الثقيلة واسمها ضمير الشأن، واللام بعدها هي الفارقة لَتُرْدِينِ الإرداء: الإهلاك نِعْمَةُ رَبِّي: عصمته وتوفيقه الْمُحْضَرِينَ: الذين أحضروا العذاب وذاقوه.
ما مضى كان في شأن الكفار وجزائهم، وقد حكم الله عليهم بأنهم لذائقو العذاب الأليم، وما يجزون إلا بما كانوا يعملون.
لكن عباد الله المخلصين لهم جنات الخلد، فيها ينعمون بنعيم دائم مقيم، ولعل ذكر هؤلاء وهؤلاء وجزاء كل متجاورين أدعى للتأثير. وأبلغ في إظهار الفرق جليا للناس لعلهم يعتبرون.
المعنى:
إنكم أيها الناس لذائقو العذاب الأليم إلا عباد الله الصالحين في عبادتهم الذين أخلصهم الله لطاعته، وحباهم بتوفيقه وهدايته، أولئك لهم رزق معلوم كنهه، معروف بطيب الطعم والرائحة، وجمال المنظر وحسن المخبر، هذا الرزق المعلوم فسر «١» بالفواكه وهي كل ما يؤكل تلذذا ولا يؤخذ تقوتا إذ ليسوا في حاجة إلى ما يقيتهم.
وهذا الرزق المعلوم، والفواكه الطيبة يأكلها أصحابها في حال أنهم مكرمون ومعظمون، وهذا النعيم الروحي بعد النعيم الجسماني وليس أكمل عند النفس، ولا أفضل عند الإنسان من التكريم مع الإكرام. لا سيما إذا كان ذلك في جنات خلقت للنعيم المقيم، والمتاع الدائم.
وهم فيها على سرر متقابلون، والتقابل أتم للسرور، وآنس للنفس، فلا خصام ولا جدال، بل الوجوه متقابلة، والصدور منشرحة، وهم في مجالسهم يطاف عليهم بخمر في صحاف من ذهب، ويطوف بها عليهم غلمان كأنهم لؤلؤ مكنون، يطاف عليهم بخمر من معين، موصوفة بأنها بيضاء لذيذة للشاربين، هذه الخمر ليست كخمر الدنيا التي فيها السكر والعربدة، والقيء، وإثارة الشهوة الحيوانية، وهلاك النفس والمال وضياع الشرف والكرامة.
стр. 1997
خمر الآخرة لا فيها غول، ولا هم ينزفون، ما أروع هذا التعبير وما أبلغه!! خمر الآخرة ليس فيها فساد، ولا هلاك للنفس، وللعقل، وللمال، ولا للشخصية، أى:
لا فيها غول، وليس هم لأجلها ينزفون، أى: لا تذهب الخمر عقولهم، ولعل إفراد هذا بالذكر مع أنه داخل في عموم قول: لا فيها غول دليل على أن فساده كثير، وخطر ضياع العقل كبير، حتى كأنه جنس يستحق الذكر برأسه.
وعندهم زوجاتهم قاصرات الطرف، قد قصرن أبصارهن عليهم فلا يمددن طرفا إلى غيرهم، فهن عرب- متحببات إلى أزواجهن- أتراب، عين، واسعات العيون والأحداق ومع هذا فهن قاصرات الطرف، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، كأنهن البيض المكنون في البياض والصفاء، والحفظ والنقاء.
يطاف عليهم بخمر كأنها النهر فيشربون ويتحادثون كما هي عادة المجتمعين للشرب.
فأقبل بعضهم على بعض يتجاذبون أطراف الحديث يتساءلون عما جرى لهم في الدنيا، وما أحلى الذكرى عند فراغ البال، ورفاهية الحال.
ماذا قالوا؟ قال قائل منهم في أثناء حديثه: إنى كان لي قرين في الدنيا يقول موبخا ومؤنبا لي على ما كنت عليه من الإيمان والتصديق بالبعث يقول: أإنك لمن المصدقين بيوم القيامة؟ أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما نبعث؟ أإنا لمدينون، أى: لمبعوثون مجازون؟ وهكذا يقول الكفار! قال ذلك القائل الذي كان له قرين يعترض عليه لأنه آمن قال لجلسائه: هل أنتم مطلعون «١» على أهل النار لأريكم هذا القرين ومآله، فاطلع على أهل النار من كوة أو على كيفية- الله أعلم بها- فرآه- أى: القرين- في وسط الجحيم يتلظى بالنار المسعرة التي وقودها الناس والحجارة، وبئس القرار.
وماذا قال له؟ قال لقرينه: تالله إن كدت وقاربت لتردينى وتهلكني بما كنت تفعله معى، ولولا نعمة ربي وتوفيقه وهدايته لكنت من المحضرين للعذاب كما أحضرت أنت وأحزابك.
أفما نحن بميتين إلا بموتتنا الأولى «٢» وهذا رجوع إلى محاورة جلسائه ابتهاجا بما منحه
стр. 1998
الله من فضل، وما أجزله له من عطاء، وتعريضا بالقرين، وعبرة وعظة للناس أجمعين، أنحن مخلدون في الجنة فما نحن بميتين أبدا إلا موتتنا الأولى التي حصلت في الدنيا، وما نحن بمعذبين كأصحاب النار؟!! إن هذا- النعيم الدائم المقيم وهذا الفضل العظيم- لهو الفوز العظيم الذي يستحق ذلك الاسم الكريم، لمثل هذا الأمر الجليل ينبغي أن يعمل العاملون، ويطلب الطالبون لا أن يعمل الناس للدنيا الفانية والأعراض الزائلة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وهذه هي جهنم مأوى الظالمين [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٢ الى ٧٤]
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)
المفردات:
نُزُلًا: هو الرزق الواسع، وذكر الراغب: ما يعد للنازل من الزاد شَجَرَةُ الزَّقُّومِ التزقم: هو البلع مع الجهد والألم للأشياء الكريهة الرائحة فِتْنَةً: ابتلاء
стр. 1999
أو عذابا أَصْلِ الْجَحِيمِ: قعر جهنم طَلْعُها الطلع: اسم لثمر النخلة أول بروزه، وإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز لَشَوْباً الشوب: الخلط، يقال: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما حَمِيمٍ الحميم: الماء الحار يُهْرَعُونَ الإهراع: الإسراع برعدة كهيئة الهرولة، يقال: جاء فلان يهرع إلى النار: إذا استحثه البرد إليها، فهذا الفعل ملازم للبناء للمجهول.
المعنى:
قل يا محمد لقومك- على سبيل التوبيخ والتبكيت والتهكم-: أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم؟ والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غير ذلك المعلوم في جنات النعيم الذي مضى ذكر طرف منه وكانت نهايته اللذة والسرور، أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم التي هي طعامه الظلمة الآثمين، والتي نهايتا الألم والحزن، وبعبارة واضحة: إن الرزق المعلوم- الذي مضى وصفه- نزل أهل الجنة. والشجرة الملعونة شجرة الزقوم نزل أهل النار، فأيهما خير في كونه نزلا..؟!
إنا جعلنا شجرة الزقوم ذات الرائحة الكريهة والطعم المر البشع جعلناها فتنة للذين كفروا حيث قالوا: كيف تكون شجرة تنبت في قعر جهنم وبين النار المحرقة ورطوبة النبات بون شاسع؟ وجعلها ربك عذابا لهم في الآخرة، وأى عذاب أشد من هذا؟
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم ثمرها كأنه رءوس الشياطين في تناهى القبح والهول وفظاعة المنظر وبشاعته «١» .
فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون على بشاعتها وسوء طعمها وقبح مذاقها، ثم إن لهم بعد ذلك لشرابا مخلوطا بالحميم.
ويقول الكشاف ذاكرا الحكمة في الإتيان بثم هنا: إنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع فجاء بثم للدلالة على تراخى حال الشراب عن حال الطعام. أى أن حال الشراب كانت أشد فظاعة وألما، ثم إنهم بعد ذلك كله مرجعهم ومأواهم لإلى الجحيم المهيأ لهم نزلا جزاء بما كانوا يعملون.
стр. 2000
ولقد علل القرآن استحقاقهم ما ذكر بتقليد الآباء في الدين من غير أن يكون لهم وجه حق إذ قلدوهم في الباطل بدون دليل أو حجة، وقد كان آباؤهم في ضلال مبين فهم على آثار آبائهم يهرعون ويسيرون بسرعة شديدة كأنهم مساقون بسياط من نار.
ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين في الأمم السابقة، ولقد أرسلنا فيهم أنبياء منذرين أنذروهم سوء العاقبة فانظر كيف كان عاقبة المنذرين؟ فلقد أهلكوا إهلاكا تامّا لما كفروا وكذبوا، لكن عباد الله المخلصين الذين أخلصهم الله له بتوفيقهم إلى الخير والإيمان هم على صراط مستقيم، ولهم جزاء الخلد جزاء بما كانوا يعملون.
من قصة نوح [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
المفردات:
نادانا: المراد من النداء الاستغاثة الْكَرْبِ: الغم الشديد
المعنى:
وهذا تفصيل لما أجمل سابقا ببيان أحوال بعض المنذرين مع بيان حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المشركين، وبدأ بقصة نوح لأنه أول الأنبياء أولى العزم، وأبو البشر بعد آدم.
стр. 2001
وتالله لقد نادانا نوح واستغاث بنا، ودعا على قومه بالهلاك حيث قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً وذلك بعد كثرة دعائه لهم إلى الإيمان فلم يزدهم إلا فرارا، فأجابه إلى طلبه أحسن الإجابة فو الله لنعم المجيبون نحن ونجيناه وأهله الذين آمنوا من الغم والكرب العظيم، والمراد نجيناهم من الغرق قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ وجعلنا ذريته هم الباقين الناجين، وتركنا عليه في الأمم التي جاءت بعده الثناء الحسن وهو سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ أى تركنا عليه هذا الكلام بعينه، والمراد أبقينا له دعاء الناس له أمة بعد أمة.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وهذا تعليل لما ذكر من أنه من استحق الثناء والدعاء له من الأمم كلها، بكونه- ﵇ من زمرة المعروفين بالإحسان، وإحسان نوح مجاهدته أعداء الله- تعالى- بالدعوة إلى دينه والصبر الطويل على الأذى في سبيل الله.
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وهذا تعليل لكونه- ﵇ من المحسنين بوصفه بخالص الإيمان وكمال العبودية، ونجيناه وأهله، ثم أغرقنا الآخرين المغايرين لنوح- ﵇ في الإيمان فاعتبروا بذلك يا أولى الأبصار لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ.
من قصة إبراهيم ﵇ [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ١٠١]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)
стр. 2002
المفردات:
شِيعَتِهِ شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم متشيعون له ثم صارت بعد موت سيدنا على بن أبى طالب تطلق على جماعة خاصة جاءَ رَبَّهُ: حقيقة المجيء بالشيء نقله من مكانه والمراد هنا جاء ربه سليم القلب «١» أَإِفْكاً الإفك: أسوأ الكذب سَقِيمٌ: مريض وعليل فَراغَ مال في خفية روغان الثعلب يَزِفُّونَ: يسرعون المشي والزفيف والإسراع الْجَحِيمِ: النار الشديدة كَيْداً: شرّا.
المعنى:
وهذه قصة إبراهيم- ﵇ أبى الأنبياء جاءت بعد قصة نوح الأب الثاني للبشر، ومما يزيد المناسبة حسنا أن نوحا نجاه الله من الغرق، وإبراهيم نجاه الله من النار، وكذلك ينجى ربك المؤمنين، وإن ممن شايع نوحا وتابعه في الأصول العامة للشريعة، وإن اختلفا في الأحكام الفرعية لإبراهيم الخليل.
стр. 2003
اذكر وقت أن جاء ربه بقلب سليم من كل سوء ومكروه، جاءه مخلصا صادقا إيمانه، كأنه جاء بتحفة من عنده لربه، فاستحق المثوبة والجزاء.
إذ قال في هذه الحالة لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه؟ أنكر عليهم عبادتهم للأصنام ولا غرابة في إنكار إبراهيم هذا بعد قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ فقال: أإفكا آلهة دون الله تريدون «١» ؟! أى أتريدون آلهة دون الله لأجل الإفك والكذب على الناس؟ أتتخذون آلهة من دون الله الواحد القهار لأجل الإفك والكذب..؟
فما ظنكم برب العالمين إذ عبدتم غيره؟ أتظنون أنه يترككم بلا عقاب شديد جزاء على عملكم هذا القبيح؟: لا..
وقد كان إبراهيم- ﵇ كثير التأمل في ملكوت الله فنظر نظرة تفكر في النجوم: من خلقها؟ وكيف تسير؟ ومن حركها؟ وأين هي في النهار؟ هذا هو نظر إبراهيم للنجوم ليتوصل بذلك إلى إدراك بعض الواجب نحو خالق السماء والنجوم وفاطر السموات والأرض.
فقال لقومه: إنى سقيم ومريض، ولست مستريحا إلى عبادتكم للأفلاك والنجوم وهذه الأصنام والأوثان، أما قومه فحين حاجهم إبراهيم تولوا عنه مدبرين ورموه بالإفك والبهتان العظيم، فقصد آلهتهم في الخفاء، وراغ إلى أصنامهم قاصدا التعرض لها ليكلموه في شأنها، ويعلمون بالدليل أنها أحجار وخشب لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى ولا تنفع.
وقد كانوا يأتون بالطعام إلى آلهتهم لتأكل وتبارك لهم فيه، ويظهر أن السدنة كانت تأكل بعضه فيظنون أن الآلهة أكلت.
أما إبراهيم فذهب إلى الآلهة وأمامها الأكل فقال: ألا تأكلون!! ما لكم لا تنطقون؟
عجبا لكم أى شيء دهاكم حتى منعكم من الكلام؟ فلما لم يحصل منهم أكل ولا جواب عن سؤال مال عليهم ضاربا ضربا بالقوة والشدة.
стр. 2004
فأقبلوا إليه مسرعين المشي لما سمعوا بالذي حصل من إبراهيم قائلين له: نحن نعبدها ونقدسها، وأنت تضربها وتكسرها؟!: إن هذه لجرأة منك شديدة! قال لهم موبخا: أتعبدون ما تنحتونه بأيديكم، وتصنعونه على أعينكم من حجارة أو خشب، وتتركون عبادة الله الذي خلقكم وسواكم وعد لكم في أحسن صورة وهو الذي خلقكم والمادة التي تعملون منها الأصنام؟!.
قالوا بعد أن تشاوروا في أمره: ابنوا له بنيانا واسعا تملأونه حطبا كثيرا، وأضرموا فيه النار، فإذا التهبت فألقوه في تلك النار المسعرة، فأرادوا به كيدا وسوءا باحتيال منهم ومكر فجعلهم ربك من الأسفلين الأذلين حيث أبطل كيدهم ورده في نحورهم، وجعله دليلا على صدق إبراهيم، ودليلا على علو شأنه حيث جعلت النار المحرقة بردا وسلاما عليه.
وقال إبراهيم لما نجا من كيدهم: إنى ذاهب إلى ربي يهديني إلى ما فيه صلاح ديني ودنياى، رب هب لي ولدا من الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة. ويؤنسني في الغربة والمجاعة. فبشرناه بغلام حليم..
قصة الذبيح [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٠٢ الى ١١٣]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
стр. 2005
المفردات:
السَّعْيَ: الحد الذي يسعى فيه مع أبيه في تحصيل المعاش وَتَلَّهُ: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض، وأصل التل: الرمي على التل الذي هو التراب المجتمع، ثم استعمل في كل صرع لِلْجَبِينِ والجبين: أحد جانبي الجبهة، بين جبينين، واللام لبيان ما صرع عليه، كقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وكقول الشاعر: وخر صريعا لليدين وللفم- بِذِبْحٍ: بحيوان يذبح.
المعنى:
دعا إبراهيم ربه قائلا: رب هب لي غلاما من الصالحين، فقبل الله دعاءه واستجاب له، وبشره بغلام كريم الخلق حليم- على لسان الملائكة فوهبناه له، ونشأ كما ينشأ الغلمان فلما «١» بلغ درجة أن يسعى مع أبيه في أشغاله، وتحصيل معاشه قال له أبوه:
إنى أرى في المنام أنى أذبحك، ورؤيا الصالحين من عباد الله قبس من نور الله، ورؤيا الأنبياء وحى من السماء لا ينكر، وقد رأى إبراهيم الخليل في منامه أنه يذبح ابنه. وأول رؤياه على هذا، وكان ذلك الولد عزيزا على أبيه لأنه فلذة كبده وإنسان عينه، وقد جاء من الله بعد الدعاء وبشارة الملائكة به فكان له مزيد فضل، وعلو كعب، ومع ذلك فقد صدع إبراهيم لأمر ربه، وعرض الأمر على ابنه الوحيد ليرى ماذا يرى؟ فقال ابنه: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، وهنا تبرز أمام الإنسان معاني الإيمان الصادق والاستسلام الحق والصبر والرضاء بالقضاء والقدر؟
стр. 2006
يؤمر أب بذبح ابنه فيمتثل الأب والابن فَلَمَّا أَسْلَما أى: استسلم الأب ورضى الابن، إن هذا لعجيب!! وليس بالكثير على إبراهيم الخليل وابنه الصابر صادق الوعد الأمين.
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى «١» قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
فلما أسلما وخضعا لله وانقادا لأمره، وصرع الأب ابنه على الجبين، وأمرّ السكين على الودجين فلم تقطع ولم تكسر، وأعادها مرارا فلم تزد إلا كلالا، وتعجب إبراهيم من هذا، وضجت ملائكة السماء وأتى الله بالفرج القريب، فنادى إبراهيم ملك من قبل الحق- ﵎ أى: إبراهيم كفى كفى!! قد صدقت الرؤيا، وقمت بالواجب عليك وبذلت جهدك، وأتيت بما في وسعك (قد حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك) انتهى من القرطبي.
فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فديناه بكبش سمين وخلصناهما من الشدة والكرب الشديد، لماذا؟ إن ربك يجزى المحسنين جزاء مثل هذا الجزاء، وقد أحسنا حيث امتثلا الأمر في بذل النفس على صورة رائعة لا يقبلها إلا أولو العزم من الرسل، إن هذا لهو البلاء المبين، وأى بلاء أشد من أن تؤمر بذبح وحيدك فتمتثل صابرا محتسبا أجرك عند ربك؟! وفديناه بذبح عظيم.
روى أنه كان كبشا نزل من الجنة فذبحه إبراهيم وهلل وكبر
وتركنا عليه في الأمم الآخرة ثناء حسنا وذكرا عاطرا- وسلام على إبراهيم- مثل ذلك أى: بقاء الذكر العاطر فيما بين الأمم نجزى المحسنين، وهذا لأنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق حالة كونه نبيا من الصالحين.
ومن هنا شرعت الأضحية في عيد الأضحى، عيد الفداء، وذكر إتمام النعمة وظهور كلمة الإسلام، والقضاء على الشرك والظلم والبهتان، ولم يكن ذلك كله إلا
стр. 2007
بعد التضحية من الرسول وصحبه بالنفس والنفيس، وفداء العقيدة والدعوة بالوطن والنفس والمال والجهاد في سبيل الله.
فهيا بنا نحن أمة الإسلام، وأتباع محمد ﷺ نعاهد الله على الجهاد في سبيله وفي سبيل دعوته، باذلين كل مرتخص وغال في إحقاق الحق وإزهاق الباطل وفي سبيل نشر علم الإسلام على حصون الظلم والطغيان.
هيا بنا نجاهد ونجاهد في سبيل القرآن وإعادة مجد الإسلام حتى يكون الدين كله لله وكفى بالله شهيدا.
وباركنا على إبراهيم وعلى إسحاق فكان منهما الأنبياء والملوك والحكام، وكان من ذريتهما محسن في عمله، وظالم لنفسه ظلما مبينا، ومن هنا كان النسب لا أساس له في الهدى والضلال.
بقيت مسألة: من هو الذبيح أهو إسحاق أم إسماعيل؟ في الواقع الآيات القرآنية بعد ما ساق قصة الذبيح قال: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين فهذا يدل على أن الذبيح غيره، وهو إسماعيل، وبعض العلماء يرى أنه إسحاق، ويستدل على ذلك بأن إبراهيم دعا ربه أن يهب له غلاما صالحا حين فارق قومه وهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط والله يقول: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [مريم ٤٩] والفداء كان للغلام الذي بشر به، والذي بشر به هو إسحاق: وبشرناه بإسحاق، ويظهر أن إسحاق كان أكبر من إسماعيل، وأن البشارة كانت قبل إسماعيل، وبعضهم يرى الرأى الأول. والله أعلم بكتابه، والخطب سهل.
طرف من قصة موسى وهارون [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٢٢]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)
стр. 2008
المعنى:
بعد ذكر نجاة إسماعيل من الذبح، وخلوص إبراهيم من البلاء الذي نزل به ظافرا بالرضا ممتثلا أمر ربه الكريم.
ذكر: ما من به على موسى وهارون وتالله لقد مننا عليهما بالنبوة وآتيناهما الحكمة، ونجيناهما وقومهما من الكرب والخسف وسوء العذاب الذي كان ينالهم من فرعون وملئه، فقد كان يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين، وقد أراد الله أن يمن على بنى إسرائيل الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم الوارثين، فنصرهم على عدوهم، وكانوا هم الغالبين، وآتينا موسى وهارون التوراة كتابا بينا ظاهرا فيه الحق الذي لا تحريف فيه ولا بهتان، وأبقينا عليهما في الآخرة ثناء حسنا- سلام على موسى وهارون- وذاك لأن ربك يجزى المحسنين جزاء حسنا مثل ذلك، وقد كان موسى وهارون من المحسنين لأنهما من عبادنا المؤمنين.
طرف من قصة إلياس [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٣٢]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
стр. 2009
المفردات:
إِلْياسَ: نبي من أنبياء بنى إسرائيل بَعْلًا: اسم صنم، وقيل: البعل الرب، ومنه بعل المرأة لزوجها وَتَذَرُونَ: تتركون إِلْ ياسِينَ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا مثل: ياسين وإلياس وإلياسين، كل ذلك شيء واحد.
المعنى:
وإن إلياس لنبي وإنه لمن المرسلين إلى قومه بنى إسرائيل، واذكر إذ قال لقومه: ألا تتقون الله ربكم، وتخافون يوما يجعل الولدان شيئا، أتدعون ربا غيره، وتتركون الله ربكم الذي هو أحسن الخالقين؟ وليس هناك خالق سواه يستحق العبادة والتقديس:
وهو الله ربكم وخالقكم، وخالق آبائكم الأولين. ومن كان كذلك فلا إله غيره، ولا معبود سواه.
فكذبوه وكفروا به وبرسالته فكان جزاؤهم أنهم محضرون في جهنم يذوقون العذاب الأليم، لكن عباد الله المخلصين الذين أسلموا لله رب العالمين، وآمنوا بالرسل الأكرمين لهم جنات الخلد، فيها ينعمون وبظلها يتمتعون.
وأبقينا عليه الثناء الجميل الذي هو- سلام على إل ياسين- وفي قراءة «آل ياسين» فكأنه- والله أعلم- جعل اسمه إلياس وياسين، وسلّم على آله، أى: أهل دينه ومن اتبعه بالحق، وإذا سلم على آله فالسلام عليه من باب أولى.
ثم ذكر في تعليل هذا الإكرام قوله: إنا كذلك نجزى المحسنين، وقد كان إلياس من المحسنين لأنه كان من عبادنا المؤمنين، وسلام الله ورحمته وبركاته عليهم أجمعين.
стр. 2010
ذكر طرف من قصة قوم لوط [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٨]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
المعنى:
وهذا لوط من المرسلين الذين أرسلوا لقومهم يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويهدونهم الطريق المستقيم فكذبوا وأوذوا حتى غضب ربك على القوم الكافرين فأمطرهم بعذاب من عنده، وإن عذاب ربك لشديد، واذكر إذ نجينا لوطا ومن معه من المؤمنين نجيناه وأهله أجمعين إلا امرأته وكانت عجوزا في عداد القوم الغابرين الهالكين. ثم دمرنا الآخرين الذين كذبوا وعصوا أمر ربك، وهذه ديارهم وآثارهم شاهدة عليهم، وإنكم لتمرون عليهم صباحا ومساء بالنهار وبالليل.. أفلا تعقلون أيها المشركون من قريش؟ أفلا تتعظون بما حل بغيركم؟!.
قصة يونس ﵇ [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٨]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)
стр. 2011
المفردات:
أَبَقَ
: هرب بلا إذن، ومنه: عبد آبق الْمَشْحُونِ
: المملوء فَساهَمَ
: قارع أهل السفينة، من المساهمة وهي الاقتراع الْمُدْحَضِينَ
:
المغلوبين بالقرعة مُلِيمٌ في كتب اللغة: ألام الرجل: أتى بما يلام عليه، أو مليم نفسه فَنَبَذْناهُ: ألقيناه بِالْعَراءِ: بالساحل سَقِيمٌ: عليل يَقْطِينٍ اليقطين: شجرة الدباء حِينٍ: إلى مدة وأجل معلوم.
لقد ذكر يونس بن متى في القرآن الكريم أربع مرات باسمه، وذكر بوصفه مرتين: في سورة الأنبياء وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [الآية ٨٧] وفي سورة القلم وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [الآية ٤٨] .
المعنى:
وإن يونس بن متى لمن المرسلين إلى أهل نينوى، اذكر وقت أن أبق إلى الفلك المشحون بعد أن ذهب مغاضبا قومه لأجل ربه.
وإن ليونس مع قومه قصة تتلخص في أنه أرسل إليهم، ودعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام، ولكنهم لم يستجيبوا لقوله، ولم يسمعوا لأمره، فشق عليه ذلك، وامتلأ قلبه غضبا وغيظا من مواقف قومه، فرحل عنهم مغاضبا لقومه يائسا من إيمانهم، وأبق قاصدا الهروب منهم والبعد عنهم فلما وصل إلى شاطئ البحر وجد سفينة مملوءة بالناس فركب معهم ولما جاوز الساحل هاجت الأمواج، واصطلحت على السفينة
стр. 2012
الرياح، وتوقع الراكبون سوء المصير، فاضطرب القوم، واشتوروا فيما يصنعون، ثم اتفقوا على الاقتراع فيلقون بمن تقع عليه القرعة، فساهم الجميع، ووقع السهم على يونس، فعز عليهم إلقاؤه في البحر، تكريما لشأنه وعرفانا لفضله، فعادوا للمساهمة مرة ثانية وثالثة فيقع السهم على يونس وحده وأنه سيكون من نصيب البحر حتى تخف السفينة براكبيها فتسير.
ولما تحقق يونس من هذا أنه اقترف شيئا يغضب الله لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وأدراك أن تركه قومه، وعدم صبره على أذاهم، وخروجه بلا إذن عمل ما كان ينبغي أن يكون فألقى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، وهو مليم نفسه على ما فرط منها.
وأوحى الله إلى الحوت أن يبتلعه وظل في جوفه في ظلمات ثلاث، ولقد امتدت يد العناية الإلهية به فكان محفوظا ينادى الله ويدعوه، ويسبحه ويرجوه فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [سورة الأنبياء آية ٨٧] ، فاستجاب الله دعاءه وأوحى إلى الحوت فألقاه على الساحل، وتلقته العناية وأنبتت عليه شجرة من يقطين، قيل: هي الدباء، أى: القرع.
ثم أرسله ربك إلى مائة ألف أو يزيدون وهم أهل نينوى على الصحيح، فآمنوا به وصدقوا برسالته، وتركوا عبادة الأصنام فمتعهم ربك إلى حين معلوم وأجل محدود هو مدة بقائهم في الدنيا، أو مدة إيمانهم والتجائهم إلى الله في كل أمورهم.
وهكذا كل أمة آمنت بربها فنفعها إيمانها وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [سورة هود آية ٣] .
نقاش المشركين في عقائدهم [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٧٠]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)
стр. 2013
المفردات:
فَاسْتَفْتِهِمْ: استخبرهم واطلب منهم الفتيا أَمْ معناها بل- الإضرابية- مع همزة الاستفهام إِفْكِهِمْ الإفك: أشد أنواع الكذب أَصْطَفَى: اختار، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء. سُلْطانٌ: حجة قوية. الْجِنَّةِ: الملائكة وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار نَسَباً: مصاهرة وصلة بِفاتِنِينَ: بحاملين على الفتنة والإضلال صالِ الْجَحِيمِ يقال: صلى النار يصلاها: دخلها واحترق بها.
هذه السورة مكية ناقشت المكيين في عقائدهم وخاصة إثبات التوحيد ونفى الشركة، وإثبات البعث يوم القيامة، وساق الله فيها البراهين القاطعة على ذلك، وبين
стр. 2014
ما يلاقيه الإنسان من خير أو شر يوم الجزاء، وما أعد للمؤمنين من النعيم المقيم، ثم ذكر- سبحانه- أنه قد ضل من قبلهم أكثر الأولين، وأنه أرسل إليهم منذرين، ثم أورد قصص بعض الأنبياء- ﵈ بشيء من التفصيل متضمنا كل منها ما يدل على فضلهم وعبوديتهم له- وما أعد لهم.
ثم أمر الله نبيه ﷺ هنا- في ختام السورة- بتبكيتهم بطريق الاستفتاء عن كل شيء تنكره العقول، وتأباه الطباع وهو القسمة الجائرة الباطلة حيث كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وذلك أن قبائل جهينة وخزاعة. وبنى مليح. وبنى سلمة.
وعبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ؟ «١» كيف يكون ذلك منهم؟ والحال أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم! يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ويقول: والله ما هي بنعم الولد- الولد يطلق على الذكر والأنثى- أيمسكه على هون وذل أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون! فهم يجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار، وأنهم قوم مفرطون.
بل أخلقنا الملائكة إناثا؟ وهم حاضرون ذلك؟ وهذا تبكيت وإنكار لهم حيث وصفوا الملائكة وهم قوم أطهار- عباد بالليل والنهار- بأنهم إناث، فهم لا دليل لهم على ذلك إلا الحضور وقد نفى، أما الأدلة العقلية أو النقلية فلا تحتاج إلى بطلان.
ألا إنهم من كذبهم وإفكهم الباطل ليقولون: ولد الله وإنهم لكاذبون في هذه الدعوى إذ ليس لها مصدر إلا الإفك الصريح والافتراء القبيح من غير دليل أو شبهة.
أصطفى البنات على البنين؟ عجبا لكم كيف تقولون إن البنات أولاد الله، وكيف يصطفى البنات على البنين؟ وما لكم كيف تحكمون بهذا الحكم الذي تشهد ببطلانه بدائه العقول؟!.
أتلاحظون ذلك فلا تتذكرون بطلانه؟ مع أن من له أدنى مسكة من عقل ينكره.
بل ألكم سلطان مبين؟ وهذا إضراب انتقالي من توبيخهم وتبكيتهم بما ذكر إلى
стр. 2015
مطالبتهم بالحجة المنقولة على ما يدعون من أن الملائكة بنات الله إذ الحكم المقبول لا بد له من سند حسى أو عقلي أو نقلي، وقد انتفى حضورهم ومشاهدتهم خلق الملائكة إناثا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ ولا دليل لهم عقلي يؤيد دعواهم أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ؟ فلم يبق إلا الحجة المنقولة فإن كانت فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين، والأمر هنا (فأتوا) للتعجيز، كقولك: اصعد السماء.
روى أن بعض كفار قريش لما قالت: الملائكة بنات الله قال لهم أبو بكر- على سبيل التبكيت والإنكار-: فمن أمهاتهم؟ فقالوا: بنات سروات الجن، فنزل قوله تعالى وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
وقد كان الخطاب معهم فالتفت يتكلم عنهم (بالغيبة) للإشارة إلى انقطاعهم عن الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب، وعلى ذلك فالمراد بالجنة هم الشياطين، وبالنسب المصاهرة، ولعل المراد بالجنة هم الملائكة وبالنسب النسبة له- حيث قالوا: هم بنات الله.
وبالله لقد علمت الجنة: أن من يقول ذلك لمحضرون، وفي عذاب جهنم مخلدون فانظروا أين أنتم يا كفار مكة؟
سبحان الله، وتنزيها له عما يصفون! سبحانه وتعالى عما يشركون، وتقديسا له وتنزيها عما يدعيه المبطلون المفترون!! إن من يشرك بالله لفي جهنم محضرون إلا عباد الله المخلصين الذين أخلصوا لله في عبادتهم واصطفاهم ربهم فأخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، أولئك في الجنة لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [سورة ص الآيتان ٨٢، ٨٣] .
إذا علمتم هذا فإنكم أيها المشركون ومن عبدتموهم ما أنتم على الله- بفاتنين، على معنى: ما أنتم ومعبودكم مفسدين أحدا على الله- بإغوائكم إلا من سبق في علم الله- تعالى- أنه ممن يدخلون النار ويصلونها، وبئس القرار، فالأمر كله لله، وقد ترك للعبد حرية الاختيار ليجازيه على عمله بالحسنى أو بالنار.
أما الملائكة الذين تدعون أنهم بنات الله أو تشركونهم مع الله فها هو ذا اعترافهم الصريح، وها هو ذا موقفهم مع الحق- ﵎ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ
стр. 2016
مَعْلُومٌ
في العبادة لا يتعداه، وأما نظام الكون، وتدبير العالم فموكول إلى الله وحده لا شريك له، ونحن لنا حد لا نتجاوزه، ولا نستطيع أن نتعداه خضوعا واستسلاما لقضائه وتواضعا لجلاله، فمنهم الراكع لا يقيم صلبه، ومنهم الساجد لا يرفع وجهه، ولكل منهم مقام معلوم في العبادة لا يتعداه، والله يحكى عنهم أنهم الصافون أنفسهم للعبادة فلا يتقدم أحد ولا يتأخر عن صفته، ومن هنا كانت تسوية الصفوف في الصلاة من إقامتها، وأنهم هم المسبحون والمنزهون الله عما وصفه المشركون، وها هو ذا إقرار الملائكة عن أنفسهم فكيف تعبدونهم أو تقولون: إنهم بنات الله؟! وكان المشركون قبل بعثة النبي ﷺ إذا عيروا بأنهم أميون جهلاء قالوا: لو أن عندنا ذكرا من الأولين، أى لو بعث لنا رسول لكنا أول المؤمنين، فلما جاءهم ما تمنوه كفروا به فسوف يعلمون عاقبة ذلك، يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم من الشرك خالص من الوثنية.
تقوية العزائم [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧١ الى ١٨٢]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
стр. 2017
المفردات:
كَلِمَتُنا: وعدنا وَأَبْصِرْهُمْ: دلهم وأخبرهم عن أشياء كأنها مرئية بِساحَتِهِمْ: بدارهم والساحة في اللغة: فناء الدار الواسع.
المعنى:
لما هدد الله الكفار، وأوعد المشركين وأنذرهم بسوء العاقبة أكد بما يقوى قلب النبي ﷺ وجنده ويشد من عزيمته هو وصحبه.
وتالله لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، وبالله سبق وتحقق وعدنا لهم بالنصر والغلبة حيث يقول الحق- ﵎: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «١» .
وما المراد بالوعد المدلول عليه بقوله: كلمتنا؟ هو: إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون «٢» والنصرة والغلبة تكون بالحجة والبرهان، أو بالسيف والسنان، وإقامة الدولة وكمال السلطان، فالمؤمن وإن غلب في بعض الأوقات بسبب بعده عن دينه، وضعف نظامه العام وسلوكه في دولته فهو الغالب بالحجة والبرهان، على أن الله يتكلم عن المسلمين حقا الحاكمين بكتابه العاملين بسنة رسوله المتمسكين بما يدعو إليه الدين والقرآن من العمل والجد والنشاط والاستعداد بدليل إضافة الجند له- هؤلاء المنصورون وهم الغالبون، وعلينا أن ننظر أين نحن من هؤلاء! وإذا كان الأمر كذلك يا محمد فتول عن الكفار إلى حين، وأعرض عنهم إلى زمن معلوم، وأبصرهم مما ينزل عليهم من العذاب كالقتل والأسر، وبصرهم عاقبة ذلك وأرشدهم إلى أن هذا واقع لا محالة حتى كأنه مشاهد محسوس يدرك بالبصر، أبصرهم فسوف يبصرون كل ما وعدتهم به.
وقد كانوا يستعجلون العذاب الذي يهددهم به الله- فيرد الله عليهم بقوله: أفبعذابنا يستعجلون؟
стр. 2018
فإذا نزل العذاب- الذي هو كالجيش الزاحف- بساحتهم وحل بدارهم فبئس الصباح صباح المنذرين بهذا العذاب، وخص الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه والغارات والهجوم على الأعداء يكون فيه، وتول عنهم حتى حين، وأبصر فسوف يبصرون.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين.
وهذا أدب رباني، وختام إلهى لتلك السورة التي نفت عن الله- الصاحب والشريك والولد والقرين حتى يتأدب المسلمون بهذا، ويتحلون به في ختام جلائل أعمالهم
فقد ورد عن على- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر جلسته حين يريد أن يقوم سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
إلى آخر السورة.
وهذه الآيات تشتمل على تنزيه الله وتقديسه عن كل ما لا يليق به (سبحانه) ووصفه بكل ما يليق به من جلائل الصفات، وسمات الجلال (رب العزة) فإن الربوبية تشير إلى التربية مع الحكمة والرحمة والفضل والنعمة، والعزة إشارة إلى كمال القدرة والعلم وتمام الإرادة والوحدانية.
سلام من الله- ومن عباده المؤمنين على رسل الله الذين بلغوا عن الله التوحيد الصحيح والرسالة الكاملة
فقد ورد عن النبي ﷺ «إذا سلّمتم علىّ فسلّموا على المرسلين فإنّما أنا رسول من المرسلين»
وسلام الله عليهم وأمن لهم يوم الفزع الأكبر.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين.
стр. 2019
سورة ص
هي مكية عند الجميع، وعدد آياتها ست وثمانون آية.
وهي تشمل مناقشة المشركين في عقائدهم والرد عليهم، وذكر قصص بعض الأنبياء التي تؤيد هذا المعنى وخاصة قصة داود وسليمان، وأيوب، والتعرض للمشركين، وبيان حالهم يوم القيامة مع ذكر قصة خلق آدم وسجود الملائكة له.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)
стр. 2020
المفردات:
ذِي الذِّكْرِ: صاحب الشرف عِزَّةٍ: استعزاز بالباطل واستكبار عن الحق والإيمان به شِقاقٍ: خلاف قَرْنٍ: أمة من الأمم، سميت بذلك لأنها تتقدم غيرها من الأمم كالقرن يتقدم الجسم مَناصٍ: منجى ومهرب عُجابٌ: كثير العجب الْمَلَأُ مِنْهُمْ أى: الأشراف أَنِ امْشُوا أى:
امشوا، والمشي: نقل الأقدام عن المكان، وقيل: هو من مشت المرأة: إذا كثرت ولادتها، ومنه الماشية فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ المراد: ملة العرب ونحلتهم التي أدركوها اخْتِلاقٌ: كذب مختلق لا أساس له فِي الْأَسْبابِ: في المعارج الموصلة إلى ما يريدون جُنْدٌ الجند: هم الأصحاب والأتباع الممتثلون للأمر مَهْزُومٌ وأصل الهزم: غمز الشيء اليابس حتى ينهزم، كهزم القثاء والبطيخ ذُو الْأَوْتادِ المراد: ذو الملك الثابت الذي يشبه البيت المؤسس على أوتاد وعمد فَواقٍ الفواق: الوقت بين الحلبتين أو الرضعتين حتى يجتمع اللبن في الضرع قِطَّنا:
قسطنا أو كتابنا.
المعنى:
صاد، وأقسم بالقرآن ذي الذكر السامي والشرف العالي إنه لحق، وإن محمدا لصادق في دعواه، نعم إنه القرآن كلام الله ذو الذكر الحكيم، والبيان الجامع لكل ما يهم العالم أجمع، وما به صلاح الدنيا وقوم الآخرة وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ «١» . هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٢»
стр. 2021
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ «١» بل الذين كفروا في عزة وشقاق.. وكأن نظم الآيات هكذا: صاد وأقسم بالقرآن ذي الذكر إنه لمعجزة وإنه لحق، بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، وهم في شقاق لله ورسوله وخلاف مستمر معهما، ثم أتبع ذلك بتهديد لهم ووعيد يزلزل كبرياءهم، ويحطم عزتهم الجوفاء- أما العزة الحقيقة المرتكزة على أسس من الحق والعدل والكرامة فلله ولرسوله وللمؤمنين فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً «٢» - بقوله: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ بمعنى:
كثيرا من الأمم التي مضت والتي كانت أشد قوة وأكثر مالا وأولادا أهلكهم ربهم لما طغوا وبغوا، وحينما نزل بهم نادوا واستغاثوا، ولات الحين حين مناص لهم «٣» ، وليس لهم في هذا الوقت منجى ولا مهرب.
وهذه سيئة من سيئاتهم المتفرعة عن عزتهم الفارغة واستكبارهم بالباطل وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ الآية.. كانوا يرون أن الرسالة تتنافى مع البشرية، وإذا سلمنا بها فكان الأولى والأجدر أن تنزل على رجل من القريتين عظيم، فهم عدو رسالة محمد ﷺ أمرا عجيبا خارجا عن نطاق العقل والمألوف فقال الكافرون منهم: هذا ساحر لأنه يأتى بما نعجز عن تفسيره وتعليله، وكذاب فيما يدعيه، ويرويه عن رب العالمين.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ «٤» تعجبوا عجبا كثيرا من أن الرسول يقول: إن ربكم الله وحده لا شريك له، ويصير الآلهة إلها واحدا، أى:
يصيرها ويجعلها في قوله لا في الخارج، تعجبوا من ذلك لأنه خلاف ما ألفوه، وقد أعماهم التقليد عن النظر الصحيح والفكر السليم، فقاسوا الأمور الحية التي هي في مكنة الفرد من الإنسان فرأوا أنه يستحيل عليه القيام بمطالب هذا الكون، فقالوا بتعدد الآلهة، وتعجبوا ممن يقول بوحدة الإله.
وروى أنهم اجتمعوا، أى: الأشراف منهم مع النبي ﷺ عند عمه أبى طالب وطالبوه بالكف عن آلهتهم وذمها فرد عليهم النبي ﷺ قائلا: إنى أريد منكم كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتخضع لكم بها العجم. فقالوا: وما هي؟ قال: لا إله إلا
стр. 2022
الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم قائلين: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب؟!
وانطلق الأشراف منهم يتحاورون قائلين: أن امشوا واتركوه، وسيروا على ما أنتم عليه، واصبروا على عبادة آلهتكم، وتجمعوا على عبادتها إن هذا- الإشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبي ﷺ وتصلبه في أمر التوحيد وتشدده في نفى الآلهة- لشيء عظيم يراد من جهته ﷺ إمضاؤه وتنفيذه لا محالة مهما كانت الظروف.. وقيل المعنى: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا، فلا حيلة معه إلا الصبر والمثابرة عليه.
ما سمعنا بهذا الذي يقوله في الملة التي عليها العرب أخيرا والنحلة التي رأيناهم عليها فمن أين بهذا؟ ما هو إلا اختلاق وكذب، وزور وبهتان.
كانت لمشركي مكة شبه ثلاث هي أوهى من بيت العنكبوت:
(ا) تعجبوا من كون الرسول واحدا منهم.
(ب) أنكروا أن تصريف هذا الكون يرجع إلى إله واحد.
(ج) أنكروا إنزال القرآن على محمد دونهم.
وقد تصدى القرآن للرد على الشبهة الثالثة بردود مفحمة، واكتفى بسرد الشبهة الأولى والثانية لأن إثبات أن القرآن نزل من عند الله على محمد هو الغاية والنهاية، وبه تزول كل شبهة.
أنزل عليه الذكر من بيننا؟ ولماذا اختص هو بذلك الشرف العالي والدرجة السامية درجة الرسالة عن رب العالمين، وهذه شبهة قديمة وسلاح شهرته الأمم في وجه الرسل فها هم أولاء قوم صالح يقولون: أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هو كذاب أشر؟! وقال المشركون من قريش: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؟ أهم يقسمون رحمة ربك؟! وهذا هو الرد: بل هم في شك من ذكرى، هؤلاء الناس قد أعماهم التقليد، وأضلهم الجهل المطبق فلم ينظروا بالعقل المجرد عن الهوى إلى الدلائل الشاهدة على
стр. 2023
صدق محمد وأن القرآن من عند الله فهم في شك وليس عندهم دليل، ولذلك تارة يقولون: إنه سحر، ومرة إنه شعر، وثالثة إنه كهانة.
بل- وهذا إضراب عما مضى- لما يذوقوا عذابي فإنهم لو ذاقوه ولمسوه لفكروا وتدبروا، وأدركوا أن محمدا على حق، ولا غرابة فمن الناس من لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، ومن النفوس نفوس كالحجارة أو أشد قسوة لا تفتح إلا بالحديد الصلب والضرب الشديد. وفي التعبير بلما دليل على أنهم على وشك ذوقان العذاب. وما لهم ينكرون إنزال القرآن على النبي؟ ويرون أنه لا يستحق، بل أعندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب؟ حتى ينكروا ذلك على النبي ﷺ ؟! نعم فهذه النبوة لا تكون إلا ممن عنده مفاتيح الخزائن كلها، وهو بخلقه رحيم ورحمن. وهو صاحب العزة والسلطان، كثير الخيرات والهبات، والله- عنده مفاتيح خزائن هذا الكون، وهو صاحب الرحمة والعزة وواهب الوجود لكل موجود، والعالم بخلقه الحكيم في صنعه. وقد منح النبوة لمن يستحقها، فلا يليق بكم أن تعترضوا هذا الاعتراض، أما أنتم فلا حول لكم ولا قوة. ولا تعلمون شيئا من ذلك، ليرتقوا في الأسباب، وليبلغوا ما أرادوا، وما هم ببالغيه هم جند هنالك مهزوم من الأحزاب، وسيهزم جمعهم ويولون الدبر بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ! [سورة القمر آية ٤٦] .
ولا غرابة في ذلك فهذا قصص من سبقهم: كذبت قبلهم قوم نوح. وعاد. وقوم فرعون، وقد كانوا ذوى سلطان ثابت الأركان قوى الدعائم، وكذبت ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقد أرسل إليهم شعيب فكذبوه فحقت عليهم جميعا كلمة ربك، وحاق بهم سوء العذاب.
أولئك المكذبون هم الأحزاب المتحزبون على الرسل، المهزومون، إن كل إلا كذب الرسل فحق عقابي، فأغرق قوم نوح، وأهلك فرعون وجنده في البحر: وقوم هود بالريح، وقوم صالح بالصيحة، وقوم لوط بالخسف، وأصحاب الأيكة بعذاب الظلة.
وما ينتظر المشركون من قريش إلا صيحة واحدة هي النفخة الثانية، وما لها من فواق أى: ما لها من توقف مقدار فواق، والمعنى أن الصيحة إذا جاء وقتها لم تستأخر لحظة واحدة، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ولما سمعوا أن الله منع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا إكراما للنبي ﷺ ، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وجعل عذابهم في الآخرة قالوا: ربنا عجل لنا قطنا وحقنا في العذاب قبل يوم الحساب!
المفردات:
ذَا الْأَيْدِ: صاحب القوة والجلد أَوَّابٌ: كثير التوبة والرجوع إلى الله بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ أى: في وقت صلاة العشاء وصلاة الضحى مَحْشُورَةً:
مجموعة وَشَدَدْنا مُلْكَهُ: قويناه حتى ثبت الْحِكْمَةَ يمكن تفسيرها هنا بالنبوة والعلم بكتاب الله، أو العدل في الأحكام وَفَصْلَ الْخِطابِ: البيان الفاصل بين الحق والباطل الْخَصْمِ المتخاصمين تَسَوَّرُوا: أتوا من أعلى السور، يقال:
تسور الحائط: تسلقه الْمِحْرابَ قيل: هو الغرفة لأنهم تسوروا عليه فيها. أو صدر المجلس ومنه: محراب المسجد فَفَزِعَ مِنْهُمْ: خاف منهم وَلا تُشْطِطْ:
ولا تجر ولا تمل أَكْفِلْنِيها أى: انزل لي عنها حتى أكفلها، والمراد: أعطنيها وَعَزَّنِي: غلبني الْخُلَطاءِ: جمع خليط وهم الشركاء فَتَنَّاهُ ابتليناه لَزُلْفى لقربة إلى الله بعد المغفرة وَحُسْنَ مَآبٍ: وحسن رجوع إلى الله.
بعد ما ذكر أحوال المشركين وعنادهم وأذاهم لرسول الله ﷺ أمر النبي بالصبر على ما يقولون وأن يذكر إخوانه الأنبياء الذين لا قوا ما لاقوا وصبروا محتسبين أجرهم عند الله مقدما في الذكر داود- ﵇ وهنا قصته، وقد ذكر فيها عناصر ثلاثة (ا) ما آتى الله داود من فضل (ب) الحادثة التي وقعت له (ج) مسألة استخلافه في الأرض.
المعنى:
اصبر على ما يقوله هؤلاء المشركون، واذكر عبدنا داود إنه أواب، وفي وصفه بالعبودية الدالة على حسن امتثاله لربه تشريف له وتكريم، ألا ترى إلى قوله تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ... [سورة الإسراء آية ١] .
وقد ذكر لداود هنا عشر صفات، أمر النبي ﷺ بالاقتداء بداود فيها: الصبر، وأن الله وصفه بالعبودية، وأنه صاحب الأيد والقوة في العبادة، وأنه أواب كثير التوبة والرجوع إلى الله، وأن الله سخر له الجبال حالة كونها تسبح معه «١» وتردد تسبيحه
стр. 2026
حتى يسمعها الله بالعشي والإشراق، أى: في صلاة العشاء وصلاة الضحى، وأنه سخر الطير معه محشورة كل له أواب، وشددنا ملكه، أى: أقويناه بالقوى المادية والأدبية، وآتيناه الحكمة ووهبناه النبوة، وأرشدناه إلى فصل الخطاب وإصابة الغرض والعدل في الأحكام وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ..؟ ولما مدح الله داود وذكر له صفات عشرا كلها ثناء عليه أتبع ذلك بذكر حادثة له. وبدأها باستفهام للتنبيه على القصد وسمو الغرض ولفتا للنظر، ألا ترى إلى قوله: «نبأ» والنبأ: هو الخبر المهم، وهذه القصة كانت مثار نقاش كثير من قديم الزمن، وخب فيها وأوضع القصاص ونقلة الأخبار، وقد ساعدهم على ذلك أن في التوراة والإنجيل ما يثبت لبعض الأنبياء- كداود- ما يترفع عنه عامة الناس، فكيف الحال مع الأنبياء والمرسلين؟
ونحن- المسلمين- نقول بعصمة الأنبياء، أى: ترفعهم عن الدنايا وبعدهم عن سفساف الأمور، فإنا نرى أن زعماء الإصلاح قوم غير عاديين يكونون غالبا بعيدين عن الدنايا والأنبياء- ﵈ أولى بذلك منهم، وهم قوم اصطفاهم الله واختارهم، وصنعهم على يده فأرواحهم طاهرة، ونفوسهم عالية، يستحيل عليهم ما قاله الإسرائيليون في حقهم ونقله بعض علماء المسلمين ودونوه في كتبهم، وإن كنا رأينا كثيرا من العلماء نفى مثل هذه الأقوال بشدة كالفخر والبيضاوي وغيرهم.
ونحن نسوق القصة على أساس أن داود نبي الله وهو معصوم من الزنا والقتل والدس والوقيعة، فإن ذلك غير مقبول بحال من الأحوال، وسياق القصة يثبت ذلك فالقرآن قد ذكر لداود صفات كلها مدح وثناء فإنه تواب أواب وله زلفى ومكانة عند ربه، وصاحب قوة وفضل في عمله ثم ذكر القصة وأردفها بذكر مدائح له وهذا كله يتنافى مع وصفه بالفعل المنكر والعمل القبيح.
بعض الناس أثبت لداود أنه فعل الكبيرة كالزنا والقتل، وبعضهم أثبت له بعض الصغائر التي لا تليق.
وفي الواقع تتلخص الحادثة: أن داود كان ملكا له سلطان، وله أتباع وخدم، وله مصالح مادية مع الناس، وهذا كله يوجد له أعداء. واتفق أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن ينالوا من نبي الله داود، وكان له يوم يخلو فيه للعبادة، وانتهزوا الفرصة وتسوروا عليه المحراب، فلما دخلوا عليه ووجدوا عنده ما يمنعهم من ذلك، اختلقوا كذبا وزورا
стр. 2027
سببا لدخولهم فقالوا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ولا تجر، واهدنا إلى سواء السبيل، ويجوز أن يكونا متخاصمين حقيقة، ولما دخلوا على داود بلا إذن، وتوجس منهم خيفة وظن بهم الظنون، وهم بذلك أن يصيبهم بسوء كانت هذه الواقعة فتنة وابتلاء لداود، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام، وتاب عما دار بخلده من ظن، وخر راكعا فتاب الله عليه وغفر له.
أما قصتهما كما أخبر فهي: إن هذا أخى، أى: في الدين والإنسانية له تسع وتسعون نعجة- هي الواحدة من الغنم أو بقر الوحش- ولى نعجة واحدة، فقال صاحب الغنم الكثيرة أعطنى نعجتك أكفلها لك وأضمها لغنمي وغلبه في المخاصمة والمجادلة.
قال داود متسرعا قبل أن يسمع جواب الخصم الثاني- ولعل هذا هو الذنب الذي ألم به داود-: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرا من الخلطاء والشركاء ليبغى بعضهم على بعض حبا في الدنيا، وشحا في النفوس إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلا يبغى بعضهم على بعض وقليل ما هم.
وظن داود أنما فتناه بهذه الحادثة فاستغفر ربه مما ألم به وتاب، وخر راكعا وصلى لله قائما وساجدا وأناب، فغفر له ربه ذنبه- لا تنس أن حسنات الأبرار سيئات المقربين- وإن لداود عند ربه لقربى ومنزلة كريمة، وحسن مآب، أليس وصف داود بعد القصة بأن له زلفى وحسن مآب يدل على أنه عبد صالح أواب يستحيل عليه الإلمام بمعصية تغضب الله.
أما خلافته في الأرض فيقول الله عنها: يا داود إنا جعلناك خليفة لله في أرضه، خليفة لله على عباده تقيم حكمه، وتدعو إلى شرعه. وتثبت دعائم عدله وتقضى بين الناس، فاحكم يا داود بينهم بالحق. ولا يحملنك شنآن قوم على عدم العدل فأنت خليفة أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، يا داود لا تتبع الهوى فإن من اتبع هواه ضل، ومن انحرف عن الصراط وقع في الهاوية، لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم.
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ وهذا تعليل لما قبله، إن الذين يضلون عن سبيله لهم عذاب شديد وقعه بسبب أنهم نسوا يوم الحساب، ولم يعملوا لذلك اليوم، أولئك الذين نسوا الله فأنساهم العمل لخيرهم فكان جزاؤهم النار وبئس القرار.
стр. 2028
لا بد من ثواب وعقاب [سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
المفردات:
باطِلًا: هزلا ولعبا فَوَيْلٌ: عذاب شديد، أو هو واد في جهنم كَالْفُجَّارِ: هم الأشقياء مُبارَكٌ: كثير الخير والبركات.
وهذه كالروضة وسط الصحراء، ورجوع إلى الأصل الأول الذي هو إثبات البعث وسط القصص للإشارة إلى أنه هو المقصود المهم للشارع.
المعنى:
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا لا حكمة فيه، ما خلقنا هما لاعبين، بل خلقنا هما لأسرار وحكم عالية فيها الاستدلال على كمال القدرة وتمام العظمة وهذه الدقة المحكمة في خلقهما دليل على أن الله لن يترك الناس سدى إذا ماتوا، بل يعيدهم ويحاسبهم ويعطى كلا جزاءه، ذلك أن خلقهما باطلا ظن الذين كفروا، فإنهم ينكرون البعث، وإنكاره معناه نفى عظم القدرة، وتعطيل للحكمة أَمْ «١» نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؟ بل أنجعل المؤمنين الصالحين كالكفرة المفسدين في الأرض؟ وكيف نسوى بين هؤلاء وهؤلاء؟ فلو قلنا بعدم البعث، وأنه
стр. 2029
لا حياة إلا في الدنيا لاستوى الفريقان في التمتع بالدنيا بل أكثر الكفرة أوفر حظا من أكثر المؤمنين في الدنيا، لكن ذلك النظام محال مخالف للحكمة فتعين أن هناك حياة يظهر فيها عدم التساوي بين المؤمن والكافر هي في دار الجزاء.
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟ بل أنجعل المتقين كأشقياء الكفرة؟ لا يعقل هذا وإذا ثبت أن هناك فرقا كبيرا بين المؤمن وغيره، وأن المؤمن له حياة دائمة، فيها السعادة والنعيم فما الطريق إلى ذلك؟
الطريق هو اتباع القرآن الذي نزل تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كتاب أنزلناه إليك يا محمد كثير الخيرات عظيم البركات فيه شفاء للناس ونور وموعظة للمؤمنين، أنزلناه ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب.
سليمان ﵇ [سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٤٠]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩)
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
стр. 2030
المفردات:
الصَّافِناتُ القائمات، أو الصافن من الخيل: الذي يرفع إحدى رجليه ويقف على مقدم حافرها الْجِيادُ: جمع جواد، وهو الذي يجود في سيره، أى: يسرع مع الخفة تَوارَتْ: اختفت وغابت بِالْحِجابِ: بالحاجز وقيل: بالليل بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أى: بسيقانها وأعناقها رُخاءً لينة مع قوتها وشدتها.
أَصابَ: أراد الْأَصْفادِ: جمع صفد، وهو القيد.
المعنى:
ذكر بعض المفسرين في تفسير هذه الآية أن سليمان عرض عليه خيل جياد في وقت العصر فألهاه ذلك عن صلاة العصر فغضب، وطلب من الله أن يرد عليه الشمس بعد غروبها ليصلى العصر فردت إليه، ثم غضب على الخيل التي كانت سببا في فوات الصلاة فقطع أعناقها وسوقها، والضمير في قوله: (حتى توارت بالحجاب) للشمس، ثم قالوا في قوله تعالى: «أحببت حب الخير عن ذكر ربي» إنه أحب هذه الخيل معرضا عن ذكر ربه، وهو الصلاة.
وهذا تأويل فاسد، يدل على فساده بداهة أسلوب القرآن، ومكان القصة هنا، وسياق الآيات.
إن هذه القصص إنما ذكرها الله- تعالى- بعد قول المشركين: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ وقد بلغوا مبلغا من السفاهة عظيما، حتى قال الله للنبي:
اصبر على ما يقولون. واذكر عبدنا داود، ثم ذكر بعد ذلك قصة سليمان وهذا الوضع والسياق يفيد أن القصص سيقت لبيان جلائل الأعمال، وفضائل الخلال التي قام بها هؤلاء الأنبياء وأصحابهم، وعلى هذا فداود وسليمان ليس من الحق أن نفهم فيهما أنهما أتيا أعمالا تتنافى مع مركز النبوة وشرف الرسالة، وخاصة بعد قول الله لمحمد ﷺ :
اصبر واذكر داود وسليمان، أى: تأس بهؤلاء، وعلى هذا فيمكن أن نلخص ما يمكن فهمه من هذه الآيات بما يأتى: أن الله وهب لداود سليمان وكان نبيا من المرسلين، وهو نعم العبد الصالح، إنه أواب ومطيع، واذكر وقت أن عرض عليه بالعشي الخيل المطهمة، والصافنات الجياد، ويمكن أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في
стр. 2031
دينهم، لأنه ملك له دولة وله سلطان، وله جيش منظم، وخيل معدة، وأمر بإحضارها وإمرارها عليه لينظرها ويبدي رأيه فيها، وهو لا يحب الخيل لذاتها وإنما يحبها لأمر الله، وتقوية دينه وتثبيت دعائمه.
ثم لما سارت الخيل أمامه وتم عرضها حتى توارت عنه، وغابت عن بصره أمر قواده أن يردوها إليه فلما عادت طفق يمسح مسحا بسيقانها وأعناقها، وإنما فعل ذلك تشريفا لها وتكريما، وليرى رأيه في الخيل لأنه على علم بها وبعيوبها.
ولقد فتنا سليمان، فتنة الله أعلم بها، وألقينا على كرسيه جسدا، ثم أناب، وهذه الفتنة تكلم فيها القصاص والإسرائيليون كثيرا، والذي نختاره ما ذكره أئمة التفسير المحققون من أمثال أبى السعود والفخر والآلوسي وغيرهم من أفاضل العلماء، وكان مرجع آرائهم إلى القول بعصمة الأنبياء ومنع تمثل الشيطان بهم، وغلق باب زعزعة الناس في معتقداتهم، وأظهر ما قيل في فتنة سليمان- ﵇ ما
روى مرفوعا إلى النبي ﷺ : أنه قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل (إن شاء الله) فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون
، هذا الحديث ثابت في الصحيحين البخاري ومسلم، وروى بعدة طرق، تلك هي فتنة سليمان كما وردت في الحديث وأما إلقاؤه على كرسيه جسدا فأنه حين الفتنة كان يجلس على كرسي الحكم جسدا لا روح فيه لأنه لما لم يقل: إن شاء الله كأنه ارتكب ذنبا فصار بسببه جسدا، ثم تاب وأناب.
وأما قول سليمان: رب اغفر لي فلا يصح أن يكون هذا دليلا على صدور الزلة منه كما قال القصاص مستندين إلى أن طلب المغفرة يدل على سبق الذنب.
فالإنسان ولو كان نبيا لا ينفك عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ألم تر إلى
قول النبي ﷺ : «إنى لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» .
وانظر إلى سليمان، وقد طلب من الله المغفرة قبل طلبه الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، هذا دليل على طلب المغفرة، والرجوع إلى الله سبيل وطريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ
стр. 2032
مِدْراراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
[نوح ١٠- ١٢] ولقد طلب سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فسخر له ربه الريح حالة كونها جارية بأمره، لينة لا تعب معها، وإن كانت في الأصل عاصفة قوية فهي رخاء لينة تجرى بأمره حيث أراد.
وسخر الشياطين له تعمل تحت أمره من كل بناء وغواص يغوص في البحار لاستخراج الدر منها والأصداف، وآخرين منهم مقرنين في الأصفاد والقيود خاضعين لأمره، عاملين تحت إذنه.
هذا- والإشارة إلى ما تقدم من إعطاء الملك الواسع والتسلط على الرياح والجن والشياطين- عطاؤنا الخاص لك فأعط من تشاء وامنع من تشاء غير محاسب على ذلك يوم القيامة.
وإن لسليمان عند ربه لزلفى وقربة وكرامة وحسنى، وله حسن مآب ومرجع في الجنة، وإن ختام القصة بهذا لدليل على أن كل ما قيل عن سليمان مما هو ثابت في كتب أهل الكتاب أو عند قصاص الأخبار من المسلمين خرافة وأكاذيب لا تليق بمركز النبوة والله أعلم.
أيوب ﵇ [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
стр. 2033
المفردات:
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ اركض: التحريك، ومنه: ركض الدابة: إذا حرك راكبها رجليه والمراد: اثبت ضِغْثاً والضغث: الحزمة الصغيرة من الحشيش.
المعنى:
للناس فيما يقصون عن أيوب طريقان، أحدهما يقول: إن أيوب مسه الشيطان في بدنه وماله بنصب وعذاب، ثم يرسلون خيالهم في تصوير المرض الذي أصابه حتى نفر الناس منه إلى أبعد الحدود المعقولة وغير المعقولة، وهذا بلا شك باطل وأى باطل لا يستسغيه عقل مسلم، فإنا نعتقد أن النبي يستحيل عليه أن يصاب بمرض جسمي ينفر فإنه أرسل ليهدى الخلق ويحتك بهم، فليس من الجائز عقلا أن يكون بحيث ينفر منه الناس، وهل يقدر الشيطان على البلاء بالمرض إلى هذا الحد، لو كان كذلك ما الذي منعه من إصابة أعدائه الألداء جميعا كالأنبياء والمرسلين والهداة والمرشدين بهذا أو أشد منه؟ فإنهم أعداء حقيقة. وكيف يتصور مسلم في الشيطان غير ما حدده له ربه حيث يقول: ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [يوسف ٢٢] فقد صرح الله بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة قال:
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص ٨٢، ٨٣] .
وعلى هذا الأساس فالمعقول في قصة أيوب هو أن الله أمر محمدا ﷺ أن يذكر عبده الممتثل لأمره أيوب وقت أن نادى مستغيثا به: أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب.
مسه الشيطان بوسوسته وإلقاء الخواطر الفاسدة في ذهنه، وإبليس وجنده يتحينون الفرص. ويطرقون لكل إنسانا بابا خاصا به. ويدخلون عليه من النقطة الضعيفة عنده- والله أعلم- هل دخل الشيطان على أيوب من جهة بدنه إذ كان مريضا صابرا، أو من جهة ماله أو ولده، أو من جهة قومه ودعوته لهم؟ الله أعلم.
ثم أمر من قبل الله أن يركض برجله وأن يضرب الأرض بها ثابتا مستقرا غير عابئ بما حوله من أعاصير، فالعلاج الوحيد عنده هو ما أنزله الله عليه وهداه إلى العمل به فهو
стр. 2034
الذي يغسل الأوضار والأدران وهو المغتسل البارد والشراب، والقرآن كثيرا ما يكنى عن الوحى بالماء والمطر، ولا شك أن كلام الله هو العلاج لكل داء والدواء لكل مرض وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً. [الإسراء ٨٢] .
ووهبنا له أهله وأضعافهم معه، ولعل المراد بالأهل أتباعه في الدين، ووهبنا له ذلك رحمة منا وعظة وذكرى لأولى الألباب الذين يعلمون أن الأمر بيد الله، وأنه يكشف السوء ويجيب المضطر، ويدافع عن عباده المؤمنين الصابرين.
وأمر أيوب أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به ولا يحنث. قالوا: إن امرأته خالفته في أمر فأقسم ليضربنها مائة فأرشده الله إلى أخذ (قنو) فيه مائة شمروخ أو يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضرب بها ولا يحنث.
إن ربك وجد أيوب صابرا على البلاء شاكرا على النعماء لأنه العبد أيوب، وإنما مدحه ربه بهذا لأنه أواب.
وهذه ثالث قصة ذكرت في هذه السورة، وكلها فيها بلاء وفتنة واختبار وصبر، ثم نجاح في البلاء والفتنة، ولأصحابها زلفى ومكانة وحسن مآب عند الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إبراهيم ﵇ ونسله [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)
стр. 2035
المفردات:
أُولِي الْأَيْدِي: أصحاب القوة وَالْأَبْصارِ: جمع بصر، أى: بصيرة في الدين أَخْلَصْناهُمْ: جعلناهم خالصين بِخالِصَةٍ: بخصلة خالصة لا شوب فيها الْمُصْطَفَيْنَ: جمع مصطفى، أى: المختارين الْأَخْيارِ: جمع خير قاصِراتُ الطَّرْفِ: حابسات نظرهن على الأزواج أَتْرابٌ: جمع ترب، أى: لدات في سن واحدة نَفادٍ أى: انقطاع.
المعنى:
واذكر عبادنا إبراهيم الخليل أبا الأنبياء، وإسحاق ابنه، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم اذكرهم وقد وصفوا بالعبودية وأنهم أصحاب القوة في الطاعة، والبصيرة في الدين فهم من أولى العزم الثابت والنظر الكامل في أمور الدين، ولا غرابة في ذلك فتلك شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار الحقيقة دار المثوبة. وهذا تعليل للحكم عليهم بأنهم أولو قوة وبصيرة إنا جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة جليلة الشأن لا شوب فيها، هي تذكرهم دائما الدار الآخرة، فإن خلوصهم في الطاعة، وصدقهم في العمل كان بسبب تذكرهم الحياة الباقية فإنها مطمع أنظارهم، وأمل نفوسهم في جوار الله- والفوز بلقائه ولا يتسنى ذلك إلا بتذكر الآخرة، والخوف من الحساب يوم الحساب.
وإنهم عندنا لمن المصطفين المختارين الأخيار.
واذكر إسماعيل ابن إبراهيم وأبا النبي الكريم محمد ﷺ واليسع وذا الكفل، وكل الأنبياء والمرسلين الذين ذكروا هنا أو ذكروا في غير هذا الموضع من الأطهار الأخيار.