خَمْطٍ: مر بشع، وقيل: كل شجر له شوك وليس له ثمر وَأَثْلٍ: نبات ينتفع بخشبه وليس له ثمر وسِدْرٍ: نوع من الشجر، قيل: له ثمر يؤكل وهو النبق، وقيل: لا ثمر له. ومنه الضار، وهو المراد هنا وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ: فرقناهم في البلاد الغريبة (سلطان) : من حجة في اتباعه.

стр. 1924

لما بين الله حال المؤمنين الأوابين بذكر قصة داود وسليمان بين هنا حال الكفار الضالين الذين قابلوا النعم بالعصيان، فكان جزاؤهم الحرمان. المعنى: لقد كان لسبأ في مساكنهم باليمن آية وعلامة على قدرة الله التي تحيى الأرض بعد موتها، والتي تخرج من الحبة شجرة يانعة الثمار ذات قطوف دانية، وهذه الآية جنتان عن يمين بلدهم وشماله، وليس المراد بستانين فقط، بل المراد نوعان من البساتين: نوع عن اليمين وآخر على الشمال، وبعض العلماء يفسر الآية في قوله: (آية جنتان) بأنها قصة السبئيين وأنهم قوم أنعم الله عليهم بالنعم ثم أعرضوا فأرسل الله عليهم ما أهلكهم وبدد شملهم، وفي هذا عبرة وعظة فهل من مدكر؟! والسبئيون قوم سكنوا بلاد اليمن وأسسوا مدنا عظيمة ذات حصون وقلاع وقصور شامخة، وقد أنعم الله عليهم بالخصب والمطر، وقد هداهم تفكيرهم إلى إقامة سد عال بين جبلين حجزوا به الماء في الوادي، وصرفوه بحكمة وهندسة، فأخصبت أراضيهم، وزرعوا الزروع، وأنشأوا الحدائق الفيحاء ذات الثمار الكثيرة، روى أنه كانت المرأة منهم تسير وسط الحدائق حاملة مكتلها- المقطف المصنوع من الخوص- فوق رأسها فلا تمضى في السير مدة حتى يمتلئ المكتل من الثمار المتساقطة من الشجر. اتسعت لديهم النعمة، وفاض عندهم الخير، فأكلوا من رزق ربهم، وتمتعوا بنعمه، وقيل لهم على ألسنة الرسل: اشكروا ربكم الذي أنعم عليكم!! وهذه الرقعة من الأرض- بلا شك- بلدة طيبة الثمار والهواء، كثيرة الخيرات والبركات، والمنعم بها عليكم رب غفور ستار يستر الذنوب، ويعفو عن السيئات. فكان أهل سبأ خلقاء أن يشكروا الله على نعمه، وأن يحمدوه على ما أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ورزقهم من الطيبات، ولكنهم لم يسيروا في الطريق المستقيم بل كذبوا وأعرضوا، وغرتهم الدنيا بزخارفها وغرهم بالله الغرور، كذبوا رسلهم وأعرضوا عن نصائحهم، فأراد ربك أن يذيقهم وبال أمرهم، وأن يريهم عاقبة كفرهم ليكونوا عبرة لغيرهم، وآية ناطقة لمن تحدثه نفسه أن يفعل فعلتهم ويسلك مسلكهم، فأرسل عليهم سيل العرم فتهدم السد، وتقوض البناء الذي كان يحجز المياه لهم لوقت

стр. 1925

الحاجة، ولم يستطيعوا أن يحجزوا السيول المتدفقة بل ضاعت سدى في وقت الفيضان في جوف الصحراء بعد أن هدمت مساكنهم وعاد الوادي قطعة من الصحراء الجرداء لا نبات به سوى أشجار لا تثمر إلا كل مر بشع، وأثل لا غناء فيه ولا نفع، ولم يبق إلا شيء من سدر قليل، فقد بدل الله أفراحهم أتراحا ونعيمهم بؤسا وسرورهم حزنا، وهربت العصافير والبلابل، وخلفتها البوم والغربان تصحيح فوق الخرائب والقصور المتهدمة. أما الأهلون الذين كانوا يرفلون في ثوب النعيم والاستقرار فقد نزحوا عن الديار، وتفرقوا في البلاد حتى ضرب بهم المثل فقالوا: (تفرقوا أيدى سبأ) . ذلك- أى: التبديل والانتقال من حال النعيم إلى البؤس- جزاء بما كانوا يعملون، فقد أعرضوا وكذبوا وكفروا بالله ورسله، فكان هذا، وهل نجازي إلا الكفور؟. فاعتبروا يا أهل مكة بهؤلاء!! وبعد أن كانوا آمنين مطمئنين ينتقلون بين قراهم ومدنهم المتجاورة الآمنة بلا مشقة ولا خوف للرحلة والنزهة والتجارة القريبة، فكانوا يسيرون فيها ليالي ذوات العدد، وأياما قليلة في أمان وهدوء، تعير الحال وتبدل، وقالوا كفرا وبطرا: ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم، فحق عليهم العذاب، وتمت كلمة ربك فيهم، وجعلناهم أحاديث للناس يضرب بهم المثل، ومزقناهم كل ممزق، وفرقناهم في صحراء العرب، فكان منهم الغساسنة في الشام، وقبائل أنمار في يثرب، وجذام في تهامة والأزد في عمان. إن في ذلك لآيات لكل صبار كثير الصبر على النعمة وغرورها، شكور لله على ما تفضل، فكثير من الناس أبطرتهم النعمة، وأضلهم المال وغرهم بالله الغرور، فاعتبروا يا أهل مكة، ولا يغرنكم بالله الغرور!! ولقد صدق عليهم إبليس ظنّا ظنه فيهم، فإنه قال: لأغوينهم جميعا، وقال لما طرد: لأحتنكن ذريته، أى: آدم إلا قليلا، فصدق ظنه فيهم، واتبعوه في إغوائه إلا فريقا منهم هم المؤمنون إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «١» . وما كان لإبليس عليهم من سلطان وحجة تتسلط عليهم، لكن كان ذلك لنعلم علم

стр. 1926

مشاهدة من يؤمن بالآخرة حقّا ممن هو في شك منها، وربك على كل شيء حفيظ، وقد قطع الله عليهم وعلى أمثالهم حجتهم في أن يقولوا: وماذا نعمل، وقد أغوانا الشيطان وأضلنا؟ لا. ما جعل الله لإبليس عليكم سلطانا فالعيب عيبكم، وقد حذر كم ربكم مرارا فلم ترجعوا عن غوايتكم.. مناقشة المشركين في اتخاذهم من دون الله آلهة شفعاء لهم [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٢ الى ٣٠] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)

стр. 1927

المفردات: مِثْقالَ ذَرَّةٍ: وزن ذرة ظَهِيرٍ: معين فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: من التفزيع، وهو إزالة الفزع والخوف عن قلوبهم أَجْرَمْنا: أذنبنا، من الجرم وهو الذنب يَفْتَحُ: يحكم، والفتاح: الحاكم لأنه يفتح طريق الحق ويظهره كَلَّا: كلمة ردع لهم كَافَّةً أى: مانعا لهم، من الكف وهو المنع، أو جامعا لهم، مأخوذة من الكف بمعنى الجمع، والتاء للمبالغة، والمراد: جامعا للناس في الإبلاغ. وهذا رجوع إلى خطاب الكفار والمشركين الذي مضى أول السورة بعد ذكر طرف من قصة داود وسليمان، وما أنعم الله به عليهما، وذكر قصة قوم سبأ، وفي هذا من آيات القدرة ما فيه، ومن دلائل تفرد الله بالوحدانية ما هو غنى عن البيان.. وهو خطاب توبيخ وتأنيب لهم، وخاصة بعد ما تقدم! المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين سواء السبيل: ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة، وسميتموهم آلهة، وزعمتم أنهم يستحقون أن يكونوا شركاء لله الواحد القهار، ادعوهم في السراء والضراء كما تدعون الله، والجأوا إليهم في الشدائد كما تلجأون إلى الله، وانظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون من الله الإجابة والرحمة. ولقد أجاب الحق- ﵎ عنهم بإجابة هي المتعينة وحدها- ولا يجيب منصف إلا بها- فقال ما معناه: إنهم لا يملكون شيئا أبدا، ولا يملكون وزن ذرة من خير أو شر في جميع جهات السموات والأرض، وما لهم في السموات كلها وفي الأرض جميعا من شركة في الخلق أو في الملك ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [سورة الكهف آية ٥١] . قل لهم: لا تسألون يوم القيامة عن أعمالنا وذنوبنا، ونحن لا نسأل عما تعملون، قل

стр. 1928

وليس لله منهم من ظهير ومعين، وكيف يكون غير ذلك؟! فبطل بهذا اتخاذهم الأصنام آلهة من دون الله حيث لا تملك نفعا ولا ضررا بل إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. وكانوا يقولون: نحن نتخذهم شفعاء لله يوم القيامة. فيرد الله عليهم أبلغ رد وأكده بقوله: ولا تنفع الشفاعة عنده يوم القيامة إلا لمن أذن له فيها، وهذا تكذيب بلا شك لقولهم: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» . وهل الإذن في الشفاعة يكون من السهولة واليسر كما يظن؟ لا بل هناك موقف شديد، وأمره عسير، يحول بين الإنسان ولسانه بل يجعله في غمرة من الخوف والفزع رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ، لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً «١» . كان الناس يتربصون ويتوقعون مدة من الزمن فزعين وخائفين حتى إذا فزع عن قلوبهم، وكشف عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يكلمها الرب جل شأنه- إذا حصل هذا- تباشروا بذلك وسرى عنهم وقالوا: قال القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن يشاء ويرضى، وهو الحق- ﵎ صاحب العلو والكبرياء ليس لملك ولا لنبي أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى. فانظروا يا آل مكة أين أنتم من هذا؟ وأين أصنامكم في هذا الوقت العصيب؟! عجبا لكم أيها المشركون! وأى عجب؟! تدعون من دون الله آلهة لا تنفع ولا تضر أى: قصدا، وإلا فإنها تضر قطعا، قل لهم يا رسول الله: من الذي يرزقكم من السموات والأرض؟! أمره بالإجابة عن هذا السؤال لأن هذه الإجابة هي المتعينة، ولأنهم لو أزيل عنهم كابوس الشرك، وغطاء العناد والكفر وخلّيت قلوبهم وحدها لقالوا: هو الله الرزاق ذو القوة المتين قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ؟!. [سورة يونس آية ٣١] . وانظر إلى أدب الخطاب، واستدراج الخصم لعله ينظر في حاله وحال من يجادله

стр. 1929

وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعد ما ساق من الآيات التي تدل على صدق قوله وفساد قول خصمه. قل لهم: لا تسألون يوم القيامة عن أعمالنا وذنوبنا، ونحن لا نسأل عما تعملون، قل لهم: سوف يجمع الله بيننا بالحق ثم يحكم بيننا بالعدل، وهو الحكيم العليم بأمور خلقه، فسيعطيهم جزاءهم وافيا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. عجبا لكم! قل لهم يا محمد: أرونى الذين ألحقتموهم بالله شركاء، وجعلتموهم لله أندادا، أرونى أين هم؟ وفي هذا توجيه لهم ولفت لأنظارهم لعلهم ينظرون إلى الحق فيتبعوه! كلا وألف كلا! وبعدا لرأيهم المجافى للحق والعدل! فليس الأمر كما زعمتم بل هو الله وحده، لا إله إلا هو العزيز لا يغلبه غالب، ولا يعجزه أحد في أرضه وسمائه، فهو الحكيم في كل أعماله، العليم بكل خلقه، سبحانه وتعالى عما يشركون، وأما أنت يا محمد فما أرسلناك إلا كافة للناس تمنعهم من الكفر والفسوق والعصيان، وتدعوهم جميعا إلى الإسلام، ولا عليك شيء بعد هذا أبدا فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف آية ٢٩] . ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا. ويقولون: متى هذا الوعد؟ إن كنتم أيها المسلمون صادقين في قولكم: إن الساعة آتية لا ريب فيها. قل لهم يا محمد: لكم ميعاد يوم معلوم عند الله، وأجل محدود بوقت معين، لا تستأخرون عنه ساعة، ولا تستقدمون لحظة، والأمر كله بيد الله. من مواقف المشركين [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٣] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)

стр. 1930

المفردات: مَوْقُوفُونَ: محبوسون وممنوعون اسْتُضْعِفُوا: هم المستضعفون اسْتَكْبَرُوا: هم المستكبرون من الرؤساء والمقدمين مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ المكر: الاحتيال والخديعة، والمراد مكركم في الليل والنهار أَنْداداً: جمع ند وهو النظير والشبيه والمثل وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ أى: أظهروها الْأَغْلالَ: جمع غل، وهو طوق من حديد يوضع في العنق فلا يفلت صاحبه. المعنى: روى أن المشركين سألوا أهل الكتاب عن صفة النبي عندهم، فقال أهل الكتاب: نعم إن صفته عندنا في كتبنا، فقال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن، ولن نؤمن بالذي بين يديه من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل، وكانوا قبل ذلك يرجعون إلى أهل الكتاب ويسمعون لقولهم في هذا. فانظر إلى اضطرابهم وتضارب آرائهم، وهذا موقف لهم في الدنيا. وفي الآخرة: لو ترى يا محمد هؤلاء الظالمين وقد وقفوا للحساب، ومنعوا من التحرك والانفلات، لو تراهم موقوفين عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول،
следующие страницы →