الشرع الصحيح المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل في عدة الشهور، وتحريم الأربعة الحرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل أى محرم ومحظور، ويدخل في ذلك انتهاك حرمة الأشهر الحرم بالقتال فيها، أو الحرم بالقتال فيها في كل وقت، يدخل هذا وذلك في الظلم دخولا أوليا، وقاتلوا المشركين جميعا على قلب رجل واحد كل في دائرة اختصاصه كما يقاتلونكم كذلك، واعلموا أن الله مع المتقين للظلم والعدوان والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وقد ورثت ذلك عن أبيها إبراهيم وإسماعيل، ولما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم بدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر الحرم، ولا سيما شهر المحرم منها، فكانوا ينسئون تحريمه، أى: يؤجلون تحريمه إلى صفر فتبقى الأشهر أربعة ليوافقوا عدد ما حرمه الله. وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم لأجل الحج.
وفي كتب التاريخ أنه كان يقوم رجل منهم كبير (يقال له القلمس) فيقول في (منى) : أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: صدقت فأخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم، ويحرم عليهم صفرا، ثم صاروا ينسئون غير المحرم.
إنما النسيء، أى: التأخير في الأشهر الحرم كما ورد عنهم، زيادة في الكفر إذ هم غيروا به ملة إبراهيم بسوء التأويل فكان زيادة على أصل كفرهم وشركهم بالله تعالى، فإن تشريع الحلال والحرام لله وحده وإنهم بالنسيء يضلون به سائر الكفار الذين يتبعون فيه حيث يوهمونهم أنهم على ملة إبراهيم وأنهم لم يزيدوا ولم ينقصوا في الأشهر الحرم، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم بهذه الشبهة الباطلة.
والله لا يهدى القوم الكافرين أبدا إلى خير أو صواب، خصوصا في أمور الدين،
روى الشيخان عن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» «١»
بمعنى أنه عاد حساب الشهور ونظامها إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق بعد أن كان قد تغير في حساب العرب بسبب النسيء في الأشهر.
стр. 877
في الحث على الجهاد والتحذير من تركه [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
المفردات:
انْفِرُوا النفر والنفور: عبارة عن الفرار من الشيء، أو الإقدام عليه بخفة ونشاط، واستنفر الإمام الجيش إلى القتال: أعلن النفير العام فنفروا خفافا وثقالا.
اثَّاقَلْتُمْ: تثاقلتم وتباطأتم. الْغارِ المراد: غار جبل ثور، وهو فتحة في الجبل. لا تَحْزَنْ الحزن: انفعال نفسي ينشأ من تألم النفس مما وقع، ويراد بالنهى
стр. 878
عنه: مجاهدته وتوطين النفس على عدم الاستسلام له. كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى المراد: كلمة الكفر والشرك ودولتهم. كَلِمَةُ اللَّهِ هي كلمة الإسلام ودولته.
هذه الآيات، من هنا إلى آخر السورة، نزلت في غزوة تبوك تقوى من عزم المؤمنين وتكشف عن ستر المنافقين، وتبين أحكاما كثيرة لازمة لجماعة المسلمين، وتعاتب من تخلف عن رسول الله ﷺ وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة للهجرة بعد رجوع النبي ﷺ من غزوة حنين والطائف وكان المسلمون في عسرة وضيق، وقد حان قطاف الثمر عندهم وظهور الموسم.
لهذا كره بعض المسلمين الخروج إلى القتال خصوصا بعد ما أعلن النبي ﷺ اتجاهه ومقصده في الغزوة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [سورة البقرة آية ٢١٦] .
أما سبب الغزوة فهو استعداد الروم والقبائل العربية المنتصرة من لخم وجزام لقتال النبي ﷺ حيث أعدوا جيشا كثيفا لغزو المدينة فهي حرب دفاعية لا هجومية «هكذا غزواته وحروبه ﷺ ولما لم يجد النبي ﷺ من يقاتله عاد بلا هجوم، وتبوك: مكان في منتصف الطريق تقريبا بين المدينة ودمشق.
المعنى:
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، واهتديتم بالقرآن الكريم: مالكم متثاقلين حين قال لكم رسولكم الأمين: انفروا في سبيل الله ولإعلاء كلمته؟! ماذا عرض لكم مما يتنافى مع الإيمان وكماله حين قال لكم الرسول: انفروا في سبيل الله لقتال الروم؟ الذين تجهزوا لقتالكم والإغارة عليكم فتثاقلتم عن النهوض، وتباطأتم عن الحرب. مخلدين إلى الأرض وراحتها ولذتها؟! وآية الإيمان جهاد وعمل، ونشاط وجد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحجرات آية ١٥] .
أرضيتم بالحياة الدنيا ولذتها الفانية وعرضها الزائل بدلا من سعادة الآخرة ونعيمها المقيم؟!، إن كان الأمر كذلك فقد استبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فما متاع
стр. 879
الحياة الدنيا المشوب بالهم والحزن في جانب الآخرة ونعيمها الدائم والرضوان الإلهى العظيم فيها إلا شيء قليل لا يعبأ به، ولقد شبه النبي ﷺ نعيم الدنيا ونعيم الآخرة في قلته وسرعته بمن وضع إصبعه في البحر ثم أخرجها منه
قال: «فانظر بم ترجع»
؟ .. إن لم تنفروا خفافا وثقالا كل على قدر حاله وإمكاناته يعذبكم الله عذابا أليما موجعا، ويستبدل قوما غيركم يطيعون الله ورسوله ﷺ ، ويحبهم الله ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ومن هم؟ الله أعلم بهم، على أن هذا تهديد فقط وإلا فالشرط وجوابه لم يتحققا.
ولا تضروه أيها المتثاقلون في شيء أصلا، إذ لا يبلغ أحد ضره ولا نفعه كيف ذلك؟ وهو القاهر فوق عباده!!! والله على كل شيء قدير، وهو الغنى عن نصرتكم لنبيه ورسوله ﷺ .
إن لم تنصروه، ولم تطيعوه للجهاد في سبيل الله فسينصره الله بقدرته وتأييده كما نصره وقت أن أجمع المشركون على الفتك به أو إخراجه من بلده أو حبسه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [سورة الأنفال آية ٣٠] .
نصره الله في ذلك الوقت ولم يكن معه جيش ولا أنصار بل حال كونه ثانى اثنين وواحدا منهما إذ هما في الغار المعروف في جبل ثور، إذ يقول لصاحبه أبى بكر حين فزع لما رأى المشركين وقال: يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا.
يقول النبي ﷺ : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا بالنصر والمعونة والولاية والرعاية.
وفي رواية:
قال النبي ﷺ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
فأنزل الله سكينته على أبى بكر حتى هدأ من روعه وطمأن نفسه أما النبي ﷺ فقد كان ثابت الجنان هادئ النفس واثقا بالنصر ثقة لا حد لها، ولم يخف ولم يحزن أبدا، وأيد الله نبيه بجنود من عنده لم تروها، فالله معه وناصره، وحافظه، وكافيه شر الكفار والمستهزئين، وقد أمده الله بالجنود من الملائكة المسومين في بدر وحنين والأحزاب بما لا يدع مجالا للشك إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [سورة غافر آية ٥١] .
وجعل الله كلمة الكافرين ودولتهم هي السفلى، وكلمة الله ودولته هي العليا، والله
стр. 880
عزيز وغالب لا يغلبه أحد، حكيم يضع الأمور في نصابها، وقد نصر الرسول ﷺ بعزته، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [سورة التوبة آية ٣٣] .
التجنيد العام [سورة التوبة (٩) : آية ٤١]
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)
المعنى:
بعد أن عاتب المتخلفين عن النفر أمر به أمرا عاما شاملا فقال: انفروا خفافا وثقالا، والخفة والثقل تكون في الأجسام وأحوالها من صحة ومرض، ونحافة وسمن، وشباب وكبر، وغنى وفقر، وقلة وكثرة، ووجود ظهر وعدم وجوده ... إلخ.
فإذا أعلن النفير العام وجب تجنيد القوى كلها في البلد للحرب، ووجب الحرب على الكل ما عدا المعذورين عذرا شرعيا، وقد نبه القرآن على نوع العذر حيث قال:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [سورة التوبة آية ٩١] .
انفروا في سبيل الله وجاهدوا بالأموال والأنفس ما استطعتم إلى ذلك سبيلا، فمن قدر على الجهاد بنفسه وماله وجب عليه ذلك، ومن قدر على الجهاد بنفسه فقط أو ماله فقط وجب عليه.
وقد كان الصحابة يجاهدون بالنفس والمال، وها هو ذا عثمان يجهز جيش العسرة، وبعض الصحابة فعلوا مثله.
والأمم الآن ترصد الأموال الواسعة للدفاع والحرب حتى تأمن جارتها، ذلك خير لكم وأجدى إن كنتم تعلمون حقيقة هذه الخيرية، وقد أثبتت التجارب صدق هذه النظرية.
المفردات:
عَرَضاً: وهو ما يعرض من منافع الدنيا، أى: غنيمة قريبة. سَفَراً قاصِداً المراد: سهلا لا عناء فيه ولا مشقة. الشُّقَّةُ: هي المسافة البعيدة التي لا تقطع إلا بمشقة. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ العفو: التجاوز عن الذنب أو التقصير وترك المؤاخذة عليه، وقد يستعمل بمعنى الدعاء. انْبِعاثَهُمْ: خروجهم معك بنشاط وهمة.
فَثَبَّطَهُمْ التثبيط: التعويق عن الأمر والحبس عنه. خَبالًا والمراد به: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف. خِلالَكُمْ الخلل: الفرجة بينكم. قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: تقلب الأمور: صرفها وإجالة الرأى والتفكير العميق فيها.
سَقَطُوا: وقعوا. تَرَبَّصُونَ بِنا التربص: الانتظار. الْحُسْنَيَيْنِ: مثنى الحسنى، التي هي تأنيث الأحسن، والمراد بها: الغنيمة، أو الشهادة.
стр. 883
كان دأب المؤمنين إذا دعوا إلى الجهاد لبوا مسرعين نشطين لأنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة والأجر، أو الغنيمة والنصر.
ولما دعاهم الرسول ﷺ إلى غزوة تبوك تثاقل بعضهم لأسباب رآها، هذا التثاقل تختلف درجاته تبعا لقوة الإيمان وشدة العذر، وقد نفرت الأكثرية طائعة وتخلفت قلة عاجزة معذورة. أما المنافقون فقد كبر عليهم الأمر، وشق عليهم الخطب. كيف يقاتلون في تبوك أكبر دولة في العالم؟! فطفقوا ينتحلون الأعذار، ويستأذنون في القعود، والتخلف فيأذن لهم الرسول قبل بيان حالهم والوقوف على أسرارهم.
فكانت هذه الآيات الفاضحة للمنافقين، الكاشفة عن أخلاقهم وطبائعهم.
وروى أن رسول الله ﷺ قال للجند بن قيس لما أراد الخروج إلى تبوك: «يا جدّ هل لك في جلاد بنى الأصفر تتخذ منهم سرارى ووصفاء؟» فقال الجد: قد عرف قومي أنى مغرم بالنساء وإنى أخشى إن رأيت بنى الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تفتني وأذن لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه الرسول ﷺ وقال: قد أذنت لك. فنزلت هذه الآية.
المعنى:
لو كان ما دعوا إليه- هؤلاء المنافقون- عرضا قريبا، ومغنما سهل المأخذ قريب المنال، ولو كان سفرا ذا قصد وسهولة ليس فيه مشقة ولا تعب، لو كان هذا أو ذاك لاتبعوك وأجابوك إلى طلبك، ولكن بعدت عليهم الشقة التي دعوا إليها وهي غزوة تبوك، وكبر عليهم التعرض لقتال الروم في ملكهم وعقر دراهم، والروم أكبر دولة حينئذ، نعم كبر عليهم ذلك فتخلفوا جبنا وميلا للراحة والدعة، وسيحلفون بعد رجوعكم إليهم قائلين: لو استطعنا لخرجنا معكم مجاهدين غازين، فإننا لم نتخلف إلا لعدم استطاعة الغزو وفقد المال والظهر، وما علموا أنهم يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة
«اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» (حديث شريف)
، والله يعلم إنهم لكاذبون، وسيجازيهم على ذلك كله..
روى أن ناسا قالوا لبعضهم: استأذنوا رسول الله ﷺ فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
стр. 884
والذي حصل من النبي ﷺ أنه أذن لهم لما أقسموا كاذبين: إنهم لا يستطيعون الجهاد، فجاء قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ؟ .. صريحا في أنه- عفا عنه- ﵊ وما وقع منه عند إذنه للمتخلفين المنافقين، فقد ترك الأولى والأفضل، وكان الأحسن الانتظار والتأنى حتى تنكشف أمورهم وتظهر للعيان، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم؟ وهلا انتظرت حتى ينجلي الأمر فإن هذا هو الحزم والحكمة!! على أن الله كره انبعاثهم، وكان في خروجهم خطر على المسلمين، وفي تصدير فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العقاب لطف الرب اللطيف بالحبيب المصطفى ﷺ وذلك بخلاف مفاداة الأسرى فإن الخطأ فيها كان كثيرا، وكذا كان التعبير هناك صارما ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى.. [سورة الأنفال آية ٦٧] .
ليس من شأن المؤمنين بالله الذي كتب عليهم الجهاد، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الأجر الكامل على الأعمال، أن يستأذنوك في أمر الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس بل يقدمون عليه عند وجوبه بهمة ونشاط، فهل يعقل أن يكون من شأنهم أن يستأذنوك في التخلف عنه بعد النفير العام له؟ .. كلا.. نعم لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد أبدا ما داموا مستطيعين ذلك، والله عليم بالمتقين وسيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء، إنما يستأذنك المنافقون الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد منتحلين الأعذار، مقسمين أحرج الأيمان، والله يعلم إنهم لكاذبون، وهذا يقتضى عدم الإذن لهم بسرعة.
فهم قد ارتابت قلوبهم، وملئت شكّا ونفاقا، وهم في ريبهم يترددون، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو قاتلهم الله أنى يؤفكون؟! ولو أرادوا الخروج معك للقتال لأعدوا له عدته من الزاد والراحلة، وقد كانوا مستطيعين ذلك. ولكن كره الله انبعاثهم وخروجهم مع المؤمنين لأنهم لو خرجوا ما فعلوا إلا تفريق كلمتهم، وإذاعة قالة السوء بينهم، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من الخواطر، وما أذاع في جوانبهم من المخاوف فلم يعدوا للخروج عدته وكان في متناول أيديهم، وقيل لهم من الرسول ﷺ : اقعدوا مع القاعدين من المرضى والصبيان والنساء والضعفاء.
стр. 885
ثم أراد القرآن أن يطمئن المؤمنين ويبين أن عدم خروجهم مصلحة للجيش فقال ما معناه: لو خرجوا منبثين فيكم، وقاتلوا معكم، ما زادوكم إلا خبالا وضعفا، واضطرابا في الرأى وفسادا في العمل، فلن يأتى منهم خير أبدا بل سيأتى شر، وإذا خرجوا معكم فسيسرعون في الدخول بينكم بالنميمة وتفريق الكلمة حالة كونهم يبغون الفتنة، وإذاعة السوء، والتخويف من الأعداء، وتثبيط الهمة وهذا كله خطر عليكم وأى خطر كهذا؟!! ولا تنسوا أن فيكم قوما سماعين لهم من ضعفاء العقل والإيمان يسمعون لهم ويصدقونهم في قولهم، والله يعلم أن قولهم إفك، وحديثهم كذب، والله عليم بالظالمين، ومجازيهم على عملهم.
تالله لقد ابتغوا الفتنة من قبل لكم، ألا تذكروا موقف عبد الله ابن أبىّ زعيم المنافقين في غزوة أحد حينما توقف عن السير للقتال في مكان يسمى بالشوط وانحاز له ثلث الجيش، ولقد همت طائفتان منكم أن تفشلا وترجعا عن القتال، ولكن عصمهم الله من الذلة إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [سورة آل عمران آية ١٢٢] ، وتقدم تفصيل ذلك في الجزء الرابع فخروجهم معكم خطر عليكم، والله صرفهم عنكم.
لقد ابتغوا الفتنة لكم قديما، وقلبوا لكم الأمور، وفكروا كثيرا في القضاء على دعوتكم ولكن: أطنين أجنحة الذباب يضير؟!! نعم لم يفعلوا شيئا فالله معكم، وقد جاء الحق بالنصر الموعود، وظهر أمر الله بالتنكيل باليهود، وبطل الشرك بفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجا، كل ذلك وهم له كارهون..!!
يا عجبا لهؤلاء المنافقين ينتحلون الأعذار، ويظهرون التمسك بالفضيلة، وما علموا أن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب والشهادة!! وقد كانت نفوسهم منطوية على نفاق الله أعلم به. انظر إلى بعضهم يقول للنبي ﷺ : ائذن لي في القعود عن الحرب وسأعينك بالمال فإنى أخاف فتنة نساء الروم فأذن لي ولا تفتنّى، فيرد الله عليهم مكذبا دعواهم كاشفا حقيقتهم: ألا في الفتنة سقطوا، وقد وقعوا فيها كما يقع الإنسان في البئر، وانظر إلى بدء الجملة بكلمة (ألا) للتنبيه وافتتاح الكلام وأنهم خبوا في الفتنة ووضعوا!!! وانظر إليهم وهم يتربصون بكم الدوائر، ويتمنون لكم كل شر وخيبة
стр. 886
ويتألمون إذا أصابتكم حسنة في الدنيا من نصر أو نعمة. ويستاءون إساءة بليغة من وصول الخير لكم، وإن تصبك يا محمد أنت وأصحابك مصيبة من هزيمة أو شر- في الغالب سببها- يقولوا فرحين مسرورين: قد أخذنا أمرنا من قبل وأعددنا أنفسنا لها إذ نحن متوقعون هذه الهزيمة منتظرون لها، لذلك تراهم يعتذرون وينافقون، ألا لعنة الله عليهم أجمعين.
قل لهم يا محمد: لن يصيبنا أبدا إلا ما كتبه الله لنا، وما كتب لنا فهو الخير والدواء وإن كان مرّا فعلى رسلكم أيها الناس فنحن راضون صابرون مطمئنون لقضاء الله وقدره فهذا هو الإيمان.
لهذا على الله وحده فليتوكل المؤمنون، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، والله كافيه وحافظه، وهو نعم المولى ونعم النصير. قل لهم: هل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين من الغنيمة والنصر أو الشهادة والأجر فإن عشنا عشنا أعزة مؤمنين، وإن متنا متنا شهداء مأجورين. أما نحن فنتربص بكم الدوائر التي تدور عليكم فيصيبكم الله بعذاب من عنده، وتلك سنته مع من يخالف أمره ويبالغ في عصيان رسله، أو يصيبكم الله بعذاب الهزيمة والذل على أيدينا. فتربصوا كما تشاءون وإنا معكم متربصون فإذا لقى كل منا ما يتربصه لا تشاهدون إلا ما يسرنا، ولا نشاهد إلا ما يسوءكم.
أنفقوا طوعا وكرها [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٩]
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)
стр. 887
المفردات:
وَتَزْهَقَ زهوق النفس: خروجها من الأجساد بصعوبة عند الموت.
يَفْرَقُونَ من الفرق وهو الخوف الشديد الذي يفرق بين القلب وإدراكه.
مَلْجَأً: المكان الذي يلتجئ إليه الخائف ليعتصم به، من حصن أو قلعة.
مَغاراتٍ: جمع مغارة، وهي الغار في الجبل، سمى بذلك لأنه يستتر فيها.
مُدَّخَلًا: مسلكا للدخول فيه بمشقة. يَجْمَحُونَ الجموح: السرعة التي لا تردها شيء. يَلْمِزُكَ اللمز: العيب مطلقا، والهمز: العيب في الغيبة.
المعنى:
يا أيها الرسول قل لهؤلاء المنافقين: إن تنفقوا ما شئتم من الأموال في الجهاد أو غيره مما أمر الله به حال الطوع لتتقوا به المسلمين وصولتهم، أو تنفقوا في حال الكره خوف
стр. 888
العقوبة فلن يتقبل الله منكم في الحالين، ما دمتم تشكون فيما جاءكم به الرسول من أمر الدين والجزاء عليه في الآخرة، إنكم كنتم قوما فاسقين، وهذا تعليل لعدم القبول منهم في الحالين: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة آية ٢٧] .
وهذا بيان أوضح لهذا التعليل- وما منع قبول نفقاتهم منهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بالله وبصفاته وكفرهم برسوله وما يجب أن يكون له، وأنهم لا يأتون الصلاة التي هي عماد الدين، إلا وهم كسالى ولا ينفقون نفقة صغيرة أو كبيرة إلا وهم كارهون كراهة دائمة لازمة لهم فإن أنفقوا من غير أمر ولا إلزام من الرسول، بل طوع أنفسهم فهم أيضا كارهون كراهة قلبية لإنفاقهم. ومع الإلزام من باب أولى كارهون،
ولقد صدق الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»
. وإذا كان هذا مآل أموالهم في الآخرة لا يقبل منهم صرف ولا عدل فهم لا ينتفعون بها فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ولا تسر من حالهم فأموالهم في الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها حيث يجمعونها بالكدح والنصب، وما يلزم ذلك من هم وألم، ثم هم ينفقونها كارهين تذهب أنفسهم حسرات عليها كأنهم يلقونها في البحر، بل أشد لأنها ستنفق في تقوية المسلمين وفي الآخرة لهم عذاب شديد، فهم يموتون على الكفر الذي يحبط العمل الصالح، وستخرج أرواحهم بشدة وعنف وصعوبة وألم..
ألست معى في أنهم خسروا الدنيا والآخرة؟!! المعنى: هكذا خلق المنافق يدفعه الخوف، ويملى عليه الفرق فيحلف كاذبا إنه منك في الدين ومعك في الملة والطريق وما هو منك في شيء أبدا: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة ١٤] .
وما دفعهم إلى هذا إلا الخوف الذي ملك قلوبهم، والفرق الذي شاع في نفوسهم حتى إنهم لشدة كراهيتهم للقتال معكم وشدة رعبهم من ظهور نفاقهم لكم يتمنون الفرار منكم والمعيشة بعيدة عنكم بحيث لو يجدون ملجأ يلجئون إليه، أو مغارة يغورون فيها أو مدخلا يندسون فيه، لولوا إليه وهم مسرعون لا يلوون على شيء، سرعة الفرس الجموح التي لا يردها لجام ولا قائد.
стр. 889
وبعضهم يريد أن يشوه جمال الإسلام. ويطعن على النبي ﷺ فيأتى إلى ما يظنه أنه نقطة ضعف كتقسيم الغنائم والصدقات، وقد كان النبي ﷺ يرى إعطاء المؤلفة قلوبهم كما نص القرآن، فيقولوا للنبي ﷺ : أعدل والله ما هذا بعدل. وهذا كله مما يؤثر عن ضعاف القلوب والإيمان من المسلمين، فيرد الله عليهم بقوله: ومنهم من يلمزك في تفريق الصدقات، ويعيب عليك طريقتك فيها، فإن أعطوا منها رضوا واطمأنوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ويتألمون، فليس نقدهم بريئا، ولكن لغرض حقير، ولو أنهم رضوا بما أعطاهم الله من الغنائم، وما قسمه لهم رسوله، وقالوا: حسبنا الله، وكافينا في كل حال فهو الرزاق ذو القوة المتين، وسيؤتينا الله من فضله في المستقبل ورسوله زيادة على ما أعطانا، إنا إلى الله راغبون لا نرغب إلى غيره أبدا، فبيده ملكوت السموات والأرض، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو العليم بخلقه الحكيم في صنعه ...
إلى من تعطى الصدقة الواجبة [سورة التوبة (٩) : آية ٦٠]
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
من طبيعة الإنسان حب المال، وقد يكون الغنى أشد حبا والطمع فيه شديد، وضعيف الإيمان دائما لا يرضى بما يعطى ... وقد كان المنافقون وضعفاء الإيمان لا يرضون بقسمة الرسول ﷺ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ على أن للمال سطوة وشهوة قد تجمح ببعض الأغنياء وأولياء الأمور فيميلون عن طريق الحق في صرف الزكاة، لذلك بيّن الله في القرآن مصرف الصدقة الواجبة.
والآية مناسبة لما قبلها، قاضية على أطماعهم، مبينة حقيقة ما صنع الرسول معهم، وأنهم مخطئون في اعتراضهم.
стр. 890
المعنى:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين ولغيرهم من الأصناف الثمانية لا تتعداهم إلى غيرهم أبدا، والمراد إنما هي لهم لا لغيرهم وقد فرضها الله لهم فريضة منه، والله عليم بخلقه حكيم في فعله.
وها هم أولاء الأصناف:
١- الفقير: المقابل للغنى، والقرآن دائما يذكرهما متقابلين: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ «١» وهو المحتاج.
٢- المسكين عديم الحركة من حاجته وضعفه، فالفقر والمسكنة يلتقيان في الحاجة، وهل هما صنفان مستقلان أم صنف واحد له؟ وهل هما في درجة واحدة أم أحدهما أشد من الآخر؟ أقوال كثيرة.
٣- والعاملين عليها كالكتبة والحراس والصيارفة والمشرفين على الجمع.
٤- المؤلفة قلوبهم، وهو صنف من الناس كان يعطيهم الرسول ﷺ وأبو بكر من باب تأليف القلوب وجمعها على الإسلام لضعف في إيمانهم أو حكمة في عطائهم، وهذا حق للإمام يفعل ما فيه المصلحة.
٥- وفي الرقاب، والمراد الصرف للإعانة في فك الرقاب وعتقها من ذل الرق وبؤس الأسر، ويدخل في ذلك المال المدفوع لفك الأمة وعتقها من ذل الاستعمار، وكيد الدخيل الأجنبى.
٦- والغارمين، وهم من عليهم غرامة مالية أثقلت كواهلهم كديون عليهم استدانوها فأغرقت مالهم، أو هم قوم غرموا في سبيل صلح بين الناس، أو جمع شمل المسلمين ... إلخ.
٧- وفي سبيل الله، والمراد به هنا: مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر دينهم ودولتهم من كل خير يعود على المجموع، وهذا يشمل تسهيل العمل لكل عاطل، وعلاج كل مريض، وتعليم كل جاهل، وبالأخص التعليم الديني.
стр. 891
٨- وابن السبيل، وهو المنقطع عن بلده في سفر لم يتيسر له شيء من المال، فيعطى حتى يصل إلى ماله.
والظاهر- والله أعلم- أن السر في التعبير باللام المفيدة للملك في أصناف خاصة هم الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، والغارمين، وابن السبيل، وبقي في صنفين هما: في الرقاب، وفي سبيل الله (اللام) أصحابها أشخاص يملكون و (في) أصحابها ليسوا أشخاصا بل المراد أوصافا ومصالح عامة للمسلمين.
والترتيب في الآية ملحوظ ومقصود.
أذى المنافقين للنبي ﷺ والرد عليهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ٦١ الى ٧٠]
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)
стр. 892
المفردات:
يُؤْذُونَ الأذى: ما يؤلم الإنسان في نفسه أو ماله أو بدنه قليلا كان أو كثيرا.
أُذُنٌ: هذا من باب تسمية الإنسان باسم جزء منه للمبالغة في وصفه بوظيفته، كما قالوا للجاسوس: عين. يُحادِدِ اللَّهَ المحادة كالمعاداة مأخوذة من الحد، أى:
طرف الشيء، وهكذا كل عدو يكون في ناحية وشق بالنسبة لخصمه وعدوه.
يَحْذَرُ الحذر: الخوف في المستقبل من شيء خاص. مُخْرِجٌ الإخراج:
يشمل إظهار مكنون الصدور وإخراج الحب من الأرض، والنفي من الوطن.
نَخُوضُ الخوض: خاص بالعمل الباطل لا الحق لأنه مأخوذ من الخوض في البحر أو الوحل، والمراد: الإكثار من العمل الذي لا ينفع. بِخَلاقِهِمْ الخلاق:
النصيب. حَبِطَتْ: بطلت. الْمُؤْتَفِكاتِ: جمع مؤتفكة، من الائتفاك:
وهو الانقلاب والخسف، والمراد أصحاب قرى قوم لوط.
هذا لون آخر من ألوان نفاقهم ذكر مناسبا لذكر لمزهم عليه ونقدهم له في تقسيم الغنائم والصدقات.
وكذا بيان عام لأصل النفاق مع ذكر جزائه في الدنيا والآخرة وضرب الأمثال بحالهم وحال من تقدمهم على أن المنافقين في العصر الإسلامى الأول ضربوا الرقم القياسي في النفاق.
المعنى:
وبعض هؤلاء المنافقين الذين يؤذون النبي ﷺ ، ويصفونه بصفات تتنافى مع نبوته ورسالته، وشهادة الحق له بأنه على خلق عظيم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم آية ٤] وهكذا عمل المنافقين دائما خارج عن حدود العقل والواقع.
يقولون في شأن النبي ﷺ : هو أذن يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، ويرمون إلى أنه لا يميز بين هذا وذاك، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وإنما هو النبي الكريم صاحب الخلق الكامل والإحساس العالي لا يجابه أحدا بما يؤلمه، ولا ينقد أحدا بما يؤذيه، بل يقول دائما: ما بال قوم؟ ما بال رجال؟ وقد كان ﷺ يعامل المنافقين
стр. 893
بظاهر حالهم، ويجرى عليهم أحكام الشريعة وآدابها التي يعامل بها الناس، ولقد رد الله عليهم ولقنه الجواب: قل: هو أذن خير لا أذن شر كما تعلمون!! فهو لا يقبل مما يسمعه إلا الخير وما وافق الشرع، ولا يسمع الباطل، ولا الغيبة ولا النميمة ولا الجدل ولا المراء.
ثم فسر المراد بأذن خير.. بأنه يؤمن بالله وما يوحيه إليه من أخبار الغيب وأسرار السماء وبما يوحى إليه من أخباركم وأخبار غيركم: ويؤمن للمؤمنين إيمان جنوح وميل وائتمان للمهاجرين والأنصار وصادقي الإيمان، أما المنافقون فلا يميل لهم ولا يصدق خبرهم وفي هذا تهديد لهم بأن الله ينبئه بأسرارهم وأخبارهم يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [سورة التوبة آية ٦٤] .
وهم رحمة للمؤمنين فقد هداهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، وفي قوله: مِنْكُمْ إشارة إلى أن منهم من يدعى الإيمان وهو كاذب فيه، وإشارة إلى أنه عالم أن فيهم المنافقين، ولكن لحسن خلقه يعاملهم بالحسنى حتى يؤذن بغيرها.
والذين يؤذون رسول الله في كل ما يتعلق بالرسالة كوصفه بالسحر والكذب، وعدم الفطنة ... إلخ لهم عذاب أليم، إذ هم كفروا بهذا، أما الإيذاء الخفيف فيما يتعلق بشخصه فحرام فقط مع أنه لا يصدر من مؤمن أبدا، وإيذاء أهل بيته حرام كذلك.
إن من عادة المنافقين، والكاذبين، ومن يرتكبون جرما أن يشعروا بحرج موقفهم، وكأن الناس جميعا مطلعون عليهم عالمون بأحوالهم، ولذلك تراهم يكثرون من الحلف حتى تبتعد عنهم الشبهة المحيطة بهم، وقد كان المنافقون كثيرا ما يحلفون، ويعتذرون والله يعلم إنهم لكاذبون!! يحلفون لكم أيها المؤمنون أنهم براء مما نسب إليهم قولا وفعلا ليرضوكم فتطمئنوا لهم وتثقوا فيهم، وقد فهموا أنهم بهذا يضمونكم لصفوفهم.
فيرد الله عليهم ويكشف سترهم حيث يقول: يحلفون لكم ليرضوكم والحال أن الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، وإرضاء الله ورسوله بالإيمان الصادق والعمل الكامل، والبعد عن النفاق، وقد أفرد الضمير أَنْ يُرْضُوهُ ليعلموا أن رضاء الرسول رضاء الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ هذا إن كانوا مؤمنين حقا إذ علامة الإيمان ثقة بالله وحب له ولرسوله، والعمل على رضاهما بامتثال الأمر واجتناب النهى:
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
стр. 894
سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (حديث شريف) .
ألم يعلموا أنه من يحادّ الله ورسوله، حتى يكون في جانب والله ورسوله في جانب آخر؟ فإن له نار جهنم يصلاها وبئس القرار قراره، له نار جهنم خالدا فيها وذلك هو الخزي العظيم، والنكال والذل المهين.
والمنافقون مذبذبون بين الإيمان والكفر، شاكّون مرتابون في الوحى وصدق الرسول ﷺ وهذا الشك والارتياب يدعوهم إلى الحذر والإشفاق. بل هو لازم له، إذ لو كانوا موقنين بكذب الرسول لما جاءهم الحذر، ولو كانوا مؤمنين حقا لما كان لهذا الخوف والحذر محل، لهذا يصفهم القرآن بقوله: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة كاشفة لهم، فاضحة أستارهم، مبينة نفاقهم، كهذه السورة، ولذلك سميت الكاشفة والفاضحة.
يحذرون من سورة تنبئهم بما في قلوبهم! والمراد اللازم وهو فضيحتهم وكشف عورتهم وبيان شكهم وارتيابهم، وتربصهم الدوائر بالمسلمين وإنذارهم بما قد يترتب على ذلك من عقابهم، وقد كان المنافقون دائمى الاستهزاء بالنبي والمؤمنين كما مر إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ولذلك يأمر الله نبيه بأن يقول لهم: قل استهزءوا كما تشاءون، وهذا تهديد لهم شديد، ووعيد عليه، إن الله مخرج ما تحذرون إخراجه من مخبئات الضمير، ومكنونات الصدور، وقد حصل ذلك وظهر نفاقهم لكل الناس.
روى عن قتادة: بينما رسول الله ﷺ في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين: فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات!! فأطلع الله نبيه على ذلك فقال: احبسوا على هؤلاء الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا قلتم كذا؟ قالوا: يا نبي الله: إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم هذه الآية
على طريقة القسم للتأكيد، ولئن سألتهم عن أقوالهم التي يقولونها نفاقا من وراء الرسول ليقولن:
إنا كنا غير جادين، ومنكرين بل هازلين لاعبين، وهذا كفر محض فإن من يهزأ بالله ورسوله فهو كافر بها.
قل لهم: ألم تجدوا ما تستهزءون به في خوضكم ولعبكم إلا الله وآياته ورسوله فقصرتم الهزء عليهم ثم تظنون أن هذا عذر مقبول فتتكلمون به بلا حياء ولا خوف،
стр. 895
ولكن المنافقين لا يفقهون!!! لا تعتذروا أبدا بهذا أو بغيره قد كفرتم بعد إيمانكم في الظاهر، وظهر أمركم وبدا الصبح لذي عينين.
الآية صريحة في أن الخوض في كتاب الله ورسوله وصفاته- كفر حقيقى.
إن نعف عن طائفة منكم ونقبل توبتها الخالصة نعذب طائفة أخرى لإصرارها على النفاق وارتكابها الآثام لأنهم كانوا مجرمين..
المنافقون والمنافقات بعضهم يشبه بعضا، وهم ذرية بعضها من بعض فهم متشابهون وصفا وعملا، ذكرا وأنثى، وهذا دليل على تأصل الداء وتمكنه من نفوسهم حتى صار كالغرائز الموروثة، ثم بين الله وجه الشبه فقال: هم يأمرون بكل منكر ويدعون إليه، والمنكر: ما أنكره الطبع السليم، والعقل الراجح وما نهى عنه الشرع الشريف، وينهون عن المعروف شرعا وعقلا وطبعا، ألا لعنة الله عليهم!! ويقبضون أيديهم عن الإنفاق، ويبخلون بمالهم عن الجهاد، وهذا من أهم علامات النفاق
ولقد ورد في الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»
وفي رواية «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»
وهكذا النفاق أسّ الشر وأصل البلاء، ومجمع كل رذيلة في الوجود.
نسوا الله فأنساهم أنفسهم، نسوا التقرب إليه، ونسوا جلاله وعظمته وشرعه وآياته وحسابه وعقابه فنسيهم وجزاهم على عملهم فحرمهم من حبه وذكره والتمتع بدينه وآياته والإنفاق في سبيله، وحرمهم من الثواب والرضوان، أولئك حبطت أعمالهم وأولئك هم الخاسرون.
إن المنافقين هم الفاسقون الخارجون عن حدود العقل والدين والمصلحة العامة والخاصة هم الفاسقون لا غير.
أما ما أعد لهم من عقاب وجزاء فها هو ذا، وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار وعدهم نار جهنم خالدين فيها وفي ذكر الرجال منهم والنساء دليل على عموم الوصف
стр. 896
وتأصل الداء، وتأخير ذكر الكفار دليل على أن النفاق أخطر من الكفر الصريح، ثم لم يكتف بهذا بل زاد في عقابهم والتنكيل بهم ثلاثا. هي حسبهم، نعم وفي جهنم جزاء يكفيهم عقابا لهم، ولعنهم في الدنيا والآخرة، وطردهم من رحمته وتوفيقه في الدنيا، وفي الآخرة لهم العذاب الشديد، عذاب مقيم ثابت لا يتحول ولا يزول، ويظهر- والله أعلم- أن القرآن يريد أن يوفيهم العذاب الحسى والمعنوي الذي يتكافأ مع نفاقهم وعملهم.
ثم خاطب الله- سبحانه- المنافقين المعاصرين للنبي ﷺ بعد ذلك بقوله: أنتم أيها المنافقون الذين آذيتم الله ورسوله والمؤمنين كأولئك المنافقين السابقين مع أنبيائهم- وهكذا لا يخلو عصر من النفاق إذ هو مرض يصيب بعض النفوس- أنتم مثلهم مغرورون بمالكم مفتونون بأولادكم، ولكنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، ولم يكن لهم في دنياهم إلا مطلب واحد هو المتاع الفاني، والعرض الزائل، والتمتع بالمال والولد، فكان نصيبهم نصيب الحيوان يتمتع ويأكل ويتناسل، فاستمتعتم بنصيبكم من المال والولد والعرض الزائل كاستمتاعهم بنصيبهم، لم تفضلوا عليهم بشيء من التمتع بكلام الله المحكم الذي نزل على خير الأنبياء وسيد المرسلين ﷺ فكنتم أجدر منهم بالملامة، وأحق بالعذاب والنكال.
فأنتم فعلتم الخبائث كما فعلوا مع توافر دواعي الشر عندهم. وتوافر دواعي الخير عندكم!!! وخضتم في حمأة الرذيلة والفسق كالخوض الذي خاضوه، وأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا وفسدت لأنها أعمال للرياء والسمعة وقد ظهر نفاقهم فيها، وفي الآخرة لهم العذاب الأليم لأن شرط الثواب عليها الإيمان، وهم لم يؤمنوا حقيقة بل نافقوا.
وأولئك هم الخاسرون، الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقد ضل سعيهم في الدنيا والآخرة.
ألم يأتهم نبأ السابقين من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم لوط؟ والاستفهام للتقرير والتوبيخ.
هؤلاء أتتهم رسلهم بالبينات فأعرضوا وكذبوا، فجاءهم العذاب كالطوفان الذي
стр. 897
أغرق قوم نوح، والريح الذي أهلك عادا، والصيحة التي أبادت ثمود، والعذاب الذي هلك به نمروذ، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها.
فما كان الله ليظلمهم حينما عذبهم، وقد أنذرهم ومن أنذر فقد أعذر، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، والغرض من ضرب المثل أن يفهم الكفار والمنافقون جيدا أن سنة الله مع الخلق لا تتغير ولا تتبدل وأن العذاب سينزل بهم حتما أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ [سورة القمر آية ٤٣] فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر ٢] .
المؤمنون وصفاتهم وجزاؤهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧١ الى ٧٢]
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
المفردات:
أَوْلِياءُ بَعْضٍ المراد بالولاية هنا: ما يعم النصرة في الشدائد، والأخوة والمحبة والمودة. جَنَّاتٍ: هي البساتين الكثيرة الأشجار الملتفة الأغصان التي تستر ما تحتها من الأرض، وقد تقدم مثل هذا كثيرا. جَنَّاتِ عَدْنٍ عدن: اسم لمكان خاص في الجنة كالفردوس مثلا.
стр. 898
هكذا أسلوب القرآن يذكر الشيء ثم يردفه بمقابله ليتجلى الفرق ويظهر للعيان بأجلى معانيه، وليعلم المنافقون أنهم ليسوا على شيء من الإيمان إذ صفته ما يذكر هنا من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف ... إلخ. أما إيمانهم الظاهر فهو نفاق وخداع لا ينفع أبدا.
المعنى:
المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض بالنصرة والمعونة والمساعدة في السراء والضراء، والوقوف بجانب بعض في الشدائد والمكروه، بعضهم أولياء بعض ولاية أخوة ومودة ومحبة وصداقة، فنبيهم ﷺ
يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»
هذا هو أساس الإيمان وطبعه لا فرق بين ذكر وأنثى وقد كانت النساء في العصر الأول يقمن بالمعونة والنصرة في الحروب وغيرها على قدر طاقتهن مع التجمل بالأدب والحياء ولبس لباس الدين والعفاف.
وانظر يا أخى في وصف المؤمنين بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وفي وصف المنافقين بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ترى أن المنافقين لا ولاية بينهم ولا أخوة تبلغ درجة الإيثار والنصرة وفّى الحروب، ولكنها أخوة كلام فقط أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [سورة الحشر الآيتان ١١ و ١٢] .
فالمنافقون بعضهم يشبه بعضا في الشك والنفاق والارتياب ولكن لا صلة بينهم ولا تآلف، إذ الولاية والصلة والأخوة هي من صفات المؤمنين أصحاب العقائد الراسخة، ولذا يقول الله فيهم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل والكرامة والدعوة إلى الله يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبالعكس المنافقون يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ولا غرابة فهاتان الصفتان من أبرز صفات المؤمنين.
стр. 899
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [سورة آل عمران آية ١١٠] ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهاتان صفتان في مقابلة وصف المنافقين بأنهم نسوا الله، وبأنهم يقبضون أيديهم.
وإقامة الصلاة: إتيانها مقومة كاملة تامة الأركان والشروط فيها الخضوع الكامل والخشوع لله. ومراقبته وذكره، أما صلاة المنافقين فللرياء وللنفاق إذا قاموا إليها قاموا كسالى، وإتيان الزكاة دليل كمال الإيمان والخشية من الله والأمل في رضائه ورضوانه.
وخص هذان الركنان بالذكر لأنهما علاج الهلع والجزع، والبخل والخور فهذه أمراض تدفع صاحبها إلى الإحجام عن الدفاع عن الحق وإعلاء كلمة الله وتدفعه إلى الشح الصاد عن الإنفاق في سبيل الله، ولذا كان المنافقون أجبن الناس وأبخلهم، انظر إلى قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً. إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ. وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [سورة المعارج الآيات ١٩- ٢٦] .
وقد جعل الله هذه الأربع: الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. أساس النجاح في الدنيا ووسيلة العمران وإقامة الدولة المسلمة الصالحة للتمكين في الأرض الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [سورة الحج آية ٤١] والمؤمنون والمؤمنات من صفاتهم أنهم يطيعون الله ورسوله بامتثال الأمر واجتناب النهى.
أولئك سيرحمهم الله، ويدخلهم في رحمته الواسعة التي كتبها لهم رحمة خالصة من شوائب الكدر والشقاء. إن الله عزيز لا يغلب، حكيم في كل صنع، وهذا تدليل مناسب لهذا العطاء الكبير للمؤمنين.
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات، جزاء لهم، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان وعدهم الله جنات موصوفة بأنها تجرى من تحتها الأنهار فليس فيها تعب ولا مشقة ولا عطش ولا ألم كما أن مياهها طاهرة نظيفة لا تتغير بالمكث، ولا تفسد بالوقوف.
وهم الخالدون فيها إلى ما شاء الله ومقيمون بها إقامة أبدية.
стр. 900
ووعدهم مساكن طيبة يتمتعون بها مشتملة على جميع المرافق من أثاث ورياش وزينة ورزق ومتاع هذه المساكن في جنات عدن ومكانها الطيب.
هذا هو المتاع الجسماني في الآخرة، وأما متاع الروح فالرضا والرضوان، ورضوان من الله أكبر من ذلك كله لا يقدر قدره، وقيل: إن الرضوان رؤية الله يوم القيامة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [سورة يونس آية ٢٦] .
هذا جزاء الإيمان في مقابلة جزاء النفاق السابق، ألا بئس ما يصنعون، ذلك الذي ذكر من الوعد للمؤمنين والمؤمنات بالنعيم الجسماني والروحاني هو الفوز العظيم، أما المتاع في الدنيا فعرض زائل مشوب بالألم والتعب والهم والنصب.
أيها المؤمنون: هذه هي الموازين الحقيقية للإيمان وجزائه فانظروا إلى أنفسكم في أى مكان هي!! وحاسبوها قبل أن تحاسبوا.
معاملة النبي للكفار والمنافقين [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)
المفردات:
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الغلظ: الخشونة وعدم الرحمة. وَما نَقَمُوا:
وما كرهوا، وما عابوا.
стр. 901
هذا تهديد للمنافقين وإنذار لهم بالجهاد كالكفار المجاهرين أعداء النبي ﷺ والمسلمين والكفار على أنواع، منهم المجاهرون المقاتلون وهؤلاء أمر النبي بقتالهم بالسيف، ومنهم غير المحاربين وهم المعاهدون، والمنافقون الذين قال الله فيهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وكان يعاملهم باللطف واللين ولا غرابة في ذلك فقد كان النبي ﷺ رحيما كريما ذا خلق عال، ليس فيه غلظة ولا جفوة
يقول في كلامه: «شر الناس من يخاف شره»
والأحاديث الواردة عنه في هذا الباب كثيرة، وقد كان يعامل المنافقين كما يعامل المسلمين تماما مما جرأهم على لمزه وعيبه، والنيل منه بل ورد السلام عليه بقولهم: (السام) حتى كان منهم ما كان وعرفناه في هذه السورة والتي قبلها- ولذلك أمره الله- تعالى- في هذه الآية بالغلظة على الفريقين.
المعنى:
يا أيها النبي جاهد الكفار غير المحاربين والمنافقين واغلظ عليهم لا تعاملهم باللين والبشاشة، ولا تقبل عليهم بوجهك الباسم بل اعبس في وجوههم، وسيأتى قريبا أنهم يمنعون من القتال مع المسلمين، ولا تصل على أحد مات منهم أبدا كما سيأتى، وهذا جهاد لأنه يخالف لين النبي وأدبه ورحمته بالناس، وهذا علاج رباني، فإن المذنب إذا عومل معاملة لينة ربما أطغته وجعلته يتمادى، وبالعكس لو عومل بالشدة نوعا ما كما يقول عمر- رضى الله عنه-: «أذلوهم ولا تظلموهم» كان ذلك أدعى إلى أن يرجع إلى نفسه ويحاسبها حسابا قد ينتج عنه رجوعه إلى الجادة، ولست أرى أشد على المذنب من إنكار الناس عليه، وهذا دواء من حكيم عليم.
وفي التفسير المأثور: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، وهذا عذابهم في الدنيا، أما في الآخرة فمأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
ولقد استأنف القرآن بيان سبب هذا حيث أثبت لهم الكذب الصريح واليمين الفاجرة، وهمهم بالفعل الشنيع، وأنهم جعلوا سبب الرضا والشكر سبب النقمة والكفر، ألا ساء ما كانوا يعملون.
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوه
стр. 902
ولم يدركوه، وما كرهوا الدين إلا لأن الله أغناهم به، هؤلاء المنافقون قد كفروا بعد إسلامهم، وخاضوا في النبي والقرآن، وهموا بالفتك برسول الله ﷺ وقد أطلعه الله على ذلك وأنبأه بأنهم سينكرون ذلك، وسيحلفون بالله كذبا ليرضوكم اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً «١» والله تعالى يكذبهم ويثبت بتأكيد القسم أنهم قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم تذكر في القرآن لئلا يتعبد المسلمون بتلاوتها، ولذلك اختلف الرواة في إثباتها، فبعضهم يقول: إن شخصا اسمه جلاس بن سويد قال: لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير (يقصد الآيات التي نزلت فيمن تخلف من المنافقين) ، وقيل: إنها نزلت في مقالة قالها عبد الله بن أبىّ ثم أنكرها، وعلى العموم فالآية صريحة في إثبات ذلك وأمثاله لهم.
وقد كفر المنافقون بعد إسلامهم الظاهر،
وروى أن بعضهم هم بقتل النبي ﷺ حين منصرفه من غزوة تبوك ثم ردهم الله خاسرين وذلك قوله تعالى وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.
وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول- ﵊ شيئا يقتضى الكراهة والكفر والهم بالانتقام إلا إغناء الله إياهم ورسوله بما يقسمه لهم من الغنائم ويعاملهم كالمسلمين، وهذا تعبير بديع، كقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
يا عجبا كل العجب ما يكون سببا في الخير يكون سببا في الشر!!! ومع هذا فباب التوبة والرحمة مفتوح، فإن يتوبوا يقبل الله منهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة.
وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير، إذ ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، والمنافقون لا ولاية لهم، إذ لا ضمير لهم حتى مع أنفسهم.
стр. 903
قصة ثعلبة بن حاطب [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٥ الى ٧٨]
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)
سبب النزول:
روى أنه جاء رجل من الأنصار يسمى ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ وقال:
ادع الله لي يا رسول الله أن يرزقني مالا. فقال- ﵊: «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه» ثم عاد ثانيا يطلب، فقال النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟!! لو شئت أن تسير معى الجبال ذهبا لسارت» فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ فاتخذ غنما فنمت كما تنمى الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلى الظهر والعصر في جماعة وترك ما سواهما.
ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمى حتى ترك الجمعة أيضا، فقال رسول الله ﷺ : «يا ويح ثعلبة» ثم نزل خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة ١٠٣] فبعث ﷺ رجلين على الصدقة وقال لهما: «مرّا بثعلبة وبفلان- رجل من بنى سليم- فخذا صدقاتهما» فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسول الله، فقال ثعلبة: ما هذه إلا أخت
стр. 904
الجزية! انطلقا حتى تفرغا ثم عودا، ولم يعطهما شيئا، ثم أقبلا على النبي ﷺ بصدقة السلمى الذي أعطاهما من خيار ماله، فلما رآهما النبي مقبلين قال: «يا ويح ثعلبة» ثم دعا للسلمى بالبركة، فنزلت الآية الكريمة وحينما بلغت ثعلبة عاد إلى رسول الله ومعه الصدقة، فقال النبي ﷺ : «إن الله منعني أن أقبل منك»
وهكذا لحق النبي بالرفيق الأعلى ولم يقبلها منه ونهج الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان هذه السيرة ومات ثعلبة في خلافة عثمان.
المعنى:
وبعض المنافقين عاهد الله ورسوله لئن أعطاه الله مالا كثيرا ليصّدّقن، ويعطى كل ذي حق حقه. وليكونن من عباد الله الصالحين، فلما آتاه الله مالا وأغناه من فضله، بخل بالمال وشح بالخير، وأمسك فلم يتصدق بشيء، وبدل أن يصلح نفسه وأمته بالإنفاق كما عاهد الله وأقسم على ذلك، أعرض عن ذلك وتولى وهو معرض بكل قواه إعراضا راسخا ثابتا، وهذا طبع في المنافقين لازم لهم راسخ فيهم.
فأعقبهم ذلك البخل وهذا الإعراض نفاقا من النوع العالي الدائم إلى يوم القيامة، ولا غرابة فكل معصية وإن صغرت تحجب شيئا من نور الإيمان حتى إذا كثرت المعاصي حجبت جميع النور فأصبح القلب في ظلمات الفساد والعصيان والنفاق غارقا.
كل هذا بسبب ما أخلفوا الله وعده، كما في قصة ثعلبة وأضرابه من المنافقين، وبما كانوا يكذبون ... فآية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان «١» . صدق رسول الله.
ألم يعلم هؤلاء أن الله يعلم سرهم ونجواهم، وأن الله علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؟!! فالله يعلم كل هذا، ولكن المنافقين لا يعلمون..
стр. 905
من أذى المنافقين للمؤمنين وجزاؤهم [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)
المفردات:
يَلْمِزُونَ اللمز: العيب. الْمُطَّوِّعِينَ أى: المتطوعين، والمراد: من يؤدون النفل بعد الواجب. جُهْدَهُمْ: طاقتهم.
المعنى:
هذا هو موقف المنافقين، وإنه لموقف ريب يدل على تأصل النفاق معهم وأنه لا يرجى منه خير أبدا، فهم لا يقنعون بمنع إنفاقهم في سبيل الله بل ويلمزون من ينفق من المسلمين، ويعيبون على المتطوعين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا ما ينفقونه في سبيل الله. فهو غاية جهدهم، يا عجبا: تعيبون على الغنى المتصدق، وعلى الفقير الباذل قوته لله!! روى عن ابن مسعود- رضى الله- قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نحامل، أى: نحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق بها، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله غنى عن صدقة هذا، وما فعل الآخر هذا إلا رياء،
стр. 906
فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ يستهزئون بالفقراء احتقارا لما جاءوا به، ويعدونهم من المجانين والحمقى، وقيل: إنهم يلمزون الغنى والفقير، ويسخرون من الجميع سخر الله منهم، وجازاهم بعدله على ذلك العمل جزاء وافيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم.
هؤلاء في أعمالهم التي لا تصدر إلا عن قلوب لا تكاد تعرف الإيمان، ولم يدخلها شعاع الإسلام ولن يدخل أبدا، ويقول الله فيهم لنبيه- ﵇: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة. والمراد:
كثرة الاستغفار لا العدد المحض، فلن يغفر الله لهم أبدا.
والظاهر أن النبي ﷺ كان يستغفر لهم رجاء أن يتوبوا ويوفقهم الله للخير فأمر بعدم الاستغفار لهؤلاء المنافقين المعينين الذين حكى الله عنهم هذه الأفعال الخبيثة كالتآمر على الفتك بالنبي والهمّ بقتله، ولمز المتصدقين والعيب عليهم، فهؤلاء هم زعماء المنافقين، ورؤساء الشر الذين لا يرجى منهم خير أبدا ولن يعودوا للحق أبدا، وقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولذلك علل الله هذا بقوله: ذلك بأنهم كفروا بالله وبرسوله وداموا على هذا مداومة طمست بصائرهم فلن يروا خيرا أبدا، فلا تستغفر لهم.
والله لا يهدى القوم الفاسقين إلى الخير إذ لم يعد لهم استعداد له.
المتخلفون عن الجهاد [سورة التوبة (٩) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)
стр. 907
المفردات:
فَرِحَ الفرح: شعور النفس بالارتياح والسرور. الْمُخَلَّفُونَ: الذين تركهم رسول الله عند خروجه إلى غزوة تبوك. خِلافَ: مصدر كالمخالفة، وقد يراد به معنى بعد وخلف فيكون ظرفا، ويصح المعني ان هنا.
هذه الآيات في بيان حال المتخلفين عن القتال، وما يجب عن معاملتهم، وقد نزلت في أثناء السفر، ولا نزال في الكلام عن المنافقين، وأعمالهم في غزوة تبوك.
المعنى:
فرح المتخلفون من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله عند خروجه إلى غزوة تبوك، وقعدوا في بيوتهم مخالفين أمر رسول الله ﷺ قعدوا لأنهم لا يؤمنون أن الغزو خير، وامتثالا لأمر ربهم ورسوله، وقالوا لإخوانهم: لا تنفروا في الحر وتتركوا مهام أعمالكم ومصالحكم.
قل لهم يا محمد: نار جهنم التي أعدت للمخالفين العصاة أشد حرا، فهي تلفح الوجوه وتنضج الجلود، وتنزعها، ولو كانوا يفقهون ذلك ويعتبرون لما خالفوها وعصوا، وآثروا راحة الجسم راحة قليلة على هذا العذاب الدائم، والنار التي أعدت لهم، وكان وقودها الناس والحجارة.
فليضحكوا قليلا، وليبكوا كثيرا، ليس هذا أمر حقيقيا بل يراد به تهديدهم، وبيان أن هذا هو الأجدر بهم على حسب حالهم وما تستوجبه أعمالهم لو كانوا يفقهون ما فإنهم من أجر، وما سيلاقيهم من عذاب وضير، وهذا جزاء لهم بما كانوا يعملون ويكسبون من الجرائم ويقترحون من الآراء.
стр. 908
كيف عامل النبي ﷺ زعماء النفاق [سورة التوبة (٩) : الآيات ٨٣ الى ٨٥]
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)
المفردات:
الْخالِفِينَ المراد: المتخلفون من النساء والصبيان، على أن الخالف قد يستعمل ويراد به من لا خير فيه ولا غناء معه.
هذه الآية الكريمة نزلت في سفره ﷺ وهو راجع من غزوة تبوك، وهي من دقائق القرآن لأن أئمة الحديث ذكروا في الصحيحين أحاديث تتعارض معها وهو حديث صلاة النبي ﷺ على عبد الله بن أبىّ زعيم المنافقين، ولكن أليس من الخير أن نسير مع القرآن الكريم؟ فإنه أضبط متنا وسندا، بل هو المحفوظ الذي تكفل الله بحفظه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» وقد جمع بعض العلماء في الكتب المطولة بين الحديث والآية.
стр. 909
المعنى:
قد تخلف المتخلفون عن رسول الله، وفرحوا بمقعدهم مخالفين لأمر الله ورسوله، وكرهوا الجهاد، بل وثبطوا عنه وخذلوا غيرهم بقولهم: لا تنفروا في الحر؟
فرتب على هذا كله ما هنا من المعاملة القاسية الشديدة..
فإن رجعك الله وردك من سفرك إلى طائفة وجماعة خاصة من المتخلفين- تلك الطائفة هم المنافقون الذين سبق ذكرهم- فاستأذنوك للخروج أيا كان نوعه فقل لهم:
لن تخرجوا معى أبدا على أى شكل كان وبأى وضع، ولن تقاتلوا معى عدوا أبدا في المستقبل بأى كيفية كانت!! وذلك لأنكم رضيتم بالقعود أول مرة وتخلفتم بلا عذر وحنثتم في أيمانكم الفاجرة وفرحتم بالقعود بل وثبطتم عن الجهاد.. فاقعدوا مع الخالفين المسيئين الذين لا خير فيهم أبدا. ولن تنالوا شرف الصحبة والجهاد فهذا شرف رفيع، ووسام عال، لا يناله إلا المؤمنون المخلصون.
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا في المستقبل، ولا تقم على قبره أبدا، داعيا له ومستغفرا. وقد سبق قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [سورة التوبة آية ٨٠] .
نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم وأن يدعو لهم كما كان يفعل إذا مات مؤمن يقول بعد دفنه:
«استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»
وقد نص الفقهاء على العمل بهذا الحديث.
وهذا يعارض ما نعلمه من أن المنافقين كان النبي ﷺ يجرى عليهم أحكام الإسلام العامة، والجواب كما ظهر لي- والله أعلم- أن هذه الآيات نزلت في زعماء النفاق وعدم التوبة، وقد أعلم الله نبيه بهم كما في الحديث، وأما غيرهم فكان يدعو لهم رجاء التوبة والتوفيق وبعضهم آمن وتاب.
قال الواقديّ: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ : «إنى مسرّ إليك سرا فلا تذكره لأحد: إنى نهيت أن أصلى على فلان وفلان»
رهط ذوى عدد من المنافقين قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلى على أحد استتبع حذيفة فإن مشى مشى معه وإلا لم يصل عليه، ولعل الحكمة في خصوص هؤلاء أن الله
стр. 910
علم أنهم ماتوا على الكفر أو سيموتون عليه فلا تنفعهم شفاعة ولا استغفار ولا صلاة أبدا.
ولذلك كان تعليل النهى (لا تصل على أحد منهم مات) لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون!! ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم، وهم كافرون، وقد تقدم مثل هذا مع فارق هو ذكر لا في الآية السابقة فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ وهو يصدق بالنهى عن الإعجاب بكل منهما، وفي الآية هنا حذف لا يفيد الكلام النهى عن الإعجاب بهما مجتمعين، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام يقتضيه الحال، والله أعلم بكتابه.
موقف المنافقين من الجهاد [سورة التوبة (٩) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)
المفردات:
الطَّوْلِ: الغنى والمقدرة، والمراد: أولو المقدرة على الجهاد المفروض.
ذَرْنا: اتركنا. الْقاعِدِينَ المراد: مع المتخلفين.
стр. 911
المعنى:
هذه عادة المنافقين، ومن في قلوبهم مرض الشك والنفاق، كلمات أنزلت سورة تدعو الناس ببعض آياتها إلى الإيمان بالله والجهاد مع رسول الله ﷺ استأذنك أولو المقدرة على الجهاد بالمال والنفس، استأذنوك في التخلف، منتحلين شتى الأعذار قائلين، اتركنا مع القاعدين من النساء والصبيان والعجزة، هؤلاء رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين الذين فسدت نفوسهم ولم يعد فيها ميل إلى الخير، وطبع على قلوبهم فلم يعد يدخل إليها نور العلم والوعظ، والهداية والنور، حتى كأنها قد ختم عليها، ولا غرابة في ذلك فهم قوم لا يفقهون الخير والرشد حتى يهتدوا إليه.
لكن الرسول والذين آمنوا معه بمقتضى إيمانهم الخالص الراسخ في قلوبهم جاهدوا في سبيل الله، وبذلوا النفس والنفيس طيبة قلوبهم مستريحة ضمائرهم، متهللة وجوههم بشرا وسرورا لأنهم وجدوا الفرصة سانحة لاقتناص ثواب الجهاد في سبيل الله.
وأولئك البعيدون في درجات الكمال والجلال لهم الخيرات التي لا يعلمها إلا الله، في الدنيا كشرف النصر، ومحو الكفر والتمتع بالغنيمة والسيادة في الأرض، وأولئك هم المفلحون السعداء أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم..
المتخلفون [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)
стр. 912
المفردات:
الْمُعَذِّرُونَ أى: المعتذرون، واللفظ يحتمل المعتذر بعذر حقيقى أو ادعائى.
هذه الآية في نفاق الأعراب سكان البدو بعد بيان نفاق المنافقين من سكان الحضر (المدينة) .
الضُّعَفاءِ جمع ضعيف، وهو ضد القوى، والمراد: من لا قوة لهم في أبدانهم تمكنهم من الجهاد. حَرَجٌ المراد: ليس عليهم ذنب ولا إثم. نَصَحُوا:
أخلصوا لله ورسوله في القول والعمل. مِنْ سَبِيلٍ: من طريق يسلك لمؤاخذتهم.
المعنى:
وجاء المعتذرون من الأعراب ليأذن لهم النبي ﷺ في التخلف عن النفير العام في غزوة تبوك وهم قوم عامر بن طفيل، جاءوا يقولون: يا رسول الله: إن نحن غزونا تغير علينا أعراب طيئ
فقال لهم رسول الله: «قد أنبأنى الله من أخباركم وسيغنى الله عنكم»
وقال ابن عباس: هم قوم تخلفوا فأذن لهم النبي ﷺ والظاهر أن عذرهم كان حقا، والآية تحتمل هذا وذاك.
وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا الله ورسوله من الأعراب، وأظهروا الإيمان بهما كذبا وإيهاما، وهؤلاء هم المنافقون حقيقة في العقيدة، وقد قعدوا عن القتال بجرأة على الله وعلى رسوله سيصيب الذين كفروا منهم، أى: ممن كذبوا الله
стр. 913
ورسوله، ومن المعتذرين بغير عذر شرعي، سيصيب هؤلاء وهؤلاء عذاب أليم غاية الألم!!! ...
المعنى:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يطلب منها ما هو فوق طاقتها، وعلى ذلك فكل من عجز عن الشيء سقط عنه، ولا يكلف به لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم سيرا، ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه» . قالوا: يا رسول الله: وكيف يكون معنا وهم بالمدينة؟
قال: «حبسهم العذر» .
ألست معى في أن هذه الآية وأشباهها من القرآن والحديث بينت أنه لا حرج على المعذورين عذرا شرعيا، وهم قوم عرف عذرهم كالشيوخ والعجائز، وأهل الزمانة والهرم، والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون، فكل هؤلاء ليس عليهم ذنب ولا إثم إذا نصحوا لله ورسوله، وأخلصوا لهما النية، وأحسنوا الطوية، وعرفوا الحق- وأحبوه، وأحبوا أولياءه، وبغضوا أعداءه، والنصيحة الخالصة لله ولرسوله (في هذه الحال الحربية) هي عمل كل ما فيه المصلحة العامة للأمة من كتمان السر، والحث على البر، وإلهاب الشعور، وتوحيد الصفوف، ومحاربة الخائنين، والقضاء على الطابور الخامس،
روى عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: الدين النصيحة- ثلاثا- قلنا: لمن يا رسول الله؟ فقال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
قال العلماء: النصيحة لله: إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بكل كمال، وتنزيهه عن كل نقص، وامتثال أمره واجتناب نهيه، والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه وحب من أحبه، وحب آل بيته ومن سار بسيرته وإحياء سنته بالمدارسة والنفقة والعمل بها والدفاع عنها، والنصيحة لكتابه وقراءته، والتفقه فيه ومدارسته، والتخلق به والدفاع عنه، والنصيحة لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وتبصيرهم مواضع الزلل وإرشادهم إلى الدين الحق
стр. 914
والرأى المعتدل، والإنكار عليهم إن خالفوا الدين بلا شدة وعنف حتى تستقيم أمورهم، والنصح لعامة المسلمين: إرشادهم إلى الطريق الحق، والإرعاء عليهم وحب الخير لهم والسهر على مصالحهم، وكل على قدر طاقته.
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ على معنى ليس هناك سبيل يسلكها ناقد على من أحسن العمل وأخلص النية، فكل عمل تعمله وأنت ترضى ربك فأنت محسن، والله يجازى المحسن بأضعاف حسنته، والمسيء بقدر إساءته، فإذا كان هؤلاء المعذورون عذرا شرعيا قد نصحوا لله ورسوله وأخلصوا في أعمالهم فليس لأحد عليهم سبيل ما داموا محسنين أعمالهم، والله غفور رحيم.
روى أن بنى مقرن كانوا سبعة إخوة من أصحاب رسول الله ﷺ وقد هاجروا، وأتوا رسول الله في غزوة تبوك ليحملهم فلم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون!! وهذه الآية هي التي نزلت في شأنهم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ.
ولعل الحكمة في التعبير بالإتيان لأجل الحمل والاعتذار عنه بعدم وجدان ما يحمل عليه من دابة أو غيرها: هي إفادة العموم ليشمل الدابة والسيارة والطيارة وغيرها- والله أعلم.
стр. 915
فهرست
الموضوع صفحة الإهداء ٣ مقدمة ٥ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ٨ سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع ٩ سورة البقرة ١٢ المتقون وجزاؤهم ١٤ الكافرون وجزاؤهم ١٥ المنافقون وصفاتهم ١٧ ضرب الأمثال لهم ٢٠ وحدة الإله اعجاز القرآن. صدق الرسول ٢٢ من أمن بالقرآن وجزاؤهم ٢٥ الأمثال في القرآن وموقف الناس منها ٢٦ مظاهر قدرة الله ٢٨ قصة خلق الإنسان وتكريمه بالخلافة وسجود الملائكة له ٢٩ طبيعة الإنسان وموقف الشيطان منه ٣٢ بنو إسرائيل وما طلب منهم ٣٣ علماء اليهود وأحوالهم ٣٥ نعم الله على اليهود ٣٧ بعض قبائح اليهود وما لحقهم ٤١ من جنايات اليهود ٤٣ قصة ذبح البقرة ٤٥ قسوة قلوبهم واستبعاد الإيمان النهم ٤٧ كذب أخبار اليهود وافتراؤهم على الله ٤٩ ميثاق بنى إسرائيل ٥١ مواقفهم من الرسل والكيف ٥٤ كذبهم في ادعائهم الإيمان بالتوراة ٥٦ اليهود وحرصهم على الحياة ٥٧ موقفهم من الملائكة الأطهار ٥٨ من قبائحهم أيضا ٦٠ أدب وتوجيه ٦٣ آيات النسخ ٦٤ موقفهم من المؤمنين ٦٦