والمقصود بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ... نفى الريب عن المنزل عليه وهو محمد ﷺ بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم.
والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله- تعالى-.
وعبر بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم.
وأتى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم في ريب مما نزل على النبي ﷺ أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد، وتوبيخا لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها.
ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
وقال نَزَّلْنا دون أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما في مدة تزيد على عشرين سنة.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: لم قيل: (مما نزلنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟
قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا القرآن من عند الله، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة، وآيات عقب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة ... فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهاتوا نجما فردا من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفترقات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل) «١» اهـ ملخصا.
والمراد بالعبد في قوله- تعالى-: عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ وفي إضافته إلى الله- تعالى- تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به.
وفي ذكره ﷺ باسم العبودية، تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا
стр. 72
ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات، والضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن.
والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة.
وقيل: إن الضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبي ﷺ ولكن الرأى الأول أرجح.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه:
أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في سورة يونس من قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ...
وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن، لأنه قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا.. فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله ﷺ أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله.
وثالثها: أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى محمد ﷺ فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. والقارئ لا يكون مثل الأمى، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.
ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﷺ لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى) «١» .
وقوله- تعالى-: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ معطوف على قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ.
وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى: نادوهم.
وشهداءكم: أى: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم
стр. 73
تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل: الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور.
ودون: بمعنى غير: وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أى: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل: زيد دون عمرو أى: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر.
قال الجمل: (والمعنى) : وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا الله..، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة «١» ... ) .
وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد، وفي تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، في كل ذلك أقوى ألوان التهكم، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سببا لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم.
وقوله- تعالى-: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جملة معترضة في آخر الكلام وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة.
والمعنى: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
وفي هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
ثم قال- تعالى-: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.
المعنى: فإن لم تفعلوا أى: تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحدا لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة» .
والوقود: ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التي كانوا
стр. 74
يعبدونها من دون الله كما قال- تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.
واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «ان» الذي للشك؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه:
إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به «١» .
وقال: فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا جار مجرى الكناية التي تعطى اختصارا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا. فيقال لك: نعم ما فعلت.
وجملة وَلَنْ تَفْعَلُوا جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها في الحال.
قال الإمام الرازي: (فإن قيل: فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله ﷺ وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ قائما مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار) «٢» .
ومعنى أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين- أيضا لأنه يريد بذلك نارا مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال- تعالى- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
стр. 75
وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة) «١» .
وقال بعض العلماء: (هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدى الكافرين بالتنزيل الكريم) . وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص:
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وقال في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقال في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم أيضا في المدينة بهذه الآية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ.. إلخ. فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال ... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض- لمقدار سورة منه- ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضارة والمضادة. وقد جرد لهم النبي ﷺ الحجة أولا، والسيف آخرا فلم يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن في قوله- تعالى- وَلَنْ تَفْعَلُوا معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا....
وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر.... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله «٢» ...
وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم
стр. 76
في حياتهم الباقية، كما هي سنة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥]
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
البشارة: الخبر السار فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهي ظاهر جلد الإنسان، والمأمور بالتبشير هو النبي ﷺ أو كل من يتأتى منه تفخيما لأمره، وتعظيما لشأنه.
والصالحات: جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل.
والجنات: جمع جنة، وهي كل بستان ذي شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظل ما تحته ويستره، من الجن وهو ستر الشيء عن الحاسة، ثم صارت الجنة اسما شرعيا لدار النعيم في الآخرة، وهي سبع درجات:
جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون ... وتتفاوت منازل المؤمنين في كل درجة بتفاوت الأعمال الصالحة.
والأنهار جمع نهر- بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح- وهو الأخدود الذي يجرى فيه الماء على الأرض، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق والاتساع، ويكون كبيرا أو صغيرا.
وأسند إليه الجري في الآية مع أن الذي يجرى في الحقيقة هو الماء، أخذا بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل إلى مكانه، توسعا في أساليب البيان.
وقوله: «من تحتها» وارد على طريقة الإيجاز بحذف كلمة «أشجار» اعتمادا على تبادرها إلى الذهن، والمعنى: تجرى من تحت أشجارها الأنهار. ثم بين- سبحانه- أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين فقال:
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً. قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ.
стр. 77
أى: إن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة من ثمراتها، وجدوها مثل الذي رزقوه فيها من قبل، في بلوغه الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم.
وفي هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها، ولذة طعمها بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى، فجميع ثمرها يسر له القلب، ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم.
ثم قال- تعالى- وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أى: يشبه بعضه بعضا في الصورة والرائحة، ويختلف في اللذة والطعم، أو في المزية والحسن، وعن ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامى» وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها في معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا يفضل فيها ثمر على آخر بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت في مناظره حسنا، وفي طعومه لذة.
ويرى بعض العلماء حمل قوله- تعالى-: قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ على تقدير: من قبل دخول الجنة، أى هذا الذي رزقناه في الدنيا، وإلى هذا الرأى مال صاحب الكشاف فقد قال: «فإن قلت: كيف قيل. «هذا الذي رزقنا من قبل؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل وشبهه، بدليل قوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: وَأُتُوا بِهِ؟ قلت:
إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا، لأن قوله: «هذا الذي رزقنا من قبل» انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. فإن قلت: لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟ قلت: لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عن طبعه، وعافته نفسه «١» » .
ثم قال- تعالى-: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ.
الأزواج: جمع زوج وهي المرأة يختص بها الرجل، والضمير في «فيها» يعود إلى الجنات.
والمعنى: أن لهؤلاء المؤمنين نساء مختصات بهم، مطهرات غاية التطهير من كل دنس وقذر، حسى ومعنوي، لا كنساء الدنيا، وهم في هذه الجنات باقون على الدوام، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم، أما إذا كان محتملا للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال، إذ سيتذكر أنه سيفقده في يوم من الأيام، فجملة «وهم فيها خالدون» جيء بها على سبيل الاحتراس من وهم الانقطاع.
стр. 78
وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين عن صراطه، وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة، والتمثيلات الرائعة، والبشارات الطيبة لمن آمن وعمل صالحا، بعد كل ذلك بين- سبحانه- أنه لا يعبأ أن يضرب مثلا بشيء حقير أو غير حقير، فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)
روى الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس أن الله- تعالى- لما أنزل قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ وقوله- تعالى-: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً.
لما نزل قال المشركون: أرأيتم أى شيء يصنع بهذا؟! فأنزل الله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ...
وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بهما المثل ضحك اليهود وقالوا: ما يشبه أن يكون هذا من كلام الله! فأنزل الله هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي. إلخ.
وقال السدى: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعنى قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً.. وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله هذه الآية.
стр. 79
ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق الضالة، فقد قرر العلماء أن لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات.
والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأجر واستجاب.
وهو في أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم. وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، لذا ذهب جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمة، وهو ترك ضرب الأمثال بها.
والمعنى: إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف في الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحا.
ومذهب السلف: إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله- تعالى- مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات.
أى: ليس الحياء بمانع لله- تعالى- من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات الصغيرة في نظركم كالبعوض والذباب والعنكبوت، فإن فيها من دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق.
والمثل في اللغة: الشبيه. وهو في عرف القرآن: الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله في حال المنافقين أو وصف غريب نحو قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ» .
وضرب المثل: إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع.
و (ما) في قوله (مثلا ما) هي ما الإبهامية، تجيء بعد النكرة فتزيدها شيوعا وعموما، كقولك: أعطنى كتابا ما، أى كتاب كان.
والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة تطلق على الناموس وهي بدل أو بيان من قوله (مثلا) .
وقوله: فَما فَوْقَها عطف على بعوضة، والمراد فما فوقها في الحجم كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار، أو فما فوقها في المعنى الذي وقع التمثيل فيه، وهو الصغر والحقارة كجناحها أو كالذرة.
قال صاحب الكشاف: سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد
стр. 80
والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من جهة أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد.. وأن لله- تعالى- أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ أو بما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده.. وقوله: فَما فَوْقَها فيه معنيان:
أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم، هو فوق ذلك، تريد هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة.
والثاني: فيما زاد عليها في الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك موقف الناس أمام هذه الأمثال فقال:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد، أما الشرط فلوقوع الفاء في جوابها، وأما التفصيل فلوقوعها بعد مجمل مذكور أو مقدر، وأما التأكيد فلأنك إذا قلت: زيد ذاهب، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ذهابه واقع لا محالة قلت: أما زيد فذاهب.
ولضمير في قوله (أنه) يعود على المثل، أو على ضربه المفهوم من قوله: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا.
والحق: خلاف الباطن، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
ووجه كون المثل أو ضربه حقا، أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها.
ووجه تفصيل الناس في هذه الآية إلى قسمين، أنهم بالنسبة إلى التشريع والتنزيل كذلك، فهم مؤمن أو كافر.
والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم، وتيئيس الذين أرادوا تشكيكهم ببيان أن إيمانهم يحول بينهم وبين الشك.
وعبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضا بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عنادا ومكابرة، وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز.
стр. 81
وقال: أَنَّهُ الْحَقُّ معرفا بأل، ولم يقل: أنه حق للمبالغة في حقية المثل.
ومن المعروف في علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفا بأل، للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال.
وقوله: مِنْ رَبِّهِمْ حال من الحق، ومن ابتدائية، أى: إن هذا الكلام وارد من الله، لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب، فهو مؤذن بأنه من كلام الخالق الذي لا يقع منه الخطأ.
ثم بين- سبحانه- موقف الكافرين من هذه الأمثال عند ما تتلى عليهم فقال:
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
كلمة (ماذا) مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة، غير أن العرب توسعوا فيها فاستعملوها اسم استفهام مركبا من كلمتين، وذلك حيث يكون المشار إليه معبرا عنه بلفظ آخر غير الإشارة، حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو: ماذا التواني؟ أو حيث لا يكون للإشارة موقع كقوله تعالى: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وقد يتوسعون فيها توسعا أقوى فيجعلون ذا اسم موصول، وذلك حين يكون المسئول عنه معروفا للمخاطب بشيء من أحواله، فلذلك يجرون عليه جملة أو نحوها هي صلة ويجعلون ذا موصولا نحو ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ونحو ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أى: ما الذي أراده الله بهذا المثل.
والإرادة في أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل، وإذا أسندت إلى الله دلت على صفة له تتعلق بالممكنات، فيترجح بها أحد وجهى المقدور، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع.
وقوله: مَثَلًا واقع في موقع التمييز لاسم الإشارة «هذا» كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول: ماذا أردت بهذا جوابا؟
والاستفهام الذي حكاه القرآن على ألسنة هؤلاء الكافرين، المقصود به الإنكار والتحقير لهذه الأمثال، ولأن يكون الله- تعالى- قد ضربها للناس.
والمعنى: فأما المؤمنون الذين من عادتهم الإنصاف، والنظر في الأمور بنظر العقل واليقين، فإنهم إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته، وأما الكافرون فإنهم لانطماس بصيرتهم، وتغلب الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا سمعوا ذلك عاندوا وكابروا وقابلوه بالإنكار.
стр. 82
ثم ساق- سبحانه- جملتين بين فيهما الحكمة من ضرب الأمثال فقال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً.
فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقا، مما يزداد به المؤمنون رشدا على رشدهم، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطا في ظلمات جهلهم.
ووصف كلا من فريقى المؤمنين والمنكرين له بالكثرة مع أن المهديين وصفوا بالقلة كثيرا كما في قوله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ، وذلك لأن أهل الهدى كثيرون في أنفسهم، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى أهل الضلال، وأيضا فإن القليل من أهل الهدى كثير في الحقيقة، وإن قلوا في الصورة، فوصفوا بالكثرة ذهابا إلى هذه الحقيقة.
وقدم الإضلال على الهداية، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن الجواب أمرا فظيعا يسوءهم ويفت في أعضادهم.
ثم ختمت الآية بقوله- تعالى-: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.
الفاسقون: جمع فاسق، من الفسق، وهو في أصل اللغة: الخروج.
يقال: فسقت الرطبة من قشرها. أى: خرجت منه، وشرعا: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروج من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص في العرف بارتكاب الكبيرة، ولم يسمع الفسق في كلام الجاهلية، بمعنى الخروج عن الطاعة فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية.
وقصر الإضلال بالمثل على الفاسقين، إيذان بأن الفسق هو الذي أعدهم لأن يضلوا به، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا.
ثم وصف الله- تعالى- هؤلاء الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال: في بيان الخصلة الأولى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ.
والنقض: في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذي كان به التركيب مثل نقض الحبل المفتول وقد استعمل هنا مجازا في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى عهد الله.
وعبر عن إبطال العهد بالنقض، لأنه أبلغ في الدلالة على الإبطال من القطع والصرم ونحوهما، لأن في النقض إفسادا لهيئة الحبل.
والعهد: اسم للموثق الذي يلزم مراعاته وحفظه، يقال: عهد إليه في كذا، إذا أوصاه به ووثقه عليه.
стр. 83
وعهد الله: تارة يكون بما ركز في العقول من الحجة على التوحيد، وتارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله- صلوات الله عليهم- وتارة بما يلتزمه المؤمن. وليس بلازم له في أصل الشرع مما ليس بمعصية كالنذور وما يجرى مجراها.
والميثاق: التوثقة، وهي التقوية والتثبيت، والمراد به: ما قوى الله به عهده.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وميثاقه الضمير فيه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله- تعالى- فهو على الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل.
أما الصفة الثانية التي وصفهم الله بها فهي قوله: «ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل» وهو عام في كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطى شر، وأما الصفة الثالثة التي وصفهم بها فهي قوله- تعالى-:
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.
والفساد في الأرض يقع بعبادة غير الله، وبالدعاية إلى الكفر به، وبالاستهزاء بالحق، وبالاعتداء على حقوق الغير، وبغير ذلك من الأمور التي حرمها الله- تعالى-.
وعبر بقوله: فِي الْأَرْضِ للإشعار بأن فسادهم لا يقتصر عليهم، وإنما هو يتعداهم إلى غيرهم.
ثم بين- سبحانه- بعد أن دمغهم بتلك الصفات المرذولة- عاقبة أمرهم فقال: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
الخاسرون: جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص، ومن نقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد في الأرض، لا شك أنه قد نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.
قال ابن جرير: «والخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم من رحمة الله بسبب معصيتهم له، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحرمان الله لهما من رحمته التي خلقها لعباده «١» ... » .
стр. 84
وبعد أن عدد القرآن مساوئ أولئك الضالين، وبين سوء مصيرهم، ومآلهم، وجه إليهم الإنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
كَيْفَ اسم استفهام للسؤال عن الأحوال، وليس المراد به هنا استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص: كيف تؤذى أباك وقد رباك؟ لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها.
وفي الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة تقريعهم والتعجب من أحوالهم الغريبة، لأنهم معهم ما يدعو إلى الإيمان ومع ذلك فهم منصرفون إلى الكفر.
وقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشئ عن جهل وعدم تأمل في أدلة الإيمان القائمة أمام أعينهم.
والأموات: جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء: بمعنى الخلق.
والمعنى: كيف تكفرون بالله وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم، وأخرجكم إلى الوجود كما قال- تعالى-:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.
ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدى الحياة. والإحياء بنفخ الروح فيهم فيكون المعنى:
وكنتم أمواتا يوم استقراركم نطفا في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، فنفخ فيكم الأرواح وأصبحتم في طور إحساس وحركة وتفكير وبيان.
وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة، أورد جملا لاستيفاء الأطوار التي ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد في دار نعيم أو عذاب فقال: ثُمَّ
стр. 85
يُمِيتُكُمْ
بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يبعثكم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أى تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم في المحشر ويتولى حسابكم، والحكم في أمركم بمقتضى عدله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
أما الإماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين، وأما البعث فقد أخبر الله عنه بما يدل على صحته وينفى استبعاده، أو استحالته، بأدلة عقلية ونقلية كثيرة، أما الأدلة العقلية، فمنها: أن الذي قدر على إحيائهم من العدم، قادر على إحيائهم وإعادتهم بعد موتهم فإن الإعادة أهون من البدء دائما، وأما الأدلة النقلية، فمنها قوله- تعالى-:
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ.
وفي قوله- تعالى- ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ترهيب لمن ينزع إلى الشر، ويرتكب المعاصي من غير مبالاة، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير، ويقدم على الطاعات.
قال الجمل: «والفاء في قوله فَأَحْياكُمْ على بابها من التعقيب، وثم على بابها من التراخي، لأن المراد بالموت الأول، العدم السابق، وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثاني الموت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي، على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث» «١» .
وبعد أن ذكر- سبحانه- ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة المتعلقة بذوات المكلفين، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
أى: أنه خلق جميع ما في الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن والجبال من أجلكم، فهو المنعم عليكم لتنتفعوا بها في دنياكم، وتستعينوا بها على طاعته.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهدا على أن الأشياء التي فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها.
ثم استدل- سبحانه- على مظاهر قدرته بخلق السموات فقال:
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
стр. 86
استوى إلى السماء: أقبل وعمد إليها بإرادته. وتسويتها معناه: تعديل خلقها وتقويمه.
والسماء ليس المراد منها فردا من أفراد السموات، وإنما المراد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث في قوله: فَسَوَّاهُنَّ، وكذلك علماء البيان يزيدون أن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له صار في معنى الجمع.
فمعنى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كما التنزيه عن سمات المحدثات، وقد سئل الإمام مالك عن الاستواء على العرش فقال.
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة.
وجملة ثُمَّ اسْتَوى معطوفة على جملة (خلق لكم) ، وكان العطف بثم لعظم خلق السماء عن خلق الأرض.
وعبر بسواهن للإشعار بأنه- سبحانه- خلقهن في استقامة، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال- تعالى-:
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.
وجملة وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة، فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها، ولإحاطته بكل شيء علما وضع كل جزء في موضعه اللائق به.
وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة خلقه ما في الأرض جميعا، بدأ بعد ذلك يذكرهم بنعمة أخرى هي نعمة خلقه لأبيهم آدم، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)
стр. 87
ففي هذه الآيات الكريمة عطف- سبحانه- قصة خلق آدم أبى البشر على قصة خلق لأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا في الاستدلال على أن الله واحد، وجمعا بين تعدد لأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها، حتى يكون التدليل أجمع، والإيمان بالله أقوى وأثبت.
وإذ وإذا ظرفان للزمان، الأول للماضي والثاني للمستقبل، فإن جاء إذ مع المضارع أفاد لماضى كقوله:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ... وإن جاء إذا مع الماضي أفاد الاستقبال كقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ.
وإذ هنا واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام.
والمعنى: واذكر يا محمد وقت أن قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة.
وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحا به في آيات أخرى كما قال تعالى:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ.
والملائكة جمع ملك. والتاء لتأنيث الجمع، وأصله ملاك، من ملك، نحو شمال من شمل، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك، وقيل: إن ملاك من لأك إذا أرسل، ومنه الألوكة، أى:
الرسالة.
والملائكة، هم جند من خلق الله، ركز الله فيهم العقل والفهم، وفطرهم على الطاعة، وأقدرهم على التشكيل بأشكال مختلفة، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومنها: أنهم رسل الله أرسلهم بأمره «ومنهم رسل الوحى إلى من
стр. 88
اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة. قال تعالى:
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وقال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ وقال- تعالى-: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
و (الخليفة) من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى فاعل، والتاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم- ﵇ لأنه كان خليفة من الله في الأرض، وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله- تعالى- في عمارة الأرض، وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وإجراء أحكامه عليهم، وتنفيذ أوامره فيهم. وقيل: آدم وذريته، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض، واستغنى بذكره عن ذكر ذريته لكونه الأصل.
وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل في الأرض خليفة، ليس المقصود منه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة، وما أجيبوا به من بعد، أو من أجل تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم وإن كان هو- سبحانه- بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة. أو الحكمة تعظيم شأن المجهول، وإظهار فضله، بأن بشر بوجود سكان ملكوته، ونوه بعظيم شأن المجعول بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقبه بالخليفة.
ثم حكى- سبحانه- إجابة الملائكة فقال:
قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
الفساد: الخروج عن الاعتدال والاستقامة ويضاده الصلاح. يقال فسد الشيء فسادا وفسودا وأفسده غيره.
والسفك: الصب والإهراق، يقال: سفكت الدم والدمع سفكا- من باب ضرب- صببته. والفاعل سافك وسفاك، والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بنى الإنسان ظلما وعدوانا.
والتسبيح: مشتق من السبح وهو المر السريع في الماء أو في الهواء، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء.
والتقديس: التطهير والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال.
فيكون التسبيح نفى ما لا يليق، والتقديس إثبات ما يليق، وقدم التسبيح على التقديس من باب تقديم التخلية على التحلية.
والمعنى: أتجعل في الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ويريق الدماء والحال أننا نحن ننزهك عما
стр. 89
لا يليق بعظمتك، تنزيها متلبسا بحمدك والثناء عليك، ونطهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيما لك وتمجيدا.
وقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... إلخ إنما صدر منهم على وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإفساد في الأرض وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله في كل ما يفعل لا ينافي تعجبهم من بعض أفعاله، لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل شيء وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله لا يعد منكرا.
والملائكة لا يعلمون الغيب، فلا بد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد في الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التي يطلع الله بها على غيبه بعض المصطفين الأخبار من خلقه.
قال الإمام ابن كثير في توضيح هذا المعنى: قوله- تعالى-: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمأ مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم. ويردعهم عن المحارم والمآثم.. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبنى آدم كما قد يتوهمه البعض.. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض، ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ولا يصدر منا شيء من ذلك فهلا وقع الاقتصار علينا؟ «١» .
وقد رد الله- تعالى- على الملائكة بقوله: قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
أى: إنى أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإنى سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والمحبون له- تعالى- المتبعون رسله.
فالجملة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذي من شأنه أن يقف بهم عند حدود الأدب اللائق بمقام الخالق- وتنبيه إلى أنه- تعالى- عالم بما لا يحيط به علم أحد من خلقه، فله أن يفعل ما يشاء ويأمر بما يشاء، وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشيء، أو يعلمهم بأنه
стр. 90
سيفعل شيئا، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعله، بل شأنهم أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها فقد ظفروا بأمنيتهم، وان وقفت عقولهم دونها، ففي تسليمهم لقدر الله، وامتثالهم لأوامره الكفاية في القيام بحق التكليف والفوز برضا الله، الذي هو الغاية من الإيمان به والإقبال على طاعته.
قال بعض العلماء: «وفي هذه الآية الكريمة تسلية للنبي ﷺ عن تكذيب بعض الناس له، لأنه إذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين- وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أى: فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتى أهل الدعوة بسلطان مبين «١» .
ثم أخذ- سبحانه- في بيان جانب من حكمة خلق آدم، وجعله خليفة في الأرض، بعد أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب الحكيم فقال- تعالى-:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
علم: من التعليم وهو التعريف بالشيء. وآدم: اسم لأبى البشر، قيل إنه عبراني مشتق من أدمه، وهي لغة عبرانية معناها التراب، كما أن «حواء» كلمة عبرانية معناها «حي» وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء.
والْأَسْماءَ جمع اسم، والاسم ما يكون علامة على الشيء، وتأكيد الأسماء بلفظ «كلها» في أنه علمه أسماء كل ما خلق من المحدثات من إنسان وحيوان ودابة، وطير، وغير ذلك.
ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ومنافعها، فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق.
وقوله: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ عرض الشيء: إظهاره وإبانته والضمير في عَرَضَهُمْ يعود على المسميات، وهي مفهومة من قوله: الْأَسْماءَ كُلَّها إذ الأسماء لا بد لها من مسميات، فإذا أجرى حديث عن الأسماء حضر في ذهن السامع ما هو لازم لها، أعنى المسميات.
ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال: عَرَضَهُمْ ولم يقل عرضها، لأن في جملة هذه المسميات أنواعا من العقلاء: كالملائكة، والإنس، ومن الأساليب المعروفة بين
стр. 91
فصحاء العرب تغليب الكامل على الناقص، فإذا اشتركا في نحو الجمع أو التثنية أتى بالجمع أو التثنية على ما يطلق حال الكامل منهما.
والأمر في قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ، ليس من قبيل الأوامر التي يقصد بها التكليف، أى: طلب الإتيان بالمأمور به، وإنما هو وارد على جهة إفحام المخاطب بالحجة.
والمعنى: أن الله- تعالى- ألهم آدم معرفة ذوات الأشياء التي خلقها في الجنة، ومعرفة أسمائها ومنافعها، ثم عرض هذه المسميات على الملائكة. فقال لهم على سبيل التعجيز:
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما اختلج في خواطركم من أنى لا أخلق خلقا إلا وأنتم أعلم منه وأفضل.
قال ابن جرير: «وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن ذكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله في هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك أن الله- تعالى- احتج فيها لنبيه ﷺ على من كان بين ظهرانيه من يهود بنى إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن- تعالى- أطلع عليها من خلقه إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإنباء والإخبار ليقرر عندهم صدق نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله» .
ثم حكى- سبحانه- ما كان من الملائكة فقال:
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه.
وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر في ذهن السامع للجملة السابقة، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله- تعالى-: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ، ماذا كان من الملائكة؟
هل أنبأوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟ فقال- تعالى-: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلخ الآية.
ولو قال الملائكة: لا علم لنا بأسماء هذه المسميات لكان جوابهم على قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلغ وجه فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئا غير ما يعلمهم الله، ودخل في ضمن هذا النفي العام الاعتراف بالقصور عن معرفة الأسماء المسئول عنها.
ومعنى إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أى: أنت يا ربنا العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك، والعدل التام.
стр. 92
وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة، ليكون وصفه بالعلم متصلا بنفيهم عن أنفسهم في قولهم: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا.
وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه، وجه- سبحانه- الخطاب إلى آدم، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة بالأسماء التي سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال- تعالى-:
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
ففي هذه الآية الكريمة أخبرنا الله- تعالى- أنه قد أذن لآدم في أن يخبر الملائكة بالأسماء التي فاتتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم، ويزدادوا اطمئنانا إلى أن إسناد الخلافة إليه، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة.
وعلم الغيب يختص به واجب الوجود- سبحانه- لأنه هو الذي يعلم المغيبات بذاته، وأما العلم بشيء من المغيبات الحاصل من تعليم الله فلا يقال لصاحبه إنه يعلم الغيب.
وقوله- تعالى- أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ ... إلخ الآية، استحضار وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك، إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. وإعادة له على وجه من التفصيل أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما يضمرونه في أنفسهم.
وفي قوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ... إلخ تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب المناسب لمقام الألوهية، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من وجوه العلم.
ومن الفوائد التي تؤخذ من هذه الآيات، أن الله- تعالى- قد أظهر فيها فضل آدم- ﵇ من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله الخطأ. فيقع صاحبه في الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعا، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح، وصاحب هذا العلم هو الذي يصلح للخلافة في الأرض، ومن هنا، كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة في الأرض.
وبعد أن بين القرآن في الآيات السابقة بعض الكرامات التي خص الله بها آدم، انتقل إلى
стр. 93
بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم- ﵇ وهي أمره للملائكة بالسجود له، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس، فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٣٤ الى ٣٩]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)
وقوله- تعالى-: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.. إلخ، معطوف على قوله- تعالى قبل ذلك وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.. إلخ، من باب عطف القصة على القصة، وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه، تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام.
والسجود: لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره، وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
وللعلماء في كيفية السجود الذي أمر الله به الملائكة لآدم أقوال: أرجحها أن السجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة، أى: أن الله- تعالى- أمرهم بفعل تجاه آدم
стр. 94
يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيما، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه.
وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة. وقيل: إن السجود كان لله، وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له، وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، والصالحون من البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم، وخالفت المعتزلة في ذلك، وقالت:
الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة.
والذي نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح، لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود.
وأمر الملائكة بالسجود لآدم هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم، واقتضته المشيئة والحكمة:
ثم بين- سبحانه- ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال:
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ.
إبليس: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس، وفعله أبلس، والراجح أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حي، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال- تعالى- إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ.
وقوله: أَبى وَاسْتَكْبَرَ الإباء: الامتناع عن الفعل أنفة مع التمكن منه. والاستكبار:
التكبر والتعاظم والغرور، بمعنى أن يرى الشخص في نفسه علوا على غيره، وهو خلق مذموم.
وكان في قوله: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ بمعنى صار.
وجاء العطف في قوله فَسَجَدُوا ... بالفاء المفيدة للتعقيب، للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد، ولم يصدهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق، مظهر فساد وسفك دماء، لأنهم منزهون عن المعاصي.
وللعلماء في كون إبليس من الملائكة أم لا قولان:
أحدهما: أنه كان منهم لأنه- سبحانه- أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيا، ولما استحق الخزي والنكال.
стр. 95
ولأن الأصل في المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. وقد اختار هذا الرأى ابن عباس، وابن مسعود وجمهور المفسرين.
وقيل إنه ليس منهم لقوله- تعالى- إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. وقد اختار هذا القول الحسن وقتادة وغيرهما.
وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال: والصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله.
كان من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافي كونه من الملائكة. والمثبت لم يتواردا على محل واحد «١» .
ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصيانا، إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقول: أَبى وَاسْتَكْبَرَ على أنه امتنع من السجود أنفة، وتعاظما، وأردف هذا التعاظم والغرور باعتراضه على الله- تعالى- في تفضيل آدم، فصار بذلك في فريق الكافرين، ولذا ختمت الآية بقوله- تعالى-: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أى: صار بسبب عصيانه واستكباره من الكافرين بالله، الجاحدين لنعمه، البعيدين عن رحمته ورضوانه.
وقوله- تعالى- وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ معطوف على قوله (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ ... إلخ أي: بعد أن أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فهذه تكرمة أكرمه الله بها بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة.
وقوله: اسْكُنْ أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن على وجه الاستقرار.
والزوج: يطلق على الرجل والمرأة والمراد به هنا حواء، حيث تقول العرب للمرأة زوج، ولا تكاد تقول زوجة.
والجنة: هي كل بستان ذي شجر متكاثف، ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره، من الجن، وهو ستر الشيء عن الحاسة.
وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب. التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق.
ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض، خلقه الله
стр. 96
لإسكان آدم وزوجه، واختلفوا في مكانه، فقيل بفلسطين. وقيل بغيرها.
وقد ساق الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئا منها.
والأحوط والأسلم: الكف عن تعيينها وعن القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى في التأويلات، إذ ليس لهذه المسألة تأثير في العقيدة.
والمخاطب بالأمر، بسكنى الجنة آدم وحواء، ولكن الأسلوب جاء في صيغة الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه، لأنه هو المقصود بالأمر وزوجه تبع له.
ثم بين- سبحانه- أنه قد أباح لهما أن يأكلا من ثمار الجنة أكلا واسعا فقال:
وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا هنيئا أو واسعا في أى مكان من الجنة أردتم.
يقال: رغد عيش القوم أى: اتسع وطاب، وأرغد القوم، أى: أخصبوا وصاروا في رزق واسع.
والضمير في قوله مِنْها يعود إلى الجنة، والمراد بالأكل منها: الأكل من مطاعمها وثمارها، لأن الجنة تستلزم ثمارا هي المقصودة بالأكل.
ثم بين- سبحانه- أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ.
القرب: الدنو، والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهى بالقرب منها إذ قال وَلا تَقْرَبا القصد منه المبالغة في النهى عن الأكل، إذ في النهى عن القرب من الشيء قطع لوسيلة التلبس به، كما قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى فنهى عن القرب من الزنا ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه وهي القرب منه. وأكد النبي بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما فقال:
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان فيها عيشة راضية.
وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة، وقيل: هي السنبلة، وقيل هي الكرم.. إلخ. إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه.
وقد أحسن الإمام ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال: «والصواب في ذلك أن يقال:
إن الله- تعالى- نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا
стр. 97
على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل كانت شجرة العنب. وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به «١» .
ثم بين القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أى: اذهبهما عن الجنة بكذبه عليهما ومقاسمته أنه لهما من الناصحين.
وأزل من الإزلال وهو الإزلاق: زل يزل زلا وزللا، أى: زلق في طين أو منطق، والاسم الزلة. وأزله غيره واستزله: أى أزلقه. أطلق وأريد به لازمه وهو الإذهاب.
وقرئ فأزالهما أى: نحاهما من الإزالة، تقول أزلت الشيء عن مكانه إزالة. أى:
نحيته وأذهبته عنه.
ثم استعمل هذا اللفظ في ارتكاب الخطيئة كما استعمل في خطأ الرأى مجازا. والضمير في قوله: عَنْها يعود إلى الشجرة، ومعنى أزلهما عن الشجرة أوقعهما في الزلة بسببها.
والتعبير بقوله: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات التي كانا يتقلبان فيها مما لو قيل: فأخرجهما من النعيم أو من الجنة لأن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبر عنه بلفظ مبهم كما هنا. لكي تذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.
ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان في قوله: فَأَخْرَجَهُما من قبيل نسبة الفعل إلى ما كان سببا فيه، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذي ترتب عليه إخراجهما من الجنة إنما وقع بسبب وسوسة الشيطان لهما.
وقوله- تعالى- وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ الخطاب فيه لآدم وحواء، وإبليس، وقيل الخطاب لآدم وحواء ونسلهما.
والهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل ضد الصعود. يقال: هبط يهبط ويهبط أى: نزل من علو إلى سفل.
والعداوة معناها التناكر والتنافر بالقلوب.
أى: قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين متباغضين، يبغى بعضكم على بعض.
وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أن أمر بالسجود له فأبى وامتنع وقال: أنا خير منه.
стр. 98
وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإغراء وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد لآدم وذريته، ونهى لهم عن اتباع خطوات الشيطان، لأنه عدو لهم، ومن شأن العدو أنه يسعى لمضرة عدوه.
قال- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ.
ثم ختمت الآية بقوله- تعالى-: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.
المستقر: موضع الاستقرار والثبات، وهو مقابل القلق والاضطراب، والمتاع: اسم لما يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة وأنس وغير ذلك، مأخوذ من متع النهار متوعا إذا ارتفع، ويطلق على الانتفاع الممتد الوقت.
والحين: الجزء من الزمان غير محدد بحد، والمراد به هنا وقت الموت أو يوم القيامة.
والمعنى: انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو ولكم فيها منزل وموضع استقرار. وتمتع بالعيش إلى أن يأتيكم الموت.
ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره في الأرض وتمتعه بنعيمها سينتهي في وقت، لا يدرى متى يدركه، فشأنه أن ينتفع بخيراتها ويتمتع بطيب العيش فيها، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملذات هذه الحياة ومظاهر زينتها.
ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العفو والمغفرة من ربه فقال: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
التلقي في الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل بمعنى أخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان. أى أخذتها منه وقبلتها.
والكلمات: جمع كلمة، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى، وأرجح ما قيل في تعيين هذه الكلمات، ما أشار إليه القرآن في سورة الأعراف بقوله:
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
والتوبة في أصل اللغة معناها: الرجوع، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى- كما في هذه الآية- كان معناها قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد أى: يقبل توبته.
وجملة إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ واردة مورد التعليل لقوله: فَتابَ عَلَيْهِ.
стр. 99
والتواب وصف له- تعالى- من تاب، أى: قبل التوبة، وجاء التعبير بصيغة فعّال، للإشعار بأنه كثير القبول للتوبة من عباده، وليدل على أنه يقبل توبة العبد وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه ثم يعود إليه بعد التوبة ثم يتوب بعد العودة إليه توبة صادقة نصوحا.
وبعد أن أخبر القرآن في الآيات السابقة أن الله- تعالى- قد أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنة، نراه بعد ذلك قد أعاد خبر الأمر بالهبوط فقال:
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط أولا ليعلق عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدوا.
ثم قصه ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل لحال المخاطبين، وانقسامهم إلى مهتدين وضالين.
والفاء في قوله فَإِمَّا لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله: اهْبِطُوا.
وإما هي إن الشرطية دخلت عليها «ما» لإفادة التوكيد، ويغلب على فعل شرطها أن يكون مؤكدا بالنون وأوجب بعضهم ذلك.
والهدى من الله معناه الدلالة على ما هو حق وخير بلسان رسول، أو بآيات كتاب.
وقد صرح- سبحانه- بأن الهدى صار منه بقوله: مِنِّي هُدىً ثم أضافه إلى نفسه بقوله: هُدايَ للإيذان بتعظيم أمر الهدى وأنه أحق بأن يتبع، ويتخذ سبيلا لطمأنينة النفس في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى.
والخوف: الفزع وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله.
والحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب.
ومعنى فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع، ولا ينتابها ذعر، كما أن قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ينفى عنهم الاغتمام لفوات مطلوب أو فقد محبوب.
ونفى الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم ولا في آخرتهم، ولكن قوله- تعالى- فيما يقابله من جزاء الكافرين أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، يرجح أن يكون المراد نفى الخوف والحزن في الدار الآخرة.
стр. 100
ونفى الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب وفوزهم بالنعيم الخالد في الجنة، فتمت المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله- تعالى-:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
إذ هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله- تعالى- فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ. إلخ، وواردة مورد المقابل له في تفصيل أحوال من يأتيهم الهدى من الله.
ولم يقل: والذين لم يتبعوا هداي أولئك أصحاب النار.. وإنما قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ.. إلخ، وذلك لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير المكلفين مثل الصبيان وفاقدى العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا.. جيء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم.
والآيات: جمع آية، وهي في الأصل العلامة، وتستعمل في الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله وتوحيده، من نحو بدائع مصنوعاته ومظاهر عنايته بالإنسان.
وأضاف- سبحانه- الآيات إلى نفسه فقال: بِآياتِنا ليكون قبح التكذيب بها أظهر، وأتى بنون العظمة فقال (بآياتنا) دون أن يقول «بآياتى» لبعث المهابة في نفوس السامعين، وذلك أدعى إلى تلقى الوعيد باهتمام وخشية.
وأصحاب: جمع صاحب مأخوذ من الصحبة، وهي الاقتران والملازمة، ودل بقوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ على أن صحبتهم للنار دائمة، وليست من الصحبة التي تستمر مدة ثم تنقطع.
هذا جانب من قصة آدم كما حكاه القرآن في هذه السورة، ومن الحكم التي تؤخذ منها: أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من العلم، وأن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة، وأن روح الشر الخبيثة إذا طغت على نفس من النفوس، جعلتها لا ترى البراهين الساطعة، ولا يوجهها إلى الخير وعد، ولا يردعها عن الشر وعيد.
كما يستفاد منها كيف أن الرئيس يفسح المجال لمرءوسيه المخلصين، يجادلونه في أمر يريد قضاءه، ولا يزيد عن أن يبين لهم وجهة نظره في رفق، وإذا تجاوزوا حدود الأدب اللائق به راعى في عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب، وتلقى أوامره بحسن الطاعة.
كما يؤخذ منها أن المتقلب في نعمة يجب أن يحافظ عليها بشكر الله، ولا يعمل عملا فيه مخالفة لأوامر الله لأن مخالفة أوامر الله، كثيرا ما تؤدى إلى زوال تلك النعمة، ومن أراد أن تزداد النعم بين يديه، فعليه أن يلتزم طاعة الله وشكره.
стр. 101
وقال بعض العلماء: وقد يتبادر إلى الذهن أن آدم قد ارتكب ما نهى عنه، ارتكاب من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، مع أنه من الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من مخالفة أوامر الله.
والجواب عن ذلك أن آدم تعمد الأكل من الشجرة، ناسيا النهى عن الأكل منها، وفعل المنهي عنه على وجه النسيان لا يعد من قبيل المعاصي التي يرتكبها الشخص وهو متذكر أنه يرتكب محرما، إذ أن ارتكاب المحرم عن علم وتذكر هو الذي يجعل مرتكبه مستحقا للعقاب، والأنبياء معصومون من ذلك.
وإذا عاتب الله بعض الأخيار من عباده على ما صدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم بالنهى يدعوهم إلى أن يقع النهى من نفوسهم موقع الاهتمام، بحيث يستفظعون مخالفته استفظاعا يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع في بلائها.
فالذي وقع من آدم- ﵇ هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم في استحضار النهى وجعله نصب عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهى عنه غير متعمد للمخالفة، قال- تعالى-:
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً.
هذا، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعا بنعم الله عليهم، ليحملهم بذلك على إخلاص العبادة له، وتصديق رسوله ﷺ فيما جاء به، ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار فضله على الملائكة، بعد كل ذلك اتجه إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبي ﷺ وهم بنو إسرائيل، استمالة لقلوبهم نحو الإيمان بالله، وكسرا لعنادهم ولجاجتهم، فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
стр. 102
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم- ﵈ وفي إضافتهم إلى أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ونواهيه، فكأنه قيل: يا بنى العبد الصالح، والنبي الكريم، كونوا مثل أبيكم في الطاعة والعبادة.
ويستعمل مثل هذا التعبير في مقام الترغيب والترهيب، بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت النبوة أسوأ، ففي هذا النداء. خير داع لذوي الفطر السليمة منهم إلى الإقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة، واستعمالها فيما خلقت له.
ومعنى اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التي أتتكم على سبيل الإحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها.
والمراد بالنعمة: المنعم بها عليهم، وتجمع على نعم، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الجمع كما في قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها فإن لفظ العدد والإحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة: النعم الكثيرة. ويبدو أن المراد بالنعمة في الآية التي معنا كذلك النعم المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع- اعتمادا على القرينة- من أبلغ الأساليب الكلامية.
ثم أمرهم- سبحانه- بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كاليمين والوصية وغيرهما، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا، يقال: أوفيت بعهدي، أى بما عاهدت غيرى عليه، وأوفيت بعهدك، أى بما عاهدتني عليه، وعهد الله: أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ويندرج فيه كل ما أخذ على بنى إسرائيل في التوراة، من اتباع محمد ﷺ متى بعث، والإيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه.
والمعنى: وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي، والطاعة لي، والتصديق برسلي، أوف بما عاهدتكم عليه من التمكين في الأرض في الدنيا والسعادة في الآخرة.
ثم أمرهم- سبحانه- بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده، فقال- تعالى-: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أى: خافوني ولا تخافوا سواي، ولتكن قلوبكم عامرة بخشيتى وحدي، فإن ذلك يعينكم على طاعتي، ويبعدكم عن معصيتي.
وحذف متعلق الرهبة للعموم، أى ارهبونى في جميع ما تأتون، وما تذرون، حتى لا أنزل
стр. 103
بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعدا ووعيدا وترغيبا وترهيبا.
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ.
وبعد أن أمر الله- بنى إسرائيل، أن يوفوا بعهده عموما أتبع ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه، وتفخيم لأمره.
وأفرد- سبحانه- أمرهم بأن يؤمنوا به مع اندراجه في قوله- تعالى- وَأَوْفُوا بِعَهْدِي للإشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به.
والمراد بما معهم التوراة، والتعبير عنها بذلك للإشعار بعلمهم بتصديقه لها. والمعنى: آمنوا يا بنى إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد ﷺ وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوراة، ومن مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها، من الأمر بتوحيد الله- تعالى- والحث على التمسك بالفضائل، والبعد عن الرذائل، وإخباره بما جاء بها من الإشارة إلى بعثة النبي ﷺ ، ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموافقته لها في أصول الدين الكلية، وهيمنته عليها، ولذا قال- ﵊: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى» «١» .
وفي إخبار بنى إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم، إثارة لهممهم لو كانوا يعقلون- للإقبال عليه، متدبرين آياته، حتى تستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإصلاح المؤدية إلى السعادة في الدنيا والآخرة وحتى تطمئن قلوبهم إلى أن الإيمان به معناه الإيمان بما معهم، والكفر به، كفر بما بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد ﷺ المنزل عليه القرآن الكريم.
قال الإمام الرازي: (وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبي ﷺ من وجهين:
أولهما: أن الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها لا تكون إلا حقا.
وثانيهما: أنه- ﵊ قد أخبرهم عما في كتبهم بدون معرفة سابقة لها، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحى «٢» .
وبعد أن أمرهم- سبحانه- بالإيمان الخالص، عرض بهم لتكذيبهم وجحودهم، فقال- تعالى-: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ أى: لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من الواجب
стр. 104
عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنه من عند الله، وأكثرهم علما بأنه الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق الأمين فيما يبلغه عن ربه.
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، تبكيتهم على مسارعتهم في الكفر، واستعظام وقوع الجحود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل.
قال الإمام الرازي: (هذه الجملة خطاب لبنى إسرائيل قبل غيرهم فكأنه- سبحانه- يقول لهم: لا تكفروا بمحمد، فإنه سيكون بعدكم كفرة، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم، وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم، اجتمع عليهم أمران: السبق إلى الكفر والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة، وتؤدى إلى العاقبة الوبيلة) «١» .
ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم، فقال- تعالى-: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا.
والاشتراء هنا استعارة للاستبدال، والذي استبدل به الثمن القليل هو الإيمان بالآيات، والمراد بالآيات: البراهين المؤيدة لصدق النبي ﷺ وفي مقدمتها القرآن الكريم والتوراة.
والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه، وما إلى ذلك من الأمور التي خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول ﷺ .
والمعنى: لا تستبدلوا بالإيمان بما أنزلت مصدقا لما معكم شيئا من حطام الدنيا، ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأموال، فإنها مهما كثرت فهي قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا، وخيرات حسان في الأخرى.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله- .
ونزل تمكينهم من الإيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإيمان كان في حوزتهم، ولكنهم خلعوه ونبذوه، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير فباءوا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التي بشرت بالرسول- ﵊.
ثم حذرهم- سبحانه- من التمادي في الكفر بما أنزل، مصدقا لما معهم، فقال- تعالى- «وإياى فاتقون» الاتقاء معناه الحذر، يقال: فلان اتقى الله أى حذر عقابه وبطشه، والحذر من
стр. 105
عقاب الله، يستلزم امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمعنى «وإياى فاتقون» آمنوا بي، واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل.
وبعد أن نهى القرآن الكريم بنى إسرائيل عن الكفر والضلال، عقب ذلك بنهيهم عن أن يعملوا لإضلال غيرهم، فقال- تعالى-: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
اللبس- بفتح اللام- الخلط، وفعله: لبس، من باب: ضرب تقول: لبست عليه الأمر، ألبسه إذا مزجت بينه بمشكله، وحقه بباطله.
ولدعاة الضلالة طريقتان في إغواء الناس:
إحداهما: طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر وهي المشار إليها بقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ.
والثانية: طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهي المشار إليها بقوله تعالى:
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ.
وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام، فقد كان بعضهم يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبي ﷺ تأويلا فاسدا، يخلطون فيه الحق بالباطل، ليوهموا العامة أنه ليس هو النبي المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبها، ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو يحذف النصوص الدالة على صدق النبي ﷺ ، والتي لا توافق أهواءهم وشهواتهم، فنهاهم الله- تعالى- عن هذه التصرفات الخبيثة.
والمعنى: ولا تخلطوا الحق الواضح الذي نطقت به الكتب السماوية، وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم، إرضاء لأهوائكم، ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم، بغية انصراف الناس عنه «لأن من جهل شيئا عاداه، فالنهي الأول عن التغيير والخلط، والنهى الثاني عن الكتمان والإخفاء.
وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة حالية، أى وأنتم من ذوى العلم، ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق، أو يلبسه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل- وهو لبس الحق بالباطل، أو كتمانه وإظهار الباطل وحده- يعد من كبائر الذنوب، فإن وقعه يكون أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم، يميز بين الحق والباطل.
ففي هذه الجملة الكريمة بيان لحال بنى إسرائيل، المخاطبين بهذا النهى، وتبكيت لهم، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار على سلوك هذا الطريق المعوج.
стр. 106
قال أبو حيان في البحر: «وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهى عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشيء لا يدرى كونه حقا أو باطلا، وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها، أفحش من الإقدام عليها مع الجهل «١» .
وبعد أن أمرهم- سبحانه- بأصل الدين الذي هو الإيمان به وبرسوله محمد ﷺ أردفه بركنين من أركانه العملية، إذا قاموا بهما لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله وحده، فقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ والمراد بإقامة الصلاة، أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها لمستحقيها كاملة غير منقوصة.
والمعنى: عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة، التي هي أعظم العبادات البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التي هي أعظم العبادات المالية، وأن تخضعوا لما يلزمكم في دين الله- تعالى- لأن في محافظتكم على هذه العبادات تطهيرا لقلوبكم، وتأليفا لنفوسكم، وتزكية لمشاعركم، ولأنكم إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله- تعالى- فسيلحقكم الخزي في الدنيا، والعذاب في الأخرى.
هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال- ﵀:
«وفي هذه الجمل- وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا- ترتيب عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته: ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمه إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإيفاء أمر بذكر النعمة والإحسان، وأمر بالخوف من العصيان. ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمرا مخالفا لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم- تعالى- باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهى عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإيمان أمرا بترك الضلال، والنهى عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركا للإضلال.
стр. 107
ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين:
إما تمويه الباطل حقا، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له- تعالى- مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله- تعالى- على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببني إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل بها» «١» .
وبعد كل هذه الأوامر والنواهي، وبخهم الله- تعالى- وقرعهم على ارتكابهم لأمور لا تصدر عن عاقل. وهي أنهم يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : آية ٤٤]
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)
الأمر: طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. والنسيان: ضد الذكر، وهو السهو الحادث بعد حصول العلم. والعقل: يطلق على قوة في النفس، تستعد بها لقبول العلم. وإدراك الشيء.
والمعنى: كيف يليق بكم يا معشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات الفضائل، وألوان الخيرات، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون به غيركم، وأنتم مع ذلك تقرأون توراتكم، وتدركون أى عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا عقل لكم يحبسكم عن هذا السفه الذي ترديتم فيه، ويحذركم من سوء عاقبته؟
قال ابن عباس- ﵄ كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره، ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه صلة من المسلمين أثبت على الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا
стр. 108
الرجل يريدون محمدا ﷺ فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه «١» .
والمراد بالنسيان في الآية الكريمة، تركهم العمل بما يأمرون به غيرهم، لأن الناسي حقيقة ليس مؤاخذا على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوبيخ الشديد الوارد في الآية الكريمة، وليس التوبيخ متوجها إلى كونهم كانوا يأمرون الناس بالبر، لأنه فعل محمود، وإنما التوبيخ متوجه إلى كونهم تركوا العمل بما يرشدون إليه سواهم، فهم يداوون الناس، وقلوبهم مليئة بالأمراض والعلل.
وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ مزيد تقبيح لشأنهم، ذلك أن قراءتهم لكتبهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين على أمر الله عند ما ينكر الناس عليهم فسوقهم.
وفي قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ أسمى أنواع الهداية والإرشاد السليم، فإن من ألطف الأساليب في الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه إليه النصح صفة من شأنها أن تسوقه إلى خير، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة، فيذكر له مسدي النصح تلك الصفة في معرض الاستفهام بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه.
وتطبيقا لهذا المبدأ نقول: إن المخاطبين بقوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ يعقلون ويدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يسيروا على مقتضى ما لديهم من عقول، حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، ويصرفون أنفسهم عنه، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن ما أتيتم من أفعال سقيمة. يجعل الناظر إليكم يحكم عليكم بلا أدنى تردد بأنكم لا عقول لكم، ولا فضيلة لديكم، وفي هذا الأسلوب ما فيه من الترغيب في فعل الخير والترهيب من فعل الشر.
ولما كانت الأمور التي كلفهم الله بها قبل ذلك فيها مشقة لا يتحملها كل أحد بسهولة. فقد أرشدهم إلى الوسائل التي تقوى عزائمهم، وتطهر قلوبهم، وتعالج أمراض نفوسهم فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)
стр. 109
قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ الاستعانة: طلب المعونة، والصبر حبس النفس على ما نكره. يقال: صبر على الطاعة. أى حبس نفسه عليها متحملا ما يلاقيه في أدائها من مشاق وصبر عن المعصية. أى كف نفسه عما تنزع إليه من أهواء.
والمعنى: واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر.
قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ كبيرة: أى صعبة شاقة. يقال كبر الشيء إذا شق وثقل، ومنه قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أى ثقل وصعب- والخاشعين: من الخشوع وهو في الأصل اللين والسهولة «ومعناه في الآية الكريمة. الخضوع والاستكانة لله تعالى، والضمير في- إنها- للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضروب من الصبر، والاستثناء مفرغ. أى كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين.
والمعنى: إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا، والسعادة في الآخرة، ولأنهم يجدون عند أدائها اغتباطا وسرورا يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص.
قال الإمام الرازي: «فإن قيل: إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول؟ قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع. وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل في الصلاة جوارحه وقلبه، ولا يغفل فيها وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم.
وإنما المراد بقوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ. أى ثقيلة على غير الخاشع لأنه لا يعتقد في فعلها ثوابا، ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة في أدائها ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع. أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع، وفي تركها أكبر المضار، لم يثقل عليه أداؤها. بل أداها وهو سعيد بها، ألا ترى إلى قول الرسول ﷺ : «جعلت قرة عيني في الصلاة» وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه.
ثم وصف- سبحانه- الخاشعين وصفا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال- تعالى-: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
الظن: يرد في أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو المراد هنا ومثل ذلك قوله- تعالى-
стр. 110
أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ أى ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. وقوله تعالى:
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أى علمت أنى ملاق حسابيه.
وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل.
والمعنى: إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين، الذين يعتقدون لقاء الله- تعالى- يوم الحساب، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم.
قال ابن جرير- مرجحا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين-: «إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله- تعالى- عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك، والشاك في لقاء الله كافر؟ قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظنا: والشك ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة: (فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج ... ) .
يعنى بذلك: تيقنوا أن ألفى مدجج تأتيكم، ثم قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفق في فهمه كفاية، ومنه قوله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وعن مجاهد قال: «كل ظن في القرآن فهو علم» «١» .
والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقي، وهو الاعتقاد الراجح، فسروا «ملاقاة الخاشعين لربهم» بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة «ورجوعهم إليه» بمعنى حلولهم بجواره الطيب، واستقرارهم في جناته، أى: وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون قربهم من ربهم، ودخولهم جناته عند رجوعهم إليه.
وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف، فقد قال: (فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أى يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده ويطمعون فيه) «٢» .
وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظنا لا يقينا، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون