← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

يا رب تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، وهؤلاء المشركون بعد ظهور الأدلة ووضوحها ينفرون من التوحيد ويستبشرون بالشرك، وأنت يا رب وحدك القادر على إزالة هذا منهم وصدهم عن عبادتهم هذه. ثانيهما أنهم يوم القيامة في حال يودون أن لو كان لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أنفسهم من عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، وفيه ظهر من أنواع العذاب التي أعدها الله لهم ما لم يكن في حسابهم ولا تقديرهم، ونظير ذلك قول الله في جانب المؤمنين: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وقد ظهر لهم سيئات ما كسبوا من سىء الأعمال، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فهذا هو جزاؤهم، وقد كانوا من قبل يستهزئون بالنبي وينكرون وعيده لهم، وها هم أولاء قد لمسوه وعرفوه، وندموا ولات ساعة مندم.. هكذا الإنسان [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)

стр. 2067

المفردات: مسه: أصابه خَوَّلْناهُ: أعطيناه وملكناه فِتْنَةٌ: اختبار وابتلاء بِمُعْجِزِينَ: بسابقين الله وبفائتيه. المعنى: وتلك سيئة أخرى من سيئاتهم المتكررة، وهذه كلها تنشأ من أنهم لا يؤمنون حقا بوجود إله قوى يصرف هذا الكون، فهم ينظرون إلى الدنيا نظرة سطحية خاطئة، فإذا مسهم الضر، ووقعوا في الشدة لجئوا إلى الله، ودعوه منيبين إليه، ثم إذا كشف الضر عنهم، وخولهم ربك نعمة من عنده نسوا ما كانوا يدعون من قبل وقالوا: إن هذا الخير وصل إلينا لعلم عندنا بأمور الدنيا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص ٧٨] . وهكذا الإنسان يلجأ إلى الله في الشدائد حتى إذا نجا وأدرك ساحل السلامة وآتاه الله بسطة في مال أو جاه قال: إنما حصل لي هذا بسبب نشاطي وجدي وكمال عقلي وقوة حدسى، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم دائما يذكرون الله في السراء والضراء، فإن مسهم خير شكروا الله لأنه صاحب النعمة، وإن مسهم ضر صبروا ولجئوا إلى الله لأنه وحده هو الذي يكشف الشر، أيها الناس: لا تغتروا بما أوتيتم، بل النعم فتنة وابتلاء ليعلم أتشكرون أم تكفرون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن إعطاءهم بلاء واختبار! قد قال مقالة الكفار هذه الذين من قبلهم من كفار الأمم السابقة، وهذا دليل على أن ذلك طبع في الإنسان، إنه كثير النسيان، مغرور بما أعطى من مال أو جاه، قد قالها من قبلهم، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله، فأصابهم سيئات ما كسبوا، والذين ظلموا من هؤلاء- أى: كفار مكة- سيصيبهم سيئات ما كسبوا فإنهم مغرورون بأموالهم، وكثيرا ما قالوا: أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟! أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء له ذلك ولو كان كافرا جاهلا، وله في ذلك حكم تخفى على كثير من الناس، والله يقتر الرزق على من يشاء ولو كان مسلما عاقلا حكيما لحكم هو وحده يعلمها، فليس الرزق

стр. 2068

الواسع دليلا على محبة الله، وليس الفقر دليلا على بغض الله، وليس واحد منهما يرجع إلى عقل صاحبه وتفكيره فقط، فكثيرا ما نرى أن المال يأتى لمن لا حيلة له حتى يتعجب صاحب الحيلة، إن في ذلك لآيات ناطقة بأن الكل من الله، والأسباب الظاهرة ملغاة في غالب الأحوال، ولا يعقل ذلك كله إلا القوم المؤمنون. وعظ وإرشاد [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٩] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)

стр. 2069

المفردات: أَسْرَفُوا: تجاوزوا الحد لا تَقْنَطُوا: لا تيأسوا وَأَنِيبُوا: ارجعوا وَأَسْلِمُوا: من الاستسلام والخضوع بَغْتَةً: فجأة يا حَسْرَتى الحسرة: الندامة فِي جَنْبِ اللَّهِ: المراد طاعة الله وطلب مرضاته السَّاخِرِينَ: المستهزئين كَرَّةً: رجعة. روى عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي، وعياش بن أبى ربيعة بن عتبة، أى: تواعدنا فقلنا: الموعد أضاة بنى غفار- أى: غديرهم- وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت أنا وعياش بن أبى ربيعة وحبس عنا هشام، وإذا به قد افتتن فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله- وآمنوا برسوله ﷺ ثم افتتنوا لبلاء لحقهم ألا نرى لهم توبة؟! وكانوا هم أيضا يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله- في كتابه قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.. الآيات. قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام، قال هشام: فلما قدمت علىّ خرجت بها إلى (ذي طوى) مكان بمكة فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ﷺ : ورويت روايات أخرى في سبب النزول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المعنى: قل يا محمد مبلغا عنى الذين أسرفوا على أنفسهم، وأفرطوا في المعاصي: يا عبادي لا تيأسوا من رحمة الله فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون، لا تقنطوا من مغفرة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وهو تعليل للنهى عن اليأس والقنوط، وهذه الآية في كتاب الله، فهي تفتح باب الأمل للعصاة من المؤمنين حتى لا يظلوا سادرين في غيهم راكبين رءوسهم في طاعة أنفسهم وشياطينهم. والنفس كثيرا ما تشعر بذنبها، وتندم على فعلها، وتذكر ماضيها، وتود لو أنها كانت من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، فلو سد باب التوبة والرجوع إلى الله لظل

стр. 2070

أغلب الناس يتخبطون في ظلمات المعاصي، ولكن فتح باب التوبة يسد على إبليس كثيرا من النوافذ، وقد تكون توبة العاصي عند الله أحسن من عبادة العابد، والذي يرجع عن السوء، وينخرط في سلك التوابين قد يكون عند الله من المقربين، لأنه يعمل عن عقيدة عملا صادرا من نفس أدركت خطر المعاصي ولذة الطاعات. الله- ينهانا عن اليأس ويفتح أمامنا باب الأمل، ويأمرنا بقوله: وأنيبوا إلى ربكم الذي رباكم وتعهدكم وأنتم ضعاف حتى قوى ساعدكم، وأسلموا له واخضعوا لحكمه وامتثلوا أمره، وبادروا إلى ذلك بسرعة من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ساعة الموت وطلوع الروح ثم لا تنصرون، ومن ينصركم من الله ويمنعكم منه؟ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ الآية إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ.. [سورة النساء الآيتان ١٧، ١٨] . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والله- سبحانه- أنزل على الأنبياء كتبا كالتوراة والإنجيل، وأحسنها وأوفاها وأكملها هو القرآن لأن ما تقدمه كان تهيئة لنزوله وإعدادا لقبوله، والله أعلم بأسرار كتابه، وقيل غير ذلك، وسارعوا إلى ربكم، وأسرعوا في امتثال أمره واجتناب نهيه وأنتم الآن في فسحة من العمل من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم لا تشعرون به، اتبعوه كراهة أن تقول نفس يوم الحساب: يا حسرتى احضرى فهذا أوانك، يا حسرتى على ما فرطت في طاعة الله وأهملت في كل ما يوصلني إلى جواره، ويدخلني جنته، ولات ساعة مندم. ويا ليتني فرطت في العمل فقط بل كنت من المستهزئين الذين استهزءوا بدين الله، وبمن آمن به، ولعله يخبر بذلك متحسرا على ما قدم. أو تقول نفس حينما ترى المؤمنين وقد جوزوا على عملهم أحسن الجزاء: لو أن الله هداني لكنت من المتقين كهؤلاء. أو تقول نفس حين ترى العذاب الذي أعد لها: لو أن لي كرة ورجوعا إلى الدنيا فأعمل صالحا وأكون من المحسنين، كلا إنها كلمة هو قائلها، بلى «١» قد جاءتك آياتي

стр. 2071

على لسان رسلي واستكبرت عن اتباع الحق، وكنت من الكافرين وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ- الطريقين- فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [سورة البلد الآيتان ١٠، ١١] . لا إله إلا الله يجزى كلا على عمله [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٠ الى ٦٧] وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) المفردات: مَثْوىً: مكان إقامة، يقال: ثوى بالمكان: أقام به بِمَفازَتِهِمْ: بفوزهم

стр. 2072

بالعمل الصالح مَقالِيدُ: جمع مقليد أو مقلد أو مقلاد: وهو المفتاح لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الإحباط: الإبطال والإفساد بِيَمِينِهِ اليمين: تطلق على الجارحة، أو على القدرة والملك، أو القوة لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ وعليه قول الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين المعنى: في هذه الآيات الكريمة بيان جزاء الكافرين والمؤمنين يوم القيامة بالإجمال وبيان دلائل التوحيد والألوهية وموقف النبي ﷺ من ذلك.. ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، والخطاب هنا للنبي ﷺ ولكل من تتأتى منه الرؤية، ولا شك أن المشركين كذبوا على الله حيث وصفوه بغير صفاته، وأثبتوا له الشريك والولد، وهؤلاء الكذابون، تراهم يوم القيامة قد اسودت وجوههم، وعليها غبرة ترهقها قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، لما رأوا ما أعد لهم ظهرت عليهم علائم الخوف والاضطراب. أليس في جهنم مثوى لأولئك الكذابين الذين جاءتهم آيات الله فكذبوا بها واستكبروا عنها؟ وهذا تقرير لرؤيتهم يوم القيامة سود الوجوه، وأما المؤمنون الصادقون فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد نجاهم ربك لأنهم اتقوا ما أعد للكفار حالة كونهم متلبسين ومقترنين بفلاحهم وظفرهم بطلبهم وهي الجنة قد أعدت لهم، لا يمسهم فيها سوء، ولا هم يحزنون. لا غرابة في هذا، فالله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل يتصرف فيه كيفما شاء، والكل محتاج إليه «١» ، له مقاليد السموات والأرض وهذه كناية عن قدرته- تعالى- وحفظه لها بمعنى أنه لا يملك التصرف في خزائن السموات والأرض- وهي ما أودع فيها من منافع- غيره تعالى. وأخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن عفان- رضى الله عنه- سأل رسول الله: ﷺ عن تفسير قوله تعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال رسول الله

стр. 2073

صلّى الله عليه وسلّم: ما سألنى عنها أحد: لا إله إلا الله والله أكبر. وسبحان الله وبحمده. أستغفر الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، يحيى ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. والمراد أنه يعطى أجرا على ذلك كبيرا، ويحرس من كل شر كما ورد في بعض الروايات، فكأن هذا الدعاء إذا ذكرته صباحا ومساء وكررته تفتح لك خزائن السموات والأرض ولا حرج على فضل الله. روى أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : أسلم ببعض آلهتنا ونحن نؤمن بإلهك، فقيل للنبي: قل لهم: أفغير الله الذي اتصف بأنه خالق كل شيء والمتصرف في كل شيء، وله وحده التصرف الكامل في هذا الكون أرضه وسمائه! أفغير الله الموصوف بهذا أعبد، ما هو غير الله؟ أصنام وأحجار، وتماثيل وأوثان، وجمادات مخلوقة لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى شيئا، بل هي الضرر كل الضرر، أعبد غير الله الواحد القهار؟ أتأمروني أيها الجاهلون بعبادة غير الله بعد ما وضح الحق وظهر الصبح؟ إن أمركم لعجيب، وتالله لقد أوحى إليك بالتوحيد وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك: لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك وليفسدن، ولتكونن من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأضلوا أعمالهم، وهذا كلام على سبيل الفرض، أى: لو فرض منك ذلك لكان كذلك، ولقد سيق لإقناط الكفرة من ترك محمد لرسالته، وليعلم الكل فظاعة الشرك وقبحه، فلقد نهى عنه من لا يستطيع الإلمام به، فكيف بمن يأتيه؟!! بل الله وحده فاعبد يا محمد أنت وكل من آمن بك، وكن من الشاكرين على هذا التوفيق فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وما قدروا الله حق قدره أبدا حيث عبدوا معه شركاء لا تسمع، ولا تنفع، والحال أن الأرض في قبضته، والسموات مطويات بيمينه، له الأمر كله وإليه ترجعون، وسبحان الله وتعالى عما يشركون. وهذا الكلام وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ عند بعضهم تمثيل لحال عظمته- تعالى- وكمال تصرفه ونفاذ قدرته بحال من يكون له قبضة فيها الأرض كلها، وله يمين تطوى السموات طيا. ويرى بعضهم أن الكلام على حقيقته.

стр. 2074

أحوال الخلق يوم القيامة [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٨ الى ٧٥] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)

стр. 2075

المفردات: الصُّورِ: هو بوق ينفخ فيه قبل قيام الساعة فَصَعِقَ صعق الرجل: إذا غشى عليه من هزة أو صوت شديد، وصعق: إذا مات، والمراد المعنى الثاني أَشْرَقَتِ: أضاءت بِنُورِ رَبِّها أى: تجليه للحكم والعدل بين الناس، وقيل: هو نور يخلقه الله بلا واسطة أجسام مضيئة وَوُضِعَ الْكِتابُ المراد: صحائف الأعمال سِيقَ: السّوق يقتضى الحث على المسير بعنف وشدة مع الكفار، ومع المؤمنين بلين ولطف للإسراع بالإكرام. زُمَراً: جماعة قليلة متفرقة مرتبة حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ: وجبت كلمة العذاب، أى: حكم الله عليهم بالشقاوة حَافِّينَ: محدقين ومحيطين حول العرش. المعنى: وتلك آية أخرى دالة على كمال قدرته ونفاذ إرادته مظهرها يكون يوم القيامة حيث يكون الأمر يومئذ لله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ونفخ صاحب الصور الموكل به من الملائكة، نفخ فيه النفخة الأولى فصعق ومات كل من في السموات والأرض إلا من شاء الله عدم موته ساعة النفخة فيموت بعدها كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [سورة القصص آية ٨٨] . ثم ينفخ فيه نفخة أخرى فإذا الخلائق كلها قيام ينظرون الأمر والتوجيه، أو ينظرون نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، ولا يمنع هذا قول الله في حقهم: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ «١» . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ «٢» أى: يسرعون المشي، لأن لهم في ذلك الوقت مواقف متعددة.

стр. 2076

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ عند ذلك بِنُورِ رَبِّها أى: أضاءت بنوره، ولعل هذا إشارة إلى تجليه- لفصل القضاء أو الحكم بين الناس بالعدل، ولا يبعد أن يكون هذا النور هو الذي يعنيه الحديث: حجابه النور . وهو نور يظهر عند ذلك التجلي، وفي الحق أن الأمر فوق ما تنتهي إليه عقول البشر، والله أعلم بكتابه، وأشرقت أرض المحشر بنور ربها جل شأنه، ووضع الكتاب وبرزت صحائف الأعمال ليتلقاها أصحابها باليمين أو بالشمال، وجيء بالنبيين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ليسألوا عما فعلوا، وجيء بالشهداء الذين يشهدون على الأمم أو الأفراد وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ «١» وقيل: المراد بالشهداء الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد ﷺ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٢» وقيل: هم الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله. ووفيت كل نفس ما عملته من خير أو شر، ولا عجب فالذي يجازيها هو أعلم بما فعلته من خير أو شر يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ «٣» . وهاك تفصيلا لتوفية كل نفس عملها: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً يا سبحان الله!! أيساقون إليها سوق الأنعام بالشدة والغلظة؟! يساقون إليها زمرا وجماعات مرتبة على حسب شرورها وآثامها حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها لهم كالسجن يفتح بابه للسجين حينما يصله، وقال لهم خزنتها وحراسها تأنيبا وتقريعا: ألم تأتكم رسل منكم ومن جنسكم تفهمون عنهم، وتعرفون أمرهم، يتلون عليكم آيات ربكم، وينذرونكم يوما عبوسا قمطريرا كهذا اليوم؟ ويخوفونكم لقاء يومكم هذا؟! قالوا: بلى قد جاءتنا الرسل وكثيرا ما وعظتنا وذكرتنا بالله، وخوفتنا لقاء هذا اليوم، ولكن حقت كلمة الله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «٤» نعم حقت كلمة العذاب على الكافرين، أى: كلمة الله المقتضية للعذاب، والمراد بها حكم الله عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل جهنم بسوء اختيارهم وشنيع فعلهم الذي فعلوه مع الأنبياء.

стр. 2077

وماذا حصل بعد هذا؟ قيل لهم من قبل الملائكة: ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثواكم جهنم، وهي مثوى المتكبرين الذين تكبروا على قبول الحق والانقياد للرسل المنذرين لهم، وهذا يشم منه تعليل دخولهم النار بسبب تكبرهم. وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة جماعات على حسب رتبهم في الفضل والشرف، وسوقهم هنا معناه الحث على السير للإسراع في الإكرام بخلافه مع الكفرة فإنه للإهانة والتحقير. حتى إذا جاءوها والحال أن أبوابها مفتحة جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ كالكريم الذي يصنع مع ضيفه يهيئ له المكان ويعد له النمارق والزرابي ثم تفتح له الأبواب استعدادا لمقدمه، ويقف الخدم والحشم عليها للتحية.. ويا حظ أصحاب الجنان حيث يفتح لهم ربهم أبواب جناته وتقف الملائكة للتحية والإكرام، ويقولون لهم مرحبين: سلام عليكم طبتم نفسا وقررتم عينا بذلك النعيم الدائم المقيم فادخلوها خالدين. ونعم أجر العاملين، وقال الذين اتقوا وعملوا الصالحات: الحمد لله والشكر له صدقنا وعده بالبعث والثواب وأورثنا الأرض، أى: المكان الذي نستقر فيه، يتبوأ كل منا في أى مكان أراده من جنته الواسعة الوارفة الظلال، فنعم أجر العاملين هذا الأجر. وترى الملائكة حافين حول العرش محدقين ينتظرون الإشارة من صاحب العرش- ﷻ وهم يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرونه، وقضى بين العباد كلهم بالقسط، وقيل من المؤمنين: الحمد لله رب العالمين، حمدوا ربهم أولا على إنجاز وعده ووراثتهم الأرض يتبوءون من الجنة حيث يشاءون، وحمدوه ثانيا على القضاء بالحق، والحكم بالعدل بين الناس جميعا.. فالحمد له رب العالمين.

стр. 2078

سورة غافر وتسمى سورة المؤمن، وسورة الطول، وهي مكية كلها في قول أكثر القراء، وعن ابن عباس: هي مكية إلا آيتين منها هما إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ والتي بعدها، وهي خمس وثمانون آية. والسور المبدوءة في القرآن بلفظ حم سبع سور وكلها مكية، وهي عرائس القرآن، وروى عن أنس قول النبي ﷺ قال: الحواميم ديباج القرآن. وروى أن النبي ﷺ قال: «لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات حم، هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم» . وسورة غافر تدور آياتها حول مناقشة المجادلين في آيات الله المشتملة على التوحيد وإثبات البعث والرسالة، ويتطرق الكلام إلى وصف حال المشركين والمجادلين يوم القيامة، ثم ذكر قصة فرعون وهامان وقارون للمشركين، وفي خلال ذلك سيقت آيات تثبت وصف الله بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص. القرآن ومن جادل فيه ومن آمن به [سورة غافر (٤٠) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)

стр. 2079

المفردات: حم تقرأ هكذا: حاميم بالسكون، وقرأ بعض القراء حاميم، وفي معناها ما مضى في أول سورة البقرة وغيرها من أنها سر بين الله ورسوله الله أعلم به، أو هي سيقت للتحدى، أو هي وغيرها حروف سيقت للاستفتاح والتنبيه لخطر ما بعدها، وقد سئل رسول الله عنها فقال: «بدء أسماء وفواتح سور» التَّوْبِ: مصدر تاب، والمراد التوبة ذِي الطَّوْلِ: صاحب النعم والفضل، والطول: الغنى والسعة أيضا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. تَقَلُّبُهُمْ: تصرفهم وتنقلهم وَالْأَحْزابُ أى: الأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب كعاد وثمود وَهَمَّتْ أى: عزمت لِيَأْخُذُوهُ المراد: ليقتلوه ويعذبوه لِيُدْحِضُوا أى: ليزيلوا به الحق حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وجبت ولزمت كلمة ربك، أى: حكمه وَقِهِمْ: اصرف عنهم.

стр. 2080

وفي هذه الآيات تكلم الحق- ﵎ عن نزول القرآن وأنه من عند الله الموصوف بصفات ست، ثم تعرض للكفار الذين كفروا به وجادلوا بالباطل ومآلهم. ثم تعرض لموقف من آمن به وطمأنهم غاية الاطمئنان حيث جعل الملائكة تدعو لهم وتستغفر للمؤمنين. المعنى: هذا القرآن الكريم الذي بين يديك يا محمد تنزيله من الله، فأنت صادق فيما تدعيه من أنك رسول الله وأن القرآن من عند الله، هذا القرآن يجب اتباعه، والسير على طريقته لأنه منزل من عند الله الخالق لكل شيء، القادر الذي له ملك السموات والأرض، العزيز الذي لا يغلبه غالب، العليم الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة، وهو مع هذا يغفر الذنوب جميعا ويقبل التوبة من عباده لأنه كتب على نفسه الرحمة، وهو مع هذا شديد العقاب لمن عصى وبغى، ولم يرع ذمة ولا عهدا، ولم يرجع نادما تائبا عما فرط منه، وهو صاحب الطول، وواهب الفضل ومجزل العطاء، وصاحب النعم في السراء والضراء، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، ترى أن الله وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه لما كان جديرا بهذه الصفات ولما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحدا ليس له شريك ولا شبيه، كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة، وكانت هذه الصفات به جديرة. فلذلك قال هنا: لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه، واعلموا أنه إليه وحده المرجع والمآب فاحذروا عقابه وارجوا ثوابه. روى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له: تتابع في هذا الشراب وأصبح من أهل المدام، فقال عمر لكاتبه: اكتب إليه: سلام عليك وأنا أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ.. إلى قوله إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر عمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته صحيفة عمر، جعل يقرؤها ويقول: وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه وذكرني بنعمه فلم يبرح يرددها حتى بكى، ثم نزع نفسه مما هي

стр. 2081

فيه وتاب فأحسن التوبة، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. هذا هو القرآن الكريم الذي أنزل على النبي الصادق الأمين، والذي أنزله رب العالمين غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول. لا إله إلا هو إليه المصير، فهل آمن به كل الناس؟ لا: من الناس من كفر بالله وجادل في كتاب الله جدالا بالباطل الذي لا حق فيه، وقال تمويها وتضليلا: إنه سحر أو شعر أو كهانة أو هو أساطير الأولين، وإنما يعلمه بشر، وأمثال هذا كثير مما كانوا يقولون للنبي ﷺ ولذا يقول الله هنا: ما يجادل في آيات الله جدالا بالباطل لا بالحق، وإلا فالجدال لإظهار الحق ولتفهم المعنى مطلوب شرعا، ما يجادل بالباطل إلا الذين كفروا، وهؤلاء سنريهم آياتنا، وحسابنا العسير لهم في الدنيا والآخرة، فلا يغررك ما هم فيه من نعمة، ولا يهمنك تمتعهم في الدنيا فهو متاع قليل، مأواهم جهنم وبئس المصير، انظر تر أن العذاب الذي لحقهم سببه أنهم عزموا على إيذاء الرسول وقتله، وجادلوا بالباطل لإزهاق الحق فكانوا بذلك من أصحاب النار. وهذه سنة الله مع من يكذب رسله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فقد كذبت قبلهم قوم نوح، وكذبت عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط، هؤلاء تحزبوا ضد أنبيائهم، وتجمعوا للكيد بهم، وعزمت كل أمة منهم لتأخذ رسولها أسيرا فتهلكه وتقتله، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، فعلوا هذا، وما علموا أن الله ينصر رسله ويدافع عنهم وعمن آمن معهم. وهؤلاء الذين كذبوا رسل الله وهموا أن يأخذوا رسلهم ليقتلوهم، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ويطمسوا معالمه، أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر، فكيف كان عقاب؟! وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ أى: كما وجب وثبت حكمه- تعالى- وتحقق هلاك هؤلاء المتحزبين على الأنبياء، وجب وتحقق حكمه- بالإهلاك على هؤلاء المتحزبين عليك أيضا من قريش لأنهم أصحاب النار «١» فالسبب واحد والعلة واحدة.

стр. 2082

هؤلاء الكفار تحزبوا ضد النبي والمؤمنين، وبالغوا في إظهار العداوة للنبي وصحبه وهم قلة بالنسبة لهم، فأراد ربك أن يطمئن خاطر المسلمين ويشد أزرهم ببيان أن معهم أشرف الخلق، من الملائكة الأطهار، يدعون لهم ويستغفرون، وذلك بلا شك هو الفوز العظيم، فقال ما معناه: الذين يحملون عرش ربك، ومن حوله حافين به وهم في خدمته، ورهن إشارته، والقائمون بحفظه وتنفيذ أمر ربهم هؤلاء يسبحون حامدين منزهين ربهم عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل، ويؤمنون به إيمانا حقيقيا كاملا بظهر الغيب. ويستغفرون للذين آمنوا قائلين: ربنا وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، وإنما عدل عن هذه العبارة إلى ما في النظم الكريم للمبالغة. ربنا فاغفر للذين تابوا إليك، واتبعوا سبيلك الحق وهو الإسلام، وقهم عذاب الجحيم، ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ليتم سرورهم، ويضاعف ابتهاجهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور ٢١] ، وقهم السيئات، واحفظهم من المكروه والآلام كلها يوم القيامة، ومن يتق السيئات يومئذ يقوم الناس لرب العالمين لقد رحمته بدخول الجنة وذلك هو الفوز العظيم. ومن أهوال يوم القيامة [سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٠ الى ١٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)

стр. 2083

المفردات: لَمَقْتُ اللَّهِ المقت: أشد أنواع البغض، والمراد به في جانب الله لازمه وهو تعذيبهم والغضب عليهم رَفِيعُ الدَّرَجاتِ: مرتفع الصفات منزه عن مشابهة المخلوقات ذُو الْعَرْشِ: خالقه ومالكه الرُّوحَ المراد به: الوحى، سماه روحا لأنه كالروح في إحيائه الموات من الناس يَوْمَ التَّلاقِ: يوم اجتماع الخلائق للحساب بارِزُونَ: ظاهرون لا سبيل إلى إخفائهم. وهذا حال من أحوال الكفرة يوم القيامة، وهم في جهنم، بعد ما بين سابقا أنهم أصحاب النار. المعنى: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينادون من بعيد، وهم في النار يتلظون سعيرها فقال لهم: لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، وذلك أنهم حينما يرون ما كانوا يكفرون به حقا لا شك فيه يمقتون أنفسهم أشد المقت لأنهم وقعوا

стр. 2084

فيما وقعوا باتباع هواها، ويصح أن يكون المعنى أنهم يمقت بعضهم بعضا، الأتباع والمتبوعين الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ «١» يكفر بعضكم ببعض ويعلن بعضكم بعضا فيقال لكم عند ذلك رءوس الأشهاد: لمقت الله أنفسكم الأمارة بالسوء إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أشد من مقتكم أنفسكم، أو المعنى لمقت الله أنفسكم في الدنيا إذ «٢» تدعون من جهة الأنبياء إلى الإيمان فتأبون قبوله فتكفرون اتباعا لأنفسكم ومسارعة في هواها أو اقتداء بأخلائكم المضللين، لمقت الله هذا أكبر من مقتكم أنفسكم أو أكبر من مقت بعضكم لبعض. هؤلاء الكفار حينما يشتد بهم العذاب، ولا يطيقون الصبر يقولون: ربنا أمتنا اثنتين أى: موتتين، الأولى قبل الحياة، والثانية في الدنيا، وأحييتنا اثنتين، الأولى في الدنيا والثانية يوم القيامة، فاعترفنا بذنوبنا وآثامنا، وبدا لنا سيئات ما عملنا، فارجعنا نعمل صالحا في حياة ثالثة فإنا أدركنا خطأنا وتبين لنا صدق الرسل- ﵈ وأصبحنا موقنين بذلك، فهل إلى خروج من سبيل «٣» ؟ لا.. فإنهم «لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه» ، ذلكم العذاب الدائم المستمر الذي هم فيه بسبب أنه إذا دعى الله وحده كفروا باستمرار، وإن يشرك به يؤمنوا على أن له شريكا، وحيث كان الأمر كذلك فالحكم لله العلى الكبير. هو الذي يريكم أيها الناس آياته الكونية وآياته القرآنية الشاهدة له بالوحدانية والقدرة والاتصاف بكل كمال والتنزه عن كل نقص، وهو الذي ينزل لكم من السماء رزقا، ترى أن الله- سبحانه- جمع في الآية نعمه التي تحيى الأديان والتي تحيى الأبدان، وتقوى الروح والأجسام، ولا يتذكر بهذا، ولا يتعظ إلا من ينيب. وإذا كان الأمر كذلك فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، هو رفيع الدرجات، عظيم الصفات، رافع درجات المؤمنين، ذو العرش وصاحب الملك وكامل التصرف لا إله إلا هو، يلقى الروح على من يشاء من عباده، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فهو الذي ينزل الوحى على الأنبياء، لينذروا الناس يوم التلاقي، واجتماع الخلق

стр. 2085

للحساب، ويخوفونهم يوما يبرزون فيه أمام الحق- ﵎ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام ٩٤] بروزا أمام الله لا حول لهم ولا قوة ولا ساتر ولا وقاية من عذابه لا يخفى على الله منهم شيء. يا حسرتا على القوم الكافرين!! يقول الله- تعالى- بعد فناء الخلق أجمعين، أى: بعد النفخة الأولى: لمن الملك اليوم؟ فيجيب الله: لله الواحد القهار، فالسائل والمجيب هو الله، أو هو على لسان ملك، أو حال الخلائق ناطقة بذلك. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب فهو لا يشغله حساب عن حساب. تخويف الكفار وترويعهم [سورة غافر (٤٠) : الآيات ١٨ الى ٢٢] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)

стр. 2086

المفردات: الْآزِفَةِ المراد: يوم القيامة سميت بذلك لقربها إذ كل ما هو آت قريب، ويقال: أزف الرحيل يأزف أزفا: إذا قرب كاظِمِينَ: ممتلئين غما الْحَناجِرِ: جمع حنجرة وهي الحلقوم حَمِيمٍ: قريب نافع خائِنَةَ الْأَعْيُنِ: المراد الأعين الخائنة وهي التي تختلس النظر إلى المحرم وتسارقه واقٍ: حافظ يدفع عنهم السوء. وهذا وصف آخر لأهوال يوم القيامة حتى يرتاع الكفار وتمتلئ قلوبهم روعة ورهبة. المعنى: وأنذر الناس وخاصة الذين يجادلون في آيات الله بالباطل، أنذرهم يوم القيامة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «١» ، والقيامة وإن بعد زمانها إلا أنها آتية لا شك فيها، وكل آت قريب أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ «٢» إذ «٣» القلوب لدى الحناجر كاظمين، والمراد تخويفهم وترويعهم من ذلك اليوم وقت أن تكون القلوب لدى الحناجر، وهذه العبارة كناية عن شدة الخوف والوجل إلى درجة أن تخلع القلوب من أماكنها حتى تصل إلى الحلقوم فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ «٤» حالة كون أصحاب القلوب كاظمين، أى: مكروبين وساكتين مع امتلائهم غما وحزنا. ومن هنا فهمنا أن الكفار يوم القيامة يخافون خوفا شديدا يجعل قلوبهم لدى حلقومهم وأنهم من شدة الهم والخوف ساكتون فلا يستطيعون الكلام، ليس للظالمين- وهم أو لهم- حميم يدافع عنهم من صديق أو قريب، وليس لهم شفيع يشفع لهم ويجادل عنهم، وكانوا يعبدون الأصنام على أنها شفعاء عند الله.

стр. 2087

وهذا الذي يحاسبهم يوم القيامة يعلم الأعين الخائنة التي تسرق النظر إلى المحرم وتختلسه اختلاسا حتى لا يشعر بها أحد من الجالسين، ويعلم ما تخفيه الصدور من الرغبات والحاجات والنوايا، والإنسان يصدر عنه عمل نفسي قلبي أو عمل بالجوارح، فإذا كان الله يعلم أدق شيء عن جوارح الإنسان وهو النظر خلسة فمن باب أولى أن يعلم اليد التي تبطش والرجل التي تسير واللسان الذي يتكلم، ويعلم كذلك خطرات القلوب وما تخفيه الصدور وهو يعلم السر وأخفى، ويا ويلنا إذا كان يحاسبنا وهو من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور!! والله يقضى بالحق، لا ظلم اليوم، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتى بها الله وكفى به خير الحاسبين. والذين يدعونهم من دونه لا يقضون بشيء، وكيف يقضون، وهم لا يعلمون شيئا، إن الله هو السميع لكل قول، والعليم بكل فعل، وسيجازى على ذلك كله. نرى أن القرآن ملأ قلوبهم خوفا ورعبا من ذلك اليوم لو كانوا يعقلون، فذرك أنه قريب، وأن القلوب تنخلع فيه لهول ما ترى، وأن المجرمين لا يستطيعون الكلام مع امتلاء قلوبهم غيظا، وليس لهم صديق ولا حميم ولا شفيع يطاع، والحاكم يومئذ عالم بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وهو يقضى بالحق فلا محاباة عنده، وهؤلاء الأصنام لا تنفع عنده بشيء، وهو وحده السميع البصير. ولما بالغ الحق- ﵎ في تخويفهم من يوم القيامة أردفه بإنذارهم وتخويفهم في الدنيا، وبيان ما عمله الله مع من كفر وعذب الرسل السابقين لعلهم يتعظون فقال ما معناه: أغفلوا ولم يسيروا «١» في الأرض التي هي حولهم وفي طريقهم فينظروا نظرة اعتبار وموعظة ما حل بالأمم السابقة لما كذبت رسلهم كعاد وثمود وغيرهما، وهؤلاء السابقون كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وقد مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وقد أثاروا الأرض وزرعوها، وأصبحت لهم مدن وحضارة، وزراعة وصناعة ولكنهم

стр. 2088

كذبوا وكفروا فأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر بسبب ذنوبهم، وما كان عند ذلك من واق يقيهم العذاب. ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات والحجج الواضحات فكفروا بها، فأخذهم الله بسيئات أعمالهم، إنه قوى شديد العقاب. يا أهل الشرك، ويا أصحاب الفسق: احذروا هذا اليوم وخافوه واتعظوا بمن سبقكم، فالعاقل من اتعظ بغيره، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. وهذه قصة موسى مع فرعون وملئه، ذكر معها موقف رجل آمن من آل فرعون وكتم إيمانه، وقد تخللها حكم ومواعظ، وعبر وآيات، وإنما يتذكر بهذا وأمثاله أولو الألباب، وهي في جملتها بيان لعاقبة بعض الأمم التي سبقتهم، وكانت أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا.. وتتلخص القصة في: ١- موقف فرعون من دعوة موسى وما رد به عليه قولا وفعلا. ٢- مارد به موسى على تهديد فرعون. ٣- دفاع الرجل المؤمن عن موسى. ٤- تحذير لآل فرعون من عاقبة فعلهم في الدنيا والآخرة وتذكيرهم بما حل بقوم نوح وعاد وثمود. ٥- تذكيرهم بما حصل أيام يوسف- ﵇. ٦- إنكار فرعون وجود إله واحد كما يقول موسى بدليل حسى. ٧- وعظ الرجل المؤمن لقومه وبيانه حقيقة الدنيا والآخرة. ٨- نجاة موسى منهم ونهاية أمره وأمرهم. تلك هي عناصر القصة التي سيقت هنا، وسنذكرها بالتفصيل، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2089

موسى مع فرعون وهامان وموقف الرجل المؤمن [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) المفردات: وَسُلْطانٍ: وحجة قوية ظاهرة وَاسْتَحْيُوا: أبقوهم أحياء ضَلالٍ: ضياع وخسران ذَرُونِي: اتركوني. المعنى: وتالله لقد أرسلنا موسى بآياتنا التسع التي أهمها اليد والعصا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ أرسلناه بآياتنا وبحجة قوية واضحة على أنه رسول من عند الله، أرسلناه إلى فرعون ملك مصر وهامان وزيره، وقارون وكان صاحب أموال وكنوز،

стр. 2090

وكان مدار العداوة على هؤلاء الثلاثة وغيرهم تابعا لهم، فقالوا لما عجزوا عن معارضته ودفع الحجة بالحجة: إنه ساحر كذاب، ولكن موسى لم يعبأ بقولهم، وظل يقوم بدعوته، فلما جاءهم الحق من عند الحق- ﵎ قالوا: اقتلوا من الآن أبناء الإسرائيليين الذين معه، واتركوا البنات يعشن فإن خطر الذكور كبير، ونخشى أن يتجمعوا ويكثروا، وفي هذا الضرر، ويظهر أن فرعون كان قد امتنع عن هذا مدة من الزمن، ولكن أنى لهم ذلك وعين الله لا تنام عن أوليائه وأحبائه؟ فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم حتى شغلهم ذلك عن استئصال بنى إسرائيل، فهم قد مكروا ومكر الله، وكان كيدهم في ضلال وخسران، ونجى الله المؤمنين وأغرق قوم فرعون أجمعين. وقال فرعون في أثناء ذلك: ذروني أقتل موسى وانتهى من أمره، وليدع ربه الذي يدعى أنه رب السموات والأرض ورب المشارق والمغارب وأنه الذي خلق كل شيء ثم هدى، ذروني أقتله وليدع ربه ليخلصه، يريد بذلك إنكار وجود الإله، إنى أخاف أن يبدل دينكم الحق- في اعتقاده- أو أن يظهر في الأرض الفساد إن لم يبدل دينكم. هذا ما كان من أمر فرعون وآله، أما ما كان من أمر موسى إزاء هذا التهديد فها هو ذا: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ وقال موسى: إن ربي وربكم الذي خلقنا ورزقنا، ورعانا في بطون الأجنة وفي ظلمات ثلاث، والذي وهب لنا الوجود وعمنا بالخير والبركات أستعيذ به من كل متكبر جبار تعاظم عن الإيمان، وكان لا يؤمن بيوم الحساب، ومن كان كذلك فهو إلى الوحشية أقرب، بل أشد طغيانا وظلما من الحيوان المفترس، ولنا في موسى وهو يستعيذ بالله من كل متكبر طاغ أسوة حسنة والله معنا يحرسنا ويرعانا إن شاء الله. دفاع الرجل عن موسى [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٣] وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)

стр. 2091

المفردات: ظاهِرِينَ: غالبين بَأْسِ اللَّهِ: عذابه التَّنادِ المراد به: يوم القيامة. وهكذا لا تذهب الدعوة إلى الله سدى بل لا بد من وجود من يدافع ويرد كيد الكائدين لها في مجتمع أعدائها، وقد كان ذلك مع موسى وفرعون، فأوجد الله في قوم فرعون رجلا مؤمنا حقا يكتم إيمانه فلم يعرفه أحد بأنه مؤمن، ويظهر أن الرجل كانت له مكانة في القوم حتى استطاع أن يدلى برأيه هذا. قال: أتقتلون يا قوم رجلا لأنه يقول: ربي الله الذي خلق كل شيء وهو رب السموات والأرض، وقد جاءكم بالبينات والحجج الواضحات على أنه رسول من عند الله؟! فإن يك كاذبا فعليه وزر كذبه، ولا يضركم شيء فاتركوه وشأنه، ولا تتعرضوا

стр. 2092

له ولأتباعه، وإن يك صادقا في الذي يحذركم به من عذاب الدنيا والآخرة فلا أقل من أنه يصيبكم بعض الذي يعدكم، واعلموا أن الله لا يهدى من هو مسرف في قوله وعمله وهكذا فيما يدعيه. وقد هدى الله الرجل إلى الحق فبعيد جدّا أن يكون كما تقولون: مسرف كذاب. المعنى: وهذه مقالة الرجل الذي امتلأ قلبه بنور الإيمان، وخالط بشاشته برد اليقين فنظر إلى الدنيا نظرة الحكيم العاقل، فقال: يا قومي لكم الملك اليوم- ملك ظاهرى- حالة كونكم ظاهرين لا يعلو عليكم أحد غالبين لا يغلبكم أحد في أرض مصر، يا قوم لا تفسدوا أمركم، ولا تزيلوا عزكم بتعرضكم لهذا الرجل الذي يقول: ربي الله، ولا تتعرضوا لبأس الله، فإنه إن جاءنا لم يمنعه مانع، فمن ينصرنا من بأس الله؟ قال فرعون بعد سماعه لهذا الكلام: ما أريكم إلا ما أرى، ولا أشير عليكم إلا بقتله حتى نستريح، وما أهديكم بهذا الرأى إلا سبيل الرشاد وطريق الصواب. وقال الذي آمن: يا قوم إنى أخاف عليكم يوما يجعل الولدان شيبا، يا قوم إنى أخاف عليكم من تكذيب موسى والتعرض له بسوء أن يحل بكم مثل ما حل بالذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية فقد أخذهم ربكم أخذ عزيز مقتدر، وحل بهم الخسف والإغراق، وما الله بهذا يريد ظلما للعباد، ولكن الناس أنفسهم يظلمون بتكذيبهم الأنبياء، وتعرضهم لهم بالسوء. هذا الذي أخافه عليكم في الدنيا أما في الآخرة فإنى أخاف عليكم يوم التنادى الذي هو يوم القيامة، وما أكثر النداء فيه!! فيه ينادى أصحاب الجنة أصحاب النار، وفيه ينادى أصحاب النار أصحاب الجنة، وينادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم- كما ذكر هذا في سورة الأعراف- وينادى المنادى بالشقوة لأهل الشقاء، وبالسعادة لأهل السعادة وفيه تنادى الملائكة كلا بما يستحقه يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ إنى أخاف عليكم يا قوم يوم التنادى يوم تولون مدبرين هاربين ما لكم من الله من عاصم، وليس لكم من دونه ملجأ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد الله فما له من مضل، وكل ميسر لما خلق له.

стр. 2093

تذكيرهم بما حصل لهم أيام يوسف [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) المعنى: يا قوم تنبهوا، واذكروا ما حصل أيام يوسف الذي أرسل لكم، وتالله لقد جاءكم يوسف من قبل موسى بالآيات البينات فما زلتم، أى: أسلافكم في شك مما جاءكم به، ومتى شك الإنسان في الأمر أعرض عنه ولم يبحثه، حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده من يدعى الرسالة، مثل هذا الإضلال والخروج عن جادة الصواب يضل الله كل شخص مسرف في العصيان مرتاب في دينه شاك فيما تشهد به الآيات البينات، وهذا بيان لمن هو مسرف مرتاب وهم الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا حجة ولا برهان إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ «١» كبر مقتا عند الله، أى: كبر مقت المجادل في آيات الله وعظم جرمه عند الله، وعند الذين آمنوا!! مثل ذلك الطبع الفظيع يطبع الله على كل قلب متكبر جبار يصدر عنه هذا الإسراف والارتياب والمجادلة بغير حق..

стр. 2094

إنكار فرعون وجود الإله [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧) المفردات: صَرْحاً: القصر الضخم الْأَسْبابَ: جمع سبب، وهو الطريق الموصل إلى المطلوب تَبابٍ: خسارة وهلاك. المعنى: ولما سمع فرعون قول الرجل المؤمن وخاف أن يذاع خبره ويصل إلى قلوب الناس أراد أن يهدم أساس الدعوة، وينفى وجود الإله بالدليل الحسى ويعلم الناس أن قول موسى: إنى رسول من رب العالمين خطأ باطل، إذ كان رسولا منه فلا بد أن يتصل به شأن كل رسل الملوك، وهذا يكون بالصعود إلى السماء، وهو محال لأن موسى لم يبن بناء مرتفعا وأصلا إليها، ومنشأ ذلك الفهم أن فرعون يفهم أن الله مستقر في السماء، وأن رسله كرسل الملوك. وإذا كان الصعود إلى السماء محالا فكيف نقول بوجود الله فيها؟ وكيف نسلم بأن موسى رسوله؟ ولهذا قال فرعون: يا هامان ابن لي صرحا، ليظهر للكل أن الصعود إلى السماء محال.. لعلى أبلغ الأسباب والطرق الموصلة إلى السماء. فأطلع إلى إله موسى

стр. 2095

وإنى لأظنه كاذبا في دعواه أنه رسول، وأن هناك إلها غيرى. ومثل ذلك التزيين البليغ المفرط في الغباوة والطبع على القلوب زين لفرعون الجبار سوء عمله، وقبح صنعه، وصد عن سبيل الحق والعدل والإنصاف، أو هو صد غيره عن ذلك، وما كان كيده وعمله إلا في تباب وخسران. وعظ الرجل المؤمن لقومه [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٨ الى ٤٦] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)

стр. 2096

المفردات: لا جَرَمَ: لا شك. أى ثبت وحق أن ما تدعون إليه.. الآية مَرَدَّنا: مرجعنا وَحاقَ: أحاط بهم النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها: المراد يصلونها ويحرقون بها «١» . المعنى: وقال الذي آمن من آل فرعون يعظ قومه: يا قوم اتبعونى فيما أدعوكم إليه أهدكم سبيل الرشاد، سبيل يصل بكم إلى الخير والسداد وفي هذا تعريض بأن سبيل فرعون وآله وما هم عليه سبيل الغي والفساد. يا قوم: إنما هذه الحياة الدنيا متاع زائل وعرض حائل فلا تكن هي السبب في كفركم وغيكم، واعلموا أن الآخرة هي دار القرار والبقاء والخلود، فاعملوا لها واسعوا في نعيمها، ولا تغرنكم الدنيا الفانية فالآخرة خير وأبقى، يا قوم من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها عدلا من الله، ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض، يرزقون فيها رزقا رغدا بغير حساب أضعافا مضاعفة، فضلا من الله ورحمة.

стр. 2097

ويا قوم: مالي أدعوكم إلى النجاة من عذاب النار وغضب الجبار، وأنتم تدعونني إلى النار وعذاب الجبار إذ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم، أى: ما ليس له حقيقة في الوجود حتى أعلم به فنفى العلم هنا كناية عن نفى المعلوم، وأما أنا فأدعوكم إلى العزيز الغفار الموصوف بكل كمال المنزه عن كل نقص. لا شك أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، أى: ثبت وحق عدم دعوة الذين تدعونني إليه من الأصنام إلى عبادته أصلا من أن من حق المعبود بالحق أن يدعو عباده إلى عبادته، ويظهر ربوبيته لخلقه، وما تدعونهم أصناما وأحجارا لا نفع لها ولا ضرر لا تسمع ولا تبصر، فليس لها دعوة إلى عبادتها في الدنيا، في الآخرة يتبرءون من عبادتكم لهم واعلموا أن مردنا إلى الله، وأن المسرفين في ارتكاب الذنوب والآثام هم من أصحاب النار. يا قوم ستذكرون ما أقوله لكم يوم لا تنفع الذكرى، وستندمون يوم لا ينفع الندم، وأما أنا فسأفوض أمرى إلى الله ليعصمني من كل سوء ومكروه إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات ما مكروا، وكفاه شر المستهزئين به المعاندين له، وحاق بآل فرعون العذاب السيئ وأحاط بهم من كل جانب، وما هو العذاب السيئ؟ هو النار يصلونها ويحرقون بلهيبها، ويعرضون عليها صباحا ومساء. ومن هنا كان القول بعذاب القبر. وصح ما روى عن بعضهم: إن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو وتروح على النار فذلك عرضها، يشهد بذلك ما روى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الكافر إذا مات عرضت روحه على الجنّة بالغداة والعشىّ» وخرج البخاري ومسلم حديثا كهذا. روحه على النّار بالغداة والعشىّ» ثم تلا: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وإنّ المؤمن إذا مات عرضت روحه على الجنّة بالغداة والعشىّ» وخرج البخاري ومسلم حديثا كهذا. ويوم القيامة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد أنواع العذاب، وهذا دليل على أن عرض النار عليهم في الدنيا، وأن عذاب القبر حقيقة واقعة، والله أعلم.

стр. 2098

من مواقف الكافرين في الدنيا والآخرة [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٤٧ الى ٥٥] وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)

стр. 2099

المفردات: يَتَحاجُّونَ: يتخاصمون ويتجادلون تَبَعاً: جمع تابع، كخدم جمع خادم، وقيل: هي نفس التبع مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً: حاملون عنا جزءا من العذاب ضَلالٍ: هلاك وخسران الْأَشْهادُ: جمع شهيد. المعنى: واذكر يا محمد لقومك لعلهم يتعظون: وقت خصام الكفار ومجادلة بعضهم لبعض، فيقول الضعفاء الأتباع للذين استكبروا بغير حق وادعوا الرياسة بالباطل والظلم: أيها المتبوعون. إنا كنا لكم تبعا وخدما، وأنتم قدمتمونا إلى الضلال والفساد، ولولاكم ما وقعنا في الإثم والشرك، فهل أنتم متحملون عنا جزءا من عذاب النار؟! قال الذين استكبروا للمستضعفين: إنا كل في جهنم فلو قدرنا على دفع شيء من العذاب لدفعنا عن أنفسنا، إن الله قد حكم بين العباد حكمه العدل، ولكل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم. وكلنا نستحق ما نحن فيه. ولما يئسوا من دعائهم سادتهم وقادتهم اتجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم أن يسألوا ربهم التخفيف، ولو بمقدار يوم من أيام الدنيا، وقالوا لخزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فرد عليهم الخزنة: ألم تنبهوا على هذا ولم تك تأتيكم رسلكم في الدنيا بالحجج الواضحة التي تحذركم سوء عاقبتكم وغاية ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي؟ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا «١» والمراد بذلك توبيخهم وإلزامهم الحجة. قالوا- أى الذين في النار-: بلى قد جاءتنا من عند ربنا رسله فكذبنا وقلنا: ما نزل الله من شيء، ما أنتم أيها الرسل إلا في ضلال كبير. قالت الملائكة: إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم، وما دعاء أمثالكم من الكفار إلا في ضلال وخسران.

стр. 2100

أما هؤلاء الرسل الذين أرسلوا إليكم ومن آمن بهم من المؤمنين فإنا ننصرهم ونؤيدهم بالحق والآيات البينات إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فهذا شأننا دائما ننصر رسلنا ومن آمن بهم بالحجة والسلطان المبين، وبالانتقام لهم من الكفار بالقتل والسبي والعذاب المبين وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما نراه الآن في المسلمين. فإنهم إذا آمنوا حقّا أتاهم نصر الله بين عشية أو ضحاها. ويوم يقوم الأشهاد من الملائكة والنبيين وصالحي المؤمنين، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا، وأما النبيون فالله يقول: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً «١» وأما المؤمنون فالله يقول: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٢» ويوم يقوم الأشهاد وهو يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم. ولهم فيه اللعنة، ولهم سوء الدار، ترى أن القرآن وصف الكفار في هذا اليوم بأنه لا تنفعهم المعذرة، ولهم سوء الدار وبئس المصير!! أما المؤمنون فالله ينصرهم ويؤيدهم ويهديهم ولذلك يقول: ولقد آتينا موسى الهدى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «٣» وجعلنا بنى إسرائيل يأخذون الكتاب، أى: التوراة ويستحقونه استحقاق الميراث حالة كونه مصدر هدى وهداية، ومنبع ذكرى وتذكر، ولكن لأولى الألباب. وإذا كان الأمر كما ذكر فاصبر يا محمد على أذى المجادلين في آيات الله بغير حق، اصبر على أذاهم فالله ناصرك ومؤيدك، وعاصمك من الناس جميعا، إن وعد الله حق، وعليك أمران، أحدهما أن تتوب إلى ربك وتستغفر من ذنبك، وثانيهما أن تسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار، وهذا أدب للأمة الإسلامية رفيع، وإنما خوطب به النبي ﷺ ليعلم أنه طريق لا بد منه، وأدب عال رفيع يجب أن يتحلى به كل مسلم، وانظر إلى هدى القرآن حيث قدم التوبة والمغفرة على العمل، فإنه لا يقبل العمل إلا بعد أن تطهر القلوب من الآثام بالتوبة، والتوبة قد تكون من عمل خلاف الأولى، ولذا لا غرابة أن الله يأمر بها النبي ﷺ .

стр. 2101

الجدل في آيات الله وسببه مع ذكر بعض النعم [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٥٦ الى ٦٥] إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)

стр. 2102

المفردات: سُلْطانٍ: حجة وبرهان كِبْرٌ: تكبر وتعاظم لا رَيْبَ فِيها: لا شك ادْعُونِي: اعبدوني داخِرِينَ: صاغرين أذلاء تُؤْفَكُونَ أفك إفكا: كذب، والإفك: الكذب، وأفكه عنه يأكفه أفكا: صرفه وقلبه، وعليه قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا. قَراراً: مستقرا بِناءً أى: قبة ومنه أبنية العرب لقبابهم التي تضرب. وهذا رجوع إلى الأصل الأول الذي بنيت عليه السورة وهو مناقشة المجادلين في آيات الله بالباطل، مع التعرض لإثبات البعث، والكلام على صفات الله ونعمه على الناس. المعنى: إن الذين يجادلون في آيات الله ودلائله التي نصبها دالة على الوحدانية وصدق الرسل، بغير سلطان ولا حجة تؤيد كلامهم: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان ما في قلوبهم إلا كبر وتعظم عن الحق والتفكير الحر، فهم قوم يريدون الرياسة والتعاظم لأنفسهم حسدا وبغيا حيث قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف ٣١] لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف ١١] ولذلك يجادلون في آيات الله.

стр. 2103

بالباطل، قد دفعهم الكبر وحب الرياسة إلى هذا الجدال الممقوت، ما هم ببالغي ما يريدون، لأن الله أذلهم، وقضى على أطماعهم. وقيل: إن الآية نزلت في يهود المدينة، وهي مدينة، الحق أن كل جدال في آيات الله من مشركي مكة أو يهود المدينة أو من غيرهم كبر مقته عند الله وعظم جرمه مطلقا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إذا كان الأمر كذلك فاستعذ بالله، والجأ إليه من كيد الكائدين، وحسد المشركين، وفيه رمز إلى أن ذلك كان من همزات الشياطين وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «١» . إنه هو السميع لكل قول ونية، البصير بكل فعل وعمل، ولو كان من إشارات العيون وخطرات القلوب. لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس بدءا وإعادة فلا تجادلوا في أمر البعث فإن الله خلق السموات وما فيها، والأرض وما عليها وما في باطنها من عوالم، فلا تظنوا أن الله هذا ليس بقادر على أن يحيى الموتى، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس. ولا يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به، ولا يستوي المؤمنون الذين عملوا الصالحات، وأحسنوا العمل، ولا المسيئون الذين أساءوا الفهم والتقدير حتى جادلوا في آيات الله كلها وكان تذكرهم قليلا جدّا. إن الساعة لآتية لا شك فيها، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون لقصور نظرهم، وسوء رأيهم. وقال ربكم: ادعوني أثبكم ثوابا يتكافأ مع أعمالكم، وفعلكم الطاعات، وترك الذنوب والآثام هو الدعاء، فمن ترك الذنب فقد دعا. وأخلص في الدعاء، ومن يقترف ذنبا فليس بداع إلى الله وإن دعا ألف سنة. وبعضهم فسر الدعاء بالعبادة، ويؤيد هذا قوله تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي ودعائي سيدخلون جهنم داخرين أذلاء صاغرين، وحق من يستكبر عن دعاء ربه الذي رباه وخلقه، وصوره فأحسن صوره أن يدخل جهنم صاغرا ذليلا، ومهينا حقيرا.

стр. 2104

وكيف تتكبرون عن عبادة الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا؟ فالله الذي خلق لكم الليل لتستريحوا فيه وتسكنوا من وعثاء الطريق، ومتاعب الحياة حتى يعود الإنسان نشيطا مجدا مقبلا على عمله بالنهار الذي جعله ربه مبصرا فيه وفيه الضوء والحركة والنشاط. يا سبحان الله!! لو خلقت الدنيا بلا ليل أو خلقت بلا نهار كيف الحال..؟ وكيف نعيش؟ يا رب: هذا الليل المظلم وهذا النهار المبصر ينشآن من حركة واسعة، ونظام دقيق محكم فأنت يا رب الواحد القهار الذي لا يعجزه شيء في السموات والأرض، إن الله لذو فضل على العالمين. ولكن أكثر الناس لا يشكرون، ومن كان هذا شأنه أنجادل في قدرته على البعث، ونقول: من يحيى العظام وهي رميم؟ ذلك الله- ﷻ خالق كل شيء، فاطر السموات والأرض واهب الوجود لا إله إلا هو، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره من الأحجار والأوثان؟!! وهذا كالنتيجة لما تقدم. مثل ذلك الإفك العجيب الذي لا أساس له ولا سند من عقل أو منطق سليم يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون. الله الذي جعل لكم الأرض قرارا: مستقرا أو مكانا، وجعل السماء كالبناء، وهذا بيان فضله- تعالى- المتعلق بالمكان بعد بيان فضله في الزمان، ثم تعرض لفضله المتعلق بالإنسان فقال: صوركم فأحسن صوركم، ورزقكم من الطبيات الطاهرات، ذلكم الله ربكم فتبارك الله، وتزايد فضله. وتكامل خيره، وهو رب العالمين، أى: مالكهم ومربيهم، هو الحي حياة ذاتية، لا إله إلا هو، ولا معبود بحق في الوجود سواه. إذا كان الأمر كذلك فادعوه واعبدوه مخلصين له الطاعة صادقين في النية. ولما كان موصوفا بصفات الجلال والعزة، ومنعوتا بالإنعام الكامل على خلقه استحق لذاته أن يقال: الحمد لله رب العالمين.

стр. 2105

كيف نعبد غير الله؟!! [سورة غافر (٤٠) : الآيات ٦٦ الى ٦٨] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) المفردات: أُسْلِمَ: أنقاد لرب العالمين أَجَلًا مُسَمًّى: وقتا محدودا ينتهى عند الموت. المعنى: لما أورد تلك الأدلة التي تثبت لله كمال القدرة والوحدانية، وقال: ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين. الحمد لله رب العالمين، أمر النبي ﷺ أن يقول المشركين: إنى نهيت نهيا عامّا بالبراهين القاطعة من الآيات القرآنية، أو البراهين العقلية، نهيت أن أعبد الذين تدعونهم من دون الله، نهيت حين جاءني البينات ودلائل التوحيد كلها من عند ربي، وأمرت كذلك أن أسلم لرب العالمين.
следующие страницы →