سورة الزخرف
وهي مكية بالإجماع. وعدد آياتها تسع وثمانون آية.
وهي تدور حول الكلام على القرآن ونقاش المشركين، والاستدلال على وجود الله وصفاته بآثاره ونعمه على الناس. وتمتاز هذه السورة بتعداد أباطيلهم ومعتقداتهم الفاسدة والرد عليهم بما يفحمهم ثم الاستشهاد ببعض الرسل السابقين كموسى وعيسى.
مع التعرض لأحوال يوم القيامة بالنسبة للمؤمنين والكافرين إلى غير ذلك من الآيات والحكم القرآنية.
القرآن الحكيم وقريش [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)
стр. 2172
المفردات:
أُمِّ الْكِتابِ المراد: اللوح المحفوظ فإنه أم الكتب السماوية، أى: أصلها أَفَنَضْرِبُ: أفننحي عنكم القرآن ونمسكه مُسْرِفِينَ: منهمكين في الإسراف وتجاوز الحد بَطْشاً: قوة وشدة وَمَضى: سبق مَثَلُ الْأَوَّلِينَ: صفتهم العجيبة التي تشبه المثل في الغرابة صَفْحاً أى: إعراضا، يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، والأصل فيه أن يقال: أعرضت عنه إذا أوليته صفحة عنقي.
المعنى:
حم. أقسم ربك بالكتاب المبين إنا جعلنا ما أنزل عليك وصيرناه قرآنا عربيا غير ذي عوج في لفظه أو معناه كي تعقلوا وتفكروا فيه تفكيرا سديدا لتعلموا أنه من عند الله لا من عند محمد.
أقسم الله بالكتاب لفتا لنظر الناس إليه وبيانا لعظمته المقتضية لأن يقسم الله به، ووصفه بالإبانة لأنه أبان الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وكان المقسم عليه كونه قرآنا عربيا لإثبات أنه وارد على أساليب العرب فلا يعسر عليهم فهمه وإدراك أسراره وإعجازه ولذا ختم الآية بقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
ويقول الآلوسي في تفسيره: والقسم بالقرآن على ذلك من الأيمان الحسنة البديعة لما فيه من رعاية المناسبة والتنبيه على أنه لا شيء أعلى منه فيقسم به: ولا أهم من وصفه فيقسم عليه: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [سورة الواقعة آية ٧٦] .
إن هذا القرآن في أم الكتاب لدى الحق- ﵎ لعلى ورفيع الشأن وكبير المقام بالنسبة لغيره وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [سورة المائدة آية ٤٨] ، وإنه لعلىّ حكيم ذو حكمة بالغة.
هذا كلام مع مشركي مكة أولا ومع الناس جميعا بعدهم، فالخطاب لهم وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، هؤلاء المشركون كانوا مسرفين في الإنكار والتكذيب، وكلما زادهم الرسول دعاء ازدادوا نفورا واستكبارا، فقال الحق لهم:
стр. 2173
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً «١»
أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ؟ على معنى أنهملكم فننحى «٢»
عنكم الذكر، أى: القرآن ونبعده؟! لا. لن يترككم الله أبدا بل سيظل ينزل عليكم القرآن ويهديكم إلى سبيل الرشاد فربما جاء منكم قوم يؤمنون بالله ورسوله، وقد كان فهدى الله بعضهم، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأتم الله النعمة وأكمل الدين ورضيه للناس دينا أساسيا هو دين الحق.
ولا تعجب يا محمد من حالهم فتلك سنة الله في الخلق جميعا من يوم أن خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكثيرا من الرسل أرسلناهم في الأمم السابقة، وما أتاهم من رسول أو نبي إلا كانت أمته تكذبه وتستهزئ به، فنملى لهم نوعا ما حتى إذا استيأس الرسل أهلكناهم، ف أهلكنا من الأمم أقواما أشد من أمتك بطشا وقوة فلم يغن عنهم شيئا، وسبق في القرآن كثيرا ذكر أخبارهم التي أضحت كالمثل في الغرابة، فانظروا يا آل مكة كيف يكون موقفكم؟ واحذروا بطش العزيز الجبار إن بطش ربك لشديد!!
من نعم الله علينا [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٩ الى ١٤]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)
стр. 2174
المفردات:
مَهْداً: ممهدة كالبسط المفروشة سُبُلًا: طرقا بِقَدَرٍ: بتقدير فَأَنْشَرْنا: فأحيينا الْأَزْواجَ: الأصناف والأنواع مُقْرِنِينَ: مطيقين أو مماثلين في القوة، من قولهم: فلان قرن فلانا: إذا ماثله لَمُنْقَلِبُونَ انقلب:
انصرف.
المعنى:
أفنضرب عن المشركين الذكر صفحا لأنهم قوم مسرفون؟ ولئن سألنهم من خلق السموات والأرض؟ ومن خلق هذا الكون البديع: سماءه وأرضه؟ ليقولن مجيبين على ذلك: خلقه العزيز العليم، والظاهر أن هذه هي الإجابة المتعينة لا غيرها وليس معقولا أن يقولوا ذلك ويصفون الله بالعزة والعلم، وكأن القرآن يتعجب من حالهم: يؤمنون بأنه خالق ثم يشركون معه في العبادة غيره.
الله- ﷻ الذي خلق السموات والأرض هو الذي جعل لكم الأرض ممهدة معدة للإقامة عليها مع تكورها وسرعة دورانها، وسلك لكم فيها سبلا وطرقا مائية وزراعية لعلكم بهذا تهتدون إلى وجود الصانع الحكيم، أو تهتدون إلى مقاصدكم ومصالحكم.
стр. 2175
والذي نزل من السماء ماء بتقدير محكم تبعا للمشيئة الإلهية فأنشرنا به بلدة ميتة فأحييناها بالنبات الأخضر والثمر اليانع، وإن هذا لمشاهد وكثير.
مثل ذلك الإخراج- أى: إخراج النبات الأخضر من الأرض الجدبة القاحلة- تبعثون من قبوركم أحياء للحساب.
وهو الذي خلق الأزواج كلها وأصناف المخلوقات جميعا، ما نعلمه ومالا نعلمه، وجعل لكم من الفلك والأنعام- أى: الخيل والبغال والحمير- ما تركبون، ولعل السفن نوع من أنواع ما يركب، ورمز للباقي كالطائرة والسيارة وغيرهما مما اخترعه الإنسان لكي تستووا على ظهور ما تركبون، وتستقروا عليه ثم تذكرون نعمة ربكم الذي أنعم عليكم بهذا تذكرون بلسانكم معترفين مستعظمين بقلوبكم تلك النعم.
وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لذلك مطيقين، بمعنى أنه ليس لنا من القوة ما نضبط به الدابة والفلك، وإنما الله هو الذي سخر لنا هذا كله، وإنا إلى ربنا راجعون وصائرون.
روى عن النبي ﷺ ما معناه أنه كان إذا وضع رجله في ركاب الدابة قال: «باسم الله- فإذا استوى قال- الحمد لله على كلّ حال سبحان الّذى سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون. وإذا نزل قال: اللهمّ أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» .
ألوان من مفترياتهم وأباطيلهم والرد عليهم [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١٥ الى ٢٥]
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤)
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)
стр. 2176
المفردات:
جُزْءاً المراد: ولدا لأنه جزء من أبيه أَصْفاكُمْ: اختاركم وخصكم بالبنين مَثَلًا المراد: شبها. ظَلَّ وَجْهُهُ: صار كَظِيمٌ: مملوء غيظا يُنَشَّؤُا: يربى وينشأ ومنه النشء. والنشوء: التربية، وعليه قولهم: نشأت في بنى فلان الْحِلْيَةِ أى: الزينة فِي الْخِصامِ: في الجدال والنقاش يَخْرُصُونَ: يحدسون ويكذبون أُمَّةٍ الأمة لها معان والمراد منها هنا: الطريقة والمذهب.
стр. 2177
المعنى:
ألم تر إلى أولئك المشركين حين يسألون: من الذي خلق السموات والأرض؟
يقولون: خلقهن العزيز العليم، يقولون هذا والحال أنهم جعلوا له جزءا من عباده! عجبا وأى عجب؟
جعلوا لله من عباده جزءا- أى: ولدا- ولعل تسمية الولد بالجزء لأنه قطعة من أبيه كما
قال العربي «وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشى على الأرض»
. وإثبات الولد لله محال فإنه يستحيل على خالق السموات والأرض أن يكون له ولد إذ ليس له حاجة به فهو الغنى المتعالي عن الصاحبة والولد، على أن الولد جزء من الوالد، وما كان له جزء كان مركبا، فالله إذن مركب، والمركب بلا شك حادث إذ هو يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وتلك كلها أمارة الحوادث فكيف يكون الإله القديم الأزلى الواحد في كل شيء له ولد؟! قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ إن الإنسان الذي يقول بهذا السخف الخالي من الحجة لكفور بين الكفر.
والفخر الرازي- ﵀ يرى أن الأولى في الآية أن يكون معناها: وجعلوا له من عباده جزءا والباقي للشركاء وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [سورة الأنعام آية ١٣٦] .
فهم قد زعموا أن كل العباد ليس لله، بل بعضها لله وبعضها للشركاء، والذي ساعده على هذا أن الآية التي بعدها لإنكار الولد وهذه لإنكار الشريك فتكون الآيات جامعة.
عجبا لهؤلاء يثبتون لله ولدا ثم بعد ذلك يقولون: إنه أنثى، فلو فرض أن له ولدا فإنه يمتنع أن يكون أنثى لأن الابن أفضل من البنت فكيف يتخذ البنات ويعطى لعباده البنين أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أى: جائرة، كيف يجعلون لله البنات وهم إذا بشر أحدهم بالأنثى صار وجهه مسودّا من الحزن والغم، وهو كظيم، ويتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ولا يدرى ماذا يفعل في بنته أيمسكها على هون وذل أم يدسها في التراب ألا ساء ما يحكمون.. عجبا لهم إذا كان
стр. 2178
ولا بد لله من ولد فليكن ذكرا لا أنثى. أعموا وجعلوا لله- ما من شأنه أن يتربى في الحلية والزينة، وأن يكون قعيدا في البيت، وهو في الخصام والجدال غير مبين؟ وتلك أوصاف النساء، انظر إليهم وقد جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن، وهم العباد المكرمون، الذين يعبدون الله ليلا ونهارا، ولا يعصونه ما أمرهم، جعلوا هؤلاء إناثا، وحكموا بأنهم كذلك.
هذا أيضا مما يستدعى العجب لأنه إثبات بلا دليل، وقول بلا برهان، إذ لا دليل عقلي ولا نقلي على ذلك فلم يبق إلا المشاهدة، وهم لم يشاهدوا خلقهم أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ستكتب تلك الشهادة عليهم، ويسألون عنها يوم القيامة.
وانظر إليهم، وهم يتعلقون بما هو أوهى من بيت العنكبوت، وهي حجة أملاها عليهم شيطانهم إذ قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدنا الملائكة، وهم يقصدون أن الله شاء عبادتنا لهم بدليل وقوعها إذ لو لم يشأ منا ذلك لما وقع منا شرك، وإذا كانت مشيئته حاصلة فكيف يأمرنا بترك العبادة؟ وهو استدلال باطل بلا شك لأن المشيئة لا تستلزم الأمر إذ هي عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض وفقا لعلمه سواء كانت تلك الممكنات حسنة أم قبيحة، والله- سبحانه- يأمر بالخير ويحث عليه، وقد يشاء لنا غير ما أمرنا به: ونحن لا نعلم حقيقة مشيئته وإرادته حتى يتخلصوا من ذنوبهم وآثامهم! لا. ليس عندهم علم قبل وقوع الفعل أبدا إن هم إلا يظنون ويخرصون.
بل آتيناهم كتابا يدرسون فيه ما شئناه فهم به مستمسكون! لا. لا، فهؤلاء ليست لهم حجة عقلية ولا حجة نقلية تبرر لهم أفعالهم، وإنما السبب الحقيقي أنهم يقلدون آباءهم تقليد الأعمى مع التعصب الشديد ولو كانوا على باطل، بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ طريقة ومذهب وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ.
ولا تذهب نفسك عليهم حسرات فتلك عادة قديمة في الأمم قبلهم، ومثل ذلك الذي تراه من تشبث المشركين بالتقليد الأعمى وترك الحجة والبرهان تراه كذلك مع الأمم السابقة إذ ما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي في قرية من القرى إلا قال مترفوها وأغنياؤها المنغمسون في المادة المتشبثون بالدنيا المغرورون بها فحقّا
«حب الدنيا رأس كل خطيئة»
إلا قالوا للرسول: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [سورة فصلت آية ٤٣] .
стр. 2179
قال الرسول لأمته: أتقتدون بآبائكم ولو جئناكم بدين هو أهدى وأفضل مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة والبهتان؟! ويظهر أن كل رسول كان يقول هذا، ولذا حكى الله عن الأمم جميعا قولهم قالوا: إنا بما أرسلتم به أيها الرسل لكافرون.
وماذا كان جزاؤهم؟ كان الانتقام الشديد والعذاب الأليم، فانظر كيف كان عاقبة المكذبين، وانظروا يا أهل مكة كيف أنتم من هؤلاء؟
إنكارهم النبوة والرد عليهم مع بيان حقارة الدنيا [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٦ الى ٣٩]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)
стр. 2180
المفردات:
بَراءٌ: برىء فَطَرَنِي: خلقني عَقِبِهِ: ذريته الْقَرْيَتَيْنِ: هما الطائف ومكة، والرجلان هما الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف سُخْرِيًّا أى: مسخرا لقضاء المصالح سُقُفاً: جمع سقف وَمَعارِجَ: جمع معرج وهو درج السلم يَظْهَرُونَ: يرتقون ويعلون على السطح وَزُخْرُفاً: المراد به الزينة حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ قيل: هو الذهب خاصة يَعْشُ يقال عشا يعشو: إذا تعامى وتغافل، وفي القاموس:
العشا سوء البصر نُقَيِّضْ: نسبب له شيطانا الْمَشْرِقَيْنِ المراد: مشرق الشمس شرقا ومشرق القمر غربا الْقَرِينُ: الصاحب، والصديق.
المعنى:
لقد تقرر في الآيات السابقة أن حب التقليد داء عضال مرض به كثير من الأمم السابقة، وينشأ من تغلغل المادة في نفوس الناس، وجاء الإسلام ينعى على مشركي مكة تقليدهم لآبائهم تقليد الأعمى، وانغماسهم في المادة حتى جعلوها كل شيء، وهنا يحكى القرآن الكريم مقالة لإبراهيم الخليل أبى العرب الأول، حين تبرأ من دين آبائه
стр. 2181
وأجداده مؤثرا الدليل والنظر السليم، على تقليد الآباء في الباطل: وإن حالكم أيها العرب لعجيب!! فإذا كنتم مصرين على التقليد مغرمين به فها هو ذا أبوكم إبراهيم أشرف العرب قاطبة أحق بالتقليد من غيره، فقلدوه في هجر الأصنام، وترك عبادة الأوثان واحتقار ما عليه الآباء والأجداد إذا كان منافيا للعقل والمنطق السليم.
واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: إننى برىء منكم، وبرىء مما تعبدون من دون الله حيث إنها أصنام لا تنفع ولا تضر، لكن الله خلقني فسوانى، وفطرني وأتمنى على أكمل صورة فإنه سيهدينى مستقبلا، ويهديني حالا، إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ تقوم مقام قولك: (لا إله) وقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي تقوم مقام (إلا الله) فكأنه قال: لا إله إلا الله، ومعلوم أن هذه- لا إله إلا الله- كلمة التوحيد، وإبراهيم الخليل جعلها باقية في ذريته وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يا بَنِيَّ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «١»
جعلها كلمة باقية في عقبه، ووصى بها بنيه لعلهم يرجعون إلى التوحيد الخالص البريء من الشرك في كل صوره وقد كان ذلك كذلك، فلا يزال في عقب إبراهيم وذريته من يعبد الله حقا إلى يوم القيامة ولكنهم قلة فلم يرجع أكثرهم عن الشرك، وما عاجلهم ربك بالعقاب الذي يستحقونه بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ على معنى: بل أعطيتهم نعما أخرى غير الكلمة الباقية ليشكروا صاحبها ويوحدوه، ولكنهم لم يفعلوا بل زاد طغيانهم لغرورهم بالدنيا وتمسكهم بحبها، فالله- لم يكتف بأن جعل كلمة التوحيد باقية في ذرية إبراهيم بل متعهم بالنعم التي لا تحصى، وأرسل لهم رسلا حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ أى: جاءهم الحق على لسان رسول بين المعجزة ظاهر الصدق، فانظر إلى هؤلاء المشركين: زادهم الله من نعمه وأمدهم بفضله، فلم يزدهم ذلك إلا كفرا وضلالا، فلما جاءهم الحق من عند الله قالوا: هذا سحر، وإنا به كافرون.
هذه المواقف العجيبة منهم وتلك الأباطيل رأسها وأساسها حب الدنيا وتمتعهم بنعيمها الباطل، واعتقادهم أنها كل شيء، ولذلك قالوا منكرين كون محمد اليتيم الفقير رسولا من عند الله. قالوا: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم! أنكروا أساس النبوة فلم يفلحوا فلجأوا إلى طريق آخر فقالوا: النبوة والرسالة درجة رفيعة
стр. 2182
لا يستحقها إلا رجل شريف، والشرف عندهم وليد المال، لذلك أنكروا على محمد بن عبد الله الرسالة، ولكن الله يرد عليهم فيفحمهم بقوله: أهم «١»
يقسمون رحمة ربك؟! أنكر عليهم أنهم يقسمون رحمة الله وفضله على الناس، وأنى لهم ذلك؟ وهم أجهل الناس بأنفسهم فكيف يعرفون غيرهم ويعطونه حقه من الفضل؟! نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا. وأعطينا هذا مالا وذاك أولادا، وهذا مالا ورجالا، وذلك فقير من المال والرجال. وكذلك في الصحة والنعم الأخرى، وكان العطاء والمنع لحكم الله يعلمها، لا لشيء آخر.
ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات في الفضل والجاه وغيره فكانت النتيجة أنهم اتخذ بعضهم بعضا سخرياّ! كل يخدم نفسه، وإن كان في الظاهر يخدم غيره، ورحمة ربك الشاملة للنبوة وغيرها خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني.
هذه الدنيا وما فيها من أموال لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن لما أعطى الكافر منها جرعة ماء، وهي سجن المؤمن ومتاع غيره، والآخرة خير وأبقى، ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على ديدن الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم «٢»
سقفا من فضة، ومعارج من فضة كذلك عليها يعرجون ويصعدون، ويجعلون لبيوتهم أبوابا ولهم سرر عليها يتكئون وتكون من فضة خالصة، ويجعل لهم زينة في أثاثهم ومتاعهم وقصورهم ومراكبهم تتناسب مع كل زمان ومكان.
لولا أن يكون الناس كفارا لميلهم إلى الدنيا وزخارفها بطبعهم لجعل الله لهم ذلك هوانا للدنيا، وتحقيرا لشأنها، وأنها متاع فان لا قيمة له، ولذا قال ما معناه: وإن كل ذلك «٣»
إلا متاع الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى، والجنة ونعيمها الدائم قد أعدت عند ربك للمتقين.
ولا عجب في ذلك فإن من يعش عن ذكر الرحمن، ويتعام عن النظر في القرآن ويصم أذنيه عن سماع الحق يقيض الله له شيطانا، ويهيئ له ذلك لأنه آثر العمى على
стр. 2183
الهدى، فهو له قرين لا يفارقه، ودائما يدعوه إلى كل ضلال، ويزين له كل شر، لأنه تعامى أولا عن النظر في القرآن، وإنهم ليصدونهم عن السبيل، ويحسبون أن الشياطين مهتدون أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً. [سورة فاطر آية ٨] .
حتى إذا جاءنا الذي عشى عن الحق ورأى أنه كان على ضلال في كل عمله قال مخاطبا الشيطان الذي كان يعتقد أنه على حق في كل ما أمر به: يا ليت بيني وبينك بعدا لاحد له بعد ما بين المشرق والمغرب، فبئس القرين أنت.
ولن ينفعكم اليوم إذ تبين لكم أنكم ظلمتم، لن ينفعكم أنكم في العذاب مشتركون.
تقوية العزيمة [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
المفردات:
الصُّمَّ: جمع أصم، وهو من بأذنه صمم نَذْهَبَنَّ بِكَ المراد: قبضناك إلينا فَاسْتَمْسِكْ: تمسك لَذِكْرٌ لَكَ: شرف عظيم به تذكر.
стр. 2184
المعنى:
لقد وصف الله الكفار بأن في أعينهم ضعفا في البصر، والمراد أنهم يتعامون عن الحق، وهنا وصفهم بالصمم والعمى فكان ترتيبا طبيعيا، وتصويرا رائعا لما عليه الإنسان عند أول اشتغاله بالدنيا وتعلقه بها، يكون كمن في عينه رمد بسيط ثم إذا أوغل فيها وتمكنت منه كان كالأعمى والأصم.
والمراد إنكار وتعجيب من أن يسمع النبي ﷺ مهما كان من في أذنه صمم وفي عينه عمى كان مستقرّا في الضلال المبين لا يفارقه ولو إلى حين، على أن المقصود بالعمى والصمم هو عمى القلب وصممه فهو عمى معنوي لا حسى، ومن كان كذلك فقد ختم الله على قلبه، وجعل على عينه حجابا كثيفا فلن يبصر شيئا ولن يسمع خيرا أبدا، وهؤلاء لا تقدر أنت يا محمد على هدايتهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وتظن أنك قصرت في دعوتهم أبدا، فإما نذهبن بك ونتوفينك إلينا قبل أن ترى عقابهم في الدنيا، فثق أنا منهم منتقمون أشد انتقام لموقفهم هذا، وإما نرينك في حياتك الذي وعدناهم من الذل والهوان ونصرة الحق، ودخول الناس في دين الله أفواجا فإنّا عليهم مقتدرون، والله بكل شيء محيط. وعلى كل شيء قدير. فكن قرير العين مطمئن القلب إلى نصر الله، والله ينصر من يشاء.
وإذا كان الأمر كذلك فاستمسك بالذي أوحى إليك من القرآن، وتمسك بأهدابه واحرص عليه، واعمل به، وادع الناس إليه مهما كلفك هذا.
لماذا؟ لأنك ما دمت متمسكا به فأنت على الصراط المستقيم.
وعلى أنه ذكر لك ولقومك، وشرف عظيم وأى شرف يدانيه لك ولقومك؟
فالعرب- كما يقص علينا التاريخ- كانوا قبل البعثة المحمدية محصورين في شبه الجزيرة العربية لا يحس بهم أحد من جيرانهم، وكانوا في شظف من العيش، وتحلل في الخلق، وتقاتل وتنازع لأتفه الأسباب، وكانوا في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش ٣، ٤] .
فلما أراد الله أن يبرز من هؤلاء الرعاة الجفاة الغلاظ الأكباد المتقاطعين المتباذلين أمة ذات حضارة ومدنية وعلوم ومعارف، ونهضة وحكومة، وجيش وقيادة، أمة لها
стр. 2185
سلطان ونظام مالي ورجال، لما أراد ذلك من عليهم بأن أرسل من أنفسهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وظلت الأمة العربية وستظل إن شاء الله أمة ترنو لها الأبصار، وتحط عندها الرحال، ولها الأثر الكبير في توجيه السياسة العامة للعالم كله.
فحقا إنه لذكر لك ولقومك! وسوف تسألون عن هذا كله يوم القيامة.
وكان من أهم أسباب نفرة المشركين عن الإسلام أنه دين يدعو إلى التوحيد وذم الأصنام وترك عبادة الأوثان، فجاء القرآن بشتى الصور يبين أن أمر التوحيد ليس بدعا عند الإسلام بل هو أساس كل دين. وقال: واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا..
الآية.
واسأل من أرسلنا من الرسل قبلك، أجعلنا «١»
من دون الرحمن آلهة يعبدون فالمسئولون هم الرسل ولذلك فالآية مكية، وقيل: المسئول أمم الرسل، وعلى ذلك فالآية مدنية، ونص القرآن يحتمل هذا وذاك، وليس المقصود على الرأيين نفس السؤال بل المراد انظر في أديانهم وابحث عن مللهم وادرس كتبهم التي لم تحرف لترى جواب هذا السؤال، وأن الأديان كلها متفقة على التوحيد الخالص البريء، وعلى نفى عبادة غير الله.
فأقروا بذلك يا أهل مكة واعملوا على هذا الأساس، وآمنوا بالله ورسوله حقا يؤتكم كفلين- جزأين- من رحمته ويدخلكم الجنة عرفها لكم.
المفردات:
يَنْكُثُونَ: ينقضون العهد الذي جعلوه على أنفسهم مَهِينٌ: ضعيف فقير فهو يمهن نفسه في قضاء حاجاته يُبِينُ يقال: أبان عن رأيه بمعنى يفصح عنه أَسْوِرَةٌ: جمع سوار، وهو حلية تلبس في اليد آسَفُونا: أسخطونا وأغضبونا سَلَفاً: قدوة لغيرهم من الكفار وَمَثَلًا: عظة وعبرة لمن يأتى بعدهم.
ولقد طعن الكفار في نبوة سيدنا محمد بن عبد الله، وقالوا: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ولقد رد الله عليهم مقالتهم وألقمهم حجرا، ثم بعد هذا ساق قصة موسى مع فرعون هنا عبرة وعظة وسلوى، وليعلم الناس أن ذلك سلاح قديم، وتلك مقالة- لولا نزل هذا القرآن.. الآية- سبقهم إليها فرعون وقومه فكانت عاقبة أمرهم خسرا، ونجى الله المؤمنين بفضله.
المعنى:
وتالله لقد أرسلنا موسى، ومعه الآيات التسع- التي تقدم ذكرها في سورة الإسراء وغيرها- أرسلناه إلى فرعون وملئه ليخرج بنى إسرائيل من كيد المصريين وظلمهم حتى إذا خرجوا من مصر ونزلت عليهم التوراة وفيها هدى ونور وكانت لهم شريعة، وكان منهم المؤمنون، وكثير منهم فاسقون- كما عرفت ذلك فيما مضى- فلما أرسل موسى لفرعون وملئه قال لهم: إنى رسول رب العالمين إليكم، فطلبوا منه الآيات فلما جاءهم بها- كالعصا واليد- إذا هم منها يضحكون بسرعة وخفة، وبدون نظر ولا بحث، أى: لما جاءتهم الآيات فاجأوا المجيء بها بالضحك عليها سخرية من غير توقف ولا تأمل، وهذا المعنى الذي هو السرعة والمفاجأة بالضحك استفيد من قوله تعالى:
إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ [سورة الزخرف آية ٤٧] .
ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها، بمعنى أن كل آية تعد كأنها أكبر من أختها وزميلتها، إذ كل واحدة لكمالها في نفسها ووفائها بالغرض المقصود منها كأنها أكبر من زميلتها، كما قالت أعرابية وقد سئلت عن بنيها: أيهم أفضل؟ فقالت: «هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها» وكما قال الشاعر:
стр. 2188
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسرى بها السارى
فلما لم يؤمنوا أخذهم ربك بالسنين، وأصابهم بنقص الزرع وقلة الضرع وسلط عليهم القمل والضفادع والدم.. إلخ، لعلهم يرجعون ويثوبون إلى رشدهم.
وقالوا لما رأوا الآيات تترى عليهم، وسخط ربك حالا بهم: يا أيها الساحر، قيل:
هو خطاب تعظيم عندهم- ادع لنا ربك بما عهد عندك من النبوة لئن كشفت عنا العذاب الذي نزل بنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل، وإننا لمهتدون إلى الصواب وإلى الحق الذي تدعو إليه، فلما كشفنا عنهم العذاب فاجأوا الكشف عنهم بأنهم ينكثون العهود وينقضون المواثيق.
هذا ما كان من أمر القوم وخاصة الملأ منهم، أما فرعون ملك مصر فها هي ذي أعماله: ونادى فرعون في قومه بأن جمعهم في مكان واحد كالسوق مثلا، أو جمع أشرافهم وهم بلغوا عنه فكأنه نادى فيهم جميعا، فماذا قال؟ قال: يا قومي أليس لي ملك مصر «١»
؟ وهذه الأنهار- فروع نهر النيل- تجرى من تحتي، وتسير بأمرى، وأنا صاحب التصرف في كل ما ينتج عن جريها من مزروعات وغيرها. وعلى أنها كانت تجرى من تحت قصره، أفلا تبصرون تلك الحقائق؟ بل تبصرون أنى أنا خير من هذا الذي هو فقير وضعيف مهين يمتهن نفسه في قضاء مصالحه بنفسه ولا يكاد يبين ويفصح عن حجته بقوة وذلاقة لسان، وحسن تصرف يا سبحان الله!! هذه حجة فرعون الطاغية، وهي مشابهة تماما لحجة مشركي مكة، والعاقبة والنهاية واحدة.
فهلا ألقى عليه أسورة من ذهب تجيء له من قبل ربه الذي يدعى أنه رب السموات والأرض!! أو تجيء مع موسى الملائكة كما يدعى متعاونين مجتمعين ليؤيدوه ويدفعوا عنه!! هكذا لا يؤمن بعقله بل يؤمن إذا رأى ببصره!! فاستخف قومه فأطاعوه بمعنى أنه طالبهم بالخفة والسرعة في الإجابة لما يطلب فأطاعوه لخفة عقولهم وسوء تفكيرهم، ولا غرابة في ذلك إنهم كانوا قوما فاسقين.
فلما آسفونا وأغضبونا وأسخطونا بأعمالهم السيئة التي لم يرتدعوا عنها رغم كثرة التنبيه وتوالى النذر، فلما آسفونا انتقمنا منهم بعذاب بئيس فأغرقناهم أجمعين، ونجى
стр. 2189
الله موسى ومن معه من المؤمنين، فجعلهم ربك سلفا وقدوة لمن يأتى بعدهم من الكفار وجعلهم مثلا وعبرة وعظة للآخرين من الأمم.
فانظروا يا آل مكة أين أنتم من هؤلاء! وكيف عاقبة الكفار الظالمين؟ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ [يونس ٩٢] وأما أنتم أيها المؤمنون فثقوا بنصر الله لكم، فالله ينصر من ينصره، ويدافع عن الذين آمنوا، ألم تروا إلى فرعون وملئه مع قوة بطشه ونفاذ حكمه في جنده، وهذا موسى الضعيف المسكين مع بنى إسرائيل وقد نصرهم الله على عدوهم؟!
بعض مفترياتهم والرد عليها [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٧ الى ٦٦]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)
стр. 2190
المفردات:
يَصِدُّونَ: صدّ يصدّ بمعنى: يضج ويضحك جَدَلًا أى: لأجل الجدل والمراء خَصِمُونَ: شديد والخصومة لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أى نزوله علامة للساعة.
فَلا تَمْتَرُنَّ بِها: لا تشكّنّ فيها. بِالْحِكْمَةِ أى: أصول الدين عامة.
بَغْتَةً أى: تبغتهم بغتة وتأتيهم فجأة.
لقد عدد القرآن الكريم في هذه السورة مفترياتهم ورد عليهم ردودا أفحمتهم، وتتخلص هذه الأباطيل في: (١) أنهم جعلوا لله من عباده جزءا (٢) جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا (٣) قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا الأصنام (٤) قولهم: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (٥) هذه الآية التي نحن الآن معها تفيد أنه لما ضرب ابن مريم مثلا أخذ القوم يضجون ويصوتون فرحا واستبشارا، تلك هي المفتريات الخمس التي ذكرت في هذه السورة ودار الكلام فيها حول هذه الموضوعات.
روى أن عبد الله بن الزبعرى قال للنبي ﷺ : أنت قلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، قال النبي: نعم، قال ابن الزبعرى: أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي ﷺ : «بل هم يعبدون الشّيطان» ونزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [سورة الأنبياء آية ١٠١] ونزل قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.
المعنى:
ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا، وحاجك بعبادة النصارى له حيث قال: أليست النصارى تعبد المسيح وأنت يا محمد تقول: إنه كان نبيا وعبدا من عباد
стр. 2191
الله صالحا فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون وآلهتنا مع عيسى ابن مريم، وقد فرحت قريش بهذه المحاجة وضحكوا وارتفعت أصواتهم، وهذا المعنى قوله تعالى: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.
وقالوا تمويها بالباطل الذي يغتر به ضعاف العقول: أآلهتنا خير أم عيسى؟ أى أآلهتنا عندك خير أم عيسى الذي هو خير كما تزعم في النار فلا بأس أن تكون آلهتنا معه.
ما ضربوا لك هذا المثل إلا مجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، وأنى لهم ذلك؟ بل هم قوم خصمون شديد والخصومة والجدال، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وكيف يدخل عيسى في عداد ما هو حصب جهنم كما تدعون وتضربون به الأمثال؟
ما عيسى إلا عبد من عباد الله أنعمنا عليه بالنبوة فهو مرفوع القدر والمكانة، ولكنه لا يستحق العبادة والتقديس لأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وقد جعلناه مثلا، أى: أمرا غريبا حقيقا بأن يسير مسيرة الأمثال لأنه خلق من غير أب إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ جعلناه مثلا وأرسلناه لبنى إسرائيل، وكانت معجزاته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ومع هذا كله فهو لا يستحق العبادة. وإنما يستحق العبادة القادر الموجد المحيي المميت الذي خلق عيسى وغيره، ولو يشاء لجعل بدلكم ملائكة في الأرض يخلفونكم في عمارتها فهو على كل شيء قدير، ولو يشاء لجعل منكم يا رجال مكة ملائكة مع أنها ليست من جنسكم كما خلق عيسى بلا أب، ملائكة تخلفكم في عمارة الأرض كما تخلفكم أولادكم لتعلموا أن الله هو القادر، ولتعلموا أن الملائكة خلق من خلق الله فكيف يعبدون؟ وبأى شكل تقولون إنهن بنات الله؟ وإن عيسى سينزل آخر الزمان كما نطق بذلك صريح الأحاديث في الكتب الصحاح، وإن نزوله لعلم للساعة إذ هو من أشراطها أى علاماتها، أو أن خلقه بلا أب أو إحياءه الموتى في معجزاته دليل على إمكان الساعة وصحة البعث. فلا تشكن فيها واتبعونى يا أمة محمد، وقيل: إنها من كلام عيسى لأمته، هذا صراط مستقيم، ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو ظاهر العداوة.
ولما جاء عيسى بالآيات التي تدل على صدقه، وأنه رسول الله إلى بنى إسرائيل قال لهم: قد جئتكم بالحكمة وأصول الدين العامة كتوحيد الله، وإثبات اليوم الآخر
стр. 2192
والتصديق بكتب الله ورسله، وجئت لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة التي نزلت على موسى فيحل حلالها، ويحرم حرامها، ويقضى بالعدل بين بنى إسرائيل، فاتقوا الله وأطيعونى ولا تخالفوني، إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، هذا هو الصراط المستقيم الذي نزل به عيسى فكيف يكون إلها فكيف يكون حالكم يا كفار مكة وهذا عيسى ابن مريم دعا إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وهذا موجود في الإنجيل على تحريفه وتبديله، انظر إليه في إنجيل يوحنا «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته» فاختلف الأحزاب والجماعات من بعد موت عيسى وانقضاء أجله في الدنيا اختلفوا في أمره اختلافا بينا كله خطر وكفر صريح فقال البعض: إنه إله، وقال آخرون: إنه ابن الإله، وقد عرفتم الحق في عيسى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [سورة النساء آية ١٧١] .
فويل للذين كفروا منهم، وظلموا أنفسهم وغيرهم، من عذاب يوم القيامة! هل ينظر كفار مكة وينظرون إلى الساعة أن تأتيهم فجأة، وتبغتهم بغتة، وهم في الدنيا ونعيمها الزائل ساهون ولا هون فلا يشعرون: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس ٤٩، ٥٠] .
بعض أحوال يوم القيامة [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٧ الى ٨٠]
الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)
стр. 2193
المفردات:
الْأَخِلَّاءُ: جمع خليل، وهو الصاحب والصديق تُحْبَرُونَ في الأساس يقال: حبره الله: سره، والكلمة تدل على ظهور أثر السرور على الوجه بِصِحافٍ أى: بقصاع، والصحفة: إناء يوضع فيه الأكل يكفى خمسة، وفي الأساس الصحفة: القصعة المسطحة وَأَكْوابٍ: جمع كوب وهو إناء أشبه ما يكون بالكوبة التي نستعملها الآن وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ يقال: لذ الشيء يلذ لذاذة ولذذت بالشيء ألذ به لذاذة: وجدته لذيذا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ: لا يخفف عنهم بجعل العذاب على فترات مُبْلِسُونَ: ساكتون سكوت يأس ماكِثُونَ: مقيمون أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً: بل هم أحكموا أمرا ضد النبي والإبرام: الفتل الثاني، والأول يسمى سحيلا وهذا بيان لبعض أحوال يوم القيامة التي تصادف المؤمن والكافر، وهذا بلا شك نظام محكم دقيق إذ بعد بيان ما اجترحه الكفار وأنهم في انتظار الساعة التي تأتيهم بغتة يبين لهم بعض أهوالها وأحوالها التي ستصادف مؤمنهم وكافرهم.
стр. 2194
المعنى:
يبين الله- أن في طبع الإنسان وغريزته استشارة غيره وخاصة في مهمات الأمور، وقد كان الناس يتشاورون في شأن الدعوة الإسلامية فمنهم من كان صديقه وخليله يدعوه إلى الخير ويحثه على سلوك الطريق المستقيم، ومنهم من كان صديقه وخليله يدعوه إلى الشر ويحثه عليه، فإذا رأى يوم القيامة أن عمله كان خطأ، وأن مشورة خليله كانت وبالا عليه أنحى باللائمة على صديقه، بل يصير عدوا من ألد أعدائه، وينسب إليه كل أفعاله طالبا من الله عقابه أشد العقاب، وقد قص القرآن علينا صورا كثيرة مما سيحصل بين التابعين والمتبوعين والقادة والعامة.
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، فإنهم يظلون على صداقتهم التي أنتجت لهم الخير، وهدتهم إلى الحق، فهم على سرر متقابلون، وعلى الأرائك ينظرون. وقد نزع الله ما في صدورهم من غل، ويقال لهم تطمينا وتثبيتا: يا عبادي لا خوف عليكم فيما مضى ولا أنتم تحزنون في المستقبل، ويقال لهم تكريما: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم حالة كونهم مسرورين، ويطاف عليهم بصحاف من ذهب، وأكواب من فضة، فيها من الشراب والطعام ما لا عين رأته.
روى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ هل في الجنة من إبل؟ فقال النبي ﷺ : «إن يدخلك الله الجنّة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك»
نعم في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وتلذه الأعين من كل شيء لا يقع تحت الوصف، ولا يدركه العقل، فإن ذكر طرف منه فتقريب للخيال، وتصوير لبعض ما هنالك
«فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»
وأنتم أيها المؤمنون مع هذا فيها خالدون، ويقال لكم: تلك الجنة التي استحققتم متاعها كما يستحق الوارث ميراثه بسبب ما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة، ولكم فيها ما تدعون.
هذا هو الوعد الذي وعده الله للمتقين، وأما وعيد الكافرين فها هو ذا: إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون إلى ما شاء الله، عذاب دائم مقيم، لا يخفف عنهم فيها بل هم فيها ماكثون، وهم من رحمة الله آيسون وساكتون، وما ظلمهم ربك، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي.
стр. 2195
هؤلاء المجرمون تمر عليهم فترات طوال، ففي فترة يسكتون ولا يتكلمون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وفي حالة أخرى ينادون: يا مالك ادع لنا ربك حتى يقضى علينا بالموت والهلاك، فنخرج من ذلك الموقف الشديد وهذا العذاب الأليم، فيسكت مالك ولا يجيب زمنا الله أعلم به، ثم يقول لهم: إنكم ماكثون.
وقد
روى أن أهل النار استغاثوا بالخزنة وسألوهم أن يخفف عنهم ربهم يوما واحدا من العذاب فردت الخزنة عليهم أسوأ رد وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ «١»
فلما يئس الكفار مما عند الخزنة نادوا مالكا ليسأل لهم ربهم الموت فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة ثم بعدها قال لهم: إنكم ماكثون.
وذلك لأنا جئناكم في الدنيا بالحق الذي لا شك فيه، وفيه الخير لكم فلم تقبلوه وكان أكثركم- أى: رؤساؤكم- للحق كارهين.
بل أبرم مشركو مكة أمرا، وكادوا كيدا للنبي ﷺ فإنا مبرمون كيدنا حقيقة أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ «٢»
فالآية تشير إلى ما كان منهم من تدبير قتله- ﵊ في دار الندوة بمكة، وإلى ما كان من إحباط تلك المؤامرة ورد كيدهم في نحورهم وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٣» .
بل أهم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ وكيف لا يسمع سرهم ونجواهم علام الغيوب الذي يعلم السر وأخفى وهو العليم بذات الصدور، بل يسمعها ويطلع عليها رسله التي جعلها معقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال سرا أو جهرا ليلا أو نهارا.
فيا خير من تكتب له الحسنات، ويا ويل من تكتب له السيئات.
стр. 2196
استحالة الولد والشريك لله [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨١ الى ٨٩]
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)
المفردات:
فَذَرْهُمْ: اتركهم يَخُوضُوا يقال: خاض الماء يخوضه: اقتحمه، وخاض في الحديث ويخوض مع الخائضين، أى: يبطل مع المبطلين تَبارَكَ: تعالى وتعاظم وزادت بركاته وخيراته يُؤْفَكُونَ أفك يأفك بمعنى الكذب، أى: فكيف يكذبون فَاصْفَحْ: أعرض عنهم قِيلِهِ: القيل والقال والمقالة واحد.
من أهم الأغراض مناقشتهم في قولهم: إن لله ولدا، وإشراكهم به غيره، ولذا ختم الله السورة بالكلام عليه مع ذكر الأدلة الدامغة التي تهدم قولهم هذا.
стр. 2197
المعنى:
قل يا محمد لهؤلاء المشركين- أيا كانوا- للذين يثبتون لله ولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!! قل لهم: إن كان للرحمن ولد، وصح هذا في شرعة الإنصاف وثبت بالدليل القاطع أن له ولدا، إن صح هذا فأنا أول العابدين لذلك الولد المقدسين له لأنه ابن الإله، وابنه جزء منه وله منزلته، سبحانه وتعالى عما يصفونه به من كونه له ولد، سبحان رب السموات والأرض رب العرش والكرسي، سبحان الله واجب الوجود الحي الذي لا يموت، صاحب هذا الملك والملكوت ورب السماء والأرض وما فيها، سبحانه أنى يكون له ولد؟ فإن ربوبيته لهذا الكون سمائه وأرضه تدل على أنه ليس شيء فيهما جزءا منه سبحانه، وإلا لما كان واجب الوجود لذاته، وكان مركبا من أجزاء انفصل منها جزء كوّن ولدا، وكان له حتما صاحبة، والله- ﷻ منزه من كل ذلك، وإلا لكان حادثا غير مخالف للحوادث.
وإذا كان الأمر كذلك فذرهم يا محمد واتركهم يخوضون في أباطيلهم التي هي كالبحر أو أشد، ويلعبون في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الموعود بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ «١»
والمقصود بذلك تهديدهم، يعنى قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد من يقول بالولد لله، وهم لم يلتفتوا إليها لأنهم غارقون في دنياهم طالبون للمال والجاه والسلطان، فاتركهم لهذا في باطلهم يعمهون.
والله- سبحانه- ليس له ولد كما ثبت، وليس له مكان بل هو في كل مكان، ويستحيل عليه المكان لأنه يكون محدودا محصورا له أبعاد ونهاية وتلك كلها من صفات الحوادث والله منزه عنها، وهو معبود في السماء ومعبود في الأرض، وهو الواحد في كل شيء لا يحده زمان ولا مكان، وهو الحكيم في كل أعماله العليم بكل أحوال خلقه، ولا تنس أن هاتين الصفتين تتنافيان مع إثبات الولد، فالنصارى يقولون: عيسى ابن الله مع أنهم يثبتون له الجهل وعدم الحكمة في بعض التصرفات، ألا ترى أنه كان يبكى عند ما سمع بقتل برىء ويطلب من أتباعه أن يدلوه على قبره كما ورد في الإنجيل. فهل
стр. 2198
يعقل أن يكون إلها؟! وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما، وعنده علم الساعة، وإليه ترجعون، وهذه صفات كلها تتنافى مع إثبات ولد لله كعيسى، فإنه كان محتاجا لغيره وكان يأكل الطعام، وكان يجهل بعض ما حوله، وما كان يعرف من علم الغد شيئا، وكان يخاف من اليهود، ومن العجيب أن النصارى تقول بألوهيته أو أنه ابن الإله ومع ذلك تقول بأنه صلب وقتل، وابن الإله الذي خلق هذا الكون له ملكه وتصريفه وهو العليم بكل شيء لا بد أن يكون كأبيه في هذا، وعيسى بإقراره لم يكن كذلك.
وكيف يثبتون له شركاء؟ ولا يملك الذين يدعونه من الأصنام وغيرها الشفاعة لأحد أبدا إلا الذين شهدوا بالحق وهم يعلمون كعيسى وعزير والملائكة فإنهم يشفعون بإذنه لمن يشاء ويرضى.
ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ ليقولن: إنه خلقهم فكيف يصرفون عن عبادته وحده إلى الإشراك به؟! واذكر وقت قيله: يا رب، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. وإذا كان الأمر كذلك فاصفح عنهم وأعرض، وقل أمرى معكم سلام ومتاركة إلى حين. وأما هم فسوف يعلمون عاقبة هذا الكفر، وتلك المفتريات التي تقدم ذكرها، سيعلمون غدا نتيجة ذلك كله في الدنيا والآخرة.
стр. 2199
سورة الدخان
مكية باتفاق، وهي سبع وخمسون آية. وتشمل على بيان عظمة القرآن، وتهديد المشركين. وضرب الأمثال لهم بفرعون وقومه ونهايته، ثم إثبات البعث ومناقشتهم فيه، وبيان بعض أحواله الخاصة بالكفار والمؤمنين. ثم ختمت كما بدئت بالكلام على القرآن.
ذلك هو القرآن الكريم [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)
стр. 2200
المفردات:
الْمُبِينِ: صاحب البيان الواضح لكل ما يحتاج إليه الإنسان في أمور دينه ودنياه مُنْذِرِينَ أى: مخوفين به يُفْرَقُ: يفصل ويبين حَكِيمٍ: محكم لا لبس فيه مُوقِنِينَ أى: تريدون اليقين من الأمور يَلْعَبُونَ اللعب: الشغل بما لا يجدي. فَارْتَقِبْ: انتظر. بِدُخانٍ: دخان النار معروف. يَغْشَى النَّاسَ: يحيط بهم من كل جانب مُعَلَّمٌ أى: يعلمه غيره نَبْطِشُ البطش:
الأخذ بقوة وشدة.
المعنى:
حم. أقسم ربك بالقرآن الكريم الذي هو الكتاب المبين على أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة كثيرة الخيرات. وهذا النسق من الكلام يدل على أن الله يعظم القرآن غاية التعظيم حيث أقسم به على أنه أنزل في ليلة مباركة. وهذا شبيه بقولك لصديق لك:
أقسم بحقك عليك.
والله- سبحانه- يقول في سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ويقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ويقول هنا: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ومن هذه النصوص الصريحة يتبين لنا أن القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر. وهذه الليلة إحدى ليالي شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن حتى تتوافق جميع النصوص القرآنية، ولعل إبهامها ليترقبها الناس في ثلاثين ليلة، والكتاب المبين إنا أنزلنا هذا القرآن في ليلة مباركة- هي ليلة القدر لا ليلة نصف شعبان كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء- إنا كنا منذرين الناس بهذا القرآن. والقرآن الكريم نزل منجما تبعا للحوادث في ثلاث وعشرين سنة بين مكة والمدينة المنورة. والمعروف أن بدء نزوله كان في ليلة القدر التي هي الليلة المباركة، وقيل: إن معنى نزوله فيه أنه نزل إلى السماء الدنيا في تلك الليلة والله أعلم بذلك.
وهذه الليلة المباركة وصفت هنا بصفات مشابهة لصفاتها في سورة القدر، فقال جل شأنه: فيها يفرق كل أمر حكيم، أى: يفصل ويبين كل أمر محكم ذو حكمة يدل على حكمة بالغة لله تعالى. وهذه الأمور المحكمة يزداد شرفها بأنها أمر من عند الحق-
стр. 2201
تبارك وتعالى- وكما اقتضاه علمه وتدبيره، ثم قال: إنما فعلنا ذلك لأجل أننا كنا مرسلى الرسل لإنفاذ العلم بكل فعل، فهي رحمة حقيقية لأنها صادرة من إله سميع عليم، وهو رب السموات ورب الأرض، ورب ما بينهما من كل شيء بعد. وإذا كان المنزل للقرآن موصوفا بالجلالة والعظمة والكبرياء والربوبية كان القرآن الذي أنزله في غاية الشرف والرفعة. إن كنتم تريدون اليقين وتطلبون الوصول إلى الحقائق فاعلموا ذلك، واعرفوا أن الأمر كما ذكر القرآن.
كانوا يقرون بأن الله خالق السموات والأرض، فقيل لهم: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب معهم رحمة من الله السميع العليم الذي هو رب السموات والأرض إن كان إقراركم بأنه خالق السماء والأرض عن علم ويقين فآمنوا بذلك، ثم رد الله- سبحانه- أن يكونوا موقنين فقال: بل هم في شك يلعبون. وإن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين، وإذا كان الأمر كذلك فارتقب يوم تأتى السماء بدخان بين ظاهر، أمروا بأن ينتظروا اليوم الذي يثار فيه عليهم الغبار الذي يغشى الناس ويحيط بهم وهذا عذاب أليم بلا شك. وهل هذا اليوم لقريش في الدنيا؟ والمراد بالغبار جوع وفقر؟ أو غبار الحرب في يوم بدر أم المراد بذلك اليوم يوم القيامة وعذابها الذي يحيط بكل كافر وهم أولهم؟
الله أعلم.
ويقولون: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم يرجعون إلى ما كانوا عليه، ولم يذكروا هذا العذاب، وأنى لهم الذكرى؟
ويقولون: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فلما كشفنا عنهم أعرضوا عن النبي وآياته الظاهرة، وقالوا: إنما يعلمه بشر، وقد أعانه على هذا القرآن قوم آخرون، ومنهم من كان يقول: إنه مجنون، وهذا يؤيد من يقول: إن الآيات نزلت في قريش.
إنا كاشفو العذاب قليلا: إنكم عائدون إلى الكفر، فهم قوم لا يوفون بالعهد، بل هم في حال الشدة يتضرعون إلى الله فإذا نجاهم وزال الخوف عنهم عادوا إلى الكفر وتقليد الآباء في الشرك.
واذكر يوم نبطش البطشة الكبرى يوم القيامة يوم يأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر بلا هوادة ولا رحمة، إن بطش ربك لشديد، وإن انتقامه لقوى بالغ، وهذا تهديد لهم وأى تهديد.
стр. 2202
ولقد رأيت أن الله عظم القرآن في هذه الآية بأمور منها:
١- أقسم به، والله لا يقسم إلا بالعظيم من خلقه.
٢- أنه أقسم به على أنه أنزل في ليلة مباركة.
٣- وصفه بكونه مبينا.
٤- الغاية منه إنذار البشر ليخرجوا من الظلمات إلى النور.
٥- كان إنزاله رحمة من الله، وتبعا لحاجة المحتاجين، إذ هو السميع العليم رب السماء والأرضين.
ما لهم لا يعتبرون بفرعون وقومه؟ [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١٧ الى ٣٣]
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)
فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦)
وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)
стр. 2203
المفردات:
فَتَنَّا: بلوناهم واختبرناهم كَرِيمٌ المراد: جامع لخصال المحامد والمنافع أَدُّوا: أطلقوا بنى إسرائيل وَأَنْ لا تَعْلُوا: وأن لا تستكبروا مستهينين بوحيه عُذْتُ: التجأت تَرْجُمُونِ: ترموني بالحجارة، أو المراد تؤذوني فَاعْتَزِلُونِ: كونوا بمعزل عنى. فَأَسْرِ: سر ليلا بعبادي. رَهْواً:
ساكنا كما هو، أو ذا فرجة واسعة وَنَعْمَةٍ النعمة: التنعيم، والنعمة اليد والضيعة وما أنعم به عليك، وقيل: لا فرق بين النعمة والنعمة، والأولى تفسيرها بالشيء المنعم به لأنه أنسب لقوله: كم تركوا فاكِهِينَ أى: أصحاب فاكهة، وقرئ فكهين، بمعنى: أشرين بطرين ومستخفين مستهزئين مُنْظَرِينَ: ممهلين.
المعنى:
وبالله لقد فتنا قبل مشركي قريش قوم فرعون: وبلوناهم بالسيئات والحسنات، وفعلنا «١»
معهم فعل المختبر الذي يريد أن يعرف حقيقة الشيء، وكانت فتنتهم بزيادة الرزق والتمكين في الأرض وإرسال الرسل، وكان من جملة ما امتحنوا به أن جاءهم رسول كريم هو موسى الكليم- ﵇ فما لكم يا كفار مكة لا تتعظون بما حل بغيركم؟ ما لكم لا تثوبون لرشدكم وتعلمون أن سنة الله مع الأمم كلها لا تختلف؟! ولقد جاء آل فرعون نبي الله موسى، وهو رسول كريم على الله: كريم في نفسه لأنه جمع خصال المحامد والمنافع، جاءهم فقال: أدوا إلى بنى إسرائيل، وأطلقوهم وفكوا سراحهم فهم عباد الله لا عبادكم، فاستعبادكم لهم ظلم كبير، وقيل المراد: أدوا
стр. 2204
إلى حقوق الله بالإيمان الصادق يا عباد الله وهو شامل للقبط ولبنى إسرائيل فإنى لكم رسول من الله أمين، وأطالبكم بألا تعلوا على الله ولا تتكبروا على طاعته لأنى آتيكم بحجة قوية وسلطان مبين وبرهان قاطع على صدقى فاسمعوا إلى وآمنوا بي.
وقبل أن يخبره الله بأنه حافظه ومانعه من الناس فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ «١»
قال موسى: وإنى عذت بربي وربكم والتجأت إليه حتى يحفظني من أن ترجمونى بالكذب أو بالحجارة أو تؤذوني بأى نوع كان، وقد حفظه الله منهم ونجاه من كيدهم كما سيأتى.
وإن لم تؤمنوا بالله لأجل برهاني وتعاليمى التي أثبتها لكم فاعتزلوني واتركوني حرا أدعو الناس إلى الله، ولهذا جاءت الرسل كلها لتوجد الحرية في الناس فيكونوا أحرارا من أنفسهم وشهواتهم ودنياهم وأحرارا في عبادتهم لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ «٢» .
وبعد أن أصروا على تكذيبه دعا ربه فقال: إن هؤلاء الناس قوم مجرمون تناهى أمرهم في الكفر والبهتان، وأنت أعلم بهم، فافعل معهم ما يستحقون بإجرامهم فقال الله له: أسر بعبادي- بنى إسرائيل ومن آمن من القبط- ليلا لا نهارا إنكم قوم متبعون ومطاردون من فرعون وجنده إذا علموا بخروجكم فسيتبعونكم للإيقاع بكم.
فلما ساروا وعبروا البحر من جهة السويس أمر موسى بأن يترك البحر كما هو ساكنا لوجود الطريق وسطه، أو ذا فرجة واسعة بسبب الطريق فيه، أى: اترك يا موسى البحر كما هو، ولا تضربه بعصاك حتى يرجع كما كان، فإن الله يريد أن يسيروا وراءكم في طريق البحر حتى إذا توسطوا فيه أغرقهم إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ يا حسرتا على القوم الكافرين! يا ويلهم كم تركوا بمصر من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، وقصور ومجالس للسمر والمتعة، وكم تركوا من نعمة كانوا فيها أصحاب فاكهة، وكانوا فيها أشرين بطرين مستخفين مستهزئين لا يقومون بالشكر لصاحب تلك النعمة.
الأمر كذلك، أو مثل ذلك الذي فعلناه بفرعون وقومه نفعل مع كل جبار عنيد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يؤمن برسوله الذي أرسل إليه، نفعل هذا معهم ولو كانوا أمة بل أمما.
стр. 2205
وأورثنا أرضهم وديارهم قوما آخرين غيرهم وهل هم بنو إسرائيل أو غيرهم؟ الله أعلم، وإن كان التاريخ لا يثبت أن الإسرائيليين حكموا مصر، ولما هلك فرعون وآله وأشراف قومه وجنده فما بكت عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض «١»
هوانا بهم ولعدم الاكتراث لهم، وما كانوا منظرين في هذا بل حقت عليهم- لما أساءوا- كلمة ربك بالعذاب الشديد.
ولقد نجينا بنى إسرائيل من ظلم المصريين من العذاب المهين من فرعون وعمله فإنه كان يسومهم سوء العذاب يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان عاليا متكبرا من المسرفين المتجاوزين الحدود في الشر والفساد.
ولقد اخترناهم واصطفيناهم وشرفناهم بإرسال الأنبياء منهم وجعل الملوك فيهم على علم منا باستحقاقهم ذلك ما داموا ينعمون بنعم الدين ويتمتعون بالعمل كما يأمر الله ويرضى، اخترناهم على علم منا وبصر على العالمين، أى: عالمي زمانهم لا كل العالم إذ أمة محمد خير أمة أخرجت للناس.
وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء لهم واختبار «وبلوناهم بالحسنات والسيئات» فانظروا يا آل مكة كيف فعل الله بفرعون وآله وهم أشد منكم قوة وأكثر مالا وأولادا، وعلما وحضارة؟! وانظروا كيف نجى موسى من فرعون ذي البطش والجند والسلطان؟! نعم العاقبة للمتقين والنصر في النهاية للمؤمنين الصابرين.
إنكار البعث والرد عليهم [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٣٤ الى ٥٠]
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨)
ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣)
طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)
стр. 2206
المفردات:
بِمُنْشَرِينَ: بمبعوثين، يقال: نشر الله الموتى وأنشرهم: إذا بعثهم تُبَّعٍ يقول القرطبي نقلا عن السبيلى: تبع اسم لكل ملك من ملوك اليمن والشحر وحضر موت- والظاهر أن الله- سبحانه- يتكلم عن واحد منهم كان معروفا عند العرب- يَوْمَ الْفَصْلِ: هو يوم القيامة، وسمى بذلك لأنه يفصل فيه بين الناس مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم مَوْلًى المولى: يطلق على السيد وعلى العبد، وعلى ابن العم وعلى الناصر والقريب والصديق الزَّقُّومِ: شجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة التي أنبتها الله في قعر جهنم الْأَثِيمِ: صاحب الإثم كَالْمُهْلِ المهل: هو عكر الزيت والقطران ومذاب النحاس أو غيره من المعادن الْحَمِيمِ: الماء الساخن.
стр. 2207
فَاعْتِلُوهُ: جرّوه وسوقوه بشدة وعنف. سَواءِ الْجَحِيمِ: وسط الجحيم تَمْتَرُونَ: تشكون.
الكلام من أول السورة مع مشركي مكة وقد تخلله ذكر قصة فرعون وقد ظهر فيها إصرارهم على الكفر والعناد، وكيف كانت عاقبتهم؟ ليبين لكفار مكة أنهم يشبهون قوم فرعون في إصرارهم على الكفر وأن عاقبتهم ستكون مثلهم.
وبعد ذلك عاد إلى الكلام الأول الذي يدور حول نقاش المشركين في معتقداتهم بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
المعنى:
إن هؤلاء- والإشارة للتحقير- أى: كفار مكة ليقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمبعوثين، كان يقال لهم: إنكم ستموتون موتة يعقبها حياة كما تقدمتكم موتة أعقبها حياتكم هذه رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فقالوا ردا على هذا: نسلم لكم أن لنا موتة تعقبها حياة لكن المراد بها الأولى فقط وهي حياتنا هذه بعد موتنا في ظهور آبائنا، أما الموتة التي بعد انقضاء الأجل فليس بعدها حياة. وما نحن بعدها بمبعوثين في حياة أخرى فكأنهم قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم إنهم احتجوا على عدم البعث ونفى الحشر والنشر فقالوا: إن كان هذا حقا فأحيوا لنا من مات من آبائنا لنسأله عن دعواكم هذه، تلك شبهة واهية لم يعن القرآن بردها، وإنما أشار إشارة خفية إلى أن هؤلاء الناس قوم مغرورون بدنياهم وما هم فيه فضرب لهم الأمثال بقوم تبع ومن هم أشد منهم قوة وأكثر جمعا ومن هم أشد في إثارة الأرض وعمارتهم، لأن هذا الغرور يمنعهم من التفكير السليم فيما وراء الحياة الدنيا.
أهم خير وأشد قوة ومنعة أم قوم تبع في اليمن؟ بلاد الزرع والضرع والقوة والمنعة، هؤلاء أهلكناهم لما طغوا وبغوا وكفروا برسلهم، ومثلهم قوم عاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وقوم فرعون ذي الأوتاد أين هؤلاء منهم؟ فاحذروا يا آل مكة عاقبة كعاقبة هؤلاء أو أشد!! وكيف ينكرون البعث والآيات كلها شاهدة بذلك، وهذه السماء والأرض وهذا الكون كله شاهد عدل على وجود إله حكيم عليم قوى خبير عادل
стр. 2208
في حكمه ما خلق هذا الخلق عبثا، ويستحيل أن يتركه هملا بل لا بد من يوم يحاسب فيه كل إنسان على ما قدم، ويثاب عن عمله، وخالق هذا الكون يستحيل عليه أن يسوى بين الظالم والمظلوم، والمؤمن والكافر والطائع والعاصي، بل لا بد من يوم الفصل، وليس الأمر بالهزل، وهذه الدنيا المحفوفة بالمكاره، القصيرة الأجل، الكثيرة الألم هي دار عمل، وليست دار جزاء وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» ما خلقناهم إلا متلبسين بالحق، وما خلقناهم إلا لإظهار الحق وإثابة كل عاص وطائع لأن هذا من أقوى دعائم الحق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وهذا هو الكلام على يوم الفصل وما فيه، وبدأ بالكلام على الأهوال التي يصادفها العصاة والكفار لعلهم يرتدعون.
إن يوم الفصل ميقات الناس جميعا، وإن يوم الفصل والقضاء بالعدل بين المسيء والمحسن والطائع والعاصي حتى يكون فريق في الجنة وفريق في السعير لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ «٢» . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ «٣» فهذا هو يوم الفصل، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا. يوم لا ينفع فيه ابن والده ولا يجزى والد عن ولده، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا صديق حميم وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ «٤» إلا من رحمة الله تعالى بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه لا يمنع من العذاب إلا من ﵀ إنه هو العزيز الرحيم لمن أراد رحمته.
إن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم وهي طعام الآثمين العصاة وهي شجرة تنبت في قعر جهنم، فإذا جاع أهل جهنم التجأوا إليها فأكلوا منها، فيغلي الأكل في بطونهم كما يغلى الماء الحار، وهذا الأكل كالمهل، وهو يغلى في البطون كغلي الحميم، ثم يقال لزبانية جهنم: خذوه فجروه جرّا بعنف وشدة، خذوه فجروه إلى وسط جهنم ثم صبروا فوق رأسه عذابا وهو الحميم، ويقال للكافر حينئذ: ذق هذا إنك أنت العزيز الكريم، يقال له هذا تقريعا وتوبيخا على ما كان يزعمه وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً «٥» ثم يقال لهم: إن هذا العذاب وما أنتم فيه الآن هو ما كنتم فيه تمترون وتشكون!!
стр. 2209
هؤلاء هم المتقون يوم القيامة [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٩]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
المفردات:
مَقامٍ: مكان، والمقام: المكان سُندُسٍ السندس: ما رق من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ: ما غلظ منه بِحُورٍ الحور: هو البياض، والحور: جمع حوراء وهي المرأة البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها، وقيل: الحور: شدة بياض العين في شدة سوادها عِينٍ: جمع عيناء، وهي الواسعة العظيمة العينين يَسَّرْناهُ:
سهلناه بلغتك فَارْتَقِبْ: انتظر.
لما ذكر مستقر الكافرين ونهايتهم ذكر نزل المؤمنين وما أعد لهم، ثم ختم السورة بالكلام على القرآن كما بدأها به ليعلم الكل أن الخير في اتباعه مع سهولة ويسر، وأن الشر في اجتنابه والبعد عنه.
стр. 2210
المعنى:
إن المتقين في مقام أمين، يأمنون فيه على أنفسهم من كل شر فهم آمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وكفاهم سلامة وأمنا في جوار العزيز الرحمن، وهم مع إخوانهم متقابلون متسامرون، قد نزع الله ما في قلوبهم من غل وحسد فهم دائما متقابلون.
الأمر كذلك، أو كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا، كأنهن الياقوت والمرجان، حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! يدعون الخدم في الجنة ويطلبون منهم كل فاكهة آمنين من كل أذى أو مكروه، وهم في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت أبدا، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا، وأعطاهم ربك ما عرفت ووقاهم عذاب الجحيم الذي يصلى به كل فاجر أثيم، فعل ذلك بهم ربك تفضلا منه وإحسانا عليهم، ذلك الجزاء هو الفوز العظيم لا غير، وذلك فضل الله وتوفيقه يؤتيه من يشاء، وهذا الكتاب المبين الذي أنزل في ليلة مباركة شأنه شأن الكتب التي تأتى مع الرسل رحمة بالعباد، فيا محمد ذكر بالكتاب المبين قومك فإنا سهلنا عليك تلاوته وتبليغه إليهم إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
«١» . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «٢» .
ذكرهم به واقرأه عليهم لعلهم يتذكرون ويتعظون، فإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا فارتقب هلاكهم وارتقب نصرك الذي وعدناك إنهم مرتقبون، وتوكل على العزيز الرحيم، فالله معك وناصرك وعاصمك من الناس، وهو على كل قدير.