← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تقدم مثل هاتين الآيتين في البقرة آية ٥٨، ٥٩، فالموضوع واحد والصياغة مختلفة اختلافا يدل على كمال الإعجاز الذي حير الألباب وزلزل العقول، إذ البلاغة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، فهنا قال: اسكنوا بدل ادخلوا وكلوا بدل فكلوا، وحذف هنا رغدا، وعكس الترتيب قُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وهناك قال: خَطاياكُمْ بدل خَطِيئاتِكُمْ وهنا قال: سَنَزِيدُ وحذف الواو، كل هذا لنسق الكلام ولكمال التعبير، والله أعلم بأسرار كلامه. فالسكنى أخص من الدخول ولا عكس، فمن يسكن يدخل قطعا وليس كل من يدخل يسكن، والدخول لأجل الأكل يعقبه الأكل فجاء هناك بالفاء، والأكل عقب الدخول مباشرة له لذة، ولذا أتى هناك بكلمة رغدا. أما من يسكن فقد تقل لذة أكله بل قد تنعدم لمرض أو ألم. وفي الترتيب لا شيء إذ الواو لا تقتضي ترتيبا، والمهم أنهم أمروا بالدعاء مع الخضوع والانحناء فسواء تقدم هذا أو تأخر فلا ضرر. وحذفت الواو هنا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ دليل على أن الموعود به شيئان: المغفرة وزيادة الحسنة، على معنى أنه قيل: ماذا حصل بعد المغفرة؟ قيل: سنزيد المحسنين، والإرسال كما هنا كالإنزال في المعنى العام وإن أفاد الإرسال كثرة وزيادة، والظلم والفسق شيء واحد وإن أفاد الأول الاعتداء على الغير والثاني الخروج عن الدين، وتشير الآيتان إلى أنهما جمعا بين النقيصتين. فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، والتبديل: التغيير في القول والفعل فهم لم يعملوا بظاهر القول ولا بحقيقته بل تركوه كله، هذا هو التبديل، وبعض العلماء يرى أنهم غيروا لفظا بدل لفظ فقالوا: حبة في شعرة، أى: حنطة في زكائب من شعر، بدل قوله تعالى لهم قولوا: حطة. أيها المسلمون العبرة من هذا القصص أن يفهم جيدا أن الله مع خلقه سنة لا تتغير ولا تتبدل، فالأمة التي تفسق وتظلم نفسها وغيرها وتبتعد عن دستورها وكتابها مآلها أن ينزل الله عليها عذابا أليما يضطرب له كل قلب، وهذا الرجز من السماء قد يختلف ويأتى بأشكال متباينة على حسب الأزمنة والأمكنة.

стр. 772

عاقبة المخالفين وفوز الآمرين بالمعروف [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) المفردات: حاضِرَةَ الْبَحْرِ: قرية قريبة منه. يَعْدُونَ: يعتدون. حِيتانُهُمْ: سمكهم. شُرَّعاً المراد: ظاهرة على وجه الماء. مَعْذِرَةً: هي العذر، وهو التنصل من الذنب. بَئِيسٍ: شديد. خاسِئِينَ: صاغرين. المعنى: واسألهم يا محمد عن حال أهل القرية التي اعتدى بعضهم يوم السبت ووقف بعضهم موقف الواعظ ووقف فريق آخر موقفا خاصا، وهكذا الحال في كل أمة شاع فيها الفساد.

стр. 773

أما القرية فالله أعلم بها، وإن قيل: إنها أبلة. وتلك قصة أخرى ما كان يعرفها النبي ﷺ ولا قومه ولكنه علمها عن طريق الوحى، وهذا سؤال تقرير، أى: قروا بهذا، والمراد التقريع والتوبيخ على أعمالهم السابقة، وبيان أن كفر المعاصرين للنبي ﷺ ليس بدعا بل هو موروث. واسألهم يا محمد عن أهل القرية القريبة من البحر وقت أن اعتدوا على حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت- وهو يوم يعظمونه بترك العمل فيه وجعله للعبادة- إذ تأتيهم أسماكهم يوم السبت ظاهرة على وجه الماء، قريبة لا تحتاج في الصيد إلى عناء، وفي غير يوم السبت تختفى ولا تظهر. مثل ذلك البلاء المذكور نبلو السابقين والمعاصرين، ونعاملهم معاملة من يختبر حالهم ليجازى كلا على عمله، كل ذلك بسبب ما كانوا يفسقون ويخرجون عن طاعة الله. ظهرت المعاصي جهارا فكان منهم من أنكر عليهم ذلك: واذكر إذ قالت جماعة منهم عظيمة لمن يعظهم وينكر عليهم عصيانهم، قالت: لم تعظون قوما كهؤلاء قد قضى الله عليهم بالهلاك والفناء أو بالعذاب الشديد؟ قال الوعاظ للائمين: نعظهم حتى نعذر أمام ربكم عن السكوت على المنكر، ولعلهم يتقون فإذا نوقشنا الحساب يوم القيامة ماذا كان موقفكم عند شيوع المنكرات؟ نقول: قد فعلنا ما أمرتنا به فنكون بذلك معذورين، فلما نسى المرتكبون للذنب ما ذكروا به، وتركوا العمل بالمواعظ حتى كأنهم نسوها، أنجينا الذين ينهون عن السوء وهما الفريقان فريق الواعظين وفريق اللائمين، الظاهر- كما قال ابن عباس- أن بعضهم كان ينكر قولا وفعلا وهم الوعاظ، وبعضهم كان ينكر بقلبه وهم اللائمون. وأخذنا الذين ظلموا أنفسهم منهم بالمعاصي أخذناهم بعذاب شديد. والرأى- والله أعلم- أن العذاب للفريقين فريق العصاة وفريق اللائمين وإن يكن عذاب الآخرين خفيفا بظاهر الآية ولتعليل النجاة بالنهى عن السوء والنهى كان للواعظين فقط. أما من يسكت بل ويلوم الوعاظ على العمل والوعظ فهذا ذنب كبير، اللهم إلا إذا قلنا: إنه ينكر بقلبه ويائس من نصحهم، والله أعلم.

стр. 774

فلما عتوا وبغوا، وتمردوا وتكبروا، ولم يصغوا لوعظ الواعظين، قلنا لهم: كونوا قردة صاغرين أذلاء فهذا عذابهم في الدنيا كما نرى، وفي الآخرة عذاب شديد، وهل صاروا قردة حقيقة، أم أصبحوا كالقردة في الطباع والفساد وعدم التوفيق إلى الخير؟! هكذا اليهود في الدنيا [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٧ الى ١٧١] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) المفردات: تَأَذَّنَ بمعنى آذن، أى: أعلم، وهو يفيد العزم على الشيء، وإيجابه على

стр. 775

النفس لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه به، ويوجبه عليها، وأجرى مجرى القسم. دُونَ ذلِكَ: منحطون عنهم في الدرجة. خَلْفٌ الخلف والخلف: من يخلف غيره مطلقا، وقيل الخلف للصالح والخلف للصالح. عَرَضَ المراد: المال لأنه عرضة للزوال. دَرَسُوا: قرءوا وفهموا. نَتَقْنَا الْجَبَلَ: رفعناه من أصله. ظُلَّةٌ: كل ما أظلك من سقف أو سماء أو جناح طائر. المعنى: واذكر يا محمد إذ أعلم ربك أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم أنه كتب عليهم وأوجب على نفسه ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، يفرض عليهم الجزية، ويعطونها عن يد وهم صاغرون ويحاربهم، ويبدد ملكهم ويفرق شملهم، حتى يكونوا أذلة مساكين.. والتاريخ يحدثنا أن اليهود ذاقوا الأمرّين بسبب أعمالهم مع الله ذاقوا من البابليين ثم من النصارى ثم من المسلمين وفي العصر الحديث لا تنس (هتلر) زعيم ألمانيا الذي أذاقهم سوء العذاب وشردهم في البلاد، انظر إلى قوله تعالى: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. والبعث يفيد القيام فجأة، ولم يعين مما يبعث؟ ولا في أى وقت يكون؟ ولا بأى كيفية يحصل. ولا تغتروا بهم في فلسطين فملكهم عرض زائل قريبا إن شاء الله، فنحن واثقون بكلام الله، قد بدت تباشير الخلاص!! إن ربك لسريع العقاب شديد العذاب وإنه لغفار رحيم بمن عصى ثم تاب من قريب، فلا يغرنكم بالله الغرور، ولا تقنطوا من رحمة الله. أما اليهود فقد كانوا في الدنيا على أسوأ حال عصاة مذنبين دائما، ولذا حكم الله عليهم بهذا، وفرقناهم في الأرض كلها أمما لا تجمعهم جامعة، ولا تربطهم رابطة، منهم الصالحون الذين آثروا الآخرة على الدنيا، ولم يعتدوا يوم السبت بل ونهوا غيرهم عن ارتكاب الذنوب، ومنهم دون ذلك، من هؤلاء غلاة الكفر والفسوق والعصيان والله- سبحانه- يعاملهم كما يعامل غيرهم، يبلوهم بالحسنات علّهم يشكرون، وبالسيئات علهم يرجعون وينتبهون، وكان فيهم الخير والشر ... فخلف من بعدهم خلف، ورثوا كتابهم وهو التوراة والظاهر أنهم هم المعاصرون للنبي ﷺ هؤلاء يأخذون عرض هذه الدنيا وحطامها الفاني وظلها الزائل من غير طريق شرعي، ومع

стр. 776

هذا فقد غرهم بالله الغرور، وقالوا: لن تصيبنا النار إلا أياما معدودات إذ نحن أبناء الله وأحباؤه. وإن مكن لهم وصادفهم مال من طريق غير شرعي كالربا أو الرشوة أو ببيع أحكام الله أخذوه ولم يتعظوا ولم يتوبوا، إن تعجب فعجب هذا! ثم رد الله عليهم قولهم سيغفر لنا وهم مقيمون على المعاصي فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب؟! وفيه أن الكذب على الله من أكبر الكبائر، وهم قد درسوه وفهموه، وفيه أن أكل مال الغير حرام، وأن الاعتداء على الغير بأى لون حرام، ألم يعلموا أن الدار الآخرة وما فيها خير من الدنيا وما فيها، وأن الدار الآخرة خير للذين يتقون الله ويخافون عذابه، أعميتم فلا تعقلون أن الآخرة خير وأبقى؟! وليس القرآن متحديا أو متعصبا، بل الذين يتمسكون بالكتاب وما فيه من أحكام ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة سواء كانوا من اليهود أو من غيرهم فسيجازيهم ربهم أحسن الجزاء إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [سورة الكهف آية ٣٠] . واذكر وقت أن رفعنا عليهم الجبل لما أبوا أن يقبلوا التوراة، فلما رفعناه فوقهم حتى أظلهم، واضطربت قلوبهم منه، خروا ساجدين على حواجبهم اليسرى، وقيل لهم: خذوا ما آتيناكم بجد ونشاط واذكروا ما فيه دائما واعملوا به دائما رجاء أن تملأ قلوبكم بالتقوى فتصدر أعمالكم موافقة للدين وفي هذا فلاح لكم وخير ... الميثاق العام المأخوذ على بنى آدم [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٧٤] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)

стр. 777

المفردات: أَخَذَ: أخرج، وإنما عبر به لأنه يدل على الاصطفاء والتمييز. مِنْ ظُهُورِهِمْ الظهر: الجزء المهم في جسم الإنسان وهو ما فيه العمود الفقرى. هذا كلام جديد، سيق لإلزام اليهود مع غيرهم بالميثاق العام، بعد أن ألزمهم بالميثاق الخاص، وللاحتجاج عليهم بالحجج العقلية والسمعية، ولقطع أعذارهم في التقليد. المعنى: واذكر يا محمد وقت أن أخذ ربك من ظهور بنى آدم ذريتهم، والأخذ من ظهور بنى آدم يلزمه الأخذ من ظهر آدم نفسه، وفي هذه الآية الكريمة رأيان: رأى للسلف ورأى للخلف- رضى الله عنهم- جميعا، أما السلف فيقولون: إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر وأحياهم وجعل لهم عقلا وإدراكا وألهمهم ذلك الحديث وتلك الإجابة، أما الخلف فيقولون: هذا من باب التمثيل والتصوير، فلا سؤال ولا جواب، وإنما الله- سبحانه- بما ركب في بنى آدم من العقول والإدراك وبما نصب من الأدلة الكونية على وحدانيته وربوبيته للكون كله. كأنه قال للخلق: قروا بأنى ربكم، ولا إله غيرى، وكأنهم قالوا بلسان الحال: نعم أنت ربنا، ولا إله غيرك، فنزل تمكينهم من العلم، وتمكينهم منه منزلة الشهادة والاعتراف، وهذا أسلوب في القرآن والسنة وكلام العرب كثير: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [سورة فصلت آية ١١] . وهذه هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا تبديل لخلقه «كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» حديث شريف. فعل الله بكم هذا مخافة أن تقولوا يوم القيامة، عند سؤالكم عن أعمالكم: إنا فعلنا هذا لأنا كنا غافلين عن التوحيد، ولم ينبهنا أحد إليه، فلا عذر لكم بالجهل بعد نصب الأدلة، ووجود العقل والفطرة. ومخافة أن تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل، ونحن خلف لهم، قلدناهم في

стр. 778

أعمالهم، مع حسن الظن بهم، ولم نهتد إلى التوحيد، أفتؤاخذنا بالعذاب وتهلكنا بما فعله المبطلون من آبائنا؟! ولكن الله لا يقبل عذرهم في هذا أبدا. ومثل ذلك التفصيل الواضح نفصل للناس الآيات البينات، ولعلهم بهذا يرجعون ويتوبون إلى الله. والآية الكريمة تفيد أنه لا عذر في الشرك بالله أبدا، أما الأحكام التفصيلية للدين، والأمور الغيبية كالسمعيات فلا أحد مطالب بها، إلا بعد إرسال الرسل وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» . مثل المكذبين الضالين [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٧] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) المفردات: نَبَأَ النبأ: الخبر المهم. فَانْسَلَخَ المراد: خرج منها وكفر بها. فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ

стр. 779

أدركه ولحقه. أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: ركن إليها ومال. يَلْهَثْ اللهث: التنفس بشدة مع إخراج اللسان. مَثَلُ المثل: الصفة الغريبة ... ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا بعد أخذ الميثاق العام عليهم وعلى الناس وبعد أن أرسلت لهم الرسل فكذبوا بها. المعنى: واتل يا محمد على اليهود وعلى غيرهم الخبر المهم الخاص بالذي آتيناه آياتنا، وأوقفناه عليها وعلمناها له، ولكنه لم يعمل بها، وتركها وراءه ظهريا، عازما على عدم العودة لها أبدا، وقد سبق شيطانه في الفساد سبقا ملحوظا فكان من الغاوين الضالين المفسدين، يا سبحان الله! يسبق الشيطان في الفساد والضلال! يقول الله: ولو شئنا لرفعناه بالآيات وجعلناه في عداد الأبرار والصالحين، ولكنه أخلد إلى الأرض، وجعل كل همه التمتع بلذائذها الفانية، واتبع هواه، وران على قلبه ما كان يكسب، حتى صار حيوانيا شهوانيا، ظلمانيا. وهذه الآية تفيد أن مشيئة الله متلازمة مع عمل الشخص وتابعة له. وذلك أن الله جعل للعبد اختيارا وجعل اختياره مناط الثواب والعقاب، وخلقه في الدنيا وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوه أيمتثل أم لا؟ وقد جعل من يختار الخير له سبل ميسرة، وعنده قدرة على ذلك، ومن يختار الشر له سبل ميسرة، وله قدرة على ذلك مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ [سورة الإسراء آية ١٨] . وكانت مشيئة الله تابعة لما يعلمه من اتجاه العبد في الحياة. هذا الذي أوتى علما بالكتاب ولم يعمل به، بل صارت روحه مدنسة، وقلبه مظلما، صفته العجيبة التي كالمثل في الغرابة، كصفة الكلب يلهث دائما سواء حملت عليه وكلفته أم لا؟ وهكذا الذي يركن إلى الدنيا ويكفر بآيات الله دائما في عمل ونصب ومهما أعطى فهو في هم وتعب، وتراه كلما بسط له الرزق زاد طمعه وألمه، ذلك المثل الذي

стр. 780

ضربناه لبعض الأفراد مثل للقوم الذين كذبوا بآياتنا، واستكبروا عنها، ولم تنفعهم الموعظة. فاقصص هذا القصص ونحوه رجاء أن يثوبوا إلى رشدهم، ويتفكروا في أنفسهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سورة الرعد آية ٣] . ساء مثلا مثل الذين كذبوا بآياتنا، وقبح عملهم الذي أضحى كالمثل في الغرابة، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم فقط. وقد ذكر اسم الشخص صاحب النبأ بعض المفسرين ولكن يظهر- والله أعلم- أن المراد الوصف لا الشخص. صفة أهل النار [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) المفردات: ذَرَأْنا: خلقنا وأوجدنا. الْجِنِّ: خلق مستتر الله أعلم به. قُلُوبٌ القلب: يطلق على العضو الصنوبري الواقع في الصدر إلى الجهة اليسرى، ويطلق كذلك على العقل، والوجدان والضمير. لا يَفْقَهُونَ الفقه: الفهم الدقيق. بعد أن ضرب الله المثل للمنسلخ من الدين الخارج منه قفّى على ذلك ببيان حقيقة المهتدى والضال، ومن هم أهل النار؟

стр. 781

المعنى: من يهديه ويوفقه للخير ولاتباع الشرع، والاهتداء بالقرآن فهو المهتدى حقيقة لا غير، ومن يضله الله، ولا يوفقه ولا يهديه إلى الخير وإلى نور القرآن فأولئك البعيدون عن الهداية هم الخاسرون، وأى خسارة أكثر من هذا!!؟ والهداية الإلهية نوع واحد (فهو المهتدى) وأنواع الضلال لا حصر لها، ولذا قال سبحانه: فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وهذا بيان لما أجمل. يقسم الله إنا قد خلقنا خلقا كثيرا من الجن والإنس، خلقناهم مستعدين لعمل مآله جهنم، وخلقنا كذلك خلقا مستعدين لعمل مآله الجنة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، [سورة هود ١٠٥] فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [سورة الشورى آية ٧] . أما حقيقة أهل النار فهم قوم ليس لهم قلوب يفهمون بها الأوضاع الصحيحة التي بها تزكو نفوسهم، وتطهر أرواحهم، فهم لا يفقهون الحياة الروحية ولذتها الموصلة للسعادة الدنيوية والأخروية، ولكنهم يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ «١» . ولا يفقهون أن الخير فيما أمر به الدين، وأن الشر فيما نهى عنه الدين، وليس لهم عيون يبصرون بها آيات الله الكونية وآياته القرآنية، وليس لهم آذان يسمعون بها آيات الله المنزلة على رسله ولا يسمعون بها أخبار التاريخ والأمم السابقة، وكيف كانت سنة الله معهم؟ أولئك كالأنعام لهم حواس مادية فقط، همهم الأكل والشرب والتمتع باللذات، بل الحيوان يأكل بلا إسراف وهم مسرفون فهم أضل سبيلا وأسوأ قيلا، أولئك هم الغافلون عن آيات الله وغافلون عن استعمال مشاعرهم وعقولهم فيما خلقت لأجله، بل هم غافلون عن ضرورات الحياة الشخصية والقومية والدينية. فالخلاصة أن أهل النار هم الأغبياء الغافلون حيث لم ينظروا إلى الحياة الباقية بل شغلوا أنفسهم بالحياة الفانية فقط: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [سورة يوسف آية ١٠٥] .

стр. 782

وأهل الجنة هم الأذكياء عرفوا الدنيا على حقيقتها فعملوا للآخرة الباقية ولم يهملوها. وحذار أن يكون المسلمون من الغافلين. أسماء الله الحسنى [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٠] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) المفردات: الْحُسْنى: مؤنث الأحسن. يُلْحِدُونَ الإلحاد: هو الميل عن الطريق الحق. المعنى: روى أن بعض المسلمين دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال المشركون: محمد وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله- هذه الآية. ولله- الأسماء الحسنى فادعوه بها، وقد روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ : «إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر: الله الذي لا إله إلا هو. الرحمن. الرحيم. الملك. القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. العلى. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوى. المتين. الولي. الحميد. المحصى. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن.

стр. 783

الوالي. المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. الجامع. الغنى. المغني. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور» . والذي عليه أهل العلم أنها جمعت من القرآن والسنة فهي توقيفية ولكنها لا تنحصر في تسع وتسعين بدليل حديث ابن مسعود عن رسول الله أنه قال: «ما أصاب أحدا قط همّ ولا حزن فقال: اللهم إنى عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزنى، وذهاب همي. إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدل مكانه فرحا» . وذروا الذين يكذبون في أسمائه ويسمونه بما لم يتسمّ به ولم ينطق به في كتاب الله ولا سنة رسوله هؤلاء سيجزون بما كانوا يعملون. ومعنى أن أسماءه توقيفية أنه لا يسمى (سخيا) وإن سمى (جوادا) ويسمى (رحيما) ولا يسمى (رفيقا) ويسمى (عالما) ولا يسمى (عاقلا) وفي القرآن يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ «١» أفتسمى الله مخادعا؟ حاش لله، أفتحسبه مكارا؟ حاش لله؟ بل يدعى بأسمائه ولا نلحد فيها أبدا. المهتدون والضالون [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨١ الى ١٨٦] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)

стр. 784

المفردات: يَهْدُونَ: يرشدون الناس إلى الحق والخير. يَعْدِلُونَ: يجعلون الأمور متعادلة لا زيادة فيها ولا نقصان على ما ينبغي. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الاستدراج: من الدرجة، وهي المرقاة، بمعنى الصعود والنزول درجة بعد درجة، والمراد سنأخذهم درجة بعد درجة بإدنائهم من العذاب شيئا فشيئا. وَأُمْلِي لَهُمْ: من الإملاء، وهو الإمهال. كَيْدِي الكيد والمكر: هو التدبير الخفى الذي يقصد به غير ظاهره حتى ينخدع المكيد، والمتين: القوى، من المتن وهو الظهر. يَعْمَهُونَ: يترددون في حيرة وعمى. بعد أن ذكر الله أنه خلق لجهنم كثيرا من الخلق لا قلوب لهم ولا أعين ولا آذان يصلون بها إلى الخير، ثم ذكر بعد ذلك ما يجعل الإنسان قوى الإيمان ... ذكر هنا أن في أمة الدعوة المحمدية فريقين: مهديين وضالين، مع ذكر وجوب الفكر والنظر في ملكوت السماء والأرض علّنا نصل إلى الخير. المعنى: وبعض من خلقنا أرسلنا لهم الرسل خاصة أمة الدعوة المحمدية أمة يهدون بالخير، ويرشدون إليه، وبه يحكمون فيما يعرض لهم حتى تكون أمورهم متعادلة لا زيادة فيها ولا نقصان ويكونوا أمة وسطا عدولا كما أخبر عنهم القرآن، وروى عن على بن أبى طالب قال: لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، يقول الله: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة.

стр. 785

والذين كذبوا بآياتنا ندعهم في الضلال تائهين، ونستدرجهم من حيث لا يعلمون، ونملي لهم بإعطاء النعم تلو النعم استدراجا حتى لا يرعووا عن غيهم مع أنا نمهلهم فلا نرسل لهم المخدرات والمنبهات، وما علموا أن سنة الله في الخلق لا تتغير، وأن الله يملى لهم ويمدهم بالمال والنعم حتى يغتروا ولا ينتبهوا كيدا لهم ومكرا بهم لا حبّا فيهم أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ «١» نعم. إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. وها هم أولاء المشركون ظلوا مغرورين بأن الحرب يومان يوم لنا ويوم علينا، معتزين بقوتهم وكثرة عددهم، وبقلة عدد المسلمين، وما علموا أن هذا مكر بهم وكيد لهم. ولقد كان فتح مكة آية على ذلك.. أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في شأنه وشأن دعوته؟ إنهم إن تفكروا في ذلك أوشكوا- لا بد- أن يعرفوا الحق وأن صاحبهم ليس به جنة، ولقد حكى القرآن عنهم أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ «٢» . يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «٣» كذبوا وضلوا إن هو إلا نذير مبين بين يدي عذاب شديد، وهو منذر ناصح، ومبلغ أمين وكيف لا تعرفون هذا وهو صاحبكم وأنتم أدرى الناس به؟!! أكذبوا الرسول ولم ينظروا في هذه العوالم المحكمة الدقيقة، المنظمة البديعة؟ فإن هذا دليل على الوحدانية الكاملة والعلم التام والقدرة القادرة، ولو نظروا بعين البصيرة لاهتدوا إلى الخير، أو لم ينظروا في كل ما خلقه الله وأن الحال والشأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وحان وقت قدومهم على ربهم بالأعمال، لو نظروا لاحتاطوا وعملوا لذلك اليوم حتى ينالوا الجزاء الأوفى. لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى التصديق والإيمان بالقرآن والنبي ﷺ قبل فوات الفرصة، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأى حديث بعده يؤمنون؟! هؤلاء فقدوا الاستعداد للخير والهدى والإيمان بالنبي والعمل بالقرآن فكانوا هم الضالين. ومن يضلل الله فلا هادي له، ويذرهم في طغيانهم يترددون. وفي باطلهم

стр. 786

ينغمسون!! ألا تعلم أن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وأن العمل الفاسد يجعل على القلب حاجزا سميكا حتى لا يهتدى إلى الخير أبدا كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ. علم الساعة عند ربي [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) المفردات: السَّاعَةِ هي في اللغة: جزء معين من الزمن، وعند الفلكيين: جزء من أربع وعشرون من اليوم، والمراد بها هنا الوقت الذي يموت فيه كل حي، ويضطرب نظام العالم، أى: عند النفخة الأولى للصور. أَيَّانَ مُرْساها: متى إرساؤها واستقرارها؟ لا يُجَلِّيها: لا يظهرها ولا يكشفها. حَفِيٌّ: مبالغ في السؤال عنها. قد تكلم القرآن عن أجل الفرد في قوله: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فناسب بعده أن يتكلم عن الساعة العامة التي فيها نهاية الدنيا كلها. المعنى: يسألونك يا محمد عن الساعة متى تكون؟!: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ «١» . وفي التعبير بالإرساء إشارة إلى أن قيام الساعة إنهاء لهذه الحركة الدائبة في السموات والأرض.

стр. 787

قل لهم: إنما علمها عند ربي وحده، وإليه يرجع الأمر كله لا يجليها لوقتها، ولا يظهر أمرها، ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده، فلا يطلع أحد من خلقه على وقتها ولو كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا عظم أمرها عند الملائكة والثقلين في السماء والأرض لخفاء وقتها ولهول أمرها وشدة وقعها، فهم مضطربون خائفون، لا تأتيكم أيها الناس إلا بغتة وفجأة، أى: وأنتم منهمكون في الدنيا وتعميرها. عجبا لهم يسألونك ملحين عنها كأنك حفى عنها، ومبالغ في السؤال عنها!!! قل لهم: إنما علمها عند الله عالم الغيب والشهادة. ولكن أكثر الناس لا يعلمون السر في إخفائها، فلو علمت لاضطرب نظام الكون واختل العمران، وهكذا يخفى الله ليلة القدر، وساعة الإجابة لحكم هو يعلمها ولينشط الناس في طلبها وليكون العمل لها في وقت أكثر، وللساعة علامات وأشراط وردت في الصحيح من السنة، ويقال لها علامات صغرى وكبرى. الرسول إنسان لا يملك شيئا بل هو نذير وبشير [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٨] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) المفردات: الْغَيْبَ: هو ما غاب عنا، وهو حقيقى لا يعلمه أحد، وإضافى يعلمه بعض الخلق كالأنبياء والرسل. الْخَيْرِ: ما يرغب فيه سواء كان ماديا كالمال أو معنويا كالعلم. السُّوءُ: ما يرغب عنه. سألوا النبي وألحفوا في السؤال فناسب أن يبين القرآن حقيقة الرسالة.

стр. 788

المعنى: هذا هو القول الفصل، الذي ليس بالهزل، مفخرة من مفاخر الإسلام وأسس من أسسه السليمة، حارب القرآن بهذه الآية وأمثالها أفكارا جاهلية وعقائد وثنية، وانظر إلى هنا، وإلى ما يفهمه المسيحيون عن عيسى- ﵇ نعم إن الدين عند الله الإسلام. قل يا محمد: أنا بشر شرفت بالرسالة وحملت تلك الأمانة، فلا أملك لنفسي أى نفع كان، ولا أدفع عن نفسي أى ضرر كان، إلا ما شاء الله، وأنا بشر لا أعلم الغيب وإنما الغيب عند الله وحده، فكيف تسألونى عن الساعة كأنى حفى بها؟ أما لو كنت أعلم الغيب حقيقة لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء أبدا والواقع غير هذا. إذ أنا بشر كبقية الناس شرفني الله بالرسالة فقط، وما أنا إلا نذير لكم وبشير لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «١» والخلاصة أن الرسل خلق من خلقه وعباد مكرمون لا يشاركون الله في صفاته، ولا سلطان لهم على علمه وتدبيره، شرفهم الله بالرسالة، وهم القدوة الصالحة للعباد في الدنيا.. هكذا الإنسان [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٣] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)

стр. 789

المفردات: لِيَسْكُنَ إِلَيْها: ليطمئن ويسكن من الاضطراب النفسي. تَغَشَّاها: أتاها لقضاء ما تطلبه الغريزة الجنسية. حَمَلَتْ: علقت منه، والحمل: ما كان في بطن أو على شجرة، والحمل ما كان على ظهر. فَمَرَّتْ: استمرت إلى وقت ميلاده من غير سقوط. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ: حان وقت ثقلها وقرب وضعها. صالِحاً المراد: نسلا صالحا في الجسم والفطرة. هذه سورة بدئت بالكلام على القرآن والتوحيد، ثم تبع ذلك كلام على النشأة الأولى وما تبع ذلك، ثم الكلام على قصص الأنبياء خصوصا موسى، وها هو ذا يختمها بالكلام على التوحيد وعلى القرآن. هو الذي خلقكم يا بنى آدم من جنس واحد وطبيعة واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، ويطمئن بها، فإن الجنس إلى جنسه ميال، وجعل منها زوجها حتى إذا بلغا سن الحلم وهي السن التي معها تظهر الغريزة الجنسية في الرجل والمرأة. وجدا أنفسهما- خاصة الرجل- مضطربا ومحتاجا إلى الزوجة لتهدأ نفسه وتسكن من اضطرابها، وبهذا وحده يتحقق بقاء النوع الإنسانى. فلما تغشاها واتصل بها الاتصال الجنسي المعروف حملت منه حملا كان خفيفا في أول الأمر لم تشعر به، فلما أثقلت وصارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها، وحان وقت الوضع. دعوا الله ربهما مقسمين لئن آتيتنا ولدا صالحا تام الخلقة قوى البنية سليم الفطرة لنكونن لك يا رب من الشاكرين. وقد آتاهما الله ذلك، وكانت الفطرة لكل مخلوق الميل إلى الإسلام والتوحيد. فلما آتاهما النسل الصالح جعلا، أى: بعض بنى آدم من الذكور والإناث له شركاء فيما آتاهما، واتجها إلى غير الله الذي أعطاهما، تعالى الله عما يشركون!!

стр. 790

وقد رأى بعض المفسرين في هذه الآية أن المراد: خلقكم يا بنى آدم من نفس واحدة هي آدم وجعل منها زوجها وهي حواء، وأن الشرك كان من بعض أولادهما ككفار مكة واليهود والنصارى وقد نسب إليهما، والمراد أولادهما بدليل: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وفي الكشاف أن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان. ثم أخذ القرآن في نقاش هؤلاء المشركين، أيشركون بالله شيئا لا يخلق أبدا أى شيء؟ بل إنه لا يملك نفعا ولا ضرا لنفسه ولا لغيره، والحال أن ما يشركون به من صنم أو وثن هو مخلوق ضعيف إن يسلبه الذباب شيئا لا يستطيع إنقاذه منه ولا يستطيع لهؤلاء المشركين نصرا في أى ميدان، وإن تدعوهم إلى هدايتكم لا يستجيبون لكم وكيف يستجيبون؟ وكيف يداوى القلب ... من لا له قلب يستوي عندهم دعاؤكم وبقاؤكم صامتين، والإله المعبود، والرب الموجود لا يكون بهذا الوضع أبدا فهو السميع البصير، العليم الخبير الناصر القادر- !! حقيقة الأصنام والأوثان [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٤ الى ١٩٨] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)

стр. 791

المفردات: تَدْعُونَ الدعاء: النداء، وغالبا يكون لدفع ضر أو جلب خير، والمراد: تعبدون. يَبْطِشُونَ: يصولون بها. فَلا تُنْظِرُونِ أى: تمهلون. هذا تمام للكلام السابق وهكذا شأن القرآن في إثبات التوحيد ونفى الشرك. المعنى: هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله هم مخلوقون مثلكم، فلا يصح أن يكون المخلوق محل عبادة وتقديس من مخلوق مثله. وإن تعجبوا فعجب حالكم تستكثرون الرسالة على بشر منكم خصه الله بالعلم والمعرفة، وقوة اليقين ونور البصيرة ثم تعبدون من دون الله حجارة!! وإن كنتم صادقين فادعوهم، وإن كانوا كذلك فليستجيبوا لكم، ولكن كيف يكون ذلك؟ وهم أحط درجة ممن يعبدونهم، فليس لهم أرجل يمشون بها، وليس لهم أيد يصولون بها، وليس لهم أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها إذ هم حجارة صماء، أو صنيع من طين وماء، أو من عجوة أو حلاوة كصنم بنى حنيفة. أكلت حنيفة ربها ... عام التقحم والمجاعة على أن النبي ﷺ أمر بأن يتحداهم ويدعوهم لأمر عملي فقيل له: قل لهم يا محمد: ادعوا شركاءكم وآلهتكم من دون الله ثم تعاونوا معهم على أن يكيدوا لي ويوقعوا بي المكروه بأى شيء كان، ولا تمهلون، ومع هذا لم يعملوا شيئا فيه. وهذا رد عليهم في قولهم: إنا نخاف عليك من آلهتنا!!

стр. 792

والرسول يعلل ذلك بقوله: إن متولّى أمرى هو الله ولينا، وهو ربنا الذي أنزل الكتاب الذي يدعو إلى التوحيد والبر والصدق، وهو الذي يتولى الصالحين من عباده، أما أنتم أيها المشركون فوليّكم الشيطان: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [سورة البقرة آية ٢٥٧] . والذين تدعونهم من دون الله، وتخصونهم بالعبادة والتقديس لا يستطيعون لكم نصرا حتى ولا أنفسهم ينصرون. بل وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى سواء السبيل لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك والحال أنهم لا يبصرون شيئا!!! أفيليق بكم إن كنتم عقلاء أن تتخذوا هؤلاء آلهة؟!! من خلق القرآن في معاملة الناس والشيطان [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٩ الى ٢٠٢] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) المفردات: الْعَفْوَ: ما أتى عفوا وسهلا من غير كلفة ولا مشقة. يَنْزَغَنَّكَ النزغ كالنخس والوكز: هو إصابة الجسم بشيء محدد كالإبرة والمهماز، والمراد: وسوسة الشيطان. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ المراد: الجأ إليه وتذكره. طائِفٌ: لمة منه، وطاف: أى ألم. يَمُدُّونَهُمْ: يكونون مدادا لهم.

стр. 793

المعنى: هذه هي أسس المعاملة الحسنة، ودعائم الخلق الكامل الذي به يرضى الناس عن الإنسان، ورضا الناس من رضا الله فألسنة الخلق أقلام الحق، وبهذه الأمور تجتمع القلوب النافرة، والنفوس الهائمة: خذ ما أتى من الناس عفوا، لا تكلفهم بما يشق عليهم ويستعصى من الأفعال بل كن سمحا سهلا «يسروا ولا تعسروا» حديث شريف. خذي العفو منى تستديمى مودتي ... ولا تنطقى في سورتي حين أغضب ولله در معاوية يقول: «لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت إن شدوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها» . وأمر بالمعروف الذي تعارف عليه المسلمون من كل ما أمر به الشرع، فالمعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وإحسان ... وأعرض عن الجاهلين، نعم أعرض عن الجاهل الأحمق واجعل كأنك لم تسمع ولم يقل، وعلى العموم لكل صنف من الناس معاملة، ولا تنس قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [سورة البقرة آية ٢٣٧] . هذا جوامع الكلم خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وجوامع الخلق، ولقد صدقت السيدة عائشة حيث تقول: «كان خلقه القرآن» . أما معاملة الشيطان العدو اللدود فإما ينزغنك منه نزغ أو يثر فيك داعية من دواعي الشر كالغضب والشهوة حتى يجعلك ثائرا متأثرا كتأثر الدابة إذا نخست بالمهماز (المنخاز) . فاعلم أن العلاج هو اللجوء إلى الله، والتوجه إليه بالقلب، والاستعاذة بالله من شر الشيطان ووسوسته، والانتقال من هذا الجو وتغييره بقدر الاستطاعة، فالله سميع لكل دعاء، عليم بكل قصد ونية، واعلم أن الشيطان أقسم ليغوينهم جميعا إلا العباد المخلصين فإنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. وقد روى عن النبي ﷺ ما معناه: «ما منكم أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم» . إن الذين اتقوا الله وخافوا منه إذا مسهم طائف من الشيطان، وألمت بهم لمة منه تذكروا الله وما أعده

стр. 794

للمتقين الأبرار، وما أعد للعصاة الفجار فإذا هم مبصرون طريق الحق والخير، فالمؤمن الكامل قوى الإيمان كالجسم الصحيح لا تدخله جراثيم المرض وإن دخلت ماتت، كذلك المؤمن لا تدخله الوساوس وإن دخلت تذكر وطردها. وكل إنسان يشعر بدوافع للخير ودوافع للشر، فالأولى لمة الملك، والثانية لمة الشيطان، قال النبي ﷺ : «إن للشيطان لمة وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك منكم فليعلم أنه من الله وليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان ثم قرأ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا «١» . وإخوانهم وهم الجهلاء غير المتقين الله، الشياطين يمدونهم وينصرونهم ويتعاونون معهم على الإثم والعدوان ثم هم لا يقصرون أبدا في ذلك. القرآن من عند الله [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٣] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) المفردات: لَوْلا اجْتَبَيْتَها: هلا جمعتها من تلقاء نفسك واختلقتها؟ المعنى: كانوا طلبوا من النبي ﷺ آيات كونية خاصة فلما لم يجابوا إلى طلبهم قالوا على سبيل التعنت: هل اختلقت آية وجمعتها من عندك؟ يقصدون أن كل ما ينزل من القرآن إنما هو من عند محمد.

стр. 795

قل لهم يا محمد: إنما أتبع ما يوحى إلى من ربي فقط وليس لي أن أخترع أو آتى بشيء من عندي، إنما أنا رسول ولست قادرا على إيجاد الآيات التي طلبتموها. وما لكم تطلبون غير هذا القرآن وهو بصائر من ربكم وحجج وآيات واضحة دالة على صدقى وأنه من عند الله وهو كالبصائر للقلوب التي تنير طريق الفلاح وهو هدى ورحمة، ولكن لقوم يؤمنون بالله وبالحياة الآخرة، فمن آمن به وحافظ عليه وحكم به فأولئك هم المفلحون دون سواهم. من أدب استماع القرآن والذكر [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٦] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) المفردات: فَاسْتَمِعُوا: الاستماع يزيد عن السمع بالإنصات والقصد والنية. تَضَرُّعاً: من الضراعة والذلة والخضوع. وَخِيفَةً: خائفين. بِالْغُدُوِّ الغدو: جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس. وَالْآصالِ: جمع أصيل، وهو ما بعد العصر إلى الغروب. المعنى: إذا قرئ القرآن الكريم فاستمعوا له بإنصات وأدب، وقصد مع السكون والخشوع

стр. 796

رجاء أن ترحموا من الله فإنه لا يستمع لكلامه بأدب وحسن استماع إلا المخلصون الذين في قلوبهم نور الإيمان وبرد اليقين. أما من أهمتهم الدنيا وأقضّت مضاجعهم حتى أصبحت قلوبهم خلوا من نور الإيمان تراهم عند سماع القرآن لا ينصتون أبدا بل ويتكلمون في توافه الأمور. والآية عامة في سماع القرآن في الصلاة والخطبة وغيرهما. أيليق بالمسلم أن يتكلم الله فلا يستمع ويتكلم جاره فيستمع؟! واذكر ربك في نفسك وذلك بذكر أسمائه وصفاته وشكره واستغفاره، والمهم التذكر بالقلب أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «١» . اذكره ضارعا متذللا خاضعا خائفا راجيا ثوابه، مع إتمام الاسم وعدم استعمال ما يخل. اذكره بلسانك وقلبك ذكرا دون الجهر وفوق السر، أى: اذكره وسطا بين هذا وذاك وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢» . وأنسب الأوقات للذكر وقت الصباح والمساء، وبقية النهار للعمل وتحصيل الرزق. وإياك أيها المسلم أن تكون من الغافلين عن ذكر الله بقلبك، واعلم أن الذين عند ربك من الملائكة والمقربين لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه في الليل والنهار، وله وحده يسجدون!! فكيف بك؟! سجود التلاوة: يكون عند ما يسمع المسلم هذه الآية وأمثالها التي ستأتى، وقد شرعه الله لنا إرغاما لمن أبى السجود من المشركين واقتداء بالملائكة المقربين. وروى أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علما ينفعني وعملا يرفعني» «٣» وروى أيضا «إذا قرأ ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى فيقول: يا ويله: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» «٤» ولسجود التلاوة أحكام في كتب الفقه.

стр. 797

سورة الأنفال مدنية كلها وهو الأصح، وقيل: مدنية ما عدا الآيات ٣٠ إلى ٣٦ فمكية لأنها في شأن الواقعة التي وقعت بمكة، ولكن الأصح أن هذه الآيات نزلت بالمدينة تذكيرا لهم بما وقع في مكة، وعدد آياتها خمس وسبعون آية. وهي في القصص الخاص برسول الله ﷺ وخاصة في أوقات الشدة كالحروب والهجرة وما قبلها في قصص الرسل عليهم جميعا الصلاة والسلام. فالمناسبة بين السورتين ظاهرة. [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) المفردات: الْأَنْفالِ: جمع نفل، والمراد به هنا: الغنيمة لأنها من فضل الله- تعالى- وعطائه، وهي من خصائص النبي محمد ﷺ وقد زادت هذه الأمة بها على الأمم السابقة، روى في الصحيحين عن جابر بن عبد الله- رضى الله عنه- أن رسول الله

стр. 798

صلّى الله عليه وسلّم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي» فذكر الحديث (وهو المسمى بحديث الشفاعة) إلى أن قال: «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» ، والنفل: الزيادة عن الواجب، ألا ترى إلى صلاة النوافل؟ ذاتَ بَيْنِكُمْ: حقيقة ما بينكم، والبين من معانيه: الاتصال، والمراد: الوصلة الإسلامية وإصلاحها ويكون بالأمور التي تحققها من مودة وإخاء وترك النزاع والجفاء. وَجِلَتْ: فزعت وخافت. سبب النزول: عن عبادة بن الصامت: نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله ﷺ فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين. وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا» فأما الشيوخ فثبتوا تحت الرايات، وحول رسول الله، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال الشيوخ للشبان: إنا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا. فاختصموا إلى النبي ﷺ فنزلت. المعنى: لقد وقع خلاف بين المسلمين في غنائم بدر فسألوا رسول الله ﷺ أهي للمهاجرين أم للأنصار؟ أهي للشبان أم للشيوخ؟ أم لهم جميعا؟ فقيل له: قل لهم: إن حكمها لله خاصة ويقسمها الرسول على حسب أمر الله فلا رأى لأحد، وفي هذه الآية إجمال بيّن في آية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... [سورة الأنفال آية ٤١] . وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش بما شاء تحريضا على القتال وإثارة للنفوس كما ورد: «من قتل قتيلا فله سلبه» وهذا النفل زيادة عن سهمه في الغنيمة. وإذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله واجتنبوا ما أنتم فيه من شجار ونزاع وخلاف، فإن هذا يغضب الله لا سيما في حالة الحرب وأصلحوا ذات بينكم من الأحوال حتى تتحقق الوصلة الإسلامية فتكونوا في ألفة ومحبة واتفاق، وفي ذلك تقوى الله، وطاعة

стр. 799

رسوله، وإصلاح ذات البين، وأطيعوا الله ورسوله في كل ما أمر ففي طاعتهما الخير والفلاح، والهدى والرشاد، أطيعوهما إن كنتم مؤمنين حقا، فهذه أمور ثلاثة لا بد منها لصلاح حال الجماعة: تقوى الله ورسوله، أى: طاعة القيادة الرشيدة الحكيمة. وها هي ذي صفات المؤمنين الخمسة التي تحقق هذه الأوصاف الثلاثة إنما المؤمنون حقا الكاملون المخلصون في إيمانهم هم: ١- الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم واستشعروا عظمته وجلاله وتذكروا وعده ووعيده خافت قلوبهم واضطربت أرواحهم. ٢- والذين إذا تليت عليهم آياته القرآنية المنزلة على عبده وحبيبه محمد ﷺ ازداد إيمانهم، وكمل يقينهم لتظاهر الأدلة وتمامها، نعم المؤمن كلما كثرت الأدلة وتعاضدت الآيات والحجج ازداد قوة في الإيمان، ورسوخا في العقيدة، ونشاطا في العمل، انظر إلى إبراهيم الخليل حيث قال: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «١» ردا على قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ «٢» ؟. ٣- والذين هم على ربهم وحده يتوكلون، وعليه وحده يعتمدون، وإليه يلجئون، كل هذا بعد أخذ الأسباب، والعمل على حسب طاقته وإمكانه، وهذه صفات تتعلق بالقلب، وها هي ذي الصفات المتعلقة بالجسم: ٤- الذين يقيمون الصلاة، ويؤدونها كاملة مقومة تامة الأركان والشروط. ٥- والذين ينفقون مما رزقناهم في وجوه الخير والبر، وذلك يشمل الزكاة الواجبة المقيدة والنافلة المطلقة التي قد تصبح واجبة تبعا للظروف. أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف، المشار إليهم لكمالهم فيها هم المؤمنون حقا. لهم درجات ومنازل عند ربهم على حسب أعمالهم ونواياهم ولهم مغفرة، ولهم رزق كريم وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. والعرب يصفون الشيء الذي لا قبح فيه ولا ضرر بأنه كريم، وهذه الآيات بينت لنا حكم الغنائم، وأسس نجاح الجماعة، وبعض صفات المؤمنين الكاملين.

стр. 800

ما حصل للنبي ﷺ وقت خروجه لغزوة بدر الكبرى [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ١٤] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)

стр. 801

المفردات: الشَّوْكَةِ: واحدة الشوك، وفيها معنى الحدة والقوة، شبهوا بها الرماح والأسنة. دابِرَ الْكافِرِينَ: آخرهم الذي يكون في دبرهم من ورائهم. تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ استغاث: طلب الغوث والمعونة ليخلص من شدة. مُمِدُّكُمْ: ناصركم ومعينكم. مُرْدِفِينَ: متبعين بعضهم بعضا، مأخوذ من أردفه: إذا أركبه وراءه. يُغَشِّيكُمُ المراد: يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم. النُّعاسَ: فتور في الأعصاب يعقبه النوم، فهو مقدمة له. رِجْزَ الشَّيْطانِ الرجز والركس: الشيء المستقذر، والمراد وسوسة الشيطان. وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ: ليثبتها ويوطنها على الصبر. الرُّعْبَ: الخوف الكثير. فَوْقَ الْأَعْناقِ المراد: الرءوس. بَنانٍ: هو أطراف الصابع من اليدين والرجلين، والمراد الأيدى والأرجل. اقُّوا : خالفوا وعادوا إذ هم أصبحوا في شق وناحية والرسول في شق وناحية. يحسن بمن يريد أن يقف على معنى هذه الآيات أن يلم بتلك القصة. لما هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة بعد أن لاقى ما لاقى، وترك المسلمون أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين، وسمع بأن تجارة لقريش فيها مال كثير آتية من الشام، وعلى رأس العير أبو سفيان مع أربعين نفرا من قريش، انتدب المسلمين إليهم، وأغراهم بالعير قائلا: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها فأعجبهم تلقى العير لكثرة المال وقلة الرجال. أما أبو سفيان قائد العير وحاميها فكان يتجسس على النبي ﷺ وصحبه وعلم أن

стр. 802

محمدا أغرى أصحابه عليه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة وأمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد تعرض لهم في أصحابه وقد غير أبو سفيان طريقه وسار محاذيا البحر، ونجا العير والتجارة، أما قريش فجمعوا جموعهم واستنفر أبو جهل الناس من فوق الكعبة قائلا: النجاء. على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها محمد فلن تفلحوا أبدا، وخرج أبو جهل على رأس النفير وهم أهل مكة، ثم قيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجذور ونشرب الخمور، وتعزف القينات ببدر فيتسامع جميع العرب بنا وبخروجنا وأن محمدا لم يصب العير. أما محمد ﷺ وصحبه فلما علم بنجاة العير، وأن قريشا جمعت جموعها ليمنعوا عيرها، استشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر وعمر- رضى الله عنهما- فقالا وأحسنا، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض كما أمرك الله، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «١» ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول الله ثم قال: «أشيروا علىّ أيها الناس» وكأنه يريد الأنصار إذ كان يخاف أنهم لا ينصرونه ما دام الحرب في غير المدينة كما شرطوا ذلك في عهدهم، فقال سعد بن معاذ: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله فو الله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.. إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عيناك، فسر على بركة الله، فسرّ رسول الله لقول سعد. ثم قال رسول الله ﷺ : سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين: العير القادمة من الشام، أو النفير الآتي من مكة لنجدتهم. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم . فعلم من هذا أن النبي ﷺ خرج من المدينة لأجل العير وأنه استشار أصحابه في قتال النفير من قريش بعد هذا.

стр. 803

وقد وقع للمسلمين في بدر أمران يكرهانهما. أولا: كراهتهم قسمة الغنيمة بينهم بالسوية وهذه الكراهة من شبانهم فقط إذ هم الذين قاتلوا وغنموا وقتلوا العدو، وهذا ينشأ من طبع الإنسان. ثانيا: كراهتهم قتال قريش، وعذرهم فيها أنهم خرجوا من المدينة ابتداء لقصد الغنيمة ولم يستعدوا لقتال، والكارهون فريق من المؤمنين لا كلهم. وقد شبه الله إحدى الحالتين بالأخرى في مطلق الكراهية وأن امتثال أمر النبي في كلّ هو الخير. روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما كان يوم بدر ونظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف أو يزيدون فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله الآية ... وفي رواية فخرج رسول الله وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر آية ٤٥] . المعنى: هذه الحال التي حكم الله فيها بأن الأنفال حكمها لله تعالى وتنفيذها لرسول الله ﷺ وقد كره شبانهم ذلك- هذه الحال تشبه حالهم وقد أخرجك الله من المدينة لقتال النفير من قريش وقد كرهوا ذلك كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. أخرجك ربك من بيتك بالمدينة متلبسا بالحق والحكمة وصواب الرأى والحال أن فريقا بسيطا من المؤمنين لكارهون ذلك لعدم استعدادهم للحرب. يجادلك المؤمنون في الأمر الحق والرأى السديد وهو تلقى النفير لأنهم آثروا تلقى العير لقلة الرجال وكثرة المال، يجادلونك بعد ما تبين لهم الحق وظهر الصواب، حينما أخبرتهم أنهم هم المنصورون، وأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد نجا العير، فلم يبق إلا النفير، ولقد جادلوا بأنهم قليلوا العدد والعدد ولم يستعدوا، وقد كان خروجهم لتلقى العير.

стр. 804

لقد وعدهم إحدى الطائفتين على الإبهام فتعلقت آمالهم بالعير فلما نجت العير، ولم يبق إلا مقابلة أبى جهل في النفير، صعب على بعضهم اللقاء وخافوا الحرب وأخذوا يعتذرون، ولكن الحق تبين ولم يعد للجدال وجه إلا الجبن والخور والخوف من القتال حتى كأنهم لشدة ما هم فيه من الجزع والرهبة يساقون إلى الموت المحقق وهم ينظرون إليه، إذ الفرق بين القوة شاسع جدا، ولكن الله وعدهم بالنصر ووعده لا يتخلف: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة البقرة آية ٢٤٩] ، والأسباب الظاهرة كثيرا ما تختلف والأمر كله لله. واذكروا وقت أن وعدكم الله إحدى الطائفتين من العير أو النفير وتودون أن العير لكم فإنه قليل العدد ولا شوكة معه مع كثرة المال. ويريد الله لكم غير هذا وهو ملاقاة النفير الذي له الشوكة والحول والطول، وتكون الدائرة على المشركين، ويحق الله الحق بآياته المنزلة على رسوله في محاربة الكفار، وبما أمر الملائكة من نزولهم لنصرة المسلمين، وبما قضى لهم أولا من أسر وقتل وطرح في القليب (بئر بدر) ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين، ويستأصل شأفتهم ويمحو أثرهم. فبعض المسلمين أراد العاجلة وعرض الدنيا وخاف ما يرزؤه في بدنه ونفسه وماله والله يريد معالى الأمور، يريد لكم النصر وتقوية الروح وإلقاء الرعب في قلوب الأعداء وكسر شوكتهم بهزيمتهم وهم كثرة وينصركم وأنتم قلة. ويريد الله هذا ليحق الحق ويثبت دعائم الإسلام، ويبطل الباطل ويهدم الشرك والكفر والطغيان، ولو كره المجرمون، وذلك لا يكون بأخذ العير أبدا وإنما يكون بهزيمة النفير وقتل صناديد الشرك وأسرهم وإذلالهم. اذكروا يا أمة محمد وقت استغاثتكم ربكم قائلين: أى ربنا انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا، والمراد بالذكر تذكير لهم بالنعم ليشكروا وقد استغاث النبي ﷺ كذلك كما روى، وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال وملاقاة النفير من قريش أخذوا يدعون الله ويستغيثون. واعلم أن النصر في الحروب إنما يرجع إلى أسباب حسية ومعنوية إن تحققت جاء

стр. 805

النصر من الله: والله- سبحانه- هو الموفق لسلوك أسباب النصر أو أسباب الهزيمة، والنبي ﷺ يعلم ذلك، وأن لله سننا مع خلقه لا تتخلف، وأن عنده آيات يؤيد بها رسله، ولكنه لما رأى ضعف المسلمين وقلة عددهم وتهيبهم من القتال، استغاث الله ليوفقه إلى سنن النصر ويؤيده، فتقوى الروح المعنوية فيتحقق النصر، وقد استغاث الصحابة كما استغاث، ولقد استجاب الله الدعاء وأمدهم بألف من أعيان الملائكة يردف بعضهم بعضا حتى يتحقق قوله في سورة آل عمران: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [الآيتان ١٢٤- ١٢٥] وما جعل الله ذلك المدد الإلهى إلا بشرى بأن النصر لكم، وأن الله معكم، ولتسكن قلوبكم، ويهدأ روعكم فتلقون الأعداء ثابتين مطمئنين. واعلموا أن النصر من عند الله لا من عند غيره أبدا، إن الله عزيز لا يغالب، حكيم في كل صنع. وهل الملائكة قاتلت بالفعل كما ورد في بعض الروايات؟ أو هي قوة معنوية وتكثير للسواد ولم يحاربوا، بل ثبتت قلوب المسلمين وقويت روحهم المعنوية بهم. والله أعلم، على أن المتفق عليه أنهم لم يقاتلوا يوم أحد لأن الله علق النصر على الصبر والتقوى ولم يحصلا. واذكروا إذ ألقى الله عليكم النعاس حتى غشيكم كما روى البيهقي عن على- كرم الله وجهه- قال: «ما كان فينا فارس إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلى تحت شجرة حتى أصبح» ولا شك أن النعاس يزيل الخوف ومن دلائل الأمن والطمأنينة والوثوق بالنصر. ولقد نزلوا في بدر منزلا في كثيب (تل) أعفر تسوخ فيه الأقدام وليس فيه ماء، وقد احتلم بعضهم ليلا، ولما أصبحوا ظمئوا وصلّوا مجنبين محدثين، وكان المشركون على الماء فوسوس لهم إبليس وقال: لو كنتم على حق وفيكم نبي لما صليتم بجنابة وبغير وضوء ولما كنتم عطاشا وهم على الماء!! فأنزل الله مطرا كان على المشركين وابلا شديدا وكان على المسلمين طلّا خفيفا طهرهم من الرجس والدنس والجنابة والحدث، وقضى على وسوسة الشيطان وأصبحوا يطئون الرمل بسهولة فثبتت أقدامهم وسكنت قلوبهم،

стр. 806

وسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه، وبنى لرسول الله عريش على تل مشرف على المعركة. واذكروا إذ يوحى ربك إلى الملائكة بالإلهام أنى معكم بالنصر والتأييد فثبتوا قلوب المؤمنين، وقووا عزائمهم، وذكروهم وعد الله ورسوله، وأنه لا يخلف الميعاد. وقد روى أن الملائكة كانت تسير بين الصفوف وتبشرهم بالنصر: إنا معكم سنلقى في قلوب الكافرين الرعب. فاضربوا رءوسهم التي فوق الأعناق واقطعوها، واقطعوا أيديهم التي طالما عصت الله. ذلك النصر المؤزر للنبي وصحبه، وذلك الخذلان والهزيمة للمشركين بسبب أنهم عادوا الله ورسوله، وأصبحوا في شق والرسول في شق، وهل تستوي الظلمات والنور؟ ومن يعاد الله ورسوله فإن له فوق الهزيمة والألم والخزي في الدنيا عذابا شديدا فإن الله شديد عقابه سريع حسابه. توجيهات حربية للمؤمنين [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ١٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)

стр. 807

المفردات: زَحْفاً زحف: إذا مشى على بطنه كالحية، أو دب على مقعده كالصبي، أو مشى بثقل في الحركة واتصال وتقارب خطو، والعسكر المجتمع كأنه شخص واحد إذا تحرك يبدو أنه بطيء زاحف، والواقع أنه سريع. الْأَدْبارَ: جمع دبر، وهو ما قابل القبل، ويطلق على الظهر، والمراد الهزيمة. مُتَحَرِّفاً تحرف وانحرف: مال إلى حرف، أى: إلى جانب. مُتَحَيِّزاً: منحازا إلى جماعة أخرى، أى: منضما إليها. لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ البلاء: الاختبار بإعطاء النقم لاختبار الصبر، والنعم لاختبار الشكر، والمراد هنا الابتلاء بالنعم. تَسْتَفْتِحُوا أى: تطلبوا الفتح والنصر في الحرب والفصل في الأمر. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله، وصدقوا به وبرسوله يجب عليكم إذا لقيتم الذين كفروا في ميدان الحرب حالة كونهم كالزاحفين على أدبارهم إذ الجيش إذا كثر عدده يرى في سيره بطيئا والواقع أنه سريع، وقد زحف الكفار على المسلمين يوم أن انتقلوا من مكة إلى بدر، فيجب عليكم والحالة هكذا ألا تولوهم الأدبار، وألا تفروا منهم مهما كثر عددهم وأنتم قلة، بل اثبتوا وقاتلوا فالله معكم عليهم، وقد خص بعض العلماء هذا إذا كان الكفار لا يزيدون على الضعف ومن يولهم يومئذ دبره في القتال، ومن يفر منهم ويجبن عن قتالهم فعليه غضب من الله ومأواه جهنم. فالفرار من الزحف إذا التقى الجيشان كبيرة من الكبائر- كما ورد في الحديث -

стр. 808

يستحق صاحبها الغضب الشديد والعذاب الأليم إلا رجلا منحرفا من مكان إلى مكان رآه أصلح في ضرب العدو. أو أراد أن يوهم العدو أنه يفر حتى يستدرجه بعيدا عن صحبه ثم يكر عليه فيقتله، فتلك من خدع الحرب المحبوبة. أو رجلا منتقلا من جماعة إلى جماعة أخرى رأى أنها في حاجة إليه فيشد أزرهم ويقوى عزمهم. يا أيها الذين آمنوا إذا حاربتم الكفار فلا تولوهم ظهوركم أبدا، ولا تفروا منهم فأنتم أولى بالثبات والشجاعة فأنتم تطلبون إحدى الحسنيين، وقد وعدكم الله بالنصر، انظروا إلى ما حصل في غزوة بدر، قد نصركم الله بها وأنتم قلة في العدد، وما كان ذلك إلا بتأييد الله، وتثبيت قلوبكم، ومدكم بالملائكة. وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي كسر شوكتهم في الواقع، ولكن الله قتلهم بأيديكم قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [سورة التوبة آية ١٤] . ولقد كان من المسلمين بعد أن رجعوا من غزوة بدر افتخار كثير فكان الواحد يقول: أنا قتلت، أنا أسرت، فعلمهم الله أن ذلك فخر كاذب لا يليق ووجههم توجيها حسنا حتى يلجئوا إليه ويعتمدوا عليه وحده فقال: فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم بتأييده ونصره وإنزال الملائكة وإلقاء الرعب وهو على كل شيء قدير. روى أنه لما طلعت قريش قال رسول الله ﷺ : هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذّبون رسولك، اللهم إنى أسألك ما وعدتني. فأتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فرمى بها وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه. وما رميت يا محمد حين رميت الحصا، ولكن الله رمى، وهذه ظاهرة التناقض، لكن المعنى: وما رميت يا محمد فإن الأثر الذي حدث من قبضة التراب التي رميتها أثر كبير حيث وصل إلى عيون الجيش كله. وهذا لا يمكن أن يكون من بشر، وإن يكن أنت الذي رميت في الظاهر فصورة الرمي للرسول ﷺ وأثر الرمي وما حدث منه لله- . فعل الله ذلك كله لتقام حجته على الكفار بتأييد رسوله ونصره على عدوه وإن اختلفت الإمكانات الحربية، وليعطى المؤمنين الذين فارقوا ديارهم وأموالهم عطاء حسنا بالغنيمة والنصر وحسن السمعة ورد الاعتبار، إن الله سميع لكل قول والتجاء إليه، عليم

стр. 809

بكل نية وعمل، ذلك القتل والرمي والإعطاء حق من الله- تعالى- موهن كيد الكافرين ومكرهم بالنبي ﷺ وصحبه وأنهم يريدون القضاء على الدعوة قبل أن يشتد أمرها، وذلك كله حق فقد رد كيدهم في نحورهم، ورجعوا مهزومين مطرودين. روى أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتى بما لا يعرف فأمته الغداة فكان ذلك منه استفتاحا. وروى أنهم تعلقوا بأستار الكعبة قبل خروجهم وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين ، فأجابهم الله بقوله استهزاء بهم وتوبيخا لهم على عملهم وتعجبا من حالهم: إن تستفتحوا أيها الكفار فقد جاءكم الفتح، وهذا منتهى التهكم، إذ جاءهم الهلاك والذلة، وإن تنتهوا وتسلموا وتتركوا عداوة النبي ﷺ فهو خير لكم وأجدى، وإن تعودوا إلى محاربته نعد نحن إلى نصره وهزيمتكم، ولن تغنى جماعتكم وقوتها شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق إلى سلوك طرق النجاح والفلاح، والعاقبة للمتقين. تحذير من مخالفة الدين [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)

стр. 810

المفردات: الصُّمُّ الصمم: عدم السمع، والأصم: الأطرش. الْبُكْمُ البكم: عدم الكلام، والأبكم: الأخرس. الدَّوَابِّ: جمع دابة، وهي ما تدب على الأرض، والغالب استعمالها في الحشرات والدواب التي تحمل على ظهرها، وإذا أريد منها الإنسان كان المقصود الاحتقار. المعنى: يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان أطيعوا الله ورسوله فيما أمر ونهى، ولا تعرضوا عن الأمر بالجهاد وبذل المال وغيرهما والحال أنكم تسمعون المواعظ والزواجر في القرآن والحديث. وإياكم أن تكونوا كالذين قالوا سمعنا والحال أنهم لا يسمعون أبدا ... إن شر المخلوقات عند الله من لا يصغى بسمعه إلى الحق فيتبعه ويعتبر بالموعظة الحسنة فيعمل بها، فإن من لا يستخدم جهاز السمع فيما خلق له كان كأنه فاقد له، فهو أصم عن الحق والخير والهدى والفلاح.. والبكم الذين لا يقولون الحق، ومن ثم كانوا كأنهم فقدوا حاسة الكلام، والذين لا يعقلون الفرق بين النور والظلام، والهدى والضلال، والإسلام والكفر إذ هم لو استخدموا عقولهم وأبعدوا عنها ذل التقليد وحمى العصبية الجاهلية لعقلوا المنفعة وأدركوا الصالح المفيد ولكنهم كالبهائم لا يعقلون. ولو علم الله في نفوسهم الميل إلى الخير والسداد والاستعداد إلى الإيمان والهدى ولم تفسد فطرتهم بسوء القدوة وفساد التربية لأسمعهم بتوفيقه سماع تدبر ووفقهم لكلامه وكلام رسوله، ولكنه لو أسمعهم لتولوا وهم معرضون فهم لا خير فيهم أصلا. ومن يلقى إليه شيء لا يخلو من واحد من أربع: ١- معاند لا يسمع أبدا بل يجعل أصابعه في آذانه. ٢- منافق يسمع ويتظاهر بالقبول ساعة الحضور ثم هو لا يتدبر ولا يفهم شيئا. ٣- يسمع ليتسقط العيوب ويتلمس السقطات. ٤- يسمع ليهتدى بنور الحق وهم الفئة المؤمنة الموفقة المهدية إلى يوم القيامة.
следующие страницы →