ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله: والمقيمون بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي «١» .
وقوله: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ معطوف على الرَّاسِخُونَ أو على الضمير المرفوع في يُؤْمِنُونَ. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون في إيمانهم. فقد وصفهم- أولا- بالرسوخ في العلم، ثم وصفهم- ثانيا- بالإيمان الكامل بما أوحاه الله على أنبيائه من كتب وهدايات، ثم مدحهم- ثالثا- بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم- رابعا- بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم- خامسا- بالإيمان بالله إيمانا حقا، وبالإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.
وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين- سبحانه- حسن عاقبتهم فقال: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً.
أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإيمان الصحيح وبين العمل الصالح.
هذا. والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التي تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم ... فأنت تراها- أولا- تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التي سجلها الله عليهم.
ثم تراها- ثانيا- تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم- أيضا- وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التي عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم.
стр. 1437
وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإصرار على المعاصي يؤدى إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
ثم تراها- ثالثا- تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصريح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم في أقوالهم ما يتبعون إلا الظن، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ثم تسوق الحقيقة التي لا باطل معها في شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله في آخر الزمان، أو عند ما يكونون في اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإيمان.
ثم تراها- رابعا- لا تعمم في أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهي بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد في الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين في العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذي يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» .
وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق- سبحانه- ما يشهد بصدق النبي ﷺ في دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله- تعالى- فقال- سبحانه-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
стр. 1438
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر- سبحانه- بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد، ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ... شرع- سبحانه- بعد ذلك في الجواب عن شبهاتهم فقال: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ «١» .
وقوله أَوْحَيْنا من الإيحاء أو الوحى. والوحى في الأصل: الإعلام في خفاء عن طريق الإشارة، أو الإيماء، أو الإلهام، أو غير ذلك من المعاني التي تدل على أنه إعلام خاص، وليس إعلاما ظاهرا.
والمراد به هنا إعلام الله- تعالى- نبيه محمدا ﷺ ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره.
والمعنى: إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا.. كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده. فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل، وإنما أنت رسول من عند الله- تعالى- تلقيت رسالتك منه- سبحانه- كما تلقاها غيرك من الرسل.
وأكد- سبحانه- خبر إيحائه ﷺ ، للاهتمام بهذا الخبر، ولإبطال ما أنكره المنكرون لوحى الله- تعالى- على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.
وبدأ سبحانه بنوح ﵇، لأنه الأب الثاني للبشرية بعد آدم ﵇، ولأن في
стр. 1439
ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية، فقد أجاب الله تعالى، دعاءه في الكافرين فأغرقهم أجمعين.
قال الجمل: وإنما بدأ الله- تعالى- بذكر نوح- ﵇ لأنه أول نبي بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك. وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته. وكان أطول الأنبياء عمرا «١» .
والتشبيه في قوله: كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ تشبيه بجنس الوحى، وإن اختلفت أنواعه، واختلف الموحى به.
والكاف في قوله كَما نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية. أى: إنا أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح- ﵇.
وقوله مِنْ بَعْدِهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للنبيين أى: والنبيين الكائنين من بعده أى: من بعد نوح.
وقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ معطوف على أوحينا إلى نوح، داخل معه في حكم التشبيه.
أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحينا إلى إبراهيم بن آزر، وكما أوحينا إلى ابنه إسماعيل، وابنه إسحاق، وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب.
قال الآلوسى: والأسباط هم أولاد يعقوب- ﵇ في المشهور. وقال غير واحد:
إن الأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل وقد بعث منهم عدة رسل. فيجوز أن يكون- سبحانه- أراد بالوحي إليهم، الوحى إلى الأنبياء منهم. كما تقول: أرسلت إلى بنى تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء، بل الذي صح عندي- وألف فيه الجلال السيوطي رسالة- خلافه» «٢» .
وكرر- سبحانه- كلمة وَأَوْحَيْنا للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة بين نوح وبين إبراهيم- ﵉.
ثم ذكر- سبحانه- عددا آخر من الأنبياء تشريفا وتكريما لهم فقال وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
стр. 1440
أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين، وكما أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذي أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة المتعنتة، وإلى أيوب الذي ضرب به المثل في الصبر، وإلى يونس بن متى الذي لم ينس ذكر الله وهو في بطن الحوت، وإلى هارون أخى موسى، وإلى سليمان بن داود الذي آتاه الله ملكا لم يؤته لأحد من بعده.
وقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً معطوف على قوله: أوحينا، وداخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء.
وأوثر. قوله هنا: وآتينا على أوحينا لتحقق المماثلة في أمر خاص وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء.
والزبور- بفتح الزاى- اسم الكتاب الذي أنزله الله على داود- ﵇ قالوا: ولم يكن فيه أحكام، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء على الله- تعالى-.
ولفظ (زبور) هنا بمعنى مزبور أى مكتوب. فهو على وزن فعول ولكن بمعنى مفعول. وزبر معناه كتب. أى: وآتينا داود كتابا مكتوبا.
ثم أجمل- سبحانه- بيان الرسل الذين أرسلهم فقال: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ.
وقوله وَرُسُلًا منصوب بفعل مقدر قبله. أى: وأرسلنا رسلا قد أخبرناك عنهم، وقصصنا عليك أنباءهم فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول هذه الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم لم نقصص عليك أخبارهم لأن حكمتنا تقتضي ذلك، ولأن فيما قصصناه عليك من أخبار بعضهم عظات وعبرا لقوم يؤمنون.
هذا، وقد تكلم بعض العلماء عن عدد الأنبياء والرسل، واستندوا في كلامهم على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها من الطعن فيها.
قال ابن كثير: وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبى ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه في تفسيره حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد. عن أبى إدريس الخولاني عن أبى ذر قال: قلت يا رسول الله: كم عدد الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر..» «١» .
وقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً تشريف لموسى- ﵇ بهذه الصفة ولهذا يقال
стр. 1441
له: موسى الكليم. أى. وخاطب الله موسى مخاطبة من غير واسطة.
قال الجمل: والجملة إما معطوفة على قوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ عطف القصة على القصة، وإما حال بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات.
وقوله تَكْلِيماً مصدر مؤكد لعامله رافع لاحتمال المجاز.
قال الفراء: العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاما بأى طريق وصل. ما لم يؤكد بالمصدر. فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام «١» .
فدل قوله تَكْلِيماً على أن موسى قد سمع كلام الله- تعالى- حقيقة من غير واسطة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو- سبحانه-.
وقد ساق بعض المفسرين نقولا حسنة في مسألة كلام الله- تعالى- فارجع إليها إن شئت «٢» .
وقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
بيان لوظيفة الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وللحكمة من إرسالهم. وقوله: رُسُلًا منصوب على المدح، أو بفعل مقدر قبله، أى: وأرسلنا رسلا. والمراد بالحجة هنا: المعذرة التي يعتذر بها الكافرون والعصاة.
أى: وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات. وأرسلناك للناس رسولا، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا يرضا الله عنه في الدنيا والآخرة، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى، وقد أرسل- سبحانه- الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة، أى لكي لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا. يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك، فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكي لا تكون لهم حجة يحتجون بها، كما قال- تعالى- وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى «٣» .
قال الآلوسى: فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل. وأن العقل لا يغنى عن ذلك. وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن مسألة الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعترى الإنسان من دون اختيار. فمعنى الآية عندهم: لئلا يبقى للناس على الله حجة.
стр. 1442
وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه- سبحانه- حجة مجاز. بتنزيل المعذرة في القبول عنده- تعالى- بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها «١» » .
وقوله: حُجَّةٌ اسم يكون. وخبره قوله «للناس» وقوله: على الله حال من حجة.
وقوله: بَعْدَ الرُّسُلِ أى: بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق بالنفي أى: لتنتفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل.
قال ابن كثير: وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ «لا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين وفي لفظ آخر: «ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه» «٢» .
وقوله: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً تذييل قصد به بيان قدرته التي لا تغالب وحكمته التي لا يحيط أحد بكنهها. أى: وكان الله- تعالى- وما زال هو القادر الغالب على كل شيء، الحكيم في جميع أفعاله وتصرفاته، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
هذا وللمرحوم الأستاذ الإمام محمد عبده كلام نفيس في كتابه (رسالة التوحيد) عن: حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وعن وظيفتهم- عليهم الصلاة والسلام- ومما قاله في ذلك: الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته. ويبينون الحد الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان. على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة.
الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم. وتنازعته مصالحهم ولذاتهم.
فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة. ولا يفوت به المصالح الخاصة.
الرسل يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة. يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم. كاحترام الدماء البشرية إلا بحق. مع بيان الحق الذي تهدر له، وحظر تناول شيء مما كسبه الغير إلا بحق. مع بيان الحق الذي يبيح تناوله. واحترام الأعراض. مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع.
стр. 1443
يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير حسبما أمرهم الله- جل شأنه-.
يفصلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم. ثم يحيطون بيانهم بنبإ الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب وحسن العقبى، لمن وقف عند حدوده. وأخذ بأوامره.
وبهذا تطمئن النفوس، وتثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارا لجزيل الأجر. أو إرضاء لمن بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع الإنسانى، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم «١» .
وقوله- سبحانه-: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً استدراك قصد به الرد على جحود أهل الكتاب للحق الذي جاء به النبي ﷺ فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود فقال لهم:
«إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله. فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله قوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ. الآية «٢» .
والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي ﷺ عن تكذيب كثير من الناس له، وإدخال الطمأنينة على قلبه، فكأنه- سبحانه- يقول له:
لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أى: لكن الله يشهد بأن الذي أنزله إليك من قرآن هو الحق الذي لا ريب فيه.
وقوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أى: أنزله بعلم تام، وحكمة بالغة، أو بما علمه من مصالح عباده في إنزاله عليك.
وقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أى: والملائكة يشهدون بأنك صادق في رسالتك، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذي لا تحوم حوله شبهة.
وقوله. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أى: وكفى بشهادة الله شهادة بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك. فإنه لا عبرة لإنكار المنكرين لنبوتك، ولا قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
وقد أجاد صاحب الكشاف في توضيح تلك المعاني حيث قال: فإن قلت الاستدراك لا بد له
стр. 1444
من مستدرك فما هو في قوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ.
قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء، واحتج عليهم بقوله إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قال: لكن الله يشهد. بمعنى: أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد ...
ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة: شهادة بأنه حق وصدق.
فإن قلت: ما معنى قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ قلت: معناه أنزله متلبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره. وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان للشهادة. وقيل: أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. ويحتمل: أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك «١» .
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد أثبتت صدق النبي ﷺ في رسالته بالأدلة الساطعة. والحجج الواضحة وبينت وظيفة الرسل- ﵈ وحكمة الله في إرسالهم، وزادت للنبي ﷺ طمأنينة بأنه على الحق، لأن الله قد شهد له بذلك، وكفى بشهادة الله شهادة، مهما خالفها المخالفون، وأعرض عنها المعرضون.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران، وما سيصير إليه حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة، ووجه إلى الناس جميعا نداء أمرهم فيه بالإيمان وترك الكفر والعصيان فقال- تعالى-:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
стр. 1445
وقوله: وَصَدُّوا من الصد بمعنى المنع والانصراف عن الشيء.
قال الراغب: والصد قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا نحو: «يصدون عنك صدودا» وقد يكون صرفا ومنعا نحو: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ.
والمعنى: إن الذين كفروا بالحق الذي جاءهم به محمد ﷺ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أى:
وأعرضوا عن الطريق الذي أمر الله بسلوكه وهو طريق الإسلام ولم يكتفوا بذلك بل منعوا غيرهم أيضا عن سلوكه.
إنهم بفعلهم هذا قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً أى: قد ضلوا- بسبب كفرهم وصدهم أنفسهم والناس عن الحق- ضلالا بلغ الغاية في الشدة والشناعة.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما يجب الإيمان به وَظَلَمُوا أنفسهم بإيرادها موارد التهلكة، وظلموا غيرهم بأن حببوا إليه الفسوق والعصيان وكرهوا إليه الطاعة والإيمان.
إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً.
أى: لم يكن الله ليغفر لهم، لأنه- سبحانه- لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولم يكن- سبحانه- ليهديهم طريقا من طرق الخير، لكنه- سبحانه- يهديهم إلى طريق تؤدى بهم إلى جهنم خالدين فيها أبدا، بسبب إيثارهم الغي على الرشد، والضلالة على الهداية، وبسبب فساد استعدادهم، وسوء اختيارهم.
والتعبير بالهداية في جانب طريق النار من باب التهكم بهم.
وقوله خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المنصوب في لِيَهْدِيَهُمْ، لأن المراد بالهداية هدايتهم في الدنيا إلى طريق جهنم. أى: ما يؤدى بهم إلى الدخول فيها.
وقوله أَبَداً منصوب على الظرفية، وهو مؤكد للخلود في النار رافع لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل.
أى: خالدين فيها خلودا أبديا بحيث لا يخرجون منها.
стр. 1446
وقوله: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً تذييل قصد به تحقير شأنهم، وبيان أنه- سبحانه- لا يعبأ بهم.
والمراد: وكان ذلك- أى: انتفاء غفران ذنوبهم، وانتفاء هدايتهم إلى طريق الخير، وقذفهم في جهنم وبئس المهاد- كان كل ذلك على الله يسيرا. أى: هينا سهلا لأنه- سبحانه- لا يستعصى على قدرته شيء.
ثم وجه- سبحانه- نداء إلى الناس جميعا يأمرهم فيه بالإيمان وينهاهم عن الكفر فقال:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.
أى: يا أيها المكلفون من الناس جميعا، قد جاءكم الرسول المشهود له بالصدق في رسالته، بالهدى ودين الحق من ربكم، فآمنوا به وصدقوه وأطيعوه، يكن إيمانكم خيرا لكم في الدنيا والآخرة.
فالخطاب في الآية الكريمة للناس أجمعين، سواء أكان عربيا أم غير عربي أبيض أم أسود، بعيدا أم قريبا ... لأن رسالته ﷺ عامة وشاملة للناس جميعا.
والمراد بالرسول محمد ﷺ فأل فيه للعهد: وإيراده بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته.
وقوله: بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الرسول. أى: جاءكم الرسول ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل.
وقوله: مِنْ رَبِّكُمْ متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الحق. أو متعلق بجاء. أى:
جاءكم من عند الله- تعالى- وليس متقولا.
ويرى بعضهم أن قوله خَيْراً خبر لكان المحذوفة مع اسمها، أى: فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا لكم.
ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف. أى: فآمنوا إيمانا خيرا لكم. وهي صفة مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود، لأن الإيمان لا يكون إلا خيرا.
فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإيمان بالرسول ﷺ لأنه لم يجئهم بشيء باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت الموافق لفطرة البشر أجمعين، ولأنه لم يجئهم بما جاءهم به من عند نفسه وإنما جاءهم بما جاءهم به من عند الله- تعالى-. ولأنه لم يجئهم بما يفضى بهم إلى الشرور والآثام، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة في الدنيا وإلى الفوز برضا الله في الآخرة.
تلك هي عاقبة المؤمنين، أما عاقبة الكافرين فقد حذر- سبحانه- منها بقوله: وَإِنْ
стр. 1447
تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
، أى: وإن تكفروا- أيها الناس- فلن يضر الله كفركم، فإنه- سبحانه- له ما في السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا، وكان الله- تعالى- عليما علما تاما بأحوال خلقه، حكيما في جميع أفعاله وتدبيراته.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير، وحضت الناس على الدخول في زمرة المؤمنين، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم القيامة من عذاب السعير.
ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة في شأن عيسى- ﵇ وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت المستكبرين بالعذاب الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧١ الى ١٧٥]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
стр. 1448
وقوله: لا تَغْلُوا أى: لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من الغلو، وهو- كما يقول القرطبي- التجاوز في الحد ومنه: غلا السعر يغلو غلاء. وغلا الرجل في الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها- أى: أترابها- «١» .
وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا في شأن عيسى. أما اليهود فقد أنكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هي منه بريئة.
وأما النصارى فقد رفعوا عيسى- ﵇ إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية، واعتبره بعضهم إلها، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
والمعنى: يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول في شأن دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذي شرعه الله- تعالى-، وارتضته العقول السليمة.
وقد ناداهم- سبحانه- بعنوان أهل الكتاب. للتعريض بهم، حيث إنهم خالفوا كتبهم التي بين أيديهم.
والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى- يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا: ينهى- سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على
стр. 1449
دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا، أم ضلالا أم رشادا، ولهذا قال- تعالى- اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» «١» .
وقوله: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ من باب عطف الخاص على العام، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذي افتروه على الله.
أى: لا تصفوه- سبحانه- بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، ولا تقولوا عليه- سبحانه- إلا القول الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، والبرهان الواضح.
وعدى- سبحانه- قولهم بحرف على، لتضمنه معنى الافتراء والكذب، فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه.
ثم بين- سبحانه- القول الفصل في شأن عيسى فقال. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
أى: إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. أرسله- سبحانه- لهداية الناس إلى الحق، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أى: أن عيسى مكون ومخلوق بكلمة من الله وهي كلمة (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة. وهذه الكلمة ألقاها- سبحانه- إلى مريم، أى: أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله بشرا سويا.
وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: ونفخة منه، لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله، لأنه بأمره كان. وسمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. قال- تعالى-: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ «٢» .
وقيل المراد بقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: وذو روح من أمر الله، لأنه- سبحانه- خلقه كما يخلق سائر الأرواح.
وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة. كما في قوله- تعالى- وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أى: برحمة منه. وصدر- سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر (إنما) للتنبيه على أن عيسى- ﵇ ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق.
стр. 1450
وذكره- سبحانه- بلقبه وباسمه وببنوته لمريم، للإشارة إلى أنه إنسان كسائر الناس، وبشر كسائر البشر، فهو مولود خرج من رحم أنثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم. وإذا كان لم يخرج من صلب أب، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم، وكفى بذلك دليلا على بشريته.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وقوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أى: خلقه بكلمة منه وهي (كن) كما خلق آدم. وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد، وللأسباب التي تجرى بين الناس، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته (كن) وبذلك سمى كلمة الله.
وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته- تعلق باطل- فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد. وإنما سمى بذلك، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى من الرجل يمنى....
وقوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى أنه- سبحانه- أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين. وقد يقال: إنه نشأ بروح منه- سبحانه- أى: أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال- تعالى-: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ «١» .
والرأى الأول أولى. وعلى ذلك يكون معنى قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ أى: أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية، ونطفة تتشكل إنسانا، وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل ...
وسمى الله- تعالى- عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة، ولأنه غلبت عليه الروحانية..
وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له، وما ليس من شأنه، إذ جعلوه إلها، أو ابن إله ... «٢» .
وقوله الْمَسِيحُ مبتدأ، وعِيسَى عطف بيان له أو بدل منه. وقوله ابْنُ مَرْيَمَ صفة له وقوله رَسُولُ اللَّهِ خبر للمبتدأ. وقوله وَكَلِمَتُهُ معطوف على ما قبله وهو رسول الله. أو قوله أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ جملة حالية من الضمير المجرور في كَلِمَتُهُ بتقدير قد، والعامل فيها معنى الإضافة. والتقدير: وكلمته ملقيا إياها إلى مريم.
стр. 1451
وقوله وَرُوحٌ مِنْهُ معطوف على كَلِمَتُهُ والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لروح.
ومن لابتداء الغاية مجازا وليست تبعيضية، أى أن الروح كائن من عند الله- تعالى- ونافخ بإذنه.
وبعد أن بين- سبحانه- القول الحق في شأن عيسى، دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به وبجميع رسله. ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال- تعالى- فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ. انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ، سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
والفاء في قوله: فَآمِنُوا للافصاح عن جواب شرط مقدر.
أى: إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته..
وقوله: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل.
أى: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، أو المعبودات ثلاثة. فثلاثة خبر لمبتدأ محذوف وعبر- سبحانه- بقوله: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ بدل قوله- مثلا-: ولا تؤمنن بثلاثة لأن أمر الثلاثة قول يقولونه، فإن سألتهم عن معناه قالوا تارة معناه: الأب والإبن والروح القدس، أى أنهم ثلاثة متفرقون. وتارة يقولون معناه: أن الأقانيم «١» ثلاثة والذات واحدة.. إلى غير ذلك من الأقوال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قال صاحب الكشاف: والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة. وأن المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله- تعالى-: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم ... ) «٢» .
هذا، وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم «٣» ..
وقوله: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أمر لهم بسلوك الطريق الحق، والإقلاع عن الضلالات والأوهام.
стр. 1452
أى: انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب، واتركوا القول بالتثليث، يكن انتهاؤكم خيرا لكم، بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية.
وقوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ إثبات لوحدانية الله- تعالى- بأقوى طريق. أى: إن المعبود بحق ليس إلا واحد، وهو الله- تعالى- ذو الجلال والإكرام، الخالق لهذا الكون، والمدبر لأمره.
وقوله: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ تنزيه له- جل وعلا- عن صفات المخلوقين، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به.
وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظه: أى: أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن يكون له ولد، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين، وهو- سبحانه- منزه عن صفات المخلوقين، قال- تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه أى أنه- سبحانه- مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها، ولا يخرج عن ملكه منها شيء.
قال- تعالى- إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك في ملكه.
وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا تذييل قصد به بيان سعة قدرته- سبحانه وهيمنته على هذا الكون. والوكيل: هو الحافظ والمدبر لأمر غيره.
أى: وكفى بالله وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه.
ومفعول كفى محذوف للعموم. أى: كفى كل أحد وكالة الله وحفظه وتدبيره، فتوكلوا عليه وحده، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له.
ثم بين- سبحانه- أن المسيح عيسى- ﵇ عبد من عباد الله- تعالى-، وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإذعان لأمره فقال: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
وأصل سْتَنْكِفَ
- يقول القرطبي: نكف، فالياء والسين والتاء زوائد. يقال: نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أى: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: سئل- رسول الله ﷺ عن سبحان الله فقال: «إنكاف الله من كل سوء» .
يعنى: تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد.
стр. 1453
قال الزجاج: استنكف أى: أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك.
ومنه الحديث «ما ينكف العرق عن جبينه» أى: ما ينقطع.
وقيل: هو من النّكف وهو العيب. يقال: ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا وكف. أى عيب. أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله- تعالى- ولن ينقطع عنها. ولن يعاب أن يكون عبدا لله تعالى «١» .
والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله- تعالى- عن أن يكون له ولد، وإثبات لوحدانيته- وإفراده بالعبادة.
وقد روى المفسرون في سبب نزولها أن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ : لم تعيب صاحبنا يا محمد؟ قال: «ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال ﷺ : وأى شيء قلت؟ قالوا تقول: إنه عبد الله ورسوله. قال ﷺ : إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله» «٢» .
والمعنى: لن يأنف المسيح ولن يمتنع عن أن يكون عبدا لله، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ليس بعده شرف. والله- تعالى- ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته.
قال- تعالى- وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ.
وصدر- سبحانه- الجملة بحرف (لن) المفيدة للنفي المؤكد، لبيان أن عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضوع له أمر مستمر وثابت ثبوتا لا شك فيه، لأنه- سبحانه- هو الذي خلق الخلق ورزقهم. ومن حقه عليهم أن يعبدوه، ويذعنوا لأمره، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف لعبادتهم له- سبحانه- كما قال الشاعر الحكيم:
ومما زادني عجبا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ... وجعلك خير خلقك لي نبيا
هذا، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وممن فهم هذا الفهم الإمام الزمخشري فقد قال:
وقوله: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
أى: لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، (من نكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بإصبعك) لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
أى: ولا من هو أعلى منه قدرا،
стр. 1454
وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم.
ثم قال: فإن قلت: من أين دل قوله لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
على أن المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث إن علم المعاني لا يقتضى غير ذلك. وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع عيسى عن منزلة العبودية. فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أعلى منه درجة. فكأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة «١» .
وهذا الفهم الذي اتجه إليه الزمخشري من أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لم يوافقه عليه أكثر العلماء، فقد قال الإمام ابن كثير:
وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال:
لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
. وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع. والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله. فأخبر- سبحانه- أنهم عبيد من عباده، وخلق من خلقه «٢» .
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال: وعندي أن الترقي قائم، ولكن في المعنى الذي سيق له الكلام. وذلك أن النصارى غلوا غلوا كبيرا في المسيح، لأنه ولد من غير أب، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة، ولأنه روحانى المعاني، فيبين الله- تعالى- أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبد الله، ولا يستنكف من هو أعلى منه في هذه المعاني أن يكون عبدا لله، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم. وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات، ومنهم من كان الروح الذي نفخ في مريم، وهم أرواح طاهرة مطهرة. فكان الترقي في هذه المعاني، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره. وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل في المنزلة عند الله. وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف، والترقي دائما يكون في المعاني التي سيق لها الكلام دون غيرها. وليس المتأخر أعلى في ذاته من المتقدم وأفضل، ولكنه أعلى في الفعل الذي كان فيه كقول القائل: لا تضرب حرا ولا عبدا. فالتدرج هنا في النهى عن الضرب، لأنه إذا كان
стр. 1455
ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز.
وذكر وصف المقربين، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم «١» .
ثم هدد- سبحانه- كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال: مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً.
أى: ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره، فإن مرد العباد جميعا إليه- سبحانه- وسيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
فالضمير في قوله سَيَحْشُرُهُمْ
يعود إلى المستنكفين والمستكبرين وإلى غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين، وبدليل التفصيل المفرع على هذا الحشر في قوله- تعالى- بعد ذلك:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أى: أن مرجع العباد جميعا إلى الله من استكبر عن عبادته وامتنع ومن لم يفعل ذلك بل آمن وأطاع.
فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، ولم يستنكفوا ولم يستكبروا، فسيعطيهم- سبحانه- ثواب أعمالهم كاملة غير منقوصة، ويزيدهم على ذلك شيئا عظيما من الرضا والفضل ومضاعفة الأجر. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادة الله وطاعته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً لا يحيط به الوصف وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا أى أحدا يدافع عنهم ويلي أمورهم، ولا يجدون كذلك «نصيرا» ينصرهم وينجيهم من عذاب الله وبأسه.
وبعد هذا الوعد والوعيد والتبشير والإنذار، والترغيب والترهيب، وجه- سبحانه- نداء عاما إلى الناس أمرهم فيه باتباع طريق الحق فقال- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.
والمراد بالبرهان هنا الدلائل والمعجزات الدالة على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه.
ويصح أن يكون المراد به النبي ﷺ وسماه- سبحانه- بذلك بسبب ما أعطاه من البراهين القاطعة التي شهدت بصدقه ﷺ ، والمراد بالنور المبين: القرآن الكريم.
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى، وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب. ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد ﷺ فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
стр. 1456
والبرهان: هو محمد ﷺ وإنما سماه برهانا، لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل. والنور المبين هو القرآن الكريم. وسماه نورا، لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب «١» ...
ومِنْ في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ لابتداء الغاية مجازا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان. أى: قد جاءكم برهان كائن من ربكم.
وفي وصف البرهان بأنه من الله- تعالى-، تقوية وتشريف لمعنى البرهان، لأنه ما دام قد جاء من عند من له الخلق والأمر- سبحانه- فلا بد أن يكون برهانا صادقا مقنعا لمن يريد أن يتبع الحق.
وقال- سبحانه- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ بإسناد الإنزال إلى ذاته- تعالى-، للإشارة إلى أنه هو مصدر الإنزال.
وقال إِلَيْكُمْ مع أن المنزل عليه هو النبي ﷺ للإشعار بكمال اللطف بهم، وللمبالغة في إزالة أعذارهم.
ووصف الشرائع والمواعظ والآداب والحكم التي اشتمل عليها القرآن الكريم بالنور المبين أى الواضح الظاهر، لأن هذه الشرائع والآداب. لا يخفى صدقها واشتمالها على الحق إلا على من انطمست بصيرته، وفسدت مداركه.
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المستجيبين للحق، السالكين الطريق المستقيم، فقال:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
أى: أن الله- تعالى- قد أرسل إلى الناس رسوله وأنزل عليهم بواسطته قرآنه، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من كفر وغوى، فأما الذين آمنوا بالله- تعالى- حق الإيمان، واعتصموا به- سبحانه- مما يضرهم ويؤذيهم، فلم يستجيروا إلا به، ولم يخضعوا إلا له، ولم يعتمدوا إلا عليه.
هؤلاء الذين فعلوا ذلك سيدخلهم الله- تعالى في رحمة منه وفضل أى سيدخلهم في جنته ورضوانه، ويضفى عليهم من فضله وإحسانه بما يشرح صدورهم، ويبهج نفوسهم، ويصلح بالهم.
وقوله وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً أى: ويوفقهم في دنياهم إلى سلوك الطريق الحق وهو
стр. 1457
طريق الإسلام، الذي يفضى بهم في آخرتهم إلى السعادة والأمان والفوز برضا الله- .
وقد ذكرت الآية ثواب الذين آمنوا بالله واعتصموا به، ولم تذكر عقاب الذين كفروا إهمالا لهم، لأنهم في حيز الطرد والطرح، أو لأن عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسبب كفرهم وسوقهم عن أمر الله.
والسين في قوله فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ للتأكيد. أى فسيدخلهم في رحمة كائنة منه وفي فضل عظيم من عنده إدخالا لا شك في حصوله ووقوعه.
وقوله صِراطاً مفعول ثان ليهدى لتضمنه معنى يعرفهم.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت أهل الكتاب عن المغالاة في شأن عيسى- ﵇، وعرفتهم حقيقته، ودعتهم إلى الإيمان بوحدانية الله، وبينت لهم ولغيرهم أن عيسى وغيره من الملائكة المقربين لن يستنكفوا عن عبادة الله، وان من امتنع عن عبادة الله فسيحاسبه- سبحانه- حسابا عسيرا، ويجازيه بما يستحقه من عقاب. أما من آمن بالله- تعالى- واتبع الحق الذي أنزله على رسله، فسينال منه- سبحانه- الرحمة الواسعة، والفضل العظيم، والسعادة التي ليست بعدها سعادة.
هذا، وكما اشتملت سورة النساء في مطلعها على الحديث عن أحكام الأسرة وأحكام الزواج والمواريث. فقد اختتمت بهذه الآية المتعلقة ببعض أحكام المواريث وهي قوله- تعالى-:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
стр. 1458
أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: دخل على النبي ﷺ وأنا مريض لا أعقل. فتوضأ فصب على أو قال:
صبوا عليه. فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة. فكيف الميراث. فأنزل الله آية الفرائض.
وفي بعض الألفاظ فأنزل الله آية الميراث يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ الآية. وفي رواية قال جابر: نزلت في: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «١» .
ويبدو أن عددا من الصحابة قد سألوا النبي ﷺ في شأن ميراث الكلالة في أزمنة متفرقة فنزلت هذه الآية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بها. وقد سمى النبي ﷺ هذه الآية بآية الصيف، لأنها نزلت في هذا الوقت.
قال القرطبي: قال عمر: إنى والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة. وقد سألت رسول الله ﷺ عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال: «يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء» «٢» .
وقوله: يَسْتَفْتُونَكَ من الاستفتاء بمعنى طلب الفتيا أو الفتوى. يقال: استفتيت العالم في مسألة كذا. أى: سألته أن يبين حكمها. فالإفتاء معناه: إظهار المشكل من الأحكام وتبينه.
والكلالة.. كما يقول الراغب-: اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة وروى أن النبي ﷺ سئل عن الكلالة فقال: «من مات وليس له ولد ولا والد» ، فجعله اسما للميت. وقال ابن عباس: هو اسم لمن عدا الولد» «٣» .
وقال ابن كثير ما ملخصه: وكان- رضى الله عنه- يقول: الكلالة من لا ولد له. وكان أبو بكر- رضى الله عنه- يقول: الكلالة ما عدا الولد والوالد.
ثم قال: وعن عمر أنه قال: إنى لأستحى أن أخالف أبا بكر. وهذا الذي قاله الصديق، هو الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه. وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدل عليه القرآن «٤» .
وقد ذكرت كلمة الكلالة مرتين في هذه السورة.
أما المرة الأولى ففي قوله- تعالى- في آيات المواريث:
стр. 1459
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ.
وقد بينا عند تفسيرنا لهذه الجملة الكريمة أن المراد بالإخوة والأخوات فيها: الإخوة لأم والأخوات لأم.
أما هنا فالأمر يختلف إذ المراد بالإخوة والأخوات في الآية التي معنا: الإخوة والأخوات الأشقاء أو من الأب فقط.
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد في كيفية ميراث الكلالة، قل الله يفتيكم في ذلك، فاسمعوا حكمه وأطيعوه ولا تخالفوه.
وقوله فِي الْكَلالَةِ متعلق بقوله يُفْتِيكُمْ.
وقد تولى- سبحانه- الإجابة مع أن المسئول هو النبي ﷺ ، للتنويه بشأن الحكم المسئول عنه، ولتأكيد أن المواريث من الأمور التي تكفل الله ببيانها وتوزيعها وحده، فلا يصح لأحد أن يخالف ما شرعه الحكيم الخبير في شأنها فهو- سبحانه- أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من آبائهم ومن أبنائهم، ومن كل مخلوق.
وقوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ، وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ كلام مستأنف مبين للاجابة عما سألوا عنه في شأن ميراث الكلالة.
والمختار الذي عليه المحققون من العلماء أن الولد هنا عام يتناول الذكر والأنثى، لأن الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا لا ذكر ولا أنثى وليس له والد- أيضا- إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأن الولد مشترك معنوي وقع نكرة في سياق النفي فيعم الابن والبنت.
وقيل: المراد بالولد هنا الذكر خاصة لأنه المتبادر من معنى اللفظ.
والمراد بالأخت هنا- كما سبق أن أشرنا- الأخت الشقيقة أو الأخت لأب.
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن توريث الكلالة فقل لهم: الله يفتيكم في ذلك، إذا مات إنسان ولم يترك أولادا لا من الذكور ولا من الإناث. ولم يترك كذلك والدا، وترك أختا شقيقة أو من أبيه، فلأخته في تلك الحالة نصف ما تركه هذا الميت بالفرض، والباقي للعصبة، أولها بالرد إن لم يترك عصبة.
وإذا ماتت الأخت قبل أخيها ولم يكن لها ولد- ذكرا كان أو أنثى-، ولم يكن لها كذلك والد، فإن الأخ في تلك الحالة يحرز جميع مالها.
стр. 1460
وقوله: امْرُؤٌ مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده أى: إن هلك امرؤ وقوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ في محل رفع على أنه صفة لقوله امْرُؤٌ أى: هلك امرؤ غير ذي ولد ولا والد.
والفاء في قوله فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ واقعة في جواب الشرط.
وقوله وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ جملة مستأنفة. سدت مسد جواب الشرط في قوله:
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ.
قال الآلوسي: والآية كما أنها لم تدل على سقوط الإخوة بغير الولد، فإنها لم تدل على عدم سقوطهم به. وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب. إذ صح عنه- ﷺ أنه قال:
«ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ.
وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة «١» .
ثم بين- سبحانه- صورتين أخريين من صور الكلالة فقال: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ. وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أى: فإن كانتا أى:
الوارثتان بالأخوة اثنتين أو أكثر، فلهما الثلثان مما ترك أخوهما المتوفى، وإن كان الورثة لهذا الأخ المتوفى إخوة من الرجال والنساء ففي هذه الحالة تقسم تركته بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد ذكرت صورا أربعا لميراث الإخوة والأخوات للميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا. أى الميت الكلالة.
١- أن يموت الميت وترثه أخت واحدة. ففي هذه الحالة يكون لها نصف تركته بالفرض والباقي للعصبة إن وجدوا، فإن لم يوجدوا فلها الباقي بالرد.
٢- أن يكون الأمر بالعكس بأن تموت امرأة ويرثها أخ واحد. فيكون له جميع تركتها.
٣- أن يكون الميت أخا أو أختا والوارث أختان فصاعدا، ففي هذه الحالة يكون لهما أو لهن الثلثان.
٤- أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة والأخوات، ففي هذه الحالة تقسم التركة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
هذا، وظاهر الآية يفيد أنه لا فرق بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب في أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا ولكن هذا الظاهر غير مراد، فقد خصصت السنة هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب. فإذا ما اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب.
стр. 1461
وقد تكفلت كتب الفروع ببسط الكلام عن هذه الأحكام وأمثالها. هذا، وقوله- تعالى- يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تذييل قصد به إظهار جانب من فضل الله- تعالى- على عباده، وتحذيرهم من مخالفة شرعه وأمره.
أى: يبين الله لكم هذه الأحكام المتعلقة بالمواريث كما يبين لكم غيرها خشية أن تضلوا طريق الحق في ذلك. بأن تعطوا من لا يستحق أو تهملوا من يستحق، والله- تعالى- عليم بكل شيء لا تخفى عليه خافية من أحوالكم، وسيحاسبكم على أعمالكم، فيجازى المتبع لشرعه بالثواب العظيم، ويجازى المخالف له بالعذاب الأليم.
والمفعول في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا محذوف، والمصدر المنسبك من أن والفعل مفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف أى: يبين الله لكم الحلال والحرام وجميع الأحكام خشية أن تضلوا.
ويجوز أن يكون المصدر هو مفعول قوله يُبَيِّنُ أى: يبين الله لكم ضلالكم لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليجتنب، والخير يعرف ليفعل.
ويرى بعضهم أن الكلام على تقدير (اللام ولا) في طرفي «أن» والمعنى: يبين الله لكم ذلك لئلا تضلوا.
ثم أما بعد: فهذا تفسير وسيط لسورة النساء.
تلك السورة التي نظمت المجتمع الإسلامى تنظيما دقيقا حكيما.
نظمته فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية، ونظمته فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية. أما فيما يتعلق بأوضاعه الداخلية، فقد رأينا فيما سبق، كيف ساقت الأحكام والآداب والتوجيهات التي تكون مجتمعا فاضلا، يعرف الفرد فيه واجبه نحو خالقه، وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو غيره.
مجتمعا تقوم الأسرة فيه على دعائم ثابتة من الأمان والاطمئنان، والمحبة والمودة والوئام.
مجتمعا رجاله يكرمون نساءه، ويعطفون عليهن، ويعاشرونهن بالمعروف. ونساؤه يحترمن رجاله، ويؤدين ما عليهن نحوهم من حقوق بأدب، وعفة، وإخلاص، ووفاء.
مجتمعا حكامه يحكمون بالعدل، ويراقبون الله في أقوالهم وأعمالهم. المحكومون فيه يطيعون حكامهم فيما يأمرونهم به من حق وخير.
مجتمعا يرى أفراده أن خيراته وأمواله. هي أمانة في أعناقهم جميعا، وأن ثمارها ومنافعها ستعود عليهم جميعا. لذا فهم يحرصون على استغلال ما يملكونه منها فيما يرضى الله، وفيما يعود
стр. 1462
عليهم وعلى أمتهم بالخير والصلاح والاستغناء والفلاح.
وأما فيما يتعلق بأوضاعه الخارجية، فقد رأينا- أيضا- فيما سبق، كيف كشفت النقاب عن رذائل المنافقين. وعن العقائد الفاسدة التي يتشبث بها أهل الكتاب. وعن المسالك الخبيثة، والوسائل المتعددة التي اتبعها هؤلاء جميعا لكيد الدعوة الإسلامية والإساءة إلى النبي ﷺ .
كما رأينا كيف أنها قد حذرت المؤمنين من شرور أعدائهم، وبصرتهم بما يجب عليهم نحوهم. وبما يجعلهم دائما على أتم استعداد لمقاومتهم، ولتأديبهم ولرد كيدهم في نحورهم.
ولقد ساقت السورة الكريمة من الآيات التي ترغب في الجهاد في سبيل الله، ما يجعل المؤمنين يقبلون عليه بقلوب منشرحة، وبعزائم ثابتة، وبأرواح غايتها الشهادة في سبيل الله.
وباتباع المسلمين السابقين لهذا التوجيه الحكيم الذي اشتملت عليه هذه السورة الكريمة، نالوا ما نالوا من مجد وسؤدد، وظفروا بما ظفروا به من عزة وسعادة، وأصابوا ما أصابوا من خير وفلاح.
وأخيرا، فإنى أحمد الله- تعالى- حمدا كثيرا على توفيقه لي لخدمة كتابه، وأضرع إليه بإخلاص أن يعينني على إتمام ما بدأته من خدمة كتابه، إنه أعظم مسئول وأكرم مأمول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر
стр. 1463
فهرس إجمالى لتفسير سورة «النساء»
رقم الآية الآية المفسرة الصفحة المقدمة ٥ بين يدي السورة ٧ ١ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ١٩ ٢ وآتوا اليتامى أموالهم ٢٥ ٣ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ٢٨ ٤ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ٣٦ ٥ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ٤٠ ٦ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ٤٣ ٧ للرجال نصيب مما ترك الوالدان ٤٩ ٨ وإذا حضر القسمة أولو القربى ٥٢ ٩ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ٥٤ ١٠ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ٥٨ ١١ يوصيكم الله في أولادكم ٦٣ ١٢ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ٧١ ١٣ تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله ٧٦ ١٤ ومن يعص الله ورسوله ٧٦ ١٥ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ٧٩ ١٦ واللذان يأتيانها منكم ٨٢ ١٧ إنما التوبة على الله للذين يعملون ٨٤ ١٨ وليست التوبة للذين يعملون ٨٧ ١٩ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ٨٨ ٢٠ وإن أردتم استبدال زوج ٩٤
стр. 1464
٢١ وكيف تأخذونه وقد أفضى ٩٥ ٢٢ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ٩٨ ٢٣ حرمت عليكم أمهاتكم ١٠٢ ٢٤ والمحصنات من النساء ١٠٨ ٢٥ ومن لم يستطع منكم طولا ١١٥ ٢٦ يريد الله ليبين لكم ١٢١ ٢٧ والله يريد أن يتوب عليكم ١٢٣ ٢٨ يريد الله أن يخفف عنكم ١٢٣ ٢٩ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ١٢٤ ٣٠ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ١٢٨ ٣١ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ١٢٨ ٣٢ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ١٣٠ ٣٣ ولكل جعلنا موالي مما ترك ١٣٢ ٣٤ الرجال قوامون على النساء ١٣٥ ٣٥ وإن خفتم شقاق بينهما ١٤١ ٣٦ واعبدوا الله ولا تشركوا به ١٤٤ ٣٧ الذين يبخلون ويأمرون الناس ١٤٩ ٣٨ والذين ينفقون أموالهم ١٥٠ ٣٩ وماذا عليهم لو آمنوا بالله ١٥١ ٤٠ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ١٥١ ٤١ فكيف إذا جئنا من كل أمة ١٥٣ ٤٢ يومئذ يود الذين كفروا ١٥٤ ٤٣ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ١٥٦ ٤٤ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ١٦٧
стр. 1465
٤٥ والله أعلم بأعدائكم ١٦٩ ٤٦ من الذين هادوا يحرفون ١٧٠ ٤٧ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ١٧٣ ٤٨ إن الله لا يغفر أن يشرك به ١٧٧ ٤٩ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ١٧٨ ٥٠ انظر كيف يفترون ١٨٠ ٥١ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ١٨٠ ٥٢ أولئك الذين لعنهم الله ١٨٢ ٥٣ أم لهم نصيب من الملك ١٨٣ ٥٤ أم يحسدون الناس ١٨٣ ٥٥ فمنهم من آمن به ١٨٤ ٥٦ إن الذين كفروا بآياتنا ١٨٥ ٥٧ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ١٨٦ ٥٨ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ١٨٧ ٥٩ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ١٩١ ٦٠ ألم تر إلى الذين يزعمون ١٩٤ ٦١ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ١٩٧ ٦٢ فكيف إذا أصابتهم مصيبة ١٩٧ ٦٣ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ١٩٨ ٦٤ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ٢٠٠ ٦٥ فلا وربك لا يؤمنون ٢٠٢ ٦٦ ولو أنا كتبنا عليهم ٢٠٤ ٦٧ وإذا لآتيناهم من لدنا ٢٠٦ ٦٨ ولهديناهم صراطا مستقيما ٢٠٦
стр. 1466
٦٩ ومن يطع الله والرسول ٢٠٨ ٧٠ ذلك الفضل من الله ٢١٠ ٧١ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ٢١٢ ٧٢ وإن منكم لمن ليبطئن ٢١٤ ٧٣ ولئن أصابكم فضل من الله ٢١٥ ٧٤ فليقاتل في سبيل الله ٢١٧ ٧٥ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ٢١٨ ٧٦ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ٢٢٠ ٧٧ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ٢٢١ ٧٨ أينما تكونوا يدرككم الموت ٢٢٧ ٧٩ ما أصابك من حسنة ٢٢٩ ٨٠ من يطع الرسول فقد أطاع الله ٢٣٢ ٨١ ويقولون طاعة ٢٣٢ ٨٢ أفلا يتدبرون القرآن ٢٣٤ ٨٣ وإذا جاءهم أمر من الأمن ٢٣٥ ٨٤ فقاتل في سبيل الله ٢٣٩ ٨٥ من يشفع شفاعة حسنة ٢٤٢ ٨٦ وإذا حييتم بتحية فحيوا ٢٤٤ ٨٧ الله لا إله إلا هو ٢٤٥ ٨٨ فما لكم في المنافقين فئتين ٢٤٦ ٨٩ ودوا لو تكفرون كما كفروا ٢٤٩ ٩٠ إلا الذين يصلون إلى قوم ٢٥١ ٩١ ستجدون آخرين يريدون ٢٥٤ ٩٢ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ٢٥٥
стр. 1467
٩٣ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ٢٦١ ٩٤ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم ٢٦٣ ٩٥ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ٢٦٨ ٩٦ درجات منه ومغفرة ورحمة ٢٧٢ ٩٧ إن الذين توفاهم الملائكة ٢٧٤ ٩٨ إلا المستضعفين من الرجال ٢٧٧ ٩٩ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ٢٧٨ ١٠٠ ومن يهاجر في سبيل الله ٢٧٨ ١٠١ وإذا ضربتم في الأرض ٢٨٢ ١٠٢ وإذا كنت فيهم فأقمت ٢٨٧ ١٠٣ فإذا قضيتم الصلاة ٢٩٣ ١٠٤ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ٢٩٤ ١٠٥ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ٢٩٦ ١٠٦ واستغفر الله إن الله ٢٩٩ ١٠٧ ولا تجادل عن الذين يختانون ٢٩٩ ١٠٨ يستخفون من الناس ٣٠٠ ١٠٩ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ٣٠١ ١١٠ ومن يعمل سوءا ٣٠١ ١١١ ومن يكسب إثما ٣٠٢ ١١٢ ومن يكسب خطيئة أو إثما ٣٠٣ ١١٣ ولولا فضل الله عليك ٣٠٤ ١١٤ لا خير في كثير من نجواهم ٣٠٦ ١١٥ ومن يشاقق الرسول ٣١٠ ١١٦ إن الله لا يغفر أن يشرك به ٣١١
стр. 1468
١١٧ إن يدعون من دونه إلا إناثا ٣١٣ ١١٨ لعنه الله وقال ٣١٤ ١١٩ ولأضلنهم ولأمنينهم ٣١٥ ١٢٠ يعدهم ويمنيهم ٣١٧ ١٢١ أولئك مأواهم جهنم ٣١٧ ١٢٢ والذين آمنوا وعملوا ٣١٨ ١٢٣ ليس بأمانيكم ٣١٩ ١٢٤ ومن يعمل من الصالحات ٣٢١ ١٢٥ ومن أحسن دينا ٣٢٢ ١٢٦ ولله ما في السموات وما في الأرض ٣٢٤ ١٢٧ ويستفتونك في النساء ٣٢٤ ١٢٨ وإن امرأة خافت من بعلها ٣٢٩ ١٢٩ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ٣٣٣ ١٣٠ وإن يتفرقا ٣٣٦ ١٣١ ولله ما في السموات وما في الأرض ٣٣٧ ١٣٢ ولله ما في
السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ٣٣٨ ١٣٣ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ٣٣٩ ١٣٤ من كان يريد ثواب الدنيا ٣٤٠ ١٣٥ يا أيها الذين آمنوا كونوا ٣٤١ ١٣٦ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ٣٤٦ ١٣٧ إن الذين آمنوا ثم كفروا ٣٤٧ ١٣٨ بشر المنافقين ٣٥٠ ١٣٩ الذين يتخذون الكافرين ٣٥٠ ١٤٠ وقد نزل عليكم في الكتاب ٣٥٢
стр. 1469
١٤١ الذين يتربصون بكم ٣٥٤ ١٤٢ إن المنافقين يخادعون ٣٥٦ ١٤٣ مذبذبين بين ذلك ٣٥٨ ١٤٤ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ٣٥٨ ١٤٥ إن المنافقين في الدرك ٣٥٩ ١٤٦ إلا الذين تابوا ٣٦١ ١٤٧ ما يفعل الله بعذابكم ٣٦٢ ١٤٨ لا يحب الله الجهر بالسوء ٣٦٤ ١٤٩ إن تبدوا خيرا أو تخفوه ٣٦٦ ١٥٠ إن الذين يكفرون بالله ٣٦٧ ١٥١ أولئك هم الكافرون حقا ٣٦٧ ١٥٢ والذين آمنوا بالله ورسله ٣٦٨ ١٥٣ يسألك أهل الكتاب ٣٦٨ ١٥٤ ورفعنا فوقهم الطور ٣٧٢ ١٥٥ فبما نقضهم ميثاقهم ٣٧٤ ١٥٦ وبكفرهم وقولهم على مريم ٣٧٧ ١٥٧ وقولهم إنا قتلنا المسيح ٣٧٨ ١٥٨ بل رفعه الله إليه ٣٨٢ ١٥٩ وإن من أهل الكتاب إلا ٣٨٤ ١٦٠ فبظلم من الذين هادوا ٣٨٥ ١٦١ وأخذهم الربا وقد نهوا ٣٨٦ ١٦٢ لكن الراسخون في العلم منهم ٣٨٧ ١٦٣ إنا أوحينا إليك ٣٨٩ ١٦٤ ورسلا قد قصصناهم ٣٩٢
стр. 1470
١٦٥ رسلا مبشرين ومنذرين ٣٩٣ ١٦٦ لكن الله يشهد بما أنزل إليك ٣٩٥ ١٦٧ إن الذين كفروا وصدوا ٣٩٦ ١٦٨ إن الذين كفروا وظلموا ٣٩٧ ١٦٩ إلا طريق جهنم ٣٩٧ ١٧٠ يا أيها الناس قد جاءكم ٣٩٨ ١٧١ يا أهل الكتاب لا تغلوا ٣٩٩ ١٧٢ لن يستنكف المسيح ٤٠٤ ١٧٣ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ٤٠٧ ١٧٤ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ٤٠٧ ١٧٥ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ٤٠٨ ١٧٦ يستفتونك قل الله يفتيكم ٤٠٩
стр. 1471
[المجلد الرابع]
تفسير سورة المائدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ولينقذهم من الظلم والفجور.
قال- تعالى-: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
ولقد كان من فضل الله علينا، أن وفقنا لخدمة كتابه، فأعاننا على كتابة تفسير سور: الفاتحة والبقرة، وآل عمران، والنساء ويسعدني أن أتبع ذلك بتفسير محرر لسورة المائدة، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة، وحجج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فإذا هو زاهق.
وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها بالتفصيل والتحليل، أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها، ووجه اتصالها بالسورة التي قبلها، وزمان نزولها، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.
وقد كان منهجي في تفسير هذه السورة، هو المنهج الذي سلكته في تفسير السور السابقة.
وملخصه: أنى أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا، ثم أبين المراد منها- إذا كان الأمر يقتضى ذلك.
ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات- إذا وجد وكان مقبولا- ثم أذكر المعنى الإجمالى للجملة أو للآية، مستعرضا ما اشتملت عليه من وجوه البلاغة وحسن التوجيه.
ثم أتبع هذا ببيان ما يؤخذ من الآية أو الآيات من أحكام وآداب وتشريعات.
стр. 1472
وقد حرصت كثيرا على تخريج الأحاديث التي أذكرها، وعلى بيان المصادر التي أنقل عنها.
وتعمدت- عند النقل من المصدر لأول مرة- أن أبين زمان طبعته ومكانها ثم ألتزم النقل عنه بعد ذلك إلى نهاية السورة، دون أن ألجأ إلى طبعات أخرى إلا عند الضرورة القصوى.
وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب، واكتفيت بالراجح منها..
وذلك لأنى توخيت فيما أكتب إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة وآداب سامية، وعظات بليغة وتوجيهات نافعة، وأقوال مأثورة.
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وأن يعيننا على إتمام ما بدأناه من خدمة لكتابه، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ١٥ من ربيع الأول ١٤٠٧ هـ ١٧ من نوفمبر ١٩٨٦ م محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر
стр. 1473
تمهيد بين يدي السورة
١- سورة المائدة هي السورة الخامسة من سور القرآن الكريم في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء.
٢- وهي مدنية باتفاق العلماء. بناء على القول الذي رجحه العلماء من أن القرآن المدني هو الذي نزل على رسول الله ﷺ بعد الهجرة ولو كان نزوله في غير المدينة.
٣- وعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين ويرى الحجازيون والشاميون أن عدد آياتها اثنتان وعشرون ومائة آية، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة آية.
٤- ولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها: المائدة.
وسميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة المائدة التي طلب الحواريون من عيسى- ﵇ نزولها من السماء. وقد حكى الله- تعالى- ذلك في آخر السورة في قوله- تعالى-: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (الآيات من ١١٢: ١١٥) وتسمى أيضا بسورة العقود، لأنها السورة الوحيدة التي افتتحت بطلب الإيفاء بالعقود. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وتسمى- أيضا- المنقذة.
قال القرطبي: وروى عنه ﷺ أنه قال: «سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة. تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب «١» » .
٥- ووجه اتصالها بسورة النساء- كما يقول الآلوسى- «أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود: صريحا وضمنا. فالصريح: عقود الأنكحة وعقد الصداق. وعقد الحلف. وعقد المعاهدة والأمان. والضمنى: عقد الوصية والوديعة. والوكالة. والعارية. والإجارة. وغير ذلك مما يدخل في قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.
فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود. فكأنه قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، وإن كان في هذه السورة- أيضا- عقود.
ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة. أن أول تلك يا أَيُّهَا النَّاسُ وفيها الخطاب بذلك في
стр. 1474
مواضع، وهي أشبه بتنزيل المكي. وأول هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المدني. وتقديم العام وشبه المكي أنسب «١» .
٦- وقد وردت روايات تفيد أن سورة المائدة نزلت على النبي ﷺ دفعة واحدة. ومن هذه الروايات ما أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إنى لآخذة بزمام ناقة رسول الله العضباء، إذ نزلت عليه المائدة كلها. فكادت من ثقلها تدق عنق الناقة «٢» .
وروى الإمام أحمد- أيضا- عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها «٣» .
وهناك روايات أخرى تحدثت عن زمان ومكان نزولها، ومن هذه الروايات ما أخرجه أبو عبيد عن محمد القرظي قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله ﷺ في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة «٤» .
وقال القرطبي: وروى أنها نزلت عند منصرف رسول الله من الحديبية «٥» .
وهناك روايات تحدثت عن زمان ومكان نزول بعض آياتها.
قال السيوطي في كتابه «الإتقان» - عند حديثه عن معرفة الحضري والسفرى-: وللسفرى أمثلة منها: قوله- تعالى- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب:
أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة، عام حجة الوداع.
ومنها: آية التيمم. ففي الصحيح عن عائشة، أنها نزلت بالبيداء وهم داخلون المدينة- بعد انتهائهم من غزوة المريسيع كما جاء في بعض الروايات.
ومنها: قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فقد نزلت ببطن نخل.
ومنها: قوله- تعالى- وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فقد نزلت في غزوة ذات الرقاع.
وهذه الآيات جميعها من سورة المائدة» «٦» .
والذي تطمئن إليه النفس عند تلاوة سورة المائدة بتدبر وإمعان فكر، وعند مراجعة الروايات
стр. 1475
التي وردت في سبب نزول بعض آياتها، يرى أن هذه السورة الكريمة لم تنزل دفعة واحدة، وإنما نزلت متفرقة وفي أوقات مختلفة.
ومما يشهد لذلك ما جاء في كتب الحديث وفي كتب السيرة أن المقداد بن الأسود قد قال للنبي ﷺ قبيل التحام المسلمين مع المشركين في غزوة بدر: يا رسول الله امض لما أمرك الله. فو الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى. اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.
فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به. أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين- في بدر- فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا.. ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك» «١» .
فهذا النص يفيد أن الصحابة كانوا على علم قبل غزوة بدر بهذه الآيات التي وردت في سورة المائدة، والتي تحكى موقف بنى إسرائيل من نبيهم موسى عند ما دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة «٢» .
كذلك مما يشهد بأن سورة المائدة قد نزلت منجمة ولم تنزل دفعة واحدة ما نقلناه منذ قليل عن السيوطي من أن بعض آياتها قد نزلت في أزمنة وأمكنة مختلفة.
وأيضا مما يشهد لذلك، أن المتأمل في بعض آياتها يراها تحكى لنا ألوانا من تعنت اليهود مع النبي ﷺ ومن تحاكمهم إليه لا من أجل الوصول إلى الحق وإنما من أجل إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة.
قال- تعالى- وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا.
وفعلهم هذا يدل على أنهم كانت لهم قوة ونفوذ في المدينة عند نزول هذه الآيات.
ومن المعروف تاريخيا أن نفوذ اليهود بالمدينة قد تلاشى بعد غزوة بنى قريظة في السنة الخامسة من الهجرة. وأن قوتهم قد زالت بعد فتح خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة.
ومن كل هذا نستخلص أن بعض آيات هذه السورة يغلب على ظننا أنها نزلت على النبي ﷺ في السنوات التي سبقت صلح الحديبية وأن الروايات التي نقلناها قبل ذلك عن بعض المفسرين، والتي يستفاد منها أن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، أو أنها نزلت عند منصرف