← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

دينهم، لأنه ملك له دولة وله سلطان، وله جيش منظم، وخيل معدة، وأمر بإحضارها وإمرارها عليه لينظرها ويبدي رأيه فيها، وهو لا يحب الخيل لذاتها وإنما يحبها لأمر الله، وتقوية دينه وتثبيت دعائمه. ثم لما سارت الخيل أمامه وتم عرضها حتى توارت عنه، وغابت عن بصره أمر قواده أن يردوها إليه فلما عادت طفق يمسح مسحا بسيقانها وأعناقها، وإنما فعل ذلك تشريفا لها وتكريما، وليرى رأيه في الخيل لأنه على علم بها وبعيوبها. ولقد فتنا سليمان، فتنة الله أعلم بها، وألقينا على كرسيه جسدا، ثم أناب، وهذه الفتنة تكلم فيها القصاص والإسرائيليون كثيرا، والذي نختاره ما ذكره أئمة التفسير المحققون من أمثال أبى السعود والفخر والآلوسي وغيرهم من أفاضل العلماء، وكان مرجع آرائهم إلى القول بعصمة الأنبياء ومنع تمثل الشيطان بهم، وغلق باب زعزعة الناس في معتقداتهم، وأظهر ما قيل في فتنة سليمان- ﵇ ما روى مرفوعا إلى النبي ﷺ : أنه قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتى كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل (إن شاء الله) فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون ، هذا الحديث ثابت في الصحيحين البخاري ومسلم، وروى بعدة طرق، تلك هي فتنة سليمان كما وردت في الحديث وأما إلقاؤه على كرسيه جسدا فأنه حين الفتنة كان يجلس على كرسي الحكم جسدا لا روح فيه لأنه لما لم يقل: إن شاء الله كأنه ارتكب ذنبا فصار بسببه جسدا، ثم تاب وأناب. وأما قول سليمان: رب اغفر لي فلا يصح أن يكون هذا دليلا على صدور الزلة منه كما قال القصاص مستندين إلى أن طلب المغفرة يدل على سبق الذنب. فالإنسان ولو كان نبيا لا ينفك عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ألم تر إلى قول النبي ﷺ : «إنى لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة» . وانظر إلى سليمان، وقد طلب من الله المغفرة قبل طلبه الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، هذا دليل على طلب المغفرة، والرجوع إلى الله سبيل وطريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ

стр. 2032

مِدْراراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح ١٠- ١٢] ولقد طلب سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فسخر له ربه الريح حالة كونها جارية بأمره، لينة لا تعب معها، وإن كانت في الأصل عاصفة قوية فهي رخاء لينة تجرى بأمره حيث أراد. وسخر الشياطين له تعمل تحت أمره من كل بناء وغواص يغوص في البحار لاستخراج الدر منها والأصداف، وآخرين منهم مقرنين في الأصفاد والقيود خاضعين لأمره، عاملين تحت إذنه. هذا- والإشارة إلى ما تقدم من إعطاء الملك الواسع والتسلط على الرياح والجن والشياطين- عطاؤنا الخاص لك فأعط من تشاء وامنع من تشاء غير محاسب على ذلك يوم القيامة. وإن لسليمان عند ربه لزلفى وقربة وكرامة وحسنى، وله حسن مآب ومرجع في الجنة، وإن ختام القصة بهذا لدليل على أن كل ما قيل عن سليمان مما هو ثابت في كتب أهل الكتاب أو عند قصاص الأخبار من المسلمين خرافة وأكاذيب لا تليق بمركز النبوة والله أعلم. أيوب ﵇ [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤١ الى ٤٤] وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)

стр. 2033

المفردات: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ اركض: التحريك، ومنه: ركض الدابة: إذا حرك راكبها رجليه والمراد: اثبت ضِغْثاً والضغث: الحزمة الصغيرة من الحشيش. المعنى: للناس فيما يقصون عن أيوب طريقان، أحدهما يقول: إن أيوب مسه الشيطان في بدنه وماله بنصب وعذاب، ثم يرسلون خيالهم في تصوير المرض الذي أصابه حتى نفر الناس منه إلى أبعد الحدود المعقولة وغير المعقولة، وهذا بلا شك باطل وأى باطل لا يستسغيه عقل مسلم، فإنا نعتقد أن النبي يستحيل عليه أن يصاب بمرض جسمي ينفر فإنه أرسل ليهدى الخلق ويحتك بهم، فليس من الجائز عقلا أن يكون بحيث ينفر منه الناس، وهل يقدر الشيطان على البلاء بالمرض إلى هذا الحد، لو كان كذلك ما الذي منعه من إصابة أعدائه الألداء جميعا كالأنبياء والمرسلين والهداة والمرشدين بهذا أو أشد منه؟ فإنهم أعداء حقيقة. وكيف يتصور مسلم في الشيطان غير ما حدده له ربه حيث يقول: ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [يوسف ٢٢] فقد صرح الله بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص ٨٢، ٨٣] . وعلى هذا الأساس فالمعقول في قصة أيوب هو أن الله أمر محمدا ﷺ أن يذكر عبده الممتثل لأمره أيوب وقت أن نادى مستغيثا به: أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب. مسه الشيطان بوسوسته وإلقاء الخواطر الفاسدة في ذهنه، وإبليس وجنده يتحينون الفرص. ويطرقون لكل إنسانا بابا خاصا به. ويدخلون عليه من النقطة الضعيفة عنده- والله أعلم- هل دخل الشيطان على أيوب من جهة بدنه إذ كان مريضا صابرا، أو من جهة ماله أو ولده، أو من جهة قومه ودعوته لهم؟ الله أعلم. ثم أمر من قبل الله أن يركض برجله وأن يضرب الأرض بها ثابتا مستقرا غير عابئ بما حوله من أعاصير، فالعلاج الوحيد عنده هو ما أنزله الله عليه وهداه إلى العمل به فهو

стр. 2034

الذي يغسل الأوضار والأدران وهو المغتسل البارد والشراب، والقرآن كثيرا ما يكنى عن الوحى بالماء والمطر، ولا شك أن كلام الله هو العلاج لكل داء والدواء لكل مرض وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً. [الإسراء ٨٢] . ووهبنا له أهله وأضعافهم معه، ولعل المراد بالأهل أتباعه في الدين، ووهبنا له ذلك رحمة منا وعظة وذكرى لأولى الألباب الذين يعلمون أن الأمر بيد الله، وأنه يكشف السوء ويجيب المضطر، ويدافع عن عباده المؤمنين الصابرين. وأمر أيوب أن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به ولا يحنث. قالوا: إن امرأته خالفته في أمر فأقسم ليضربنها مائة فأرشده الله إلى أخذ (قنو) فيه مائة شمروخ أو يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضرب بها ولا يحنث. إن ربك وجد أيوب صابرا على البلاء شاكرا على النعماء لأنه العبد أيوب، وإنما مدحه ربه بهذا لأنه أواب. وهذه ثالث قصة ذكرت في هذه السورة، وكلها فيها بلاء وفتنة واختبار وصبر، ثم نجاح في البلاء والفتنة، ولأصحابها زلفى ومكانة وحسن مآب عند الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. إبراهيم ﵇ ونسله [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)

стр. 2035

المفردات: أُولِي الْأَيْدِي: أصحاب القوة وَالْأَبْصارِ: جمع بصر، أى: بصيرة في الدين أَخْلَصْناهُمْ: جعلناهم خالصين بِخالِصَةٍ: بخصلة خالصة لا شوب فيها الْمُصْطَفَيْنَ: جمع مصطفى، أى: المختارين الْأَخْيارِ: جمع خير قاصِراتُ الطَّرْفِ: حابسات نظرهن على الأزواج أَتْرابٌ: جمع ترب، أى: لدات في سن واحدة نَفادٍ أى: انقطاع. المعنى: واذكر عبادنا إبراهيم الخليل أبا الأنبياء، وإسحاق ابنه، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم اذكرهم وقد وصفوا بالعبودية وأنهم أصحاب القوة في الطاعة، والبصيرة في الدين فهم من أولى العزم الثابت والنظر الكامل في أمور الدين، ولا غرابة في ذلك فتلك شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار الحقيقة دار المثوبة. وهذا تعليل للحكم عليهم بأنهم أولو قوة وبصيرة إنا جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة جليلة الشأن لا شوب فيها، هي تذكرهم دائما الدار الآخرة، فإن خلوصهم في الطاعة، وصدقهم في العمل كان بسبب تذكرهم الحياة الباقية فإنها مطمع أنظارهم، وأمل نفوسهم في جوار الله- والفوز بلقائه ولا يتسنى ذلك إلا بتذكر الآخرة، والخوف من الحساب يوم الحساب. وإنهم عندنا لمن المصطفين المختارين الأخيار. واذكر إسماعيل ابن إبراهيم وأبا النبي الكريم محمد ﷺ واليسع وذا الكفل، وكل الأنبياء والمرسلين الذين ذكروا هنا أو ذكروا في غير هذا الموضع من الأطهار الأخيار.

стр. 2036

هذا- والإشارة إلى ما وصفهم به- ذكر لهم، وأى ذكر أبعد من هذا؟ وإن للمتقين وأصحابهم وأتباعهم- وهم يدخلون في ذلك من باب أولى- لحسن مآب ومرجع في الآخرة، فهؤلاء لهم شرف وذكرى في الدنيا، ومثوبة في الآخرة، هي جنات عدن وإقامة يقيمون فيها، حالة كونها مفتحة أبوابها لهم، يدعون فيها بكل فاكهة كثيرة وشراب، ولهم فيها ما يدعون نزلا من غفور رحيم. وعندهم الحور العين مقصورات الطرف على أزواجهن، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، حور كاللؤلؤ المكنون، وهن عرب أتراب. هذا ما أعد لكم أيها الصابرون المحتسبون في يوم الحساب. إن هذا- ما ذكر من نعيم دائم مقيم- لرزقنا لأهل الجنة ماله من نفاد ولا انقطاع عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ لهم أجر غير ممنون. إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٥ الى ٦٤] هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)

стр. 2037

المفردات: لِلطَّاغِينَ: للظالمين من الكفار مَآبٍ: مصير ومرجع الْمِهادُ: ما مهدوا لأنفسهم حَمِيمٌ: الماء الحار غَسَّاقٌ: اسم لما يجرى من صديد أهل النار أَزْواجٌ: أصناف وأجناس فَوْجٌ الفوج: الجمع الكثير مُقْتَحِمٌ: داخل فيها بشدة مَرْحَباً بِهِمْ الرحب: السعة، ومنه الرحبة للفضاء الواسع في الدار صالُوا النَّارِ: داخلوها الْقَرارُ: المقر وهو جهنم ضِعْفاً: مضاعفا، ومعناه: ذا ضعف زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ: مالت عنهم احتقارا لهم. المعنى: ما ذكر سابقا كان للمتقين، وما هنا للطغاة المشركين. الأمر هذا، وإن للطاغين لشر مآب ومصير. وإن لهم لجهنم يصلونها، ويدخلونها يصلون حرها ولهيبها فبئس المهاد ما مهدوه لأنفسهم من أعمال العذاب، هذا ولعل الإشارة إليه (بهذا) ليعلم أنه متميز عن غيره كأنه لا عذاب إلا هو، وإذا كان الأمر كذلك فليذوقوه هذا حميم وغساق قد أعد لمن يصلى جهنم. وعذاب آخر من شكله على شاكلته في الشدة والفظاعة أزواج وأجناس لا يعلم كنهها إلا الله. هذا فوج وجمع آخر مقتحم النار داخل فيها معكم أيها القادة والمتبوعون، وتقول الملائكة لهم: لا مرحبا بهم، إنهم صالوا النار، وهذا تعليل لدعاء الملائكة عليهم، ويحتمل أن يكون الدعاء (لا مرحبا بهم) من المتبوعين على التابعين، وماذا قال الأتباع الداخلون النار؟ قالوا: بل أنتم لا مرحبا بكم أيها القادة والمتبوعون، أنتم قدمتم العذاب لنا، وأنتم أغريتمونا على عملنا فاستحققنا ذلك العذاب فأنتم أحق بهذا الدعاء، فبئس المقر جهنم لنا ولكم قالوا- أى: الأتباع-: ربنا من قدم لنا هذا العذاب فزده عذابا مضاعفا من النار. وقالوا، أى: الطغاة بعضهم لبعض على سبيل التعجب والتحسر: مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار الأرذال الذين لا خير فيهم؟ قال ابن عباس: يريدون

стр. 2038

أصحاب النبي ﷺ الفقراء كبلال وصهيب وعمار، فيقول: أين عمار؟ أين صهيب؟ .. أولئك في الفردوس ينعمون، وا عجبا لكم يا زعماء قريش!! أتخذناهم سخرية واستهزاء أم زاغت عنهم الأبصار؟! و المعنى: أى الأمرين فعلنا بهم: السخرية والاستهزاء أم الازدراء بهم وتحقيرهم وأن الأبصار تعلو عنهم وتقتحمهم؟! والمراد إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم فإنهم قد فعلوا كل ذلك معهم. إن ذلك الذي حكى عنهم لحق ثابت لا شك فيه، هو تخاصم أهل النار، وفي الإبهام أولا والبيان ثانيا زيادة تقرير وتأكيد.. من الأدلة على صدق النبي [سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٥ الى ٧٠] قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) المفردات: نَبَأٌ عَظِيمٌ: خبر مهم جدّا بِالْمَلَإِ الْأَعْلى: هم أشرف الخلق الذين يملؤون العيون بهجة ورواء. وهذا رجوع إلى مناقشة الكفار، وإثبات النبوة والتوحيد والبعث. المعنى: قل لهم يا محمد: إنما أنا منذر من يخشاها، وما من إله إلا الله الواحد القهار، وقد أنذرتكم عذابا شديدا وحذرتكم يوما يجعل الولدان شيبا وجئت بالتوحيد ونفى

стр. 2039

الشركاء، وإثبات أن الله هو الواحد القهار، رب السموات والأرض وما فيهما وهو العزيز الغفار، أيها الناس إنما هو نبأ عظيم ما جئتكم به. وهو جد ليس بالهزل، وأنتم عنه وعن دلائله معرضون، يا قوم هذه الدلائل ناطقة بصدقى، وهذه المعجزة الباقية الخالدة شاهدة، وهي القرآن. فما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون، والمراد بالملإ الأعلى: ما عدا البشر وقت أن قالوا شبههم في صورة المخاصم: أتجعل فيها من يفسد فيها، وقول إبليس لآدم: أنا خير منه، وقول الله على لسان ملك لآدم: أنبئهم بأسمائهم فإخبار النبي ﷺ عن كل دليل واضح على صدقه، وأن هذا القرآن من الله لا من عنده فهو نبي أمى ولم يقرأ ولم يكتب ولم يجلس إلى معلم، وإنما هو وحى يوحى، وما يوحى إلى إلا أنما أنا نذير لكم من بين يدي عذاب شديد، فاعتبروا يا أولى الأبصار. قصة خلق الإنسان وإكرام الله له [سورة ص (٣٨) : الآيات ٧١ الى ٨٨] إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)

стр. 2040

المفردات: سَوَّيْتُهُ: أكملت خلقه فَقَعُوا لَهُ: فاسقطوا له ساجدين اسْتَكْبَرَ: عد نفسه كبيرا بغير استحقاق خَلَقْتُ بِيَدَيَّ: تمثيل لكونه- ﵇ معتنيا بخلقه الْعالِينَ: المستحقين للعلو. رَجِيمٌ: مرجوم ومطرود. فَأَنْظِرْنِي: فأمهلنى لَأُغْوِيَنَّهُمْ: لأزينن لهم المعاصي نَبَأَهُ: خبره المهلك حِينٍ: مدة من الزمن. وهذا تفصيل لأخبار الملأ الأعلى إذ يختصمون، فهو بيان لما أجمل من الاختصام، وإن ختام هذه السورة ذي الذكر العالي بهذا الختام الرائع لبيان فضل الله على آدم وبنيه، ومعاملة الملائكة له، ومعاملة إبليس لأبينا، وليعلم الناس بعض السر في عناد المشركين وشركهم حتى يحذروا من إبليس وجنده إنه لختام رائع حقا. المعنى: أنا رسول رب العالمين، وها أنذا أبلغكم عن ربي ما كان حاصلا مع الملأ الأعلى إذ يختصمون- وما كان لي ولا لقومي علم بذلك- إذ «١» قال ربك للملائكة، ويدخل معهم إبليس للمجاورة والملازمة، إذ لم يكن منهم على التحقيق كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ «٢» إذ قال لهم: إنى خالق بشرا من طين مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ

стр. 2041

[الحجر ٢٦، ٢٨، ٣٣] . فإذا سويته، وأتممت خلقه المادي، ونفخت فيه من روحي، والنفخ تمثيل لإفاضة ما به الحياة، فليس هناك نافخ ولا منفوخ، وإنما المعنى: فإذا أكملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح الطاهرة التي هي من أمر الله وشأنه فقعوا له ساجدين سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وتأليه. فسجد الملائكة كلهم أجمعون، و (كل) للإحاطة، و (أجمع) للاجتماع إلا إبليس اللعين فإنه أبى واستكبر واستعظم ولم يكن من الساجدين، وكان من الكافرين المستكبرين المتعاظمين على أمر الله. وماذا قال الله له عند ذلك؟ قال- على سبيل الإنكار والتوبيخ: يا إبليس أى شيء منعك من السجود لما خلقته بيدي؟ ما الذي منعك من السجود لآدم وقد خلقته بيدي، وصنعته بنفسي، وقولك: فعلت هذا بيدي مثلا، وصنعته بنفسي: تمثيل لكونك معنيا بفعله عناية تامة. يا إبليس أستكبرت أم كنت من العالين..؟! أى: أتكبرت ادعاء من غير استحقاق أم كنت من العالين المستحقين لذلك؟ والمراد إنكار هذا وذاك. وقال إبليس مدفوعا بطبعه المفهوم من طبيعة النار التي خلق منها- فإن طبعها الحماقة والاندفاع والتعالي والإضرار- قال إبليس: أنا خير منه، لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين. قال الله له- ردّا على عمله القبيح-: فاخرج من الجنة فإنك رجيم مطرود من كل خير وبركة، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال إبليس: إذا جعلتني يا رب رجيما مطرودا من رحمتك فأنظرنى وأمهلنى إلى يوم يبعثون عند النفخة الثانية، فلا تمتنى في الدنيا بل أمهلنى مع آدم وذريته إلى يوم البعث، طلب هذا الطلب ليظل يوسوس لآدم وذريته فيأخذ ثأره من آدم فإنه هو السبب في طرده من رحمة الله، فاتعظوا يا بنى آدم واحذروا.. قال الله- سبحانه-: إنك من المنظرين إلى ذلك اليوم المعلوم، وهكذا اقتضت إرادة الله أن يظل إبليس وجنده في وضع يتمكن معه من الوسوسة.

стр. 2042

قال إبليس: فبعزتك وجلالك لأغوينهم أجمعين بتزيين المعاصي لهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين الذين أخلصتهم لعبادتك، وأصفيتهم لنصرة دينك، وعصمتهم من الغواية. وقرئ المخلصين الذين أخلصوا لله في العبادة والطاعة. إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «١» . قال- : فالحق منى، وأنا الحق، وإنى أقول الحق. لأملأن جهنم منك يا إبليس ومن ذريتك الشياطين ومن تبعك في الغواية والضلالة من ذرية آدم أجمعين. يا كفار مكة هذه آيات شاهدة ناطقة على صدقى، وقد أخبرتكم خبرا صدقا عن الملائكة، وعن إبليس وطبيعته، وعن الإنسان وغريزته، والواقع يؤيد ذلك كله، أليس هذا دليلا على صدقى؟! أيها المشركون: أنا لا أسألكم على القرآن، وهذا النور الذي أسوقه لكم لا أسألكم على ذلك شيئا أبدا من حطام الدنيا الفاني. وما أنا من المتكلمين الذين يدعون ويتصنعون ويتحلون بما ليس فيهم وأنتم تعلمون عنى ذلك فإنى أنا منكم ونشأت بينكم. ما هو إلا وحى من الله يوحى إلى. وما هو إلا ذكر للعالمين ونور. وهدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فيه الشفاء والذكرى والموعظة والعلاج والدواء من كل داء. ولتعلمن نبأه حقيقة بعد حين من الزمان سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «٢» . وقد ذكرت هذه القصة وكررت قبل ذلك في سورة الحجر وغيرها.

стр. 2043

سورة الزمر وبعضهم يسميها سورة الغرف، وهي مكية. قيل: كلها، وعند بعضهم كلها إلا آيتين نزلتا بالمدينة اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وهي خمس وسبعون آية. وكأنها امتداد لآخر سورة (ص) حيث ذكر فيها خلق حواء من آدم، وخلق الناس كلهم، ثم ذكر أنهم ميتون ثم ذكر أحوال القيامة من حساب وجنة ونار، وختم بالقضاء العدل بين الناس فالحمد لله رب العالمين، ترى أن الله ذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد مع اتصال ذلك كله بقصة آدم- ﵇ ذلك هو مجمل ما جاء في السورة، وزيادة على ما فيها من التعرض إلى نقاش المشركين وغيره مما هو معروف في السور المكية، وستعرفه في شرحها. [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)

стр. 2044

المفردات: زُلْفى: قربة لَاصْطَفى: لاختار. وهذه سورة مكية تكلمت أولا عن القرآن الذي أنزل على محمد بن عبد الله بالحق وناقشت المشركين في عقائدهم، ونفت عن الله اتخاذ الولد. المعنى: ذلك الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت، تنزيل من الله العزيز الذي لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، الحكيم صاحب الحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه، والله سبحانه حكيم حقا لأنه عالم بكل الجزئيات، لا يعجزه شيء من الممكنات، ومستغن عن كل الحاجات، وإذا كان هذا كلامه وجب أن نتبعه في كل شيء وأن نؤمن به، وقد شرع الله في الكلام على ما أنزل عليه بعد الكلام على القرآن نفسه فقال: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ملتبسا بالحق الذي لا شك فيه، وبالصدق الذي ليس معه باطل ولا هزل، فكل ما فيه حق لا ريب فيه، موجب العمل به حتما، وإذا كان الأمر كذلك فاعبد الله أيها الإنسان مخلصا له الدين عبادة ليس فيها رياء ولا سمعة عبادة خالصة لوجه الله ليس معها شرك ولا وثنية. ألا لله الدين الخالص، نعم لله وحده الدين الخالص فلا شريك له ولا ند، فالاشتغال بعبادة الله على سبيل الإخلاص أفادته الآية الأولى، وأما نفى الشريك والبعد عن عبادة غير الله فقد أفادته الآية الثانية أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وعلى ذلك فلا تكرار، القرآن يحثنا على عبادة الله وحده مع الإخلاص والصدق في العمل، والذين اتخذوا من دون الله آلهة عبدوها وأشركوها بالله ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا زلفى.. كانوا إذا قيل لهم من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله! فيقال لهم: ما معنى عبادتكم غيره؟ قالوا: عبدناهم ليقربونا إلى الله زلفى. ويشفعوا لنا عنده فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً. [الأحقاف ٢٨] كأنهم يقولون: إنا نتخذهم وسطاء وشفعاء لله، والله- سبحانه- ليس في حاجة إلى ذلك إذ هو العليم الخبير بخلقه البصير بهم، واسع الفضل والرحمة فليس في حاجة إلى

стр. 2045

واسطة أو شفيع، وفرق شاسع بين الخالق والمخلوق، وقياس فاسد جدا أن تقيس الرئيس من بنى الإنسان على الرحمن العليم الخبير. إن الله يحكم بين الخلائق الموحدين والمشركين. إن الله لا يهدى من هو كاذب في اتخاذ الشركاء كافر بالله وبحقوقه وصفاته. وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، عجبا لهم!! لو أراد الله أن يتخذ ولدا لما رضى إلا بأكمل الأولاد وهو الابن، فكيف نسبتم إليه البنات؟! تجعلون لكم البنين، ولله البنات، تلك إذا قسمة ضيزى؟! سبحانه وتعالى عما يشركون، سبحانه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وإذا كان الله واحدا في ذاته وصفاته وأفعاله لم يكن من المعقول أن يكون له ولد لأن الولد من الصاحب والصاحبة، وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟! وكيف يحتاج إلى ولد وهو القهار الذي يقهر غيره فلا يحتاج إلى شيء أبدا، والمحتاج إلى الولد مقهور، أما القاهر فهو الواحد الأحد الغنى عن الشريك والصاحبة والولد، تبارك اسمه وتعالى جده، سبحانه له الملك وله الحمد.. من دلائل عظمة الله وكماله وقدرته! [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥ الى ٧] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)

стр. 2046

المفردات: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ: يلقى هذا على هذا فإن التكوير في اللغة: طرح الشيء بعضه على بعض، ومنه كور المتاع والعمامة، أى: ألقى بعضه على بعض لِأَجَلٍ مُسَمًّى: لأجل معين محدود أَزْواجٍ: جمع زوج وهو اسم لكل واحد معه غيره، فإذا انفرد فهو فرد، والمراد الذكر والأنثى وِزْرَ حمل. ثبت مما تقدم في الآيات السابقة أن الله منزه عن الصاحبة والولد لأنه إله واحد قهار غالب لكل شيء. ومن كان كذلك فهو كامل القدرة غنى عن كل شيء، وهنا بين بعض مظاهر القدرة. المعنى: ذلكم الله خالق كل شيء، القادر على كل كائن حي، المنفرد بالوحدانية والملكوت، الغنى عن الصاحبة والولد والشريك، الذي خلق السموات وعوالمها، والأرض وما عليها، خلقها بالحق الذي لا يأتيه باطل ولا عبث ولا لهو. يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل، جعل الليل والنهار خلفة يخلف بعضه بعضا، فهو يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل. فالتكوير. وجعل كل من الليل والنهار خلفة. وإيلاج زمان أحدهما في الآخر، كل هذا بمعنى واحد. فإن هذا الليل بجحافله وهدوئه وسكونه مع الظلام الدامس. إذا طرح شيء من هذا وألقى. ثم جيء بدله بالنهار وضوئه وضجيجه وشمسه وحره. فيه ما فيه من دلائل العظمة وكمال

стр. 2047

القدرة، وهو الله الذي سخر الشمس والقمر. وذللهما. كل يجرى لأجل مسمى. وزمن معلوم ونظام محدد، وبعده تنفطر السموات والأرضين. ويجمع الله الشمس والقمر. ويتبدل الحال غير الحال. وهذه مظاهر القدرة التي تدل على كمال العزة والسلطان فناسب أن تختم الآية بما يدل على الرحمة وسعة الرضوان. ألا هو العزيز الغفار. ثم تعرض القرآن لذكر الإنسان والحيوان فقال: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ- هي آدم- ثُمَّ «١» جَعَلَ مِنْها زَوْجَها. وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أصناف من الإبل والبقر و، الغنم والمعز كل ذكر وأنثى منها زوج، فتلك أزواج ثمانية أنزلها ربك من عنده. وتفضل بها من لدنه. ثم ذكر حالة عامة تشمل الإنسان والحيوان فقال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ. وحالا من بعد حال: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة ... الآية.. فتلك أطوار الخلق وهم في بطون أمهاتهم حالة كونهم في ظلمات ثلاث: ظلمة المشيمة، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة البطن، ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فاعبدوه. وهو على كل شيء وكيل. له الملك وحده. لا إله إلا هو فكيف تصرفون عبادته إلى عبادة غيره؟ ذلكم الله ربكم الغنى عن عبادتكم لا تضره معصيتكم. إن تكفروا فالله غنى عنكم. وليس محتاجا إلى إيمانكم، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر فإنه ظلم. والرضا غير الإرادة. وإن تشكروا الله- يرض لكم ذلك ويثبكم عليه لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [سورة الفتح آية ١٨] بمعنى أنه أثابهم. واعلموا أنه لا تحمل نفس عن نفس حاملة للأزوار والأثقال من الذنوب شيئا بل كل نفس بما كسبت رهينة ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة يجازى كلّ على عمله بالعدل والقسطاس المستقيم لأنه خبير بما تعملون. وهو العليم بذات الصدور ومكنونات النفوس.

стр. 2048

المؤمن والكافر [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٨ الى ٩] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) المفردات: ضُرٌّ: شدة مُنِيباً: راجعا إليه خَوَّلَهُ: أعطاه وملكه أَنْداداً: جمع ند والمراد: قرناء وشركاء قانِتٌ: مطيع خاشع آناءَ اللَّيْلِ المراد: في جوف الليل. المعنى: هؤلاء المشركون أمرهم عجيب! الأدلة على وحدانية الله وأنه قادر أظهر من الشمس في رابعة النهار. ومع هذا يشركون به غيره من صنم ووثن. وإن تعجب لهذا فعجب حالهم إذا مسهم ضر وشدة في مال أو ولد أو نفس دعوا الله منيبين إليه مستغيثين به. ثم إذا كشف الضر عنهم وخولهم نعمة سابغة لهم نسوا دعاءهم الذي كانوا يدعون به ربهم وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [سورة يونس آية ١٢] .

стр. 2049

وهكذا إن الإنسان دائما إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «١» . يجعل لله أندادا وشركاء من دونه، وكانت العاقبة أن يضل بعمله هذا غيره عن سبيل الله. قل: تمتع أيها الإنسان بكفرك زمنا قليلا إنك من أصحاب النار، تمتع بالدنيا الزائلة وبمتاعها الفاني المصحوب بالألم والتعب والتهديد بالفناء، هذا هو الكافر بنعمة ربه. أما المؤمن الصالح فهذا وصفه: بل أم من هو قانت في جوف الليل ساجدا وقائما يدعو ربه، ويحذر حسابه ويخشى عقابه، ويرجو رحمته كمن تقدم ذكره من العصاة؟! هل يستوي المؤمن والكافر والطائع والعاصي؟ لا يستويان أبدا فإنه لا يستوي الذين يعلمون الحق فيتبعوه، ويعملوا به، والذين لا يعلمون الحق ولذلك فإنهم يتخبطون تخبط العشواء، ويسيرون في ضلالة عمياء، وإنما يتذكر أولو الألباب والعقول الصافية من المؤمنين. التقوى والإخلاص واجتناب الطاغوت [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١٠ الى ٢٠] قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)

стр. 2050

المفردات: ظُلَلٌ: جمع ظلة وهي ما أظلك، والمراد: طبقات النار التي تعلو الطَّاغُوتَ من الطغيان: وهو الظلم، والتاء فيه مزيدة للتأكيد، والمراد: كل ما عبد من دون الله وَأَنابُوا: رجعوا حَقَّ: ثبت ووجب غُرَفٌ: جمع غرفة، وهي الحجرة وَعْدَ اللَّهِ: وعدهم الله بذلك وعدا الْمِيعادَ: الوعد. المعنى: أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لعباده من المؤمنين مذكرا لهم وواعظا، أمره أن يأمرهم بتقوى الله ولزوم طاعته، وتقوى الله أخذ الوقاية من عذابه، وامتثال أو امره واجتناب نواهيه، لم ذا؟ لأن الله قد حكم بأنه للذين أحسنوا في هذه الدنيا بامتثال أمر الله وتنفيذ أحكامه حسنة عظيمة، حسنة في الدنيا بالعزة والسلطان والغنى والجاه، وحسنة في الآخرة بالثواب الجزيل والعطاء الكثير.

стр. 2051

ومن هنا نعلم أن الإيمان وحده- وهو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله- لا يكفى بل نحتاج معه إلى تقوى الله، وإن كان الإيمان الكامل جامعا لكل شيء، ولكن الله- يرشدنا هنا إلى أن المؤمنين هم أولى الناس بتقبل الوعظ وأنهم في حاجة قصوى إلى تقوى الله في كل وقت، فإنى أسمع من بعض الناس يتشدقون بأنهم مسلمون وليسوا في حاجة بعد الذي هم فيه إلى شيء! وإن تعلل بعض المؤمنين بأنهم من بيئة لا تقام فيها أحكام الله وفي بلد يسير على غير الطريق المستقيم فليس هذا عذرا فأرض الله واسعة أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها «١» وأنتم أيها المسلمون ستلاقون في حلكم وترحالكم وفي جميع أوطانكم بعض العنت والشدة من إخوانكم المواطنين، ولا علاج لهذا كله إلا الصبر الذي يقضى على الشدائد، ولكم الجزاء الأوفى على صبركم. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. وأمر الله نبيه أن يقول لهم: إنى أمرت أن أعبد الله وحده مخلصا له ديني عبادة خالية من الشرك والرياء وحب السمعة، أمر ﷺ ببيان ما أمر به من الإخلاص في عبادة الله الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من التقوى والإخلاص مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه، وتمهيدا لما يعقبه. وأمرت لأن أكون أول المسلمين، أى: المقدم في الشرف والعمل الكامل. قل لهم يا محمد: إنى أخاف إن عصيت ربي أخاف عذاب يوم عظيم هوله، شديد ألمه. وفي هذا تحذير للناس وأى تحذير؟! قل لهم: الله وحده أعبد مخلصا له ديني. وليس هذا تكريرا مع قوله: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ لأنه إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة مع الإخلاص: أما قوله: اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فهو إخبار بأنه أمر بألا يعبد أحدا غير الله «٢» . فاعبدوا ما شئتم من دونه. وهذا الأمر المقصود منه الزجر والتهديد، وكأنه قال بعد هذا البيان السابق: فاعبدوا ما شئتم فأنتم أعرف بأنفسكم.

стр. 2052

قل لهم يا محمد: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بالشرك والمعاصي، وخسروا أهليهم، أى: أتباعهم حيث أضلوهم، وأضاعوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ألا ذلك هو الخسران المبين. لهم من فوقهم ظلل من النار وطبقات تعلو رؤوسهم. ولهم من تحتهم ظلل. وتسميتها ظللا من باب المشاكلة. على أنها ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من النار. ذلك العذاب الفظيع يخوف الله به عباده ليخافوا فيجتنبوا ما يوقعهم به. يا عبادي فاتقون، ولا تتعرضوا لما يوجب سخطى وعذابي. والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، وأنابوا إلى الله لهم البشرى. والطاغوت هو الشيطان لأنه سبب الكفر والعصيان، أو هو كل معبود دون الله. هؤلاء الذين تركوا عبادة الأوثان، وخالفوا الشيطان لهم البشرى بالثواب من الله على ألسنة الرسل الكرام. فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ووفقهم، وأولئك هم أولو الألباب وأصحاب العقول السليمة. أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ «١» لست أنت مالك أمر الناس ولا أنت تقدر على إنقاذ من في النار، بل المالك والقادر على ذلك كله هو الله- فأنت ترى أن الله- جعل استحقاقهم للعذاب وهم في الدنيا بمنزلة دخولهم النار يوم القيامة. وقد جعل حالة النبي ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام، ويبالغ في تحصيل هدايتهم، بمنزلة حال من ينقذهم من النار إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص ٥٦] . لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف مبنية من فوقها غرف تجرى من تحتها الأنهار. وعد الله المؤمنين بذلك وعدا كريما محققا. والله- سبحانه- لا يخلف وعده. ومن أصدق من الله حديثا؟!

стр. 2053

هذه هي الدنيا [سورة الزمر (٣٩) : آية ٢١] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) المفردات: فَسَلَكَهُ: أدخله يَنابِيعَ: جمع ينبوع، وهو عين الماء يَهِيجُ: ييبس، وقيل: يشتد حُطاماً: فتاتا مكسرا، من تحطم العود: إذا تفتت. المعنى: وهذه هي الدنيا الفانية متاعها زائل، وهي عرض حائل، الملتحف بها لا يدفأ، والمعتمد عليها معتمد على أوهى من بيت العنكبوت، إنما مثلها كماء أنزله الله من السماء فسلكه ينابيع من الأرض وأرسل منه عيونا متفجرة أخرج بها زرعا مختلف الأشكال والألوان والأنواع، ثم يهيج وييبس فتراه مصفرا ذابلا، ثم يكون حطاما مكسرا وعصفا مأكولا، إن في ذلك لذكرى، ولكن لأولى الألباب. نعم، إن العاقل الذي ينظر إلى تلك المظاهر التي يمر بها النبات يعرف أن عمر الحيوان كذلك مهما طال، وأنه وإن طال عمره فلا بد له من الانتهاء كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة القصص آية ٨٨] وهكذا الدنيا.

стр. 2054

النور وشرح الصدور بالقرآن [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٦] أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) المفردات: شَرَحَ: فتح وبسط صَدْرَهُ: المراد قلبه نُورٍ: هدى مُتَشابِهاً أى: يشبه بعضه بعضا في الحسن والدقة مَثانِيَ جمع مثنى، والمراد تتكرر فيها القصص والمواعظ والأحكام تَقْشَعِرُّ الاقشعرار: التقبض، يقال: اقشعر الجلد: إذا تقبض تقبضا شديدا، والمراد: تضطرب وتتحرك بالخوف الْخِزْيَ: الذل والصغار.

стр. 2055

المعنى: إنما يتذكر القرآن، ويتعظ بالمواعظ الإلهية أولو العقول الصافية من المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب، والذين شرح الله صدورهم للإسلام، وهل هؤلاء الناس كمن انحرف عن الحق، وضل عن سواء القصد؟ .. ليس كل الناس سواء، فمن شرح الله صدره للإسلام، وخلقه مستعدا لقبول الحق فبقى على فطرته السليمة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها فهو بسبب هذا متمكن من نور الحق مستقر على هدى الله، أفمن شرح الله صدره- كما ذكرنا- كمن قسا قلبه، وضاق صدره وغير فطرة الله بسوء اختياره وإعراضه عن آيات الله حتى لا يتذكر بها؟؟ لا يمكن أن يسوى هذا بذاك. فويل شديد لمن قسا قلبه، وضاق صدره من أجل ذكر الله، الويل ثم الويل لهؤلاء الكفرة الذين إذا ذكر الله وحده أو تليت آية من آياته اشمأزت قلوبهم من أجل ذلك أولئك البعيدون في درجات جهنم في ضلال بيّن ظاهر. عجبا لهؤلاء!! الله نزل أحسن الحديث، وهو القرآن الكريم، ولا شك أنه أحسن ما تحدث به الإنسان لأنه حديث الرحمن، وهو ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد، وعزيز عليهم، وهل هناك أصدق من الله حديثا؟. وروى عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ لو حدثتنا؟ فأنزل الله- : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ فقالوا: لو قصصت علينا؟ فنزل: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ فقالوا: لو ذكرتنا؟ فنزل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فالله نزل على محمد أحسن الحديث وأكمله وأعلاه، وما أروعه وأصدقه أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ؟ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ. الله نزل أحسن الحديث حالة كونه كتابا موصوفا بصفات هي التشابه، والمعنى أنه كتاب متشابه الأعجاز والأطراف، متشابه في المعنى والغرض، والصحة ودقة الحكم، وتتبع منافع الناس، فهو كما قالت الأعرابية في بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. فالقرآن كذلك- ولله المثل الأعلى- كله حسن وجميل وبليغ ودقيق، وكله من عند الله وكفى.

стр. 2056

وهو كتاب يشبه بعضه بعضا وتثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، أى: تعاد وتكرر بمنتهى البلاغة وروعة التصوير ودقة التعبير. هذا وصفه في نفسه، فإذا سمعه المؤمنون اقشعرت منهم الجلود، واضطربت منهم القلوب، ووجلت منهم النفوس، إذا سمعوا وعيد الله، ورأوا بعيون البصيرة ما أعد للمكذبين الكفار دمعت عيونهم وخشعت أصواتهم، واقشعرت جلودهم، ثم تلين قلوبهم وتسكن حينما يسمعون ذكر رحمة الله بالمؤمنين، تفرح نفوسهم، وتنشرح صدورهم إلى ذكر فضله على المؤمنين يوم لقائه. عن أسماء بنت أبى بكر الصديق- رضى الله عنهما- قالت: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرئ عليهم القرآن- كما نعتهم الله- تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، فقيل لها: فإن أناسا اليوم إذا قرئ القرآن خر أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ومر ابن عمر- رضى الله عنه- برجل من أهل القرآن ساقطا، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط: فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط.. ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﷺ ذلك- والإشارة إلى الكتاب الذي مر ذكر وصفه- هدى الله، يهدى به من يشاء من عباده ومن يضلله الله فما له من هاد يهديه بعده، ومن هنا ندرك أن القرآن وتلاوته وسماعه هو سر شرح الصدور، والعامل الأول في جلاء القلوب وإزالة صدأ النفوس. هل يستوي المهتدى إلى نور الحق والضال عن سواء السبيل؟ لا يستويان بحال أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ بمعنى: أكلّ الناس سواء؟ فمن شأنه أن يتقى- بوجهه الذي هو أشرف أعضائه- يتقى به العذاب السيئ يوم القيامة لأن يده التي جعلت للاتقاء بها مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه، ولا يصيبه سوء أبدا؟ من يسوى هذا بذاك؟ وكيف يستويان؟! أحدهما كافر بالقرآن متحزب مع الشيطان والآخر قد اهتدى بنور القرآن، وأفعم قلبه وصدره ببرد اليقين ونور رب العالمين. ولا يستويان وقد قيل للظالمين: ذوقوا ما كنتم تكسبون، وهذا عذاب الكفار يوم القيامة، وهاك عذابهم في الدنيا: كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب المقدر لهم

стр. 2057

كالخسف والإبادة أو الذل من حيث لا يشعرون، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى، ولكنهم لا يعلمون. الأمثال في القرآن [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٢٧ الى ٣١] وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) المفردات: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: المراد بضرب المثل: تطبيق حالة غريبة على حالة تشبهها غَيْرَ ذِي عِوَجٍ: غير ذي اختلاف بوجه من الوجوه. والعوج: ما يدرك بالفكر والنظر، والعوج: ما يدرك بالحس سَلَماً: سالما. المعنى: بعد ما تقدم ذكره يقول الحق- ﵎: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن- والإشارة فيه للتعظيم- الكامل في كل شيء الأمثال في جميع ما يحتاجون إليه في

стр. 2058

شئون دينهم ودنياهم ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «١» ضربناه لهم لعلهم يتذكرون ويتعظون، ضربناه في هذا القرآن حالة كونه قرآنا عربيا لا اختلال فيه بوجه من الوجوه فهو المستقيم في كل قصد وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ «٢» وإنما كان ذلك كذلك لعلهم يتقون. فأنت ترى أن الأمثال في القرآن تضرب للتذكرة والموعظة لتحصل التقوى التي هي الغرض الأسمى. ضرب الله للمؤمن الموحد وللكافر المشرك مثلا: رجل مملوك لشركاء متشاكسين مختلفين كل له رأى وحاجة. فكل يطلب من هذا العبد حاجة لا يطلبها الآخر، فماذا يفعل؟ وقد تقاسمته الأهواء واختلفت به السبل؟ وهذا رجل آخر مملوك لشخص واحد فهو سالم له، ليس لغيره سبيل عليه، هكذا المسلم لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربه الرحمن الرحيم ذي الفضل العظيم عليه فهل تراه في راحة أم حيرة وضلال؟ أما المشرك فهو يعبد آلهة، ويتجه إلى شركاء مختلفين فهو دائما في حيرة وارتباك لا يدرى كيف يرضى الجميع؟ هل يستوي المسلم الموحد بالكافر المشرك؟ لا يستويان بحال.. الحمد لله الذي وفقنا للإسلام، وهدانا إلى الحق، ولولاه ما اهتدينا فالحمد له جل شأنه، بل أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ولما لم يلتفتوا إلى الحق، ولم ينتفعوا بضرب الأمثال هددهم ربك بالموت، وانتهاء هذا الوضع بقوله: إنك ميت يا محمد، وإنهم ميتون، فالكل فان ولا يبقى غير وجه ربك ذي الجلال والإكرام. ثم إنكم يوم القيامة تختصمون، وسيحكم الله بينكم يوم القيامة فلا تأسوا يا أمة محمد على القوم الكافرين، واصبروا إن الله مع الصابرين.

стр. 2059

من أظلم الناس..؟ ومن أصدقهم؟ [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٢ الى ٣٧] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) المفردات: مَثْوىً أى: مقاما لهم، يقال: ثوى بالمكان إذا أقام به بِكافٍ أى: يقيه وعيد المشركين. المعنى: إنك يا محمد ميت، وإنهم ميتون، إذ كل شيء هالك إلا وجهه، ثم إنكم بعد مفارقة الدنيا عند ربكم تختصمون، وسيحكم الله بينكم حكمه الفصل، ويقضى

стр. 2060

قضاءه العدل، وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم الناس؟ لا أحد أظلم ممن كذب على الله حيث أضاف إليه الشريك والولد، وكذب بالأمر الذي هو عين الصدق إذ جاءه فلم يترو ولم يفكر، بل فاجأ بالتكذيب والرد، والمعنى أن هذا الذي كذب على الله، وكذب بالقرآن أظلم من كل ظالم، ولا أحد أظلم منه. أليس في جهنم مثوى لهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، والمراد أن جهنم أعدت لهؤلاء، وهي كافية لهم حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها [سورة المجادلة آية ٨] فهي عقوبة لكفرهم. وأما الذي جاء بالصدق، والقول الحق، وهو رسول الله وخاتم أنبيائه وإمام رسله ﷺ والذين صدقوا به وآمنوا بأنه من عند الله وفيه تبيان كل شيء والخير لكل كائن حي، أولئك هم المتقون دون سواهم، لهم ما يشاءون ويطلبون عند ربهم، من كل نافع لهم ومفيد يوم القيامة، لا في الجنة فقط، ولكن لهم ما يشاءون يوم الحساب يوم الفزع الأكبر، وعند كل موقف عسير، ذلك الجزاء المذكور جزاء المحسنين. وعدهم الله بذلك كله ليكفر عنهم سىء ما عملوا إن كان لهم سىء، وليجزيهم أجرهم كاملا بأحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها، وكل عمل لهم فهو أحسن لمزيد إخلاصهم وحسن تقبل الله له. قد يقول قائل: ما معنى أن الله يكفر عن المتقين أسوأ ما عملوا؟ وهل لهم سيّئ وأسوأ والله يكفر الأسوأ فقط؟ والجواب أن هؤلاء المتقين لشدة تقواهم إذا فرط منهم ذنب صغير فهو عندهم أسوأ الذي عملوا لاستعظامهم المعصية في جنب الله، فكل ذنب صغير فهو في نظرهم كبير، بل أسوأ أعمالهم، فليس لهم سىء وأسوأ في الواقع، وكذلك الحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن، لحسن إخلاصهم ومزيد تقواهم فلذلك ذكر سيئهم بالأسوإ- في نظرهم كما سبق- وحسنهم بالأحسن كما علمت.. أليس الله بكاف عبده «١» والمعنى أن الله كاف عبده وهو النبي ﷺ ومؤيده وعاصمة

стр. 2061

من الناس جميعا، وهذا الأسلوب العربي العالي يفيد أن كفاية الله لعبده من التحقيق والظهور بحيث لا يقدر أحد على إنكارها، بل على التفوه بعدمها، ولذلك قيل: أمدح بيت قالته العرب: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح فلما سمعه عبد الملك بن مروان من جرير الشاعر وكلاهما عربي بطبعه، وكان منصرفا عنه التفت وأجزل مثوبته، والبيت في مدح بنى مروان. أليس الله بكاف عبده؟ ويخوفونك بالذين من دونه من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع، بل لا تدفع عن نفسها الأذى، فأبشر بطول سلامة!! ومن يضل الله حتى يغفل عن قدرته الله وكفايته عبده ورسوله فيخوف النبي بما لا ينفع ولا يضر فما له من هاد يهديه إلى الخير أبدا. ومن يهده الله إلى الحق والصواب فما له من مضل أبدا، أليس الله بعزيز لا يغلب، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ذي انتقام ينتقم من أعدائه لأوليائه. مناقشة أهل الشرك في عبادتهم الأصنام [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)

стр. 2062

المفردات: بِضُرٍّ الضر: الشدة والبلاء بِرَحْمَةٍ المراد بها: النعمة والرخاء مَكانَتِكُمْ أى: حالكم التي أنتم عليها وعداوتكم التي تمكنتم فيها، وقد استعمل المكانة بمعنى المكان في الحالة التي عليها الشخص «١» . المعنى: لما أطنب الله- تعالى- في ذكر وعيد المشركين وعذابهم في الدنيا والآخرة وفي ذكر ما أعد للمتقين في الفانية والباقية، لما أطنب في ذلك عاد إلى إقامة الدليل على بطلان الشرك وعبادة الأصنام فقال ما معناه: ولئن سألتهم يا محمد: من خلق السموات والأرضين؟ ليقولن مجيبين بجواب واحد لا خلاف فيه: خلقهن الله. عجبا لهؤلاء؟! إذا كانوا يقرون بخلق الله الكون- سماءه وأرضه- فكيف يشركون معه غيره؟! قل لهم: أإذا كان الأمر كذلك فأخبرونى عن آلهتكم إن أرادنى الله بضر هل هن يكشفن عنى ذلك الضر!! نعم وهذا عجيب حقا إذا لم يكن خالق سواه فهل يمكن غيره أن يكشف ما أراده من خير أو ضر؟! هل هذه الأصنام تمنع ضرّا أراده الله؟ أو تمسك رحمة أرادها الله؟ لا هذا ولا ذاك، وقد كانوا يخوفون النبي بالأصنام. قل لهم وقد وضح الصبح لذي عينين: الله حسبي وكفى، وعليه أتوكل وإليه ألجأ، فهو نعم المولى ونعم النصير، وعليه يتوكل المتوكلون. قل: يا قوم اعملوا ما شئتم، اعملوا على مقتضى حالتكم التي أنتم عليها من العداوة السافرة لي ولأصحابى، إنى عامل على مقتضى ما وضعني الله فيه، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا، ويحل عليه في الآخرة عذاب دائم مقيم.

стр. 2063

إثبات وحدانية الله وقدرته مع مناقشتهم وبيان جزائهم [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤١ الى ٤٨] إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)

стр. 2064

المفردات: يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ: يقبضها عند انتهاء آجالها اشْمَأَزَّتْ الاشمئزاز: انقباض في القلب وضيق في النفس يظهر أثره في الوجه يَسْتَبْشِرُونَ الاستبشار: امتلاء القلب سرورا فيظهر أثر ذلك في بشرة الوجه وَبَدا لَهُمْ: ظهر ما لم يكن في الحسبان. لا يزال القرآن الكريم يسوق الدليل تلو الدليل على وحدانية الله- ووصفه بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص، مع مناقشة هؤلاء المشركين في عقائدهم الفاسدة، تارة بلفت أنظارهم إلى معبوداتهم من حيث ضررها ونفعها، وتارة ببيان آثار القوى القادر، وتارة بالتهديد لهم وتسفيه أحلامهم وبيان عاقبتهم يوم القيامة لعلهم يرجعون عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم. المعنى: الله- هو الذي أنزل عليك الكتاب هدى للناس وتبيانا لكل ما يحتاجون في دينهم ودنياهم، أنزله ربك مقرونا بالحق متلبسا به، فمن اهتدى به فلنفسه بغى الخير، ومن ضل عنه وحاد عن طريقه فإنما يضل وضلاله على نفسه، إذ عاقبة خسارته عليها وحدها، وأما أنت يا محمد فلست عليهم بوكيل، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا يهمنك أمرهم، ولا تحزن عليهم. الله- سبحانه- هو الذي يتوفى الأنفس ويقبضها عن أبدانها حين موتها بحيث لا يستقدمون عنه ساعة من الزمن ولا يستأخرون، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في نومها والمعنى أنه- سبحانه- يتوفى هذه الأنفس في وقت نومها فالله- سبحانه- يقطع تعلق الأرواح بالأبدان حتى لا تتصرف فيها إلا بقدر، فتوفيها حين الموت قطع لتصرفها

стр. 2065

في البدن ظاهرا وباطنا دائما لا رجوع فيه، وتوفيها حين النوم قطع للتصرف فيه ظاهرا فقط، وإلى وقت محدود، ثم تعود الروح بعده إلى الجسم كما كانت. وتظل معه إلى أجل معلوم محدود الله يعلمه، وهذا معنى قوله تعالى: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى. فالنوم- كما يقولون- موت أصغر، والموت نوم أكبر، والأمر كله لله، وما أشبه النوم والموت بجهالة المشركين، وما أشبه الحياة واليقظة بنور الإسلام وهدى القرآن، والكل من الله- سبحانه- إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون بعقولهم فلا يحيلون البعث بعد الموت، فيها أنت إذ تصحو بعد النوم، وتحيا بعد الموت في كل يوم مرة أو مرتين «لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون» ، وكان الكفار إذا لزمتهم الحجة، وانقطع بهم السبيل قالوا- وبئس ما قالوا-: الله خالق كل شيء هو الحكيم العليم، وهذه الأصنام نبعدها لأنها تشفع لنا وتقربنا من ربنا! عجبا لهؤلاء! بل اتخذوا من دون الله شفعاء لهم، يشفعون عند ربهم بدون إذنه ولا علمه؟! قل لهم يا محمد: أيشفعون والحال أنهم لا يملكون شيئا ولا يعقلون؟ عجبا لكم أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء فضلا عن أن يملكوا الشفاعة عند الله- تعالى- وهم لا يعقلون. قل لهم: لله الشفاعة جميعا، فلن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، والسبب في هذا أنه له وحده الملك التام للسموات والأرض، ثم إليه وحده الأمر والمصير يوم القيامة، فاحذروا عقابه وارجوا ثوابه. وتلك سيئة من سيئاتهم التي لا تحصى إذا ذكر الله مفردا عن الآلهة اشمأزت قلوب المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة، وامتلأت قلوبهم غيظا وغما حتى يظهر ذلك في وجوههم وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [الإسراء ٤٦] . وإذا ذكر الذين من دونه من الآلهة إذا هم يستبشرون، أى: فاجأهم وقت الاستبشار. ولما ذكر عنهم هذا الأمر العجيب الذي تشهد بدائه العقول ببطلانه أردفه بأمرين أحدهما دعاء الله مع وصفه بالقدرة التامة والعلم الشامل، ثم قول النبي ﷺ : أنت

стр. 2066

يا رب تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، وهؤلاء المشركون بعد ظهور الأدلة ووضوحها ينفرون من التوحيد ويستبشرون بالشرك، وأنت يا رب وحدك القادر على إزالة هذا منهم وصدهم عن عبادتهم هذه. ثانيهما أنهم يوم القيامة في حال يودون أن لو كان لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أنفسهم من عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، وفيه ظهر من أنواع العذاب التي أعدها الله لهم ما لم يكن في حسابهم ولا تقديرهم، ونظير ذلك قول الله في جانب المؤمنين: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وقد ظهر لهم سيئات ما كسبوا من سىء الأعمال، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فهذا هو جزاؤهم، وقد كانوا من قبل يستهزئون بالنبي وينكرون وعيده لهم، وها هم أولاء قد لمسوه وعرفوه، وندموا ولات ساعة مندم.. هكذا الإنسان [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)

стр. 2067

المفردات: مسه: أصابه خَوَّلْناهُ: أعطيناه وملكناه فِتْنَةٌ: اختبار وابتلاء بِمُعْجِزِينَ: بسابقين الله وبفائتيه. المعنى: وتلك سيئة أخرى من سيئاتهم المتكررة، وهذه كلها تنشأ من أنهم لا يؤمنون حقا بوجود إله قوى يصرف هذا الكون، فهم ينظرون إلى الدنيا نظرة سطحية خاطئة، فإذا مسهم الضر، ووقعوا في الشدة لجئوا إلى الله، ودعوه منيبين إليه، ثم إذا كشف الضر عنهم، وخولهم ربك نعمة من عنده نسوا ما كانوا يدعون من قبل وقالوا: إن هذا الخير وصل إلينا لعلم عندنا بأمور الدنيا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص ٧٨] . وهكذا الإنسان يلجأ إلى الله في الشدائد حتى إذا نجا وأدرك ساحل السلامة وآتاه الله بسطة في مال أو جاه قال: إنما حصل لي هذا بسبب نشاطي وجدي وكمال عقلي وقوة حدسى، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم دائما يذكرون الله في السراء والضراء، فإن مسهم خير شكروا الله لأنه صاحب النعمة، وإن مسهم ضر صبروا ولجئوا إلى الله لأنه وحده هو الذي يكشف الشر، أيها الناس: لا تغتروا بما أوتيتم، بل النعم فتنة وابتلاء ليعلم أتشكرون أم تكفرون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن إعطاءهم بلاء واختبار! قد قال مقالة الكفار هذه الذين من قبلهم من كفار الأمم السابقة، وهذا دليل على أن ذلك طبع في الإنسان، إنه كثير النسيان، مغرور بما أعطى من مال أو جاه، قد قالها من قبلهم، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله، فأصابهم سيئات ما كسبوا، والذين ظلموا من هؤلاء- أى: كفار مكة- سيصيبهم سيئات ما كسبوا فإنهم مغرورون بأموالهم، وكثيرا ما قالوا: أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟! أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء له ذلك ولو كان كافرا جاهلا، وله في ذلك حكم تخفى على كثير من الناس، والله يقتر الرزق على من يشاء ولو كان مسلما عاقلا حكيما لحكم هو وحده يعلمها، فليس الرزق

стр. 2068

الواسع دليلا على محبة الله، وليس الفقر دليلا على بغض الله، وليس واحد منهما يرجع إلى عقل صاحبه وتفكيره فقط، فكثيرا ما نرى أن المال يأتى لمن لا حيلة له حتى يتعجب صاحب الحيلة، إن في ذلك لآيات ناطقة بأن الكل من الله، والأسباب الظاهرة ملغاة في غالب الأحوال، ولا يعقل ذلك كله إلا القوم المؤمنون. وعظ وإرشاد [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٩] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)

стр. 2069

المفردات: أَسْرَفُوا: تجاوزوا الحد لا تَقْنَطُوا: لا تيأسوا وَأَنِيبُوا: ارجعوا وَأَسْلِمُوا: من الاستسلام والخضوع بَغْتَةً: فجأة يا حَسْرَتى الحسرة: الندامة فِي جَنْبِ اللَّهِ: المراد طاعة الله وطلب مرضاته السَّاخِرِينَ: المستهزئين كَرَّةً: رجعة. روى عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي، وعياش بن أبى ربيعة بن عتبة، أى: تواعدنا فقلنا: الموعد أضاة بنى غفار- أى: غديرهم- وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت أنا وعياش بن أبى ربيعة وحبس عنا هشام، وإذا به قد افتتن فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله- وآمنوا برسوله ﷺ ثم افتتنوا لبلاء لحقهم ألا نرى لهم توبة؟! وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله- في كتابه قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.. الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام، قال هشام: فلما قدمت علىّ خرجت بها إلى (ذي طوى) مكان بمكة فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ﷺ : ورويت روايات أخرى في سبب النزول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المعنى: قل يا محمد مبلغا عنى الذين أسرفوا على أنفسهم، وأفرطوا في المعاصي: يا عبادي لا تيأسوا من رحمة الله فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون، لا تقنطوا من مغفرة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وهو تعليل للنهى عن اليأس والقنوط، وهذه الآية في كتاب الله، فهي تفتح باب الأمل للعصاة من المؤمنين حتى لا يظلوا سادرين في غيهم راكبين رءوسهم في طاعة أنفسهم وشياطينهم. والنفس كثيرا ما تشعر بذنبها، وتندم على فعلها، وتذكر ماضيها، وتود لو أنها كانت من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، فلو سد باب التوبة والرجوع إلى الله لظل

стр. 2070

أغلب الناس يتخبطون في ظلمات المعاصي، ولكن فتح باب التوبة يسد على إبليس كثيرا من النوافذ، وقد تكون توبة العاصي عند الله أحسن من عبادة العابد، والذي يرجع عن السوء، وينخرط في سلك التوابين قد يكون عند الله من المقربين، لأنه يعمل عن عقيدة عملا صادرا من نفس أدركت خطر المعاصي ولذة الطاعات. الله- ينهانا عن اليأس ويفتح أمامنا باب الأمل، ويأمرنا بقوله: وأنيبوا إلى ربكم الذي رباكم وتعهدكم وأنتم ضعاف حتى قوى ساعدكم، وأسلموا له واخضعوا لحكمه وامتثلوا أمره، وبادروا إلى ذلك بسرعة من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ساعة الموت وطلوع الروح ثم لا تنصرون، ومن ينصركم من الله ويمنعكم منه؟ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ الآية إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ.. [سورة النساء الآيتان ١٧، ١٨] . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والله- سبحانه- أنزل على الأنبياء كتبا كالتوراة والإنجيل، وأحسنها وأوفاها وأكملها هو القرآن لأن ما تقدمه كان تهيئة لنزوله وإعدادا لقبوله، والله أعلم بأسرار كتابه، وقيل غير ذلك، وسارعوا إلى ربكم، وأسرعوا في امتثال أمره واجتناب نهيه وأنتم الآن في فسحة من العمل من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم لا تشعرون به، اتبعوه كراهة أن تقول نفس يوم الحساب: يا حسرتى احضرى فهذا أوانك، يا حسرتى على ما فرطت في طاعة الله وأهملت في كل ما يوصلني إلى جواره، ويدخلني جنته، ولات ساعة مندم. ويا ليتني فرطت في العمل فقط بل كنت من المستهزئين الذين استهزءوا بدين الله، وبمن آمن به، ولعله يخبر بذلك متحسرا على ما قدم. أو تقول نفس حينما ترى المؤمنين وقد جوزوا على عملهم أحسن الجزاء: لو أن الله هداني لكنت من المتقين كهؤلاء. أو تقول نفس حين ترى العذاب الذي أعد لها: لو أن لي كرة ورجوعا إلى الدنيا فأعمل صالحا وأكون من المحسنين، كلا إنها كلمة هو قائلها، بلى «١» قد جاءتك آياتي
следующие страницы →