← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المفردات: أَعْجَمِيًّا الأعجمي وصف للكلام الذي لا يفهم، وللمتكلم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو العجم، والعجمي: الرجل الذي ليس من العرب فُصِّلَتْ: بينت بلغتنا حتى نفهمها وَقْرٌ: ثقل في السمع وصمم مُرِيبٍ: شديد الريبة بِظَلَّامٍ: بذي ظلم. المعنى: لقد أنزل ربك القرآن على نبيه بلسان عربي مبين، فقال المشركون: لو كان القرآن أعجميّا فرد الله عليهم: ولو جعلناه قرآنا أعجميا بلسان غير عربي لما أعجبهم ذلك، ولقالوا: لولا فصلت آياته! أى: نتمنى لو كانت آياته قد فصلت وبينت بلغتنا العربية، فإنا قوم عرب لا نفهم الأعجمية بحال، أيكون أعجميا والذي أنزل عليه عربي؟ وهكذا موقف المعترض بغير حق، لو كان الشيء خيرا محضا لقال: هلا كان فيه خير وشر! وقد رد الله عليهم بقوله: قل لهم يا محمد: هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين، وينذر الكافرين فهو هدى، وأى هدى! وهو شفاء لما في الصدور وطب للقلوب، وعلاج لأمراض الفرد والمجتمع، علاج وصفه الذي خلق المرض وعلم به، فهل ترى علاجا خيرا منه؟! وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [سورة الإسراء آية ٨٢] . والذين لا يؤمنون بالله في آذانهم صمم عن سماع القرآن، ولهذا تواصوا عند سماعه، والقرآن عليهم عمى فكأن بينهم وبين الداعي حجابا كثيفا، أولئك المذكورون

стр. 2137

المتصفون بالتعامي عن الحق الذي يشهدونه كأنهم «١» ينادون من مكان بعيد فهم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، ولا يفهمون شيئا. ولا يهولنك أمرهم واختلافهم في القرآن فتلك عادة الأمم مع أنبيائهم، ولقد آتينا موسى التوراة، وفيها هدى ونور- أى: قبل تحريفها- فاختلف بنو إسرائيل فيها بين مصدق ومكذب ومؤمن وكافر، وهكذا حال قومك فلا تأس ولا تحزن على شيء. ولولا كلمة سبقت من ربك، وحكم فيها على أمتك بتأخير العقوبة إلى يوم القيامة بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ «٢» لولا هذا الحكم لقضى بين المؤمنين والكافرين باستئصال المكذبين المشركين كما فعل مع الأمم السابقة، وإن كفار قومك لفي شك من القرآن مريب يوجب القلق والاضطراب، وهذا حكم عام: من عمل صالحا فلنفسه بغى الخير، ومن أساء فإساءته على نفسه وحده، وما ربك بذي ظلم للعباد فهو يجازى المحسن على إحسانه لا ينقص منه شيء، ويجازى المسيء على إساءته بلا زيادة ولا نقصان إذ هو أحكم الحاكمين.

стр. 2138

إليه يرد علم الساعة [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٧ الى ٤٨] إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) المفردات: أَكْمامِها: جمع كم وكمة، والمراد: أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمر، والكم يطلق أيضا على ما يغطى اليد من القميص آذَنَّاكَ: أسمعناك وأعلمناك وَضَلَّ عَنْهُمْ: غاب مَحِيصٍ: مهرب من العذاب. ما مضى كان تهديدا للكفار بأنهم سوف يعاقبون على أعمالهم يوم القيامة، وكأن سائلا سأل: ومتى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأنه إليه يرد علم الساعة. المعنى: إلى الله وحده يرد علم الجواب عن السؤال الخاص بوقت القيامة وزمانها، فلا سبيل إلى معرفة ذلك اليوم، ولا يعلمه إلا هو إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ.. [سورة لقمان آية ٣٤] . يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ [سورة الأحزاب آية ٦٣] . وكما أن علم الساعة عند الله فقط كذلك لا يعلم الأحداث المستقبلة إلا هو، وقد ذكر هنا نوعان. فالله وحده يعلم متى تخرج الثمرة من كمها بالضبط لأنه وحده الخالق لها، والمشاهد عندنا في المزارع أن أحدا لا يعلم متى تخرج الثمرة بالضبط؟ والله وحده

стр. 2139

هو الذي يعلم ما تحمل كل أنثى أذكر هو أم أنثى، أناقص أم كامل؟ ولا تضع أنثى إلا بعلمه وحده، فمهما ارتقى العلم فهو لا يعلم بالضبط متى يحصل الشيء، وما يقول بعض الناس عن المستقبل فهو من باب الحدس والتخمين لا من باب العلم واليقين، فتارة يصادف الواقع وتارات لا يصادف، ولا تنس أن الموضوع الأساسى في هذه السورة الرد على المشركين وبيان حقائق يوم القيامة وخاصة ما يتعلق بهم وبالمؤمنين مع نقاشهم في قولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ولذا يقول الله: واذكر يوم يناديهم الحق- ﵎ على لسان ملائكته تبكيتا لهم وتأنيبا: أين شركائى الذين كنتم تدعونهم من دوني، وتتخذونهم شفعاء عندي بلا إذنى! قالوا: آذناك وأعلمناك الآن ما منا من شهيد بذلك، فليس أحد منا يشهد بأن لك يا رب شريكا، ونحن لا نشاهدهم الآن أمامنا بل ضلوا عنا، وغابوا عن عيوننا، وقد كانوا يدعونهم من قبل في الدنيا!! فيقول الله ما معناه: وظن الكفار أولا أن لهم منجى ثم تيقنوا الآن أنه لا محيص ولا مهرب من عذاب الله، وقيل: إن الظن هنا مراد به اليقين. الإنسان وطبعه [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٩ الى ٥١] لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)

стр. 2140

المفردات: لا يَسْأَمُ: لا يمل فَيَؤُسٌ: اليأس قطع الرجاء من رحمة الله قَنُوطٌ والقنوط: إظهار أثر اليأس على ظاهر البدن أَذَقْناهُ: آتيناه لَلْحُسْنى المراد: الجنة غَلِيظٍ: كناية عن الشدة وَنَأى أى: انحرف عنه وذهب بنفسه وتباعد عن الشكر عَرِيضٍ المراد: كثير، فإن العرب تستعمل لفظ الطول والعرض في الكثرة، يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر. المعنى: هذا هو الإنسان على طبعه وحقيقته، كما وصفه خالقه الذي هو أعلم به، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك ١٤] وهذه الصفات التي ذكرت هنا وفي بعض السور هي للإنسان من حيث هو إنسان، ولا يخفف من حدتها أو يعدل سورتها أو يقلبها بالمرة إلا اتباع الدين، وتطهير النفس بطهر القرآن، وملؤها بشعاع الإيمان ونور الإسلام وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] وهذه الصفات هي التي تكون له عونا له أو عليه في الآخرة وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [الكهف ٣٦] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [طه ٩- ١١] . ونحن نرى أن القرآن وصف الإنسان بأوصاف: ١- أنه لا يمل من طلب الخير كالمال والجاه والصحة وغيرها، وهذا ينشأ من حبه للدنيا وإغراقه في المادة ولقد صدق رسول الله حيث قال: «اثنان منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال» . ٢- إن مسه شر أو حلت به مصيبة فهو يئوس يقطع الرجاء من رحمة الله، قنوط تظهر آثار يأسه على وجهه وبدنه، وقد بالغ القرآن في يأس الإنسان إذا مسه شر، وهذا ينشأ من عدم الإيمان بالله والكفر به فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فاليأس والإيمان لا يجتمعان في قلب.

стр. 2141

٣- إذا آتاه الله رحمة من بعد ضراء مسته في صحته أو ماله، نسى ما كان عليه أولا لأنه إنسان كثير النسيان، واغتر بما أوتى، وقال: إنما أوتيت هذا على علم عندي، فهو لي، وأنا له، وهكذا الماديون الذين يؤمنون بالأسباب المادية فقط دون الإيمان بمسببها جل شأنه، وهذا هو الغرور بعينه، يغتر صاحبه في الدنيا حتى يقول: ما أظن الساعة قائمة، ولو فرض ورددت إلى ربي، وكان هناك حساب وبعث، إن لي عند ربي للجنة والسعة لأنه أعطانى في الدنيا وأكرمنى فيعطيني في الآخرة مثلها وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها أى: من الجنة التي أوتيتها في الدنيا مُنْقَلَباً هذا داء الغرور قد استشرى في الناس، ولا يمنعه إلا سلاح الدين وحرارة الإيمان، ولذا يقول الله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ فإنه لا يقول بهذا، ولا يعمل بمقتضاه إلا كل كافر أثيم أو من هو مثله. ٤- وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمنا التي لا تحصى ولا تعد أعرض عن الشكر، ونأى بجانبه، وذهب بنفسه وتباعد عن الله الذي أعطاه تلك النعم وتباعد عن شكر الله بكليته تكبرا وطغيانا. ٥- وإذا مسه الشر أو حلت به مصيبة فهو ذو دعاء عريض، فهو إن مسه ضر أو فقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع، وإن مسه خير أعرض عن شكر الله، فهذا هو الإنسان على حقيقته دائم التبدل والتغير لا يستقر على حال أبدا، فهو في الدنيا مشرك متعصب وفي الآخرة ينكر الأصنام وعبادتها ويتبرأ منها، وهو إن أصابه ضر دعا، وإن أصابه خير بغى، فيا ويلك يا إنسان إن لم يدركك الرحمن بلطفه.

стр. 2142

ختام السورة [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) المفردات: شِقاقٍ بَعِيدٍ: خلاف كبير حتى كأنه في شق وجانب والحق في شق وجانب آخر الْآفاقِ: جمع أفق والمراد آفاق أقطار السموات والأرض مِرْيَةٍ: شك. ثبت فيما مضى أن الإنسان لا يقر على حال وهو دائم التغير والانتقال فالواجب على المشركين ألا يقروا على حال العناد والشرك بل يعيدوا النظر لعلهم يثوبون إلى رشدهم. المعنى: قل لهم يا محمد: أخبرونى «١» عن حالكم!! إن كان هذا القرآن من عند الله حقا ثم كفرتم به وأعرضتم عنه إعراضا من غير حجة ولا برهان، وقلتم حين دعاكم إليه: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون! ماذا أنتم فاعلون؟!

стр. 2143

وكون القرآن من عند الله وكون النبي ﷺ رسولا أمر ممكن وجائز عقلا، وليس الشرك ونفى التوحيد أمرا بدهيّا لا يحتاج إلى دليل فإذا أعرضتم عن ذلك كله، ولم تنظروا في دليل أصلا وقلتم ما قلتم، ثم تبين أنه الحق، وأن التوحيد والبعث وصدق الرسول حقائق، ماذا يكون موقفكم؟! أخبرونى بالله ماذا أنتم فاعلون؟! أرأيتم أنفسكم- إن كان من عند الله ثم كفرتم به- من أضل ممن هو في شقاق بعيد؟! سنريهم آياتنا الكونية التي تظهر في الآفاق، وصدق آياتنا القرآنية في أقطار السموات والأرض وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. وقد صدق العلم الحديث في القرن التاسع عشر والقرن العشرين كثيرا من نظريات القرآن في المطر والسحاب، والسماء والأرض وفي العلم بما تحمله الأنثى وغير ذلك، سنرى العالم كله آياتنا الكونية في الآفاق وفي أنفس الناس، الآيات الدالة على كمال القدرة وتمام الحكمة ودقة العلم حتى يتبين لهم أن الدين الحق جاء على يد خير الخلق ﷺ وها هي ذي الأيام والواقع يثبتان ذلك. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، وأنه عالم الغيب والشهادة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وهو اللطيف الخبير، ألا إنهم في مرية وشك من لقاء ربهم حيث أنكروا البعث، ولم يقولوا بوجود إله موصوف بصفات الكمال والجلال، ألا إنه بكل شيء محيط علما وقدرة وسيجازى الكفار على أعمالهم. ألست معى في أنه ختام رائع لتلك السورة حيث ألزمهم الحجة، ورد كيدهم في نحورهم، وأبان أن الزمن كفيل ببيان صدق الآيات وأنهم على خطأ فيما ذهبوا إليه، والعاقبة للمتقين.

стр. 2144

سورة الشورى وتسمى سورة حم عسق، وهي مكية عند الجمهور، وحكى عن ابن عباس أنها مكية إلا أربع آيات أولها قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً وقيل: المدني من قوله تعالى ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إلى قوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ومن قوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ.. إلى قوله: ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ والأفضل قول الجمهور. وهذه السورة كأخواتها المكية يدور بحثها حول التوحيد والنبوة وإثبات البعث، وركزت أبحاثها في القرآن المنزل على محمد من عند الله الموصوف بصفات الكمال والجلال والقدرة والعلم والحكمة، وإثبات أن هذا الشرع المحمدي يتفق مع الشرائع السابقة في الأصول العامة، فلا عذر لمن كفر ولا حجة له، مع تهديدهم ببيان ما أعد للكفار، وما أعد للمؤمنين، مع ذكر بعض آياته، وبيان أن كل أفعاله موافق للحكمة والمصلحة، مع بيان صفات المؤمنين وصفات غيرهم، وقد بدأ السورة بالكلام على الوحى وختمها كذلك ببيان كيفية اتصاله بالأنبياء. الذي أوحى بهذا القرآن هو الله [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)

стр. 2145

المفردات: حم عسق تقرأ هكذا: حا ميم. عين سين قاف، بإدغام النون في القاف، وهي كأخواتها من الحروف التي بدأت بها السور إلا أن هنا جعلت حم آية، وعسق آية ثانية، والمعروف أن كل بدء السور آية واحدة مثل كهيعص أول سورة مريم، والمر أول سورة الرعد فلسائل أن يقول: لماذا هذا التفريق؟ والجواب أن ذلك مما استأثر الله بعلمه. وهو أعلم بكتابه يَتَفَطَّرْنَ: يتشققن حَفِيظٌ أى: حافظ ومحص عليهم أعمالهم. المعنى: حم. عسق. كما أوحى إليك هذه السورة العظيمة الشأن الشريفة المقصد يوحى إليك غيرها من القرآن، ويوحى إلى الذين من قبلك الكتب القديمة «١» فالكل من الله، ويهدف إلى دعوة الخلق إلى التوحيد والعدل وإثبات الرسالة عن الله، وتقرير مبدأ المعاد والثواب والعقاب، وإن شئت فاقرأ سورة الأعلى وختامها إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى تجدها تهدف إلى مبدأ التوحيد أولا ثم النبوة ثانيا، ثم المعاد ثالثا، ثم تختم بقوله: إن هذا لفي الصحف الأولى. ومن الذي أوحى بهذه السورة وأخواتها في القرآن الكريم؟ إنه هو الله- ﷻ ، وتباركت أسماؤه- العزيز في ملكه لا يغلبه غالب، القادر على كل شيء الحكيم في كل صنع، العالم بجميع المعلومات، الغنى عن الحاجات، لا إله إلا هو، له الملك، وإليه الأمر، في هذا الكون كله، سمائه وأرضه، فقدرته كاملة نافذة في جميع أجزاء السموات على عظمتها وسعتها إيجادا وإعداما، وتكوينا وإنشاء، وهو العلى المتعالي عما يقوله الظالمون، صاحب العظمة والأمر.

стр. 2146

تكاد السموات يتشققن من فوق الأرضين هيبة وإجلالا لعظمته- جل شأنه- أو من هول كلمة المشركين الذين قالوا: اتخذ الرحمن ولدا وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أمرا فظيعا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا هدما شديدا. [سورة مريم الآيات ٨٨- ٨٩] . وهؤلاء الملائكة الذين هم خلق من خلقه يسبحون حامدين ربهم شاكرين له نعمه التي لا تحصى، ويستغفرون لمن في الأرض: أما للكافرين فيدعون لهم بالتوفيق والهداية وأما للمؤمنين فيدعون لهم بأن يتجاوز ربهم عما فرط منهم من سيئات وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [سورة غافر آية ٧] . ألا إن الله هو الغفور الذي ألهم الملائكة الاستغفار لمن في الأرض، الرحيم بالخلق، ألا إن الله هو الذي يعطى المغفرة لمن طلبها مخلصا، ويضم إليها الرحمة الكاملة، الرحمن الرحيم. والذين اتخذوا من دونه أولياء وشركاء وأندادا من الأصنام والأوثان، فالله وحده حفيظ عليهم، ومحص عليهم سيئاتهم، لا يفوته شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة من عمل في السموات أو في الأرض، وما أنت عليهم بوكيل. حقائق الإسلام [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٧ الى ١٢] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)

стр. 2147

المفردات: أُمَّ الْقُرى المراد بها: مكة كأنها أصل للقرى التي حولها يَوْمَ الْجَمْعِ: هو يوم القيامة تجتمع فيه الخلائق السَّعِيرِ: جهنم المسعرة أَمِ اتَّخَذُوا: أم هنا بمعنى بل- التي للانتقال من معنى- والهمزة الاستفهامية يراد بها الإنكار فاطِرُ السَّماواتِ: خالقها ومبدعها لا على مثال سابق يَذْرَؤُكُمْ: يكثركم، ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم أَزْواجاً: ذكورا وإناثا. المعنى: مثل ذلك الإيحاء البليغ البديع أوحينا إليك قرآنا عربيا بلسان قومك، لا لبس فيه ولا غموض، ولا التباس عليك وعلى قومك، أوحيناه إليك لتنذر أم القرى وتخوفهم بعذاب شديد، وتنذر الناس جميعا بيوم الجمع الذي يجتمع فيه الخلق للحساب أو تجتمع فيه الأعمال وأصحابها، والأرواح وأشباحها، هو يوم لا شك فيه أصلا بعد جمعهم للحساب يكون منهم فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهذا حكم الله وقضاؤه، فليس في قدرة مخلوق أن يغيره، ولو كان نبيا مرسلا، وهذا يؤيد قوله- اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ فلست عليهم رقيبا ولا

стр. 2148

حفيظا، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن هذا العمل أمره إلى الله، ولو شاء الله ذلك لجعلهم أمة واحدة لأنه هو القادر على ذلك، ولكن ترك للخلق حريتهم، وكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته، وقد شاء لهم ذلك، وهم قد اقتحموا العقبة واختاروا الهدى وآثروه على الضلالة، وقد ترك الظالمين بلا ولى ولا نصير سوى شياطينهم وأنفسهم فاستحبوا العمى على الهدى، فكانوا في عذاب شديد لا خلاص منه. بل اتخذوا من دونه أولياء؟ لم يتخذوا وليا ينفعهم، ولا نصيرا ينصرهم، وإذا كان الأمر كذلك فالله وحده هو الولي النافع، وهو يحيى الموتى، وهو على كل شيء قدير، أما غيره فلا ينفع بل يضر، ولا يقدر على شيء بل إن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذه منه. وما اختلفتم فيه من شيء من أمور الدين أو الدنيا فحكمه إلى الله الواحد القهار فهو الذي يحكم بين عباده. ذلكم الله- جل شأنه- هو ربي. عليه وحده توكلت، وإليه وحده أنيب وأرجع إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فالكل منه وإليه، وهو فاطر السموات والأرض، وخالقهما على نظام بديع محكم، جعل لكم من جنس أنفسكم أزواجا إليها تسكنون، وبسببها تتناسلون وتتكاثرون، وجعل من الأنعام أزواجا كذلك، فكل حيوان في الكون له ذكر وأنثى، وفيه غريزة المحافظة على جنسه ونوعه، وبهذا يتكاثر ويتوالد، وكأنه منساق إلى ذلك بطبعه وغريزته، وبهذا يفهم قوله تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أى: يخلقكم ويكثركم في هذا الجعل السابق، أى: خلق الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان، وكان هذا الجعل منبعا للتكاثر ومصدرا له، وأظن أن الواقع يؤيد ذلك. هو الله الواحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله ليس مثله شيء من خلقه، ولا يشبهه شيء من الحوادث في أى ناحية كانت. وهو السميع البصير، صاحب الملك والملكوت، بيده الخير وعنده مفاتيح الخزائن كلها، ومن عنده المفتاح فهو صاحب الخزانة والمتصرف فيها، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقتر الرزق على من يشاء لحكم هو وحده يعلمها، إنه بكل شيء عليم.

стр. 2149

تلك حقائق إسلامية يجب الاعتراف بها، وهي من أمهات المسائل الدينية، فالقرآن عربي مبين أوحى به إلى النبي ﷺ غايته الإنذار والبشارة، والناس معه فريقان، وقد اقتضت حكمته ذلك، الله وحده هو الولي وهو يحيى الموتى، وهو على كل شيء قدير، والقرآن والسنة مرجع الحكم، وبهما يزال الخلاف، والله- سبحانه- موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص وهو وحده الخالق لكل الخلق، والمتصرف في هذا الكون كله. حقيقة الرسالة المحمدية وهدفها [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٣ الى ١٩] شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)

стр. 2150

المفردات: شَرَعَ: أوضح وبين وسن ما وَصَّى المراد: أمر به نوحا ومن معه، ولعل ذكرها دون الأمر للإشارة إلى الاعتناء بشأن المأمور به وتأكيده أَقِيمُوا الدِّينَ المراد: تعديل أركانه والمحافظة عليه كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ: عظم وشق عليهم ذلك يَجْتَبِي إِلَيْهِ: من الاجتباء والاصطفاء «قالوا: لولا اجتبيتها» . يُنِيبُ: يرجع إليه ويقبل بَغْياً: ظلما وتجاوزا للحد مُرِيبٍ: شديد الريب والشك لا حُجَّةَ لا احتجاج داحِضَةٌ: زائلة باطلة وَالْمِيزانَ: العدل والمساواة مُشْفِقُونَ الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فإذا عدى بمن كما هنا فالخوف أظهر، وإذا عدى بعلى كقولك، أشفقت على اليتيم فالعناية أظهر يُمارُونَ: يجادلون، وأصل المري: مسح ضرع الناقة للحلب. وإطلاقه على المجادلة لأن كلا من المتجادلين يحاول استخراج ما عند صاحبه. وهذا تفصيل لما أجمل سابقا في قوله تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة الشورى آية ٣] ، وبيان لحقيقة الرسالة المحمدية وهدفها.

стр. 2151

المعنى: الله- له مقاليد السموات والأرض شرع لكم من الدين، وسن وأوضح، ما وصى به نوحا والأنبياء أولى العزم، وأصحاب الشرائع القديمة، الخطاب لأمة محمد ﷺ لبيان أن الرسالة المحمدية ليست بدعا من الرسالات، وهي موافقة لما جاء به الأنبياء السابقون في الأصول العامة، وما أمرهم الله به أمرا مؤكدا- كما يشير إلى ذلك لفظ وصينا- ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر لأنهم أولو العزم وأرباب الشرائع القديمة، ونوح أول رسول أرسل بشريعة موافقة لزمانه، وإبراهيم أبو الأنبياء، ويدين له أكثر العرب، وموسى نبي اليهود، وعيسى نبي المسيحيين. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ولعل إيثار الإيحاء عند الكلام على النبي ﷺ دون ما قبله وما بعده لأن فيه تصريحا برسالة محمد التي هي الأساس والمقصود، ولتوافق هذه الآية ما قبلها كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ والإشارة إلى الاعتناء به وبشريعته التي جمعت كل خير، وأتمت كل نقص، ولعل تقديمه في الذكر على من سبقه في الزمن من الرسل يشير إلى ذلك. وما هذا الذي شرعه؟ هو أن أقيموا الدين الحق، دين التوحيد والطاعة والتقديس لله وعدم الإشراك به بأى صورة كانت من قرب أو من بعد، مع الإيمان برسل الله كلهم وكتبه واليوم الآخر وما فيه، والإيمان بالمثل العليا التي تبنى الفرد والأسرة والمجتمع، وإقامة الدين هو الإيمان الكامل والمحافظة عليه من الزيغ وزيف العقائد والمواظبة على كل ما يطلبه الشرع، ولا تتفرقوا فيه يا أمة الإسلام، حتى تكونوا كغيركم شيعا وأحزابا، وجماعات، بل الزموا سنة رسول الله والخلفاء الراشدين بعده، الزموا القرآن والسنة الصحيحة وروح الدين تكونوا الأمة الناجية يوم الحساب. كبر على المشركين، وعظم ما تدعوهم إليه من التوحيد والهداية وترك الآثام والفسوق والإشراك بالله أصناما وأوثانا!! وأنت يا محمد ثق بأن الله يجتبى إليه وإلى دينه من يشاء من خلقه الذين يعلم فيهم الصلاحية والخضوع للحق وقبوله، يعلم فيهم ذلك في عالم الأرواح، ويهدى إليه من

стр. 2152

يميل إليه وينيب، ويقبل على طاعته، ويثوب إلى رشده، وما تفرقت أمم الأنبياء السابقة إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الفرقة ضلال وفساد، وبأنهم مأمورون بإقامة الدين وعدم التفرقة فيه، وهذا بلا شك ينطبق على الأمة الإسلامية تمام الانطباق. تفرقوا عن الحق الصريح بغيا بينهم وحسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق. وفي القرطبي: عن ابن عباس أن المراد: وما تفرق أهل مكة إلا من بعد ما جاءهم العلم، أى: النبي ﷺ ، وذلك لأنهم كانوا يتمنون أن يبعث لهم نبي فلما أرسل لهم كفروا به وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً. اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ [سورة فاطر الآيتان ٤٢، ٤٣] وقيل: هم أهل الكتاب بدليل قوله تعالى: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [سورة البينة آية ٤] . وكان هذا التفرق بعد مجيء العلم لهم بفساده ناشئا من البغي بينهم والحسد، وليس ناشئا عن قصور في الرسالات والحجج. ولولا كلمة سبقت من ربك. وهي: وعدة بترك معاجلتهم بالعذاب إلى أجل مسمى عنده لقضى أمرهم واستأصلوا حين افترقوا لعظم جرمهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، وهم أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه ﷺ لفي شك من كتابهم مريب! فهم لم يؤمنوا به إيمانا كاملا ولذا تفرقوا فرقا شتى. إذا كان الأمر كما ذكر وأن الأمم السابقة تفرقت واختلفت، وكان مبعث ذلك هو عدم الإيمان الصحيح الكامل فلذلك فادع إلى الائتلاف والاتفاق على الحنيفية البيضاء واستقم كما أمرت، واثبت على الدعاء إلى ذلك ودم عليه، وقد رأينا أن التفرق في الشريعة الإسلامية ظهر عند ضعف الوازع الديني، وقام به أناس دخلوا في الإسلام عنوة أو لغرض، ولم يدخلوه رغبة أو حبا فيه، هؤلاء قاموا بدور خطير جدا واستغلوا طيبة الشعوب الإسلامية وسلامة ضميرها، وحسن نيتها، ألست معى في أن هدف الشريعة الإسلامية هو الوحدة والاتحاد على قبول الحق، والبعد عن الخلافات المذهبية الضارة وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وليس المراد الاختلاف في الفروع الفقهية فذلك له سند من الكتاب والسنة وفعله النبي ﷺ أو هذا الاختلاف المذهبى في الفروع أشبه بالاختلاف في الرسالات مع اتفاق كل الأنبياء على مبدأ التوحيد الخالص

стр. 2153

والإيمان باليوم الآخر وبالأنبياء كلهم وبالكتب، أما الشرائع العملية فتختلف باختلاف الأمم وعصورها لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [سورة المائدة آية ٤٨] . فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم الباطلة، وقل لهم: آمنت بما أنزل الله من الكتب كلها، وأمرت لأعدل بينكم في كل شيء، وأحكم بينكم بالحق، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا لا يتخطانا ثوابها ولكم أعمالكم لا يتخطاكم ثوابها آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «١» تلك هي الحقائق الإسلامية التي جاء بها محمد ﷺ . فهل بعد هذا الإيمان الصريح الكامل الذي لا يفرق بين نبي ونبي ولا بين كتاب وكتاب مع التوحيد الخالص البريء من الشرك وشوائبه هل بعد هذا تكون حجة؟ لا حجة ولا احتجاج ولا خصومة بيننا وسيحكم بيننا وبين غيرنا إذا لم يبق بعد ذلك إلا المكابرة والعناد، ومع كل فالله يجمع بيننا بالعدل، وإليه وحده المصير والمآب، والذين يحاجون في الله وصفاته من بعد ما استجاب له الناس، ودخلوا في دينه أفواجا، حجتهم- بل في الواقع أوهامهم وأباطيلهم- داحضة عند ربهم وزائلة وباطلة، وعليهم غضب لمكابرتهم في الحق بعد ظهوره، ولهم عذاب شديد هوله عظيم وقعه. الله الذي أنزل الكتاب الكامل الجامع المهيمن على غيره من الكتب، وهو القرآن متلبسا بالحق بعيدا عن الباطل، وأنزل الميزان ليحكم بالعدل والقسطاس المستقيم، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبة. يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها من الكفار، لأنهم يظنون أنها أوهام لا حقائق لها، والذين آمنوا بها، واعتقدوا بوجودها مشفقون منها وخائفون من مواقفها المشهودة التي تذهل فيها كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد وكيف لا يشفقون منها، وهم يعلمون أنها الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ألا إن الذين يمارون في الساعة ويشكون فيها لفي ضلال بعيد حيث لم يعملوا لها، والله لطيف بعباده يفيض عليهم بجلائل نعمه التي لا يعلمها إلا هو يرزق من يشاء من عباده بما يحب، وهو القوى العزيز، فلا غرابة في أن يخص بعض عباده بألطاف إلهية.

стр. 2154

العاملون وجزاؤهم [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٠ الى ٢٦] مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)

стр. 2155

المفردات: حَرْثَ الْآخِرَةِ الحرث في الأصل: إلقاء البذر في الأرض، وقد يطلق على الثمر، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها «١» الْفَصْلِ أى: القضاء والحكم رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ المراد: أطيب بقعة فيها، وأصل الروضة: المكان الذي يكثر فيه الماء والشجر أَجْراً: نفعا، والعرف يخصصه بالنفع المالى يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ: يطبع عليه بالخاتم وَيُحِقُّ أى: يثبته يَقْبَلُ التَّوْبَةَ: يثيب عليها. لما بين الله- أنه لطيف بعباده كثير الإحسان إليهم، بين هنا أنه لا بد من العمل والسعى في طلب الخير، والبعد عن القبيح، وقد ناقش هنا الكافرين في أعمالهم وبين جزاء العاملين مطلقا، ثم رد على من يقول بافتراء القرآن وختم بأنه واسع الفضل يقبل التوبة من عباده. المعنى: الإنسان في الدنيا أحد رجلين: رجل قلبه ملئ بنور الإيمان ومراقبة الله فهو دائما في خوف وحذر منه يرجو ثوابه ويخشى عقابه، ويريد بعمله ثواب الآخرة فكل عمل يعمله يثاب عليه، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وهذا الصنف يعمل للدنيا وللآخرة، ولكنه يريد بعمله كله ثواب الله في الآخرة وهؤلاء يضاعف الله ثواب أعمالهم مرات أو تزيد. ورجل آخر قد ملئ قلبه شكا ونفاقا، وحبا للدنيا بشكل عنيف، فهو دائما ينظر للأمور بمقياس الدنيا فقط، فما وافق نفسه وميله إلى الدنيا والمادة الفانية فعله، ولو أغضب الله، فهو يرجو متاع الدنيا الفاني، وعرضها الزائل، وهؤلاء يؤتيهم الله شيئا من الدنيا حسب ما قدره لهم أزلا، ولم يكن لإغراقهم في حب الدنيا مدخل فيما يعطيه الله لهم، وليس لهم في الآخرة نصيب أبدا إذا كان همهم الدنيا وعبادتها مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً!! وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً. كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ [الإسراء ١٨- ٢٠]

стр. 2156

وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس ٧- ١٠] وروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت الله- تعالى- عليه همّه وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدّنيا إلّا ما كتب له، ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع الله همّه وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا وهي راغمة عن أنفها» . وهذا هو أساس الدعاء وأصل الضلالة والشقاء يكشف عنه القرآن. حيث يقول: بل ألهم شركاء شرعوا لهم من الدين شيئا لم يأذن به الله، ولا شرعه ولا سنه، ولم يأت نبي أبدا يوصى به، وشركاؤهم أصنامهم وأوثانهم وشياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والوقوع في المعاصي، ولما كانت الشركاء سببا في ذلك جعلت كأنها شارعة لضلالتهم وآمرة بها. ولولا كلمة الفصل والقضاء العدل الذي حكم الله به على نفسه حيث قال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [سورة الأنفال آية ٣٣] لولا هذا لقضى عليهم بالفناء كما فعل مع غيرهم، وقيل: المراد الفصل بين المؤمن والكافر. وإن الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي لهم عذاب أليم في الآخرة. ولو ترى- يا من تتأتى منه الرؤية- إذ الظالمون يوم القيامة مشفقون مما كسبوا من أعمال في الدنيا حيث يرون ما أعد لهم من عذاب شديد. وهو واقع بهم لا محالة، وهذا الإشفاق لا يغنى عنهم شيئا. والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنة، أى: مستقرون في أطيب بقاعها وأعلى منازلها لهم فيها ما يشاءون، وما يتمنون عند ربهم، ذلك هو الفضل الكبير، وأى فضل يدانيه؟ إنه فضل لا يعرف قدره ولا يقف على كنهه إلا خالقه. ذلك الفضل الكبير هو الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويعدهم به، ومن أصدق من الله حديثا؟ والناس لتوغلهم في المادة وتعلقهم بالدنيا، ولأنهم لا يعملون إلا لغرض يظنون الظن السيّئ بمن يقوم بعمل الخير. ويدعو إلى العمل الصالح، هؤلاء الناس دائما ينسبون أعمال الناس إلى غايات ومنافع دنيوية، وقديما وصفوا دعوة النبي بهذا، فيرد الله عليهم

стр. 2157

بقوله: قل لهم: لا أسألكم على هذا التبليغ وتلك الدعوة أجرا إن أجرى إلا على الله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المؤمنون، والأنبياء جميعا برءوا أنفسهم من هذا الغرض الدنيوي قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ. قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى بمعنى لا أسألكم أجرا إلا مودتكم لقرابتي منكم أخرج أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فكتب أن رسول الله ﷺ كان أوسط الناس في قريش فلا بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله له: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أى: إلا أن تودوني في قرابتي منكم؟ فالقربى هاهنا قرابة الرحم، كأنه قال: اتبعونى ولا تؤذوني لقرابتي منكم إن لم تتبعوني للنبوة. فهذا قول، وهناك قول آخر بمعنى أنى لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي، قيل: ومن هم؟ قيل: هم على وفاطمة وأبناؤهم، فالقربى على ذلك هي القرابة، وهناك قول ثالث ولعله هو الأرجح أن المعنى لا أسألكم عليه أجرا إلا أن توادوا وتتقربوا إلى الله بالطاعات. وروى هذا المعنى عن رسول الله، وهو المبين عن الله- فهذه أقوال ثلاثة في الآية. ومن يقترف حسنة ويكتسبها نزد له فيها حسنا ونضاعفها له إلى عشر أو تزيد إن الله غفور للسيئات شكور للحسنات. محور الكلام الذي تدور عليه الآيات بل السورة في مجموعها هو القرآن الموحى به إلى محمد ﷺ ولذا قال هنا ما معناه: بل أيقولون: افترى على الله كذبا وزورا هذا القران؟!. لا، إنهم كاذبون في هذا، ولقد أثبت قبل ذلك أن ما هم عليه شرع الشركاء، وليس من عند الله، وهذا إثم وشرك، وأكثر منه فظاعة وجرما جعلهم القرآن افتراء واختلاقا مع وضوح الأدلة والآيات على أنه من عند الله، إى وربي إنهم ادعوا أنه افتراء على الله، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، فإن يشأ الله يجعلك في عداد المختوم على قلوبهم حتى تفترى على الله الكذب فإنه لا يجترئ على ذلك إلا من كان مختوما على قلبه، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، وهذا أسلوب مؤداه استبعاد الافتراء على الله من مثل سيد المرسلين ﷺ وتعريض بأنهم المفترون على الله الكذب حين شرعوا شرعا ما أنزل الله به من سلطان.

стр. 2158

وكيف يكون هذا القرآن افتراء على الله؟ ومن عادة الحق- ﵎ أنه يمحو الباطل ويزيله، ويحق الحق بكلماته ويؤيده إنه عليم بذات الصدور، ولا تيأس أيها الإنسان من عمل عملته، واعلم أن الله- جل شأنه- قد كتب على نفسه الرحمة، وأنه يقبل التوبة متجاوزا عن معصية عباده الذين يتوبون إليه، ويرجعون عن عملهم عازمين على عدم العودة نادمين على أفعالهم رادين حقوق العباد لأصحابها، وهو الذي يعفو عن السيئات، ويتجاوز عن الخطيئات لمن يشاء من عباده، ولا غرابة فهو يعلم ما تفعلون. ويستجيب الله لدعاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا دعوه منيبين إليه، ويزيدهم من فضله الواسع ورزقه العميم، والاستجابة تكون في الدنيا أو الآخرة، وأما الكافرون الذين كفروا بالله وبنعمه فلهم عذاب شديد ما داموا متمسكين بباطلهم، وهذا وعد للتائبين ووعيد للكافرين المصرين. من مظاهر حكمته وقدرته [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٧ الى ٣٦] وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)

стр. 2159

المفردات: بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ: وسع، وأصل البسط: النشر لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ البغي: تجاوز الحدود بِقَدَرٍ: بتقدير الْغَيْثَ: المطر النافع قَنَطُوا: يئسوا بَثَّ: فرق ونشر مِنْ دابَّةٍ: كل ما دب وتحرك فهو دابة الْجَوارِ: جمع جارية وهي السفينة تجرى في الماء إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ كَالْأَعْلامِ جمع علم وهو الجبل، أو هو كل شيء مرتفع رَواكِدَ: سواكن على ظهره لا تتحرك يُوبِقْهُنَّ: يهلكهن ويغرقهن مَحِيصٍ: مهرب وملجأ. لقد مضى قول الله: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فكأن سائلا سأل: ما بال بعض المؤمنين قد يكون في شدة وفقر يدعو ويظل حاله كما هو؟ فأجاب الله بهذه الآيات. المعنى: ولو بسط الله الرزق ووسعه لعباده جميعا لبغوا في الأرض وتجاوزوا الحدود المرسومة، فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، والظلم من شيم النفوس، فإن رأيت أحدا لا يظلم مع القدرة فلعله لسبب، والغنى كما يقولون مبطرة مأشرة- أى: داع إلى البطر والأشر- وكفى بحال قارون وفرعون وما نراه الآن شاهدا على ذلك.

стр. 2160

ولكن الحق- ﵎ ينزل بتقدير الخبير البصير ما يشاء من الرزق لمن يشاء من الخلق تبعا للحكمة والمصلحة التي تخفى على كثيرين، إنه بعباده خبير بصير، فهو يستجيب لدعاء المؤمنين إن عاجلا أو آجلا، وقد يكون في المرض أو الفقر مصلحة والبغي كما يكون وليد الغنى يكون تابعا للفقر، فكلما دخل الفقر بلدا دخل الكفر. والخروج عن المألوف معه، ولكن من المسلم به أن البغي مع الغنى أكثر، والذي عليه نظام العالم من وجود الغنى والفقر هو علاج المجتمع وهو النظام المحكم الدقيق. وقال القرطبي- ﵀ قال علماؤنا: أفعال الرب- لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب عليه فعل الصلاح، فقد يعلم من حال عبده أنه لو بسط عليه الرزق قاده ذلك إلى الفساد فيزوى عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة، وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح، والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته. وروى عن أنس من حديث طويل «وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر. وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى. وإنّنى لأدبّر عبادي لعلمي بقولهم فإنّى عليم خبير» . وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما يئسوا من رحمته، وهو الذي ينشر رحمته إذ هو واسع الفضل كثير الخير، وهو الولي الحميد إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [سورة الشرح الآيتان ٥ و ٦] ولن يغلب عسر واحد يسرين. ومن آياته الدالة على كمال القدرة وتمام العلم والحكمة وأن هذا العالم يسير بحكمة الحكيم الخبير، من آياته خلق السموات والأرض وما فيهما من عوالم لا يعلمها إلا الله خالقها، ومن آياته ما بث فيهما من دابة لا يعلمها إلا الله، يظهر أن قول العلماء الطبيعيين: إن في الكواكب حياة، كلام له نصيب من الصحة، فالآية تثبت أن في السماء والأرض قد بث الله فيهما دابة تدب وتتحرك أما حقيقتها في السماء فلا يعملها إلا خالقها- وإن كان من المقطوع به أنها ليست إنسانا، وهو على جميع خلقه يوم يشاء جمعهم للحساب قدير. وما أصابكم أيها الناس في الدنيا من مصيبة فبما كسبته أيديكم، واقترفته جوارحكم حتى بعض الأمراض والآفات الزراعية، ويظهر والله أعلم أن الذنوب نوعان، نوع

стр. 2161

يعذب الله صاحبه في الدنيا لأنه هين بسيط فيصيبه بسببه مرض أو ألم، ونوع عذابه شديد فهو في الآخرة فقط، وإذا أحب الله عبدا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا كرهه لسوء عمله تركه يقترف من السيئات ما شاء، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر لحساب عسير وعذاب شديد. وقد ينال الإنسان منا بعض الألم تكفيرا له عن ذنوب أو زيادة له في ثواب. والله يعفو عن كثير من الذنوب عفوا مع القدرة الكاملة، وما أنتم بمعجزين الله في الأرض هربا منه، وما لكم من دون الله من ولى يلي أموركم ولا نصير ينصركم إن أراد بكم سوءا وهو على كل شيء قدير.. وهذه آيات أخر تشهد لله بالقدرة وأنه بخلقه رحمن رحيم، فها هي ذي السفن التي تمخر عباب البحر، وتقطع المسافات، وتحمل الأثقال، وهي على ثقلها وضخامتها، وارتفاعها كالأعلام، تجرى على سطح الماء، ولأمر ما لم تغرق في القاع، والله- هو الذي خلق الجاذبية وقوة الدفع وقوة الضغط في الماء والهواء، إن يشأ- سبحانه- يسكن الريح التي تدفع السفينة على الماء فتظل راكدة لا تتحرك إلا بقوة دافعة من بخار أو غيره. إن في ذلك كله لآيات لكل صبار على البلاء شكور على النعماء، نعم العبد الصبور الشكور إن أعطى شكر وإن ابتلى صبر، وهذا هو المؤمن الكامل الذي يتذكر ويتعظ بآيات الله وينظر إليها نظرة المعتبر الفاحص. وإن يشأ يجعل الرياح عواصف تعصف بالسفن فيوبقهن ويهلكهن، أى: يهلك ركابها، ويعف عن كثير من أهليها فلا يغرقهم معها، كل ذلك لتظهر قدرته على كل شيء، وليعلم الذين يجادلون في آياتنا جدال تكذيب وإنكار إذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان. واصطلحت على سفينتهم حتى أيقنوا بالهلاك عند ذلك يعلمون أن لا ملجأ لهم سوى الله، ولا منجى لهم من عذابه، ولكنهم بعد ذلك يشركون به ما لا ينفع ولا يضر!! ولا تغرنكم الدنيا وما أوتيتم فيها أيها الكفار فما أوتيتم من شيء من الغنى والجاه والسعة فيها فمتاع الحياة الدنيا الزائل، وما عند الله من ثواب وجزاء فهو خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 2162

من صفات المؤمنين وجزائهم وأحوال الكافرين وعاقبتهم [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٣٧ الى ٤٦] وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)

стр. 2163

المفردات: كَبائِرَ الْإِثْمِ: ما رتب عليه وعيد شديد وَالْفَواحِشَ: ما فحش وعظم قبحه كالزنا مثلا شُورى: ذو شورى، أى: أن أمورهم يتشاورون فيها الْبَغْيُ: الاعتداء الظالم سَيِّئَةٍ: هي الفعلة التي تسيء من تنزل به عَزْمِ الْأُمُورِ: معزومات الأمور التي أمر بها الله. مَرَدَّ: رجوع إلى الدنيا سَبِيلٍ: طريق خاشِعِينَ: ذليلين طَرْفٍ الطرف: العين، والطرف مصدر طرف بصره يطرف طرفا إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر والمرة منه طرفة، يقال: أسرع من طرفة العين مُقِيمٍ: دائم إلى ما شاء الله. ما مضى كان في بيان صفات المؤمنين التي تؤهلهم إلى التمتع بنعيم الجنان الذي هو خير وأبقى وما هنا بيان الكفار وحالهم ليظهر الفرق جليا واضحا. المعنى: ما أعده الله يوم القيامة خير وأبقى من متاع الدنيا الفاني الذي قد يكون سببا في عدم قبول الحق، ما أعده الله للذين آمنوا بالله ورسوله. والذين هم من المتوكلين على الله المفوضين الأمر إليه. لا الذين هم من المتكلين على أعمالهم خير وأبقى. والذين يجتنبون كبائر الإثم التي توعد الله عليها وعيدا شديدا، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإذا ما غضبوا هم يغفرون ويعفون، تراهم كفوا نفوسهم عن الشر، وقوتهم الشهوانية عن الفاحشة، وقوتهم العصبية عن الاسترسال في الشر، والذين استجابوا لربهم وانقادوا له وأذعنوا لكل ما يريده منهم راضين محتسبين ذلك عنده من صميم قلوبهم وهم مع ذلك يقيمون الصلاة، وأمرهم يتشاورون فيه فلا يقدم رئيسهم على عمل إلا بعد الاستشارة وأخذ الرأى، يا سبحان الله! تلك هي صفات المؤمنين في كتاب الله لم يلفت نظرنا إلى ترك الكبائر والفواحش وإقامة الصلاة والزكاة فقط، وإنما يبين لنا أن الشورى من مبادئ الإسلام وصفات المؤمنين التي يستحقون بها الفلاح في الدنيا والآخرة حتى تقضى على الدكتاتورية الغاشمة، فلتهنأ الديمقراطية العربية ففي الإسلام متسع لكل خير وفضل، وبعد عن كل ضرر وخطر.

стр. 2164

ومن صفاتهم أيضا الإنفاق مما رزقهم الله، تلك الاشتراكية المنظمة السليمة من الآفات والعيوب. وهكذا الإسلام يبين لنا أن من صفات المؤمنين العزة والكرامة، والاعتزاز بقوة الله والوثوق في نصره، وعلى ذلك فإذا أصابنا بغى وظلم بغير حق وجب علينا أن ننتصر وندافع عن حقوقنا، وقد كان النبي ﷺ يغضب جدا إذا انتهكت حرمة من محارم الله، ويغفر ويعفو لمن ينال من شخصه في بعض الأحيان، والشخص المعتدى عليه ينطبق- إذا كان اعتداؤه بغير قصد، ولم يكن مصرّا عليه، وكان في العفو عنه تسكين لفتنة- عليه قوله تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ «١» وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى «٢» . وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ «٣» وغير ذلك من آيات العفو. فإن كان في ترك الانتصار جرأة السفهاء، ومذلة المؤمنين، وانتهاك حرمة الدين فالانتصار واجب إذ هم يكرهون أن يذلوا أنفسهم حتى يجترئ عليهم السفلة من الناس بل ينتصرون على من بغى عليهم واعتدى والله معهم. وعلى ذلك فلا تعارض في الآية. ولكن رد الاعتداء والانتصار للحق يكون على أى شكل؟ لقد رد الله على هذا بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، وبدء الاعتداء سيئة وشر، ورده كذلك يسيء من ينزل به، لقد صدق الحكيم العربي حيث قال: «الشر بالشر والبادي أظلم» . فمن عفا عمن ظلمه وأصلح ما بينه وبينه حتى لا يعود إلى الاعتداء فأجره على الله وذلك خير بلا شك، إذ قد شرطنا في القصاص ورد الاعتداء المساواة، وتحقيقها واقعيا بعيد، ففي الغالب يكون معه ظلم وزيادة والله لا يحب الظالمين، ومن هنا نعلم أن الشرع يميل إلى العفو، وأنه أقرب إلى التقوى، وهذا كما قلنا بشروط موكول أمرها للمسلم. وهل المنتصر لنفسه معتد أم لا؟ لا. ولمن انتصر بعد ظلمه والاعتداء عليه أولئك ما عليهم من سبيل، ولا عقوبة عليهم، إنما الإثم والعقوبة والسبيل على الذين يظلمون الناس بغير حق ويبدءون بالعدوان على الآمنين الهادئين أولئك لهم عذاب أليم.

стр. 2165

ولمن صبر «١» ولم يقتص حينما اعتدى عليه، وغفر فإن ذلك لمن عزائم الأمور وعظائمها التي لا يفعلها إلا أصحاب العزائم القوية، فقد قال رسول الله ﷺ : «ليس الشّديد بالصّرعة إنّما الشّديد الّذى يملك نفسه عند الغضب» . المعنى: ومن يضلله الله لأن نفسه ميالة إلى الشر والبعد عن الحق بمحض اختيارها، ومن كان كذلك فما له من ولى بعد الله يهديه إلى الحق وإلى الصواب، وهؤلاء هم الذين أعرضوا عن دعاء النبي ﷺ إلى الإيمان بالله والمودة في القربى، وهم الظالمون. وتراهم لما رأوا العذاب يوم القيامة، وأنه حق لا شك فيه، ندموا على ذلك وقالوا: هل من رجوع إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا؟ لما رأوا العذاب آمنوا وتمنوا الرجوع إلى الدنيا، ولكن هيهات، وأنى لهم ذلك! وتراهم يعرضون على النار وهم في قبورهم صباح مساء، يعرضون عليها حالة كونهم خاشعين من الذل، ينظرون إليها بعيون ضعيفة لأنهم ناكسو الرءوس ذليلون، فهم ينظرون مسارقة فلا يستطيعون أن يمكنوا عيونهم منها، وقال الذين آمنوا يوم القيامة: حقا إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم حيث حرموا من الجنة، ودخلوا النار يصلونها نارا مسعرة، وخسروا أهليهم وأحبابهم لأنهم إن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم وإن كانوا في النار فلا فائدة فيهم، ألا ذلك هو الخسران المبين! وأى خسارة فوق هذا؟ ألا إن الظالمين لأنفسهم في عذاب مقيم دائم إلى ما شاء الله، وما كان لهم في هذه الحالة من أولياء ينصرونهم متجاوزين الله كما كانوا يفهمون هذا خطأ، ولا غرابة في ذلك فمن يضلله الله فلا هادي له، وما له من سبيل إلى الخير يسلكه!

стр. 2166

الأمر كله لله [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) المفردات: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ: أجيبوه مَلْجَإٍ: منجى ينجيكم عَقِيماً يقال: عقمت المرأة تعقم عقما: لم تلد، وأصل العقم: القطع، ومنه: ريح عقيم أى: لا تلقح سحابا ولا شجرا ... وهذا كالنتيجة لما تقدم حيث بين الوعد والوعيد ورتب عليه الأمر بالاستجابة مع تهديد المخالفين وبيان أن الأمر كله لله. المعنى: استجيبوا إلى ربكم إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، فأجيبوه إلى شرعه بسرعة وبلا تأجيل من قبل أن يأتى يوم لا راد له، هو يوم القيامة، اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وما لكم فيه من منجى ينجيكم من عذاب الله، ولا تقدرون على الإنكار يومئذ.

стр. 2167

فإن أعرضوا يا رسول الله فدعهم، فما أرسلناك عليهم حفيظا تحفظهم من الوقوع في الأخطار، وتقيهم أعمال السوء إنما أنت نذير، وهاد إلى سواء السبيل، ما عليك إلا البلاغ فقط، وعلينا الحساب فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ. [الغاشية ٢١- ٢٦] ثم إن الله- تعالى- بين أن السبب في كفر هؤلاء وعنادهم يرجع إلى انغماسهم في المادة، وغرورهم الباطل بها، وتكبرهم عن الحق لأنهم أولو قوة وبأس، ومال وأولاد فقال: ولو أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها واغتر وتكبر، وإن تصبه سيئة بما قدمته يداه فإنك تراه كفورا جحودا نعم ربه، وتراه نسى ما كان عنده من نعمة وفضل، والكافر الذي لا يؤمن بالله وبصفاته القدسية هو كذلك، أما المؤمن بالله حقا فإن أعطى شكر الله وازداد خضوعا وإيمانا، وإن حرم شيئا صبر وآمن بقضاء الله وقدره، وأن لله ملك السموات والأرض يتصرف فيهما كيف شاء. لله وحده ملك السموات والأرض، وهو صاحب التصريف في هذا الكون يخلق ما يشاء، ويعطى ويمنع من يشاء، ويهب لمن يشاء أولادا إناثا، ويهب لمن يشاء أولادا ذكورا، ويعطى لمن يشاء ذكورا وإناثا فيزاوج بينهما، ويجعل من يشاء عقيما فلا يعطيه ولدا بالمرة، إنه عليم بخلقه قدير على كل شيء. وليست هناك قوة في الأرض تستطيع فعل غير هذا. وإذا كان الله هو المعطى والمانع أيليق بك أيها الإنسان أن تدعى ادعاء كاذبا أنك أعطيت هذا على علم من عندك؟ أيليق بك أن تجعل الكفر بدل الشكر والغرور والكبر والغطرسة بدل الخضوع والعبادة والتقديس لله واجب الوجود المبدئ والمعيد؟! كيفية اتصال الله برسله [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٥١ الى ٥٣] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)

стр. 2168

المفردات: وَحْياً الوحى: إلقاء شيء في القلوب سواء كان في اليقظة أم في المنام رُوحاً: المراد قرآن كالروح. بدأ الله السورة بالكلام على الوحى وخاصة القرآن، وكذلك ختمها بالكلام على الوحى العام للأنبياء كلهم وخاصة الوحى الذي نزل على خاتمهم وإمامهم ﷺ وإنه لختام رائع. روى في سبب نزول هذه الآيات: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى نبينا ونظر إليه، فإننا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك؟ فقال النبي: «لم ينظر موسى إلى الله» ونزلت هذه الآيات. المعنى: الله- ﷻ وتقدست أسماؤه- له ذات ليست كالذوات، وله صفات ليست كالصفات، وهو يخالف جميع خلقه لأن خالق هذا الكون وما فيه من أعاجيب يستحيل عليه أن يشبه شيئا من خلقه، فهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله تلك حقائق آمن بها الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة. ولهذا ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بإحدى ثلاث، إما أن يوحى إليه وحيا بأن ينفث في قلبه، ويلقى في روعه سواء كان هذا في اليقظة أم في النوم.

стр. 2169

وإما أن يكلمه الله من وراء حجاب فيسمع الكلام ولا يعرف مصدره كما حدث لموسى- ﵊، وإما أن يكلم الرسول من البشر بأن يرسل إليه ملكا من الملائكة كجبريل- ﵇ فيوحى ذلك الرسول إلى المرسل إليه من البشر يوحى إليه بإذنه، أى: بأمره- وتيسيره، فيوحى إليه ما يشاء. وكان لهذه الآية وأمثالها وضع خاص، وكانت مثار نزاع بين المسلمين كفرقة المعتزلة وفرقة أهل السنة، ففهم المعتزلة من حصر كلام الله- سبحانه- لخلقه في الأحوال الثلاثة أن رؤية الله غير جائزة، وأثبت الرؤية أهل السنة استنادا إلى آيات من القرآن، على أن الخلاف في رؤية الله يوم القيامة، والحق مع أهل السنة في هذا. إن ربك عليم بخلقه، يعلم أن أحدا من خلقه لا يستطيع- مهما كان- أن يقوى على المشافهة أو الوقوف في الحضرة القدسية أو الانغماس في الأنوار الإلهية. ولذا ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب إنه علىّ حكيم يضع الأمور في نصابها فلا اعتراض ولا نقاش. ومثل ذلك الإيحاء البديع، الإيحاء الإلهى أوحينا إليك يا محمد روحا من أمرنا.. إى وربي إنه روح من أمر الله، وسر من أسراره، وأمر لا يدرى كنهه إلا هو، وهل القرآن روح؟! نعم إنه للدنيا روح، وأى روح؟ إنه أحيا العالم، ونقله من حضيض الجهل إلى ذروة العلم والعرفان. هل يستوي الأعمى والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور؟ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ «١» والواقع عند المنصفين أن القرآن حينما نزل كان نزوله حدّا فاصلا بين عهدين، وكان مبدأ للحضارة والعلم، وحياة للناس قضت على ظلمات الجهل. وهذا هو الدليل على صدق محمد في دعواه الرسالة وأن هذا القرآن من عند الله ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [سورة الشورى آية ٥٢] . نعم فالنبي أمى لم يقرأ ولم يكتب وما جلس إلى معلم أو مرشد، فحقّا وما كان يدرى قبل القرآن الكامل ما الكتاب «٢» والإيمان؟ نعم هذا النبي الأمى العربي يستحيل

стр. 2170

عليه أن يأتى بهذا القرآن الكامل في كل نواحيه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه رغم كثرة أعدائه وحساده قديما وحديثا، فحقا إنه تنزيل من رب العالمين. كيف ينشأ من تلك البيئة رجل يقول مثل هذا الكلام، ويتحدى به العرب بل كل الناس فيعجز الكل عن الإتيان بمثله؟! فحقا إن النبي ما كان يدرى ما الكتاب؟ حتى يتصور أن يكون ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه من وضعه. وما كان يدرى ما الإيمان؟ والإيمان بأصوله وفروعه وتشريعاته وقوانينه، هل من المعقول أن يحيط بها فرد نشأ في بيئة أمية كبيئة العرب الجاهلين؟ ولكن أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا فأعرض أكثر الناس عنه، أرسله الله وأنزل معه القرآن نورا للناس يهتدى به من استرشد بعقله، ونظر نظرا بريئا خاليا من التعصب الأعمى، وإنك يا محمد لتهدى بدينك إلى صراط مستقيم إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ «١» يهدى إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له كل ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، وهو العالم به، ألا إلى الله وحده تصير الأمور. هذا هو القرآن روحا من عند الله، ونورا يهدى به الناس في ظلمات الحياة، وهذا هو الرسول يدعو إلى الخير وينادى بنصرة الحق ويهدى إلى صراط مستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم. ولم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين.. اللهم اجعلنا من هؤلاء.

стр. 2171

سورة الزخرف وهي مكية بالإجماع. وعدد آياتها تسع وثمانون آية. وهي تدور حول الكلام على القرآن ونقاش المشركين، والاستدلال على وجود الله وصفاته بآثاره ونعمه على الناس. وتمتاز هذه السورة بتعداد أباطيلهم ومعتقداتهم الفاسدة والرد عليهم بما يفحمهم ثم الاستشهاد ببعض الرسل السابقين كموسى وعيسى. مع التعرض لأحوال يوم القيامة بالنسبة للمؤمنين والكافرين إلى غير ذلك من الآيات والحكم القرآنية. القرآن الحكيم وقريش [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)

стр. 2172

المفردات: أُمِّ الْكِتابِ المراد: اللوح المحفوظ فإنه أم الكتب السماوية، أى: أصلها أَفَنَضْرِبُ: أفننحي عنكم القرآن ونمسكه مُسْرِفِينَ: منهمكين في الإسراف وتجاوز الحد بَطْشاً: قوة وشدة وَمَضى: سبق مَثَلُ الْأَوَّلِينَ: صفتهم العجيبة التي تشبه المثل في الغرابة صَفْحاً أى: إعراضا، يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، والأصل فيه أن يقال: أعرضت عنه إذا أوليته صفحة عنقي. المعنى: حم. أقسم ربك بالكتاب المبين إنا جعلنا ما أنزل عليك وصيرناه قرآنا عربيا غير ذي عوج في لفظه أو معناه كي تعقلوا وتفكروا فيه تفكيرا سديدا لتعلموا أنه من عند الله لا من عند محمد. أقسم الله بالكتاب لفتا لنظر الناس إليه وبيانا لعظمته المقتضية لأن يقسم الله به، ووصفه بالإبانة لأنه أبان الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وكان المقسم عليه كونه قرآنا عربيا لإثبات أنه وارد على أساليب العرب فلا يعسر عليهم فهمه وإدراك أسراره وإعجازه ولذا ختم الآية بقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ويقول الآلوسي في تفسيره: والقسم بالقرآن على ذلك من الأيمان الحسنة البديعة لما فيه من رعاية المناسبة والتنبيه على أنه لا شيء أعلى منه فيقسم به: ولا أهم من وصفه فيقسم عليه: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [سورة الواقعة آية ٧٦] . إن هذا القرآن في أم الكتاب لدى الحق- ﵎ لعلى ورفيع الشأن وكبير المقام بالنسبة لغيره وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [سورة المائدة آية ٤٨] ، وإنه لعلىّ حكيم ذو حكمة بالغة. هذا كلام مع مشركي مكة أولا ومع الناس جميعا بعدهم، فالخطاب لهم وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، هؤلاء المشركون كانوا مسرفين في الإنكار والتكذيب، وكلما زادهم الرسول دعاء ازدادوا نفورا واستكبارا، فقال الحق لهم:

стр. 2173

أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً «١» أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ؟ على معنى أنهملكم فننحى «٢» عنكم الذكر، أى: القرآن ونبعده؟! لا. لن يترككم الله أبدا بل سيظل ينزل عليكم القرآن ويهديكم إلى سبيل الرشاد فربما جاء منكم قوم يؤمنون بالله ورسوله، وقد كان فهدى الله بعضهم، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأتم الله النعمة وأكمل الدين ورضيه للناس دينا أساسيا هو دين الحق. ولا تعجب يا محمد من حالهم فتلك سنة الله في الخلق جميعا من يوم أن خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكثيرا من الرسل أرسلناهم في الأمم السابقة، وما أتاهم من رسول أو نبي إلا كانت أمته تكذبه وتستهزئ به، فنملى لهم نوعا ما حتى إذا استيأس الرسل أهلكناهم، ف أهلكنا من الأمم أقواما أشد من أمتك بطشا وقوة فلم يغن عنهم شيئا، وسبق في القرآن كثيرا ذكر أخبارهم التي أضحت كالمثل في الغرابة، فانظروا يا آل مكة كيف يكون موقفكم؟ واحذروا بطش العزيز الجبار إن بطش ربك لشديد!! من نعم الله علينا [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٩ الى ١٤] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)

стр. 2174

المفردات: مَهْداً: ممهدة كالبسط المفروشة سُبُلًا: طرقا بِقَدَرٍ: بتقدير فَأَنْشَرْنا: فأحيينا الْأَزْواجَ: الأصناف والأنواع مُقْرِنِينَ: مطيقين أو مماثلين في القوة، من قولهم: فلان قرن فلانا: إذا ماثله لَمُنْقَلِبُونَ انقلب: انصرف. المعنى: أفنضرب عن المشركين الذكر صفحا لأنهم قوم مسرفون؟ ولئن سألنهم من خلق السموات والأرض؟ ومن خلق هذا الكون البديع: سماءه وأرضه؟ ليقولن مجيبين على ذلك: خلقه العزيز العليم، والظاهر أن هذه هي الإجابة المتعينة لا غيرها وليس معقولا أن يقولوا ذلك ويصفون الله بالعزة والعلم، وكأن القرآن يتعجب من حالهم: يؤمنون بأنه خالق ثم يشركون معه في العبادة غيره. الله- ﷻ الذي خلق السموات والأرض هو الذي جعل لكم الأرض ممهدة معدة للإقامة عليها مع تكورها وسرعة دورانها، وسلك لكم فيها سبلا وطرقا مائية وزراعية لعلكم بهذا تهتدون إلى وجود الصانع الحكيم، أو تهتدون إلى مقاصدكم ومصالحكم.

стр. 2175

والذي نزل من السماء ماء بتقدير محكم تبعا للمشيئة الإلهية فأنشرنا به بلدة ميتة فأحييناها بالنبات الأخضر والثمر اليانع، وإن هذا لمشاهد وكثير. مثل ذلك الإخراج- أى: إخراج النبات الأخضر من الأرض الجدبة القاحلة- تبعثون من قبوركم أحياء للحساب. وهو الذي خلق الأزواج كلها وأصناف المخلوقات جميعا، ما نعلمه ومالا نعلمه، وجعل لكم من الفلك والأنعام- أى: الخيل والبغال والحمير- ما تركبون، ولعل السفن نوع من أنواع ما يركب، ورمز للباقي كالطائرة والسيارة وغيرهما مما اخترعه الإنسان لكي تستووا على ظهور ما تركبون، وتستقروا عليه ثم تذكرون نعمة ربكم الذي أنعم عليكم بهذا تذكرون بلسانكم معترفين مستعظمين بقلوبكم تلك النعم. وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لذلك مطيقين، بمعنى أنه ليس لنا من القوة ما نضبط به الدابة والفلك، وإنما الله هو الذي سخر لنا هذا كله، وإنا إلى ربنا راجعون وصائرون. روى عن النبي ﷺ ما معناه أنه كان إذا وضع رجله في ركاب الدابة قال: «باسم الله- فإذا استوى قال- الحمد لله على كلّ حال سبحان الّذى سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون. وإذا نزل قال: اللهمّ أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» . ألوان من مفترياتهم وأباطيلهم والرد عليهم [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١٥ الى ٢٥] وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)
следующие страницы →