الراضي بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإيمان، ومستحقا للعقوبة من الله- تعالى- قال صاحب الكشاف، فإن قلت: لم يكونون مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟
قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضي بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة- حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين- منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإنكار لرضاهم «١» .
وقال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله- تعالى- إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ.
فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة العاصي حتى يهلكوا جميعا. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة «٢» » .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصي بالشرور والآثام، فسيجمعهم الله جميعا في جهنم يوم القيامة، بسبب ما قدمت أيديهم من جرائم ومنكرات.
فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها، لأن أول الشر سماع الشر، ولأن أول مراتب ضعف الإيمان أن تفتر حماسة المؤمن في الدفاع عن الحق الذي آمن به.
ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقولة تدمغ الباطل وأهله وتفضح كل معتد أثيم.. وإما أن يقاطع المجالس التي لا يحترم فيها دين الله. أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة. أو بغير ذلك من الأسماء، فهذا أول مراتب النفاق الذي يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
стр. 1402
ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك سمة أخرى من أبرز سمات المنافقين. وهي أنهم كانوا يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه آخر. أى أنهم يحاولون أن يمسكوا العصا من وسطها حتى يأكلوا من كل مائدة. استمع إلى القرآن وهو يصور ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟.
وقوله: يَتَرَبَّصُونَ من التربص بمعنى الانتظار وترقب الحوادث. يقال: تربص به إذا انتظره مع ترقب وملاحظة.
وقوله: نَسْتَحْوِذْ من الاستحواذ بمعنى الغلبة والتمكن والاستيلاء، يقال: استحوذ فلان على فلان أى: غلب عليه وتمكن منه. ومنه قوله- تعالى- اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ.
والمعنى: إن من صفات هؤلاء المنافقين- أيها المؤمنون- أنهم يتربصون بكم. أى:
ينتظرون بترقب وملاحظة ما يحدث لكم من خير أو شر، أو من نصر أو هزيمة فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أى: نصر وظفر على أعدائكم قالُوا على سبيل التقرب إليكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الجهاد وغيره فاعطونا نصيبا من الخير الذي أصبتموه. وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ أى حظ من النصر عليكم- لأن الحرب سجال- قالُوا لهم- أيضا- على سبيل التقرب إليهم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أى: ألم نتمكن من قتلكم وأسركم ولكنا لم نفعل ذلك، بل أحطناكم بحمايتنا ورعايتنا ومنعنا المؤمنين من النصر عليكم بسبب تخذيلنا لهم، وتجسسنا على أحوالهم. وإخباركم بما يهمكم من شئونهم، وما دام الأمر كذلك فاجعلوا لنا قسما من نصيبكم.
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه المنافقون من تلون وتقلب وهرولة وراء شهوات الدنيا في أى مكان كانت.
وعبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب، لتعظيم شأن المسلمين وللتهوين من شأن الكافرين. ولأن انتصار المسلمين يترتب عليه فتح الطريق أمام الحق لكي يدركه الناس، ويدخلوا في دين الله أفواجا، ولأن الفتح من الله يكون معه الدوام وحسن العاقبة بخلاف انتصار الكافرين فهو أمر طارئ وليس بدائم.
قال صاحب الانتصاف: وهذا من محاسن نكت أسرار القرآن، فإن الذي يتفق للمسلمين فيه: استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطئوها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا
стр. 1403
مطابق للواقع «١» والاستفهام في قوله أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وفي قوله أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ للتقرير أى: لقد كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم من المؤمنين.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين فقال: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
والفاء هنا للإفصاح عن كلام مقدر. أى: إذا كان هذا هو حال المنافقين والكافرين في الدنيا، فأبشركم- أيها المؤمنون- بأن الله سيحكم بينكم وبينهم يوم القيامة بحكمه العادل، فيثيبكم بالثواب الجزيل لأنكم أولياؤه، ويعاقبهم بالعقاب الأليم لأنهم أعداؤه، وأبشركم- أيضا- بأنه- سبحانه- لن يجعل لأعدائكم الكافرين سلطانا عليكم ما دمتم متمسكين بدينكم، ومعتصمين بحبل الله جميعا بدون فرقة أو تنازع أو فشل، وآخذين بالأسباب وبسنن الله الكونية التي تعينكم على الوصول إلى غاياتكم الشريفة، ومقاصدكم السليمة.
فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك سبيل للكافرين على المؤمنين في الدنيا والآخرة.
ومنهم من يرى أن المراد بنفي السبيل هنا في الآخرة.
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الاتجاهين بقوله- تعالى- وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أى: يوم القيامة كما روى عن على بن أبى طالب وغيره.
ويحتمل أن يكون المعنى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أى: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال- تعالى- إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «٢» .
والذي نراه أولى أن تكون الجملة الكريمة عامة في نفى أن يكون هناك سلطان للكافرين على المؤمنين ما دام المؤمنون متبعين اتباعا تاما تعاليم دينهم وآخذين في الأسباب التي تجعل النصر حليفا لهم. وإذا كان الكافرون في بعض الأزمان والأحوال قد صارت لهم الغلبة على المسلمين، فذلك قد يكون نوعا من الابتلاء أو التأديب أو التمحيص. حتى يعود المسلمون إلى دينهم عودة كاملة تجعلهم يستجيبون لتوجيهاته. ويذعنون لأحكامه، ويطبقون أوامره ونواهيه.
وهنا يحالفهم نصر الله الذي لا يقهر ووعده الذي لا يتخلف.
ثم تمضى السورة الكريمة بعد هذا الوعد المطمئن لقلوب المؤمنين، في رسم صورة أخرى
стр. 1404
للمنافقين مبالغة في الكشف عن قبائحهم وفي التحذير من شرورهم فتقول: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى، يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
وقوله: يُخادِعُونَ
من الخداع وهو أن يظهر الشخص من الأفعال ما يخفى أمره، ويستر حقيقته.
قال الراغب: الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه ...
ويقال: طريق خادع وخيدع. أى: مضل كأنه يخدع سالكه. وفي الحديث: (بين يدي الساعة سنون خداعة) أى: محتالة لتلونها بالجدب مرة وبالخصب مرة «١» .
وقوله: خادِعُهُمْ
اسم فاعل من خادعته فخذعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.
والمعنى: إن المنافقين لسوء طواياهم، وخبث نواياهم يُخادِعُونَ اللَّهَ
أى: يفعلون ما يفعل المخادع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر وَهُوَ خادِعُهُمْ
أى: وهو فاعل بهم ما يفعله الذي يغلب غيره في الخداع، حيث تركهم في الدنيا معصومى الدماء والأموال.
وأعدلهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار.
ومنهم من جعل المراد بمخادعتهم لله مخادعتهم لرسوله وللمؤمنين فيكون الكلام على حذف مضاف. أى: إن المنافقين يخادعون رسول الله والمؤمنين وهو- سبحانه- خادعهم فهو كقوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ وعبر- سبحانه- عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة وهي قوله يُخادِعُونَ
، للإشعار بأنهم قد ينجحون في خداعهم وقد لا ينجحون.
وعبر- سبحانه- عن خداعه لهم بصيغة اسم الفاعل، للدلالة على الغلب والقهر. لأن الله- تعالى- كاشف أمرهم، ومزيل مغبة خداعهم، ومحاسبهم حسابا عسيرا على ما ارتكبوه من جنايات وسيئات.
وقوله: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
بيان للون آخر من قبائحهم.
وكُسالى
جمع كسلان وهو الذي يعتريه الفتور في أفعاله لكراهيته لها أو عدم اكتراثه بها.
وهي حال لازمة من ضمير قاموا أى: إن هؤلاء المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين
стр. 1405
متباطئين لا نشاط عندهم لأدائها، ولا رغبة لهم في القيام بها، لأنهم لا يعتقدون ثوابا في فعلها، ولا عقابا على تركها.
وقوله يُراؤُنَ النَّاسَ
حال من الضمير المستكن في كسالى. أو جملة مستأنفة جوابا لمن يسأل: وما قصدهم من القيام للصلاة مع هذا التثاقل والتكاسل عنها؟ فكان الجواب: يراءون الناس. أى: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والخداع.
قال ابن كثير: وقوله: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. وهذه صفة ظواهرهم.
ثم ذكر- سبحانه- صفة بواطنهم الفاسدة فقال: يُراؤُنَ النَّاسَ
أى: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» وروى الحافظ أبو ليلى عن عبد الله قال: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربه- «١» .
وقوله: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
معطوف على يُراؤُنَ
أى: أن من صفات المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متقاعسين يقصدون الرياء والسمعة بصلاتهم، ولا يذكرون الله في صلاتهم إلا ذكرا قليلا أو وقتا قليلا لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون.
روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «تلك صلاة المنافق- تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا» .
قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ومنهم من فسر قوله وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
أى: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.
стр. 1406
قال صاحب الكشاف: قوله «ولا يذكرون الله إلا قليلا» أى: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه..
فإن قلت ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:
أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرون استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم كقولك نعمه وناعمه.. روى أبو زيد: راءت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكتها لترى وجهه.. «١» .
وقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل يراءون واسم الإشارة «ذلك» مشار به إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.
قال القرطبي: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة- في مدح النعمان بن المنذر-
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
أى: يضطرب وقال ابن جنى: المذبذب: المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين- أى المترددة بين قطيعين- تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى» «٢» .
وقوله لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ في محل نصب على أنه حال من ضمير مُذَبْذَبِينَ أو على أنه بيان وتفسير له.
وقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أى: ومن يضلله الله- تعالى- عن طريق الحق، بسبب إيثاره الغواية على الهداية. فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المستقيم.
وبعد هذا الذم الشديد لما كان عليه المنافقون من خداع ورياء وضلال. وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن موالاة الكافرين فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 1407
أى: يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، لا يصح منكم ولا ينبغي لكم أن تتخذوا الكافرين بالحق الذي آمنتم به أَوْلِياءَ أى نصراء وأصدقاء، تاركين ولاية إخوانكم المؤمنين ونصرتهم، فإن ذلك لا يتفق مع الإيمان، ولا يتناسب مع تعاليم دينكم.
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة الكفرة. أى: عن مناصرتهم وإفشاء أسرار المؤمنين إليهم، وعن كل ما من شأنه أن يكون مضرة بالمؤمنين. كما قال- تعالى- في آية أخرى:
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ «١» .
وفي هذا النهى- أيضا- توبيخ للمنافقين الذين ما زال الحديث متصلا عن قبائحهم ورذائلهم، وتحذير من مسالكهم الخبيثة حيث كانوا يتركون ولاية المؤمنين وينضمون إلى صفوف الكافرين من اليهود وغيرهم ويقولون- كما حكى القرآن عنهم- نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ.
والاستفهام في قوله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً للإنكار والتحذير من أن تقع هذه الموالاة منهم. والمراد بالسلطان: الحجة والدليل أى: إنكم إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقد جعلتم لله عليكم حجة في عقابكم، وفي تخليه عن نصرتكم ورعايتكم.
وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال، أتجعلون. للمبالغة في التهويل من أمره ببيان أنه مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل إرادته، فضلا عن صدوره في نفسه.
قال بعضهم: وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه. لا المخالقه والإحسان.
وقال الزمخشري: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن» «٢» .
ثم بين- سبحانه- المصير الشنيع الذي سيصير إليه المنافقون يوم القيامة فقال- تعالى-:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أى: في الطبقة السفلى من طبقاتها وسميت دركات لكونها متداركة أى: متتابعة بعضها تحت بعض. والدرك لغة في الدرك وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود. والدرك يقال باعتبار النزول والحدور. ولذا قيل: درجات الجنة ودركات النار.
стр. 1408
قال الآلوسى: والنار لها طبقات سبع: تسمى الأولى كما قيل: جهنم: والثانية: لظى.
والثالثة: الحطمة. والرابعة: السعير. والخامسة: سقر. والسادسة: الجحيم. والسابعة:
الهاوية. وقد تسمى النار جميعا باسم الطبقة الأولى، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها ... «١» .
والمعنى: إن هؤلاء المنافقين الذين مردوا على النفاق. وسرى في طباعهم مسرى الدم سيكونون يوم القيامة في الطبقة السفلى من النار، ولن تجد لهم نصيرا ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه.
وإنما كان للمنافقين هذا العذاب الشديد، لأنهم أضافوا إلى كفرهم، الاستهزاء بالإسلام وأهله، وجمعوا بسوء طباعهم بين الكفر. والفسق والتضليل، والخداع، وإشاعة الفاحشة في صفوف المؤمنين، وغير ذلك من رذائلهم المتعددة، وقبائحهم المتنوعة.
قال بعض العلماء: ولكن من هو المنافق الذي يستحق أشد العقاب، ويكون في أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول في الجواب عن ذلك: إنه المنافق الخالص الذي لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذي كفر بالله وبالرسالة المحمدية، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.
ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر. ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا. ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا وخداعا.
قيل لابن عمر- رضى الله عنهما-: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه!! فقال: كنا نعده من النفاق.
ولقد جاء في الحديث الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان: فريق خلص للنفاق، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر. وقسم فيه خصلة من النفاق، وهذا يتنازعه الخير والشر. فقد قال- ﵊ فيما رواه الإمام أحمد. «القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر. وقلب أغلف مربوط على غلافه. وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر. وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق.
стр. 1409
ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم. فأى المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» .
وإننا لهذا نقول: إن النفاق في داخل الإسلام مراتب. وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام، وينحدرون إلى درجة وضعهم في مقام النبيين. ومنهم من يذهب به فرط نفاقه، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين، وهؤلاء نتردد في الحكم بأنهم مسلمون. وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة في التأويل. ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام «١» .
ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح- سبحانه- باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم، حتى ينجو من عقابه- سبحانه- فقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً.
أى: هذا الجزاء الذي بيناه هو جزاء المنافقين. لكن الذين تابوا منهم عن النفاق، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أى تمسكوا بكتابه، وتركوا موالاة الكافرين وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته، فَأُولئِكَ الذين فعلوا ذلك مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق. أى: معهم في فضيلة الإيمان الصادق، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل. وثواب عظيم. «وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما» لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.
فقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء من المنافقين في قوله إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: اشترط- سبحانه- في إزالة العقاب عن المنافقين أمورا أربعة:
أولها: التوبة.
وثانيها: إصلاح العمل. فالتوبة عبارة عن ترك القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن.
وثالثها: الاعتصام بالله. وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله.
стр. 1410
ورابعها: الإخلاص: بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر «١» .
والإشارة في قوله فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ تعود إلى الاسم الموصول وهو الَّذِينَ باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة.
والمقصود بالمعية في قوله «مع المؤمنين» التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير «بسوف» لتأكيد وقوع الأمر المبشر به في المستقبل، وليس لمجرد التسويف الزمانى.
أى: وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك في حصوله ووقوعه. ونكر- سبحانه- الأجر ووصفه بالعظم، للتنويه بشأنه. ولإفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه.
ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر رحمته بعباده، وفضله عليهم فقال- تعالى-:
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً.
وما استفهامية. والمراد بالاستفهام هنا النفي والإنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشيء آخر.
والمعنى: أى منفعة له- سبحانه- في عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه، وأديتم حقها، وآمنتم به حق الإيمان؟ لا شك أنه- سبحانه- لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإيمان واقعين منكم فقد اقتضت حكمته- سبحانه- أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، بل إنه- سبحانه- قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: قوله ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك.
وهو الغنى المتعالي الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسيء. فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب «٢» .
وما في محل نصب ب يَفْعَلُ لأن الاستفهام له الصدارة. والباء في قوله «بعذابكم» سببية متعلقة بيفعل. والاستفهام هنا معناه النفي كما سبق أن أشرنا. وعبر عن النفي بالاستفهام للإشارة إلى أنه- سبحانه- رتب الجزاء على العمل وأنه يجب على كل عاقل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه- سبحانه- لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته.
стр. 1411
وقوله: إِنْ شَكَرْتُمْ جوابه محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن شكرتم وآمنتم فما الذي يفعله بعذابكم؟
وقدم الشكر على الإيمان، لأن الشكر سبب في الإيمان، إذ الإنسان عند ما يرى نعم الله، ويتفكر فيها ويقدرها حق قدرها، يسوقه ذلك إلى الإيمان الحق، فالشكر يؤدى إلى الإيمان والإيمان متى رسخ واستقر في القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها. فعطف الإيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب.
وقوله: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله- سبحانه- لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين.
أى: وكان الله شاكرا لعباده على طاعتهم. أى مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه. فالمراد بالشكر منه- سبحانه- مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه.
وسمى- سبحانه- ثواب الطائعين شكرا منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول:
وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان
ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه بضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله، والحمد للرحمن
وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التي بدأت بقوله- تعالى-: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين في المجتمع الإسلامى، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكي يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجيء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذي توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذي وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجيء الآية الكريمة التي تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه- سبحانه- وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه- سبحانه- سيجازى الشاكرين المؤمنين
стр. 1412
بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله- تعالى-: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً إنها لآية كريمة تحض الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا في أحوال تقتضي ذلك، وتوعد الكافرين به وبرسله بالعذاب المهين، وبشر المؤمنين حق الإيمان بالأجر العظيم فقال- تعالى-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٢]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
وقوله- تعالى-: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ نهى للمؤمنين عن الاسترسال في الجهر بالسوء إلا عند ما يوجد المقتضى لهذا الجهر.
وعدم محبته- سبحانه- لشيء كناية عن غضبه على فاعله وعدم رضاه عنه، والجهر بالقول
стр. 1413
معناه: النطق به في إعلان، ونشره بين الناس، وإذاعته فيهم فهو يقابل السر والإخفاء.
والقول السوء: هو الذي يسوء من يقال فيه ويؤذيه في شرفه، أو عرضه أو غير ذلك مما يلحق به شرا.
والمعنى: لا يحب الله- تعالى- لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة أو الأفعال السيئة، إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول في الحدود التي تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه في حقه من مآثم. وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السيئ في المجالس العامة والخاصة متحريا البعد عن الكذب والبهتان.
قال القرطبي ما ملخصه: والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع اقتصاد- إن كان مؤمنا، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي ﷺ حيث قال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» .
وإن كان مجاهرا بالظلم دعا عليه الداعي جهرا، ولم يكن لهذا المجاهر عرض محترم، ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه- أى على السارق- فقال رسول الله ﷺ «لا تسبخى عنه» أى: لا تخففى عنه العقوبة بدعائك عليه. وروى أبو داود- أيضا- عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول ﷺ قال:
«لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» أى: المماطلة من القادر على دفع الحقوق لأصحابها ظلم يبيح للناس أن يذكروه بالسوء «١» .
وقول السوء بدون مقتض يبغضه الله سواء أكان هذا القول سرا أم جهرا إلا أنه- سبحانه- خص الجهر بالذكر لأنه أشد فحشا، ولأنه أكثر جلبا للعداوة بين الناس، وأشد تأثيرا في إشاعة الجرائم في المجتمع، فإن كثرة سماع الناس للكلام السيئ. وللقول الماجن، يغرى الكثير منهم بترديد ما سمعوه، وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية، والأقوال السيئة.
وأنت تقرأ القرآن فتراه في عشرات الآيات يأمر أتباعه بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة. ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً «٢» .
стр. 1414
والخلاصة أن الإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا في حالة وقوع ظلم عليهم، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه.
والاستثناء في قوله إِلَّا مَنْ ظُلِمَ استثناء منقطع، فتكون إلا بمعنى لكن.
أى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لكي يدفع ما وقع عليه من ظلم.
ويحتمل أن يكون متصلا فيكون المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف وهو- من أحد- أو: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم فإنه ليس بخارج عن محبة الله لأن دفع الظلم واجب. فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف.
وقوله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً تذييل قصد به التحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه، ووعد للمظلوم بأنه- تعالى- يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه.
أى: وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون، عليما بما يدور في النفوس من بواعث وهواجس، وسيجازى كل إنسان بأقواله وأعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً.
أى: إن تظهروا- أيها الناس- خَيْراً من طاعة وبر وقول حسن، وفعل حسن، أو تُخْفُوهُ أى، تخفوا هذا الخير بأن تعملوه سرا أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ بأن تصفحوا عمن أساء إليكم، يكافئكم الله- تعالى- على ذلك مكافأة حسنة، ويتجاوز عن خطاياكم، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أى: كثير العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه.
فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإكثار من فعل الخير سواء أكان سرا أم جهرا، كما تدعو إلى العفو عن المسيئين إليهم.
قال ابن كثير: وفي الحديث الصحيح: «ما نقص مال من صدقة. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» «١» .
стр. 1415
وقال الفخر الرازي: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق وخلق مع الخلق. والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم. فقوله. إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ إشارة إلى إيصال النفع إليهم. وقوله: أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ إشارة إلى دفع الضرر عنهم. فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر «١» .
ثم بين- سبحانه- رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب عن المنافقين.. فقال- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يجحدوا وحدانية الله، وينكروا صدق رسله- عليهم الصلاة والسلام- وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أى يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله- تعالى- وبين الإيمان برسله، بأن يعلنوا إيمانهم بوجود الله- تعالى- وأنه خالق هذا الكون، إلا أنهم يكفرون برسله أو ببعضهم.
قال القرطبي: نص- سبحانه- على أن التفريق بين الإيمان بالله والإيمان برسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه- فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا رسالة الرسل فقد ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع- سبحانه- وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر «٢» .
وقوله- تعالى- وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ حكاية لما نطقوا به من كفر وجحود. أى. ويقولون على سبيل التبجح والعناد: نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعضهم كما قال اليهود نؤمن بموسى والتوراة ونكفر بما وراء ذلك. وكما قال النصارى. نؤمن بعيسى والإنجيل ونكفر بما سوى ذلك.
وقوله وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أى ويريدون بقولهم هذا أن يتخذوا بين الإيمان بالبعض والكفر بالبعض طريقا يسلكونه، ودينا يتبعونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعا، لأن الرسل جميعا قد بعثهم الله- تعالى- لدعوة الناس إلى توحيده، وإخلاص العبادة له ونشر مكارم الأخلاق في الأرض. فمن كفر بواحد منهم كفر بهم جميعا.
وقوله أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً إخبار عن سوء مصيرهم، وشناعة عاقبتهم.
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات القبيحة هم الكافرون الكاملون في الكفر،
стр. 1416
الراسخون في ظلماته، وأعتدنا أى وهيأنا وادخرنا للكافرين جميعا عذابا يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم وجحودهم.
وقوله حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، وعامله محذوف أى: أولئك الكافرون حق ذلك حقا. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. أى أولئك هم الكافرون كفرا حقا أى:
كفرا كاملا لا شك في وقوعه منهم وانغماسهم فيه.
هذا هو شأن الكافرين بالله ورسله، وتلك هي عاقبتهم أما المؤمنين الصادقون فقد بشرهم الله بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ حق الإيمان وآمنوا رُسُلِهِ جميعا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أى: لم يفرقوا في الإيمان بين رسول ورسول بل آمنوا بهم جميعا.
أُولئِكَ الذين استقر الإيمان الكامل في قلوبهم، والذين وصفهم الله- تعالى- بتلك الأوصاف الحميدة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ الله- تعالى- أُجُورَهُمْ التي وعدهم بها وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أى: وكان الله وما زال كثير المغفرة والرحمة لمن هذه صفاتهم، وتلك نعوتهم.
والتعبير بسوف لتأكيد الأجر الذي وعدهم الله به، وللدلالة على أنه كائن لا محاولة وإن تراخى. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد قابلت بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ليقلع الناس عن الكفر والمعاصي، ويستجيبوا لأوامر الله لينالوا رضاه.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من الأسئلة المتعنتة التي كان اليهود يوجهونها إلى النبي ﷺ ومن النعم التي أنعم- سبحانه- بها عليهم ومن المنكرات التي قالوها وفعلوها، ومن العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب ظلمهم وفسوقهم.. استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٣ الى ١٦٢]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
стр. 1417
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ.. إلخ ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول
стр. 1418
الله ﷺ فقالوا: يا محمد، إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله- تعالى- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ. إلى قوله وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وعن السدى: قالت اليهود: يا محمد، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى.
وعن قتادة: أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا، تأمر بتصديقه واتباعه «١» .
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الآيات الكريمة التي ذكرت أوصافا تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكرناه في سبب نزول الآيات.
والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة في الألواح جملة. أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود، ولو كانوا يريدون الإيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك.
وعبر بالمضارع في قوله يَسْئَلُكَ لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال، حتى لكأن السامع يراهم، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل.
وقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً بيان للون من رذائلهم وقبائحهم، وتسلية للرسول ﷺ عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب.
والفاء في قوله فَقَدْ سَأَلُوا معطوفة على جملة محذوفة والتقدير: لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود، ولا تهتم بأسئلتهم، فتلك شنشنة قديمة معروفة عن آبائهم، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له: أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإيمان بك. ويصح أن تكون الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، جواب لشرط مقدر معناه (إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم.
ومضاهين لهم في التعنت «٢» .
أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين،
стр. 1419
وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل- عليهم الصلاة والسلام- والإساءة إليهم.
والفاء في قوله: فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً تفسيرية كما في قولهم: توضأ فغسل وجهه.
وقوله: جَهْرَةً من الجهر الذي هو ضد الإخفاء. يقال جهر البئر- كمنع- واجتهرها، إذا أظهر ماءها. وجهر الشيء: كشفه، وجهر الرجل: رآه بلا حجاب.
أى: أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله جَهْرَةً مفعولا مطلقا، لأن لفظ جَهْرَةً نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله في الفعل.
ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى: أرنا الله مجاهرين معاينين وقوله: «فأخذتهم الصاعقة بظلمهم» بيان للعقوبة التي حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم.
والصاعقة- كما يقول ابن جرير-: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة «١» .
وقال الراغب: الصاعقة على ثلاثة أوجه: الموت كقوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. والعذاب كقوله: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، والنار كقوله:
وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وما ذكره- سبحانه- إنما هي أشياء حاصلة من الصاعقة فإن الصاعقة هي الصوت الشديد في الجو، ثم يكون منه نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. وهذه الأشياء تأثيرات منها «٢» .
ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا: ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة، والذي كان من آثاره أن صعقوا: أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً بيان لنوع ثالث من جرائمهم، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم.
أى: أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على
стр. 1420
ظلمهم، لم يرتدعوا ولم ينزجروا، بل لجوا في طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه.
وقوله: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أى. عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها.
وقوله: وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أى. أعطينا موسى بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات، وقوة وقدرة على الانتصار على من خالفه و (ثم) في قوله. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ للتراخي الرتبى لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك.
وقوله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية الله، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شيء من التعقل وحسن الإدراك.
واسم الإشارة في قوله فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ يعود إلى اتخاذ العجل معبودا من دون الله.
والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوي على الدخول في الإسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل.
هذا، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا في مواطن أخرى ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «١» .
ثم بين- سبحانه- لونا آخر من عنادهم وجحودهم فقال: وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ.
قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى- ﵇ رفع الله على رءوسهم جبلا. ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا،
стр. 1421
وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال- تعالى-: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ.. الآية «١» .
وقوله- تعالى-: وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أى: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التي أمرناكم بدخولها ساجدين لله، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين لله، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم الله مخالفة تامة.
والمراد بالقرية التي أمرهم الله بدخول بابها ساجدين: قيل: هي بيت المقدس وقيل:
إيلياء، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها الله- تعالى- لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض. ولم يرد في السنة الصحيحة بيان لها.
وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا في سورتي البقرة والأعراف، فقال- تعالى- في سورة البقرة:
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ٥٨ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ٥٩.
وقوله: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أى: وقلنا لهم كذلك لا تتجاوزوا الحدود التي أمركم الله بالتزامها في يوم السبت والتي منها: ألا تصطادوا في هذا اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتحايلوا على استحلال محارمه.
وقصة اعتداء اليهود على محارم الله في يوم السبت قد جاء ذكرها في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله- تعالى- في سورة البقرة: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ٦٥ فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ٦٦.
وقال- تعالى- في سورة الأعراف: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. الآية ١٦٣.
وقوله وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أى: وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل التأكيد، وموثقا كل التوثيق، بأن يعملوا بما أمرهم الله به، ويتركوا ما نهاهم عنه. ولكنهم نقضوا عهودهم، وكفروا بآيات الله، ونبذوها وراء ظهورهم.
стр. 1422
وأضاف- سبحانه- الأخذ إلى ذاته الكريمة تقوية لأمر هذا الميثاق، وتنويها بشأنه. وإشعارا بوجوب الوفاء به لأن ما أخذه الله على عباده من مواثيق من واجبهم أن يفوا بها إذ هو- سبحانه- وحده سيجازيهم على نكثهم ونقضهم لعهودهم.
ووصف- سبحانه- الميثاق الذي أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة لأنه كان قويا في معناه وفي موضوعه وفي كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة في الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر الله.
ثم عدد- سبحانه- ألوانا أخرى من جرائمهم التي عاقبهم عليها عقابا شديدا فقال- تعالى-: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
والفاء في قوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ للتفريع على ما تقدم من قوله وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً والباء للسببية، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق. والجار والمجرور متعلق بمحذوف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب في التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقضين لعهودهم مع الله- تعالى- فيكون المعنى:
فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا، وبسبب قتلهم لأنبيائنا، وبسبب أقوالهم الكاذبة. بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ذل ومهانة وصغار ومسخ.... إلخ.
ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله- تعالى- بعد ذلك حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ...
أى: فبسبب نقضهم للميثاق. وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم.
قال الفخر الرازي: واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن الكلام طويل جدا من قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ إلى قوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ.
الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله- تعالى- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ عظيمة جدا. لأن كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف، أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم
стр. 1423
بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة» «١» .
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد لعن بنى إسرائيل كما جاء في قوله- تعالى- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ومسخهم قردة وخنازير كما جاء في قوله- تعالى- فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ وكما في قوله- تعالى- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ.
وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم الآيات القرآنية والتي من أجمعها هذه الآيات التي معنا.
فالآيات التي معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق، ثم تسجل عليهم- ثانيا- كفرهم بآيات الله.
وقد عطف- سبحانه- كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذي أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض، للاشعار بأن النقض في ذاته إثم عظيم والكفر في ذاته إثم عظيم- أيضا- من غير التفات إلى أن له سببا أو ليس له سبب.
وسجل عليهم- ثالثا- قتلهم الأنبياء بغير حق. فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل الله- تعالى- ولا شك أن قتل الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض.
وقوله: بِغَيْرِ حَقٍّ ليس قيدا لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبدا، وإنما المراد من قوله:
بِغَيْرِ حَقٍّ بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي. لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم ...
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله، فإن قلت: وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت. معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم- ولا عند غيرهم-، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم.
فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل «٢» .
стр. 1424
ثم سجل عليهم- رابعا- قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ.
وقوله: غُلْفٌ جمع أغلف- كحمر جمع أحمر- والشيء الأغلف هو الذي جعل عليه شيء يمنع وصول شيء آخر إليه.
والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عند ما دعاهم الرسول ﷺ إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد، ولا نفقه شيئا مما تدعونا إليه، فهم بهذا الكلام الذي حكاه القرآن عنهم، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التي حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم.
وقريب من هذا قوله- تعالى- حكاية عن المشركين: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ «١» .
وقيل: إن قوله: غلف: جمع غلاف- ككتب وكتاب- وعليه يكون المعنى: أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها في ذلك شأن الكتب، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه، لأننا عندنا ما يكفينا.
والذي يبدو لنا أن التأويل الأول أولى، لأنه أقرب إلى سياق الآية، فقد رد الله عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. والطبع معناه. إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر.
والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا. لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق- كما يزعمون- بل الحق أن الله- تعالى- ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة. فهو- سبحانه- قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم. فالله- تعالى- طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله- تعالى-.
فقوله إِلَّا قَلِيلًا نعت لمصدر محذوف أى إلا إيمانا قليلا. كإيمانهم بنبوة موسى- ﵇ وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله، لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر
стр. 1425
ببعضهم، يعتبره الإسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا في قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا.
ومنهم من جعل قوله إِلَّا قَلِيلًا صفة لزمان محذوف أى: فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا.
ومنهم من جعل الاستثناء في قوله إِلَّا قَلِيلًا من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو في قوله فَلا يُؤْمِنُونَ أى: فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه. والجملة الكريمة وهي قوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ معترضة بين الجمل المتعاطفة. وقد جيء بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة، وأقاويلهم الباطلة.
ثم سجل عليهم- خامسا وسادسا- جريمتين شنيعتين فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً.
والمراد بالكفر هنا: كفرهم بعيسى- ﵇ وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك في قوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذي لا يجعل الشخص يستقر على شيء، فهو إنكار مطلق للحق.
وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله: وقوله: وَبِكُفْرِهِمْ عطف على بِكُفْرِهِمْ الذي قبله- وهو قوله- تعالى- بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ- ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف: الكفر بعيسى. والمراد بالكفر المعطوف عليه: إما الكفر المطلق. أو الكفر بمحمد- ﷺ لاقترانه بقوله- تعالى- قُلُوبُنا غُلْفٌ. وقد حكى الله عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له- ﵊ في مواضع. ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز أن يكون قوله:
وَبِكُفْرِهِمْ معطوف على قوله فَبِما نَقْضِهِمْ «١» .
والبهتان: هو الكذب الشديد الذي لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة. يقال: بهت فلان فلانا، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته في الكذب والافتراء.
والمعنى: إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم، كفرهم بعيسى- ﵇، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وافتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى، ورميهم لها بما هي بريئة منه، وغافلة عنه، فقد اتهموها بالفاحشة
стр. 1426
لولادتها لعيسى من غير أب. وقد برأها الله- تعالى- مما نسبوه إليها. في قوله- تعالى- وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ «١» .
وقوله: بُهْتاناً منصوب على أنه مفعول به لقوله- تعالى- وَقَوْلِهِمْ، فإنه متضمن معنى كلام نحو: قلت خطبة وشعرا. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أى: وبكفرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا. أو هو مصدر في موضع الحال أى: مباهتين. ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية في الكذب والافتراء.
ثم سجل عليهم بعد ذلك رذيلة سابعة ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويفضحهم على رءوس الأشهاد في كل زمان ومكان فقال: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ والمسيح: لقب تشريف وتكريم لعيسى- ﵇ قيل: لقب بذلك لأنه ممسوح من كل خلق ذميم. وقيل: لأنه مسح بالبركة كما في قوله- تعالى-: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل لأن الله مسح عنه الذنوب.
أى: وبسبب قولهم على سبيل التبجح والتفاخر إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لعنهم الله وغضب عليهم، كما لعنهم وغضب عليهم- أيضا- بسبب جرائمهم السابقة.
وهذا القول الذي صدر عنهم هو في ذاته جريمة لأنهم قالوه على سبيل التبجح والتفاخر لقتلهم- في زعمهم- نبيا من أنبياء الله، ورسولا من أولى العزم من الرسل. وقولهم هذا وإن كان يخالف الحقيقة والواقع، إلا أنه يدل على أنهم أرادوا قتله فعلا، وسلكوا كل السبل لبلوغ غايتهم الدنيئة، فدسوا عليه عند الرومان، ووصفوه بالدجل والشعوذة، وحاولوا أن يسلموه لأعدائه ليصلبوه، بل زعموا أنهم أسلموه فعلا لهم، ولكن الله- تعالى- خيب سعيهم، وأبطل مكرهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، حيث نجى عيسى- ﵇ من شرورهم، ورفعه إليه دون أن يمسه سوء منهم.
ولا شك أن ما صدر عن اليهود في حق عيسى- ﵇ من محاولة قتله، واتخاذ كل وسيلة لتنفيذ غايتهم، ثم تفاخرهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لا شك أن كل ذلك يعتبر من أكبر الجرائم لأنه من المقرر في الشرائع والقوانين أن من شرع في ارتكاب جريمة من الجرائم واتخذ كل الوسائل لتنفيذها، ولكنها لم تتم لأمر خارج عن إرادته، فإنه يعد من المجرمين الذين يستحقون العقاب الشديد.
стр. 1427
واليهود قد اتخذوا كافة الطرق لقتل عيسى- ﵇ كما بينا-، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون لأسباب خارجة عن طاقتهم. ومعنى هذا أنه لو بقيت لهم أية وسيلة لإتمام جريمتهم النكراء لما تقاعسوا عنها، ولأسرعوا في تنفيذها فهم يستحقون عقوبة المجرم في تفكيره، وفي نيته، وفي شروعه الأثيم، لارتكاب ما نهى الله عنه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى- ﵇ أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ؟
قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً «١» .
وقوله- تعالى- وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ رد على مزاعمم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التي تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى- ﵇. أى: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنهم قتلوا عيسى- ﵇، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى- ﵇ في الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.
قال الفخر الرازي: قوله: شُبِّهَ مسندا إلى ماذا؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر؟ والجواب من وجهين:
الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور. وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه. الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله: وَما قَتَلُوهُ يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد شُبِّهَ إليه «٢» .
وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله- تعالى- في ذلك وقال: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. أى:
شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه- أى ليقتلوا المسيح- وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو في الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء.
стр. 1428
وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم بذلك أحبارهم «١» .
هذا، وللمفسرين في بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان:
الأول: أن الله- تعالى- ألقى شبه عيسى- ﵇ على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو (يهوذا الإسخربوطى) الذي كان عينا وجاسوسا على المسيح، والذي أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بيت عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.
وهذا الوجه قد جاء مفصلا في بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسى بقوله: كان رجل من الحواريين ينافس عيسى- ﵇ فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى- ﵇ فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه، وهم يظنون أنه عيسى «٢» .
الثاني: أن الله- تعالى- ألقى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينما أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب.
وقد أطال الإمام ابن كثير في ذكر الروايات التي تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله: عن ابن عباس قال: لما أراد الله- تعالى- أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من يكفر بعدي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي.
قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معى في درجتي؟
فقام شاب من أحدثهم سنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال: أنا. فقال له عيسى، هو أنت ذاك.
فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائي عن أبى كريب عن أبى معاوية، وقال
стр. 1429
غير واحد من السلف: إنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة ... ؟ «١» .
والذي يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى- ﵇ لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليه، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذي قتل وصلب فهو شخص سواه.
ثم قال- تعالى-: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. أى: وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك دائم من حقيقة أمره. أى: في حيرة وتردد، ليس عندهم علم ثابت قطعى في شأنه، أو في شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذي لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان.
ولقد اختلف أهل الكتاب في شأن عيسى اختلافا كبيرا. فمنهم من زعم أنه ابن الله.
وادعى أن في عيسى عنصرا إلهيا مع العنصر الإنسانى. وأن الذي ولدته مريم هو العنصر الإنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى.
ومنهم من قال: إن مريم ولدت العنصرين معا.
ولقد اختلفوا في أمر قتله. فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا حقيقيا، وتردد آخرون فقالوا: إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى؟
وقال آخرون: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.
إلى غير ذلك من خلافاتهم التي لا تنتهي حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله وصلبه «٢» .
فالمراد بالموصول في قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير في قوله (فيه) يعود إلى عيسى- ﵇.
وقوله مِنْهُ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة الشك.
قال الآلوسى: وأصل الشك أن يستعمل في تساوى الطرفين، وقد يستعمل في لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضا بقوله- سبحانه-: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ «٣» .
стр. 1430
وقوله إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أى ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن.
وقيل: هو متصل، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين.
ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة ظنوا.
ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال: وليس في هذا الجواب شفاء الغليل.
والظاهر- والله أعلم- أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك في أمره والتردد، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن في بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشيء على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة في الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن «١» .
وقوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية وتشريف.
واليقين: هو العلم الجازم الذي لا يحتمل الشك والضمير في قوله وَما قَتَلُوهُ لعيسى.
وقوله يَقِيناً ذكر النحاة في إعرابه وجوها من أشهرها: أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه: أى: ما قتلوه قتلا يقينا، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى ﵇ وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذي اعتراهم.
أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى قتلهم إياه انتفاء يقينا. فاليقين منصب على النفي. أى: أن: نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله: قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أى: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك في قولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ أو يجعل يَقِيناً تأكيدا لقوله: وَما قَتَلُوهُ كقولك: ما قتلوه حقا. أى حق انتفاء قتله حقا.
والمعنى: أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى- ﵇ وزعمهم هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن في هذه المسألة أنهم لم يقتلوه، فقد نجاه الله من مكرهم،
стр. 1431
ورفع عيسى إليه، وكان الله عَزِيزاً. أى منيع الجناب، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه.
حَكِيماً في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.
هذا، وجمهور العلماء على أن الله- تعالى- رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء: والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له- ﵇ هي في رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له «١» .
وفي بعضهم الرفع في قوله- تعالى- بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بأنه رفع بالروح فقط.
وقد بسطنا القول في هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران في قوله تعالى-: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «٢» .
وإِنْ هنا نافية بمعنى ما النافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه. أى: وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ في كل نفى يدخله الاستثناء. نحو: ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد.
وللمفسرين في تفسير هذه الآية اتجاهان:
الأول: أن الضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ يعود إلى عيسى- ﵇ وعليه يكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى- عند نزوله في آخر الزمان- حق الإيمان، قَبْلَ مَوْتِهِ أى: قبل موت عيسى، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى- ﵇ عَلَيْهِمْ أى: على أهل الكتاب شَهِيداً فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعبادة الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإشراك معه آلهة أخرى.
وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير. فقد قال- بعد سرد الأقوال في الآية-: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال. تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى «٣» .
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله: ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ما زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فقد أخبر الله- تعالى أن الأمر لم يكن
стр. 1432
كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك. ثم إن الله- تعالى- رفع إليه عيسى، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة.
ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله: ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها» .
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ «١» .
أما الاتجاه الثاني: فيرى أصحابه أن الضمير في قوله قَبْلَ مَوْتِهِ يعود إلى الكتابي المدلول عليه بقوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. وعليه يكون المعنى:
وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته أى قبل موت هذا الكتابي، لأنه عند ساعة الاحتضار يتجلى له الحق، ويتبين له صحة ما كان ينكره ويجحده فيؤمن بعيسى- ﵇ ويشهد بأنه عبد الله ورسوله، وأن الله واحد لا شريك له، ولكن هذا الإيمان لا ينفعه، لأنه جاء في وقت الغرغرة، وهو وقت لا ينفع فيه الإيمان، لانقطاع التكليف فيه.
قالوا: ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى: إلا ليؤمنن به قبل موتهم- بضم النون وبميم الجمع-.
وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه: والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. وبأنه عبد الله ورسوله. يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه.
فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإيمان به في وقت الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم.
وقيل: الضميران لعيسى بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله «٢» .
стр. 1433
والذي نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق في ذاته.
فكل كتابي عند ما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا في نبوته، وأنه عبد الله، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابي يشهد نزول عيسى في آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه.
ثم حكى- سبحانه- ألوانا أخرى من جرائم اليهود، وحكى بعض العقوبات التي حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال- تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
والفاء في قوله فَبِظُلْمٍ للتفريع على جرائمهم السابقة، والباء للسببية، والتنكير للتهويل والتعظيم. والجار والمجرور متعلق بحرمنا. وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم.
والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ولو أنهم لم يقعوا في هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التي هم في حاجة إليها.
والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التي نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم، ومن ضروب هذا الظلم والبغي ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق، ومن كفر بآيات الله.
وما سجله عليهم- أيضا- بعد ذلك من صد عن سبيل الله، ومن أخذ للربا وقد نهاهم الله عن أخذه.
وهذه الطيبات التي حرمها الله عليهم منها ما حكاه- سبحانه- في سورة الأنعام بقوله:
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ.
والتعبير عنهم بقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا إيذان بشناعة ظلمهم، حيث إنهم وقعوا في هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل. وقولهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أى: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.
وقوله أُحِلَّتْ لَهُمْ هذه الجملة صفة للطيبات فهي في محل نصب.
والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ارتكبوا من موبقات.
أى: حرمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم.
стр. 1434
قال ابن كثير: يخبر- سبحانه- أنه بسبب ظلم اليهود، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا، تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه- تعالى- حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال- تعالى- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ «١» .
وقوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذي تعاطوه. من عطف الخاص على العام، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم.
والصد والصدود: المنع. أى: وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التي شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا.
وقوله كَثِيراً صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو بِصَدِّهِمْ أى: وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف، أى: وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا. وقوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بيان للون آخر من رذائلهم وقبائحهم. أى: ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم، أخذهم الربا مع نهيهم عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى. على طريق الرشوة، والخيانة، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة.
وما حملهم على هذا الولوغ في المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ جملة حالية في محل نصب.
قال الآلوسي. وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا لأى النهى يدل على حرمة المنهي عنه، وإلا لما توعد- سبحانه- على مخالفته.
تلك هي بعض العقوبات التي عاقبهم الله بها في الدنيا. أما عقوبة هؤلاء اليهود في الآخرة فقد بينها- سبحانه- في قوله. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا موجعا أليما، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله.
وقوله لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم،
стр. 1435
لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فحسب، أما من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم.
وقد أكد- سبحانه- هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإكرام منهم، وبشره بالأجر العظيم فقال، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
وقوله الرَّاسِخُونَ جمع راسخ. ورسوخ الشيء ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ في العلم هو المتحقق فيه، الذي لا تؤثر فيه الشبهات، المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق.
وقوله، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استدراك من قوله قبل ذلك وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً وبيان لكون بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم في العاجل والآجل.
والمعنى: إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق في الدنيا، ومن سوء عاقبة في الآخرة، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت في نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوى يبعث به، أو ريب يزعزعه.
وَالْمُؤْمِنُونَ أى منهم. وقد وصفوا بالإيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ في العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي.
وقوله يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ خبر لقوله الرَّاسِخُونَ. أى هؤلاء الراسخون في العلم من أهل الكتاب والمؤمنون منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله.
وقوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح.
أى: وأمدح المقيمين الصلاة.
قال صاحب الكشاف: وقوله وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد فسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف: وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة
стр. 1436
ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله: والمقيمون بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي «١» .
وقوله: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ معطوف على الرَّاسِخُونَ أو على الضمير المرفوع في يُؤْمِنُونَ. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم. فقد وصفهم- أولا- بالرسوخ في العلم، ثم وصفهم- ثانيا- بالإيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم- ثالثا- بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم- رابعا- بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم- خامسا- بالإيمان بالله إيمانا حقا، وبالإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين- سبحانه- حسن عاقبتهم فقال: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل الصالح.
هذا. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التي تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم ... فأنت تراها- أولا- تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التي سجلها الله عليهم.
ثم تراها- ثانيا- تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم- أيضا- وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.
стр. 1437
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإصرار على المعاصي يؤدى إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
ثم تراها- ثالثا- تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصريح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم في أقوالهم ما يتبعون إلا الظن، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ثم تسوق الحقيقة التي لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله في آخر الزمان، أو عند ما يكونون في اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإيمان.
ثم تراها- رابعا- لا تعمم في أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهي بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين في العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذي يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» .
وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق- سبحانه- ما يشهد بصدق النبي ﷺ في دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله- تعالى- فقال- سبحانه-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
стр. 1438
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر- سبحانه- بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد، ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ... شرع- سبحانه- بعد ذلك في الجواب عن شبهاتهم فقال: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ «١» .
وقوله أَوْحَيْنا من الإيحاء أو الوحى. والوحى في الأصل: الإعلام في خفاء عن طريق الإشارة، أو الإيماء، أو الإلهام، أو غير ذلك من المعاني التي تدل على أنه إعلام خاص، وليس إعلاما ظاهرا.
والمراد به هنا إعلام الله- تعالى- نبيه محمدا ﷺ ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره.
والمعنى: إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا.. كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده. فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل، وإنما أنت رسول من عند الله- تعالى- تلقيت رسالتك منه- سبحانه- كما تلقاها غيرك من الرسل.
وأكد- سبحانه- خبر إيحائه ﷺ ، للاهتمام بهذا الخبر، ولإبطال ما أنكره المنكرون لوحى الله- تعالى- على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.
وبدأ سبحانه بنوح ﵇، لأنه الأب الثاني للبشرية بعد آدم ﵇، ولأن في
стр. 1439
ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية، فقد أجاب الله تعالى، دعاءه في الكافرين فأغرقهم أجمعين.
قال الجمل: وإنما بدأ الله- تعالى- بذكر نوح- ﵇ لأنه أول نبي بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك. وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته. وكان أطول الأنبياء عمرا «١» .
والتشبيه في قوله: كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ تشبيه بجنس الوحى، وإن اختلفت أنواعه، واختلف الموحى به.
والكاف في قوله كَما نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية. أى: إنا أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح- ﵇.
وقوله مِنْ بَعْدِهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للنبيين أى: والنبيين الكائنين من بعده أى: من بعد نوح.
وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ معطوف على أوحينا إلى نوح، داخل معه في حكم التشبيه.
أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحينا إلى إبراهيم بن آزر، وكما أوحينا إلى ابنه إسماعيل، وابنه إسحاق، وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب.
قال الآلوسى: والأسباط هم أولاد يعقوب- ﵇ في المشهور. وقال غير واحد:
إن الأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل وقد بعث منهم عدة رسل. فيجوز أن يكون- سبحانه- أراد بالوحي إليهم، الوحى إلى الأنبياء منهم. كما تقول: أرسلت إلى بنى تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء، بل الذي صح عندي- وألف فيه الجلال السيوطي رسالة- خلافه» «٢» .
وكرر- سبحانه- كلمة وَأَوْحَيْنا للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة بين نوح وبين إبراهيم- ﵉.
ثم ذكر- سبحانه- عددا آخر من الأنبياء تشريفا وتكريما لهم فقال وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
стр. 1440
أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين، وكما أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذي أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة المتعنتة، وإلى أيوب الذي ضرب به المثل في الصبر، وإلى يونس بن متى الذي لم ينس ذكر الله وهو في بطن الحوت، وإلى هارون أخى موسى، وإلى سليمان بن داود الذي آتاه الله ملكا لم يؤته لأحد من بعده.
وقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً معطوف على قوله: أوحينا، وداخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء.
وأوثر. قوله هنا: وآتينا على أوحينا لتحقق المماثلة في أمر خاص وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء.
والزبور- بفتح الزاى- اسم الكتاب الذي أنزله الله على داود- ﵇ قالوا: ولم يكن فيه أحكام، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء على الله- تعالى-.
ولفظ (زبور) هنا بمعنى مزبور أى مكتوب. فهو على وزن فعول ولكن بمعنى مفعول. وزبر معناه كتب. أى: وآتينا داود كتابا مكتوبا.
ثم أجمل- سبحانه- بيان الرسل الذين أرسلهم فقال: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ.
وقوله وَرُسُلًا منصوب بفعل مقدر قبله. أى: وأرسلنا رسلا قد أخبرناك عنهم، وقصصنا عليك أنباءهم فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول هذه الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم لم نقصص عليك أخبارهم لأن حكمتنا تقتضي ذلك، ولأن فيما قصصناه عليك من أخبار بعضهم عظات وعبرا لقوم يؤمنون.
هذا، وقد تكلم بعض العلماء عن عدد الأنبياء والرسل، واستندوا في كلامهم على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها من الطعن فيها.
قال ابن كثير: وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبى ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه في تفسيره حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد. عن أبى إدريس الخولاني عن أبى ذر قال: قلت يا رسول الله: كم عدد الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر..» «١» .
وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً تشريف لموسى- ﵇ بهذه الصفة ولهذا يقال