وكان قوله تعالى: الذين كذبوا هم الخاسرون على سبيل الحصر ردّا عليهم في قولهم:
لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ... «١» وحقا الكافرون هم الذين خسروا في الدنيا والآخرة دون سواهم.
وأما شعيب فقد تولى عنهم وأعرض قائلا: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي، وبلغتكم ما فيه صلاحكم في المعاش والمعاد، ونصحت لكم، ومن بشر وأنذر فقد أعذر، ومن أعذر فكيف يحزن على قوم عصوه ولم يؤمنوا؟ وكانوا كافرين!! وما أرسلنا في قرية من القرى ولا مدينة من المدن، ما أرسلنا فيها رسولا ثم كذب أهلها وعصوا إلا أخذناهم بالشدة والمكروه وأصابتهم سنين عجاف، لعلهم بهذا يتضرعون، ويلتجئون إلى ربهم وهكذا سنة الله في الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلا، يرسل الشدائد لعلها ترجع الإنسان إلى ربه، وترده عن غيه، ولكن كثيرا من الناس لا تردعهم الروادع، فهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» .
ثم أعطيناهم بدل الشدة سعة، ومكان الفقر والضيق غنى وفضلا، حتى عفوا وكثروا في المال والعدد، فالله- سبحانه- يريهم الحالتين ويمكن لهم في الجهتين لعلهم يعتبرون، ولكن العصاة يقولون: هؤلاء آباؤنا قد مستهم الضراء والسراء، وحل بهم الضيق والفرج والعسر واليسر. وما نحن إلا مثلهم، وهذا قول من لم يعتبر ويتعظ بأحداث الزمن، أليس ما هم فيه ابتلاء واستدراجا؟ ألم يعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ وهم مع ذلك قد أعرضوا ونأوا، واستكبروا وبغوا فكان جزاؤهم ما يأتى:
فأخذناهم بغتة وحل بهم العذاب فجأة، وهم في غيهم سادرون، وفي عمايتهم لاهون فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «٣» .
فاعتبروا يا أولى الأبصار، واتعظوا بما حل بغيركم فتلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا!!!
العهد: الوصية، وقد يكون بين طرفين كالمعاهدة أو طرف واحد. بأن يعهد إليك بشيء، أو تلتزم به، والميثاق: العهد المؤكد.
المعنى:
هكذا نظام الله في الكون، وتلك سنته مع الخلق قديما وحديثا فاعتبروا واتعظوا أيها الناس خاصة أنتم يا زعماء الشرك من العرب، ولو أن أهل القرى التي كذبت رسلها، ولم تؤمن بربها. لو أنهم بدل الكفر آمنوا ومكان العصيان اتقوا لفتح الله عليهم أنواع الخير من السماء والأرض كالعلوم والهداية والوحى والإلهام، وكذا المطر والسحاب وسهل عليهم خير الأرض من نبات ومعادن، وخصب وكنوز. والمعنى: أنهم لو آمنوا ليسر الله لهم كل خير من كل جانب.
ولكن كذبوا وكفروا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر بما كانوا يكسبون ... فعلوا ما فعلوا فأخذهم الله بغتة، وعلى غرة منهم، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا، وينزل بهم عذابنا وهم بائتون ونائمون؟!! أو أمن أهل القرى أن يأتيهم العذاب ضحى وهم يلعبون، فإن من يأتى من الأعمال ما لا فائدة فيه فهو لاعب ولاه!!!
والمعنى:
إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر.
أفأمنوا مكر الله؟ وقد كرر الاستفهام الإنكارى لزيادة التوبيخ، وهو معطوف على قوله: أفأمن أهل القرى، ولذا كان بالفاء، ومكر الله عبارة عن جزائه، وأخذه العبد إذا طغى من حيث لا يشعر مع استدراجه والإملاء له، فعلى العاقل ألا يأمن مكر الله ولو كانت إحدى رجليه في الجنة، ومعنى الآية: أيأخذهم ربك بغتة في الليل أو الضحى فأمنوا مكر الله؟! إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
أجهل هؤلاء الناس (خاصة قريشا) الذين يرثون الأرض من بعد أهلها- بعد هذا البيان الكامل- أن سنة الله في الخلق لا تتغير؟ أكان ما ذكر ولم يتبين لهم أن شأننا معهم
стр. 739
كشأننا مع من سبقهم؟! فلو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وعذبناهم على أعمالهم، كما أصبنا أمثالهم من قبل بغتة وهم لا يشعرون.
ونحن نطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون الحكم والنصائح سماع قبول وتدبر وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [سورة يونس آية ١٠١] .
تلك القرى التي مر عليك ذكرها نقص عليك بعض أنبائها وأخبارها، مما فيه عبرة وعظة وتسلية، ولقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات، والمعجزات الخارقات ولكنهم لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل مجيء المعجزات، أى: في بدء الدعوة، فهم قد ظلوا على حالهم، ولم تنفعهم الآيات الدالة على صدق الرسل.
مثل ذلك الطبع الذي طبعه الله على قلوب الكافرين من تلك الأمم يطبع الله على قلوب الكافرين من أمة الدعوة، إن هذا الجمود والعناد الذي تراه عند كفار مكة قد سبقوا بمثله عند الأمم السابقة، فلا تأس عليهم، ولا تحزن على كفرهم.
وما وجدنا لأكثرهم عهدا وفوا به، سواء كان عهد فطرة أو عهد شرع أو عرف، وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد، وفي التعبير (بأكثرهم) إيماء إلى أن البعض قد آمن ووفى بعهده.
قصة موسى ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١٦]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
стр. 740
المفردات:
مُوسى: هو موسى بن عمران نبي بنى إسرائيل. فِرْعَوْنَ: لقب كل ملك لمصر في العهد القديم، وقيل: كان اسمه منفتاح. حَقِيقٌ: جدير وخليق.
تَأْمُرُونَ: تشيرون علىّ، من قولهم: مرني بكذا، أى: أشر على به. أَرْجِهْ وفي قراءة أرجئ بمعنى: أخر ولا تفصل في شأنه. حاشِرِينَ جامعين لك السحرة.
أفردت قصة موسى- ﵇ عن قصص الأنبياء السابقين، لأن قصصهم جميعا طبع على غرار واحد إذ كلهم أرسل لأمته وقد كذبته وحل بها العذاب، وأما موسى فقد أرسل لغير قومه، وكانت معجزته ظاهرة واضحة، وآمن به أكثر قومه، وشريعته أقرب الشرائع لشريعة محمد- ﵊ لاشتمالها على أمور دينية
стр. 741
ودنيوية وأسس أمة لها حضارة ونظام، ولذا تراها ذكرت مفصلة وكررت في القرآن وذكر اسمه أكثر من مائة مرة.
المعنى:
ثم بعثنا بعد هؤلاء الرسل موسى بآياتنا ومعجزاتنا الدالة على صدقه ورسالته، بعثناه إلى فرعون وملئه فظلموا بها وكفروا، ولا شك أن الظلم والكفر من واد واحد إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «١» على أنهم ظلموا بها أنفسهم، وظلموا غيرهم بما صدوا عنها وآذوا في سبيلها.. وإنما ذكر أن موسى بعث إلى فرعون وملئه دون قومه لأنه أرسل لإنقاذ بنى إسرائيل من فرعون وكيده، والذين استعبدهم هو فرعون وأشرافه وبطانته، أما الشعب فكانوا مستعبدين كذلك على أن فرعون وملأه لو آمنوا لآمن الشعب كله.
فانظر كيف كان عاقبة المفسدين؟ هذه جملة القصة وخلاصتها والعبرة منها، مع إفادة التنبيه والتفات إلى القصة، وهاك التفصيل:
وقال موسى: يا فرعون إنى رسول من رب العالمين، الذي بيده كل شيء، وأنا حقيق بأنى لا أقول على الله إلا الحق، وكيف يكون غير ذلك؟ وأنا رسول رب العالمين، فتراه بإيجاز أثبت الرسالة له من قبل المولى- جل شأنه- وأنه معصوم من الكذب وقد أيد بالمعجزات، وقد جئتكم يا قوم ببينة وحجة من ربكم، لا من وضعي أنا بل من الله- سبحانه- الواحد الأحد رب السماء والأرض ورب فرعون وهامان، فهذا فرعون مخلوق ضعيف لا رب معبود.
وإذا كان الأمر كذلك فأرسل معنا يا فرعون بنى إسرائيل، ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك، والسلام على من اتبع الهدى.
قال فرعون: إن كنت جئت بآية- كما تدعى- فأت بها إن كنت من الصادقين في دعواك، فأجابه موسى بالفعل لا بالقول.
فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان ظاهر حقيقى يتحرك وينتقل من مكان إلى مكان وأخرج يده من جيب قميصه بعد إلقاء العصا فإذا هي بيضاء ناصعة البياض، تتلألأ لكل من ينظر إليها.
стр. 742
وهناك ذكرت روايات في كتب التفسير حول الثعبان والعصا، واليد، والله أعلم.
إنها إسرائيليات مدسوسة من خيال وهب بن منبه وكتب الأحبار وأمثالهم.
وماذا حصل بعد هذا وما قالوا؟
قال الملأ من قوم فرعون، وهم أشراف القوم وبطانة الملك: إن هذا لساحر عليم بفنون السحر وضروبه، وقد وجه همه لسلب ملككم، وإخراجكم من أرضكم، ونزع الملك من أيديكم بطرق سحرية قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ [سورة يونس آية ٧٨] .
قال فرعون لهم: فماذا تأمرون؟ وبأى شيء تشيرون؟
قالوا: أخر الفصل في أمره وأمر أخيه، وأرسل في المدائن جندك وعيونك، جامعين لك السحرة، وسائقيهم إليك، حتى يأتوك بكل ساحر عليم فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً. قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى [طه ٥٨- ٦٠] .
وجاء السحرة من كل حدب وصوب وقالوا لفرعون: أئن لنا لأجرا كاملا يكافئ ما نقوم به من عمل عظيم يتم به الغلب على موسى وسحره؟
وقال فرعون: نعم لكم أجركم كما تطلبون، وإنكم لمن المقربين إلى مجلسنا، فيكون السحرة جمعوا بين المركزين المالى والأدبى.
ولما اجتمعوا قال السحرة- في اليوم الموعود لموسى-: إما أن تلقى بسحرك، وإما أن نكون نحن الملقين، وهذا كلام الواثق من نفسه.
قال موسى: ألقوا ما أنتم ملقون قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [سورة يونس آية ٨١] .
فلما ألقوا سحروا أعين الناس من النظارة، واسترهبوهم وملئوا قلوبهم خوفا وجاءوا بسحر عظيم في الظاهر.
سحروا أعين الناس بخفة الأيدى والحركة السريعة، أو باستخدام الزئبق في العصى أو البخور المؤثر على العيون.
ومن تعبير القرآن بقوله: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ. وقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ
стр. 743
سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
أن السحر له تأثير على خيال الشخص فقط ولا تأثير له على حقيقة الأشياء، ومن هنا كان الفرق بين السحر والمعجزة، إذ إن المعجزة تظهر على يد مدعى النبوة، والسحر على يد رجل فاسق، والسحر كان يعلم عند قدماء المصريين، وله ضروب وأنواع شتى، على أنه خيال، والمعجزة لها حقيقة واقعة، وتأتى بلا تعليم.
السحرة مع موسى وفرعون [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٦]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
المفردات:
تَلْقَفُ لقف الشيء وتلقفه: تناوله بحذق وسرعة. ما يَأْفِكُونَ الإفك في الأصل: قلب الشيء عن وجهه الأصلى، ولذا قيل للكذاب: أفاك لقلبه الكلام عن وجهه، وكل أمر صرف عن وجهه فهو مأفوك، فالإفك يكون في القول بالكذب ويكون في العمل بالسحر. انْقَلَبُوا: عادوا. لَمَكْرٌ المكر: صرف الغير
стр. 744
عما يقصده بحيلة. مِنْ خِلافٍ المراد: يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى وبالعكس. تَنْقِمُ: تكره. أَفْرِغْ عَلَيْنا: صب علينا صبا يغمرنا.
المعنى:
أوحى الله إلى موسى أن ألق عصاك فكانت ثعبانا ظاهرا، وكان على أثر ذلك أن دعا فرعون السحرة، وأوحى إليه مرة ثانية أن ألق عصاك لما حضر السحرة وسحروا أعين الناس فألقاها فإذا هي تأتى على فعل السحرة فتبطله، وتلقف ما يأفكون، قال ابن عباس: فجعلت العصا لا تمر بشيء من حبالهم وعصيهم إلا التقمته فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء وليس بسحر فخرّوا ساجدين.
وقيل المعنى: تبطل سحرهم، وتبين حقيقته للناس وتبطل عمله المصروف من وجهة الحق إلى الباطل.
ولما كان هذا شأنهم، وقد عرف السحرة حقيقتها، وأنها ليست كالسحر الذي يعرفونه ظهر الحق وثبت أن موسى رسول وليس ساحرا، وبطل ما كانوا يعملون.
فغلب موسى فرعون وجموعه المجموعة في اليوم المشهود بأمر الله وقوته، وانقلبوا صاغرين أذلة، يجرون ثياب الخزي والعار، وخر السحرة ساجدين كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم، إذ الحق بهرهم والنور دفعهم فلم يتمالكوا أنفسهم مما رأوا، وقالوا:
آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، سبحانه وتعالى عما يصفون!! ولما ظهر الحق وزهق الباطل، وألقى السحرة ساجدين مؤمنين وفي هذا خطر شديد على فرعون وملئه، قال فرعون: أآمنتم بموسى قبل أن آذن لكم؟ إن هذا العمل الذي عملتموه وهو أن تتظاهروا أولا بالعداوة، والاعتداد بالسحر، وإرادة الغلبة لموسى مع إصراركم على أنكم ستنحازون إليه بعد التجربة، إن هذا لمكر، وأى مكر كهذا، دبرتم العمل بالمدينة وأحكمتم الرواية فيها ثم أمامنا وأمام الشعب مثلتموها، وما دفعكم إلى هذا إلا حبكم في أن تخرجوا من البلد أهلها ثم تستقلوا بها مع بنى إسرائيل إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ «١» فسوف تعلمون ما أنا فاعل بكم.
стр. 745
لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف كل يد مع رجل تنكيلا بكم وتعذيبا، ثم لأصلبنكم على الخشب جميعا حتى تموتوا، وتكونوا عبرة وعظة لغيركم.
ولكنهم ردوا رد المؤمن الواثق قائلين: لا ضير علينا في هذا إن الأمر لله والمرجع إليه مهما طال العمر أو قصر، وإن الجسد فان، وإنا إلى ربنا منقلبون حتما، وما تفعلون بنا إلا تعجيل اللقاء المحتوم.
وما تكرهون منا؟ إنكم لا تكرهون منا إلا إيماننا بالله ورسوله لما جاءتنا البينات.
وظهرت أمامنا المعجزات، ونحن أدرى بمعرفة السحر وأثره، وقالوا: ربنا صب علينا صبرا يفيض كالماء، وثبت أقدامنا على صراطك المستقيم، وتوفنا مسلمين، فإنك أنت العزيز الحكيم.
ما كان من أمر فرعون وملئه مع موسى وقومه [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
стр. 746
المفردات:
وَيَذَرَكَ: يتركك. نَسْتَحْيِي: نبقيهم أحياء.
المعنى:
ولما كان أمر السحرة ومن تبعهم من الناس حينما انضموا إلى موسى وآمنوا به على مشهد من الجموع المحتشدة، لما كان هذا يقض مضاجع فرعون وملئه قالوا لفرعون:
أتذر موسى وقومه أحرارا في الأرض يدعون لدينهم، ويكثر سوادهم ويتركك موسى مع آلهتك فلا يعبدونك ولا يعبدونها وفي هذا فساد للأرض، وذهاب للملك؟!! قال فرعون: سنقتل أبناءهم، ونستبقى نساءهم أحياء فلا يكثرون كما كنا نفعل قبل ولادة موسى ليعلموا أنا على هذا قادرون، وأنا فوقهم قاهرون وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ «١» .
ولما سمع بنو إسرائيل خافوا فطمأنهم موسى وقال: استعينوا بالله وحده فهو القادر على كل شيء، واصبروا فالصبر سلاح المؤمن، واعلموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، واعلموا أن العاقبة للمتقين، والنصر للمؤمنين فليس كما يظن فرعون وقومه.
ولكن هذه الوصية لم تهدئ من روعهم فقالوا والأسى يحز في نفوسهم: أوذينا من قبل مجيئك، ومن بعد إرسالك، فقد كنا نسأم الخسف، ونذوق المر، وتقتل أولادنا ويسوموننا سوء العذاب، وها أنت ذا ترى اليوم ما نحن فيه!! قال موسى لهم: رجائي من الله- والله محققه إذا شاء- أن يهلك عدوكم ويجعلكم خلفاء في الأرض وسادة، وينظر كيف تعملون؟؟!
стр. 747
جزاء العصاة في الدنيا [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٣]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)
المفردات:
بِالسِّنِينَ: جمع سنة، وهي بمعنى الحول، إلا أنه كثر استعمالها في السنة المجدبة كما هنا. الْحَسَنَةُ: المراد: الخصب والنماء. سَيِّئَةٌ المراد بها:
ما يسوءهم من جدب وقحط، أو ما يصيبهم في البدن أو المال. يَطَّيَّرُوا:
يتطايروا ويتشاءموا، ولعل السر في إطلاق التطير على التشاؤم أن العرب كانت تعقد الأمل في الخير على الطائر إذا طار يمينا وتتوقع الشر إذا طار جهة اليسار.
طائِرُهُمْ: المراد: ما قضى لهم وقدر. الطُّوفانَ: ما يطوف بالإنسان ويغشاه، وغلب في طوفان الماء. الْجَرادَ: حيوان طائر يأكل النبات.
الْقُمَّلَ: هو السوس الذي يظهر في القمح. وقيل هو الدود الذي يأكل الزرع.
стр. 748
المعنى:
أقسم الله- إظهارا لكمال العناية بمضمون المقسم عليه لما له من الأثر في تربية النفوس، أقسم أنه أخذ آل فرعون بالقحط والجدب والسنين العجاف، وقد شاع استعمال القرآن كلمة (أخذ) في العذاب والشدة وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ [سورة هود آية ١٠٢] .
ولقد أخذناهم بهذا كله لعلهم يتذكرون ويتعظون، وذلك أن من سنته تعالى أن يرسل الزواجر من المصائب والآفات والنقص في الثمرات تنبيهات لعل أصحابها ترجع وتثوب، فإن ثابت واهتدت كان الخير، إلا فالهلاك المحتوم، والقضاء المعلوم، وقد كان آل فرعون من النوع الأخير ومثلهم كل شخص أو أمة لم تنتبه للزواجر، ولم تتعظ بالحوادث في كل زمان إلى يوم القيامة.
فإذا جاءت أمة فرعون الحسنة من الخير والنماء، والزيادة في الثمرات قالوا: إنما أوتينا هذا على علم ومعرفة، وهذا لنا نستحقه بعملنا، وإن أصابتهم سيئة الجدب وقلة الثمر وهلاك الزرع تشاءموا واطّيّروا بموسى ومن معه يا سبحان الله!! أهكذا يكون ضيق العقل وفساد الرأى وعدم التوفيق؟ فهم يقولون عند حلول المصائب بهم: ما هذا إلا بشؤم موسى وقومه، وغفلوا عن سيئات أعمالهم، وشرور أنفسهم إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [سورة النساء آية ٧٨] .
ألا إن كل ما يصيبهم من خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، والله قد قضى أن يكون الخير ابتلاء أيشكر صاحبه أم يكفر؟ وقضى أن يكون الشر ابتلاء كذلك هل يرجع صاحبه عن الغي والفساد أم يظل سادرا في الطغيان والضلال؟!! والله قد قضى كذلك أن تكون أعمال العباد سببا فيما ينزل بهم من خير وشر غالبا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة الإلهية في تصريف الكون، ولا يعلمون كيف ربطت الأسباب بمسبباتها، وأن كل شيء عنده بمقدار، فليس هناك شيء بشؤم موسى أو غيره، ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون.
ومع ذلك كله فقد قالوا: مهما تأتنا به من آية تستدل بها على صدقك وأنك محق في
стр. 749
دعوتك- وسموا ما يأتى به موسى آية كما يقول فقط لا عن اعتقاد- مهما تأتنا به من الآيات لتسحرنا بها وتصرفنا عما نحن فيه بلطف ورقة فما نحن لك بمصدقين أبدا، هذا ما كان منهم.
أما جزاؤهم عليه فقد أرسل الله عليهم الطوفان والسيل فأغرقهم، وأتلف زراعتهم كما ورد في التوراة وأرسل عليهم الجراد الذي يأكل ما اخضر من ثمارهم وزرعهم، وأرسل عليهم القمل وهي صغار الذر (كالدودة) التي تأتي عندنا اليوم فتأكل البرسيم وباقى الزرع في لحظة وأرسل عليهم الضفادع وجعل ماءهم كالدم.
كل ذلك آيات مفصلات واضحات، لا تخفى على عاقل أنها من عند الله وأنها عبرة ونقمة لهم، وهذه آيات دالة على صدق موسى إذ قد توعدهم بوقوعها على وجه التفصيل لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل التآويل، وهذا معنى آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.
أما هم فاستكبروا وعاندوا ولم يعتبروا بعد هذا كله، وكانوا قوما مجرمين.
وهذه الآيات تشير أولا إلى ربط الأسباب بالمسببات على حسب مشيئته تعالى.
وثانيا إلى أن الآفات التي تصيب الزرع فتهلكه والثمر فتنقصه هذا كله بسبب أعمال الناس فمن أعمالنا سلط علينا، وما الآفات التي يرسلها الله كل عام علينا ببعيدة، وحذار أن تقولوا: نحن لا نستحق هذا، فاعتبروا يا أولى الأبصار، وفقنا الله للخير.
عاقبة الكفر وخلف الوعد [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٦]
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)
стр. 750
المفردات:
الرِّجْزُ: العذاب الشديد الذي يضطرب له الناس. يَنْكُثُونَ: ينقضون العهد، والنكث في الأصل، نقض الغزل، ثم استعمل في نقض العهد. الْيَمِّ:
البحر، سمى بذلك لأنه مقصود، والتيمم: القصد.
المعنى:
ولما وقع عليهم ذلك العذاب الشديد الشامل لكل نقمة من النقم الخمس السابقة قالوا يا موسى: ادع لنا ربك بسبب ما عهده عندك من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة، ونحن نقسم لك لئن كشفت عنا ذلك الرجز لنؤمنن لك ولنصدقن بك وبرسالتك ولنرسلن معك بنى إسرائيل إلى أرض الميعاد.
فلما كشفنا عنهم العذاب وأزلنا عنهم هذا العقاب، إلى أجل محدود هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلول ذلك اليوم.. إذ هم ينكثون، وينقضون العهد من بعد ميثاقه.
وقد ورد أنهم كانوا يمكثون في العذاب الواحد من الطوفان والجراد ... إلخ أسبوعا ثم يسألون موسى الدعاء برفعه، ويعدونه بالإيمان وإرسال بنى إسرائيل ثم ينكثون العهد وينقضونه.
ولما حان الأجل المضروب انتقمنا منهم فأغرقناهم في البحر، وذلك بسبب تكذيبهم بالآيات كلها التي نزلت عليهم، وكانوا غافلين عما يعقبها من العذاب في الدنيا والآخرة.
هذا لأكثرهم، وبعضهم آمن، وبعضهم كان يكتم إيمانه.
стр. 751
من نعم الله على بنى إسرائيل [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣٧]
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
المفردات:
مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا المراد: جميع جهاتها، والأرض هي أرض الشام ومصر. كَلِمَتُ رَبِّكَ: وعده لهم. دَمَّرْنا الدمار: الهلاك والخراب.
يَعْرِشُونَ: يبنون.
ما تقدم كان جزاء فرعون وملئه وهكذا جزاء الظالمين!! وما هنا عاقبة المؤمنين الصابرين من بنى إسرائيل.
المعنى:
وأورثنا القوم من بنى إسرائيل الذين كانوا يستضعفون بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، وإسامتهم سوء العذاب، أورث الله هؤلاء المستضعفين الأرض التي باركنا فيها بالخصب والنماء، وكثرة الخيرات والأمطار. أورثناهم مشارقها من حدود الشام ومغاربها من حدود مصر، وتمت كلمة ربك الحسنى، وتحقق وعده الأسمى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ «١» وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وهكذا نتيجة الصبر، وحسن تلقى الأمر، أما من يخلعه جزعه، ويهلكه هلعه فتكون عاقبة أمره خسرا.
стр. 752
ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المبانى والقصور، والعمارات والدور، وما كانوا يقيمون من العرائش والسقف في الجنات والبساتين، وهكذا من يقوم وقلبه عامر بالإيمان، وروحه مليئة باليقين والإسلام، يقوم ضد عدو الله ولو كان فرعون مصر صاحب الحول والطول والجند والحشم والمال والخدم، يقوم لله ولإزالة الفساد والطغيان فالله معه وناصره ومؤيده.
وقد كان موسى وهارون ومن معهما كذلك إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وما حوادث الانقلاب التي مرت بنا ببعيدة!!.
نعم الله على بنى إسرائيل وما قابلوها به [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
المفردات:
وَجاوَزْنا جاز الشيء وجاوزه وتجاوزه: عداه وانتقل عنه. يَعْكُفُونَ عكف يعكف على الشيء: أقبل عليه ولازمه تعظيما له. أَصْنامٍ جمع صنم، وهو
стр. 753
ما يصنع من خشب أو حجر أو معدن أو عجوة رمزا لشيء حقيقى أو خيالي ليعظم تعظيم العبادة، والتمثال لا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقى، فإن عبد فهو صنم.
مُتَبَّرٌ التبار: الهلاك. باطِلٌ: هالك وزائل لا بقاء له.
المعنى:
أنعم الله على بنى إسرائيل نعما لا تحصى حيث نجاهم من فرعون وملئه، وأهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وجاوز بهم البحر آمنين، وأغرق فرعون وقومه، ومع هذا لم يقابلوا النعم بما يجب من الشكر والطاعة، بل قابلوها بالكفر والعصيان، وهكذا كان اليهود قديما وحديثا، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ .
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، أى: تجاوزوه بعناية الله ورعايته حتى كأن الله معهم بذاته، فلما انتقلوا عنه ورأوا قوما «قيل: من العرب، وقيل: من غيرهم» عاكفين على أصنام لهم ومقبلين عليها ومعظمين لها تعظيم العبادة والتقديس.
قالوا يا موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهذا الطلب منهم دليل على أن تقديس الأصنام وعبادة غير الله كانت متأصلة في نفوسهم وفيهم حنين لها، وهذا شأن من دخل في دين الله حديثا.
ولقد رد موسى على من طلب منه هذا الطلب بقوله:
إنكم قوم تجهلون ما يجب لله- سبحانه- من صفات التقديس والكمال، وتجهلون حقيقة التوحيد الخالص له سبحانه، وأنه ليس في حاجة إلى شفيع أو واسطة، بل هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وتجهلون حقيقة الرسالة بدليل طلبكم منى هذا!! إن هؤلاء القوم العاكفين على أصنامهم مقضىّ على ما هم فيه بالهلاك والتبار، إذ إنها لا تنفع أبدا ولا تضر، وباطل عملهم في الدنيا والآخرة، وفي تعبير القرآن إشارة إلى أن عبدة الأصنام هم المعرضون للهلاك، وأن عملهم هذا إلى زوال، أو في هذا بشارة بزوال عهد الوثنية من تلك الأرض، قل لهم يا موسى: أغير الله خالق السموات والأرض المنعم عليكم بهذه النعم أأطلب لكم إلها غيره؟!! إن هذا لشيء عجيب.
وكيف تطلبون هذا وهو فضلكم على عالمي زمانكم.
стр. 754
واذكروا وقت أن أنجيناكم من آل فرعون، وأنقذناكم من ذل العبودية ونار الاستعمار، وأنهم كانوا يسومونكم العذاب السيئ: يقتلون أبناءكم الذكور ويتركون نساءكم أحياء، وفي ذلكم المذكور من الإنجاء من فرعون وعمله، والإنعام عليكم بهذه النعم بلاء واختبار من ربكم عظيم، والمراد بذكر الوقت ذكر ما حصل فيه حتى يشكروا الله- سبحانه- ويخصوه وحده بالعبادة والتقديس.
رؤية الله ونزول التوراة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٥]
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)
стр. 755
المفردات:
مِيقاتُ رَبِّهِ: الوقت المحدد لعمل من الأعمال كمواقيت الصلاة والصوم.
اخْلُفْنِي: كن خليفتي فيهم. تَجَلَّى رَبُّهُ: انكشف وظهر نوره.
دَكًّا: مدكوكا. صَعِقاً: مصعوقا مغشيا عليه. أَفاقَ: رجع إليه عقله. بِقُوَّةٍ: بعزيمة ونشاط.
المعنى:
ذكر المفسرون أن موسى- ﵇ وعد بنى إسرائيل إذا أهلك الله عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون، وما يذرون، فلما أهلك فرعون سأل موسى ربه أن ينزل الكتاب الموعود فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها، فلما تمت أنكر موسى رائحة فمه فاستاك، فأمره الله أن يصوم عشرا وأن يلقى الله صائما فتلك هي الأربعون ليلة التي ذكرت في البقرة مجملة وذكرت هنا مفصلة.
ضرب الله- تعالى- موعدا لموسى لمكالمته فيه، وإعطائه الألواح المشتملة على أصول الشريعة، وقال موسى لأخيه هارون: كن خليفتي في القوم مدة غيابى عنهم، وعليك بإصلاح نفسك وخاصتك، وأهل مشورتك، وعملك وحكمك لتكون من الصالحين للخلافة، وإياك أن تتبع رأى أهل الفساد والضلال، هذه هي سبل النجاة للحكام.
ولما جاء موسى للوقت المحدود، وكلمه ربه بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة استشرفت نفسه للجمع بين فضيلة الكلام والرؤية، فقال: رب أرنى ذاتك المقدسة، واجعلنى متمكنا منها بأن تتجلى لي فأنظر إليك. قال الله: لن تراني الآن ولا في المستقبل إذ ليس لبشر ما أن يطيق النظر إلى في الدنيا
«حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه (أنواره) ما انتهى إليه بصره من خلقه» حديث شريف.
ثم أراد المولى أن يخفف عليه الأمر، وأنه لا يطيقها فقال مستدركا: ولكن انظر إلى الجبل الذي يرجف بك، ويضطرب كيف أفعل به؟ وكيف أجعله مدكوكا ... ، فإن
стр. 756
استقر مكانه وثبت عند التجلي الأعظم عليه فسوف تراني إذ هو مشارك لك في الوجود، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لم يقو على الثبات فكيف بك يا موسى؟
فلما تجلى ربه للجبل، وانكشفت بعض آياته له جعله دكا مدكوكا، وخر موسى من هول ما رأى مصعوقا، فلما أفاق من غفوته، وصحا من رقدته قال: سبحانك يا رب وتنزيها لك وتقديسا، إنى تبت إليك من سؤالى، وقيل: تبت إليك من الجرأة والإقدام على السؤال بلا إذن، وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك.
ثم أراد المولى أن يطيب خاطره ويبين له مكانته فقال:
يا موسى إنى اصطفيتك على الناس الموجودين معك برسالتي ونبوتي، وخصصتك بكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين القانعين، ولا تطلب ما ليس لك.
وكتبنا له في الألواح من كل شيء مما يحتاجون له من أمور دينهم، موعظة مؤثرة وهداية نافعة، وتفصيلا لأحكام الشريعة.
وهل هذه الألواح هي كل ما أوتيه أو بعضه؟ وهل كان عددها عشرا أو أقل؟ الله أعلم بذلك.
فخذها بقوة، واقبلها بجد ونشاط، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها فلكل درجات ومراتب، فمثلا هناك عفو وقصاص وصبر وانتصار ... إلخ فليأخذوا بالعفو والصبر وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ كعاد وثمود، أو قوم فرعون، وقيل: سترون عاقبة من يخرج من طاعتي!!! ورؤيا الله- كانت ولا تزال مثار خلاف وجدل لتعارض النصوص فيها. مثلا لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، لَنْ تَرانِي مع قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ والأحاديث الصحيحة الكثيرة.
ولذا قال بعضهم: إن الرؤية محال، وبعضهم قال: إنها جائزة، وينبنى على هذا طلب موسى للرؤية. هل كان للرد على من طلب من قومه بالدليل لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وعلى هذا فطلبه خارج، ولذا تاب وأناب، وقيل: إنها جائزة، والتوبة من التعجل بالسؤال، وعلى العموم فهذا بحث مبسوط في كتب التوحيد وكتب التفسير المطولة.
стр. 757
وجمهرة العلماء على أن رؤيا العباد لربهم في الآخرة حق والله أعلم بكتابه.
وتشير الآية إلى أن الواجب على أصحاب الشرائع أن يأخذوها بجد ونشاط وينفذوا أحكامها كلها متبعين أحسن السبل وأفضلها، وأن الأمة تكون عزيزة الجانب ما دامت متمسكة بدينها، عادلة في أحكامها، حتى إذا خرجت من دينها وظلمت في أحكامها انهارت وضاعت، انظروا إلى بنى إسرائيل كيف كانوا وما آل إليه أمرهم!!
السبب الحقيقي للكفر غالبا [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)
المفردات:
يَتَكَبَّرُونَ الكبر: غمط الحقوق وعدم الخضوع لها، ويصحبه احتقار الناس غالبا. الرُّشْدِ الرشد والرشاد: الصلاح والاستقامة، وضده الغي والفساد.
المعنى:
يبين الله- سبب الطغيان والكفر، والظلم والفساد، فيقول ما معناه: سأمنع قلوب المتكبرين عن طاعتي، وعن اتباع رسلي، المتعالين على غيرهم بغير حق، سأصرفهم عن الإيمان بآياتى، وأمنعهم من فهم الأدلة والحجج الدالة على
стр. 758
عظمتي، وما في شرعي من الهدى والنور، فالتكبر والكبر مرض نفسي خطير ينشأ من مركب النقص عند ضعفاء العقول والأفهام، ويجعل صاحبه في صندوق محكم لا يصل إليه نور أبدا ولا خير أبدا لأنه يفهم في نفسه أنه كبير، وأنه لا يحتاج إلى شيء، وهذا معنى صرفهم عن الآيات، أى: يطبع الله على قلوب المتكبرين بحيث لا يفكرون في الآيات ولا يعتبرون بها لإصرارهم على التكبر فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «١» وقد منع الله قوم فرعون عن فهم الآيات لأنهم متعالون ظالمون متكبرون وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
«٢» وهكذا يا محمد كفار قريش صرفهم الكبر والغرور عن النظر في الآيات، ألم يقولوا:
لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٣» فلا تأس عليهم ولا تحزن لهم، هؤلاء المتكبرون من صفاتهم أنهم لا يؤمنون بأى آية تدل على الحق وتثبته إذ الآيات تفيد من نفس مستعدة للفهم وتقبل الحق، وهم ينفرون من سبيل الهدى والرشاد، ولا يختارون إلا الغي والفساد، بل إن يروا سبيل الغي سارعوا إليه وانغمسوا فيه. وما ذلك كله إلا لأنهم كذبوا بآياتنا، وكانوا عنها غافلين.
والذين كذبوا بآياتنا المنزلة بالحق والهدى فلم يؤمنوا ولم يهتدوا، وكذبوا بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب، أولئك تحبط أعمالهم وتذهب سدى، لأنهم اتبعوا أنفسهم وشياطينهم، وتركوا أمر الله وراءهم ظهريا فكانت أعمالهم هباء منثورا، وهل يجزون إلا بما كانوا يعملون!!!
قصة عبادتهم العجل وموقف موسى [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٤]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
стр. 759
المفردات:
حُلِيِّهِمْ مفردة: حلى، وهو ما يتخذ للحلية من ذهب أو فضة.
عِجْلًا: هو ولد البقرة. خُوارٌ: صوت البقر، كالرغاء للإبل. أَسِفاً الأسف: الغضب الشديد، أو الحزن، والأسيف: الشديد الغضب. أَعَجِلْتُمْ عجل عن الأمر: تركه غير تام، وأعجله عنه غيره: حمله على تركه ناقصا.
الْأَلْواحَ مفردة لوح، وهو ما كتب في التوراة.
стр. 760
غضب المراد: ما أمروا به من قتل أنفسهم. وَذِلَّةٌ: خروجهم من ديارهم وهوانهم على الناس. نُسْخَتِها: ما نسخ وكتب منها. يَرْهَبُونَ الرهبة: الخوف الشديد.
المعنى:
داء التقليد يسرى في الأمة كما يسرى في الفرد من حيث لا يشعر، وبنو إسرائيل عاشوا مع المصريين دهرا طويلا وهم يعبدون الأصنام والأوثان من شمس وغيرها ولذلك كلما سنحت فرصة خاطفة عادوا إلى ما كانوا عليه، فمرة يقولون: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وقد مضى ذلك. وهنا عند ما فارقهم موسى لمناجاة ربه اتخذوا من حلى القبط التي استعاروها منهم. اتخذوا عجلا ذا جسد، وله خوار، اتخذوه إلها لهم، والذي اتخذه واحد منهم هو السامري، وإنما نسب إليهم جميعا لأنه عمل برأى جمهورهم، ولم يحصل منهم إنكار عملي فكأنهم مجمعون عليه.
وقد اختلف المفسرون في ذلك العجل، هل له لحم ودم وخوار حقيقة؟ أم هو تمثال من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر. الرأى الأول لقتادة والحسن البصري وغيره، وتعليله أن السامري أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فنبذها في جوف التمثال فحلت فيه الحياة وأصبح جسدا ذا روح وله خوار، ويؤيد هذا ظاهر القرآن الكريم.
والرأى الثاني أنه تمثال خواره بسبب الريح الذي يدخل فيه بكيفية فنية عملها السامري.
وهاك الرد على من اتخذ العجل إلها: ألم يروا أن هذا الإله لا ينطق، ولا يكلمهم بواسطة رسول كموسى، ولا هو يهديهم إلى خير أبدا؟ فهل يعقل أن يكون هذا إلها؟!! والإله الحق هو الله- لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الهادي إلى الخير والرشاد بما ركب من العقول، وبما أرسل من رسل.
اتخذوه بلا دليل ولا برهان، بل عن جهل وتقليد وهكذا كانوا ظالمين في كل أعمالهم.
ولما تبين لهم وجه الحق ندموا ندما شديدا، وازدادت حسرتهم لما فرطوا في جنب الله
стр. 761
وسقط في أيديهم، وهذا تعبير لم يسمع قبل القرآن ولا عرفته العرب قبل هذا، وهو كناية عن الندم والحسرة، وذكرت اليد، وإن كان الندم في القلب لأن أثره يظهر فيها بعضّها أو بالضرب بها على أختها فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [الكهف ٤٢] .
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل قالوا: لن يسعنا بعد هذا إلا رحمة ربنا ومغفرته، فقد وسعت كل شيء، وإن لم يغفر لنا ربنا لنكونن من الخاسرين في الدنيا والآخرة.
هذا ما حصل من موسى بعد رجوعه إثر بيان ما حصل من قومه في غيابه.
ولما رجع موسى إلى قومه بعد غيابه في الطور للمناجاة، ورجع غضبان شديد الأسف والحزن قال: بئسما فعلتم بعد غيبتي حيث عبدتم العجل واتبعتم السامري، وتركتم عبادة الله، فالخطاب للسامري وأشياعه، ويجوز أن يكون الخطاب للكل، والمعنى: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، فقد كان موسى في خلافته شديد الشكيمة قوى العزيمة، لقنهم التوحيد الخالص، وردهم حين طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كغيرهم.
أما هارون فقد رأى موسى منه أنه لين العريكة غير حازم في أمره فظن به الظنون.
قال موسى: أعجلتم أمر ربكم؟ قال الزمخشري: المعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظاري حافظين للعهد، ولما وصيتكم به فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره عند تمام الثلاثين ليلة، ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم وغيرتم عقائدكم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها. وكان من أمر موسى أن ألقى الألواح، وطرحها من يده وأخذ بشعر رأس أخيه يجره إليه ظنا منه أنه قصر في خلافته له، ولم يكن مثله مع أن حق الخليفة أن يتتبع سيرة سلفه قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا. أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي؟ [سورة طه الآيتان ٩٢ و ٩٣] .
قال هارون: يا ابن أمّ إن القوم استضعفوني ولم يسمعوا لكلامي وهموا بقتلى، فيا ابن أمّ لا تجعلهم يشمتون بي من كثرة اللوم والتقريع، ولا تجعلني في عداد الظالمين.
قال موسى: رب اغفر لي ما عساه فرط منى من قول أو فعل فيهما غلظة وجفوة
стр. 762
لأخى، واغفر لأخى ما عساه أن يكون قد فرط في خلافته لي ومؤاخذته القوم حين ضلوا.
وأدخلنا في رحمتك الواسعة وأنت أرحم الراحمين، وقد دعا موسى بهذا ليظهر لمن شمت في أخيه أنه راض عنه، وليرضى أخوه عنه ويزيل ما في نفسه إن كان ...
والآية صريحة في أن هارون برىء من اتخاذ العجل إلها، وأنه لم يقصر في وعظهم، وقد غفر الله له، وهذا بخلاف ما في التوراة من أن هارون هو الذي صنع العجل لهم واتخذه إلها.
إن الذين اتخذوا العجل بعد ما غاب عنهم رسولهم موسى- ﵇ من بنى إسرائيل كالسامرى وأشياعه. سيصيبهم غضب شديد من ربهم فلا تقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة البقرة آية ٥٤] هذا في الدنيا، وأما الغضب في الآخرة فلا يعلمه إلا هو.
وسينالهم ذلة في الحياة الدنيا بخروجهم من أوطانهم، وتهالكهم على حب الدنيا، وهوانهم على الناس، إذ هم الماديون الأنانيون المطرودون في كل أمة، أليست هذه هي الذلة في الدنيا بأعظم معانيها؟! ولا يغرنكم ما هم فيه في فلسطين الجريحة فإن ذلك سحابة صيف عن قريب ستنقشع غيومها، فالله صادق في قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [سورة البقرة آية ٦١] بكل معانيها القريبة والبعيدة.
وأملنا في الله- أن يهيّئ للمسلمين جميعا وللعرب خاصة الظروف التي بها يطردون اليهود المغتصبين لفلسطين حتى لا تقوم لهم دولة.
ومثل ذلك الجزاء الذي نزل على الظالمين من بنى إسرائيل نجزى القوم المفترين الظالمين.
وهاكم القانون العام السمح حتى لا ييأس مذنب أسرف على نفسه فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها توبة نصوحا خالصة لوجه الله مع العمل
стр. 763
الصالح والإيمان الكامل فأولئك يتوب الله عليهم. إن ربك من بعدها هو الغفور الرحيم.
يقول الكشاف في قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي [الأعراف ١٥٠] وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك، ولمه على ما فعل في جفوة، ثم ترك الغضب النطق بذلك وقطع الإغراء، وفي هذا من البلاغة ما فيه حيث شبه الغضب برجل وجعل دليل ذلك قوله سَكَتَ وهذه من عيون الاستعارات القرآنية.
ولما سكت عن موسى الغضب وهدأت ثائرته أخذ الألواح التي كتبت فيها التوراة، وفيها هدى لكل حائر، ورحمة لكل مذنب من الذين يرهبون ربهم، ويخشون عذابه وحسابه.
ما حصل لموسى أثناء المناجاة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٥ الى ١٥٦]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
стр. 764
المفردات:
الرَّجْفَةُ: الصاعقة التي تزلزل القلوب والأبدان. حَسَنَةً المراد: صحة وعافية، وغنى عن الناس، واستقلالا في الدولة. هُدْنا: رجعنا وتبنا.
المعنى:
ذكر المفسرون أن الله قد أوحى إلى موسى أن يختار سبعين رجلا من بنى إسرائيل ويصطفيهم، ويأتى بهم إليه وقد اختلفوا هل كان هذا عقب عبادتهم العجل ليتوبوا؟
أو كان هذا عقب طلب موسى للرؤية.
فاختار موسى سبعين رجلا لميقاتنا، وأمرهم أن يصوموا، وأن يتطهروا ثم خرج بهم إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجدا، وسمعوا المولى- جل شأنه- وهو يكلم موسى بأمره ونهيه: افعل ولا تفعل، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا على موسى وطلبوا منه الرؤية، قيل: لم يصدقوا أن الذي أمرهم بقتل أنفسهم هو الله حتى يروه، فوعظهم موسى وزجرهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فقال: رب أرنى أنظر إليك، قال: لن تراني، وبعض العلماء يقول: طلب موسى الرؤية مع علمه بعدم إمكانها ليسمعوا الرد فيكون هذا أبلغ من الرد عليهم، ولذا أجيب بلن تراني. ورجف بهم الجبل وصعقوا حينما ألحوا في طلب الرؤية، ولما أخذتهم الرجفة قال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل هذا حينما عبدوا العجل، وقيل:
حين طلب الرؤية وأهلكتنى معهم كذلك قبل أن أرى ما رأيت!! قال موسى: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ حيث طلبوا الرؤية لك جهارا قياسا منهم على سماع كلامك وهو قياس فاسد.. وقيل: ما فعله السفهاء هو عبادة العجل.
ما هي إلا فتنتك وابتلاؤك حين كلمتنى فسمعوا كلامك وطلبوا الرؤية، تضل بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، ولست ظالما لهم أبدا بل هذا موافق لطبعهم، وتهدى بها من تشاء من عبادك الثابتين المؤمنين، وهذا موافق لطبعهم والله أعلم بعباده، فلو تركوا وشأنهم لاختار كل منهم ما هو فيه، وما قدر له، أنت ولينا يا رب فاغفر لنا
стр. 765
وارحمنا، واستر عيوبنا برحمتك، يا أرحم الراحمين، وأنت خير الغافرين، تغفر الذنوب وتعفو عن السيئات بلا سبب ولا علة، لأن رحمتك وسعت كل شيء واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة هي نعمة الصحة والعافية والرزق الحسن والتوفيق في العمل والاستقلال في الدولة، واكتب لنا في الآخرة حسنة هي نعمة الثواب الجزيل والعطاء الكثير.
إنا عدنا إليك، وتبنا، ورجعنا إلى حظيرة الإيمان بالعمل لا بالقول فقط.
قال الله: إن رحمتي سبقت غضبى، وإن عذابي أصيب به من أشاء من عبادي المسيئين لأنفسهم بالعمل الفاسد. وفي قراءة: إن عذابي أصيب به من أشاء.
وأما رحمتي ونعمتي وفضلي فقد وسعت كل شيء في الكون، وسعت الكافر والعاصي، والمسلم واليهودي وعابد العجل ... إلخ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ «١» فسمائى تظلهم، وأرضى تقلهم، وبرزقي يعيشون، وبخيرى يتمتعون، وأنا أدعوهم دائما إلى الصراط المستقيم، ومع ذلك كله فبعضهم خارجون عن ديني.
فإذا كان الأمر كذلك من إصابة عذابي من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها كما دعوت يا موسى، أى: أثبتها خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي للذين يتقون الله في كل شيء ويؤتون الزكاة، وخصت بالذكر لأنه يخاطب قوما ماديين نفعيين مانعين للزكاة، وسأكتبها كتابة خاصة للذين هم بآياتنا كلها يؤمنون.
محمد ﷺ ورسالته، والمؤمنون به [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
стр. 766
المفردات:
الْأُمِّيَّ: الذي لا يقرأ ولا يكتب. إِصْرَهُمْ الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أى: يحبسه عن الحركة لثقله. الْأَغْلالَ: جمع غلّ وهو الحديد الذي يجمع بين يد الأسير وعنقه، والمراد: التكاليف الشاقة.
المعنى:
سأكتب رحمتي الواسعة للذين يتقون ويؤتون الزكاة، وسأكتبها كتابة خاصة للذين هم بآياتنا كلها يؤمنون، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمى، وهذه الأوصاف تنطبق على محمد المفرد العلم فهو رسول ونبي أمى، وقد كان أهل الكتاب يصفون العرب بأنهم أميون لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [سورة آل عمران آية ٧٥] .
وقد وصفه القرآن الكريم ووصف رسالته بأوصاف:
١- النبي الأمى، وفي هذا الوصف إشارة إلى كمال صدقه حيث أتى بالقرآن المعجز
стр. 767
في أخباره وقصصه وحكمه وأصوله العامة في السياسة والاجتماع والدين، مع أن من نزل عليه أمى بين أميين!! يا سبحان الله!!! ٢- وهو محمد الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. فبشارته وصفته وزمانه في التوراة والإنجيل، وقد عرفوا ذلك كله كما يعرفون أبناءهم أو أكثر، وآمن به بعض علمائهم الأحرار من اليهود كعبد الله بن سلام، ومن النصارى كتميم الداري- رضى الله عنهم جميعا- وفي كتاب (إظهار الحق) لعالم هندي تحقيق لهذا الموضوع لمن أراد الزيادة.
٣، ٤- أنه يأمرهم بالمعروف شرعا، وهو ما تعرفه العقول الرشيدة، ولا تنكره الطباع السليمة وهو ينهاهم عن المنكر شرعا وهو ما تنكره النفوس الأبية الكاملة في العقل والسمو الروحي: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. [سورة النحل آية ٣٦] .
٥- يحل لهم الطيبات التي تستطيبها الأذواق السليمة من الأطعمة الحلال كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [سورة الأعراف آية ١٦٠] .
٦- ويحرم عليهم الخبائث مما تأباه النفوس السليمة كالميتة والدم المسفوح، ويأباه العقل الراجح كالخنزير خصوصا عند ما عرّفنا الطب أنه يولد الدودة الوحيدة في جسم من يأكله.
٧- وقد وضع عنهم التكاليف الشاقة التي تأصرهم وتثقل عليهم والأغلال التي كانت في أعناقهم كقتل النفس عند التوبة وقطع مكان النجاسة ... إلخ، فدينه اليسر، وشريعته السمحة السهلة، والحنيفية البيضاء.
فالذين آمنوا به وبرسالته وحموه ونصروه مع الإجلال والإكبار واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك البعيدون في درجات الكمال المتميزون على غيرهم هم المفلحون حقا، ويدخل في ذلك دخولا أوليا قوم موسى- ﵇ الذين ينطبق عليهم هذا الوصف العام.
ذكر العلامة أبو السعود أنه لما حكى ما في الكتابين التوراة والإنجيل من نعوت المصطفى ﷺ وشرف من يتبعه من أهلها ونيلهم السعادة في الدارين، أمر ﷺ ببيان
стр. 768
أن تلك السعادة غير مختصة بهم بل شاملة لكل من يتبعه كائنا من يكون وذلك ببيان عموم رسالته.
قل يا محمد لجميع البشر من كل جنس ولون، وفي كل وقت وزمن: إنى رسول الله إليكم جميعا وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «١» ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً «٢» ،
ولقد ثبت في الصحيحين في حديث خصوصياته، «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»
ﷺ .
إنى رسول الله الذي له الملك التام، والتصريف الكامل في السموات وعوالمها، والأرضين وما فيها يدل على وحدة الصانع؟ وكمال قدرته وتمام علمه وحكمته.
هو الله، لا معبود بحق في الوجود إلا هو، أما غيره فوهم وخيال، وخرافات لا تليق بعاقل، إذ هو الذي يحيى كل حي، ويميت كل ميت، بيده الحياة والموت، وله الأمر كله- وأنت ترى أن الله وصف نفسه بثلاث: هو المالك المتصرف في الملكوت، والمعبود بحق في الوجود، خالق الحياة والموت.
ومن كان كذلك وقد أرسل رسولا ومعه البرهان على رسالته وصدقه. فيجب أن تؤمنوا به أيها الناس فهو الرب الواحد القهار الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآمنوا برسوله حيث قامت الأدلة على صدقه، الرسول النبي الأمى، آمنوا به يؤتكم كفلين (نصيبين) من رحمته، ويجعل لكم نورا تمشون به، ويغفر لكم، فهو النبي الذي يعلمكم الكتاب والحكمة ويرشدكم إلى الخير والفلاح، ويطهركم من الخرافات والرجس والأوثان والشرك والضلال، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، المبشر به كل الكتب، دينه الإسلام السمح السهل الصالح لكل زمان ومكان.
وهو النبي ﷺ الذي يؤمن بالله إيمانا كاملا لا شبهة فيه أبدا، ويؤمن بكلماته المنزلة على رسله جميعا التي هي مظهر قدرته وحكمته- واتبعوه كذلك في كل ما يأتى ويذر من أمور الدين رجاء اهتدائكم وتوفيقكم.
فيا أيها المسلمون: هذه هي نصيحة القرآن وكلمته اتبعوه لعلكم تهتدون، والله لا هدى إلا في القرآن، ولا خير إلا في الدين، وعلى قدر قربنا منه واتباعنا له يكون فلاحنا ونجاحنا في الدنيا والآخرة.
كالقبيلة في ولد إسماعيل، والسبط: ولد الولد، وجعله ولد البنت أمر عرفي.
فَانْبَجَسَتْ: انفجرت، بمعنى انفتحت بسعة وكثرة. وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ: جعلنا الغمام يظللهم في التيه، والغمام: سحاب رقيق. الْمَنَّ: شيء أبيض حلو كالعسل، والسَّلْوى: طير سماني.
المعنى:
هذه شهادة الحق- الذي أمرنا بالقسط، وقد شهد لقوم موسى بأن منهم جماعة عظيمة تهدى بالحق، وترشد إلى الخير، وتوصل إلى سواء السبيل، وتحكم بين الناس بالعدل الذي أمر الله به.
وهاكم بعض النعم التي أنعم الله بها على بنى إسرائيل ولم يقابلها بعضهم بالشكر وصيرناهم، أى: قوم موسى الذين منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، صيرناهم قطعا وفرقناهم اثنتي عشرة فرقة، كل فرقة لها ميزة خاصة، ونظام خاص بها وتسمى جماعة.
وأوحينا إلى موسى وقت أن طلب من قومه السقيا وقد لحقهم العطش في التيه، أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه مع السرعة والسعة والكثرة اثنتا عشرة عينا بقدر أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به، وقد علم كل جماعة منهم مشربهم.
وإذا أصابهم الحر الشديد في الصحراء المحرقة جعلنا الغمام يظلهم بظله الظليل رحمة منا وشفقة عليهم.
وأنزلنا عليهم طعاما شهيا بلا تعب ولا مشقة، يقيهم شدة الجوع وغائلته، هذا الطعام هو المن والسلوى.
ثم قيل لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما متعناكم به، ولكنهم جاروا واعتدوا، ولم يقوموا بواجب الشكر، وما ظلمونا بهذا أبدا، ولكن أنفسهم فقط كانوا يظلمون، ومن ظلم نفسه وإن لم يعرف فظلمه لغيره أكثر،
وفي الحديث القدسي: «يا عبادي:
إنى حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى، ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى»
.
стр. 771
تقدم مثل هاتين الآيتين في البقرة آية ٥٨، ٥٩، فالموضوع واحد والصياغة مختلفة اختلافا يدل على كمال الإعجاز الذي حير الألباب وزلزل العقول، إذ البلاغة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، فهنا قال: اسكنوا بدل ادخلوا وكلوا بدل فكلوا، وحذف هنا رغدا، وعكس الترتيب قُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وهناك قال: خَطاياكُمْ بدل خَطِيئاتِكُمْ وهنا قال: سَنَزِيدُ وحذف الواو، كل هذا لنسق الكلام ولكمال التعبير، والله أعلم بأسرار كلامه.
فالسكنى أخص من الدخول ولا عكس، فمن يسكن يدخل قطعا وليس كل من يدخل يسكن، والدخول لأجل الأكل يعقبه الأكل فجاء هناك بالفاء، والأكل عقب الدخول مباشرة له لذة، ولذا أتى هناك بكلمة رغدا. أما من يسكن فقد تقل لذة أكله بل قد تنعدم لمرض أو ألم.
وفي الترتيب لا شيء إذ الواو لا تقتضي ترتيبا، والمهم أنهم أمروا بالدعاء مع الخضوع والانحناء فسواء تقدم هذا أو تأخر فلا ضرر.
وحذفت الواو هنا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ دليل على أن الموعود به شيئان: المغفرة وزيادة الحسنة، على معنى أنه قيل: ماذا حصل بعد المغفرة؟ قيل:
سنزيد المحسنين، والإرسال كما هنا كالإنزال في المعنى العام وإن أفاد الإرسال كثرة وزيادة، والظلم والفسق شيء واحد وإن أفاد الأول الاعتداء على الغير والثاني الخروج عن الدين، وتشير الآيتان إلى أنهما جمعا بين النقيصتين.
فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، والتبديل: التغيير في القول والفعل فهم لم يعملوا بظاهر القول ولا بحقيقته بل تركوه كله، هذا هو التبديل، وبعض العلماء يرى أنهم غيروا لفظا بدل لفظ فقالوا: حبة في شعرة، أى: حنطة في زكائب من شعر، بدل قوله تعالى لهم قولوا: حطة.
أيها المسلمون العبرة من هذا القصص أن يفهم جيدا أن الله مع خلقه سنة لا تتغير ولا تتبدل، فالأمة التي تفسق وتظلم نفسها وغيرها وتبتعد عن دستورها وكتابها مآلها أن ينزل الله عليها عذابا أليما يضطرب له كل قلب، وهذا الرجز من السماء قد يختلف ويأتى بأشكال متباينة على حسب الأزمنة والأمكنة.
стр. 772
عاقبة المخالفين وفوز الآمرين بالمعروف [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
المفردات:
حاضِرَةَ الْبَحْرِ: قرية قريبة منه. يَعْدُونَ: يعتدون. حِيتانُهُمْ:
سمكهم. شُرَّعاً المراد: ظاهرة على وجه الماء. مَعْذِرَةً: هي العذر، وهو التنصل من الذنب. بَئِيسٍ: شديد. خاسِئِينَ: صاغرين.
المعنى:
واسألهم يا محمد عن حال أهل القرية التي اعتدى بعضهم يوم السبت ووقف بعضهم موقف الواعظ ووقف فريق آخر موقفا خاصا، وهكذا الحال في كل أمة شاع فيها الفساد.
стр. 773
أما القرية فالله أعلم بها، وإن قيل: إنها أبلة.
وتلك قصة أخرى ما كان يعرفها النبي ﷺ ولا قومه ولكنه علمها عن طريق الوحى، وهذا سؤال تقرير، أى: قروا بهذا، والمراد التقريع والتوبيخ على أعمالهم السابقة، وبيان أن كفر المعاصرين للنبي ﷺ ليس بدعا بل هو موروث.
واسألهم يا محمد عن أهل القرية القريبة من البحر وقت أن اعتدوا على حدود الله، وتجاوزوها يوم السبت- وهو يوم يعظمونه بترك العمل فيه وجعله للعبادة- إذ تأتيهم أسماكهم يوم السبت ظاهرة على وجه الماء، قريبة لا تحتاج في الصيد إلى عناء، وفي غير يوم السبت تختفى ولا تظهر.
مثل ذلك البلاء المذكور نبلو السابقين والمعاصرين، ونعاملهم معاملة من يختبر حالهم ليجازى كلا على عمله، كل ذلك بسبب ما كانوا يفسقون ويخرجون عن طاعة الله.
ظهرت المعاصي جهارا فكان منهم من أنكر عليهم ذلك: واذكر إذ قالت جماعة منهم عظيمة لمن يعظهم وينكر عليهم عصيانهم، قالت: لم تعظون قوما كهؤلاء قد قضى الله عليهم بالهلاك والفناء أو بالعذاب الشديد؟
قال الوعاظ للائمين: نعظهم حتى نعذر أمام ربكم عن السكوت على المنكر، ولعلهم يتقون فإذا نوقشنا الحساب يوم القيامة ماذا كان موقفكم عند شيوع المنكرات؟
نقول: قد فعلنا ما أمرتنا به فنكون بذلك معذورين، فلما نسى المرتكبون للذنب ما ذكروا به، وتركوا العمل بالمواعظ حتى كأنهم نسوها، أنجينا الذين ينهون عن السوء وهما الفريقان فريق الواعظين وفريق اللائمين، الظاهر- كما قال ابن عباس- أن بعضهم كان ينكر قولا وفعلا وهم الوعاظ، وبعضهم كان ينكر بقلبه وهم اللائمون.
وأخذنا الذين ظلموا أنفسهم منهم بالمعاصي أخذناهم بعذاب شديد.
والرأى- والله أعلم- أن العذاب للفريقين فريق العصاة وفريق اللائمين وإن يكن عذاب الآخرين خفيفا بظاهر الآية ولتعليل النجاة بالنهى عن السوء والنهى كان للواعظين فقط.
أما من يسكت بل ويلوم الوعاظ على العمل والوعظ فهذا ذنب كبير، اللهم إلا إذا قلنا: إنه ينكر بقلبه ويائس من نصحهم، والله أعلم.
стр. 774
فلما عتوا وبغوا، وتمردوا وتكبروا، ولم يصغوا لوعظ الواعظين، قلنا لهم: كونوا قردة صاغرين أذلاء فهذا عذابهم في الدنيا كما نرى، وفي الآخرة عذاب شديد، وهل صاروا قردة حقيقة، أم أصبحوا كالقردة في الطباع والفساد وعدم التوفيق إلى الخير؟!
هكذا اليهود في الدنيا [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٧ الى ١٧١]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
المفردات:
تَأَذَّنَ بمعنى آذن، أى: أعلم، وهو يفيد العزم على الشيء، وإيجابه على
стр. 775
النفس لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه به، ويوجبه عليها، وأجرى مجرى القسم.
دُونَ ذلِكَ: منحطون عنهم في الدرجة. خَلْفٌ الخلف والخلف: من يخلف غيره مطلقا، وقيل الخلف للصالح والخلف للصالح. عَرَضَ المراد: المال لأنه عرضة للزوال. دَرَسُوا: قرءوا وفهموا. نَتَقْنَا الْجَبَلَ: رفعناه من أصله. ظُلَّةٌ: كل ما أظلك من سقف أو سماء أو جناح طائر.
المعنى:
واذكر يا محمد إذ أعلم ربك أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم أنه كتب عليهم وأوجب على نفسه ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، يفرض عليهم الجزية، ويعطونها عن يد وهم صاغرون ويحاربهم، ويبدد ملكهم ويفرق شملهم، حتى يكونوا أذلة مساكين.. والتاريخ يحدثنا أن اليهود ذاقوا الأمرّين بسبب أعمالهم مع الله ذاقوا من البابليين ثم من النصارى ثم من المسلمين وفي العصر الحديث لا تنس (هتلر) زعيم ألمانيا الذي أذاقهم سوء العذاب وشردهم في البلاد، انظر إلى قوله تعالى:
لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. والبعث يفيد القيام فجأة، ولم يعين مما يبعث؟
ولا في أى وقت يكون؟ ولا بأى كيفية يحصل. ولا تغتروا بهم في فلسطين فملكهم عرض زائل قريبا إن شاء الله، فنحن واثقون بكلام الله، قد بدت تباشير الخلاص!! إن ربك لسريع العقاب شديد العذاب وإنه لغفار رحيم بمن عصى ثم تاب من قريب، فلا يغرنكم بالله الغرور، ولا تقنطوا من رحمة الله.
أما اليهود فقد كانوا في الدنيا على أسوأ حال عصاة مذنبين دائما، ولذا حكم الله عليهم بهذا، وفرقناهم في الأرض كلها أمما لا تجمعهم جامعة، ولا تربطهم رابطة، منهم الصالحون الذين آثروا الآخرة على الدنيا، ولم يعتدوا يوم السبت بل ونهوا غيرهم عن ارتكاب الذنوب، ومنهم دون ذلك، من هؤلاء غلاة الكفر والفسوق والعصيان والله- سبحانه- يعاملهم كما يعامل غيرهم، يبلوهم بالحسنات علّهم يشكرون، وبالسيئات علهم يرجعون وينتبهون، وكان فيهم الخير والشر ... فخلف من بعدهم خلف، ورثوا كتابهم وهو التوراة والظاهر أنهم هم المعاصرون للنبي ﷺ هؤلاء يأخذون عرض هذه الدنيا وحطامها الفاني وظلها الزائل من غير طريق شرعي، ومع