← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[الجزء الاول] الإهداء إلى الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، إلى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إلى إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أهدى هذا وأحتسب أجرى عند الله. محمد محمود حجازي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أما بعد: فقد سعد كثيرون من القدامى والمحدثين بالتصدى للكشف عما في الكتاب الكريم من معان وأسرار بلغت الذروة في الكمال ونحا كل منهم نحوا يغاير الآخر: فمن باحث عن الوجوه البلاغية إلى مفصل للأحكام الشرعية إلى ذكر بدائع لغوية وتراكيب تأخذ بالألباب، إلى محدث عن القراءات ووجوهها، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحيط به الحصر، أطال هؤلاء الأعلام حتى كان كلامهم مراجع وموسوعات، كالفخر والشهاب والآلوسي والطبري والقرطبي، فموسوعاتهم هذه لا تغيث من يرغب أن يعرف ما يريده إن لم يكن ملما بقدر كبير من اللغة والأدب والأحكام والاصطلاحات العلمية، ومنهم من اتجه ناحية الإيجاز والاختصار فكان كلامه أشبه بالبرقيات حتى أنه قد يترك ربط الآية ومناسبتها وما تمس إليه الحاجة كالشيخين الجليلين المحلى والسيوطي ومن ألف إلفهما. وهؤلاء الأعلام- رضى الله عنهم- أقل ما نقوله فيهم أن الله أيدهم بروح من عنده حتى يسهل فهم كلامه، وغاية ما نصل إليه أن نفهم كلامهم ونقف على إشاراتهم، وسبحان من اتصف بالكمال. والشيء الجديد في هذا العصر كثرة التعليم والمتعلمين، وتشعب أنواع تعليمهم فأدى هذا إلى أمرين: أولهما: تشعب البحوث من هؤلاء في علاقة الناس بعضهم ببعض حتى كثر الخلاف بين الناس في تفهم القانون الذي وضعوه، ولا نزال نرى ونسمع أنهم اجتمعوا ليغيروا ويبدلوا، ثم لا يمر عام أو بعض عام حتى يعيدوا الكرة فيزيدوا وينقصوا والأمر في ذلك الخلاف أشبه شيء بالبديهيات.

стр. 3

والأمر الثاني: أن أكثر الناس اتجهوا إلى القرآن الكريم وكأنهم سئموا هذا التخبط الشائن والاضطراب المعيب، ورأوا بأنفسهم أن القوانين الوضعية لم تفلح في منع الجرائم وفي الحفاظ على الحقوق، بل كأنهم شبعوا حتى أتخموا من هذه الحياة المادية الصرفة، فتلفتوا حيارى إلى منقذ لهم مما هم فيه إلى طريق يكون لهم فيه نور وهدى، فتذكروا أن القرآن العظيم فيه المخلص، وهو المنقذ والموصل إلى ما يبتغون من استقرار، فبه ضمان لحياة نافعة تقوم على أن يؤدى كل واجبه كاملا ويأخذ حقه غير منقوص. أليس القرآن هو الدستور الذي أنقذ الأمة العربية من جاهلية حمقاء إلى أمة إسلامية لها كيان معترف به ولها عزة وحضارة وعلم. ولم لا يكون كذلك؟ وقد كفل القرآن أن يسعد الناس في حاضرهم ومستقبلهم ولم يترك شأنا فيه خير لهم إلا قال فيه وفصل القول بما لا يدع شبهة لمبطل أو ادعاء لمتطاول، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وبعد: فهذا هو القرآن الكريم، بل هو الهدى والنور، كتب شرحه بلغة سهلة واضحة لا تعمق فيها ولا إبعاد، خالية من الاصطلاحات العلمية الفنية، تفسر للشعب كل ما فيه من صوغ المعنى الإجمالى للآية، بلغة العصر، مع البعد عن الحشو والتطويل والخرافات الإسرائيلية. والاعتدال في الرأى، فلم يهدم كل قديم، ولم يرفع كل جديد «وإن يكن لكل فارس كبوة» . ولا طاقة للناس الآن بالإطالة فيما لا شأن له بأصل الغرض من التفسير، إذ المهم أن يفهم القرآن أكبر عدد ممكن من المسلمين. ألم يأن للحق أن يدحض الباطل كما دحضه في صدر الإسلام؟ وقد يكون ما تراه من الجمعيات الإسلامية والمؤاخاة الدينية جذوة فيها ضوء يسطع ليبصر من أراد أن يسعد عاجلته وآجلته، وفيها نار تحرق هؤلاء الشياطين الذين لم يستحوا من الله ولا من الحق فجعلوا من جاههم ونفوذهم حربا على الإسلام إبقاء على زخرف كاذب وفرارا من حقوق إخوانهم في الدين والإنسانية قبلهم. وها نحن الآن قد عزمنا- والعون من الله وحده- على الكتابة في التفسير على أن يخرج الجزء الأول ثم الذي يليه وهكذا، فإن كان في العمر بقية ومن الله تأييد تم هذا العمل الذي نقصد به وجه الله.

стр. 4

ولا أنكر أنه عمل ضخم ليس لمثلي أن يتعرض له، ولكن: وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل وسنظل- والحمد لله- ندفع بأيدينا وبألسنتنا وبأقلامنا عن حمى هذا الدين حتى يظهره الله أو نهلك دونه، ولن يضيعنا الله. وصدق الله إذ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.. «١»

стр. 5

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومعناه: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني، أو دنياى، أو يصدني عما أمرت، أو يحثني على ما نهيت فإنه لا يكفه إلا أنت يا رب العالمين، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٦- ٩٨ من سورة المؤمنون) . فأنت ترى أن القرآن جعل دفع السيئة بالحسنة علاجا لشيطان الإنس، والاستعاذة علاج شيطان الجن. فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨ من سورة النحل) .

стр. 6

سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع [سورة الفاتحة (١) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) تسمى سورة الفاتحة. لافتتاح القرآن بها، وأم الكتاب لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله- والتوحيد، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، والأخبار والقصص، وكذا الحكم العملية كسلوك الصراط المستقيم، وتسمى السبع المثاني لأنها سبع آيات تثنى في الصلاة، أى: تعاد. المفردات: اللَّهِ: علم على الذات العلية الرَّحْمنِ: المتصفة ذاته بالرحمة وهي صفة

стр. 7

خاصة به الرَّحِيمِ: من يرحم غيره بالفعل وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً وهما في الأصل صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهي رقة في القلب تقتضي الإحسان والتفضل بالنعم، والمراد هنا: الإحسان والتفضل بالنعم. الْحَمْدُ لِلَّهِ الحمد: الثناء بالجميل على الجميل الاختياري. رَبِّ الرب: المالك والسيد، وفيه معنى الربوبية والتربية والعناية الْعالَمِينَ: جمع عالم، وهو ما سوى الله، وهو أنواع كعالم الإنسان والحيوان والنباتات ... إلخ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: المراد أن الأمر في قبضة قدرته يوم القيامة إِيَّاكَ نَعْبُدُ العبادة: الطاعة مع غاية الخضوع الناشئ من استشعار القلب عظمة المعبود، و المعنى: لا نعبد غيرك. وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الاستعانة: طلب المعونة منه، أى: نخصك بطلب المعونة. اهْدِنَا: عرفنا ووفقنا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: الطريق المعتدل، والمراد طريق الإسلام. الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: المبعدون عن رحمة الله المعاقبون أشد العقاب لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وقيل: هم اليهود الضَّالِّينَ: الذين ضلوا الطريق، وقيل: هم النصارى. آمِّينَ: تقبل منا واستجب دعاءنا، وليست من القرآن ولكن يسن ختم الفاتحة بها. المعنى: ابتدأ الله- سبحانه- بالبسملة ليرشدنا إلى أن نبدأ كل أمورنا بها متبركين مستعينين باسمه الكريم، ولا حول ولا قوة إلا به، ثم قال: الثناء بالجميل لله- سبحانه- الواجب الوجود المنزه عن كل نقص، فالحمد ثابت لله. فاحمدوه دون سواه، لأنه مالك الملك ورب العالمين قد تولاهم بعنايته ورعايته، وتفضل على كل موجود بنعمه التي لا تحصى، لا لنفع يعود عليه بل لأنه الرحمن الرحيم، مالك الأمر يوم الجزاء والحساب والقضاء. ومن كانت هذه صفاته- جل شأنه- وجب أن تكون العبادة له دون سواه، ومن تمام عبادته والخضوع له ألا نطلب المعونة من غيره، بل علينا أن نطرق الأسباب الظاهرة بكل ما أوتينا من حيلة وعلم وتجربة، ثم بعد هذا لا نستعين إلا به ولا نتوكل إلا عليه، وفي الحديث: «اللهمّ أعنّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» تقولها دبر كل صلاة.

стр. 8

ثم أرشدنا إلى طلب الهداية والتوفيق منه حتى نسير على الطريق المستقيم: طريق الحق والعدل، ولما كان الطريق المستقيم: طريقا لا يسلكه إلا القليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «١» وفيه من الوحشة ما فيه، أرشدنا إلى أننا سنكون مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، فهو طريق الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان والهداية، ولا شك أنهم غير من عرفوا الحق وابتعدوا عنه كفرا وعنادا أو جهلا وضلالا، فهؤلاء هم المغضوب عليهم الضالون عن طريق الهدى والسداد. اللهم اقبل منا هذا الثناء، واستجب منا هذا الدعاء، واجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم. هذه السورة مكية. والفرق بين السورة المكية والمدنية يمكن إجماله فيما يلي: ١- المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها سواء نزل في المدينة أو ضواحيها أو في مكة عام الفتح أو في غزوة من الغزوات. ٢- المكي أكثر إيجازا لأن المخاطبين به أبلغ العرب ومعظمه تنبيهات وزواجر وبيان لأصول الدين بالإجمال، اقرأ إن شئت: الحاقّة، والقارعة، والواقعة ... إلخ. ٣- المدني في أسلوبه شيء من الإسهاب، وفيه كثير من خطاب أهل الكتاب، وفيه بيان الأحكام العملية في العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية والسياسية والحربية وأصول الحكومة الإسلامية والتشريع فيها ... إلخ.

стр. 9

سورة البقرة نزلت بالمدينة إلا آية ٢٨١ فنزلت بمنى في حجة الوداع أول سورة في ترتيب المصحف، وأطول سورة في القرآن، إذ عدد آياتها ٢٨٦ آية، وفيها أطول آية في القرآن: «آية الدّين» . وهذه السورة الكريمة اشتملت على منهجين عظيمين: الأول جاء في صدرها إلى آية ١٤٢ وطابعه أنه خطاب عام لجميع الناس فقد بدئت السورة بالكلام على القرآن، وأثره، ثم بيان موقف الناس منه، فمنهم المؤمن المسالم، والكافر المجاهر، والمنافق المخادع. ثم اتجهت لخطاب أمة الدعوة- الناس جميعا- حيث دعاهم الله إلى الإيمان الصحيح، مبينا لهم إعجاز القرآن وصدق الرسول. ثم ذكر قصة خلق الإنسان وتكريمه، وموقف الشيطان منه. ثم التفت إلى بنى إسرائيل- الطبقة الواعية في المجتمع المدني- فدعاهم إلى ما فيه خيرهم وذكرهم بنعم الله عليهم، وحذرهم من نقمه، وبين لهم قبائحهم وسيئات آبائهم، وأطال في ذلك، وتعرض لأبى الأنبياء إبراهيم- ﵇ وإلى علاقته بالعرب، وإلى موقفهم منه، وكل هذا لا يعرفه الرسول إلا عن طريق الوحى. أما المنهج الثاني فطابعه أنه خطاب للمسلمين- أمة الإجابة- وهو واقع في عجز السورة وقد بدئ بالكلام على أول حادثة دينية تمس المسلمين وأهل الكتاب- تحويل القبلة- ثم عالجت السورة المجتمع الإسلامى فذكرت الكثير من التشريعات والقوانين، وما يجب أن يكون عليه المجتمع المثالي المسلم. وكان الأساس الأول الدعوة إلى التوحيد الخالص لله، وتعرضت لأحكام القصاص والوصية والقتال والإنفاق في سبيل الله، ولبيان بعض العبادات كالصيام والحج، وظهرت أحكام الخمر، ونكاح المشركات والعدة والإيلاء والطلاق والرضاع، والربا وأحكام التداين والمعاملات وخاصة الرهن، وفي خلال ذلك قصص وحكم، ثم ختمت السورة بالدعاء الإسلامى الكامل.

стр. 10

[سورة البقرة (٢) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) المفردات: لا رَيْبَ فِيهِ: لا شك في أنه من عند الله. هُدىً: هداية وإرشاد. لِلْمُتَّقِينَ الذين أخذوا لأنفسهم وقاية من النار. المعنى: استفتاح عجيب لأول سورة من القرآن الكريم، وابتداء حيز الأفهام وزلزل العقول على بساطة تركيبه من حروف هجائية. فقال جماعه بعد البحث وطول الفكر: هذا مما استأثر الله بعلمه فهو من المتشابه الذي نؤمن به على أنه من عند الله- والله أعلم- واعلم أنه أمر مفهوم عند النبي ﷺ لأنه خوطب به، وهو أشبه ما يكون (بالشفرة) بين الله ورسوله وقال آخرون: لا بد أن يكون لذكره معنى، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة الحجة على العرب بعد أن تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله. فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله؟! مع أنه كلام عربي من حروف هجائية ينطق بها كل أمى ومتعلم ومع هذا فقد عجزتم. وذلك الذي نزل على محمد هو الكتاب الكامل في كل ما يتعلق به من معنى شريف وقصد نبيل وقصص فيه عبرة وعظة وتشريع صالح لكل زمان ومكان.

стр. 11

كتاب هذا حاله لا ينبغي من العاقل أن يشك في أنه من عند الله خصوصا وقد تحدى الله به العرب وهم أهل البيان واللسن تحداهم بأسلوب مثير: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فارجعوا إلى الحق وآمنوا به. وقد وصفه الله بعد هذين الوصفين بوصف ثالث أنه مصدر هداية وإرشاد لمن أراد أن يأخذ الوقاية لنفسه من عذاب ربه، وإنما خصهم بالهداية لأنه لا يهتدى به إلا من تخطى عقله وقلبه حواجز المادة فآمن بالغيب- ما وراء المادة- وبعمل الخير. وآمن بالسفارة بين الله والخلق، وبالحياة الآخرة. المتقون وجزاؤهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣ الى ٥] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) المفردات: الإيمان: هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها، وسلامة العمل. بِالْغَيْبِ: ما غاب عنهم من حساب وجزاء وجنة ونار وغير ذلك. يُقِيمُونَ

стр. 12

الصَّلاةَ إقامتها: الإتيان بها مقومة معتدلة كاملة، والمقصود استيفاء أركانها وشروطها. يُوقِنُونَ اليقين: هو الاعتقاد الذي لا يقبل الشك. المعنى: إن الله- يكشف عن صفة المتقين الذين ينتفعون بالقرآن وهديه فيقول: هم الذين يؤمنون بالأمور الغيبية متى قام الدليل عليها، ولا يقفون عند الماديات والمحسوسات، يؤمنون بما وراء المادة، وهؤلاء يسهل عليهم فهم القرآن والانتفاع به لأن نور الإيمان شع في قلوبهم فامتلأت طاعة ورحمة، ولذا كان من صفاتهم إقامة الصلاة إذ هي مظهر الطاعة، وإقامة الصلاة: الإتيان بها كاملة مقومة بشروطها وآدابها فالصلاة عبادة بدنية وروحية لا عمل بدني فحسب. وإقامتها: عبارة عن استيفاء ناحيتي البدن والروح. والإنفاق في سبيل الله من زكاة وصدقة مظهر من مظاهر الرحمة بالإنسان، وركن مهم جدّا من أركان الإسلام كالصلاة التي هي عماد الدين، فالزكاة أساس بناء المجتمع كما أن الصلاة أساس بناء الفرد. وهم الذين يؤمنون بالله وما أنزل عليك، وما أنزل على من قبلك من الأنبياء والمرسلين، وآمنوا كذلك بالآخرة إيمانا يقينا لا شبهة فيه ولا شك. ولا غرابة في أن يكون هؤلاء ذوى مكانة عالية عند الله يشار إليهم، متمكنين من هدايته، وأولئك البعيدون في مرتبة الكمال هم الفائزون في الدارين. الكافرون وجزاؤهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)

стр. 13

المفردات: أَأَنْذَرْتَهُمْ الإنذار: الإعلام مع التخويف. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ: طبع عليها بالخاتم، وإنما يفعل هذا على الأبواب لمنع الدخول إليها، والمراد أغلقت قلوبهم فلا يدخلها إيمان ولا تصح. غِشاوَةٌ الغشاوة: الغطاء، والمقصود التعامي عن النظر إلى آيات الله. المناسبة: ابتدأ الله هذه السورة بالكلام عن القرآن الكريم وموقف الناس منه، وذكر أنهم أنواع: فمنهم من آمن به وعمل صالحا وأولئك هم المفلحون، ومنهم من كفر واستكبر عن الحق قولا وعملا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. المعنى: إن الذين كفروا بالله عنادا وجاهروا بتكذيب القرآن فهؤلاء يستوي عندهم الإنذار وعدمه إذ لا ينتفعون به ولا يتجهون إليه فلا نتأثر بهم ولا نأسى عليهم. فقلوبهم مغلقة لا يصل إليها النور الإلهى الممثل في الآيات، وأسماعهم لا يعرفها صوت الحق لأنها تنبو عنه، وأبصارهم لا تراه لأن عليها حجابا كثيفا هو حجاب التعامي عن آيات الله، أولئك لهم عذاب من نوع خاص ليس مألوفا: عذاب عظيم. ولقد بين الله- بهذه الآيات أنه إذا وجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس لتقصير في هدايته ولا لعيب فيه، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، والختم على قلوبهم وعلى سمعهم بسبب كفرهم بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥ من سورة النساء) . ولقد صدق الله: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥ من سورة يوسف) .

стр. 14

المنافقون وصفاتهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨ الى ١٦] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) المفردات: يُخادِعُونَ اللَّهَ الخداع: صرف الغير عما نقصده بحيلة، والمراد هنا إظهار الإسلام وإضمار الكفر. مَرَضٌ المرض: العلة، والمراد هنا: شك ونفاق

стр. 15

السُّفَهاءُ: ضعفاء العقول، والمقصود هنا الجهلاء وضعفاء النفوس. شَياطِينِهِمْ المراد: إخوانهم في الكفر. مُسْتَهْزِؤُنَ الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، وهو من اليهود بهذا المعنى ، ومن الله بمعنى أنه لا يعبأ بهم لحقارتهم وسوء إدراكهم، أو بمعنى أنه سيجازيهم عليه. يَمُدُّهُمْ: يزيدهم. طُغْيانِهِمْ الطغيان: مجاوزة الحد. يَعْمَهُونَ العمه: ضلال البصيرة، والمراد: التحير والتردد. اشْتَرَوُا: استبدلوا. المعنى: الصنف الثالث من الناس هم المنافقون، وهؤلاء أشد خطرا على الإسلام من الكفار صراحة ولذا تكلم عليهم في ثلاث عشرة آية، وليس المراد بهم المنافقين المعاصرين للنبي ﷺ فقط بل كل من ينطبق عليه الوصف في كل عصر ووقت. بعض الناس آمن بالله واليوم الآخر قولا باللسان فقط، وقلبه ملئ بالكفر والضلال، فيرد الله عليهم دعواهم وأنهم ليسوا بمؤمنين وإن تظاهروا به، ولا شك أنهم في إظهارهم الإيمان وإخفائهم الكفر في صورة المخادعين لله، ولأن الله- سبحانه- يعلم عنهم ذلك وأنهم ليسوا بمؤمنين، بل أشد ضررا من الكفار، ومع ذلك يأمر بإجراء أحكام الإسلام الظاهرة عليهم كأنه يخادعهم، وهكذا المسلمون حيث امتثلوا أمر الله فيهم كأنهم مخادعون لهم، فهذا كله من باب التشبيه والتمثيل. وإلا فالله عالم بهم لا تجوز عليه مخادعتهم وقادر على إيقاف المسلمين على حالهم حتى لا ينخدعوا بهم، وليس خداعهم وعاقبته إلا وبالا عليهم، وما يشعرون بذلك لأن قلوبهم قد ملئت غيظا وحسدا وشكّا ونفاقا حتى عموا عن إدراك أبسط الأشياء، زادهم الله من هذه الأمراض، ولهم عذاب شديد مؤلم في الدنيا والآخرة. والواقع أن المنافقين في كل زمان ودولة هم الخطر الداهم على أممهم والسهم الذي يصوب في ظهر وطنهم، وكثيرا ما لاقى النبي ﷺ من النفاق والمنافقين. والنفاق واليهودية شيئان متلازمان لأنه ينشأ عن جبن حقيقى ولؤم طبيعي، فالمنافق يلتوى مع الناس في أقواله وأفعاله، وكم للمنافق في المجتمعات من أضرار بالغة ومخادعات هادمة.

стр. 16

لو أن كل إنسان أظهر نفسه على حقيقته، وأدى واجبه دون أن يخادع أو يخاتل ودون أن يوقع الآخرين لتكون عندنا المجتمع الصالح والدولة العزيزة الجانب. ومن صفاتهم أيضا أنه إذا قيل لهم: إن إثارتكم الفتن والتجسس لحساب الكفار وتأليب القبائل على المسلمين فساد، وأى فساد بعد الحرب وما تجره؟ فكفوا عن الفساد، قالوا: ليس الأمر كما زعمتم فإنما نحن مصلحون، لا نتعدى الصلاح إلى غيره أبدا، فرد الله عليهم بعبارة أبلغ في إسناد الفساد لهم وقصره عليهم، وأنهم كاذبون على أنفسهم في دعوى الإصلاح وأنه لا يتعداهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولكن المنافقين لا يدركون المحسوس فلا يشعرون بحالهم. وما كان المسلمون يقفون معهم موقف الإنكار فقط، بل كانوا يدعونهم كذلك إلى الإيمان بشتى الوسائل. فإذا قالوا لهم: ادخلوا في الإيمان كما دخل فيه غيركم من الناس أجابوا متهكمين منكرين: أنؤمن بالقرآن والنبي، كما آمن به ضعفاء الناس من العبيد والفقراء وضعفاء العقل من الأميين والجهلاء؟! وجهلوا أن ضعيف العقل من يرى طريق الخير والنور أمامه فلا يسلكه، فانظروا يا أيها المنافقون من أى نوع أنتم؟ ألا إنكم أنتم السفهاء وحدكم ليس عندكم إدراك صحيح للإيمان فتعلموا مقداره!! وروى أن أبا بكر وعمر وعليّا- رضى الله عنهم أجمعين- توجهوا إلى ابن أبىّ وأصحابه من اليهود فلما رآهم ابن أبى قال لأصحابه: انظروا كيف أراد هؤلاء السفهاء عنكم بمعسول القول، فلما حضروا أخذ يمدحهم الواحد بعد الآخر في الدين والسبق فيه ثم قال لأصحابه بعد أن انصرف الصحابة: كيف رأيتمونى؟ فأثنوا عليه خيرا فنزلت الآية. وليست تكرارا مع ما سبق بل السابق بيان مذهبهم وما استكن في نفوسهم جميعا من النفاق، وفي هذه الآية بيان موقف بعض المعاصرين للنبي ﷺ مع المؤمنين ومع زعمائهم في اليهودية والفساد، الذين هم كالشياطين بل أشد، وإذا خلوا إلى بعضهم قالوا: إنا معكم، ولكنا نستهزئ بهم ونسخر بدينهم، فيرد الله عليهم زعمهم الباطل: الله- هو الذي يعبأ وسيجازيهم على فعلهم أيما جزاء، ويزيدهم في الطغيان والضلال حتى يصيروا مثلا في الوصول إلى أقصى درجات الحيرة والتخبط.

стр. 17

بعد هذا الوصف السابق أشار لهم بإشارة البعيد فقال: إن أولئك المنافقين بتركهم الطريق المستقيم والأدلة الظاهرة والواضحة على صحة هذا الدين- بتركهم هذا حسدا وبغيا- كأنهم دفعوا الهدى ثمنا للضلالة والخسارة في الدنيا والآخرة، وما ربحوا في هذا التجارة، وما أظهر خسارتهم في هذه الصفقة! وهكذا كان شأنهم دائما. ضرب الأمثال لهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) المفردات: المثل: الصفة والقصة الغريبة، والمراد أن حالهم تناهت في الظهور والوضوح حتى أضحت كالمثل الذي لا ينكر. الصّيّب: المطر الكثير النازل. رَعْدٌ الرعد: هو صوت احتكاك الهواء. الْبَرْقُ: نور خاطف ينشأ من شرارة كهربائية: الصَّواعِقِ: جمع صاعقة، وهي: الرعد الشديد، وقيل: إنها من آثار الكهرباء في الجو ينشأ عنه احتراق بعض الأجسام.

стр. 18

المعنى: المثل الأول: المنافقون قوم أظهروا الإسلام زمنا قليلا فأمنوا على أنفسهم وأولادهم وأخفوا وراءهم الكفر والفساد، ولكنهم لم يلبثوا على ذلك حتى أظهر الله الحق، وبدا الصبح لذي عينين فأضحوا بعد أمنهم خائفين وصاروا متخبطين في ظلمة النفاق والفضيحة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فحالهم هذه تشبه حال جماعة أوقدوا نارا لينتفعوا بها، فلما أوقدت النار وأبصروا ما حولهم زمنا يسيرا أطفأها الله وذهب بنورهم من أساسه وتركهم في ظلمة الليل وظلمة السحب المتراكمة وظلمة إطفاء النار فهم لا يبصرون. ولا شك أن المنافقين صم عن الحق فلا يسمعون، وبكم فلا يتكلمون، وعمى عن الهدى فلا يبصرون. إذن فهم لا يرجعون أصلا عن حالهم فلا تأس عليهم ولا تحزن. أردف الله المثل السابق بمثل آخر مستقل واضح ليظهر حالهم فلا تخفى على أبسط الناس فهما وإدراكا. المعنى: المثل الثاني: أنزل الله القرآن الكريم: وقد اعترى المنافقين شبهة واهية، وفي هذا القرآن وعد لمن آمن ووعيد لمن كفر، وفيه حجج بينات واضحات، وفيه آيات فاضحة لهم وكاشفة أستارهم كانت تنزل عليهم نزول الصاعقة أو أشد، وهم مع القرآن الكريم إذا نزلت آية فيها مغنم فرحوا وساروا مع المسلمين وإذا نزلت آية تطالبهم بالجهاد أو تكشف حالهم وقفوا وبهتوا. فحالهم هذه تشبه حال قوم نزل عليهم مطر غزير من كل جانب، وكان يصاحبه صواعق تصم الآذان حتى أنهم يجعلون أنامل أصابعهم في آذانهم خوفا من الموت. وأما برقه ونوره فكلما ظهر في الأفق فرحوا وساروا آمنين، وهم حريصون على ذلك، وإذا أظلم الأفق وانتهى البرق وقفوا حيارى مبهوتين. والله محيط بهم قادر عليهم، ولو شاء لأذهب أسماعهم بقوة الرعد وأبصارهم بوميض البرق فهو القادر المختار.

стр. 19

روائع التشبيه: في هذا المثل العظيم عيون البلاغة، وقوة التعبير الذي يقف عنده كل بليغ وأديب. فيه تشبيه القرآن بالمطر إذ المطر يحيى موات الأرض. والقرآن يحيى موات النفوس، ومع القرآن شبهة واهية لا أساس لها كالظلمات العارضة مع المطر. وفيه وعد ووعيد كالرعد قوة وشدة، وفيه حجج وآيات كالبرق وضوحا وجلاء، وفيه آيات كاشفة فاضحة كالصواعق أو أشد خطرا. والظاهر- والله أعلم- أن المثل الأول للمنافقين الخلص، والثاني للمترددين تارة يظهر لهم وميض الإيمان ونوره وتارة يخبو، وقيل: هما لصنف واحد. وحدة الإله. إعجاز القرآن. صدق الرسول [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١ الى ٢٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)

стр. 20

المفردات: يا صوت يهتف به المنادى، ويكون لنداء البعيد أو الساهي أو الغافل لعظم المأمور به بعد النداء، والظاهر أنها استعملت هنا لهذا اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: أطيعوه. فِراشاً الفراش: ما يفرشه الإنسان، والمراد أنه مهدها للإقامة عليها. بِناءً: مبنية محكمة. أَنْداداً: جمع ندّ وهو النظير. شُهَداءَكُمْ: جمع شهيد، وهو من يحضر معكم من الرؤساء، أو من يشهد لكم يوم القيامة. المناسبة: لما ذكر الله- سبحانه- القرآن وصفته، وبين أن الناس مع القرآن ثلاثة أنواع: فمنهم المؤمن، والكافر، والمنافق، خاطبهم جميعا بوصف عام يأنسون به ليكون ذلك أدعى للامتثال ولما أثبت الوحدانية لله. ثنى ببيان إعجاز القرآن وفي ذلك إثبات صدق الرسول. المعنى: لقد أمر الله الناس بعبادته، والإقرار له بالربوبية والوحدانية، ونبذ الأصنام وما كانوا يعبدون، لأنه الرب الذي خلقهم، وخلق آباءهم من قبل فلا يليق بهم أن يتخذوا أندادا له. ففي عبادتهم لله وحده تتحقق تقواهم التي يحبها الله لهم، إذ هو الذي جعل لهم الأرض ممهدة للإقامة عليها مع تحريكها ودورانها، وجعل السماء كالقبة تظلهم بالخير والبركة. وهي كالبناء المحكم مع ما فيها من عوالم الأفلاك والأجرام لا يسقط منها جزء ولا يختل لها نظام، وأنزل من السماء ماء مباركا طيبا ينبت لنا به الكلأ والزرع. ألست ترى معى أن الله وصف نفسه بما يدل على انفراده بالربوبية؟ فصفة الخلق والتكوين، والرزق، من الصفات المسلّم بأنها له وحده.

стр. 21

وإذا كان هذا شأن الرب- سبحانه- فاعبدوه، ولا تجعلوا له أندادا في العبادة، تعبدونهم وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له يخلق شيئا مما ذكر، وها هي ذي مظاهر قدرته ودلائل وحدانيته تدل عليه. وإن كنتم في شك من القرآن وأنه أنزل على عبدنا ورسولنا النبي الأمى محمد بن عبد الله فها هو ذا القرآن، فجدوا واجتهدوا واشحذوا عزائمكم، واجمعوا جموعكم، واستعينوا برؤسائكم وآلهتكم، وأتوا بسورة تماثله في البلاغة وسداد التشريع الصالح لكل زمان ومكان، والإخبار بالمغيبات إن كنتم صادقين في دعواكم أن القرآن من عند محمد وليس القرآن من عند الله، وكيف يعقل هذا؟ ومحمد بشر منكم أمى مثلكم لم يقرأ ولم يكتب، وأنتم مجتمعون وفيكم الشاعر والخطيب والبليغ والأديب، والقرآن كلام عربي من جنس ما تتكلمون به في خطبكم وأشعاركم بل كلامكم العادي، وقد تحداكم الله به وأنتم ومن يحضر معكم من جهابذة القول وأعلام البلاغة وفرسان البيان، فإن عجزتم- وأنتم لا شك عاجزون- فارجعوا إلى الحق وآمنوا بمحمد وبما أنزل عليه من القرآن، وفي ذلك وقاية لكم من النار التي وقودها الناس والحجارة التي أعدها الله للكافرين. تحدى الله العرب أن يأتوا بسورة تماثله في البيان وقوة الأسلوب، ودقة التعبير وغير ذلك مما برع العرب فيه، أما النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية والقانونية فذلك شأن عال، ومنزلة رفيعة أثبتت الأيام أن القرآن فيه معجزة للعالم كله. (بحث لعل) : أصل لعل للترجى، فإذا قلت لصديقك: لعلك تزورنى، كان المعنى أرجو وأطمع في زيارتك، وهنا لا تصح أن تكون كذلك لأن رجاء تقواهم لا يكون من القادر الذي في قبضته كل شيء وهو العليم الخبير. ولكن لما خلق الله الخلق لعبادته وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «١» وقد أوضح لهم الطريقتين، وطلب منهم سلوك الطريق المستقيم مرارا كأنه في صورة الذي يرجو تقواهم وكأنها مرجوة له سبحانه ... وهي تفيد كذلك التعليل.

стр. 22

من آمن بالقرآن وجزاؤهم [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) المفردات: مُتَشابِهاً: يشبه بعضه بعضا. الجنة: البستان، والمراد دار الخلود التي أعدت للمؤمنين. المناسبة: من عادة القرآن الكريم أنه إذا تعرض للكلام على من كفر وعصى أردف ذلك بالكلام على من آمن واتقى ليظهر الفرق جليا بينهما فيكون ذلك أدعى للامتثال. المعنى: بشّر يا محمد، أو: يا من تتأتى منه البشارة من العلماء والوعاظ، بشّر العاملين الذين آمنوا وعملوا صالحا أن لهم جنات فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها أنهار جارية تحت الأشجار، فيها الثمار الشهية، كلما قدمت لهم ثمرة منها قالوا متعجبين: هذه الثمرة كالتي رأيناها في الدنيا، فإذا تذوقوها وأكلوها رأوا عجبا وأدركوا أنها تشبه ثمار الدنيا في الشكل والجنس فقط، أما في الذوق والطعم والحجم فهذا ما لم يروه أبدا، وأتوا به

стр. 23

متشابها ليأنسوا به ويقدموا على أكله لأن النفس للمألوف أميل، وفي الجنة حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، طاهرات مطهرات من كل دنس ورجس كالحيض والنفاس وشرور النفس والهوى، وهم في الجنة خالدون، ولا حرج على فضل الله، فهذا الكريم القادر أعده لعباده الصالحين، فتبارك الله أحسن الخالقين. واعلم يا أخى أن نعيم الجنة غير محدود، وما أعد فيها فشيء تقصر العبارة عن وصفه، وإذا أراد بيان الحقيقة المادية عبر عنها بقوله: فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ. الأمثال في القرآن وموقف الناس منها [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) المفردات: لا يَسْتَحْيِي الاستحياء: تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب عليه فيؤدى إلى ترك الفعل، والمراد هنا أنه- سبحانه- لا يترك ضرب المثل.

стр. 24

مَثَلًا يطلق على المثل ومنه التمثيل، وعلى القول السائر، وعلى النعت والصفة التي بلغت مبلغ المثل في الغرابة والشيوع، البعوضة: الناموسة (ينقضون) النقض: الفسخ وفك الترتيب، وأصل الاستعمال في الحبل، ثم استعمل في العهد لأنه يشبهه. ميثاق ميثاق العهد: توكيده، المراد العهد المؤكد، وهو ما أوصاهم به في الكتب السابقة من الإيمان بمحمد إذا ظهر. سبب النزول: روى أنه لما ضرب الله الأمثال بالذباب والعنكبوت ضحكوا وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله ، وفي رواية أنهم قالوا: ما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذبابة والعنكبوت، فنزل قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مشاكلة لقولهم. المعنى: أن الله- سبحانه- لا يترك ضرب الأمثال بالبعوض أو أخس منه، فالمثل جعل لكشف المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد لا سبيل إلى إنكاره، فإن كان المضروب له المثل عظيما كالحق والإسلام ضرب مثله بالنور والضياء. وإن كان ضعيفا حقيرا كالأصنام ضرب مثله بما يشبهه كالذباب والبعوض والعنكبوت، على أنه لا فرق عند الله بين البعوضة والجمل في الخلق والتقدير. فأما المؤمنون، ففي قلوبهم نور يهديهم إلى التصديق بأن هذا كلام الله، وأما الكفار الجاحدون فهم في حيرة من أمرهم، وقصارى قولهم أن يقولوا متعجبين، ماذا يريد الله بهذا المثل؟ شأن المتخبط الذي لا يدرى. لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ [سورة المدثر آية ٣١] . فأنت معى أن المثل ضل به كثير من الناس، واهتدى به كثير من الناس، ولا يضل به إلا الخارجون عن طاعة الله، الذين ينقضون ما عاهدوا الله عليه من الإيمان بمحمد

стр. 25

والتصديق به، خصوصا بعد ظهور الحجة على صدقة، وأنه مكتوب عندهم في التوراة، فهؤلاء يفرقون بين الأنبياء فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وقد أمر الله بوصل الإيمان بجميع الأنبياء، ولكن هؤلاء همهم الإفساد بين الناس. والتضليل في العقائد إبقاء على رئاسة كذابة وزخرف زائل، هؤلاء لا شك قد خسروا دنياهم بافتضاحهم وتخبطهم، وخسروا آخرتهم بغضب الله عليهم، وأى خسران بعد هذا؟!! مظاهرة قدرة الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) المفردات: اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: استواء يليق بجلاله لا يعلمه إلا هو بلا كيف ولا تمثيل، وقيل: قصد إلى السماء قصدا مستويا خاصا بها. فَسَوَّاهُنَّ: أتم خلقهن مستويات لا تشقق فيهن ولا عوج. المعنى: استتبع الحديث عن الكفار وموقفهم من القرآن وأمثاله أن يتعجب من حالهم التي تناهت في العجب فيقول ما معناه: أى وجه لكم وأى سند لإنكاركم ربوبية الله؟! ولو خلّيتم وفطرتكم الصحيحة لعرفتم فيما بينكم وبين أنفسكم أن وجودكم هذا سببه فطرة الله، وأنه منّ عليكم بنعمة الوجود ووهب لكم عقلا، وكرمكم ولم يترككم هملا في الدنيا، بل جعل حدا لآجالكم، ثم إليه ترجعون ليجزي كلا منكم على ما قدمته يداه، ويحاسبكم على النعمة

стр. 26

التي أنعم بها عليكم. وعن ابن عباس قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة ثانية، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ. وها هي ذي الأرض بما فيها هو الذي خلقها ومكن لكم فيها، ففهمتم أسرارها ودقائقها حتى استخدمتم الذرة والأثير، وقد كان هذا كافيا لئلا تكفروا به، وهناك مظهر آخر من مظاهر القوة والعظمة اختص الله بمعرفة سره ودقائقه وهو هذه السموات السبع التي رفعها بقدرته، وعلم هو كنهها وحقيقتها، ومن ذا الذي يعلم المخلوق إلا خالقه؟! فمن الخير لنا ألا نفكر في السماء وطبيعتها، وكيف استوى إليها، بحثا يضيّع علينا روح الدين، بل نستشعر عظمة الخالق الذي رفع السماء وبسط الأرض!! قصة خلق الإنسان وتكريمه بالخلافة وسجود الملائكة له [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٤] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)

стр. 27

المفردات: لِلْمَلائِكَةِ الملائكة: خلق الله أعلم بهم، وقيل: هم أجسام نورانية لا يأكلون ولا يشربون، دأبهم الطاعة ليلا ونهارا. خَلِيفَةً الخليفة: من يخلفك ويقوم مقامك. يَسْفِكُ الدِّماءَ: يريقها. نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أى: ننزهك عن كل نقص متلبسين بحمدك والثناء عليك. وَنُقَدِّسُ لَكَ: نعظمك. أَنْبِئُونِي: أخبرونى السجود: الخضوع والانقياد. إِبْلِيسَ: واحد من الجن، وقيل: أبوهم كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [سورة الكهف ٥٠] ، وقيل- من الملائكة لظاهر الآية والأحسن أن الله أعلم بهؤلاء جميعا أَبى امتنع. القصة لون من ألوان الأدب العالي، وهي في القرآن الكريم لمعان سامية لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وهذه القصة فيها مدى تكريم الله لآدم وبنيه باختياره خليفة، وتعلمه ما لا تعلمه الملائكة، أفيليق منهم أن يقفوا من الله ورسله موقف الكفر والعناد؟ ومن هنا ندرك سر المناسبة بين الآيات، ولا تنس ما فيها من التسلية للنبي ﷺ حيث يرى موقف الملائكة الأطهار من الله- . المعنى: واذكر يا محمد لقومك قصة خلق أبيهم آدم حيث قال الله للملائكة: إنى جاعل في الأرض خليفة يقوم بعمارتها وسكناها، ويقوم بعضهم بالزعامة والتوجيه وتنفيذ الأحكام حتى يعمر الكون، فقالت الملائكة: يا رب هذا الخليفة وبنوه تصدر أفعالهم عن إرادتهم واختيارهم، وهم لا يعلمون المصلحة الحقيقية لأن علمهم محدود، وقد خلقوا من طين فالمادة جزء منهم، ومن كان كذلك فهو إلى الخطأ أقرب فهو يفسد في الأرض. وأنت يا رب تريد عمارتها فيا رب!! كيف تجعل فيها من يفسد فيها؟ [استفهام من لون التعليم لا الاعتراض] ونحن أولى لأن أعمالنا تسبيحك وتقديسك. لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فأجابهم المولى: إنى أعلم ما لا تعلمون ... إنى أعلم كيف تصلح الأرض وكيف تعمر ومن أصلح لعمارتها؟

стр. 28

فهذا خلق فيه دواعي الخير والشر، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر، وبهذا تظهر حكمة إرسال الرسل. وإن أردتم موضع السر فالله قد علم آدم أسماء الأشياء المادية التي بها تعمر الدنيا وتصلح إلى الأبد، ثم عرض هذه الأشياء على الملائكة، وقال لهم: أخبرونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في دعوى أنكم أحق بالخلافة من غيركم. فوقفوا عاجزين، قالوا: يا رب لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم بكل شيء الحكيم في كل صنع. فقال المولى- ﷻ : يا آدم أخبرهم بأسمائهم، فلما أخبرهم بالأسماء أدركوا السر في خلافة آدم وبنيه وأنهم لا يصلحون لعدم استعدادهم للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها إذ هم خلقوا من النور وآدم خلق من الطين، فالمادة جزء منه. وهنا قال الله- سبحانه-: ألم أقل إنى أنا العالم بكل ما غاب وما حضر في السموات والأرض؟ وأعلم ما ظهر، وما تبدون وما تكتمون. قصة ثانية تبين لنا مدى تكريم الله للإنسان حيث أمر الملائكة بالسجود له، وفي هذا تعظيم وأى تعظيم! واذكر يا محمد لقومك وقت أن قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود تعظيم وإجلال لا سجود عبادة وتأليه كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعا وامتثلوا أمر الله إلا إبليس اللعين فإنه امتنع من السجود واستكبر قائلا: أأسجد له وأنا خير منه؟ خلقتني من نار وخلقته من طين، منعه حسده وغروره وتكبره من امتثال أمر ربه، ولعل هذا الإباء والاستكبار والتعالي والغرور الذي عند إبليس من صفات النار التي خلق منها، وهكذا قد خرج عن أمر ربه فاستحق اللعنة وكان من الكافرين. يا ابن آدم! هكذا شرفك الله وكرمك وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «١» بأن جعلك خليفة في الأرض، وعلمك ما لم تكن تعلم وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، وأمر الملائكة بالسجود لأبيك فسجدوا، أفيليق بك أن تقف موقفا لا يرضاه ربك؟ لا بل يجب أن تمتثل أمر ربك وأن تعصى الشيطان عدوك، وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

стр. 29

طبيعة الإنسان وموقف الشيطان منه [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٥ الى ٣٩] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) المفردات: رَغَداً: واسعا طيبا هنيئا. الشَّجَرَةَ قيل: هي الحنطة. فَأَزَلَّهُمَا: فأوقعهما في المخالفة من الزلة، وهي: السقوط. اهْبِطُوا: انزلوا. مُسْتَقَرٌّ: مكان استقرار. أَصْحابُ النَّارِ: الملازمون لها الذين لا يخرجون منها. المعنى: وتلك قصة أخرى لأبينا آدم الذي جعله الله خليفة في الأرض، كانت نهايتها أن أمره الله بأن يهبط إلى الأرض هو وزوجه وذريته، وإبليس ومن معه. قال الله- ﷻ لآدم: اسكن أنت وزوجك الجنة، وتمتّعا بكل ما فيها، وكلا من ثمارها وزروعها وأشجارها ما تشتهون أكلا هنيئا مريئا، ولا تقربا هذه الشجرة أبدا!؟ إنكما إن أكلتما منها كنتما من الظالمين.

стр. 30

ولكن إبليس اللعين لا يمكن أن يتركهما، بل وسوس لهما وزين السوء قائلا: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وأقسم لهما: إنى لكما لمن الناصحين. وهنا تظهر غريزة الإنسان وضعفه أمام المغريات، وها هو ذا قد ضعف أمام إغراء الشيطان، فأزلهما وأوقعهما في المخالفة، وكان ظاهر الأمر أن قد عصى آدم ربه وغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. وهكذا كانت حكمة الله وكان أمره لأسرار لا يعلمها إلا هو لتعمر الدنيا، ولتتحقق الخلافة لله في الأرض حكم بأن يخرجا من الجنة، ويهبط الكل بعضهم لبعض عدو، ولهم جميعا في الأرض مستقر ومتاع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فإما يأتينكم منى هدى على لسان أنبيائى ورسلي: فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ولا خوف عليه أبدا، ومن يعرض عن ذكرى ويعص أمرى فله في الدنيا التعب والنصب وفي الآخرة العذاب والألم. أما آدم أبو البشر فبعد أن أكل من الشجرة وظهرت غريزته وطبيعته وبدت له سوءته، وحاول سترها، وأدرك ما وقع فيه، وتلقى آدم من ربه كلمات: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ فتاب الله عليه وهدى. إنه هو التواب الرحيم. بنو إسرائيل وما طلب منهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)

стр. 31

المفردات: إِسْرائِيلَ: هو يعقوب- ﵇ ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل- ﵈ وبنوه وأولاده وهم اليهود. بِعَهْدِي عهد الله: ما عاهدهم عليه في التوراة من الإيمان بالله وبرسله وخاصة خاتم الأنبياء محمد ﷺ الذي يبعث من ولد إسماعيل. بِعَهْدِكُمْ: ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان والتمكين من بيت المقدس قديما، وسعة العيش في الدنيا. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا: البيع والشراء قد يطلق كل منهما مكان الآخر، و المعنى: لا تبيعوا آياتي بثمن قليل. تَلْبِسُوا: تخلطوا. المناسبة: من أول السورة إلى هنا يدور الكلام حول الكتاب واختلاف الناس فيه وضرب الأمثال للمنافقين، والأمر بعبادة الله، والدليل على أن القرآن من عنده، ثم الإنذار والبشارة، والحجج القائمة على الكافرين، ومظاهر قدرته، ثم الكلام على خلق الإنسان وتكريمه، ثم بعد هذا أخذ يخاطب المقيمين بالمدينة من أهل الكتاب وخاصة اليهود فهم أكثر من غيرهم ولهم في هذا المجتمع مكان، وكانت لهم مواقف مع النبي ﷺ والكلام كله يدور حول القرآن وما فيه. خاطب اليهود من هنا إلى قوله- تعالى-: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ تارة بالملاينة وتارة بالشدة وطورا بذكر النعم وآخر بذكر جرائمهم وقبائحهم ... إلخ. المعنى: يا بنى العبد الصالح يعقوب، كونوا مثل أبيكم في اتباع الحق، واذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، وظلل عليكم الغمام إلى آخر نعمه التي ستذكر بالتفصيل، وذكرها: القيام بشكره وامتثال أمره، وأوفوا بما عاهدتكم عليه من الإيمان بالله ورسله بلا تفريق ما دامت الحجة قائمة على صدقهم وخاصة محمد بن عبد الله أوف أنا بعهدي لكم فأعطيكم الجزاء العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة، ولا يمنعكم من

стр. 32

هذا شيء، ولا ترهبوا أحدا سواي، فأنا أحق بالرهبة والخوف، وآمنوا إيمانا قلبيا صادقا بالقرآن وأنه من عند الله، فإنه أتى موافقا للتوراة التي معكم في الأصول العامة للدين، وفي التوراة وصف للنبي ﷺ ولا تكونوا يا أهل الكتاب أول الناس في الكفر به، فأنتم أحق بالإيمان لأن عندكم في التوراة دليل صدقه، ولا تبيعوا آيات الله الواضحة الدالة على صدق محمد فيما ادعى، ولا تبيعوها بثمن دنيوى قليل من رئاسة أو مال أو عادات قديمة، فإنه ثمن بخس وتجارة غير رابحة، ولا تخافوا أحدا سوى الله، ولا تخلطوا الحق الموجود في التوراة بالباطل الذي تخترعونه، ولا تكتموا وصف النبي وبشارته التي هي حق وأنتم تعلمون، وليس جزاء العالم يوم القيامة كالجاهل، ومن هنا نفهم أن التوراة التي أنزلت على موسى- ﵇ والتي كانت موجودة أيام النبي محمد ﷺ فيها حق وباطل، وأنهم غيروا فيها وبدلوا، وكانوا يعرفون هذا وذاك، وقد صدق الله أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ. ثم أمرهم بأهم أركان الدين التي لا يختلف فيها دين عن آخر، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والخضوع لله مع الخاضعين. علماء اليهود وأحوالهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٨] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)

стр. 33

المفردات: بِالْبِرِّ: الطاعة والصدق والتوسع في الخير. بِالصَّبْرِ: حبس النفس على ما تكره، وقيل: هو الصوم. يَظُنُّونَ: يعتقدون. عَدْلٌ العدل: الفداء. نزلت في علماء اليهود كانوا يأمرون غيرهم بالصدقة والثبات على الإسلام ويتركون أنفسهم. المعنى: إن تعجب فعجب من هؤلاء يأمرون غيرهم بالخير وينسون أنفسهم فهم كالمصباح يضيء للناس ويحرق نفسه، كيف يليق بكم يا أهل الكتاب أن تأمروا الناس بالبر، وهو جماع الخير، ولا تأتمرون به! والحال أنكم تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه من عقوبة من يقصر في أمر الله!! ولا شك أن من هذا وصفه فهو بغير العقلاء أشبه، آمنوا واستعينوا على أنفسكم الأمارة بالسوء وشياطينكم بالصبر والصلاة فإنهما جلاء القلوب والأرواح، وإنما أمرنا بالصبر لأنه احتمال المشاق من تكاليف وابتلاء مع الرضا والتسليم، ولا شك أن مثلهم في أشد الحاجة إليه، والصلاة أقرب إلى حصول المرجو منهم لما لها من التأثير في الروح، ولكنها شاقة على النفس الأمارة بالسوء: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الذين عمرت قلوبهم بالإيمان فخفت جوارحهم إلى الصلاة بنشاط، واطمئنان، ومن هنا ندرك معنى الحديث: «جعلت قرّة عيني في الصّلاة» فالخاشعون: هم الذين يعتقدون أن وراءهم يوما يلاقون فيه ربهم فيحاسبون على أعمالهم. وأنهم إلى الله وحده راجعون، فمكافأون عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وهل الصلاة التي أمر بها اليهود هنا هي الصلاة الإسلامية أم هي صلاتهم؟ الأصح أنها الصلاة الإسلامية بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة ومكلفون بها، وهذه الصفات التي ذكرت ككونها كبيرة إلا على الخاشعين يؤيد ذلك. ثم كرر نداء بني إسرائيل ذاكرا لهم ما منّ على آبائهم وعليهم من النعم، وأنه فضلهم على غيرهم إذ جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا وفضلهم على العالمين في زمانهم، يا بنى إسرائيل: اتقوا يوما لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئا، فليس الأمر كما تفهمون أن هناك شفعاء يشفعون إذ لا تقبل هناك شفاعة من شافع، ولا يؤخذ من نفس فداء ولا هم ينصرون.

стр. 34

وإذا كان الأمر كذلك فعلى أى أساس تنسون أنفسكم ولا تعملون لهذا اليوم وأنتم أهل كتاب فيه يوم الجزاء ووصفه؟! نعم الله على اليهود [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٩ الى ٦٠] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)

стр. 35

المفردات: يَسُومُونَكُمْ سامه العذاب: أذاقه. سُوءَ الْعَذابِ: العذاب السيئ الشديد. يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ: يبقون نساءكم على الحياة فلا يقتلون. بَلاءٌ اختيار فَرَقْنا أى: فلقنا، والمراد: جعلنا فيه جسرا تعبرون عليه. الْفُرْقانَ: التوراة الفارقة بين الحق والباطل. فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: ليقتل البريء منكم المجرم. جَهْرَةً: عيانا واضحا منكشفا. الصَّاعِقَةُ: الصيحة، أو نار من السماء. بَعَثْناكُمْ: أحييناكم وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ أى: جعلنا الغمام يستركم كالمظلة، والغمام: السحاب الرقيق. الْمَنَّ: شيء حلو كالعسل. السَّلْوى: نوع من الطير. هذِهِ الْقَرْيَةَ: هي بيت المقدس، أو بلد قريب منه. سُجَّداً: ساجدين بالانحاء، والمراد متواضعين متذللين لله. حِطَّةٌ أى: سؤالنا أن تحط عنا ذنوبنا، والمراد اسألوا الله المغفرة. رِجْزاً: عذابا من السماء. الْحَجَرَ: حجر الله أعلم به ومن أين أتى لموسى. فَانْفَجَرَتْ: انشقت وسالت. الناس: جماعة منهم وكانوا اثنى عشر سبطا.

стр. 36

المناسبة: بعد ما ذكّر اليهود بالنعم عليهم جملة في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أخذ يقصها عليهم مفصلة وعددها عشر. المعنى: اذكروا أيها اليهود المعاصرون النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، اذكروها حتى تقوموا بشكرها وتلجأوا لبارئها. ١- فقد نجى الله آباءكم من فرعون وآله فإنه كان يذيقكم العذاب الشديد، يذبح أبناءكم الذكور ويترك بناتكم يحيون، فقد ورد أن فرعون رأى نارا أطلقت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وانزعج من هذه الرؤيا، وفسرت له بأنه سيخرج ولد من بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا فقد نجى الله بنى إسرائيل من هذا العذاب المبين، وفي النجاة من الهلاك أو الهلاك اختبار من الله حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك. ٢- واذكروا إذ جعلنا لكم في البحر طريقا يبسا سلكتموه حتى عبرتم سالمين وقد ترك فرعون وجنوده يغرقون وأنتم تنظرون إليهم. وروى أنهم كانوا بلا كتاب يحتكمون إليه ، وقد وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة بعد أربعين يوما (ذو القعدة وعشر من ذي الحجة) . وأمر موسى أن يذهب إلى جبل النور فيصوم الأربعين يوما، فذهب واستخلف هارون عليهم وأنزلت التوراة في الألواح، ولكن في هذه المدة اتخذتم العجل الذي صنعه لكم السامري (رجل كان منافقا فيهم) اتخذتموه إلها فعبدتموه، وظلمتم أنفسكم بهذا العمل الذي لا يليق. ٣- ثم عفا الله عنكم وقبل توبتكم كي تشكروا الله أيها اليهود المعاصرون، وشكره باتباع رسله والإيمان بكتبه ما دامت الحجة قائمة على صدقهم وخاصة محمد ﷺ . ٤- واذكروا وقت أن آتينا موسى الكتاب والتوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام رجاء أن تهتدوا بها وتسيروا عليها.

стр. 37

٥- واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل في مدة صومه وغيابه وهي أربعون يوما: يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلها ظلمتم أنفسكم وأى ظلم بعد الإشراك بالله؟ فتوبوا إلى الله وارجعوا ذلكم خير لكم وأحسن عند بارئكم. وكانت التوبة في شريعتهم أن يقتل البريء منهم المذنب. وقد أرسل الله- سبحانه- سوداء حتى لا يرى بعضهم بعضا عند القتل فيرحمه وقد قتل منهم سبعون ألفا، وبعد ذلك تضرع موسى وهارون إلى الله فتاب عليكم إذ قبل توبة من قتل ومن لم يقتل، ولا غرابة في ذلك فالله هو التواب الرحيم بعباده. واذكروا وقت أن قال آباؤكم لموسى: لن نؤمن بالله وأنك رسوله حتى نرى الله عيانا بلا حاجز، فأخذهم ربكم بعذابه فماتوا ومكثوا يوما وليلة والحي ينظر إلى الميت. ٦- ثم أحييناهم ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، كل ذلك لكي تشكروا- أيها اليهود المعاصرون- الله على ما أنعم به، وتعتبروا وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء، وشكر الله المطلوب منكم هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد ﷺ الذي أخبر عن هذا كله. ٧- روى أن موسى كلف من الله بأن يرحل ببني إسرائيل لقتال قوم جبارين فخرج معهم فلما وصلوا إلى وادي التيه بين الشام ومصر ومكثوا فيه أربعين سنة حيارى تائهين فكان الله يظلهم بسحاب رقيق يقيهم حر الشمس. ٨- وكان ينزل عليهم الطعام مكونا من حلوى وطير مطهوّ وكان طعاما يقيهم غائلة الجوع، ولا علينا بعد ذلك بحث في أنه من أى نوع أو على أى شكل، ثم قيل لهم: كلوا من هذه الطيبات ولا تدخروا شيئا منها، واشكروا الله، فلم يفعلوا شيئا مما أمروا به، وعصيانهم وكفرهم بهذه النعم لا يضيرنا، وما ظلمونا به ولكنهم ضروا أنفسهم حيث قطع الله عنهم هذه النعم وجزاهم على مخالفتهم، أنهم كانوا لأنفسهم ظالمين. ٩- واذكروا- أيضا- إذ قلنا لآبائكم: ادخلوا القرية المعلومة لكم فاسكنوا فيها وكلوا واشربوا أكلا واسعا لا حرج فيه وادخلوا الباب خاضعين مبتهلين إلى الله وحده وقولوا: يا ربنا دعاؤنا أن تحط عنا ذنوبنا وتغفر لنا سيئاتنا وسنزيد المحسنين منكم أكثر من هذا.

стр. 38

أما الذين بدلوا ما أمرناهم به، وما امتثلوا أمر الله، بل قالوا حبة في شعرة، أى: حنطة في زكائب من شعر، ودخلوا زاحفين على أستاههم غير خاضعين لله فإن جزاءهم أن الله أنزل عليهم عذابا شديدا من السماء وذلك بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله (قيل: هلك منهم سبعون ألفا) . ١٠- واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن طلب موسى- ﵇ السقيا لآبائكم وقت أن عطشوا في التيه واحتاجوا للماء فقال الله: يا موسى اضرب بعصاك الحجر المعهود فانفجر منه بأمر الله العيون، لكل جماعة منهم عين يشربون منها، وقيل لهم: كلوا واشربوا من عطاء الله ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. بعض قبائح اليهود وما لحقهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦١ الى ٦٢] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)

стр. 39

المفردات: البقل: كل ما اخضرت به الأرض من البقول والخضروات. القثّاء: هو الخيار. فُومِها: حنطتها أو ثومها. أَدْنى أى: أقل مرتبة، مِصْراً: بلدا عظيما، والمراد في الآية أى بلد زراعي الذِّلَّةُ أى: الذل. الْمَسْكَنَةُ: الفقر والحاجة. الَّذِينَ هادُوا: تهودوا، من هاد: إذا دخل في اليهودية، وهم اليهود. النَّصارى: أتباع عيسى. الصَّابِئِينَ: من خرج عن دينه مطلقا، وقيل: قوم عبدوا الملائكة. المعنى: خاطب الله اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم لأنهم أبناؤهم وهم يعتزون بنسبتهم إليهم ولا ينكرون عليهم أفعالهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة. واذكروا- أيها اليهود المعاصرون- إذ قال آباؤكم: يا موسى لا يمكننا أن نستمر على طعام واحد مثل المن والسلوى. فاطلب لنا من ربك آن يطعمنا مما تنبت الأرض من خضروات وبقول كالحنطة والعدس والبصل والقثاء، فقال موسى تعجبا واستنكارا: أتستبدلون هذا الطعام بالمن والسلوى وهما خير وأهنأ؟ وإذا طلبتم الأقل نفعا وخيرا عوضا عما هو خير لكم فاهبطوا أى بلد زراعي فإن لكم فيه ما طلبتم. وبما جنوا من كفر وقتل للأنبياء بغير حق كما قتلوا زكريا ويحيى وغيرهم لهذا جعلت الذلة والمسكنة محيطة بهم مضروبة عليهم، كما تضرب الخيمة على من فيها، ورجعوا بالخسران والبعد من رحمة الله وهذا بسبب عصيانهم لأوامر ربهم عصيانا متكررا واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فقد قتلوهم معتقدين أن قتلهم بغير حق!! ضربت عليهم الذلة والمسكنة: هما الذل والفقر والحاجة، ولا شك أنهم كذلك وإن كانوا ذوى مال، فاليهود قد ورثوا صفات الذل وضعف النفس وامتهانها بل وبيع الشرف لأجل المال فهم في فقر دائم وذل مستمر، ما داموا يعبدون المادة ويتألّهون المال. المال. غنى النفس ما استغنيت عنه ... وفقر النفس ما عمرت شقاء

стр. 40

ولقد فهم بعض العلماء قديما أن هذه الآية تشير إلى أنهم لا تقوم لهم دولة أبدا، ونحن معهم في هذا إذ قيام دولة كهذه يوما أو يومين لا يهدم رأيهم، فقديما استولى الصليبيون على بيت المقدس ردحا من الزمن، ثم علت كلمة الله ورفعت راية الإسلام، وقريبا بأمر الله ترفع راية الإسلام. وقيام دولتهم هذه بمثابة تنبيه شديد من الله لنا علّنا نتعظ ونثوب إلى رشدنا وديننا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «١» فارجعوا إلى رشدكم حتى لا تضرب عليكم الذلة والمسكنة بكل معانيها القريبة والبعيدة. وبعد أن ذكّرهم بما فعلوا قديما، وبيّن عاقبة أمرهم بأوضح بيان ليعتبر المعاصرون ويتعظوا، أتى بقانون عام شامل لا يفرق بين أحد فقال ما معناه: كل من آمن يا لله واليوم الآخر إيمانا قلبيا وعمل صالحا فله من الله الأجر والمثوبة، وأنه لا يخاف أبدا ولا يحزن في الدنيا والآخرة، سواء كان من الذين آمنوا أو من اليهود أو النصارى أو من الذين رجعوا عن دينهم مطلقا قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٢» . وهذا أروع مثل لمبدأ المساواة في الإسلام. من جنايات اليهود [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٦] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
следующие страницы →