← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال أبو حيان في البحر: «وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهى عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشيء لا يدرى كونه حقا أو باطلا، وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها، أفحش من الإقدام عليها مع الجهل «١» . وبعد أن أمرهم- سبحانه- بأصل الدين الذي هو الإيمان به وبرسوله محمد ﷺ أردفه بركنين من أركانه العملية، إذا قاموا بهما لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله وحده، فقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ والمراد بإقامة الصلاة، أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها لمستحقيها كاملة غير منقوصة. والمعنى: عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة، التي هي أعظم العبادات البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التي هي أعظم العبادات المالية، وأن تخضعوا لما يلزمكم في دين الله- تعالى- لأن في محافظتكم على هذه العبادات تطهيرا لقلوبكم، وتأليفا لنفوسكم، وتزكية لمشاعركم، ولأنكم إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله- تعالى- فسيلحقكم الخزي في الدنيا، والعذاب في الأخرى. هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال- ﵀: «وفي هذه الجمل- وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا- ترتيب عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته: ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمه إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، وأمر بالخوف من العصيان. ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمرا مخالفا لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم- تعالى- باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهى عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإيمان أمرا بترك الضلال، والنهى عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركا للإضلال.

стр. 107

ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين: إما تمويه الباطل حقا، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له- تعالى- مع جملة الخاضعين الطائعين. فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله- تعالى- على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببني إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل بها» «١» . وبعد كل هذه الأوامر والنواهي، وبخهم الله- تعالى- وقرعهم على ارتكابهم لأمور لا تصدر عن عاقل. وهي أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٤٤] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) الأمر: طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. والنسيان: ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل: يطلق على قوة في النفس، تستعد بها لقبول العلم. وإدراك الشيء. والمعنى: كيف يليق بكم يا معشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات الفضائل، وألوان الخيرات، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون به غيركم، وأنتم مع ذلك تقرأون توراتكم، وتدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا عقل لكم يحبسكم عن هذا السفه الذي ترديتم فيه، ويحذركم من سوء عاقبته؟ قال ابن عباس- ﵄ كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره، ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين أثبت على الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا

стр. 108

الرجل يريدون محمدا ﷺ فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه «١» . والمراد بالنسيان في الآية الكريمة، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم، لأن الناسي حقيقة ليس مؤاخذا على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد الوارد في الآية الكريمة، وليس التوبيخ متوجها إلى كونهم كانوا يأمرون الناس بالبر، لأنه فعل محمود، وإنما التوبيخ متوجه إلى كونهم تركوا العمل بما يرشدون إليه سواهم، فهم يداوون الناس، وقلوبهم مليئة بالأمراض والعلل. وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ مزيد تقبيح لشأنهم، ذلك أن قراءتهم لكتبهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين على أمر الله عند ما ينكر الناس عليهم فسوقهم. وفي قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ أسمى أنواع الهداية والإرشاد السليم، فإن من ألطف الأساليب في الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه إليه النصح صفة من شأنها أن تسوقه إلى خير، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة، فيذكر له مسدي النصح تلك الصفة في معرض الاستفهام بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه. وتطبيقا لهذا المبدأ نقول: إن المخاطبين بقوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ يعقلون ويدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى ما لديهم من عقول، حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن ما أتيتم من أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد بأنكم لا عقول لكم، ولا فضيلة لديكم، وفي هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب في فعل الخير والترهيب من فعل الشر. ولما كانت الأمور التي كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة. فقد أرشدهم إلى الوسائل التي تقوى عزائمهم، وتطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)

стр. 109

قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ الاستعانة: طلب المعونة، والصبر حبس النفس على ما نكره. يقال: صبر على الطاعة. أى حبس نفسه عليها متحملا ما يلاقيه في أدائها من مشاق وصبر عن المعصية. أى كف نفسه عما تنزع إليه من أهواء. والمعنى: واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ كبيرة: أى صعبة شاقة. يقال كبر الشيء إذا شق وثقل، ومنه قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أى ثقل وصعب- والخاشعين: من الخشوع وهو في الأصل اللين والسهولة «ومعناه في الآية الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى، والضمير في- إنها- للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر، والاستثناء مفرغ. أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين. والمعنى: إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا، والسعادة في الآخرة، ولأنهم يجدون عند أدائها اغتباطا وسرورا يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص. قال الإمام الرازي: «فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول؟ قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل في الصلاة جوارحه وقلبه، ولا يغفل فيها وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم. وإنما المراد بقوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ. أى ثقيلة على غير الخاشع لأنه لا يعتقد في فعلها ثوابا، ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة في أدائها ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع، وفي تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها وهو سعيد بها، ألا ترى إلى قول الرسول ﷺ : «جعلت قرة عيني في الصلاة» وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه. ثم وصف- سبحانه- الخاشعين وصفا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال- تعالى-: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ. الظن: يرد في أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو المراد هنا ومثل ذلك قوله- تعالى-

стр. 110

أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أى ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أى علمت أنى ملاق حسابيه. وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل. والمعنى: إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين، الذين يعتقدون لقاء الله- تعالى- يوم الحساب، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم. قال ابن جرير- مرجحا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين-: «إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله- تعالى- عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك، والشاك في لقاء الله كافر؟ قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظنا: والشك ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة: (فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج ... ) . يعنى بذلك: تيقنوا أن ألفى مدجج تأتيكم، ثم قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفق في فهمه كفاية، ومنه قوله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وعن مجاهد قال: «كل ظن في القرآن فهو علم» «١» . والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقي، وهو الاعتقاد الراجح، فسروا «ملاقاة الخاشعين لربهم» بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة «ورجوعهم إليه» بمعنى حلولهم بجواره الطيب، واستقرارهم في جناته، أى: وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون قربهم من ربهم، ودخولهم جناته عند رجوعهم إليه. وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف، فقد قال: (فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أى يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده ويطمعون فيه) «٢» . وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظنا لا يقينا، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون

стр. 111

سوى علام الغيوب، ففي وصفهم بأنهم يَظُنُّونَ إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر الله- تعالى- وهكذا يكون المؤمن دائما بين الخوف والرجاء. ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة يتبين لنا، أن من فسر الظن هنا بمعنى اليقين والعلم، يرى أن لقاء الخاشعين لله معناه الحشر بعد الموت، ورجوعهم إليه معناه مجازاتهم على أعمالهم. والحشر والمجازاة يعتقد صحتهما الخاشعون اعتقادا جازما. أما من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح، فيرى أن لقاء الخاشعين لله معناه توقعهم لقاء ثوابه، ورجوعهم إليه معناه ظفرهم بجناته، وتوقع الثواب والظفر بالجنات يرجح الخاشعون حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده. والذي نراه أن الرأى الأول أكثر اتساقا مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه قال قدماء المفسرين، كمجاهد وأبى العالية وغيرهما. وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم وتركهم لأنفسهم وإرشادهم إلى العلاج الذي يشفيهم من هذا الخلق الذميم، ومن غيره متى استعملوه بصدق وإخلاص، وهذا العلاج يتمثل في تذرعهم بالصبر. ومداومتهم على الصلاة، وشكرهم لله- تعالى- على نعمه التي فصلت الآيات بعد ذلك الحديث عنها، وها نحن نذكرها مرتبة كما ساقها القرآن الكريم. أولا: نعمة تفضيلهم على العالمين: قال- تعالى-: [سورة البقرة (٢) : آية ٤٧] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) أعاد القرآن الكريم نداءهم، تأكيدا لتذكيرهم بواجب الشكر، واهتماما بمضمون الخطاب وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات، وتفصيلا لما أسبغه الله عليهم من منن بعد أن أجملها في النداء الأول، ليكون التذكير أتم والتأثير أشد، والشكر عليها أرجى. وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل المشتملة على أمور تستوجب المزيد من العناية كما في حال ذكر النعم، لأن تكرارها يغرى النفوس الكريمة بطاعة مرسلها، والسير على الطريق القويم.

стр. 112

وقوله تعالى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ عطف على نعمتي، أى واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين، وهذا التفضيل نعمة خاصة، فعطفه على نِعْمَتِيَ من عطف الخاص على العام للعناية به، وهو- أى: التفضيل مبدأ تفصيل النعم وتعدادها، والمقصود منه الحض على الاتصاف بما يناسب تلك النعم، ويستبقى ذلك الفضل. وقد ذكر الله- تعالى- بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بهذه النعم مع أنها كانت لآبائهم. كما يدل عليه سياق الآيات لأن النعم على الآباء نعم على الأبناء لكونهم منهم، ولأن شرف الأصول يسرى إلى الفروع، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم، وحسن سمعة تعود عليهم، وتغريهم بالإيمان والطاعة- لو كانوا يعقلون-. ومن مظاهر، تفضيل الله لبنى إسرائيل على عالمي زمانهم، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة النبي ﷺ . ما لم يجمع لغيرهم. فقد حياهم بكثير من النعم، وبعث فيهم عددا كبيرا من الأنبياء، ونجاهم من عدوهم، ولم يعجل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم، واقترافهم شتى ألوان المنكرات عن تعمد وإصرار، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل غيرهم كقوم عاد وثمود. ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان. بل قابلوها بالجحود والطغيان فسلبها الله عنهم، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا أمثالهم ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التي منحها الله لبنى إسرائيل ولكنهم قابلوها بالبطر والكفران فأزالها الله عنهم. من ذلك قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «١» . أى: سل- يا محمد- بنى إسرائيل المعاصرين لك. سؤال تقريع وتوبيخ. كم آتاهم الله على أيدى أنبيائهم من النعم الجليلة، والمعجزات الباهرة، ولكنهم بعد أن جاءتهم هذه الآيات، وتمكنوا منها وعقلوها قابلوها بالعناد والاستهزاء، وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها مسوقة لهدايتهم وسعادتهم، فكانت نتيجة ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا، وتوعدهم بشديد العقاب في الآخرة. ومن الآيات التي صرحت بأن الله- تعالى- أعطى بنى إسرائيل نعما وفيرة، ولكنهم لم يحمدوه عليها. قوله تعالى:

стр. 113

وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ. وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ «١» . أى: ولقد نجينا بفضلنا وكرمنا بنى إسرائيل من العذاب المهين الذي كان ينزله بهم فرعون وجنده، بأن أغرقناه ومن معه أمام أعينهم لأنه كان ظلوما غشوما، وفضلا عن ذلك فقد اصطفينا بنى إسرائيل- على علم منا بما يكون منهم- على عالمي زمانهم وآتيناهم من النعم والمعجزات. ما فيه اختبار لقلوبهم، وامتحان لنفوسهم. فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان أن كفروا بنعم الله، وكذبوا برسله وقتلوهم. فتوعدهم الله في الدنيا بأن يسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. أما في الآخرة فمأواهم جهنم وبئس المهاد. - وأيضا- من الآيات التي ساقت أنواعا من نعم الله على بنى إسرائيل ولكنهم لم يشكروه عليها قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ. وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «٢» . والمعنى: ولقد آتينا بنى إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم الحكمة والفقه في الدين، وجعلنا النبوة في عدد كبير منهم، ورزقناهم من طيبات الأغذية والأشربة، وفضلناهم على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبي ﷺ وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدى أنبيائهم الكثير من المعجزات والدلائل التي تقوى إيمانهم، وتهديهم إلى الطريق المستقيم ولكنهم لم ينتفعوا بهذه النعم. بل جعلوا علمهم بالدين الحق سببا للخلاف والشقاق، والسير في طريق الضلال، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء جحودهم وعنادهم. والعبرة التي نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها. أن الله- تعالى- فضل بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية. ومنحهم الكثير من النعم، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر. فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم، ووصفهم في كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع. كقسوة القلب، ونقض العهد، والتهالك على شهوات الدنيا، والتعدي على الغير. والتحايل على استحلال محارم الله، ونبذهم للحق واتباعهم الباطل ... إلى غير ذلك من الصفات التي توارد ذكرها في القرآن الكريم.

стр. 114

وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا لأن الميزان عند الله للتقوى والعمل للصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب. قال الإمام الرازي ما ملخصه: فإن قيل: إن تفضيلهم على العالمين يقتضى تفضيلهم على أمة محمد ﷺ ، وهذا باطل. فكيف الجواب؟ قلنا: الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد: فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد ﷺ ما كانت موجودة في ذلك الوقت، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت. أنهم أفضل من الأمة المحمدية. وهذا هو الجواب أيضا عن قوله- تعالى-: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ. وعن قوله تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ «١» . وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار. استنادا إلى هذه الآية الكريمة وأمثالها، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص، ولا يشهد لها العقل السليم. ثم قال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٤٨] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) بعد أن ذكرهم- سبحانه- في الآية السابقة بنعمة عظمى من نعمه حذرهم في هذه الآية الكريمة من التقصير في العمل الصالح، وذلك لأن وصفهم بالتفضيل على عالمي زمانهم قد يحملهم على الغرور، ويجعلهم يتوهمون أنهم مغفور لهم لو أذنبوا. فجاءت هذه الآية الكريمة لتقتلع من أذهانهم تلك الأوهام بأحكم عبارة وأجمع بيان. والمراد باتقاء اليوم، وهو يوم القيامة، الحذر مما يحدث فيه من أهوال وعذاب، والحذر منه يكون بالتزام حدود الله- تعالى- وعدم تعديها، فهو من إطلاق الزمان على ما يقع فيه كما تقول «مكان مخيف» وتنكير النفس في الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفوس. أى: لا تقضى فيه نفس كائنة من كانت عن نفس أخرى شيئا من الحقوق. ووصف اليوم بهذا الوصف، ولم يقل «يوم القيامة» مثلا، للإشعار بأن التصرف في ذلك اليوم لله وحده. فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض.

стр. 115

والمعنى: احذروا- يا بنى إسرائيل- يوما عظيما أمامكم، سيحصل فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال والإخلاص له في كل الأعمال، فهو يوم لا تقضى فيه نفس مهما كان قدرها عظيما عن نفس شيئا ما، مهما يكن ذنبا صغيرا. ثم وصف القرآن الكريم ذلك اليوم بوصف آخر يناسب المقام. فقال تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الضمير في (منها) يعود إلى النفس المحاسبة في ذلك اليوم. والشفاعة: من الشفع ضد الوتر، وهي انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه، أى لا يقبل منها أن تأتى بشفيع ليحصل لها نفعا، أو يدفع عنها ضررا. والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيا مطلقا، ولكن هنالك آيات كريمة تنفى قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في ذلك، من هذه الآيات قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ» وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا «٢» . وللجمع بين هذه الآيات، تحمل الآيات التي تنفى الشفاعة نفيا مطلقا على أنها واردة في شأن النفوس الكافرة، وتحمل الآيات التي تبيح الشفاعة على أنها واردة في شأن المؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في أن النبي ﷺ ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن أقوام المؤمنين، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين، من ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت أمتى خير الأمم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة «٣» . قال الإمام ابن جرير: (وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة فإن المراد بها خاص في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ . أنه قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى، وأنه قال: ليس من نبي إلا وقد أعطى دعوة، وإنى خبأت دعوتي شفاعة لأمتى، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ

стр. 116

إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله- » هـ «١» . ثم وصف اليوم بوصف ثالث فقال تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ. العدل: العوض والفداء. سمى بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدى بمثله في القيمة أو العين ويسويه به. يقال: عدل كذا بكذا: أى سواه به. والمعنى: لا يؤخذ منها فداء أو بدل في ذلك اليوم إن هي استطاعت إحضاره على سبيل الفرض والتقدير. ثم وصفه بوصف رابع فقال تعالى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ والنصر هو الإعانة في الحرب وغيره بقوة الناصر، وقدم المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق. فضلا عما استفيد من نفى الفعل وإسناده للمجهول وجاء الضمير في قوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ جمعا مع أنه عائد على النفس وهو قوله تعالى: لا تَجْزِي نَفْسٌ لأن النكرة إذا وقعت في سياق النفي تناولت كل فرد من أفرادها، وبهذا صارت في معنى الجمع، وصح أن يعود عليها ضمير الجمع وهو (هم) . والمعنى. أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله يوم القيامة. ولما كان اليهود يعتقدون أنهم شعب مميز، وأن نسبتهم إلى الأنبياء ستجعلهم في مأمن من العقاب رغم عصيانهم وفسوقهم، وأن آباءهم سيشفعون لهم ... لما كانوا كذلك جاءت هذه الآية الكريمة لتبطل ما اعتقدوه، وتقطع ما أمّلوه، ولتنقض كل ما يحتمل أن يكون وسيلة للنجاة يوم القيامة سوى الإيمان والعمل الصالح. فقد نفت الآية الكريمة وجود من ينوب عنهم بقولها لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً. ونفت انتفاعهم بشفاعة الشافعين يوم الحساب بقولها (ولا يقبل منها شفاعة) . ونفت قبول البدل أو الفداء عما ارتكبوه من خطايا بقولها وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ. ونفت وجود من ينتصر لهم أو يدافع عنهم بقولها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. وهكذا سدت عليهم الآية الكريمة كل منفذ يتوهمون نجاتهم من عذاب الله بسببه، ما داموا مصرين على كفرهم وجحودهم. هذا، وقد اشتملت هاتان الآيتان على أسلوب حكيم في التوجيه، وطريقة فريدة في الإرشاد، جمعت بين الترغيب والترهيب، فإن الآية الأولى ابتدأت بندائهم باسم أبيهم

стр. 117

إسرائيل- ﵇ الذي هو أصل عزهم، ومنشأ تفضيلهم لتحيى الشعور بالكرامة في نفوسهم، ولتغرس الإحساس بالشرف في مشاعرهم، ولتحملهم على الترفع عن الدنايا لأن الذي يشعر أنه من منبت كريم تعاف نفسه الحقد والكذب والصغار، ثم جاءت الآية الثانية فأرشدتهم إلى أن التقوى هي سبب السلامة والفوز، وحذرتهم من أهوال يوم القيامة وأفهمتهم بأن انتسابهم إلى أولئك الآباء لن يغنى من الله شيئا يوم الجزاء، وإنما الذي ينفعهم في ذلك اليوم هو اتباع تعاليم الإسلام، التي أتى بها النبي- ﵊ وفي ذلك ما فيه من كبح غرورهم، وإبطال ظنونهم. ثانيا: نعمة إنجائهم من عدوهم: ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة جليله الشأن، هي نعمة إنجائهم من عدوهم فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٤٩] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ في الآية السابقة، من باب عطف المفصل على المجمل: أى: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون. وإذ: بمعنى وقت، «وهي مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام وهو اذكروا أى: اذكروا وقت أن نجيناكم، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث. وآل الرجل: أهله وخاصته وأتباعه، ويطلق غالبا على أولى الخطر والشأن من الناس، فلا يقال آل الحجام أو الإسكاف. وفرعون: اسم لملك مصر كما يقال لملك الروم قيصر، ولملك اليمن تبع ويسومونكم: من سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه مالا يطيق. والابتلاء: الامتحان والاختبار، ويكون في الخير والشر، قال- تعالى- وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «١» . والمعنى: اذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق

стр. 118

العذاب وأصعبه، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم واستئصال لأعقابكم، وامتهان لكرامتكم، حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم، ويستبقون نفوس نسائكم، وفي ذلكم العذاب، وفي النجاة منه امتحان لكم بالسراء لتشكروا، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدى بكم إلى الإذلال في الدنيا، والعذاب في الأخرى. قال الإمام الرازي- ﵀ ما ملخصه: واعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة- أى نعمة إنجائهم من عدوهم- يتأتى من وجوه أهمها: ١- أن هذه الأشياء التي ذكرها الله- تعالى- لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة، صار تخليص الله- لهم من هذه المحن من أعظم النعم، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم، وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم، ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم، وعظم النعمة يوجب المبالغة في الطاعة والبعد عن المعصية، لذا ذكر الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة، وليقطع عذرهم. ٢- أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل. وكان عدوهم في نهاية العز، إلا أنهم كانوا محقين، وكان خصمهم مبطلا، لا جرم زال ذل المحقين، وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى يقول لهم: لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة مركزكم، ولا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم، فإن الحق إلى جانبهم. ومن كان الحق إلى جانبه، فإن العاقبة لا بد أن تكون له) اهـ «١» وخوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ومع أن هذا الاتجاء كان لأسلافهم، لأن في نجاة أسلافهم نجاة لهم، فإنه لو استمر عذاب فرعون للآباء لأفناهم، ولما بقي هؤلاء الأبناء، فلذلك كانت منة التنجية تحمل في طياتها منتين، منة على السلف لتخليصهم مما كانوا فيه من عذاب ومنة على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها، فكان من الواجب عليهم جميعا أن يقدروا هذه النعمة قدرها، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذي أنجاهم من عدوهم. ولأن الإنعام على أمة يعتبر إنعاما شاملا لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك الإنعام ومن لم يصبه. لأن الآثار التي تترتب عليه كثيرا ما يرثها الخلف عن السلف، ولأن في إخبارهم بذلك تصديقا للنبي- ﵊ فيما يبلغه عن ربه، فقد أخبرهم بتاريخ من مضى منهم بصدق وأمانة، وفي ذلك دليل على أنه صادق في نبوته ورسالته. وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا له في إذاقتهم سوء العذاب، وإنزال الإذلال والإعنات بهم.

стр. 119

وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود- وهو في ظاهره خير- لأن هذا الإبقاء عليهن، كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن واستعمالهن في الخدمة بالاسترقاق. فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب أليم، تأباه النفوس الكريمة، والطباع الطيبة. قال الإمام الرازي ما ملخصه: (في ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه: أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال، وذلك يقتضى انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك، وهذا يقضى في نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعا. ثانيهما: أن هلاك الرجال يقتضى فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال. لما قد تقع فيه من نكد العيش بالانفراد. فصارت هذه الخطة عظيمة في المحن، والنجاة منها تكون في العظم بحسبها. ثالثها: أن قتل الولد عقب الحمل الطويل، وتحمل التعب، والرجاء القوى في الانتفاع به، من أعظم العذاب، فنعمة الله في تخليصهم من هذه المحنة كبيرة. رابعها: أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان) «١» . وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء في قوله تعالى: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الأطفال دون البالغين، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم في الأعمال الشافة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال، لما قامت أم موسى بإلقائه في اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال، لأن لفظ الأبناء هنا جعل في مقابلة النساء، والنساء هن البالغات. والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا، ولأنه أتم في إظهار نعمة الإنجاء، حيث كان أهل فرعون يقتلون الصغار قطعا للنسل، ويسترقون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت. وقد جاءت جملة يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ في هذه الآية الكريمة بدون عطف وجاءت في سورة إبراهيم معطوفة بالواو «٢» . لأنها هنا بيان وتفسير لجملة يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ فيكون

стр. 120

المراد من سوء العذاب هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء. وأما في سورة إبراهيم. فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التي حلت ببني إسرائيل، فكان المراد بجملة يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ نوعا منه، والمراد بجملة وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ نوعا آخر من العذاب، لذا وجب العطف، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى وإنما هي تمثل نوعا آخر من المحن التي حلت بهم. هذا، وقد تكرر تذكير بنى إسرائيل بنعمة إنجائهم من عدوهم في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وذلك لجلال شأنها، ولحملهم على الطاعة والشكر. ١- من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «١» . ٢- وقوله تعالى في سورة طه: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي، وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى «٢» . فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هي في معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من أجل نعم الله عليهم، حيث أنجاهم- سبحانه- ممن أراد لهم السوء، وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم، وفي ذلك ما يدعوهم إلى الاجتهاد في شكر الله- لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم. ثالثا: نعمة فرق البحر بهم. ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الإنجاء وتجلى فيها إكرام الله لهم، وهي نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٥٠] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) والمعنى: واذكروا يا بنى إسرائيل من جملة نعمنا عليكم، نعمة فرق البحر بكم، وانفصاله بعد اتصاله، حين ضربه موسى بعصاه، فأصبحت فيه طريق يابسة فولجتموها، وسرتم فيها

стр. 121

هربا من فرعون وجنده؟ بذلك تمت لكم النجاة، وحصل الغرق لأعدائكم، وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه، مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض. ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ، ويحمل على الشكر الجزيل لله العزيز الرحيم. فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون وقومه، وملخصها: أن الله- أوحى إلى نبيه- موسى- ﵇ أن يرحل ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر التي طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين، ونفذ موسى- ﵇ ما أمره به الله- تعالى- وعلم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض الشام، فتبعهم بجيش كبير، وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر الأحمر، وأيقن بنو إسرائيل عند ما رأوه أنه مهلكهم لا محالة. ولجئوا إلى موسى- ﵇ يشكون إليه خوفهم وفزعهم، ولكنه رد عليهم بقوله: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وأوحى الله إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وأمر موسى- ﵇ بنى إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى. واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا في إدراكهم وعند ما عبر بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة، كان فرعون وجنده ما زالوا بين فرقى البحر، فأطبق عليهم وعاد كما كان أولا، فغرقوا جميعا، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم في دهشة وسرور. وأسند- سبحانه- فرق البحر إلى ذاته الكريمة. ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم بعنايته، وقوله تعالى: فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم، والتي ترتبت على فرق البحر، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران. أولهما: نجاتهم. وثانيهما: إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة. والإيمان الصحيح يقضى بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية له، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، وهو زعم لا سند له ولا دليل عليه. واقتصرت الآية هنا على ذكر إغراق آل فرعون أى جنده وأنصاره، وصرحت آيات أخرى بغرقه مع آله، من ذلك قوله تعالى: فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً «١» وقوله تعالى:

стр. 122

َخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ «١» ومن تمام النعمة أن الله- تعالى- أهلك مع فرعون كل مناصر له: وقوله تعالى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أى: أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم بأعينكم، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم، وأبلغ في الشماتة به، وأرجى لشكر النعمة- ولا شك أن مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى، ومعاينته لانفراق البحر فيها تقوية لإيمانه، وتثبيت ليقينه، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون. قال الإمام الرازي ما ملخصه: (اعلم أن هذه الواقعة- أى واقعة فلق البحر- تضمنت نعما كثيرة على بنى إسرائيل في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا فمن وجوه: أولها: أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج، لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم، وإن هم تقدموا أغرقوا. فحصل لهم خوف عظيم، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم. ثانيها: أن الله- تعالى- خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم. ثالثها: أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب، وتم لهم الأمن والاطمئنان، وذلك نعمة عظمى، لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا، لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبنى إسرائيل. أما نعم الدين فمن وجوه: أولها: أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة. زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى، تقترب من العلم الضروري. ثانيها: أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم. ثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله، فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون، ولا ذل أشد مما كان لبنى إسرائيل، ثم إن الله- تعالى- في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزا، والقوى ضعيفا، والضعيف قويا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا، والإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق- «٢» . هذا، ونعمة فرق البحر لبنى إسرائيل، وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها في القرآن،

стр. 123

من ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ «١» وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أجل النعم- وهي نعمة فرق البحر بهم- لكي يشكروا خالقهم عليها، ويتبعوا نبيه محمدا ﷺ ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم، فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، جزاء جحودهم وطغيانهم وما ربك بظلام للعبيد. رابعا: نعمة عفوه- سبحانه- عنهم بعد عبادتهم للعجل: ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٥١ الى ٥٢] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) المواعدة: مفاعلة من الجانبين، وهي هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أمر الله- تعالى- لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدا لإعطائه التوراة، ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو وأبى جعفر (وعدنا) . وقيل: المفاعلة على بابها، على معنى أن الله- تعالى- وعد نبيه موسى- ﵇ أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين. وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه، فوعده- سبحانه- أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقى التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى

стр. 124

بما كان من قومه بعد فراقه، فرجع إليهم غاضبا حزينا، وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم، فلما فعلوا ذلك عفا الله تعالى عنهم لكي يشكروه، ويلتزموا الصراط المستقيم. ومعنى الآيتين الكريمتين: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدتم العجل في غيبته، ولا شك أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادة غير الله، وبوضعكم الأمور في غير مواضعها، ومع هذا فلم نعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا توبتكم، وعفونا عنكم، لتكونوا من الشاكرين لله تعالى. وهذا التذكير يحمل في طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوا نعم الله بأقبح أنواع الكفر والجهالة، حيث عبدوا في غيبة نبيهم ما هو مثال في الغباوة والبلادة وهو العجل. وفي اختيار حرف العطف (ثم) المفيد للتراخي الرتبى في جملة ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ إشعار بأنهم انحدروا إلى دركات سحيفة من الجحود والجهل، وأن ما ارتكبوه هو من عظائم الأمور في القبح والمعصية وحذف المفعول الثاني لاتخذتم وهو «إلها أو معبودا لشناعة ذكره ولعلمهم بأنهم اتخذوه إلها. وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِهِ معناه: من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم. وفي ذلك زيادة تشنيع عليهم، حيث وصفهم- سبحانه- بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب عليهم- لو كانوا يعقلون- أن يستمروا على توحيد الله في غيبة نبيهم لا سيما وقد رأوا من المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوى الإيمان ويغرس في القلوب الطاعة لله تعالى. وجملة وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل معبودا، مقرونا بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا. وقوله تعالى ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ معناه ثم تركنا معاجلتكم بالعقوبة، ومحونا ذنوبكم، لتوبتكم من بعد اتخاذكم العجل معبودا من دون الله، رجاء أن تشكروا خالقكم على عفوه عنكم وتستعملوا نعمه فيما خلقت له وتتبعوا رسوله ﷺ . وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان، ما يدل على غباء بنى إسرائيل وقصر نظرهم. لأنهم اتخذوا العجل إلها بعد أن شاهدوا البراهين على صدق نبيهم، كما تضمنتا تسلية للرسول ﷺ عما كان يشاهده من اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية، فكأنه سبحانه يقول: إن ما قام به بنو إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعلوا ما يشبه آباؤهم الأقدمون مع نبيهم موسى- ﵇ فلقد اتخذوا في غيبته عجلا جسدا له خوار دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ظالمين.

стр. 125

خامسا: نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم. ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة خامسة فيها صلاح أمورهم، وانتظام شئونهم ألا وهي إعطاء نبيهم موسى- ﵇ التوراة، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٥٣] وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) ومعنى الآية الكريمة: اذكروا يا بنى إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى- ﵇ التوراة، وفيها الشرائع والأحكام، لكي تهتدوا بها إلى طريق الفلاح والرشاد في الدنيا، وإلى الفوز بالسعادة في الآخرة. فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى- ﵇ فأل للعهد. والفرقان- بضم الفاء- مأخوذ من الفرق وهو الفصل، استعير لتمييز الحق من الباطل وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما في قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ «١» كما يطلق على المعجزة كما في قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ «٢» أى المعجزات لأن هارون لم يؤت وحيا. والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير. قال ابن جرير ما ملخصه: (وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبى العالية ومجاهد، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون تأويل الآية حينئذ. وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح، وفرقنا بها بين الحق والباطل. فيكون الكتاب نعتا للتوراة، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها) «٣» . وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان، المقصود منه هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ولكن ماذا كان موقف بنى إسرائيل من التوراة التي أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم؟ كان

стр. 126

موقفهم منها- كما هي عادتهم- موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك، وشبههم في تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها، بالحمار الذي يحمل كتب العلم ولكنه لا يدرى ما فيها. فقال تعالى في سورة الجمعة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «١» . حملوا التوراة: أى علموها وكلفوا العمل بها، ثم لم يحملوها: أى: لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه. والأسفار: جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. ومعنى الآية الكريمة: مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدرى ما فيها، ولا يناله من حملها إلا التعب، بئس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التي تشهد بصدق النبي ﷺ ، وتذر صفاته التي لا تنطبق إلا عليه، وقد جرت سنة الله- تعالى- في خلقه ألا يهدى إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين، لأنهم استحبوا العمى على الهدى، وباعوا دينهم بدنياهم. قال صاحب الكشاف: «شبه الله- تعالى- اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها، وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به، ولم يؤمنوا به- شبههم بالحمار يحمل أسفارا، أى: كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل، فهذا مثله وبئس المثل» «٢» . وقال الإمام ابن القيم: «شبه الله- تعالى- من حما كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له، ولا تحكيم لنصوصه- شبهه- بحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدرى ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته» «٣» .

стр. 127

ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة، وجعلها نورا وهدى لهم، ولكنهم تركوها، ولم يعملوا بما فيها، واستحبوا العمى على الهدى، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ. سادسا: (نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم) : ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة جليلة، وهي إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم، وإخبارهم بقبول توبتهم، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٥٤] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) والمعنى: واذكروا يا بنى إسرائيل- لتنتفعوا وتعتبروا- وقت أن قال موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيدا عنهم: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله- تعالى- فإذا أردتم التكفير عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحا، واقتلوا أنفسكم لتنالوا عفو ربكم، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإقامة على المعصية، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم لأنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه الواضح. وفي نداء موسى- ﵇ لهم بقوله: «يا قوم» تلطف في الخطاب ليجذب قلوبهم إلى سماعه، وليحملهم على تلقى أوامره بحسن الطاعة، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم، وإنما يريد لهم الخير. والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب، فهو أخص من الخالق، ولذا قال تعالى: ... الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وفي هذا التعبير الحكيم، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذي أحسن كل شيء خلقه، وفيه أيضا تقريع لهم على غباوتهم، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض، وعبدوا عجلا ضرب به المثل في الغباوة فقالوا «أبلد من ثور» فكأنه- سبحانه- يقول لهم: لقد اتخذتم هذا العجل إلها لتشابهكم معه في البلادة وضيق الأفق.

стр. 128

قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شيء منها» هـ «١» . وقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أمر من موسى- ﵇ لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحى لأنه تشريع من الله- تعالى-. والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه، فيكون المعنى: ليقتل بعضكم بعضا، كما في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً أى فليسلم بعضكم على بعض. وقيل: المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقيا حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك، وأن الله- تعالى- رفع عنهم القتل وعفا عمن بقي منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا، وهذا هو معنى التوبة في قوله تعالى «فتاب عليكم» ، ومعنى العفو في قوله تعالى: في الآية السابقة ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيرا من الآثار التي تحدثت عن كيفية حصول هذا القتل، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه قال: «قال تعالى لموسى: إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل في ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها. وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول» «٢» . وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهري أنه قال: «لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم موسى، فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم، فقال له: يا نبي الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يشدون يديه. فلم يزل أمرهم على

стр. 129

ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدى بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله- جل ثناؤه- إلى موسى. لا تَحْزَنَ أما من قتل فحى عندي يرزق، وأما من بقي، فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل» «١» . وجملة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ تعليلية، جيء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم- ﵇ واسم الإشارة ذلِكُمْ يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم. وقال عِنْدَ بارِئِكُمْ ولم يقل عنده، لأن في هذا التكرير حملا للمخاطبين على التفكير والتذكير والطاعة، وإشعارا لهم بأن عبادة من برأهم وذرأهم وخلقهم في أحسن تقويم، خير لهم في دنياهم وأخراهم. وجملة فَتابَ عَلَيْكُمْ جواب لشرط محذوف للإيجار، أى فامتثلتم ما أمرتم به، فقيل الباري توبتكم، وهي خطاب من الله- تعالى- لبنى إسرائيل على لسان موسى، فيه تذكير بنعمته، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم. وعطفت هذه الجملة فَتابَ عَلَيْكُمْ بالفاء، لإشعارهم بأنه- سبحانه- لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعا بالقتل، بل تداركهم بلطفه ورحمته، فقبل توبتهم، ورفع عقوبة القتل عمن بقي منهم. وقوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إخبار وثناء على الله- تعالى- بما هو أهله من عفو ورحمة. وأكدها- سبحانه- لتنزيلهم منزلة من يشك في قبول توبته، لعظم جريمتهم وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد في طريق الشيطان. وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله- تعالى- لطف بهم، ورحمهم، وقبل توبتهم، وعفا عن قتلهم أنفسهم، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم في توبتهم، كما تضمنت- أيضا- تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بنعم الله عليهم، لأنه لولا عفوه- سبحانه- عن آبائهم لما وجدوا هم، وفيها- كذلك- إشارة إلى سماحة الشريعة التي أتى بها محمد ﷺ وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول في الإسلام لأنه إذا كان آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإسلام تقول لهم: لقد جاءكم النبي الذي رفع عنكم إصركم والأغلال التي كانت على أسلافكم، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون.

стр. 130

سابعا: نعمة بعثهم من بعد موتهم: ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بنعمة جليلة، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة، وهذه النعمة تتجلى في بعثهم من بعد موتهم، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٦] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) جهرة: في الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول في المسموعات والثاني في المبصرات. والصاعقة: - كما قال ابن جرير- «كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل. صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قوله- تعالى-: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً يعنى مغشيا عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتا، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ.. «١» . وأصل البعث في اللغة: إثارة الشيء من محله، وتحريكه بعد سكون ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإيقاظ، كما ورد في قصة أهل الكهف فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ... أى: أيقظناهم. ويستعمل- أيضا- بمعنى الإحياء. وهو المراد في الآية التي معنا، بدليل قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ. ومعنى الآيتين الكريمتين: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم، وتعنتم في الطلب، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة: لن نؤمن لك، ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله عيانا وعلانية، فيأمرنا بالإيمان بك، وبما جئت به، فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم- بسبب جهلكم وتطاولكم- وأنتم تشاهدونها بعيونكم، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من

стр. 131

بعد أن أخذتكم الصاعقة، لكي تشكروا الله على نعمه التي من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم. قال الإمام ابن جرير: ذكرهم الله- تعالى- بذلك اختلاف آبائهم. وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ومرة يقال لهم: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ فيقولون حنطة في شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم، مع غير ذلك من أفعالهم القبيحة التي يكثر إحصاؤها، فأعلم الله- تعالى- الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا ﷺ وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتمردهم على نبيه موسى- ﵇ تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلائه عليهم «١» . والقائلون لموسى- ﵇: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأى. من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ أنه قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. وقالوا: اطلب لنا ربك لنسمع كلامه. قال: سمعوا كلاما، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال: فسمعوا صوتا فصعقوا يقول: ماتوا، فذلك قوله: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم. وقال ابن كثير: الذين قالوا لموسى: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه. وقيل: إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء

стр. 132

السبعين، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلّم أنه قال في تفسير هذه الآية. «قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل. فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال لهم موسى: (إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال: فجاءت غضبة من الله- تعالى-، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة. فصعقتهم فماتوا جميعا. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا لا، فقال: أى شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال: خذوا كتاب الله، قالوا لا، فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم) «١» . قال الإمام ابن كثير: (وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا ثم قال: وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف «٢» . وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم، لأن بنى إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم) «٣» . وقال ابن جرير: «ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة، فنسلّم لهم، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله- جل ثناؤه- قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه ... » «٤» وفي ندائهم لنبيهم باسمه «يا موسى» سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم،

стр. 133

أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبي الله، من الصفات التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردا في كثير من المواطن. ومن أدب الصحابة مع الرسول ﷺ أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر الله- تعالى- في قوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. وقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً دليل على تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانا، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم. وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبي، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم. وقوله تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب. وجملة وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في أن ينالوا ما ليس من حقهم. والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة في الدنيا، وأنهم علقوا إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. موسى- ﵇ فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله- تعالى- ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة. وجملة ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ هي محل النعمة والمنة، وهي معطوفة على قوله تعالى فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زمانا نتصور فيه المهلة والتأخير. والمراد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى- ﵇ استجابة لدعائه. وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوي، من محاربة الدعوة الإسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها وفيهما أيضا تسلية للنبي ﷺ عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم، وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون.

стр. 134

ثامنا: نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم: ثم عطف- سبحانه- على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين، وهما تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٥٧] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) الغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض. والمن: اسم جنس لا واحد من لفظه، وهو- على أرجح الأقوال- مادة صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل. والسلوى: اسم جنس جمعى، واحدته سلواة، وهو طائر برى لذيذ اللحم، سهل الصيد، يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء، فيمسكونه قبضا بدون تعب. وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، كان في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله- تعالى- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ. قال السدى: «لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى- ﵇ كيف لنا بما ها هنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله- تعالى- موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ... ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بنى إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس، وحرارة الجو، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم، وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي

стр. 135

رزقكم هذه النعم، ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شيء، لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضرى فيضرونى ولن يبلغوا نفعي فينفعونى. فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا معطوف على محذوف، أى فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر. ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير، وأن جملة وَما ظَلَمُونا معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بنى إسرائيل. والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة كانُوا والفعل المضارع يَظْلِمُونَ يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى. قال الإمام ابن جرير- ﵀ في تفسير قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ما ملخصه: (هذا من الذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه، وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم، وما ظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك، وقوله وَما ظَلَمُونا أى: ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله- تعالى- لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم وحظّها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل) «١» . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهي تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ولكن بنى إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه، ولذا أرسل الله عليهم رجزا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم. تاسعا: نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك. ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما رعوها حق رعايتها- وهي تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها الراحة والهناء، وإرشادهم إلى القول الذي يخلصهم مما استوجبوه من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى:

стр. 136

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) القرية: هي البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها بيت المقدس على الراجح. والرغد: الواسع من العيش الهنيء، الذي لا يتعب صاحبه، يقال: أرغد فلان: أصاب واسعا من العيش الهنيء. الحطة: من حط بمعنى وضع، وهي مصدر مراد به طلب حط الذنوب. قال صاحب الكشاف: (حطة) فعلة من الحط كالجلسة. وهي خبر مبتدأ محذوف، أى مسألتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات..) «١» . والمعنى: اذكروا يا بنى إسرائيل- لتتعظوا وتعتبروا- وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من التيه، وأبحنا لهم أن يأكلوا من خيراتها أكلا هنيئا ذا سعة وقلنا لهم: ادخلوا من بابها راكعين شكرا الله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه- سبحانه- بأن يحط عنكم ذنوبكم، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم، وزدنا المحسن منهم خيرا جزاء إحسانه، ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوا أوامره، فبدلوا بالقول الذي أمرهم الله به قولا آخر أتوا به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون. قال الإمام ابن كثير- ﵀: (وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون- ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حسبت لهم الشمس يومئذ قليلا

стр. 137

حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب (باب البلد) سجدا أى شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال) «١» . وقوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها. حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أى مكان شاءوا. وقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم. بأيسر الطرق وأسهل السبل، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التي فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم، ويمحو سيئاتهم. وقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بيان للثمرة التي تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم، وإغراء لهم على الامتثال والشكر، - لو كانوا يعقلون- لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب. قال الإمام ابن جرير: يعنى بقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. وأصل الغفر: التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافر.. والخطايا: جمع خطية- بغير همز- كالمطايا جمع مطية..» . وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلّم لله وهو محسن، أى: من كان منكم محسنا زيد في إحسانه ومن كان مخطئا نغفر له خطيئاته. وقد أمرهم- سبحانه- أن يدخلوا باب المدينة التي فتحوها خاضعين وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم، لأن تغلبهم على أعدائهم، ودخولهم الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، نعمة من أجل النعم، وهي تستدعى منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل لكي يزيدهم من فضله، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر. ولهذا كان النبي ﷺ يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعند ما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلّى ثماني ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح. ومن هنا استحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثماني ركعات

стр. 138

عند أول دخولها شكرا لله- تعالى- وقد فعل ذلك سعد بن أبى وقاص عند ما دخل إيوان كسرى، فقد ثبت أنه صلّى بداخله ثماني ركعات. ولكن، ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل، ولذا قال تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. أخرج البخاري عن أبى هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (قيل لبنى إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة) «١» . قال الإمام ابن كثير: (وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق، أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا الباب سجدا، فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعين رؤسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أى احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا: حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته) «٢» . فقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ بيان للسبب الذي من أجله نزل عليهم العذاب، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله- تعالى-، لأن تبديل الشيء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التي كان عليها. والفعل (بدل) يقتضى بدلا ومبدلا منه، إلا أن مقام الإيجاز في الآية استدعى الاكتفاء بذكر البدل- وهو القول الذي لم يقل لهم- دون ذكر المبدل منه- وهو القول الذي قيل لهم- والتقدير: فاختار الذين ظلموا بالقول الذي أمرهم الله به، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان. قال صاحب الكشاف: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أى: وضعوا مكان حِطَّةٌ قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه. وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك» «٣» .

стр. 139

والعبرة التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة، أن من أمره الله- تعالى- بقول أو يفعل، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله، دخل في زمرة الظالمين، وعرض نفسه لسوء المصير. وقوله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله- تعالى- والرجز في لغة العرب: هو العذاب سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها. وفي النص على أن الرجز قد أتاهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لا يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضى من عدوى أو نحوها، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء. فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم، ولم يقل القرآن «فأنزلنا عليهم» ، بالإضمار، وإنما قال فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإظهار، تأكيدا لوصفهم بأقبح النعوت وهو الظلم، وإشعارا بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم. وقد تضمنت الآيتان الكريمتان أن بنى إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها، وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها، وأرشدوا إلى القول الذي يكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل، فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله حرمانهم من تلك النعمة إلى حين، ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم، وفي هذا التذكير امتنان عليهم ببذل النعمة، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة، وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوي على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم وفيه أيضا تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم. عاشرا: نعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم، وهي إغاثتهم في التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٦٠] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)

стр. 140

الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر، وذلك عن طريق الدعاء لله- تعالى- في خشوع واستكانة، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش، عند ما كانوا في التيه، فعن ابن عباس أنه قال: «كان ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها «١» . وهذه النعمة كانت نافعة لهم في دنياهم لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت نافعة لهم في دينهم لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى- ﵇ في نبوته «٢» . ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى- ﵇ في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم: تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين. وقوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى- ﵇ وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله- تعالى- له، حيث أجاب سؤاله، وفجر الماء لهم ببركة دعائه. واللام في قوله- تعالى- لِقَوْمِهِ للسببية، أى لأجل قومه. والفاء في قوله- تعالى- فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير: فأجبناه إلى ما طلب، وقلنا اضرب بعصاك الحجر. وال في الْحَجَرَ لتعريف الجنس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى- ﵇ بوحي من الله تعالى. وقد أورد المفسرون في ذلك آثارا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها. والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى- ﵇ وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد

стр. 141

وضوحه، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى- ﵇ إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا: إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه- تعالى-. والفاء في قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً كسابقتها للعطف على محذوف تقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى. وكانت العيون اثنتي عشرة عينا لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا، والأسباط في بنى إسرائيل كالقبائل في العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب- ﵇ الاثنى عشر، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عينا إكمال للنعمة عليهم، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر: وقال- سبحانه-: فَانْفَجَرَتْ. وقال في سورة الأعراف فَانْبَجَسَتْ والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه بكثرة، ولا تنافى بينهما في الواقع لأنه انبجس أولا. ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وقوله تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض. وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ مقول لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله. وقد جمع- سبحانه- بين الأكل والشرب- وإن كان الحديث عن الشراب- لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان. وقوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمة في غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث في الأرض فسادا. قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى. والمعنى: ولا تسعوا في الأرض مفسدين، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم. قال ابن جرير- ﵀: (وأصل العثا شدة الإفساد بل هو أشد الإفساد، يقال منه:

стр. 142

عثى فلان في الأرض: إذا تجاوز الحد في الإفساد إلى غايته، يعثى، عثا مقصورا، ويقال للجماعة يعثون..) «١» . وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها: وحذرتهم عاقبة الإفساد في الأرض وجحودهم النعمة واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير: ثم ذكرهم- سبحانه- بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم- بسوء اختيارهم- ما هو أدنى على ما هو خير، فقال تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٦١] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) الصبر: حبس النفس على الشيء، بمعنى إلزامها إياه، ومنه الصبر على الطاعات، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصي. والطعام: ما رزقوه في التيه من المن والسلوى: والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والفوم: قيل هو الثوم، وقيل هو الحنطة. والقثاء: نوع من المأكولات أكبر حجما من (الخيار) . قال ابن جرير: (وكان سبب مسألتهم موسى- ﵇ ذلك فيما بلغنا عن قتادة أنه قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى: فملوا ذلك،

стр. 143

وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ «١» . ثم ساق ابن جرير رواية، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن في البرية بل كان في التيه فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أنبأنا ابن زيد قال: «كان طعام بنى إسرائيل في التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره، فقالوا يا موسى: إنا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها فقرأ حتى بلغ قوله تعالى اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ «٢» . وقد جرى أبو حيان وصاحب الكشاف- في تفسيريهما- على أن سؤالهم لموسى- ﵇ كان في التيه. قال أبو حيان عند تفسير قوله تعالى وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ: «لما سئموا من الإقامة في التيه. والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم» «٣» . وقال صاحب الكشاف: «كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم «٤» فأجموا- أى ملوا وكرهوا- ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم البقاء عَلى طَعامٍ واحِدٍ أرادوا ما رزقوه في التيه من المن والسلوى» «٥» . ومعنى الآية الكريمة إجمالا: واذكروا يا بنى إسرائيل بعد أن أسبغنا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم، وفساد أذواقهم، وإعناتهم لنبيهم موسى- ﵇ حيث قالوا له ببطر وسوء أدب: لن نصبر على طعام المن والسلوى في كل وقت، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى، فوبخهم نبيهم موسى- ﵇ بقوله: أتختارون الذي هو أقل فائدة وأدنى

стр. 144

لذة، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟ انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها. وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه، وحق عليهم غضب الله. ثم بين الله- تعالى- السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ إلخ أى: إن الكفر بآيات الله قد تأصل فيهم، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة، فليس غريبا على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم. وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها، وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودى منها، وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم، وفيه إشعار بسوء أدبهم في مخاطبتهم لنبيهم موسى- ﵇ إذ عبروا عن عدم رغبتهم في تناول المن والسلوى بحرف لَنْ المفيد تأكيد النفي فقالوا لَنْ نَصْبِرَ.. إلخ فكأنهم يقولون له مهددين، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعا: إننا ابتداء من هذا الوقت الذي نخاطبك فيه إلى أن نموت، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد، لأننا قد سئمناه ومللناه، ولن نعود إليه: فالتعبير «بلن» يشعر بشدة ضجرهم، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها. قال الحسن البصري- ﵁: «بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل وثوم» «١» . ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان، لأنهم أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر في كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات، والعرب تقول لمن يفعل على مائدته في كل يوم من الطعام أنواعا لا تتغير، إنه يأكل من طعام واحد. وسألوا موسى- ﵇ أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين، حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله، فيلاقى من الإجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، وتستولى عليها السيئات. وقولهم: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ ولم يقولوا ربنا، لعدم رسوخ الإيمان في قلوبهم، ولأنه سبحانه- قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة.

стр. 145

وقولهم: يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها هو مضمون ما طلبوه من موسى- ﵇ وهو في معنى مقول قول محذوف والتقدير: أى قل لربك يخرج لنا. وجاء التعبير بالفعل يُخْرِجْ مجزوما- مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: «أن يخرج- للإيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه، حتى لكأن إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه، وأنه لو لم يدع لهم، لكان شحيحا عليهم بما فيه نفعهم «١» . والجملة الكريمة: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ من مقول موسى- ﵇ لهم، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم، وضعف عقولهم. لإيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه، على ما هو خير منه وهو المن والسلوى. قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة: «أى قال لهم موسى: أتاخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك، ومعنى قوله: أَدْنى أخس واضع وأصغر قدرا وخطرا، وأصله من قولهم: هذا رجل دنى بين الدناءة، وإنه ليدنى في الأمور- بغير همز- إذا كان يتتبع خسيسها. ثم قال: ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى: البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه» «٢» . ثم أضاف موسى- ﵇ إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخا آخر فقال لهم: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أى إذا كان هذا هو مرغوبكم، فاتركوا هذا المكان، وانزلوا إلى مصر من الأمصار، لكي تجدوا ما سألتمونى إياه من البقل والثوم وأشباههما، لأن ما اخترتموه لا يوجد في المكان الذي حللتم به، وإنما يوجد في الأمصار والقرى. وقوله تعالى: مِصْراً. قال ابن كثير: «هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأثمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف» «٣» . وقال ابن جرير: «فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين اهْبِطُوا مِصْراً وهي القراءة التي
следующие страницы →