المناسبة:
بعد ما ذكّر اليهود بالنعم عليهم جملة في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أخذ يقصها عليهم مفصلة وعددها عشر.
المعنى:
اذكروا أيها اليهود المعاصرون النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، اذكروها حتى تقوموا بشكرها وتلجأوا لبارئها.
١- فقد نجى الله آباءكم من فرعون وآله فإنه كان يذيقكم العذاب الشديد، يذبح أبناءكم الذكور ويترك بناتكم يحيون، فقد ورد أن فرعون رأى نارا أطلقت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وانزعج من هذه الرؤيا، وفسرت له بأنه سيخرج ولد من بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا فقد نجى الله بنى إسرائيل من هذا العذاب المبين، وفي النجاة من الهلاك أو الهلاك اختبار من الله حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك.
٢- واذكروا إذ جعلنا لكم في البحر طريقا يبسا سلكتموه حتى عبرتم سالمين وقد ترك فرعون وجنوده يغرقون وأنتم تنظرون إليهم.
وروى أنهم كانوا بلا كتاب يحتكمون إليه
، وقد وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة بعد أربعين يوما (ذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
وأمر موسى أن يذهب إلى جبل النور فيصوم الأربعين يوما، فذهب واستخلف هارون عليهم وأنزلت التوراة في الألواح، ولكن في هذه المدة اتخذتم العجل الذي صنعه لكم السامري (رجل كان منافقا فيهم) اتخذتموه إلها فعبدتموه، وظلمتم أنفسكم بهذا العمل الذي لا يليق.
٣- ثم عفا الله عنكم وقبل توبتكم كي تشكروا الله أيها اليهود المعاصرون، وشكره باتباع رسله والإيمان بكتبه ما دامت الحجة قائمة على صدقهم وخاصة محمد ﷺ .
٤- واذكروا وقت أن آتينا موسى الكتاب والتوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام رجاء أن تهتدوا بها وتسيروا عليها.
стр. 37
٥- واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل في مدة صومه وغيابه وهي أربعون يوما:
يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلها ظلمتم أنفسكم وأى ظلم بعد الإشراك بالله؟ فتوبوا إلى الله وارجعوا ذلكم خير لكم وأحسن عند بارئكم.
وكانت التوبة في شريعتهم أن يقتل البريء منهم المذنب.
وقد أرسل الله- سبحانه- سوداء حتى لا يرى بعضهم بعضا عند القتل فيرحمه وقد قتل منهم سبعون ألفا، وبعد ذلك تضرع موسى وهارون إلى الله فتاب عليكم إذ قبل توبة من قتل ومن لم يقتل، ولا غرابة في ذلك فالله هو التواب الرحيم بعباده.
واذكروا وقت أن قال آباؤكم لموسى: لن نؤمن بالله وأنك رسوله حتى نرى الله عيانا بلا حاجز، فأخذهم ربكم بعذابه فماتوا ومكثوا يوما وليلة والحي ينظر إلى الميت.
٦- ثم أحييناهم ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، كل ذلك لكي تشكروا- أيها اليهود المعاصرون- الله على ما أنعم به، وتعتبروا وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء، وشكر الله المطلوب منكم هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد ﷺ الذي أخبر عن هذا كله.
٧-
روى أن موسى كلف من الله بأن يرحل ببني إسرائيل لقتال قوم جبارين فخرج معهم فلما وصلوا إلى وادي التيه بين الشام ومصر ومكثوا فيه أربعين سنة حيارى تائهين فكان الله يظلهم بسحاب رقيق يقيهم حر الشمس.
٨- وكان ينزل عليهم الطعام مكونا من حلوى وطير مطهوّ وكان طعاما يقيهم غائلة الجوع، ولا علينا بعد ذلك بحث في أنه من أى نوع أو على أى شكل، ثم قيل لهم:
كلوا من هذه الطيبات ولا تدخروا شيئا منها، واشكروا الله، فلم يفعلوا شيئا مما أمروا به، وعصيانهم وكفرهم بهذه النعم لا يضيرنا، وما ظلمونا به ولكنهم ضروا أنفسهم حيث قطع الله عنهم هذه النعم وجزاهم على مخالفتهم، أنهم كانوا لأنفسهم ظالمين.
٩- واذكروا- أيضا- إذ قلنا لآبائكم: ادخلوا القرية المعلومة لكم فاسكنوا فيها وكلوا واشربوا أكلا واسعا لا حرج فيه وادخلوا الباب خاضعين مبتهلين إلى الله وحده وقولوا: يا ربنا دعاؤنا أن تحط عنا ذنوبنا وتغفر لنا سيئاتنا وسنزيد المحسنين منكم أكثر من هذا.
стр. 38
أما الذين بدلوا ما أمرناهم به، وما امتثلوا أمر الله، بل قالوا حبة في شعرة، أى:
حنطة في زكائب من شعر، ودخلوا زاحفين على أستاههم غير خاضعين لله فإن جزاءهم أن الله أنزل عليهم عذابا شديدا من السماء وذلك بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله (قيل: هلك منهم سبعون ألفا) .
١٠- واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن طلب موسى- ﵇ السقيا لآبائكم وقت أن عطشوا في التيه واحتاجوا للماء فقال الله: يا موسى اضرب بعصاك الحجر المعهود فانفجر منه بأمر الله العيون، لكل جماعة منهم عين يشربون منها، وقيل لهم: كلوا واشربوا من عطاء الله ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
بعض قبائح اليهود وما لحقهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦١ الى ٦٢]
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
стр. 39
المفردات:
البقل: كل ما اخضرت به الأرض من البقول والخضروات. القثّاء:
هو الخيار. فُومِها: حنطتها أو ثومها. أَدْنى أى: أقل مرتبة، مِصْراً: بلدا عظيما، والمراد في الآية أى بلد زراعي الذِّلَّةُ أى: الذل.
الْمَسْكَنَةُ: الفقر والحاجة. الَّذِينَ هادُوا: تهودوا، من هاد: إذا دخل في اليهودية، وهم اليهود. النَّصارى: أتباع عيسى. الصَّابِئِينَ: من خرج عن دينه مطلقا، وقيل: قوم عبدوا الملائكة.
المعنى:
خاطب الله اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم لأنهم أبناؤهم وهم يعتزون بنسبتهم إليهم ولا ينكرون عليهم أفعالهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة.
واذكروا- أيها اليهود المعاصرون- إذ قال آباؤكم: يا موسى لا يمكننا أن نستمر على طعام واحد مثل المن والسلوى.
فاطلب لنا من ربك آن يطعمنا مما تنبت الأرض من خضروات وبقول كالحنطة والعدس والبصل والقثاء، فقال موسى تعجبا واستنكارا: أتستبدلون هذا الطعام بالمن والسلوى وهما خير وأهنأ؟ وإذا طلبتم الأقل نفعا وخيرا عوضا عما هو خير لكم فاهبطوا أى بلد زراعي فإن لكم فيه ما طلبتم.
وبما جنوا من كفر وقتل للأنبياء بغير حق كما قتلوا زكريا ويحيى وغيرهم لهذا جعلت الذلة والمسكنة محيطة بهم مضروبة عليهم، كما تضرب الخيمة على من فيها، ورجعوا بالخسران والبعد من رحمة الله وهذا بسبب عصيانهم لأوامر ربهم عصيانا متكررا واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فقد قتلوهم معتقدين أن قتلهم بغير حق!! ضربت عليهم الذلة والمسكنة: هما الذل والفقر والحاجة، ولا شك أنهم كذلك وإن كانوا ذوى مال، فاليهود قد ورثوا صفات الذل وضعف النفس وامتهانها بل وبيع الشرف لأجل المال فهم في فقر دائم وذل مستمر، ما داموا يعبدون المادة ويتألّهون المال.
المال.
غنى النفس ما استغنيت عنه ... وفقر النفس ما عمرت شقاء
стр. 40
ولقد فهم بعض العلماء قديما أن هذه الآية تشير إلى أنهم لا تقوم لهم دولة أبدا، ونحن معهم في هذا إذ قيام دولة كهذه يوما أو يومين لا يهدم رأيهم، فقديما استولى الصليبيون على بيت المقدس ردحا من الزمن، ثم علت كلمة الله ورفعت راية الإسلام، وقريبا بأمر الله ترفع راية الإسلام.
وقيام دولتهم هذه بمثابة تنبيه شديد من الله لنا علّنا نتعظ ونثوب إلى رشدنا وديننا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «١» فارجعوا إلى رشدكم حتى لا تضرب عليكم الذلة والمسكنة بكل معانيها القريبة والبعيدة.
وبعد أن ذكّرهم بما فعلوا قديما، وبيّن عاقبة أمرهم بأوضح بيان ليعتبر المعاصرون ويتعظوا، أتى بقانون عام شامل لا يفرق بين أحد فقال ما معناه:
كل من آمن يا لله واليوم الآخر إيمانا قلبيا وعمل صالحا فله من الله الأجر والمثوبة، وأنه لا يخاف أبدا ولا يحزن في الدنيا والآخرة، سواء كان من الذين آمنوا أو من اليهود أو النصارى أو من الذين رجعوا عن دينهم مطلقا قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٢» . وهذا أروع مثل لمبدأ المساواة في الإسلام.
من جنايات اليهود [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٦]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
стр. 41
المفردات:
مِيثاقَكُمْ الميثاق: العهد المؤكد. الطُّورَ: جبل معروف بطور سينا.
بِقُوَّةٍ: بجد ونشاط. تَوَلَّيْتُمْ: أعرضتم السَّبْتِ: اليوم المعروف.
خاسِئِينَ: بعيدين عن رحمة الله. نَكالًا: عبرة تنكل من اعتبر بها، أى:
تمنعه.
المعنى:
واذكروا وقت أن أخذنا العهد المؤكد على آبائكم بأن يؤمنوا بما في التوراة ولم يقبلوا حتى رفعنا فوقهم الطور إرهابا وتخويفا، وأمرناهم أن يقبلوا ما آتيناهم ويأخذوه بجد ونشاط لأن فيه الخير لهم، وليذكروا ما فيه ويعملوا به كي يكونوا من المتقين.
فقبلوه إلى حين ثم أعرضوا من بعد ذلك عنه!! فلولا رحمة الله بهم وقبوله توبتهم لكانوا من الخاسرين المعتدين.
وبالله لقد علمتم شأن الذين اعتدوا من آبائكم بصيد السمك يوم السبت وكان محرما فيه لقصره على العبادة، وقد ابتلاهم الله بأن كانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم، وكان جزاؤهم على ارتكاب خطيئة الصيد يوم السبت وانشغالهم به عن العبادة أن حكم الله عليهم أن يكونوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس لأنهم نزلوا إلى مرتبة الحيوان، وهكذا كل فاسق خارج عن طاعة الله، وقيل: إن الله حكم عليهم بأن يكونوا في صورة القردة بعيدين عن رحمة الله، فجعل الله عقوبتهم هذه عبرة لمن لمن شاهدها ولمن يأتى بعدهم إذ نكل بهم تنكيلا يتناسب مع جرمهم، وجعلها عظة للمتقين لأنهم لا يتعدون حدود الله، فأولى بكم- أيها اليهود المعاصرون- أن تعتبروا وتتعظوا بما حل بأسلافهم.
الصفرة. لا ذَلُولٌ: ليست مذللة بالعمل. تُثِيرُ الْأَرْضَ: تنشر الغبار وتهيجه، والمراد: تحرث الأرض. مُسَلَّمَةٌ: سليمة من العيوب. لا شِيَةَ فِيها: لا لون غير لونها. فَادَّارَأْتُمْ: تدارأتم بمعنى: تخاصمتم وتدافعتم.
سبب النزول:
كان في بنى إسرائيل شيخ موسر وله ابن فقتله أبناء عمه ليرثوا أباه، ثم جاءوا يطالبون بديته ودمه، وتخاصموا في ذلك، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة. ويضربوا القتيل ببعض أجزائها فيحيا ثم يخبر عن القاتل، وقد ذبحت البقرة وضربوا القتيل فأحياه الله وأخبر عن القتلة وكانوا أبناء عمه. أفرأيتم ما تفعل اليهود قديما وحديثا؟!
المعنى:
واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين هم أسلافكم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة- أى بقرة كانت- فلم يسرعوا إلى الامتثال، ولكن شدّدوا فشدد الله عليهم، وقالوا: أتهزأ بنا يا موسى؟ قال: معاذ الله أن أكون من الذين يهزئون في موضع الجد، فلما رأوه جادّا قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما سنها؟ فقال لهم. إنها بقرة ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين هذا وذاك فافعلوا ما تؤمرون به، ولا تشددوا فيشدد الله عليكم، ولكنهم اليهود قالوا: ادع لنا ما لونها: إنها صفراء شديدة الصفرة تجلب السرور لمن يشاهدها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف تميزها أكثر، ولكنهم أحسوا بأنهم تشددوا وجاوزوا الحد المعقول فقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وهذه الأوصاف السابقة تنطبق على كثير، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب.
فأجابهم الله أن البقرة المطلوبة لم يسبق لها عمل في حرث الأرض ولا سقيها، سليمة من العيوب ليس فيها لون مخالف، قالوا: الآن جئت بالبيان الواضح فطلبوها فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بارّ بأمه، فساوموه، فاشتط حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا، وما كان امتثالهم قريب الحصول.
واذكروا إذ قتلتم- والخطاب لليهود المعاصرين، لأنهم أبناء السابقين ومعتزون بنسبهم وراضون عن فعلهم- واذكروا وقت قتل آبائكم نفسا حرم الله قتلها، ثم تخاصموا وتجادلوا وأنكروا على الله فعلهم كما ينكرون اليوم ما عندهم من أوصاف النبي ﷺ والله مظهر ما تكتمونه.
стр. 44
فقلنا: اضربوه ببعضها فضربوه فأحياه الله وأخبر عن القتلة كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
يوم القيامة فيأخذ كلّ جزاء عمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنبي حيث يخبر بالمغيبات كي تعقلوا فتؤمنوا بالنبي وتصدقوا بالقرآن.
يريد الله أن يسجل عليهم ذنبين:
الأول: وقوفهم موقف المستهزئ المعاند المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح، وجزاءه على كل هذا لعلهم يتعظون.
الثاني: قتل النفس البريئة والإنكار، وإنما أخره لأن الأول ديدنهم وطبيعتهم التي لا يتخلفون عنها.
وفي القصة عبرة للمتشددين وتسلية للنبي ﷺ وتسجيل على اليهود بعض قبائحهم وخاصة قلبهم للحقائق.
قسوة قلوبهم واستبعاد الإيمان منهم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٤ الى ٧٨]
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨)
стр. 45
المفردات:
يَتَفَجَّرُ: يخرج بكثرة. يَشَّقَّقُ: ينفتح شقوقا بالطول أو العرض.
خَشْيَةِ اللَّهِ: انقيادا لله وحده. يُحَرِّفُونَهُ: يغيرونه. عَقَلُوهُ: فهموه وعرفوه. لِيُحَاجُّوكُمْ: ليجادلوكم ويخاصموكم. أُمِّيُّونَ: عوام أَمانِيَّ: أكاذيب لا تستند إلى دليل عقلي أو نقلي.
المعنى:
من بعد ذكر ما يلين القلوب الجامدة من المواعظ والآيات والحجج البينات قست قلوبكم قسوة قاسية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة منها، إذ قلوبكم لم تتأثر بالآيات، فكأنها خرجت عن دائرة الحيوان إلى دائرة الجماد، بل نزلت عن درجة الجماد أيضا، فها هي ذي الحجارة تتأثر بالماء تارة فيتفجر منها بكثرة فيتكون النهر، وتارة تتشقق شقوقا يخرج منها الماء ولو بسيطا، والحجارة قد تأثرت بالمؤثرات الخارجية فتسقط منقادة لله وحده، وقلوبكم لم تتأثر بالمؤثرات والمواعظ فكانت أقسى من الحجارة، بل أشد قسوة منها، وما الله بغافل أبدا سيجازيكم عليه أوفى جزاء، وانظر إلى قوله تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ فإن لفظ ثم في الأساليب العربية يفيد الترتيب ولكن مع التراخي والتباعد بين ما قبلها وما بعدها فكأن قسوة قلوب هؤلاء مرتبة أوغلت في البعد عن الوضع السليم.
هذا خطاب إلى النبي ﷺ وأصحابه وسط الخطاب الموجه إلى اليهود إذ الكلام كله في بيان سوءاتهم.
стр. 46
أنسيتم أفعالهم وأعمالهم فتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود؟ كان منهم جماعة يسمعون كلام الله ثم يغيرونه ويبدلونه حسب هواهم، وهم يعلمون أن هذا العمل يتنافى مع الحقيقة، فكيف تطمعون إذن في إيمان من له سابقة في الضلال؟.
ونقيصة أخرى من نقائصهم وهي أن منافقيهم إذا تقابلوا مع المؤمنين قالوا: نحن مؤمنون بالله والنبي إذ هو المبشر به عندنا فنحن معكم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: كيف تحدثون أتباع محمد بما أنزل الله عليكم في التوراة؟ كيف تفعلون هذا وهم يأخذون كلامكم حجة عليكم فيخاصموكم عند ربكم يوم القيامة؟ أتذيعون أسراركم التي تضركم أفلا تعقلون أن هذا خطأ وضرر؟ فيرد الله عليهم: أيحسبون أن هذا سر لا يطلع عليه أحد؟ ولا يعلمون أن الله- يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة، فسواء قلتم أم لم تقولوا فإنه يعلم ما تضمرون وما تعلنون وسيجازيكم على ذلك كله.
هذا شأن من عرف الكتاب منهم وهو علماؤهم وأحبارهم، وأما الأميون منهم فإنهم لا يعرفون عن دينهم إلا أكاذيب سمعوها ولم يعقلوها «أنهم شعب الله المختار، وأن الأنبياء منهم فيشفعون لهم، وأن النار لا تمسهم إلا أياما قليلة» وما هم في كل ذلك إلا واهمون.
والمعنى: لا تطمع يا محمد في إيمانهم ولا تأس على أمثالهم، فإن من كان كذلك فلا خير فيه، ولا أسف عليه.
كذب أخبار اليهود وافتراؤهم على الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)
стр. 47
المفردات:
وَيْلٌ الويل: العذاب الشديد والهلاك. سَيِّئَةً السيئة: الكفر والشرك والنفاق أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الخطيئة: الكبيرة من الذنوب، والمراد بالإحاطة أنه لم يبق فيه جانب من قلب أو لسان أو جارحة إلا اشتملت عليه في تحصيلها.
المعنى:
العذاب الشديد لهؤلاء الذين ينسخون التوراة بأيديهم فيغيرون فيها ما يشاءون أو شاءت لهم أهواؤهم!!
روى أن أوصاف النبي ﷺ كانت مكتوبة عندهم في التوراة فغيروها وكتبوا بدلها، فإذا سئلوا من العوام عن وصفه ذكروا ما كتبوه هم فيكذب العوام النبي ﷺ ومع هذا تبلغ بهم الجرأة والقحة إلى أن ينسبوا مفترياتهم إلى الله- سبحانه- ليأخذوا بهذا الكذب الشائن ثمنا دنيويا تافها من مال أو رئاسة أو جاه فويل لهم مما كسبوه!!
ومن سوءاتهم الشنيعة التي اقترفوها أنهم يدعون أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل، هذه دعوى فما دليلها؟ ولأى شيء لا تصيبكم النار مهما فعلتم؟ أأخذتم على الله عهدا بذلك؟ وإن كان هناك عهد فلن يخلف الله عهده!! لا: لم تأخذوا عهدا بل تقولون على الله ما لا علم لكم به، والذي دفعكم إلى هذا غروركم ومركب النقص فيكم.
بلى- أيها اليهود- ستخلدون في النار حسب ما جنيتم من المعاصي كالكفر وقتل الأنبياء بغير حق وعصيان الله ومخالفة أمره، وكيف لا يكون ذلك؟ وقد سن الله قانونا عاما شاملا لكل الخلائق من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو:
стр. 48
من اجترح سيئة أو اقترف خطيئة اقترافا اشترك فيه قلبه ولسانه وجوارحه حتى كأن الخطيئة سور حوله فأولئك البعيدون في الضلال أصحاب النار الملازمون لها هم فيها خالدون، ومنهم أنتم بل أنتم أولى من غيركم بالعذاب.
ومن آمن وعمل صالحا من كل جنس ولون فأولئك الذين مس الدين شغاف قلوبهم وهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون، وهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ليظهر الفرق جليا.
ميثاق بنى إسرائيل [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
стр. 49
المفردات:
مِيثاقَ الميثاق: العهد المؤكد الذي أخذ عليهم في التوراة. إِحْساناً:
تحسنون إلى الوالدين إحسانا. ذِي الْقُرْبى: صاحب القربى من جهة الرحم أو العصب. تَوَلَّيْتُمْ: أعرضتم. تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ: تقتلون الأنفس بغير حق. تَظاهَرُونَ: تتعاونون. بِالْإِثْمِ: الذنب. الْعُدْوانِ:
الاعتداء. أُسارى: أسرى خِزْيٌ: ذل وهوان. اشْتَرَوُا:
استبدلوا.
المعنى:
يبين الله- سبحانه- مدى مخالفة اليهود للتوراة وأنهم كاذبون كذبا صريحا في ادعائهم أنهم مؤمنون بها، إذ قد أخذ الله عليهم فيها العهود المؤكدة أنهم لا يعبدون إلا الله- سبحانه- وأنهم يحسنون إلى الوالدين إحسانا كاملا، وأمروا بالعطف على الأقارب واليتامى والمساكين كل بما يناسبه ويقدر عليه من غير تعب ولا مشقة، وأمروا بالقول الحسن الذي لا إثم فيه ولا شر، وأن يؤدوا صلاتهم مقومة تامة وزكاتهم كاملة، ولكنهم أعرضوا عن هذا كله مع أن هذه الأوامر تكفل سعادة المجتمع وحياته حياة هادئة هنيئة، ولكنهم اليهود جبلوا على لؤم الطبع وحب المادة، فلن نرى منهم إحسانا ولا عطفا ولا خيرا، اللهم إلا نفر قليل منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وإذا كان هذا شأنهم مع كتابهم فلا تأس عليهم يا محمد ولا تحزن.
ميثاق آخر لهم بشأن حقوق الغير خاصة الأقارب والمواطنين، ومن هذا حالهم فهل يكون لهم إلا الخزي والعار؟ ولا أمل فيهم أصل!!
стр. 50
واذكر يا محمد لهم وقت أن أخذنا عليهم في التوراة العهود المؤكدة بألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يسفك دمه بغير حق شرعي، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره ووطنه.
وفي تعبير القرآن الكريم بقوله: لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ (الآية) إشارة إلى أن دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر بعينه، حتى إذا سفكه كان كأنه قتل نفسا أو انتحر بيده مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ (الآية:
٣٢ من سورة المائدة) . ثم أقررتم أيها اليهود المعاصرون بالميثاق الذي أخذ على آبائكم واعترفتم به واعتقدتموه بقلوبكم ولم تنكروه بلسانكم فالحجة قائمة عليكم.
ثم بعد أن سجل الله عليهم اعترافهم بالميثاق واعتقادهم له استبعد منهم أن يأتوا بما يخالفه بأن يقتل بعضهم بعضا، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم مع أنهم إخوانهم في الدين واللغة والنسب متعاونين مع الغير بالذنب والعدوان ومعصية الرسول، وأن أخذوا أسرى حرب تنقذونهم بالمال، والإخراج والقتل محرم عليكم في التوراة فكيف تفعلونه؟ وبأى حق تؤمنون ببعض الكتاب وتمتثلون لآية مفاداة الأسرى وتكفرون بالآيات الناطقة بتحريم القتل والإخراج والتعاون بالإثم والاعتداء فتفعلون ذلك.
وإذا حصل منكم أنكم آمنتم ببعض التوراة وكفرتم بالبعض الآخر فليس لكم جزاء على هذا الفعل الشنيع إلا ذل وهوان في الدنيا وعذاب أليم دائم في الآخرة، وما الله بغافل عن أعمالكم أبدا، بل سيجازيكم عليها حتما.
أولئك اليهود الذين يفعلون هذا آثروا الحياة الدنيا كالرياسة الكاذبة والمال على الآخرة وما فيها من نعيم مقيم للمؤمنين، فهم باعوا آخرتهم بدنياهم وبئس ما باعوا وهم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون في الدنيا والآخرة.
وهكذا كل أمة لها دين تؤدى بعض أحكامه كالصلاة والصوم والحج ولا تؤدى بعض أحكامه الأخرى كما إذا شاع فيها الربا والزنى والرشوة والسرقة ولم تتعاون على الخير ولم تؤد الزكاة، وبخل أغنياؤها على فقرائها ... إلخ!! وأخوف ما أخاف أن يطبق علينا هذا الوعيد.
وقد كان يهود المدينة شعبين: بنو قريظة والنضير، فحالفت قريظة الأوس وحالفت النضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويخرب ديارهم ويخرجهم منها، فإذا أسروا فدوهم، وإذا سئلوا في ذلك يقولون أمرنا بالفداء في التوراة (آمنوا
المفردات:
وَقَفَّيْنا: أتبعناهم رسولا إثر رسول. الْبَيِّناتِ: المعجزات الواضحة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه. بِرُوحِ الْقُدُسِ: - جبريل ﵇.
غُلْفٌ: مغشاة بأغلفة كالغطاء، والمراد: لا تعى. لَعَنَهُمُ اللَّهُ: أبعدهم عن رحمته وطردهم. يَسْتَفْتِحُونَ: يطلبون الفتح ويستنصرون به. اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ: باعوها، وكل من ترك شيئا وأخذ غيره فقد اشتراه. فَباؤُ:
رجعوا. بِغَضَبٍ الغضب: أشد من اللعن.
المعنى:
تلك جناية أخرى سيقت مقسم عليها من الله لأهمّيّتها:
والله لقد آتينا موسى التوراة وأتبعناه برسل يتبع بعضهم بعضا ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا «١» وهم: يوشع وداود وسليمان وعزيز وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى- ﵈ وآتينا عيسى ابن مريم البتول المعجزات الواضحة دليلا على صدقه وقويناه بجبريل، وقيل بالإنجيل، وخص عيسى بتأييد روح القدس لكرامته. ولقد آتينا- يا بنى إسرائيل- أنبياءكم ما آتيناهم، أفكلما جاءكم رسول بما لا تميل إليه نفوسكم إذ هي لا تميل إلى الخير أصلا كفرتم واستكبرتم؟! والخطاب لجميع اليهود لأنهم فعلوا ذلك قديما ورضى عنهم أولادهم، فالجميع مشتركون، فهم كذّبوا ببعض الأنبياء وقتلوا البعض الآخر.
ومن سوءاتهم الشنيعة قولهم للنبي ﷺ استهزاء منهم: قلوبنا في غطاء فلا تعى ما تقوله، ولا تفهم لكلامك معنى، فيرد الله عليهم: لستم كذلك ولكن الله طردكم من رحمته، وأبعدكم عن توفيقه بسبب كفركم وعصيانكم، فإيمانكم قليل جدا أو أنكم لا تؤمنون أصلا.
وقد كان اليهود وعندهم في التوراة وصف النبي ﷺ وبيان زمانه يمنّون أنفسهم بالنصر على المشركين وكانوا يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة.
فلما جاءهم النبي ﷺ وفي يمينه القرآن مصدقا لما عندهم في التوراة ومؤيدا بوصفه
стр. 53
المعروف عندهم كفروا واستكبروا، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة فلعنة الله عليهم أجمعين.
اليهود والمعاصرون للنبي ﷺ يعرفون حقّا أنه النبي المبشر به في التوراة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فقد باعوا حظهم الحقيقي- وهو الإيمان بالله ورسوله- وأخذوا بدله كفرهم بما أنزل الله، وما دفعهم إلى ذلك إلا الحسد والبغي، فهم قد رجعوا بغضب من الله جديد، لكفرهم بالنبي ﷺ لأنه الله أنزل عليه الكتاب من فضله، وكانوا لجهلهم يدعون أنهم أحق، وباءوا بغضب على غضب سابق لكفرهم بالأنبياء قديما ولهم عذاب مهين.
وإذا قيل لهم: آمنوا بالقرآن قالوا: لا نؤمن به إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة ونكفر بغيره، فيرد الله عليهم: إن القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم لأنهما من عند الله فكيف تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ والكل من عند الله، على أنكم لم تؤمنوا بالتوراة ففيها القتل محرم، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟ فالحق أنكم لم تؤمنوا بأى كتاب أنزل فلا طمع في إيمانكم بالقرآن.
كذبهم في ادعائهم الإيمان بالتوراة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)
المفردات:
بِالْبَيِّناتِ: المعجزات كالعصا وفلق البحر. أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ:
خالط حب العجل قلوبهم وصب فيها كما يخالط الصبغ الثوب والشراب الجسد.
стр. 54
المعنى:
توبيخ لهم وتبكيت وتفنيد لقولهم: آمنا بالتوراة وكفرنا بغيرها، فقيل لهم: لم تؤمنوا بها بدليل قتلكم الأنبياء وهو محرم عليكم فيها، وعبادتكم العجل وجعله إلها مع أن موسى جاءكم بالمعجزات وأنزلت عليه التوراة، ولقد فعلتم هذه الموبقات بعد هذا، واذكر يا محمد لهم وقت أن أخذ عليهم الميثاق المؤكد بأن يعملوا بما في التوراة، ورفعنا فوقهم الطور إذ ذاك إرهابا لهم وقد قال لهم الله: خذوا ما آتيناكم بجد ونشاط واسمعوا ما فيها سماع قبول، فما كان من آبائكم إلا أن قالوا: سمعنا وعصينا، وقد عبدوا العجل، وخالط حبه قلوبهم، وتدخل فيها كما تدخل الكهرباء الجسم، قل يا محمد: إن كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا فبئس شيئا يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين، فإن كان إيمانكم كما وصف القرآن فبئس هذا الإيمان.
ولم تتكرر القصة بل سبق أن ذكرت على أنها من نعم الله عليهم حيث عفا عنهم وقبل توبتهم لما تابوا عن عبادة العجل، وهنا بيان لخيانتهم وتسجيل لسوءاتهم.
اليهود وحرصهم على الحياة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٤ الى ٩٦]
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)
المفردات:
خالِصَةً: خاصة بكم. أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ الحرص: الطلب بشره. بِمُزَحْزِحِهِ: مبعده.
стр. 55
المعنى:
من أمانى اليهود الكاذبة وغرورهم وشعورهم بالنقص الديني اعتقادهم أن الجنة لهم ولا يدخلها إلا اليهود وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً.
فأمر النبي ﷺ أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعواكم أن الجنة خالصة لكم من دون الناس فاطلبوا الموت وتمنوه فإنه يكون حبيبا إلى نفوسكم إذ لا شك أن من يوقن بالحياة الآخرة وأن فيها له نصيبا يتمنى أن يصل إليها، ولكن لن يتمنى أحد منهم أبدا بسبب ما قدم من الكفر والفسوق والعصيان وقتل الأبرياء خصوصا الأنبياء، والله عليم بهم ومجازيهم على أعمالهم القديمة والحديثة.
تالله لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من الذين أشركوا بالله ولم يؤمنوا بالآخرة، فهؤلاء المشركون كان يجب أن يكونوا أحرص الناس على الحياة إذ هي الأولى والأخير عندهم، فإذا كان اليهود هم أهل كتاب ورسالة أحرص منهم أفلا يكون هذا من داعي العجب الذي لا ينتهى؟! ولكنهم اليهود الماديون الحريصون على الدنيا، يود الواحد منهم لو يعمر ألف سنة يجمع ذهب العالم، وما مكثه في الدنيا وإن طال بمبعده عن أمر الله وحكمه عليه بالعذاب الأليم، وكيف لا يكون هذا والله بصير بما يعملون فمجازيهم عليه؟
يا شباب الإسلام ورجاله: هذه أوصاف اليهود يقولها خالقهم والعالم بهم فهبوا انفضوا الغبار عنكم حتى نراهم في حرب فلسطين أحرص على الحياة ونراكم أحرص الناس على الموت: (احرص على الموت توهب لك الحياة) .
موقفهم من الملائكة الأطهار [سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٧ الى ٩٨]
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)
стр. 56
سبب النزول:
روى أن عبد الله بن صوريا من أحبار فدك حاجّ رسول الله ﷺ وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال النبي ﷺ : جبريل، فقال: ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا به، وقد عادانا جبريل مرارا ومن عداوته أن الله أمره أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وميكال يجيء بالخصب والسلام
. وفي رواية أن عمر قال لهم بعد ما قالوا له كلاما شبيها بهذا: من كان عدوا لجبريل كان عدوا لميكائيل ومن كان عدوا لهم كان عدوا لله فنزلت الآية.
المعنى:
قل لهم يا محمد: من كان عدوا لجبريل فهو عدو لله فإنه نزله بالوحي والقرآن على من قبلك بإذن الله وأمره، فهو إذن رسول الله إليك يا محمد، ومن عادى الرسول فقد عادى المرسل- ومن عادى جبريل فلا وجه له لأنه نزل بالقرآن عليك يا محمد بأمر الله، وهو مصدق لما تقدمه من الكتب كالتوراة والإنجيل على أنه مع ذلك هداية وبشرى للمؤمنين فكيف تجعلون سبب المحبة سببا للبغض؟ هداكم الله إلى الحق.
من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله خصوصا جبريل وميكائيل فإن الله عدو له ومجازيه على ذلك لأن تلك العداوة كفر وأى كفر!!
المفردات:
عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أى: على عهد ملكه، أى: في زمان ملكه. فِتْنَةٌ:
اختبار وابتلاء. اشْتَراهُ: استبدل ما تتلو الشياطين. خَلاقٍ: نصيب.
المثوبة: الثواب.
روى ابن عباس أن عبد الله بن صوريا قال لرسول الله: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزلت عليك آية فنتبعك لها فنزلت الآية.
المعنى:
والله لقد أنزلنا إليك يا محمد آيات واضحات قد دلت على صدق رسالتك ولا يكفر بها إلا الخارجون عن طاعة الله والمتمردون على آياته وأحكامه، وهؤلاء أصحاب النار هم فيها خالدون.
أكفروا بالله وكلما عاهدوا عهدا بينهم وبين الله أو بينهم وبين رسول الله الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ «١» تركه فريق كبير منهم، ولم توف به، فاليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوه، بل أكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة لأن فيها نقض المواثيق، وخلف العهود ذنب لا يغفر.
ولما جاءهم رسول من عند الله- هو محمد ﵇ بكتاب مصدق لما معهم إذ هو موافق للتوراة في الأصول الدينية العامة كتوحيد الله وإثبات البعث والحياة الآخرة وصدق الرسل، ترك فريق من اليهود كتاب الله وهو التوراة وراء ظهورهم لأنهم لم ينفذوا بعض ما فيه، ولم يؤمنوا به كأنهم لا يعلمون أن من لم يؤمن بالقرآن الموافق للتوراة لا يكون مؤمنا بالتوراة وبالقرآن.
ومن قبائح اليهود أنهم نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تلته الشياطين من السحر والشعوذة في زمن ملك سليمان، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء ويضمون إليه أكاذيب ثم يلقنونها الكهنة فيعلمونها الناس، ويقولون: إن هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملك إلا بهذا.
стр. 59
فيرد الله عليهم هذه الدعوى: إن سليمان ما فعل شيئا من هذا، وما كفر باعتقاد السحر والعمل به، ولكن الشياطين هم الذين كفروا باتباع السحر وتديّنه.
هؤلاء اليهود يعلمون الناس السحر بقصد إغوائهم وإضلالهم، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل، وهما هاروت وماروت: وهما بشران إلا أنهما كانا صالحين قانتين فأطلق الناس عليهما ملكين من باب الشبه، وفي قراءة (ملكين) على الشبه أيضا بالملوك في الخلق وسماع الكلمة.
ولكن هذين الملكين ما كان يعلمان أحدا من الناس حتى يقولا له: إنما هذا ابتلاء واختبار من الله فلا تتعلم السحر وتعمل به وتعتقد تأثيره، وإلا كنت كافرا، أما إذا تعلمته فلتعرف شيئا تجهله ولا تعمل به ما يضر فلا محذور في ذلك، فتعلم الناس من الملكين ما كانوا يعتقدون أنه يفرق بين المرء وزوجه، أو ما هو تمويه من حيلة أو نفث في العقد أو تأثير نفس وغير ذلك مما يحدث عنده التفريق غالبا.
والحقيقة أن السحر لا يؤثر بطبعه، وما هم بضارين به أحدا من الناس إلا بأمر الله وإرادته، فهذا كله إن صح فسبب ظاهرى فقط، وأما من تعلم السحر وعمل به فإنه تعلم ما يضره ولا ينفعه إذ به استحق غضب الله عليه لما ينشأ عنه من إفساد الناس وضررهم، وتالله لقد علم اليهود لمن ترك كتاب الله واستبدل به كتب السحر ما له في الآخرة إلا العذاب، وليس له نصيب من الثواب.
ولبئس ما اشتروا به عذابهم وألمهم لو كانوا يعلمون، نفى عنهم العلم لأنهم لم يعلموا به فكانوا أسوأ من الجهلة.
ولو أن اليهود آمنوا بالنبي ﷺ والقرآن وتركوا كتب السحر والشعوذة وأخذوا الوقاية من عذاب الله بامتثال أوامره لاستحقوا الثواب من عند الله وهو خير وأعظم أجرا لو كانوا يعلمون ذلك.
ملاحظات:
١- السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه وخفى، ومنه قيل: عين ساحرة،
وقوله ﷺ : (إن من البيان لسحرا) «١» .
стр. 60
٢- السحر كما وصفه القرآن: تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس كائنا أنه كائن يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [سورة طه آية ٦٦] .
٣- وهو إما حيلة وشعوذة أو صناعة علمية خفية يعرفها الناس، ممكن أن يكون منه تأثير الأرواح والتنويم المغناطيسى.
٤- حكاية القرآن: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ليس دليلا على أن السحر يفعل هذا وإنما هي حكاية لما كان مشهورا ومعروفا عندهم.
٥- السحر لا يؤثر بطبعه وإنما هو سبب ما يحدث عنه من أضرار من قبيل ربط المسببات كما نصت الآية.
أدب وتوجيه [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
المفردات:
راعِنا: راقبنا وانتظرنا. انْظُرْنا: من نظره: إذا انتظره.
المعنى:
كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا ألقى عليهم شيء من العلم: راعنا، وتأنّ علينا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت الكلمة عند اليهود (راعنا) كلمة سب فكانوا يخاطبون بها النبي ويقصدون معنى السب والشتم فنهى المؤمنون عن هذه الكلمة وأمروا
стр. 61
بكلمة تماثلها في المعنى وتختلف في اللفظ، واسمعوا أيها المؤمنون القرآن سماع قبول، وللكافرين واليهود عذاب مؤلم شديد، وهذا أدب للمؤمنين وتشنيع على اليهود فما زال الكلام معهم، لا يود الذين كفروا بالله سواء كانوا من أهل الكتاب أو المشركين أن ينزل الله عليكم خيرا أبدا كالقرآن والرسالة ولكن الله العليم القادر الحكيم يختص بالنبوة والخير من يشاء من عباده اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام آية ١٢٤] عند من يقوم بها ويؤديها خير قيام.
آيات النسخ [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
المفردات:
(ما ننسخ) النسخ: إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره. نُنْسِها:
نجعلها تنسى، من أنساه الشيء: أذهبه من قبله، أو ننسئها: نؤجلها.
سبب النزول:
روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمره ثم ينهاهم عنه ويقول اليوم ما يرجع عنه غدا؟ فنزلت.
المعنى:
القرآن الكريم نزل منجما تبعا للحوادث والظروف وهو تنزيل من حكيم عليم بالخبايا، فالحكم المستفاد من الآية يدور مع المصلحة للأمة فمتى وجدت المصلحة في
стр. 62
الحكم بقي وإلا فلا، فتارة تبقى الآية كما هي لأن المصلحة في ذلك، وتارة يذهب لفظها ومعناها أو أحدهما وتؤجل إلى أجل أو تنسى من القلوب، كل ذلك للمصلحة العامة للأمة، فالنسخ ضروري في الأحكام خصوصا عند الأمة الناشئة بسبب تطورها سريعا، فما يصلح علاجا اليوم قد لا يصلح غدا، شأن المربى والطبيب الماهر مع مريضه.
ولم يكن النسخ لجهل الشارع بالحكم الأخير، ولكن كان الشارع يتدرج ويعالج تبعا للظروف والأحوال، انظر إليه حيث عالج الخمر وكيف نسخ الحكم فيها؟ حتى وصل النهاية، وكذا آيات القتال نجد أن النسخ كان لحكمة عالية من حكيم خبير هو أدرى بخلقه، حتى استقرت الأحوال واستوت الأمة قائمة لها كيان لم يبق نسخ، أليس هذا أولى من بقاء الأحكام لا تتغير تبعا للظروف الطارئة فيضطر إلى هجرها وعدم قبولها؟
فالله لم ينسخ آية أو يؤجلها إلا ويأتى بخير منها للعباد أو مثلها على الأقل، أليس الله على كل شيء قديرا؟ أليس لله ملك السموات والأرض فهو يملك أموركم ويدبرها على حسب المصلحة وليس لكم ولى سواه يتولى أموركم ولا نصير ينصركم غيره- .
هذا رأى بعض العلماء في النسخ والقول به، وبعضهم يرى أنه لا نسخ أبدا بالمرة وكل آية قيل إن فيها نسخا أوّلوها تأويلا سائغا ببيان أن كل آية في موضوع فلم تنسخ إحداهما الأخرى، انظر إلى آيات العدة الآتية، وآيات القتال، وسنبينها إن شاء الله في موضعها.
بل أتريدون أن تطلبوا من رسولكم كما كانت تطلب آباؤكم اليهود من موسى- ﵇؟ فقد طلبوا منه أن يريهم الله جهرة وغير ذلك مما كانت عاقبته وخيمة عليهم، ومن يترك الثقة في القرآن ويشك في أحكامه ويطلب غيرها فقد ضل السبيل السوى.
стр. 63
موقفهم من المؤمنين [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)
المفردات:
(حسدا) الحسد: تمنى زوال نعمة الغير. فَاعْفُوا العفو: ترك العقاب على الذنب. وَاصْفَحُوا الصفح: الإعراض عن ذنب بصفحة الوجه، فيشمل ترك العقاب وترك اللوم.
المعنى:
كان كثير من اليهود بعد كفرهم بالنبي والكيد له ونقض العهود حسدا له ولقومه يودون ويتمنون أن يرتد المسلمون الذين آمنوا بالنبي وأن يعودوا كفارا بعد ما كانوا مؤمنين، وهذا التمني وتلك الرغبة بسبب الحسد الكامن والداء الباطن في أنفسهم، لا ميلا مع الحق ولا رغبة، بل هذا التمني بعد ما ظهر لهم أن الدين الإسلامى هو الدين الصحيح، فاعفوا عنهم أيها المسلمون ولا تلوموهم على فعالهم، واصبروا حتى يأذن الله بالقتال ويأتى أمره فيهم وهو قتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير وإذلالهم، والله على كل شيء قدير.
وأنتم أيها المسلمون أدوا صلاتكم مقومة كاملة، وأدوا زكاتكم فهي حصن مالكم، وهما وإن كانا فيهما خير الدنيا وسعادة المجتمع فكذلك في الآخرة إذ ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوا جزاءه عند الله كاملا إن الله بما تعملون بصير.
стр. 64
موقف كل من اليهود والنصارى بالنسبة للآخر [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١١ الى ١١٣]
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)
المفردات:
هُوداً: جمع هائد، وهم اليهود. نَصارى: أتباع المسيح. أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ: جعل وجهه خالصا لله وانقاد له.
المعنى:
من قبائح أهل الكتاب وغرورهم بدينهم ما بينه القرآن في هذه الآيات حيث يقول ما معناه: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود فهم شعب الله المختار وغيرهم في الضلال، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى.
تلك أمانيهم الباطلة التي لا تستند على أساس من النقل أو العقل، وإلا فهاتوا برهانكم أيها اليهود والنصارى إن كنتم صادقين فليست المسألة دعوى.
يرد الله عليهم: بل يدخل الجنة من أسلم وجهه لله وانقاد له فلم يسع لفرية أو كذبة وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 65
ولم تقف دعواهم عند هذا بل صرح أحبار اليهود مرارا قائلين: ليست النصارى على شيء يذكر، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء يذكر، والحال أنهم أصحاب كتاب يدعون أنهم يتلونه ويؤمنون به، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة والنصارى تؤمن بالإنجيل لما قالوا مثل ذلك لأن كل كتاب نزل من عند الله جاء مصدقا لما سبقه ومبشرا لما يأتى بعده.
إذن هم لا يؤمنون بشيء، وقد قال مثل مقالتهم هذه المشركون الذين لا يعلمون شيئا إذ ليس عندهم كتاب، فالله يحكم بينهم يوم القيامة في اختلافهم ويجازيهم عليه أشد الجزاء، وأما الجنة فهي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن.
تخريب المساجد [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)
المفردات:
خَرابِها: تخريبها وهدمها وتعطيلها. خِزْيٌ أى: ذل. فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أى: هناك جهته التي يرضاها.
سبب النزول:
وهذه الآيات نزلت تشير إلى حوادث وقعت بعد النسخ تتعلق ببيت المقدس وتخريبه، وذهب بعض المفسرين إلى أنها نزلت في مشركي العرب حيث منعوا النبي وأصحابه من دخول مكة، وقيل: إنه إخبار بما سيقع من إغارة الصليبيين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرا من المساجد، والكلام على العموم في أهل الكتاب ومن على شاكلتهم.
стр. 66
المعنى:
ليس هناك ظلم أكبر من تخريب المساجد ومنع الناس من الصلاة فيها، ولا أحد أظلم ممن منع ذكر الله في المساجد بأى طريق من الطرق، وسعى في تعطيلها عن القيام بوظائفها، أولئك الذين يفعلون هذا بعيدون جدا عن الله وتوفيقه، ما كان ينبغي لهم إلا أن يدخلوها خائفين من سطوة الإسلام والمسلمين، فما بالهم يفعلون هذا؟ وما دام للإسلام والمسلمين السطوة والعزة والتمسك بالقرآن وأحكامه فلا يدخلونها إلا خائفين.
أما إذا فرط المسلمون في دينهم وأقاموا بعض أحكام الدين وأهملوا البعض الآخر حتى أضاعوا كيانهم فللكفار والمشركين أن يدخلوها بل ويخربوها ويتحكموا في أهلها كما هو حاصل الآن.
ولمن منع ذكر الله في المسجد ذل في الدنيا وعذاب في الآخرة.
لله ما في الأرض جميعا مشرقها ومغربها، ففي أى مكان تصلون فيه وتتوجهون فيه إلى الله فإنه معكم، إن الله واسع لا يحده مكان، فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان عليم بمن يتوجه إليه أينما كان.
مفتريات أهل الكتاب والمشركين [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٦ الى ١١٨]
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)
стр. 67
المفردات:
سُبْحانَهُ: تنزيها له عما يصفون. بَدِيعُ: مبدع. قانِتُونَ:
منقادون.
المعنى:
وقال أهل الكتاب والمشركون من اليهود والنصارى وغيرهم: المسيح ابن الله وعزيز ابن الله والملائكة بنات الله!! وتنزيها له عما يدّعون، بل له كل ما في السموات والأرض ومنهم هؤلاء، الكل قد خلقهم الله، كل له منقادون إن طوعا وإن كرها، وهو الذي أبدع السموات والأرض وما فيهن، وإذا أراد أمرا- فلا راد لقضائه- كان وتحقق من غير امتناع.
فمن له كل ما في السموات والأرض خلقا وملكا، ومن له كل ما في الكون كائنا ومنقادا. ومن أبدع السماء والأرض والوجود كله، ومن إذا أراد أمرا كان ووجد من غير امتناع أو إباء.
من كان هذا شأنه أيحتاج إلى الولد أو الوالد؟ ومن كان هذا شأنه يكون له جنس؟
أم هو الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؟! وقال الذين لا يعلمون: هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة وموسى استكبارا منهم وعتوّا، أو تأتينا آية استخفافا منهم بهذه الآيات البينات. كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم وأرواحهم، تنزه الله عن طلبهم.
وبين الآيات أحسن بيان وأتمه ولكن لا يفهمها إلا المنصفون الموقنون.
стр. 68
تحذير الرسول من اتباع اليهود والنصارى [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٩ الى ١٢٣]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
المفردات:
الْجَحِيمِ: النار المتأججة، وهي جهنم. مِلَّتَهُمْ: دينهم.
الْخاسِرُونَ: الهالكون.
المعنى:
أراد الله تسلية النبي ﷺ بقوله: إنا أرسلناك للناس رسولا تبشر المؤمنين وتنذر الكافرين، فمهمتك الرسالة ولا عليك شيء بعدها ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ «١» فإنك لا تسأل عن أصحاب النار، فلا تأس عليهم ولا تحزن.
стр. 69
وهؤلاء اليهود والنصارى الذين قص عليك من أنبائهم ما به عرفتم لن يرضوا عنك مهما فعلت من الخير إلا إذا دخلت في دينهم.
وروى أنهم قالوا: يا محمد مهما فعلت لإرضائنا فلن نرضى حتى تتبع ملتنا، قالوا هذا لييأس النبي من هدايتهم، فرد الله عليهم: إن هدى الله ودينه الذي هو الإسلام هو الهدى وحده الواجب اتباعه، أما غيره فمبنى على الهوى والشهوة ولذلك حذر الله نبيه وكل فرد من أمته بقوله: ولئن اتبعت دينهم فليس لك من دون الله ولى ولا نصير.
ولئلا يحصل اليأس للنبي ﷺ من أهل الكتاب جميعا أخبر بأنهم ليسوا كلهم على هذا المنوال بل منهم من يتلو الكتاب ويفهمه حق الفهم ولا يتعصب تعصب الأعمى ولا يبيع آخرته بدنياه، أولئك يؤمنون به ومن يؤمن به حقا يؤمن بالقرآن والنبي، ومن يكفر بكتابه منهم فلا يؤمن بك، وأولئك هم الخاسرون.
بعد أن ذكر ما ذكر من تعداد النعم والقبائح وما جازاهم بهم على كل هذا أراد أن يجدد ثقتهم ونشاطهم فناداهم بهذا لئلا ينفروا مما سبق، وهو يذكرهم بالنعم التي أنعمها عليهم وعلى آبائهم وليبنى عليها قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وليس فيها تكرير يمجه البلغاء.
إبراهيم ﵇ وبيت الله الحرام [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٩]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
стр. 70
المفردات:
ابْتَلى إِبْراهِيمَ: اختبره، والمراد: كلفه بتكاليف ليجازيه، وذلك شأن المختبر. بِكَلِماتٍ المراد: أوامر ونواه. فَأَتَمَّهُنَّ: أدّاهنّ. مَثابَةً:
مرجعا ومآبا. مُصَلًّى: مكان صلاة. الْعاكِفِينَ: الملازمين.
الْقَواعِدَ: جمع قاعدة، وهي الأساس. مَناسِكَنا: النسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. الْحِكْمَةَ: ما تكمل به النفوس من أحكام الشرع والمعرفة. يُزَكِّيهِمْ: يطهرهم.
شرع الله في تحقيق أن هدى الله هو ما عليه المصطفى ﷺ من التوحيد والإسلام الذي هو ملة إبراهيم- ﵇ وبطلان ادعاء أهل الكتاب أنهم يتبعون دين إبراهيم، وبيان صحة نبوة محمد ﷺ إذ هو دعوة إبراهيم الخليل، فالكلام كله متصل مع أهل الكتاب.
стр. 71
المعنى:
واذكر لهم يا محمد وقت اختبار الله لإبراهيم بأن كلفه بتكاليف يؤديها فقام بها خير قيام وأداها أحسن أداء، ولذا كان جزاؤه من الله- ﷻ أن قال له: إنى جاعلك إماما للناس تؤمهم في دينهم وتفصل بينهم في دنياهم، قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ وأجابه المولى: لا ينال عهدي بالإمامة الظالمون الذين ظلموا أنفسهم لأن الإمام مفروض أن يقوم بحراسة الدين وأهله والقيام على شئون الرعية ومنع الظلم، فإذا كان ظالما لنفسه فكيف يدفع الظلم عن غيره، وهذا هو حكم القرآن في الإمام وما شرطه فيه!! واذكر لهم إذ جعلنا البيت الحرام (الكعبة) مثابة للناس وملجأ، وجعلناه آمنا، من دخله كان آمنا ويتخطف الناس من حوله، واتخذوا أيها المسلمون من مكان إقامة إبراهيم مصلى، أى: فضلوه على غيره في الصلاة لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر للندب لا للوجوب، وقد أمرنا إبراهيم وإسماعيل بأن يقوما بتطهير البيت من الأوثان ومن كل دنس ورجس يطهرانه للذين يطوفون به ويقومون عنده، والذين يركعون فيه ويسجدون، اذكر لهم يا محمد دعوة أبيهم إبراهيم لهذا البلد وأهله:
رب اجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، وارزق أهله من الثمرات أطيبها ومن خيرات الأرض أحسنها ارزق يا رب المؤمن منهم. وانظر إلى تكريم المؤمنين وبيان خطر الإيمان وشرفه، وفي هذا ترغيب لقومه في الإيمان وزجر عن الكفر، وفي حكاية القرآن هذا ترغيب لقريش وترهيب لها ولغيرها من أهل الكتاب، فأنت ترى أن إبراهيم خص طلب الرزق للمؤمنين. قال الرب- ما معناه: والكافر أرزقه وأمتعه زمنا قليلا ثم ألجئه إلى عذاب النار وبئس هذا المصير.
واذكر يا محمد وقت أن رفع إبراهيم أساس البيت للبناء ومعه إسماعيل يعاونه قائلين:
ربنا اقبل منا وتقبل إنك أنت السميع لكل دعاء العليم بكل قصد ونية. ربنا واجعلنا منقادين لك ومخلصين، ثم أخذتهما الشفقة على أولادهما فدعوا الله بأن يجعل من ذريتهما جماعة مخلصة منقادة، وإنما دعوا للبعض فقط لأنهما يعرفان أن الحكمة الإلهية في وجود الصنفين ولا بد منهما، وبصرنا يا رب أمور عبادتنا وأسرارها وبخاصة مناسك الحج، وأقبل توبتنا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا وأرسل في ذريتنا رسولا منهم عرفوا عنه الصدق والأمانة، ويتلو عليهم آيات
стр. 72
دينك ويعلمهم القرآن وما به تكمل نفوسهم من العلوم والمعارف، ويطهرهم من دنس الرجس والوثنية إنك يا رب أنت العزيز الذي لا يغلب الحكيم في كل صنع.
روى أن النبي ﷺ قال: «أنا دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمّى» «١»
فذلك تحقيق دعوة إبراهيم، والنبي ﷺ هو الذي يتحقق فيه هذه الدعوة، وأهل الكتاب يعرفون ذلك ولكنهم أعرضوا حسدا وبغيا وظلما.
ملة إبراهيم مع المخالفين لها والمهتدين بها [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
المفردات:
سَفِهَ نَفْسَهُ: أذلها واستخف بها. اصْطَفَيْناهُ: أخذناه واخترناه.
المعنى:
لا تجد أحدا يعرض عن ملة إبراهيم ودينه إلا شخصا أذل نفسه واستخف بها، وذلك أن من يرغب في شيء لا يرغب فيه عاقل أصلا فقد بالغ في امتهان نفسه وأذلها وكيف لا، وقد اصطفيناه في الدنيا وجعلناه أبا الأنبياء وإنه في الآخرة لمن المشهود لهم بالصلاح والاستقامة، إذ قال له ربه: أسلم لله وكن من المنقادين له- سبحانه- فما كان منه إلا أن أسرع بالانقياد والامتثال شأن المصطفين الأخيار. قال: أسلمت لله رب العالمين، ولقد كان إبراهيم متبعا الملة الحنيفية وأرادها لأولاده فوصى بها إبراهيم بنيه
стр. 73
وكذلك يعقوب قائلا: يا بنىّ إن الله اختار لكم هذا الدين (وهو كدين محمد ﷺ في الأصول العامة فاثبتوا على الإسلام ولا تفارقوه) فها هي ذي وصية إبراهيم لبنيه ويعقوب للأسباط فانظروا أيها اليهود هل أنتم تتبعون آباءكم إبراهيم ويعقوب أم لا؟
لكل ما كسب [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٧]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
المفردات:
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ: أم هنا بمعنى (بل) أكنتم شهداء، والهمزة بمعنى النفي،
стр. 74
أى: ما كنتم شهداء. خَلَتْ: مضت. هُوداً: جمع هائد، أى تائب، وهم اليهود. حَنِيفاً: مائلا عن الباطل إلى الحق. الْأَسْباطِ: الأحفاد، والمراد أبناؤه وذريته.
سبب النزول:
روى أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب أوصى باليهودية يوم مات فنزلت الآية.
المعنى:
ما كنتم أيها اليهود حاضرين وقت أن احتضر يعقوب وقال لبنيه: أى شيء تعبدونه بعد موتى؟ فأجابوه: نعبد إلهك الله الواحد الفرد الصمد وهو إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إله واحد لا شريك له، ونحن له مستسلمون ومنقادون لحكمه.
وقد رد الله على اليهود ادعاءهم أنهم نسل الأنبياء وحفدتهم فلا يدخلون النار إلا أياما معدودات بقوله: هذه الأمة قد مضت بما لها وما عليها لا ينتفع بعملها أحد ولا يضر وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «١» فكما أن هؤلاء السابقين لا ينفعهم إلا عملهم كذلك أنتم لا ينفعكم إلا أعمالكم.
وقال بعض أهل الكتاب: كونوا مع اليهود في دينهم تصلوا إلى الطريق السوى، وقال البعض الآخر (النصارى) : كونوا مع النصارى تصلوا إلى الحق، قل يا محمد ردا عليهم: بل تعالوا إلى ملة أبيكم إبراهيم الذي تدعون أنكم على دينه فهي الملة الحنيفة القائمة على الجادة بلا انحراف ولا نزاع وما كان إبراهيم من المشركين، ها أنتم هؤلاء بعيدون عن ملة إبراهيم.
قولوا أيها المؤمنون: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من القرآن والصحف فلا تكن دعوتكم إلى شيء خاص بكم بل ادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين مع الإسلام لرب العالمين، لا نعبد إلا الله ولا نفرق بين أحد من رسله وما أوتى موسى وعيسى من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات، وما أوتى النبيون جميعا لا نفرق بين أحد منهم، كما تفعل اليهود والنصارى فالمؤمن حقيقة هو من يؤمن بكل الكتب والأنبياء ولا يؤمن ببعض ويكفر بالبعض الآخر.
стр. 75
فإن آمن أهل الكتاب كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا وفرقوا بين الأنبياء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض فإنما هم في شقاق ونزاع، وإذا كان هذا فثقوا أن الله سيكفيكم شرهم وسيبدد شملهم، وقد تحقق ذلك بقتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير، والله هو السميع لكل قول، والعليم بكل فعل.
الله ربنا وربكم [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
المفردات:
صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغة: الحالة التي عليها الصبغ، والمراد بصبغة الله الإيمان لكون الإيمان تطهيرا للمؤمنين من أوساخ الشرك، وهو حلية تزينهم بآثاره الجميلة، وقد تدخل في قلوب المؤمنين كما يتداخل الصبغ فترى أن الإيمان يشبه الصبغة في التطهير والحلية والتداخل. أَتُحَاجُّونَنا: أتجادلوننا. مُخْلِصُونَ: لا نبغى بأعمالنا غير وجه الله.