المفردات:
هاجَرُوا: تركوا دار الكفر وذهبوا إلى دار الإسلام. آوَوْا: أنزلوا وأسكنوا، يقال: آواه: أنزله دارا وأسكنه إياها. وَلايَتِهِمْ: الولاية مصدر وليه يليه، أى: ملك أمره وقام به. تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ: تحصل فتنة عظيمة، والمراد ضعف الإيمان وظهور الكفر.
المعنى:
ما مضى كان في الكلام على الكفار وأسراهم وكيفية معاملتنا لهم ضاربين بقرابتهم عرض الحائط مستبدلين بها قرابة الإسلام، ولذا تكلم القرآن هنا على رابطة الإسلام.
إن الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا كاملا، وهاجروا في سبيله، هجروا أوطانهم الحبيبة إلى نفوسهم، وتركوا مالهم كل ذلك لله، وجاهدوا في سبيله، وبذلوا النفس والنفيس، أولئك هم المهاجرون الذين تركوا مكة وعزهم وشرفهم ونسبهم فيها
стр. 842
إلى يثرب التي قطنها الرسول الكريم، إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا المهاجرين وأنزلوهم ديارهم وشاركوهم في أموالهم، ونصروا رسول الله ومنعوه مما يمنعون به أزواجهم وأولادهم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» أولئك هم الأنصار هؤلاء المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، يتولون أنفسهم بالرعاية والعناية، والسهر على المصالح فهم جسد الأمة الإسلامية، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فرابطة الإسلام بينهم أقوى رابطة، والإيمان هو الصلة المحكمة، وهكذا المسلمون في كل زمان ومكان اجتمعوا على الإيمان بالله، والتقوى عند محبة الرسول الأكرم ولذا يقول الله فيهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٢» فالأخوة في الإسلام إذا ما كانت لله حقا كانت هي الدعامة الوحيدة لتماسك بناء الأمة، وقيل: المراد بالولاية هنا الميراث، ونخست الآية بآية المواريث، والذين آمنوا بالله ورسوله ولم يهاجروا بأن اعترضتهم عقابات لم يستطيعوا التغلب عليها، وقد كانت الهجرة في مبدأ الإسلام علامة الإيمان الكامل هؤلاء ليس لكم ولاية عليهم، وليس بينكم توارث، وإن كانوا ذوى قربى حتى يهاجروا.
ولكن إن استنصروكم في الدين، وطلبوا إليكم أن تمدوا إليهم يد المساعدة لهم على أعدائهم بقدر الطاقة فانصروهم إلا على قوم بينكم وبينهم معاهدة وميثاق، والله بما تعملون بصير.
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ليس لكم أن توالوهم أو تتخذوهم أصدقاء مهما كانوا من القرابة والصلة، إن لم تفعلوا هذا، وتقوموا بهذه الأوامر تحصل فتنة في الأرض وفساد كبير، وذلك بضعف الإسلام وكسر شوكته، وظهور الكفر، وعلو رايته!!! يا سبحان الله أنت عالم الغيب والشهادة وأنت الخبير البصير، فلقد ظل الإسلام كما هو حتى اتخذ المسلمون بطانتهم من غيرهم ووالوا أعداء الدين بحجة السياسة مرة أو الحاجة أخرى فأصبحوا ولا حول لهم ولا قوة، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدينا، نعم وسنظل على ذلك حتى نعود إلى الدين والقرآن نفعل ما يريده ونتجنب ما ينهى عنه.
стр. 843
والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا الرسول وعزروه ونصروه، وهم المهاجرون والأنصار، أولئك المؤمنون حقا، فالهجرة والنصرة دليل على صدق الإيمان وكمال الإسلام، ولهم مغفرة من الله ورضوان، ولهم رزق في الدنيا والآخرة كريم، أى: حسن وكبير.
هؤلاء هم السابقون المقربون، ومن أتى بعدهم فهذا حالهم والذين آمنوا من بعد ذلك، أى: بعد أن قويت شوكة المسلمين وامتد بهم الزمن وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله معكم فأولئك منكم، وأنت منهم، بعضكم أولياء بعض، وأولو الأرحام وذوو القرابات في الإسلام بعضهم أولى ببعض فقد جمعوا بين الأخوة في الله والأخوة في النسب، هذا الحكم في كتاب الله، وقيل: المراد ميراث ذوى الأرحام، وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون في بداية الإسلام حتى نزلت آية المواريث، ومنها هذه الآية، واعلموا أن الله بكل شيء عليم.
وليس في الآيات تكرار فالأولى لبيان أن رابطة الإسلام أقوى من رابطة النسب، والثانية لبيان مكانتهم وأنهم هم المؤمنون حقا، والثالثة لبيان أن الذين جاءوا بعدكم وآمنوا بعد ظهور الإسلام فأولئك منكم والله أعلم.
стр. 844
سورة التوبة
عدد آياتها تسع وعشرون ومائة وتسمى سورة براءة، والمبعثرة، والمثيرة، والمخزية، والفاضحة، والمشردة، وسورة العذاب، لما فيها من ذكر التوبة، وما فيها من التبرئة من النفاق، وما فيها من التعرض للمنافقين وكشف سترهم وما يخزيهم ويشردهم، وما فيها من نقض العهود وإرصاد العذاب للمشركين، لهذا وذلك سميت بتلك الأسماء.
وكثرة أسمائها الواردة دليل على أنها سورة مستقلة ليست جزءا مما قبلها.
وإذا كانت سورة فلم تركت البسملة في أولها؟!! أما الحكمة في ترك البسملة فالظاهر- والله أعلم- أنها نزلت لرفع الأمان، ونقض العهود مع المشركين، وفضيحة المنافقين، وهذا يتنافى مع التصدير بالاسم الجليل الموصوف بالرحمن الرحيم، وفي الكشاف: سئل ابن عينية- رضى الله عنه- فقال:
اسم الله سلام وأمان فلا يكتب في النبذ والمحاربة. وما روى عن ابن عباس في هذا فأظنه مدسوس عليه إذ لا يعقل أن يلحق النبي بالرفيق الأعلى ولم يبين للصحابة مكان هذه الآيات، فاختلف الصحابة في ذلك على أن الصحيح أن البسملة آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها، وأنه لا مدخل لأحد بالمرة في إثباتها أو تركها وإنما هذا كله توقيف ووحى، ولا يعقل أن يترك ذلك النبي ﷺ ولا يصح أن يتشكك مسلم في هذا أبدا، ولا شك في عدم نزول البسملة ها هنا بالإجماع.
نبذة تاريخية:
في السنة السادسة للهجرة عاهد النبي ﷺ المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها عن قوة وعزة لا عن ضعف وذلة، ودخلت قبيلة خزاعة مع النبي ﷺ وقبيلة بنى بكر في عهد قريش، وكانت بين هاتين القبيلتين إحن قديمة وثارات موروثة فاعتدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم، وأعانت قريش بنى بكر بالسلاح وبالرجال فانهزمت خزاعة فكان ذلك نقضا للصلح الواقع عام الحديبية:
стр. 845
ولذا خرج عمرو بن سالم الخزاعي على رأس وفد إلى رسول الله ﷺ مستغيثين به،
فقال رسول الله ﷺ : «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب»
فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة وفتح مكة في السنة الثامنة.
وقد ثبت بالتجربة أن المشركين في حال القوة والضعف لا عهود لهم، ولا أمان فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ «١» إلا من عاهد واستقام أمره، هذا هو الأساس الشرعي الذي بنى عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها منهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
ولما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم أميرهم مالك بن عوف النصري لقتال المسلمين وكانت غزوة حنين في شوال في السنة الثامنة، وبعدها حاصر الطائف بضعا وعشرين ليلة ورماهم بالمنجنيق.
ثم أقام النبي ﷺ بالمدينة بعد ذلك ذا الحجة والمحرم من السنة التاسعة وصفر وربيع الأول والآخر وجماد الأول والآخر، وخرج في رجب سنة تسع إلى غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها النبي، وفيها نزلت أكثر آيات السورة الكريمة.
ولما انصرف رسول الله ﷺ من تبوك أراد الحج ولكنه قال: يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج معهم، فأرسل أبا بكر أميرا على الحج، ثم لما خرج أرسل بعده عليا
وقال له: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا»
وقال: «لا يبلغ عنى إلا رجل منى»
فخرج علىّ على العضباء ناقة الرسول فأدرك أبا بكر في ذي الحليفة وأم أبو بكر- رضى الله عنه- الناس في الحج، وقرأ علىّ على الناس صدر سورة «براءة» .
стр. 846
إعلامهم بالحرب مع التحدي لهم ونقض عهودهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ١ الى ٤]
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)
المفردات:
بَراءَةٌ يقال: برىء من العهد أو المرض براءة: خلص منه. فَسِيحُوا السياحة والسيح: الذهاب في الأرض حسبما يشاء الشخص. وَأَذانٌ أى:
إعلام. يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ المراد: يوم العيد.
كان النبي ﷺ والمسلمون عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله- تعالى- فنكثوا عهودهم، إلا بنى ضمرة وبنى كنانة، فأمر المسلمون بنكث عهد الناكثين وإمهالهم أربعة أشهر ليسيروا أين شاءوا فإذا انقضت الهدنة ومضت المدة قاتلوهم.
كان هذا في السنة التاسعة وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يحج بالناس فلما سافر نزلت
стр. 847
سورة التوبة وفيها نقض عهود المشركين، فأمر عليا أن يبلغ ذلك الناس يوم الحج الأكبر قائلا:
«لا يبلغ عنى إلا رجل منى»
فلما اجتمعوا بمنى يوم النحر قرأ عليهم علىّ آيات من أول هذه السورة ثم قال: أمرت بأربع: ألا يقرب البيت بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ...
المعنى:
هذه براءة مبتدأة من الله ورسوله واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين وإنما نسبت البراءة لله ولرسوله مع شمولها للمسلمين ونسبت المعاهدة للمسلمين فقط مع أنها بإذن الله واتفاق رسول الله، للإشارة إلى وجوب تنفيذ نقض العهد، وأنه صادر من الله ورسوله، ولا حرج عليكم أبدا فيه، فهو أمر واجب الامتثال، وهو لحكمة الله يعلمها، وأما المعاهدة فهي كبقية العقود أمرها الظاهر المشاهد أنها مع المسلمين، وذكر الرسول ﷺ في قوله: براءة من الله ورسوله مع عدم ذكره في المعاهدة عاهَدْتُمْ للتنويه بمقامه المحمود، ومكانه المرموق مع المولى جل شأنه.
هذه براءة من الله ورسوله، وتخلص من عهود المشركين، وإيذان لهم بالحرب، وإعطاؤهم فرصة للاستعداد مع التحدي الكامل لهم، حيث أمروا بالسير في الأرض والسياحة فيها حسب مشيئتهم وهواهم ليحصنوا أنفسهم وأموالهم، إذ ليس المراد أمر المشركين بالسياحة في الأرض وأقطارها أربعة أشهر.
فسيحوا في الأرض واستعدوا في هذه المدة، واعلموا علما أكيدا، أنكم غير معجزي الله أبدا، وأن الله مخزيكم ومذلكم فأنتم كفرتم بالله ورسوله ونقضتم عهودكم مع المسلمين مرارا، وقد يتحقق الموعود به بالأسر والقتل، وإعلاء كلمة الله، وذهاب الشرك إلى حيث لا رجعة، هذا هو الخزي في الدنيا، وفي الآخرة عذاب شديد أعد لهم.
أمرهم الله أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة سنة تسع
стр. 848
وهو يوم الحج الأكبر (يوم النحر) الذي بلغ فيه علىّ- رضى الله عنه- وتنتهي في عاشر ربيع الآخرة سنة عشرة.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته لقوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
ولقول رسول الله ﷺ : «ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته» .
وأما من لم يكن له عهد فأجله أن يتم الأربعة أشهر الحرم الدائرة في كل عام وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وعلى هذا تكون مدته خمسين يوما، عشرون باقية من الحجة، وثلاثون هي شهر المحرم.
وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد ارتضاه جمع من العلماء قديما وحديثا واختاره الشيخ محمد عبده في دروسه. أمروا بالسياحة والاستعداد، وأن يعلموا علما أكيدا أنهم غير معجزي الله أبدا، وأن الله مخزيهم ومذلهم، لأنهم كفروا بالله، ورسوله ... وأذان من الله ورسوله، وإعلام تام منهما إلى الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم (وكان ذلك على لسان على بن أبى طالب سنة تسع في السنة التي حج فيها أبو بكر بالناس كما تقدم) ليعلم الكل أن الله برىء من المشركين، ومن عهودهم، ورسوله كذلك برىء، وأما المسلمون فهم حزب الله وأتباع النبي ﷺ وداخلون في ذلك دخولا أوليا، وهذا إنذار شديد للمشركين!!! فإن تبتم أيها المشركون ورجعتم عن الشرك وآثامه فهو خير لكم وأى خير؟!! ... وإن توليتم وأعرضتم عن الإسلام فاعلموا أنكم غير معجزي الله، ولا طاقة لكم بحربه في الدنيا، وأما في الآخرة فبشرهم يا محمد- فأنت أدرى بأحوال الآخرة وأنت البشير النذير- بشرهم بعذاب أليم غاية الألم.
هذا الأذان بنقض العهد يسرى على المشركين جميعا إلا المعاهدين الذين عاهدتموهم ثم لم ينقصوكم شيئا من العهود ولم يخلوا بشرط من الشروط، أى: حافظوا على نصوص المعاهدة وروحها. ولم يظاهروا عليكم أحدا، ولم يعينوا عليكم عدوا كبني ضمرة وبنى كنانة، فهؤلاء أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين الخائفين من عذابه الذين يوفون بعهدهم إلا مع المشركين الناقضين العهد.
стр. 849
وجوب قتال المشركين [سورة التوبة (٩) : آية ٥]
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
المفردات:
انْسَلَخَ: انقضى، وأصل الاستعمال في الجلد، شبه الزمان به لأنه محيط بما فيه إحاطة الجلد بالشاة، فإذا مضى الزمن فكأنه انسلخ عما فيه. خُذُوهُمْ المراد:
ائسروهم، والأخيذ: الأسير. وَاحْصُرُوهُمْ: امنعوهم من التقلب في البلاد والسير فيها. كُلَّ مَرْصَدٍ المراد: كل ممر وطريق يجتازونه في أسفارهم.
المعنى:
فإذا انقضى الأشهر الحرم التي كانت ساترة لهم، وحرزا تمنعهم من أيدى المسلمين، وهل المراد بها الأشهر الحرم السابقة؟ أو المراد بها الأشهر الحرم مع ما فهم من قوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ؟
فإذا انقضى الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين الناكثين خاصة، أو المشركين مطلقا حيث تم لهم عهدهم.
وخذوهم أسرى حرب، واحصروهم حالة كونكم مانعين لهم من الأسفار والتقلب في البلاد، واقعدوا لهم كل مرصد وممر، وترصدوا لهم في كل طريق حتى تملأوا قلوبهم خوفا ورهبة منكم، فيخشى الواحد منهم لقاءكم حتى بينه وبين نفسه، والحكمة في ذلك محو الشرك من جزيرة العرب بالقوة لتكون معقل الإسلام مع مراعاة قوله تعالى:
стр. 850
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ «١» . وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها «٢» هذا كله بقدر الإمكان، فإن ثابوا وأنابوا، ودخلوا في الإسلام وأقاموا حدوده، والتزموا أركانه التي أهمها الصلاة والزكاة فخلوا سبيلهم واتركوهم وشأنهم، واعلموا أن الله غفور رحيم، والآية الكريمة تفيد دلالة إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الإسلام، وتوجب لمن يؤديهما حقوق الإسلام من حفظ ماله ودمه إلا بحق الإسلام.
سماحة الإسلام في معاملة الكفار [سورة التوبة (٩) : آية ٦]
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)
المفردات:
اسْتَجارَكَ: طلب جوارك والاحتماء بك. مَأْمَنَهُ: مكان أمنه ... تقدم بيان حكم من تاب من الكفر، ومن أصر عليه وهذا حكم من يتصدى للتوبة ويتقرب من المسلمين.
المعنى:
وإن استجارك أحد من المشركين، وطلب جوارك وحمايتك، فاقبل جواره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويتفهم معانيه، ويقف على أسراره العالية فإن الإنسان إذا خرج من بيئة العناد والضلال قد يشرح الله صدره للإسلام، ثم أبلغه مكان أمنه، وأوصله للدار التي يأمن فيها إن أسلم أو لم يسلم، ثم قاتله إن استوجب حاله القتال من غير غدر ولا خيانة.
وهذا من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الرسول الأعظم ﷺ . وتنبيه للمسلمين جميعا أن يعملوا على نشر الدين ومبادئه حتى يسمعها أولئك الذين لا يعرفون عن محاسن الدين الإسلامى شيئا.
стр. 851
ذلك، أى: الأمر بالإجارة وحسن المعاملة. وتوصيله إلى مكان أمنه ودار إقامته بسبب أنهم قوم جهلة بحقيقة الدين، ولا يعلمون عنه إلا معلومات مشوشة خاطئة كما يعلم الغربيون عن ديننا من المعلومات التي تعلموها على أيدى رجال دينهم، وللأسف الشديد إذا أراد الواحد منهم أن يعرف شيئا عن الإسلام حكم عليه بأعمال أهله، ويا له من حكم قاس!! فإننا مسلمون بالوراثة والنسب لا بالعمل والخلق!!
سبب البراءة من عهودهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧ الى ١٠]
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)
المفردات:
إِلًّا: عهدا، أو حلفا، أو جورا. وَلا ذِمَّةً أى: عهدا، وهي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب.
стр. 852
المعنى:
هذا هو بيان الحكمة الداعية للبراءة من عهودهم، مع أن الوفاء بالعهد فضيلة وشعبة من شعب الإيمان.
كيف يكون للمشركين عهد محترم عند الله وعند رسوله؟ وهذا استنكار لأن يكون لهم عهد حقيق وجدير بالمراعاة عند الله ورسوله ﷺ والمراد: ليس لهم عهد على أى وضع وحال، وهذا أبلغ في النفي من غيره، ولكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، وهم الذين سبق استثناؤهم في قوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً الآية. وهذا مقيدا بأنهم يستقيمون لكم ولا يقدمون أى إساءة، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، وأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم على هذا الأساس وهو عدم تعديهم عليكم، إن الله يحب المتقين الذين يوفون بالعهد ولا يظلمون.
وكيف يكون لهم عهد محترم وذمة عند الله وعند رسوله؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم، ويظفروا بكم، لا يراعون في شأنكم قرابة ولا صلة، ولا يراقبون فيكم عهدا ولا ذمة، وهم يرضونكم بألسنتهم، وقلوبهم قد ملئت حسدا وحقدا، وتأبى قلوبهم أن تكون معكم أبدا، ولا غرابة في ذلك فأكثرهم فاسقون وخارجون عن حدود الدين والمروءة، فالوفاء بالعهد للذين يخافون الله أو حساب الضمير، وهم قد اشتروا بدل الآيات الإلهية الداعية للمثل العليا الكريمة ثمنا قليلا تافها وشيئا حقيرا، وهو اتباع الأهواء، والخضوع للشيطان، ولذا تراهم صدوا عن سبيل الله ودينه الحق، وبذلوا في سبيل الله كل مرتخص وغال، إنهم ساء ما كانوا يعملون، وبئس العمل عملهم!! وهم لا يرقبون في شأن مؤمن- أيا كان- عهدا ولا ذمة على الإطلاق في أى وقت أو زمان، وأولئك هم المعتدون المتجاوزون الغاية القصوى في الظلم والشر.
هؤلاء الذين وصفوا بهذا الوصف، كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟! وكيف يثبت هؤلاء على عهدهم، فهم يخضعون للقوة، ويوفون للسيف لا للذمة، وقد ثبت أنهم كذلك في الواقع.
стр. 853
كيف نعامل هؤلاء الكفار؟ [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١ الى ١٢]
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)
المفردات:
نَكَثُوا أصل النكث: نقض الحبل، ثم استعير لنقض العهد. لا أَيْمانَ المراد: لا عهود لهم.
المعنى:
هذا بيان لحال الكفار بعد ما ثبتت عداوتهم للإسلام، فهم بين أمرين: أحدهما التوبة الصادقة والرجوع إلى الله- والبعد عن الشرك والصد عن سبيل الله، فإن تابوا بهذا المعنى، وآمنوا وعملوا بإخلاص خصوصا إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، وإيتاء الزكاة الدالة على صدق التوبة، وصفاء النفس وقوة العقيدة، إن فعلوا ذلك فهم إخوانكم في الدين لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وفي هذا التعبير الكريم التعبير بالأخوة، إشارة إلى مقام الأخوة في الدين وأنها أعلى نسبا، وأقوم صلة بين المسلم والمسلم، وبهذه الأخوة تهدم صروح العداوة، ويزول كل فارق بينكم.
والأخوة لا تتحقق إلا بالرجوع إلى الله حقا وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويمكننا أن نقول بأن الثلاثة متلازمة لا يمكن أن يحصل واحد بدون الآخر، والله- سبحانه- يفصل الآيات، ويوضحها كالشمس أو أشد، ولكن لقوم يعلمون أو يريدون أن يعلموا.
стр. 854
أما الحالة الثانية وهي أنهم ينقضون العهود، بعد توكيدها، ويخلون بالمعاهدة بعد إبرامها، ويطعنون في دينكم بالنيل منه والاستهزاء به، والصد عنه، فهؤلاء يجب قتالهم قتالا عنيفا حتى يثوب إليهم رشدهم، قاتلوا أئمة الكفر وقادته وحملة لوائه أينما كانوا إنهم لا عهود لهم ولا ذمة ولا يمين، قاتلوهم لعلهم ينتهون إلى الحق ويرجعون عن الغي، وهكذا نعامل هؤلاء المشركين إما بالأخوة الإسلامية إن تابوا وعملوا صالحا، وإما حرب لا هوادة فيها إن ظلوا كما هم!!
تحريض على قتال المشركين [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٣ الى ١٥]
أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)
المعنى:
كيف لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم التي أقسموا بها عند المعاهدة؟!! ونقضوا عهدهم من بعد توكيده، وهذا استفهام لإنكار عدم قتالهم. وهو يفيد الحض على القتال والحث عليه ببيان شناعة جرمهم وعظيم فعلهم المقتضى للقتال، وهم هموا بإخراج الرسول من مكة، أو حبسه حتى لا يراه أحد، أو قتله بأيدى عصابة مكونة من القبائل حتى يضيع دمه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [سورة الأنفال آية ٣٠]
стр. 855
وهم بدءوكم بالقتال أولا، وقد قيل: الشر بالشر والبادئ أظلم، وقد كان منهم كل ذلك إذ نقضت قريش العهد وأعانت بنى بكر على خزاعة، وقتلوا منهم كثيرا حتى استنجدوا برسول الله ﷺ ، وقد أخرجوا النبي ﷺ من بلدة مكة وأخرجوا غيره من المهاجرين، وبدءوا بالقتال يوم بدر.
ثم قال هذه الحجج: أتخشونهم؟ وتتركون قتالهم خشية وخوفا إن كانت الخشية هي المانعة فالله أحق بها إن كنتم مؤمنين، إذ شرط الإيمان الخوف من الله وحده وخشيته دون سواه.
وهذا الاستفهام يفيد الإنكار والتوبيخ ولكن للمنافقين ولمن كانوا يعظمون أمر القتال ويرون أنه لا يليق برحمة الإسلام وعطفه على الناس.. ثم بعد هذا البيان الكامل أمرهم بالقتال فقال: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، فالله هو الفاعل حقيقة وأنتم باشرتم العمل في الظاهر وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم بالقتل والأسر والهزيمة، وينصركم عليهم نصرا مؤزرا ما دمتم تنصرون الله بطاعته، ويشف صدور قوم مؤمنين كانت قد ملئت غيظا وألما من أفعال المشركين بهم في مكة، وقيل: هم خزاعة شفى الله صدرها بحرب المسلمين لقريش وأحلافهم، ويذهب غيظ قلوبهم بما كابدوا من المكاره والمكايد.
ولقد أنجز الله وعده، وصدق عبده ونصر جنده وهزم الأحزاب وحده، وهذا تحريض للقتال بأسلوب بليغ مع تبليغ أن النصر للمسلمين.
ويتوب الله بعد ذلك على من يشاء من عباده حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة، ولا غرابة فالله عليم بخلقه لا تخفى عليه خافية، حكيم لا يفعل إلا ما فيه الخير والحكمة لعباده ...
اختيار المسلمين وتمحيصهم [سورة التوبة (٩) : آية ١٦]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)
стр. 856
المفردات:
وَلِيجَةً المراد: بطانة وصاحب سر، مأخوذ من الولوج وهو الدخول، وصاحبك يدخل في محيط أسرارك.
المعنى:
هذا كلام جديد غير السابق، فيه بيان حال جماعة المسلمين شأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف عليه تمحيصهم من ضعف الإيمان والهوادة فيه، بل أحسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم بالأموال والأنفس؟ ونفى علم الله دليل على عدم الوقوع والحصول ضرورة أن الله يعلم كل ما يحصل في الكون، جاهدوا ولم يتخذوا من الكفار أولياء من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين، لم يتخذوا وليجة وبطانة منهم، والله خبير بما تعملون فمجازيكم عليه، ومثل هذه الآية آية البقرة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ والخلاصة: أنه تعالى شرع لعباده الجهاد وبين أن له فيه حكمة، وهي اختبار عبيده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه وهو العالم بما كان وما سيكون.
عمارة المسجد للمسلمين لا للمشركين [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ١٨]
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
стр. 857
المفردات:
أَنْ يَعْمُرُوا عمارة المسجد في اللغة: تشمل لزومه والإقامة فيه وعبادة الله فيه، وبنيانه وترميمه وخدمته والإرعاء عليه، والعناية به. مَساجِدَ: جمع مسجد، وهو مكان السجود، ثم استعمل في البيوت الخاصة بعبادة الله وحده.
والمراد: المسجد الحرام.
روى عن ابن عباس- رضى الله عنه- أنه لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علىّ في القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا وتنسون محاسننا؟ فقال علىّ: ألكم محاسن؟ فقال: نعم، إننا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقى الحاج
، فأنزل الله- ردا على العباس هذه الآيات، والمراد أنها تتضمن الرد على العباس وأمثاله لا أنها وقعت عقب قوله، وهي مناسبة لنقض عهودهم، وعدم حجهم البيت ومنعهم منه إذا أنها تفيد منع خدمتهم وعمارتهم للمسجد الحرام أيضا.
المعنى:
ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين أبدا أن يعمروا مسجد الله الأعظم، وبيته المحرم بالإقامة فيه للعبادة أو للخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجا أو معتمرين، وهذا الحكم يشمل كل المساجد ما كان لهم ذلك في حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، فإن هذا جمع بين الضدين فإن عمارة المسجد الحسية أو المعنوية بالعبادة لا تصح إلا من المسلم الموحد بالله الذي يعبد الله وحده، والكفر بالله والإشراك به يتنافى مع عبادة الله وحده والقيام على مساجد الله خصوصا مسجد الله الحرام.
والخلاصة أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله مع الكفر بالله، وشهادتهم بالكفر ثابتة قولا وعملا فهم يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وأما عملهم فقد عبدوا الأصنام واستقسموا بالأزلام، فهذه شهادتهم بالكفر.
أولئك المشركون البعيدون في الضلال حبطت أعمالهم وبطلت، وهم في النار خالدون وماكثون: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
стр. 858
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
«١» إنما يعمر مساجد الله وخصوصا المسجد الحرام بالرعاية والعناية والولاية والخدمة والعبادة إنما يعمره من آمن بالله إيمانا كاملا صادقا وآمن باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وكان عمله الظاهر موافقا لعقيدته فيقيم الصلاة ويؤديها كاملة الأركان والشروط ويؤدى الزكاة لأربابها وأكثرهم يقيمون بالمساجد، على أن في مال الزكاة متسعا لتعمير المساجد تعميرا حسيا، والذين يخشون الله وحده هم أولى الناس بذلك.
المعنى:
قصر تعمير المساجد على المؤمنين بالله إيمانا كاملا شاملا والمقيمين الصلاة إقامة كاملة مع إيتاء الزكاة، والخشية من الله وحده دون غيره مما لا ينفع ولا يضر، والمراد:
الخشية الدينية الغريزية كالخوف من الحيوان المؤذى مثلا.
ونحن نرى الآن أنه لا يعمر بيوت الله إلا هؤلاء فقط.
فأولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة هم المهتدون إلى الخير دائما، المستحقون على أعمالهم عظيم الأجر، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وفي تصدير جزائهم بكلمة (عسى) إشارة إلى قطع أطماع الكفار، أى: إذا كان هؤلاء العاملون المقربون جزاؤهم بين (لعل وعسى) فما بال الكفار!! والخير للمؤمن أن يكون بين الرجاء الذي يحمله على العمل وبين الخوف الذي يبعده عن التقصير ويغلب الخوف على الرجاء في حال الصحة والعكس في حال المرض الشديد، وهذه الصفات الجامعة لشعب الإيمان والإسلام تقتضي حتما الإيمان بالرسول ﷺ فإنها لا تعمل على الوجه الكامل إلا بهديه وإرشاده ﷺ .
فضل الإيمان والجهاد [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
стр. 859
المفردات:
سِقايَةَ في اللغة: هي الموضع الذي يسقى فيه الحاج، أو الإناء الذي يسقى به والمراد: ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يلي هذا ويشرف عليه العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام ...
روى عن النعمان بن يشير ما معناه قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالى ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر ودخل يستفتى رسول الله فقرأ عليه هذه الآية «١»
، وبهذا الحديث يعلم أن الخطاب في الآية للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب فيها للمشركين وهي تكملة للآيتين السابقتين في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام للمسلمين على كل حال، وبيان أن الجهاد في سبيل الله مع الإيمان أعظم درجة عند الله.
المعنى:
أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله في الفضيلة والدرجة؟ وهذا استفهام إنكارى لمن يدعى تشبيه هذا بذاك.
стр. 860
وهل هذا خطاب للمشركين حسب السياق؟ أم هو خطاب للمؤمنين حسب حديث النعمان بشير- رضى الله عنه- إذا كان هذا حال السقاية والعمارة مع المؤمنين فما بال الكفار الذي يفتخرون بهما؟!! نعم لا يستوون عند الله أبدا، وإن كان في كل خير، إلا أن الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله مع بذل النفس والنفيس أعلى درجة وأعظم مكانة عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين إلى معرفة جهة الفضل، وموضع الخير، إذ قد طمس الله على قلوبهم.
الذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله ولإعلاء كلمته باذلين النفس والمال هم أعظم درجة، وأعلى مكانة ممن لم يتصف بهذه الصفات كائنا من كان، وإن حاز جميع ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقاية والعمارة.
فإن فهمت الآية على أن الخطاب للمؤمنين المتفاخرين حسب حديث النعمان بن بشير قلنا: إنه لا مراء أن في السقاية والعمارة خيرا وإن كان الإيمان والجهاد أعظم درجة عند الله.
وإن فهمت الآية على أن الخطاب للمشركين والتفاخر من الكفار كان المعنى: نعم للسقاية والعمارة درجة عند الله إذا فعلا كما يرضى الله ورسوله، ولكن الشرك يحبط عملهما كما سبق.
وأولئك المؤمنون المهاجرون والمجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله وفضله وكرامته.
وما هذا الفوز؟ أجاب الله بقوله: يبشرهم ربهم في كتابه المنزل على نبيه برحمة واسعة، ورضوان من الله أكبر من كل شيء، وجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وهم خالدون فيها وماكثون إلى ما شاء الله عطاء غير مجذوذ، أى: غير مقطوع.
إن الله عنده أجر عظيم فلا غرابة في هذا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التوبة آية ٧٢] .
وقد ورد عن أبى سعيد الخدري- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ إن
стр. 861
الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟
فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا ربنا وأى شيء أفضل من ذلك؟
فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
ولاء المؤمنين للكافرين وخطره [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)
المفردات:
اسْتَحَبُّوا: أحبوا. عَشِيرَتُكُمْ: أهلكم وقرابتكم. فَتَرَبَّصُوا:
انتظروا. كَسادَها: بوارها وعدم رواجها.
كان لما أعلنه القرآن الكريم من البراءة من الله ورسوله إلى المشركين، ومن نبذ عهودهم ونقض معاهداتهم، ووجوب قتالهم كان لهذا أثر كبير في نفوس بعض المسلمين خصوصا ضعفاء الإيمان الذين لم تزل في قلوبهم العصبية الجنسية، وصلة القرابة لها
стр. 862
المكان الأعلى، وبعضهم كان يكره الحرب ونقض العهد لما في ذلك من الاعتداء وهتك الحرمات، ولقد اتخذ المنافقون من ذلك مادة للدعاية وللتأثير على بعض المسلمين حتى كان للبعض بطانة ووليجة من الكفار، وما قصة حاطب بن أبى بلتعة ببعيدة، وكانت نقطة الضعف هي نعرة القرابة ورحمة الرحم.
وبعد أن بين الله فضل الجهاد ونتائجه والهجرة وأثرها، وحبوط أعمال المشركين حتى ما كان خيرا منها كالسقاية والعمارة، بين هنا أن ذلك كله لا يتم إلا بترك ولاية المشركين، وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد والأخ والزوج والعشيرة والمال والمسكن.
المعنى:
يا أيها الذين آمنتم بالله ورسوله، واتصفتم بهذا الوصف: لا يليق بكم أن تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء تنصرونهم في القتال، وتظاهرون لأجلهم الكفار، لا تتخذوا منهم بطانة ولا وليجة تخبرونهم بالأسرار الحربية الخاصة بالجيش الإسلامى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [سورة التوبة آية ١٦] .
لا تتخذوهم أولياء ما داموا يحبون الكفر على الإيمان ويؤثرون الشرك على الإسلام ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمة، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ولجماعتهم التي ينتمون إليها، وذلك أنهم وضعوا الولاية موضع البراءة، والمودة محل العداوة.
خاطب الله المؤمنين بهذا الوصف الكامل لينهاهم عن جريمة اتخاذ الولاية للكافرين المعادين للرسول والمؤمنين، خاطبهم مباشرة (لا تتخذوا) ثم أمر رسول الله ﷺ أن يخاطبهم في ما هو سببها مذكرا لهم مبينا الخطر الذي ينجم على فرض وقوعها منهم مع تصدير كلمة (إن) المفيدة للشك لأن هذا هو المنظور، إذ حب المذكورات يجب أن يكون مشكوكا فيه بالنسبة للمؤمنين، والمؤاخذة ليست على حب المذكورات بل على تفضيلها على حب الله، أما أصل الحب فشيء طبيعي جبلّىّ لا مؤاخذة فيه.
стр. 863
أما محبة الآباء فغريزة عند الأبناء، إذ الولد يشعر أن أباه هو سبب وجوده وأنه قطعة منه وهو مثله الأعلى، والأب هو المخلوق الذي عطف عليه ورباه، ولا تنس أن الآباء مفخرة العرب فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ «١» ومحبة الأبناء غريزة، فالولد محط الأمل، وهو قطعة من الفؤاد وفلذة من الكبد، وهو الجزء الباقي بعد الإنسان، لا يحب أن يتميز عليه إنسان إلا هو والأخ هو اليد القوية والساعد لأخيه، وابن أمه وأبيه سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ «٢» وحب الزوجة شعور خاص ليس له ضريب فهو الذي يسكن إليها، وتهدأ ثورة الطبيعة عندها وقد كانت محط نظره ومحل أمله، وأما حب المال والتجارة فطبيعة عند كل إنسان، وقد كان أكثر المسلمين يشتغلون بالتجارة، وحب المسكن الذي ألفه الشخص غريزى أيضا، فهو وطنه، وأول أرض مس جسمه ترابها ... فهذه الثمانية المحبوبة بالطبيعة جعلت بعض المسلمين يكرهون القتال كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ «٣» لذلك لم يفرض إلا للضرورة القصوى.
والآية الكريمة تشير إلى إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على كل منفعة في الأرض.
أما حب الله فيجب أن يكون هو المقدم لأنه صاحب النعم والفضل واهب الوجود والكون، خلقنا ورزقنا وأحيانا. وهو الذي أوجد الآباء والأبناء والمال والتجارة والمساكن، على أنه متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص.
وأما حب رسول الله ﷺ فهو دون حبه- تعالى- وفوق حب تلك الأصناف الثمانية، فهو زعيم العلماء العاملين وقدوة الهداة والراشدين، وهو المثل البشرى الأعلى والأسوة الحسنة في الخلق والأدب والفضل، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، قد جعل القرآن علامة محبة الله اتباع النبي ﷺ : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [سورة آل عمران آية ٣١] .
وأما الجهاد في سبيل الله بأى نوع منه فدرجته لا تخفى وتفضيله على الأصناف الثمانية السابقة أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» .
стр. 864
وعلى ذلك فمن أحب الآباء والأبناء والأزواج والمال أكثر من حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو ناقص الإيمان يستحق هذا الوعيد الشديد ولينتظر الهلاك والدمار، وما كان الذين يحبون الأهل والعشيرة والمال والتجارة أكثر من حب الله ورسوله والجهاد في سبيله إلا من المنافقين الذين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد ويوحون لهم زخرف القول بالاعتراض على نبذ العهود، وإعلان الحرب على المشركين.
والله لا يهدى القوم الفاسقين الخارجين عن حدود الدين والعقل والحكمة.
وهل النصر إلا من عند الله؟ [سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)
المفردات:
مَواطِنَ: هي مواقع الحرب كبدر، والحديبية، ومكة. حُنَيْنٍ: واد بين مكة والطائف. رَحُبَتْ الرحب: الواسع. سَكِينَتَهُ: ما يسكنهم ويذهب خوفهم.
стр. 865
لما بلغ قبيلة هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف وكانت الرياسة له، وكان على ثقيف كنانة بن عبيد ونزلوا بأوطاس (واد في ديار هوازن فيه كانت وقعة حنين) . ولما بلغ خبرهما رسول الله ﷺ عزم على قصدهم وأعد العدة، وكان معه حوالى اثنى عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء، ولما رأى المسلمون كثرتهم غر بعضهم هذا حتى قال: لن نغلب اليوم عن قلة، فوكلوا إلى أنفسهم حتى انهزموا ثم لما رجعوا عن غرورهم والتجأوا إلى ربهم كان النصر والظفر لهم.
المعنى:
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة تقابلتم فيها مع أعدائكم وأنتم قلة قليلة، وهم كثرة كثيرة، ومع هذا نصركم الله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ حيث كنتم متوكلين على الله، معتمدين عليه ممتثلين أمر الله ورسوله، معتقدين أن النصر من عند الله، وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
أما إذا أعجبتكم كثرتكم، وظننتم أنكم لا تغلبون عن قلة وضعف كما حصل منكم يوم حنين فقد ترككم ربكم لأنفسكم فلم تغن كثرتكم عنكم شيئا من قضاء الله وضاقت عليكم الأرض بما اتسعت من الخوف ثم وليتم مدبرين وكانت الدائرة عليكم في أول المعركة حتى فر كثير من الناس، ولم يلو أحد على أحد، وثبت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعلىّ والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، وربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس: وكان رسول الله ﷺ على بغلته الشهباء ثابتا يقاتل الكفار، وقال: «أى العباس» ناد أصحاب السمرة (الشجرة التي كانت عند بيعة الرضوان) فنادى عباس وكان ذا صوت: أين أصحاب السمرة! قال: فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار ...
قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بها وجوه الكفار. ثم قال: «انهزموا ورب محمد» .
وفي رواية أنه دعا واستنصر وكان يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن
стр. 866
عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك»
قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس، أى: اشتد، نتقي برسول الله ... ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فاستجاب دعاء النبي وأنزل ما به تسكن قلوبهم وتطمئن نفوسهم، وتقوى عزائمهم حتى اجترءوا على قتال المشركين، وأنزل الله جنودا لم تروها من الملائكة يقوون روح المؤمنين المعنوية بما يلقون في قلوبهم من التثبيت والاطمئنان ويضعفون الكافرين بما يلقون في قلوبهم من الخوف والجبن من حيث لا يرونهم وهكذا عمل الدعاية في الحرب وقد ثبت أن لها النصر المؤكد، والثابت أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وفي رواية عمن أسلم بعد حنين قال: أين الخيل البلق والرجال الذين كانوا عليهم بيض ما كان قتلنا إلا بأيديهم؟!! وعذب الله الذين كفروا بسيوفكم بعد أن كانوا أعزة لهم الغلب رماة ماهرين، وذلك كله جزاء الكافرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ممن انهزم وفر فيهديه إلى الإسلام، ويثبت قلبه عند الشدائد.
وفي هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنعم الله عليهم، وأن النصر من عنده، وكثيرا ما تتخلف الأسباب الظاهرة ليتذكروا أن عناية الله- تعالى- برسوله والمؤمنين وتأييده بالقوى المعنوية أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوى المادية.
المشركون لا يدخلون المسجد الحرام [سورة التوبة (٩) : آية ٢٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
المفردات:
نَجَسٌ النجاسة في اللغة: القذارة وعدم النظافة، وإذا وصف بها الإنسان كان المراد أنه شرير خبيث النفس وإن كان طاهر البدن، وإذا وصف بها الداء كان المراد أنه
стр. 867
عضال لا برء معه، وفي عرف الفقهاء: ما يجب تطهيره سواء كان قذرا كالبول أو غير قذر كالخمر مثلا. عَيْلَةً: فقرا، يقال: عال: افتقر، وأعال: كثر عياله.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا اعلموا أن المشركين ما هم إلا أنجاس، عقائدهم فاسدة يشركون بالله غيره، ويعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويأكلون الميتة ولا يتحرّون الطهارة في أبدانهم ولباسهم، فلا تمكنوهم بعد هذا العام (عام تسع الذي بلغ فيه على هذه الآيات) من دخول المسجد الحرام ولا الطواف به عراة يشركون بربهم في التلبية.
وهل المراد أنهم أنجاس، أى: ذواتهم نجسة؟ أو المراد أنهم أشرار خبثاء النفس؟
قولان، والظاهر الثاني، وأن المراد المعنى اللغوي لا المعنى العرفي عند الفقهاء، وذلك لأن المتتبع للسيرة يرى أن معاملة النبي ﷺ لهم لم تكن على أساس أنهم أنجاس بهذا المعنى، فقد كان المسلمون يعاشرونهم وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي ﷺ وتدخل مسجده في المدينة، ومن الثابت أنه لم يأمر بغسل شيء أصابه بدنهم، هذا هو الصحيح.
وقد ورد أن المسلمين قالوا: من أين لنا الطعام بعد هذا النهى؟ فقيل: وإن خفتم أيها المسلمون عيلة وفقرا من منع هؤلاء من دخول المسجد الحرام كما يوسوس لكم إبليس، وكما يرجف بذلك المرجفون، فاعلموا أنه سوف يغنيكم الله من فضله، فهو واسع الفضل، يداه مبسوطتان، وهو على كل شيء قدير، وهو العليم بخلقه الحكيم في فعله.
قتال أهل الكتاب وغايتهم [سورة التوبة (٩) : آية ٢٩]
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)
стр. 868
المفردات:
الْجِزْيَةَ: نوع من الخراج- الضريبة- يضرب على الأشخاص لا على الأرض.
يَدٍ: سعة وقدرة. صاغِرُونَ الصغار والصغر: ضد الكبر، ويكون في الأمور الحسية والمعنوية، والمراد هنا: الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته التي تصغر بها أنفسهم بفقد الملك.
كل ما تقدم كان في قتال المشركين وهم أكثرية سكان جزيرة العرب، وهذه الآية في حكم قتال أهل الكتاب والغاية التي ينتهى إليها، وقد قاتل رسول الله ﷺ المشركين في جزيرة العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره، وقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية.
المعنى:
يا أيها المسلمون قاتلوا الذين تجمعت فيهم صفات أربع، هي سبب عداوتهم للإسلام، وكراهيتهم لكم، ووضعهم العراقيل في طريق الدعوة، وتركهم مستقلين يجعلهم يغيرون على أطراف المملكة الإسلامية ويؤلبون العرب كما فعل اليهود في المدينة وما حولها، وكما تفعل نصارى الروم في حدود بلاد العرب كما سيأتى في غزوة تبوك، وهاك صفاتهم:
١- لا يؤمنون بالله، وقد شهد القرآن بأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقدوه لأنهم لا يقولون بالتوحيد، وقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، يحلون ويحرمون كما يشاءون، وقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وقد سبق بيان عقائد النصارى في المسيح في سورة المائدة.
٢- ولا يؤمنون باليوم الآخر. فهم يقولون: إنها حياة روحية فقط كحلم النائم، ولا يرون فيها شيئا مما نعتقده من نعيم حسى وروحي، وعذاب حسى وروحي.
٣- ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، نعم وهما لا يحرمون على أنفسهم ما حرمه الله عندهم على لسان موسى وعيسى، وها هو ذا القرآن يقول: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [سورة النساء آية ١٥٥] ألم يحلوا الربا والخمر وهما محرمان عندهما؟ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ [سورة البقرة آية ٨٥] .
стр. 869
٤- ولا يدينون دين الحق، نعم فهذا الذي يسيرون عليه ليس دين الله الحق الكامل، وإنما لعبت الأهواء والأغراض والتحريف والتبديل في التوراة والإنجيل وهم لا يدينون بالإسلام وهو الدين الحق الذي لا شك فيه إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [سورة آل عمران آية ١٩] .
قاتلوهم حيث اتصفوا بهذه الصفات حتى يعطوا الجزية عن قدرة وسعة وهم صاغرون، والمعنى: قاتلوهم إن بدر منهم ما يوجب القتال كنقض العهد أو إثارة العدو ومعونته أو الإغارة على أطراف المملكة، كما فعل النصارى في الشام، وإعطاء الجزية دليل الخضوع وسلامة العاقبة على أنهم بهذا يخالطونكم فيرون عدل الإسلام وسماحته، فإن أسلموا فهم منكم وأنتم منهم، وإلا فالجزية مع معاملتهم معاملة حسنة بلا اضطهاد ولا تعذيب، ويسمون أهل الذمة لأن حقوق المساواة والعدل في معاملتهم بمقتضى ذمة الله ورسوله، والمعاهدون هم من بيننا وبينهم عهد محترم من الجانبين، وهناك أحكام في كتب الفقه خاصة بالجزية وأهلها والمعاهدين.
أهل الكتاب لا يعبدون الله حقا [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
стр. 870
المفردات:
عُزَيْرٌ: هو عزرا الموجود في الكتب التي بأيديهم. يُضاهِؤُنَ:
يشبهون. أَنَّى يُؤْفَكُونَ: كيف يصرفون عن الحق إلى غيره؟ أَحْبارَهُمْ:
جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. وَرُهْبانَهُمْ:
جمع راهب، وأصله مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله- تعالى- على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له، وعمله معه، وأنسه به. أَرْباباً:
جمع رب، وهو الخالق البارئ الذي يحل الحلال ويحرم الحرام.
هذا تقرير لما مر، وتأكيد له ببيان أنهم لا يؤمنون بالله، وعزير هذا هو عزرا الوارد في كتبهم التي أجمعت على أن أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في كتابة كتبهم المقدسة وأنه هو الذي أملاها، إذ ثابت أن التوراة التي كتبت في عهد موسى ضاعت قبل عهد سليمان- ﵇ وأن عزيرا هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد السبي، كتبها بإلهام من الله أو بوحي، وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم، بل كتب علماء أوروبا الأحرار يشكون في هذا وينفونه كما في دائرة المعارف البريطانية.
والخلاصة أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون عزيرا هذا حتى أن بعضهم أطلق عليه لقب (ابن الله) ويظهر- والله أعلم- أنه كان إطلاقا في أول الأمر للتكريم ثم صار حقيقة بعد دخول الفلسفة الوثنية الهندية عندهم.
стр. 871
المعنى:
وقالت اليهود- أى: بعضهم-: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقد كان القدماء منهم يقولون به قاصدين معنى التكريم والمحبة، فهو إطلاق مجازى، ثم لما سرت الفلسفة الوثنية صاروا يطلقونه إطلاقا حقيقيا على أن المسيح ابن الله وهو الله، وهم متفقون جميعا على أن الموحد ليس نصرانيا- وقد مر شيء من التحقيق في هذا الموضوع في سورة المائدة بالجزء السادس- ذلك قولهم الكذب وافتراؤهم المحض بألسنتهم من غير دليل ولا حجة يشبهون به قول الذين كفروا من قبلهم سواء كانوا من العرب أو من آبائهم السابقين، ألا لعنة الله عليهم أجمعين.
قاتلهم الله كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل؟ ويبدلون الحقائق، ويصرفونها عن غير وجهها الطبيعي: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [سورة المائدة آية ٧٥] . وقد بين الله حقيقة مضاهاتهم للمشركين ومشابهتهم لهم بقوله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة ٣١] ، والمعنى: اتخذوا اليهود والنصارى علماءهم وعبّادهم أربابا من دون الله يحلون ما يحلون، ويحرمون ما يحرمون. وهذا معنى اتخاذهم أربابا كما ورد في الحديث، فهم تركوا حكم الله واتبعوا حكم هؤلاء، واتخذ النصارى المسيح ابن مريم إلها معبودا مع أنه قال: وقال المسيح يا بنى إسرائيل إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا سبحانه وتعالى عما يشركون. كما ورد في كتبهم على لسان موسى وعيسى.
وهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على البشر بهدايته إلى الدين الحق والكتاب المحكم والقرآن المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ ولكن أنى لهم هذا؟! ويأبى الله إلا أن يتم نوره بتثبيته وحفظه، والعناية به وإكماله وتمامه في كل شيء، ولو لم يكره الكافرون، ولو كره الكافرون.
ولا غرابة في ذلك فهو الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى والدين، والقرآن المبين، وأرسله بدين الحق والكمال والجلال ليظهره على الأديان كلها ولو كره المشركون، وقد صدق الله وعده، ونصر عبده ﷺ .
стр. 872
سلوك رجال الدين من أهل الكتاب [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
المفردات:
يَكْنِزُونَ الكنز في اللغة: الضم والجمع مطلقا، والمراد جمع الأموال وخزنها وإمساكها عن الإنفاق. فَبَشِّرْهُمْ: أنذرهم، وهو تهكم بهم لأن البشارة في الخير لا في الشر. فَتُكْوى الكي: إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق الجلد.
هذا بيان لسير الأحبار والرهبان العملية، وكشف لنفسيتهم المالية حتى يقف أهل الكتاب على خطئهم في اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله والاقتداء بهم، وليعلم المسلمون السر في عنادهم وكفرهم، وأنهم يريدون إطفاء هذا النور لأنهم ألفوا الضلال، ألا ساء ما كانوا يعملون.
стр. 873
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسله: اعلموا أن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل لا بالحق، وإنما نسب هذا لكثير منهم لا لكلهم إحقاقا للحق، فإن أكثرهم فاسقون، وقليل منهم صالحون، أما أكلهم المال بالباطل فيظهر في صور شتى، منها: صكوك الغفران التي شاعت في القرون الوسطى عند كثير من الفرق النصرانية كالأرثوذكس والكاثوليك، وخلاصتها: أن يعترف المخطئ منهم بخطئه فيغفر له القسيس نظير مال يدفعه ثم يعطيه صكا يسمى صك الغفران. ألا لعنة الله على القوم الجهلاء!! ومنها الرشوة المنتشرة عند أهل الكتاب.
ومنها أكل الربا واليهود هم أساتذة الربا وقادته في العالم، وقد قلدهم المسيحيون في ذلك ولهم فلسفة خاطئة فيه.
ومنها بيع الفتاوى بالمال لإرضاء الحكام والملوك والأمراء على حساب الدين وقد كان هذا شائعا في زمن النبي ﷺ وما بعده.
ومنها إباحة أخذ ما تيسر لهم من مخالفيهم في العقيدة لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [سورة آل عمران آية ٧٥] والمراد بالأكل كل ما يعم الأخذ وغيره، وإنما عبر به لأنه المقصود المهم من الأخذ.
وأما صدهم عن سبيل الله فبما يختلقون على الله الكذب، ويصفون النبي ﷺ بأحقر الأوصاف، ويكتمون صفته وبشارته التي هي عندهم، والنصارى انفردوا في هذه الأيام بالمبالغة في الصد عن سبيل الله بالتبشير في البلاد الإسلامية عن طريق المدارس والمستشفيات والجمعيات ... إلخ.
والمراد بقوله- سبحانه-: والذين يكنزون الذهب ... هم من تقدم من الأحبار والرهبان لأن الكلام معهم، أو ما هو أعم وهم يدخلون في الموصول دخولا أوليا، وكذا غيرهم من المسلمين، وهذا هو الظاهر.
والذين يجمعون المال ويحبسونه عن الإنفاق في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، وجمع المال وكنزه لا يكون خطرا إلا إذا منعت فيه حقوق الله، أما إذا أديت الحقوق الواجبة
стр. 874
عليك في المال، ثم كنزت وجمعت فلا غبار عليك. وهذا هو الواجب فهمه في الآية خلافا لبعضهم. قال ابن عمر- رضى الله عنهما-: ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز.
فبشرهم وأنذرهم بعذاب أليم جدا يوم يحمى على ما جمعوه من دنانير ودراهم في النار، أى: يوقد عليها في النار حتى تحمى فتكوى بها جباههم التي طالما اعتزت بكثرة المال وتكون جنوبهم التي طالما تمتعت بالحرير والديباج، وتكوى بها ظهورهم التي طالما استندت للمال، على أن الكي على الوجه أشهر وأشنع، والكي على الجنب والظهر أوجع وآلم ويقال لهم: هذا جزاء ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون!!!
وروى البخاري عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعنى شدقيه- ثم يقول له: أنا مالك أنا كنزك» ثم تلا:
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة آل عمران آية ١٨٠] .
بيان عدة الشهور والأشهر الحرم والنسيء [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
стр. 875
المفردات:
حُرُمٌ: جمع حرام. كَافَّةً أى: مجتمعين. النَّسِيءُ: من نسأ الشيء وأنسأه، أى: أخره، والنسيء كالمسنوء، أى: المؤخر.
لِيُواطِؤُا المواطأة: الموافقة.
عود للكلام على المشركين بعد أن أنهى الكلام على أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
المعنى:
إن عدة الشهور عند الله أى: في حكمه اثنا عشر شهرا، فيما كتبه الله وأثبته من نظام للكون، وتقدير لمنازل القمر والشمس، كتبه يوم خلق السموات والأرض، والمراد الأشهر القمرية لا غيرها، فإن الحساب بها يسير، وتتوقف على الهلال، وهو يرى لكل إنسان متعلم وغير متعلم، بدوي أو حضرى.
منها أربعة حرم كتب الله وفرض احترامها وتحريم القتال فيها على لسان إبراهيم وإسماعيل. وتناقلت العرب ذلك قولا وعملا، وفي زمن الجاهلية الجهلاء غيرت العرب في ذلك وبدلت تبعا لأهوائها كما سيأتى
والأشهر الحرم كما وردت في الحديث هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى الثانية وشعبان.
وحرم القتال فيها لأنها زمن الحج فيأمن الناس في أسفارهم وغربتهم على أنفسهم وأموالهم، ولا شك أن الحج يبتدئ غالبا من ذي القعدة إلى آخر المحرم. وكان رجب في وسط العام هدنة للراحة والاستجمام ولتسهيل العمرة فيه، ذلك الدين القيم، ذلك
стр. 876
الشرع الصحيح المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل في عدة الشهور، وتحريم الأربعة الحرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل أى محرم ومحظور، ويدخل في ذلك انتهاك حرمة الأشهر الحرم بالقتال فيها، أو الحرم بالقتال فيها في كل وقت، يدخل هذا وذلك في الظلم دخولا أوليا، وقاتلوا المشركين جميعا على قلب رجل واحد كل في دائرة اختصاصه كما يقاتلونكم كذلك، واعلموا أن الله مع المتقين للظلم والعدوان والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وقد ورثت ذلك عن أبيها إبراهيم وإسماعيل، ولما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم بدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر الحرم، ولا سيما شهر المحرم منها، فكانوا ينسئون تحريمه، أى: يؤجلون تحريمه إلى صفر فتبقى الأشهر أربعة ليوافقوا عدد ما حرمه الله. وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم لأجل الحج.
وفي كتب التاريخ أنه كان يقوم رجل منهم كبير (يقال له القلمس) فيقول في (منى) : أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: صدقت فأخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم، ويحرم عليهم صفرا، ثم صاروا ينسئون غير المحرم.
إنما النسيء، أى: التأخير في الأشهر الحرم كما ورد عنهم، زيادة في الكفر إذ هم غيروا به ملة إبراهيم بسوء التأويل فكان زيادة على أصل كفرهم وشركهم بالله تعالى، فإن تشريع الحلال والحرام لله وحده وإنهم بالنسيء يضلون به سائر الكفار الذين يتبعون فيه حيث يوهمونهم أنهم على ملة إبراهيم وأنهم لم يزيدوا ولم ينقصوا في الأشهر الحرم، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم بهذه الشبهة الباطلة.
والله لا يهدى القوم الكافرين أبدا إلى خير أو صواب، خصوصا في أمور الدين،
روى الشيخان عن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» «١»
بمعنى أنه عاد حساب الشهور ونظامها إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق بعد أن كان قد تغير في حساب العرب بسبب النسيء في الأشهر.
стр. 877
في الحث على الجهاد والتحذير من تركه [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
المفردات:
انْفِرُوا النفر والنفور: عبارة عن الفرار من الشيء، أو الإقدام عليه بخفة ونشاط، واستنفر الإمام الجيش إلى القتال: أعلن النفير العام فنفروا خفافا وثقالا.
اثَّاقَلْتُمْ: تثاقلتم وتباطأتم. الْغارِ المراد: غار جبل ثور، وهو فتحة في الجبل. لا تَحْزَنْ الحزن: انفعال نفسي ينشأ من تألم النفس مما وقع، ويراد بالنهى
стр. 878
عنه: مجاهدته وتوطين النفس على عدم الاستسلام له. كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى المراد: كلمة الكفر والشرك ودولتهم. كَلِمَةُ اللَّهِ هي كلمة الإسلام ودولته.
هذه الآيات، من هنا إلى آخر السورة، نزلت في غزوة تبوك تقوى من عزم المؤمنين وتكشف عن ستر المنافقين، وتبين أحكاما كثيرة لازمة لجماعة المسلمين، وتعاتب من تخلف عن رسول الله ﷺ وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة للهجرة بعد رجوع النبي ﷺ من غزوة حنين والطائف وكان المسلمون في عسرة وضيق، وقد حان قطاف الثمر عندهم وظهور الموسم.
لهذا كره بعض المسلمين الخروج إلى القتال خصوصا بعد ما أعلن النبي ﷺ اتجاهه ومقصده في الغزوة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [سورة البقرة آية ٢١٦] .
أما سبب الغزوة فهو استعداد الروم والقبائل العربية المنتصرة من لخم وجزام لقتال النبي ﷺ حيث أعدوا جيشا كثيفا لغزو المدينة فهي حرب دفاعية لا هجومية «هكذا غزواته وحروبه ﷺ ولما لم يجد النبي ﷺ من يقاتله عاد بلا هجوم، وتبوك: مكان في منتصف الطريق تقريبا بين المدينة ودمشق.
المعنى:
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، واهتديتم بالقرآن الكريم: مالكم متثاقلين حين قال لكم رسولكم الأمين: انفروا في سبيل الله ولإعلاء كلمته؟! ماذا عرض لكم مما يتنافى مع الإيمان وكماله حين قال لكم الرسول: انفروا في سبيل الله لقتال الروم؟ الذين تجهزوا لقتالكم والإغارة عليكم فتثاقلتم عن النهوض، وتباطأتم عن الحرب. مخلدين إلى الأرض وراحتها ولذتها؟! وآية الإيمان جهاد وعمل، ونشاط وجد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحجرات آية ١٥] .
أرضيتم بالحياة الدنيا ولذتها الفانية وعرضها الزائل بدلا من سعادة الآخرة ونعيمها المقيم؟!، إن كان الأمر كذلك فقد استبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فما متاع
стр. 879
الحياة الدنيا المشوب بالهم والحزن في جانب الآخرة ونعيمها الدائم والرضوان الإلهى العظيم فيها إلا شيء قليل لا يعبأ به، ولقد شبه النبي ﷺ نعيم الدنيا ونعيم الآخرة في قلته وسرعته بمن وضع إصبعه في البحر ثم أخرجها منه
قال: «فانظر بم ترجع»
؟ .. إن لم تنفروا خفافا وثقالا كل على قدر حاله وإمكاناته يعذبكم الله عذابا أليما موجعا، ويستبدل قوما غيركم يطيعون الله ورسوله ﷺ ، ويحبهم الله ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ومن هم؟ الله أعلم بهم، على أن هذا تهديد فقط وإلا فالشرط وجوابه لم يتحققا.
ولا تضروه أيها المتثاقلون في شيء أصلا، إذ لا يبلغ أحد ضره ولا نفعه كيف ذلك؟ وهو القاهر فوق عباده!!! والله على كل شيء قدير، وهو الغنى عن نصرتكم لنبيه ورسوله ﷺ .
إن لم تنصروه، ولم تطيعوه للجهاد في سبيل الله فسينصره الله بقدرته وتأييده كما نصره وقت أن أجمع المشركون على الفتك به أو إخراجه من بلده أو حبسه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [سورة الأنفال آية ٣٠] .
نصره الله في ذلك الوقت ولم يكن معه جيش ولا أنصار بل حال كونه ثانى اثنين وواحدا منهما إذ هما في الغار المعروف في جبل ثور، إذ يقول لصاحبه أبى بكر حين فزع لما رأى المشركين وقال: يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا.
يقول النبي ﷺ : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا بالنصر والمعونة والولاية والرعاية.
وفي رواية:
قال النبي ﷺ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
فأنزل الله سكينته على أبى بكر حتى هدأ من روعه وطمأن نفسه أما النبي ﷺ فقد كان ثابت الجنان هادئ النفس واثقا بالنصر ثقة لا حد لها، ولم يخف ولم يحزن أبدا، وأيد الله نبيه بجنود من عنده لم تروها، فالله معه وناصره، وحافظه، وكافيه شر الكفار والمستهزئين، وقد أمده الله بالجنود من الملائكة المسومين في بدر وحنين والأحزاب بما لا يدع مجالا للشك إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [سورة غافر آية ٥١] .
وجعل الله كلمة الكافرين ودولتهم هي السفلى، وكلمة الله ودولته هي العليا، والله
стр. 880
عزيز وغالب لا يغلبه أحد، حكيم يضع الأمور في نصابها، وقد نصر الرسول ﷺ بعزته، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [سورة التوبة آية ٣٣] .
التجنيد العام [سورة التوبة (٩) : آية ٤١]
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)
المعنى:
بعد أن عاتب المتخلفين عن النفر أمر به أمرا عاما شاملا فقال: انفروا خفافا وثقالا، والخفة والثقل تكون في الأجسام وأحوالها من صحة ومرض، ونحافة وسمن، وشباب وكبر، وغنى وفقر، وقلة وكثرة، ووجود ظهر وعدم وجوده ... إلخ.
فإذا أعلن النفير العام وجب تجنيد القوى كلها في البلد للحرب، ووجب الحرب على الكل ما عدا المعذورين عذرا شرعيا، وقد نبه القرآن على نوع العذر حيث قال:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [سورة التوبة آية ٩١] .
انفروا في سبيل الله وجاهدوا بالأموال والأنفس ما استطعتم إلى ذلك سبيلا، فمن قدر على الجهاد بنفسه وماله وجب عليه ذلك، ومن قدر على الجهاد بنفسه فقط أو ماله فقط وجب عليه.
وقد كان الصحابة يجاهدون بالنفس والمال، وها هو ذا عثمان يجهز جيش العسرة، وبعض الصحابة فعلوا مثله.
والأمم الآن ترصد الأموال الواسعة للدفاع والحرب حتى تأمن جارتها، ذلك خير لكم وأجدى إن كنتم تعلمون حقيقة هذه الخيرية، وقد أثبتت التجارب صدق هذه النظرية.