مقهورين لكم. أذلة أمام قوتكم. ومادام الأمر كذلك فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ أى: فلا تجعلوا مكانا لخشية المشركين في قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا، بل اجعلوا خشيتكم وخوفكم وهيبتكم من الله وحده الذي جعل لكم الغلبة والنصر عليهم.
ثم عقب ذلك- سبحانه- ببيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإسلامية فقال:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
أى اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامى، ونصرى لكم على أعدائكم وتمكينى إياكم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم في الطواف بالبيت أحد من المشركين.
وأتممت عليكم نعمتي، بأن أزلت دولة الشرك من مكة، وجعلت كلمتكم هي العليا وكلمة أعدائكم هي السفلى، ورضيت لكم الإسلام دينا، بأن اخترته لكم من بين الأديان. وجعلته الدين المقبول عندي، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال- تعالى-:
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ وليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتا في علم الله قابلا للنسخ. ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان، وغير قابلة للنسخ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإمام الرازي: قال القفال: إن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبدا كاملا. يعنى: كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت إلا أنه- تعالى- كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه. فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت. وكان يزيد بعد العدم. وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة. فالشرع أبدا كان كاملا. إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص. والثاني كمال إلى يوم القيامة. فالأجل هذا قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «١» .
وقال القرطبي ما ملخصه: لعل قائلا يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات. وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار. قبل نزول هذه الآية- ماتوا على دين ناقص. ومعلوم أن النقص عيب؟
فالجواب أن يقال له: لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه؟ ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها..؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب.
стр. 1507
وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد فيقال له: إنه كان ناقصا عما كان عند الله أنه ملحقه به، وضامه إليه.. وهكذا شرائع الإسلام شرعها الله شيئا فشيئا إلى أن أنهى- الدين منتهاه الذي كان له عنده.
وثانيهما: أنه أراد بقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أنه وفقهم للحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره، فحجوا فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، وقياما بفرائضه وفي الحديث: «بنى الإسلام على خمس» وقد كانوا تشهدوا، وصلوا، وزكوا، وصاموا، وجاهدوا، واعتمروا، ولم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي ﷺ أنزل الله وهم بالموقف عشية عرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. أى: أكمل وضعه لهم.
وقد روى الأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرءونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأى آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال عمر: إنى لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة في يوم جمعة» .
وروى أنها لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله- ﷺ بكى عمر، فقال له ما يبكيك؟ فقال: أبكانى أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي ﷺ : «صدقت» «١» .
وبعد أن ذكر- سبحانه- في صدر الآية أحد عشر نوعا من المحرمات، وأتبع ذلك ببيان إكمال الذين وإتمام النعمة على المؤمنين. جاء ختام الآية لبيان حكم المضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فقال- تعالى-: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وقوله اضْطُرَّ من الاضطرار بمعنى الوقوع في الضرورة.
والمخمصة: خلو البطن من الغذاء عند الجوع الشديد. يقال خمصه الجوع خمصا ومخمصة.
إذا اشتد به. وفي الحديث: «إن الطير تغدو خماصا- أى جياعا ضامرات البطون- وتروح بطانا- أى مشبعات» . وقال الأعشى:
يبيتون في المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا
стр. 1508
أى: وجاراتهم جوعى وقد ضمرت بطونهن من شدة الجوع.
وقوله مُتَجانِفٍ من الجنف وهو الميل، يقال: جنف عن الحق- كفرح- إذا مال عنه وجنف عن طريقه- كفرح وضرب- جنفا وجنوفا إذا مال عنه.
والمعنى: فمن ألجأته الضرورة إلى كل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة حالة كونه غير مائل إلى ارتكاب إثم من الآثام فلا ذنب عليه في ذلك لأن الله- تعالى- واسع المغفرة.
فهو بكرمه يغفر لعباده تناول ما كان محرما إذا اضطروا إلى تناوله لدفع الضرورة بدون بغى أو تعد، وهو واسع الرحمة حيث أباح لهم ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرما.
قال الآلوسى: وقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أى غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائدا على ما يمسك رمقه فإن ذلك حرام. وقيل: يجوز أن يشبع عند الضرورة. وقيل:
المراد غير عاص بأن يكون باغيا أو عاديا بأن ينزعها من مضطر آخر أو خارجا في معصية «١» .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت ما يحرم في حالة الاختيار، وما يحل في حالة الاضطرار.
وجاءت بين ذلك بجمل معترضة- وهي قوله الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ إلى قوله:
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً لتأكيد تحريم هذه الأشياء، لأن تحريمها من جملة الدين الكامل، والنعمة التامة، والإسلام المرضى عند الله.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتى:
١- حرمة هذه الأنواع الأحد عشر التي ذكرها الله- تعالى- في هذه الآية ووجوب الابتعاد عنها لأنها رجس أو فسق، ولأن استحلال شيء منها يكون خروجا عن تعاليم دين الله، وانتهاكا لحرماته.
٢- حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، متى ذبحت ذبحا شرعيا وكانت بها بقية حياة تجعلها تضطرب بعد ذبحها اضطراب المذبوح.
وللفقهاء كلام طويل في ذلك يؤخذ منه اتفاقهم على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الذكاة محللة له.
أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل له بسبب الخنق أو الوقذ أو التردي أو النطح أو أكل السبع منه، فقد أفتى كثير من العلماء بعمل الذكاة فيه، وقد أخذ بذلك الأحناف. فقد قالوا:
متى كانت عينه أو ذنبه يتحرك أو رجله تركض ثم ذكى فهو حلال.
وقال قوم لا تعمل الذكاة فيه ويحرم أكله.
стр. 1509
ومنشأ اختلافهم في أن الذكاة تعمل أولا تعمل يعود إلى: هل الاستثناء هنا متصل أو منقطع؟
فمن قال إنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل حرف الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه فيكون حلالا.
ومن قال إنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة. وكأنه قال: ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال أباح الله لكم التمتع به. أما هذه الحيوانات التي حرمها الله في الآية فلا يجوز لكم الأكل منها مطلقا.
وقد رجح المحققون من العلماء أن الاستثناء متصل، وقالوا: يؤيد القول بأن الاستثناء متصل الإجماع على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه، فيكون الاستثناء فيه متصلا.
هذا ملخص لما قاله العلماء في هذه المسألة ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفروع.
٣- إباحة تناول هذه المحرمات عند الضرورة لدفع الضرر، وأن هذه الاباحة مقيدة بقيود ذكرها الفقهاء من أهمها قيدان.
الأول: أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.
الثاني: ألا يتجاوز ما يسد الحاجة، أما إذا قصد التلذذ أو إرضاء الشهوة، أو تجاوز المقدار الذي يدفع الضرر فإنه في هذه الأحوال يكون واقعا في المحرم الذي نهى الله عنه.
وقد تكلم الإمام ابن كثير عن هذه المسألة فقال: قوله- تعالى- فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أى: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله لضرورة ألجأته إلى ذلك فله تناوله والله غفور له رحيم به، لأنه- تعالى- يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر- مرفوعا- قال: رسول الله ﷺ «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» .
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان، وهو إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أوله أن يشبع ويتزود على أقوال، وليس من شرط تناول الميتة أن يمضى عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم- بل متى اضطر إلى ذلك جاز له.
وقد روى الإمام أحمد عن أبى واقد الليثي أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها
стр. 1510
المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفثوا بقلا فشأنكم بها» .
والاصطباح شرب اللبن بالغداة فما دون القائلة، وما كان منه بالعشي فهو الاغتباق ومعنى لم تحتفثوا: أى تقتلعوا.
وقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أى متعاط لمعصية الله.
وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي «١» .
٤- أخذ العلماء من قوله- تعالى- وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ أن الاستقسام بالأزلام محرم، ومحرم أيضا كل ما يشبهه من القمار والتنجيم والرمل وما إلى ذلك قال بعض العلماء: من عمل بالأزلام في السعد والنحس معتقدا أن لها تأثيرا كفر وإن لم يعتقد أثم.
وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «العيافة والطرق والطيرة من الجبت» .
والعيافة: زجر الطير. والطرق: الخط يخط في الأرض. وقيل: الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء.
وفي القاموس: عفت الطير عيافة زجرتها. وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها فتسعد وتتشاءم. وهو من عادة العرب كثيرا. والطيرة: من اطيرت وتطيرت وهو ما يتشاءم من الفأل الرديء، وفي الحديث أنه ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة «٢» .
والجبت: كل ما عبد من دون الله.
وقد روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » .
وعن عمران بن حصين مرفوعا: ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له» «٣» .
стр. 1511
٥- استدل بعضهم بقوله- تعالى- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ على نفى القياس وبطلان العمل به لأن إكمال الدين يقتضى أنه نص على أحكام جميع الوقائع إذ لو بقي بعض لم يبين حكمه لم يكن الدين كاملا.
وأجيب على ذلك بأن غاية ما يقتضيه إكمال الدين أن يكون الله- تعالى- قد أبان الطرق لجميع الأحكام وقد أمر الله بالقياس، وتعبد المكلفين به بمثل قوله- تعالى- فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. فكان هذا مع النصوص الصريحة بيانا لكل أحكام الوقائع، غاية الأمر أن الوقائع صارت قسمين: قسما نص الله على حكمه، وقسما أرشد الله- تعالى- إلى أنه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول. فلم تصلح الآية متمسكا لهم «١» .
٦- الآية الكريمة قد اشتملت على بشارات لأبناء هذه الأمة الإسلامية فقد بشرتهم- أولا- بأن أعداءهم قد انقطع رجاؤهم في إبطال أمر الإسلام أو تحريفه أو تبديل أحكامه التي كتب الله لها البقاء.
وها نحن أولا. نراجع التاريخ فنرى المسلمين قد تغلب عليهم أعداؤهم في معارك حربية ولكن هؤلاء الأعداء لم يستطيعوا التغلب على أحكام هذا الدين ومبادئه. بل بقيت محفوظة يتناقلها الخلف عن السلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه رضى بالتحريش بينهم» .
وبشرتهم- ثانيا- بإكمال هذا الدين، فأنت ترى نصوصه وافية بكل ما يحتاج إليه البشر، إما بالنص على كل مسألة يحتاجون إليها، أو باندراج هذه المسألة أو المسائل تحت العمومات الشاملة والمبادئ الكلية التي جاء بها دين الإسلام المكتمل في عقائده وفي تشريعاته وفي آدابه، وفي غير ذلك مما يسعد الإنسان.
وبشرتهم- ثالثا- بإتمام نعمة الله عليهم. وأى نعمة أتم على المؤمنين من إخراج الله إياهم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية ومن تمكينه لهم في الأرض واستخلافهم فيها، وجعل كلمتهم العليا بعد أن كانوا في ضعف من أمرهم وفساد في أحوالهم.
وبشرتهم- رابعا- بأن الله قد اختار لهم الإسلام دينا، وجعله هو الدين المرضى عنده وهو الذي يجب على الناس أن يدخلوا فيه، وأن يعملوا بأوامره ونواهيه، لأنه من الحمق والغباء أن يبتعد إنسان عن الدين الذي اختاره الله وارتضاه ليختاره لنفسه طريقا من نزغات نفسه وهواه.
стр. 1512
وهذه بعض الأحكام والآداب التي استلهمها العلماء من الآية الكريمة. وهناك أحكام أخرى ذكرناها خلال تفسيرنا لألفاظ الآية الكريمة.
وبعد أن بين- سبحانه- أنواعا من: المحرمات. شرع في بيان ما أحله لهم من طيبات فقال- تعالى-
[سورة المائدة (٥) : آية ٤]
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)
أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير عن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية «١» .
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم من المطاعم بعد أن عرفوا ما حرم منها؟ قل لهم أحل الله لكم الطيبات.
والطيبات: جمع طيب وهو الشيء المستلذ. وفسره بعضهم بالحلال.
أى: قل لهم أحل الله لكم الأطعمة الطيبة التي تستلذها النفوس المستقيمة وتستطيبها ولا تستقذرها، والتي لم يرد في الشرع ما يحرمها ويمنع من تناولها.
وفي قوله يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ التفات من الحاضر إلى الغائب، لأن في السياق حكاية عنهم كما يقال: أقسم فلان ليفعلن كذا، لأن هذا الالتفات أدعى إلى تنبيه الأذهان، وتوجيهها إلى ما يراد منها.
وقد أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يتولى الجواب عن سؤالهم لأنه هو المبلغ للرسالة وهو المبين لهم ما حفى؟؟؟ عليهم من أمور دينهم ودنياهم.
وقوله ماذا اسم استفهام مبتدأ، وقوله أُحِلَّ لَهُمْ خبره كقولك: أى شيء أحل لهم.
وجواب سؤالهم جاء في قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ.
وقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ معطوف على الطيبات بتقدير مضاف وما موصولة. والعائد محذوف.
стр. 1513
والْجَوارِحِ جمع جارحة. وهي- كما يقول ابن جرير- الكواسب من سباع البهائم والطير. سميت جوارح لجرحها لأربابها، وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد. يقال منه: جرح فلان لأهله خيرا. إذا أكسبهم خيرا وفلان جارحة أهله. يعنى بذلك: كاسبهم، ويقال:
لا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب» .
ومنه قوله- تعالى- وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ «١» أى: كسبتم بالنهار. وقيل: سميت جوارح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه.
وقوله: مُكَلِّبِينَ أى: مؤدبين ومعودين لها على الصيد. فالتكليب: تعليم الكلاب وما يشبهها الصيد. فهو اسم فاعل مشتق من اسم هذا الحيوان المعروف لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب. أو هو مشتق من الكلب بمعنى الضراوة. يقال: كلب الكلب يكلب واستكلب أى: ضرى وتعود نهش غيره وهو حال من فاعل علمتم.
والمعنى: أحل الله لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتموه من الجوارح حال كونكم مؤدبين ومعودين لها على الصيد.
وقوله: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ في محل نصب على أنه حال ثانية من فاعل عَلَّمْتُمْ أو من الضمير المستتر في مُكَلِّبِينَ.
أى: تعلمون هذه الجوارح بعض ما علمكم الله إياه من فنون العلم والمعرفة بأن تدربوهن على وسائل التحايل وعلى الطرق المتنوعة للاصطياد وعلى الانقياد لأمركم عند الإرسال وعند الطلب، وعلى عدم الأكل من المصيد بعد صيده.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان بعض مظاهر فضل الله على الناس، حيث منحهم العلم الذي عن طريقه علموا غيرهم ما يريدونه منه، وسخروا هذا الغير لمنفعتهم ومصلحتهم.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ عطف على الطيبات: أى: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف المضاف أو تجعل «ما» شرطية وجوابها فَكُلُوا والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي، والمكلب: مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب.
وانتصاب مُكَلِّبِينَ على الحال من عَلَّمْتُمْ.
فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت: فائدتها أن يكون من يعلم
стр. 1514
الجوارح نحريرا في علمه، مدربا فيه، موصوفا بالتكليب.
قوله- تعالى- تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل. فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله «١» .
وقوله فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة، ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره والأمر فيه للإباحة.
ومن في قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم ونحوهما. ويحتمل أن تكون بيانية أى: فكلوا الصيد وهو ما أمسكن عليكم.
وما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أى: أمسكنه.
وقوله أَمْسَكْنَ أى: حبس وصدن، والضمير المؤنث يعود للجوارح.
وقوله عَلَيْكُمْ متعلق بأمسكن، وهو هنا بمعنى لكم، والاستعلاء مجازى.
والتقييد بذلك، لإخراج ما أمسكنه لأنفسهن لا لأصحابهن.
والمعنى: إذا علمتم الجوارح وتوفرت شروط الحل فيما تصيده، فكلوا مما أمسكنه محبوسا عليكم ولأجلكم.
والضمير في عَلَيْهِ من قوله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يعود إلى ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ. أى: عند إرسالكم الجوارح للصيد فسموا عليها، ويدل عليه قوله ﷺ لعدي بن حاتم: «وإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم- الله تعالى- فكل مما أمسك عليك» .
وقال بعضهم إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل. فكأنه قيل: واذكروا اسم الله عند الأكل مما صدن لكم. وقيل: يعود على قوله مِمَّا أَمْسَكْنَ أى: اذكروا اسم الله على ما أدركتم ذكاته مما أمسكن عليكم الجوارح، ولا بأس من عود الضمير إلى كل ما ذكر، بأن يذكر اسم الله عند إرسال الجوارح، وعند الأكل مما صادته. وعند تذكية الحيوان الذي صادته الجوارح.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
أى: واتقوا الله وراقبوه واخشوه في كل شئونكم واحذروا مخالفة أمره فيما شرع لكم وفيما
стр. 1515
كلفكم به فإنه- تعالى- لا يعجزه شيء، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أمر الله، وانتهاك محارمه. هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١- إباحة التمتع بالطيبات التي أحلها الله- تعالى- لعباده، والتي تستطيبها النفوس الكريمة، والعقول القويمة، من مطعومات ومشروبات وغير ذلك مما أحله- سبحانه- لعباده.
وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة منها، قوله- تعالى-: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ، وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» .
٢- إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة، وعلامة كونها معلمة أن تسترسل إذا أرسلت، وتنزجر إذا زجرت، وتمسك الصيد ولا تأكل منه، وتعود إلى صاحبها متى دعاها.
ويدخل في الجوارح- عند جمهور الفقهاء- كل حيوان يصنع صنيع الكلب، وكل طير كذلك، لأن قوله- تعالى- مِنَ الْجَوارِحِ، يعم كل حيوان يصنع صنيع الكلب. وكان التعبير بمكلبين، لأن الكلاب أكثر الحيوانات استعمالا للصيد.
وقد جاء في حديث عدى بن حاتم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله ﷺ قال له: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» .
ويرى بعض الفقهاء أن الصيد لا يكون إلا بالكلاب خاصة.
قال القرطبي ما ملخصه: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير. وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها وبسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل. وهو الأكل من الجوارح. أى: الكواسب من الكلاب وسباع الطير.
وليس في قوله مُكَلِّبِينَ دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة، وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة» «٢» .
٣- استدل بعض الفقهاء بقوله- تعالى- فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ على أن الكلب وما يشبهه من الجوارح إذا أكل من الصيد الذي أمسكه، فإنه في هذه الحالة لا يحل الأكل منه، لأنه لم يمسك لمن أرسله وإنما أمسك لنفسه وبهذا قال الشافعية والحنابلة.
стр. 1516
ويرى المالكية أن الجارح مادام قد عاد بالصيد ولو مأكولا منه، فإنه يجوز الأكل منه، لأنه بعودته بما صاده قد أمسكه على صاحبه.
أما الأحناف فقالوا: إن عاد بأكثره جاز الأكل منه، لأنه في هذه الحالة يكون قد أمسك لصاحبه، وإن عاد بأقله لا يجوز الأكل منه، لأنه يكون قد أمسك لنفسه. وهذه المسألة بأدلتها الموسعة مبسوطة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير «١» .
٤- استدل بعض العلماء بقوله- تعالى- وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ على وجوب التسمية عند إرسال الجوارح للصيد، ولقوله- تعالى- في آية أخرى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ «٢» .
ويرى بعضهم أن الأمر للندب، ويرى فريق ثالث أن التسمية إن تركت عمدا لا يحل الأكل من الصيد.
قال القرطبي: وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الإرسال لقوله ﷺ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك» فلو لم توجد التسمية على أى وجه كان لم يؤكل الصيد. وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث.
وذهب جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا، وحملوا الأمر بالتسمية على الندب.
وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال لا تؤكل مع العمد، وتؤكل مع السهو، وهو قول فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعى» «٣» .
ثم حكى- سبحانه- جانبا آخر من مظاهر نعمه على عباده، ورحمته بهم وتيسيره عليهم في أمور دينهم ودنياهم فقال:
стр. 1517
[سورة المائدة (٥) : آية ٥]
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
وقوله الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ. يصح أن يراد به اليوم الذي نزلت فيه. فإنه يجوز أن تكون هذه الآية وما قبلها من قوله- تعالى- الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قد نزلت جميعا في يوم واحد وهو يوم عرفة من عام حجة الوداع.
ويصح أن يراد به الزمان الحاضر مع ما يتصل به من الماضي والمستقبل. والمراد بالطيبات:
ما يستطاب ويشتهى مما أحله الشرع.
والمراد بطعام الذين أوتوا الكتاب: ذبائحهم خاصة. وهذا مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب، وبعد أن صارت لهم.
فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. ولأن ما قبل هذه الآية في بيان حكم الصيد والذبائح. فحمل هذه الآية عليه أولى، لأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابي أو غيره.
وإنما تختلف الذكاة. فلما خص أهل الكتاب بالذكر، دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم.
وقيل المراد بطعام أهل الكتاب هنا: الخبز والحبوب والفاكهة وغير ذلك مما لا يحتاج فيه إلى تذكية. وينسب هذا القول إلى بعض طوائف الشيعة.
وقيل المراد به: ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة. وقد روى هذا القول عن ابن عباس، وأبى الدرداء، وقتادة ومجاهد وغيرهم.
والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى.
قال الآلوسى: وحكم الصابئين كحكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه الصابئة صنفان: صنف يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة وصنف لا يقرءون كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله- كعزير وعيسى- فقال ابن عمر: لا تحل. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل. وهو قول الشعبي
стр. 1518
وعطاء قالا: فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون» «١» .
والمعنى: إن الله أسبغ عليكم نعمه- أيها المؤمنون- وأكمل لكم دينه، ويسر لكم شرعه، ومن مظاهر ذلك أنه- سبحانه- أحل لكم التمتع بالطيبات، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائح أهل الكتاب. وأن تطعموهم من طعامكم.
قال ابن كثير: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه- تعالى وتقدس- «٢» .
وإنما قال: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أى يحل لكم ان تطعموهم من طعامكم للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح عن المناكحة. فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد، إذ لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله- تعالى- لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا.
قال بعض العلماء: والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم، وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح التي ثبت حلها بالنص، وأما غير الذبائح فهو قسمان:
القسم الأول: ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق.
والقسم الثاني: ما لهم فيه عمل وهو قسمان- أيضا- أحدهما، ما يحتمل دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه الفقهاء. فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة، ومن هؤلاء: ابن عباس، لأن احتمال النجاسة ثابت، وهو يمنع الحل.
وقد تبع هذا الرأى بعض المالكية، ومن هؤلاء الطرطوسي وقد صنف في تحريم جبن النصارى ويجرى مجرى الجبن الزيت، وعلى هذا الرأى يجرى مجراها السمن الهولاندى وما شابهه. ولكن الجمهور على جواز ذلك مادام لم يثبت أنه اختلط بهذا النوع من الطعام نجاسة، والثاني:
المحرم، وهو ما ثبت أنه قد دخله نجاسة بأن دخله أجزاء من الخمر أو الميتة، أو الخنزير، أو غير ذلك من المحرمات» «٣» .
стр. 1519
ثم بين- سبحانه- حكم نكاح نساء أهل الكتاب بعد بيان حكم ذبائحهم فقال:
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ.
وقوله: وَالْمُحْصَناتُ عطف على الطَّيِّباتُ وهو جمع محصنة.
والإحصان يطلق على معان منها: الإسلام. ولا موضع له هنا لأن الكلام في غير المسلمات، ويطلق على التزوج، ولا موضع له هنا- أيضا- لأنه لا يحل تزوج ذات الزوج.
ويطلق على العفة وعلى الحرية وهذان المعنيان هما المختاران هنا.
فمن الفقهاء من قال: المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا العفيفات ويكون الوصف للترغيب في طلب العفة، والعمل على اختيار من هذه صفتها.
وعلى هذا الرأى يصح الزواج من الكتابيات سواء أكن حرائر أم إماء.
ومنهم من قال: المراد بالمحصنات من أهل الكتاب هنا: الحرائر أى أنه لا يحل الزواج بنساء أهل الكتاب إلا إذا كن حرائر.
والمراد بقوله أُجُورَهُنَّ أى مهورهن. وعبر عن المهر بالأجر لتأكيد وجوبه. وعدم الاستهانة بأى حق من حقوقهن.
وقوله. محصنين- بكسر الصاد- أى متعففين بالزواج عن اقتراب الفواحش.
يقال أحصن الرجل فهو محصن أى: تعفف فهو متعفف وأحصن بالزواج الرجل فهو محصن- بفتح- الصاد- أى: أعفه الزواج عن الوقوع في الفاحشة.
وقوله مُسافِحِينَ جمع مسافح. والسفاح. الزنا. يقال: سافح الرجل المرأة إذا ارتكب معها فاحشة الزنا، وسمى الزاني مسافحا. لأنه سفح ماءه أى: صبه ضائعا.
وقوله: أَخْدانٍ جمع خدن- بكسر الخاء وسكون الدال- بمعنى الصديق. ويطلق على الذكر والأنثى.
والمراد بالخدن هنا. المرأة البغي التي يخادنها الرجل أى يصادقها ليرتكب معها فاحشة الزنا.
وغالبا ما تكون خاصة به.
والمعنى: وكما أحل الله لكم- أيها المؤمنون- الطيبات من الرزق، وأحل لكم ذبائح أهل الكتاب، وأحل لكم أن تطعموهم من طعامكم، فقد أحل لكم- أيضا- نكاح المحصنات من المؤمنات. أى العفيفات الحرائر لأنهن أصون لعرضكم. وأنقى لنطفكم، وأحل لكم نكاح
стр. 1520
النساء المحصنات أى: الحرائر العفيفات مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أى: من اليهود والنصارى.
قال الآلوسى: وتخصيص المحصنات بالذكر في الموضعين، للحث على ما هو الأولى والأليق، لا لنفى ما عداهن، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه، صحيح بالاتفاق. وكذا نكاح غير العفائف منهن. وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم» «١» .
وقوله: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أى: مهورهن، وهي عوض عن الاستمتاع بهن.
قالوا: وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد، إذ لا تتوقف صحة العقد على دفع المهر، إلا أن الأولى هو إيتاء الصداق قبل الدخول.
وقوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أمر لهم بالعفة والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وقوله مُحْصِنِينَ حال من فاعل آتَيْتُمُوهُنَّ.
وقوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ صفة لمحصنين، أو حال من الضمير المستتر في محصنين.
وقوله: وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يحتمل أن يكون مجرورا على أنه عطف على مسافحين، وزيدت فيه «لا» لتأكيد النفي المستفاد من لفظ غير. ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه عطف على غَيْرَ مُسافِحِينَ.
والمعنى: أبحنا لكم الزواج بالكتابيات المحصنات لتشكروا الله- تعالى- على تيسيره لكم فيما شرع، ولتطلبوا من وراء زواجكم العفة والبعد عن الفواحش، والصون لأنفسكم ولأنفس أزواجكم عن انتهاك حرمات الله في السر أو العلن.
وقدم- سبحانه- المحصنات من المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب للتنبيه على أن المحصنات من المؤمنات أحق باختيار الزواج بهن من غيرهن، وأن المحصنة المؤمنة الزواج بها أولى وأجدر وأحسن من الزواج بالمحصنة الكتابية.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.
أى: ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه التي أنزلها على نبيه ﷺ فقد حبط عمله، أى: خاب سعيه. وفسد عمله الذي عمله. وهو في الآخرة من الهالكين الذين ضيعوا ما عملوه في الدنيا من أعمال بسبب انتهاكهم لحرمات الله وأحكام دينه.
стр. 1521
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة: الترهيب من مخالفة أوامر الله والترغيب في طاعته- سبحانه-.
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من الآية الكريمة:
١- إباحة التمتع بالطيبات التي أنعم بها- سبحانه- على عباده، ولم يرد نص بحرمتها.
٢- إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب وإباحة إطعامهم من طعامنا.
٣- الترغيب في نكاح المرأة المحصنة أى التي أحصنت نفسها عن الفواحش وصانتها عن كل ريبة واعتصمت بالعفاف والشرف، وكان سلوكها المستقيم دليلا على أنها متمسكة بتعاليم دينها. وبالآداب الحميدة التي جاءت بها شريعة الإسلام.
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» ومعنى (تربت يداك) : افتقرت وندمت إن لم تبحث عن ذات الدين، وتجعلها محط طلبك للزواج بها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتى لا تمنع يد لامس. قال ﷺ : «غربها- أى طلقها-» . قال: أخاف أن تتبعها نفسي- أى:
أرتكب معها ما نهى الله عنه بعد طلاقها- قال ﷺ : «فاستمتع بها» . أى أبقها مع المحافظة عليها «١» .
٤- إباحة نكاح النساء الكتابيات- وهذا مذهب أكثر الفقهاء، لأن هذا هو الظاهر من معنى قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
قال ابن كثير: وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله- تعالى- وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ:
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فحجز الناس عنهن حتى نزلت: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فنكح الناس نساء أهل الكتاب.
стр. 1522
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله- تعالى-: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها. وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع. كقوله- تعالى- لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ «١» .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أخذه الجمهور على عمومه، فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا، ذميين كانوا أو حربيين. وقيده جماعة بالذميين دون الحربيين.
وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أو بدلوا وعبدوا المسيح. وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. فهم بذلك والمشركون في العقيدة سواء وقد حرم الله التزوج من المشركات ونسب هذا الرأى إلى عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة.
وتأولوا الآية بوجوه أقربها أنها رخصة خاصة في الوقت الذي نزلت فيه. قال عطاء: إنما رخص الله في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة. أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة.
والذي نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على أنه رخصة، ولا نعلم في الشريعة ما يدل على أنه رخصة. والآية دالة على الإباحة المطلقة، ولم تقيد بوقت خاص، ولا بحالة خاصة.
نعم إن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإفرنج لا لغاية سوى أنها إفرنجية. ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على تقاليدها وعاداتها التي تأباها تعاليم الإسلام.
نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على الحكومات التي تدين بالإسلام وتغار على قوميتها وشعائرها.. أن تمنع من التزوج بالكتابيات، وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينسلخون عن قواميتهم على المرأة. حفاظا على مبادئ الدين وعلى عقيدة أولاد المسلمين.
وإن العمل على تقييد هذا الحكم في التشريع الإسلامى أو منعه، لألزم وأوجب مما تقوم به بعض الحكومات الإسلامية، أو تحاول أن تقوم به، من تحديد سن الزواج للفتاة. وتقييد تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق، وما إلى ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم، سيرا وراء مدنية الغرب المظلمة.
стр. 1523
ألا وإن انحلال الكثرة الغالبة ممن يميلون إلى التزوج بالكتابيات للمعاني التي أشرنا إليها لمما يوجب الوقوف أمام هذه الإباحة التي أصبحت حالتنا لا تتفق والغرض المقصود منها.
وهذا معنى تشهد به كليات الدين وقواعده التي يتجلى فيها شدة حرصه على حفظ شخصية الأمة الإسلامية، وعدم انحلالها وفنائها في غيرها» «١» .
وبعد أن بين- سبحانه- بعض مظاهر نعمه على عباده فيما يتعلق بمطاعمهم. وفيما يتعلق بما يحل لهم من النساء. أتبع ذلك ببيان مظاهر فضله عليهم فيما يتعلق بعبادتهم التي من أهمها الوضوء، والغسل. والصلاة. وأمرهم بالمحافظة على ما شرعه لهم من شرائع وأحكام فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٦ الى ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
стр. 1524
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- افتتح السورة بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ طلب الله- تعالى- من عباده أن يفوا بعهد العبودية. فكأنما قيل:
يا إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان. فقال- تعالى-: نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى- سبحانه- في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ- سبحانه- بذكر فرائض الوضوء فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ «١» .
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال في أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسى ما ملخصه: وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم الَّذِينَ آمَنُوا من غير اختصاص بالمحدثين. لكن الإجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره أن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد. فقال له عمر: يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه. فقال ﷺ : «عمدا فعلته يا عمر» .
يعنى: بيانا للجواز. فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
стр. 1525
ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا. وقوله- تعالى- فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صريح في البدلية.
ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يتوضئون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبي ﷺ والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد: «من توضأ على طهر كتب الله- تعالى- له عشر حسنات» «١» .
وقوله: فَاغْسِلُوا من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم: مع الدلك.
وقوله: بِوُجُوهِكُمْ جمع وجه. وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
والمرافق: جمع مرفق- كمنبر ومجلس- وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين: تثنية كعب. وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أى: فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضا على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الإلمام بأهمها فنقول:
أولا: أخذ جمهور الفقهاء من قوله- تعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا إلخ أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أى شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبي ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف. إن النية في الوضوء ليست بفرض. لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطا في الوسيلة وهي الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه
стр. 1526
منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل. قالوا: ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله- تعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا: قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي ﷺ وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء: المضمضة والاستنشاق داخلان في الغسل.
ثالثا: أخذ كثير من الفقهاء من قوله- تعالى- إِلَى الْمَرافِقِ.. وإِلَى الْكَعْبَيْنِ أن المرافق داخلة مع اليدين في وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل.
قالوا: لأن إِلَى هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل. وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي ﷺ أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لما رواه الدّارقطنيّ عن جابر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» .
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله: قوله إِلَى الْمَرافِقِ تفيد معنى الغاية مطلقا. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل. فمما فيه دليل على الخروج قوله: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار. وبوجود الميسرة تزول العلة. ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره- لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله- تعالى-: مِنَ الْمَسْجِدِ
стр. 1527
الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه» «١» .
رابعا: أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله- تعالى- وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح.
فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم في ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية: يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية:
يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية. فقال المالكية والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون- أيضا- زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا في ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته» قالوا: والناصية تساوى ربع الرأس.
قال بعض العلماء: والسنة الصحيحة وردت بالبيان. وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هي التي استمر عليها ﷺ فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان يداوم عليها. وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا. وإجراء غيرها في بعض الأحوال «٢» .
خامسا: قوله تعالى وَأَرْجُلَكُمْ وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما: بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب.
والثانية: بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على قوله وُجُوهَكُمْ أو هو منصوب بفعل مقدر أى: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على بِرُؤُسِكُمْ
стр. 1528
قال القرطبي ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل «اغسلوا» وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي ﷺ واللازم من قوله في غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء» ثم إن الله حدهما فقال: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما قال في اليدين إِلَى الْمَرافِقِ فدل على وجوب غسلهما، ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبري بقراءة الخفض- أى قال بمسح الرجلين.
ثم قال: وقد قيل: إن قوله وَأَرْجُلَكُمْ بقراءة الخفض- معطوف على اللفظ دون المعنى- أى لفظ الرءوس- وهذا أيضا يدل على الغسل، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال- تعالى- يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ بالجر لأن النحاس هو الدخان.
ثم قال: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله ﷺ «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب.
ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح. إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم ﷺ أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله وَأَرْجُلَكُمْ قوله فَاغْسِلُوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول: أكلت الخبز واللبن. أى: وشربت اللبن «١» .
وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه- عند تفسيره لهذه الآية- كثيرا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين، وجعل عنوانه: «ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه» .
стр. 1529
ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس. أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا. على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» .
وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي ﷺ في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال:
«ويل للأعقاب من النار» .
ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجرى فيه ما يجرى في مسح الخف «١» .
ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله وَأَرْجُلَكُمْ محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف في الماء. فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفى الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله: متقلدا سيفا ورمحا. وعلفتها تبنا وماء باردا. ونظائره كثيرة.
ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإيجاز والاختصار. وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا:
واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك- الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا. على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود» «٢» .
هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم
стр. 1530
بالجر. وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء «١» .
سادسا: أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هي هذه الأربعة فحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.
وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية- كما سبق أن أشرنا- كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا التريب في القرآن فيجب التزامه. ولأن النبي ﷺ لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه ﷺ .
وقال الأحناف: الترتيب ليس فرضا، لأن العطف بين الأركان بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.
كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه. وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة.
والذي تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله. أما إذا قطع المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه في هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه.
تلك هي بعض المسائل التي رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها. وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبه فقال- تعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة. وكلمة جنب من الألفاظ التي يستوي فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال: رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب.. واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة معنى شرعي يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر.
وقوله فَاطَّهَّرُوا أصله فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء فسكنت فأتى بالهمزة.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول في الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم
стр. 1531
فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برءوسكم. وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا. أى: تغسلوا بالماء جميع بدنكم. لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو، كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله- تعالى- في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها.
وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله- تعالى- وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ «١» ولأنه- سبحانه- قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده.
والتعبير بقوله فَاطَّهَّرُوا فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله، ولأداء تكاليفه.
قال الفخر الرازي: والدلك غير واجب في الغسل. وقال مالك: الدلك واجب وحجة غيره أن قوله فَاطَّهَّرُوا أمر بتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك. ثم قال:
والشافعى قال: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل- ومثله في ذلك الإمام مالك.
وقال أبو حنيفة- والحنابلة- هما: واجبان لأن الآية تقول فَاطَّهَّرُوا وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم. وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها. وداخل الفم والأنف يمكن تطهير هما. فوجب بقاؤهما تحت النص. ولأن الرسول ﷺ قال: «بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة» فقوله «بلوا الشعر» يدخل فيه الأنف. لأن داخله شعر. وقوله «وأنقوا البشرة» يدخل فيه الجلدة التي داخل الفم. وحجة الشافعى- ومالك قوله ﷺ أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا.
قد طهرت» وقد قال النبي ﷺ ذلك في مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله «٢» .
стр. 1532
ثم شرع- سبحانه- في بيان الاعذار التي تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال- تعالى-: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ والمراد بالمرضى في قوله- تعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقا كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء.
وقوله أَوْ عَلى سَفَرٍ في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه في قوله- تعالى- في سورة البقرة: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية.
وقوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ معطوف على ما قبله والغائط: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض. وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفي إسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو في التعبير. حيث تحاشى- سبحانه- التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به. وفي ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب في الخطاب، والبعد عن الألفاظ التي تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم.
والمراد بالملامسة في قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع: فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال: وهي كناية قرآنية أراد- سبحانه- أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التي تتنافى مع آداب الإسلام وتعاليمه السامية.
وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبى طالب وابن عباس وأبو موسى.
وتبعهم في ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والثوري فقد قالوا: لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها. واستدلوا بأن النبي ﷺ كان يقبل نساءه ثم يصلّى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم.
واستدلوا- أيضا- بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون في الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك إنما يتأتى في الجماع دون اللمس باليد. وأيضا فإن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما في قوله- تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
стр. 1533
تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
«١» .
ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.
وقد سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال: إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة.
ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد، وهو في الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما.
وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع. والذي نراه أولى بالصواب في هذه المسألة ما قاله الإمام مالك- ﵀ لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها. والفاء في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة.
والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ما هو أعم من الوجود الحسى أى: أن قوله: «فلم تجدوا ماء» كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء.
وقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً جواب الشرط وهو قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والمعنى: وإن كنتم- أيها المؤمنون- في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله، أو كنتم في حاجة ماسة إليه، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء، فإن الله- تعالى- ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
ومنهم من يرى أن الضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً يعود إلى الجميع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله. وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم الوجدان الحسى.
стр. 1534
والتيمم لغة القصد. يقال تيممت الشيء إذا قصدته.
ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به.
وأما الصعيد- بوزن فعيل- فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره. وقيل يطلق على التراب فحسب.
والطيب: الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر.
وقوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ بيان لكيفية التيمم.
أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم.
وقد استدل بعض الفقهاء بقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب.
ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض. متى كان طاهرا. قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض. وهذه الصفة لا تختص بالتراب.
قال القرطبي- بعد أن ذكر آراء الفقهاء في ذلك- «وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب. ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره» «١» .
كما استدل الأحناف والشافعية بقوله- تعالى- فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير.
والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان ضربة للوجه. وضربة للذراعين إلى المرفقين» .
ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين. هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله- تعالى- في سورة النساء:
стр. 1535
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال- تعالى ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أى: ما يريد الله- تعالى- بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه، ما يريد- سبحانه- بذلك لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم.
أى: ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضا لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته، لأنكم متى شكرتم زادكم من فضله ومننه.
وعبر- سبحانه- عن نفى الحرج بنفي إرادته، مبالغة في بيان رأفته- سبحانه- بعباده، ورعايته لمصالحهم. فكأنه- سبحانه- يقول: ما كان من شأن الله- تعالى- مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج.
وقوله لِيَجْعَلَ يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله:
مِنْ حَرَجٍ وتكون مِنَ زائدة لتأكيد النفي وقوله عَلَيْكُمْ متعلق بالجعل. ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون قوله عَلَيْكُمْ هو المفعول الثاني، وقوله: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته- سبحانه- بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله.
وقريب من معنى هذه الجملة قوله- تعالى- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ «٢» . وقوله- تعالى- وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٣» وقوله تعالى- يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً «٤» .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا
стр. 1536
الدخول في الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله في تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها.
ثم بعد أن بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على عباده ورحمته بهم، أتبع ذلك بأمرهم بمداومة شكره، وبالوفاء بعهده فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا.
أى: تنبهوا أيها المؤمنون- بعقولكم وقلوبكم لما أسبغه الله عليكم من منن فداوموا على شكرها وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بدين الإسلام الذي هديتم به إلى الصراط المستقيم، واذكروا كذلك مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ أى: عهده الوثيق الذي أخذه عليكم، وأمركم بالتزامه بكل قوة.
وقوله: إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ظرف لقوله واثَقَكُمْ بِهِ أى: إذ قلتم وقت أن أخذ عليكم العهد الموثق: سمعنا قولك وأطعنا أمرك.
فأنت ترى أن الآية الكريمة أوجبت على المؤمنين أمرين:
أولهما: التنبه إلى نعم الله وعلى رأس هذه النعم نعمة الهداية إلى دين الإسلام، ومداومة شكره- سبحانه- على ذلك.
وثانيهما: الوفاء بعهوده التي أخذها عليهم، وتقبلوها بالسمع والطاعة لأنهم متى شكروه على نعمه، وكانوا أوفياء بعهودهم، زادهم- سبحانه- من فضله وعطائه قال الفخر الرازي: وإنما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ولم يقل نعمه عليكم، لأنه ليس المقصود منه التأمل في أعداد نعم الله، بل المقصود منه التأمل في جنس النعم. كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات. فجنس هذه النعم لا يقدر عليه سوى الله- تعالى- فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل.
وإنما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهو يشعر بنسيانها مع أن مثلها في تواترها لا ينسى، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها، صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل عنه المرء» «١» والمراد بالميثاق الذي أخذه عليهم ما جرى بين النبي ﷺ وبين المؤمنين من عهود على أن
стр. 1537
يسمعوا له ويطيعوا في العسر واليسر، والمنشط والمكره، كما حدث مع الأنصار ليلة العقبة، وكما حدث مع المؤمنين جميعا في بيعة الرضوان وإنما أضيف الميثاق إلى الله تأكيدا لوجوب الوفاء به ولأنه- سبحانه- هو الذي شرعه وهو الذي سيحاسبهم على نقضه وعدم الوفاء به وقال مجاهد: المراد به الميثاق الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من ظهر آدم، وضعف هذا القول بأن الخطاب هنا للمؤمنين وليس للبشر جميعا.
قال ابن جرير ما ملخصه: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قول ابن عباس، وهو أن معناه: واذكروا أيها المؤمنون- نعمة الله التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم إلى الإسلام وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعنى: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا ﷺ على السمع والطاعة له في المنشط والمكره، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا وأخذت علينا من المواثيق، وأطعناك فيما أمرتنا ونهيتنا عنه.. فأوفوا- أيها المؤمنون- بميثاقه الذي واثقكم به ونعمته التي أنعم عليكم بها يوف لكم بما ضمن لكم الوفاء به، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته، وإنعامكم بالخلود في دار كرامته وإنقاذكم من عذابه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال المراد بالميثاق ما أخذ عليهم في صلب آدم، لأن الله بعد أن ذكر المؤمنين بميثاقه الذي واثقهم به، ذكر بعد ذلك أهل التوراة بالميثاق الذي أخذه الله عليهم في قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ منبها بذلك المؤمنين على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه، ويعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه «١» وبعد أن ذكر الله- تعالى- المؤمنين بنعمته عليهم وبميثاقه الذي واثقهم به وأمرهم بالوفاء بما كلفهم به ختم- سبحانه- الآية بأمرهم بخشيته والخوف منه قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
أى: اشكروا الله- أيها المؤمنون- على نعمته، وكونوا أوفياء بعهودكم واتقوا الله وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عن كل ما يكرهه لكم، فإنه- سبحانه- عليم علما تاما بخفيات الأمور الكامنة في الصدور. وبكل ما يظهره الإنسان ويبطنه، وسيحاسبكم يوم القيامة على أعمالكم، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته و (ذات الصدور) هي الأمور المستقرة في الصدور، فهي بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه الذي يلازمه ولا يفارقه. ومثلوا لها بالنيات والاعتقادات وسائر الأمور القلبية.
стр. 1538
والجملة الكريمة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ وكرر- سبحانه- اسمه الجليل لإشعار المؤمنين برقابته التامة عليهم. واطلاعه على أحوالهم المختلفة، وأعمالهم المتنوعة وللإشارة إلى أنه إذا كان- سبحانه- يعلم خفيات الأمور، فمن باب أولى يعلم جلياتها.
وبعد أن أمر الله- تعالى- عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه، أتبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق في كل أقوالهم وأعمالهم، وذكرهم بما أفاء عليهم من نعم فقال- سبحانه-:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
وقوله: قَوَّامِينَ جمع قوام. وهو صيغة مبالغة من قائم. والقوام: هو المبالغ في القيام بالشيء. وفي الإتيان به على أتم وجه وأحسنه.
وقوله: شُهَداءَ جمع شهيد- بوزن فعيل- والأصل في هذه الصيغة، دلالتها على الصفات الراسخة في النفس ككريم وحكيم.
стр. 1539
والقسط: العدل يقال أقسط فلان يقسط إذا عدل في أقواله وأحكامه وقوله وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أى: ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو معناه:
ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب لأن الكاسب ينقطع لكسبه والشنآن: البغض الشديد. يقال: شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا، إذا أبغضته بغضا شديدا.
والمعنى. يا أيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أى. ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أن تقوموا لله وحده بالحق في كل ما يلزمكم القيام به. ومن العمل بطاعته، واجتناب منهياته، وليكن من دأبكم وشأنكم- أيضا- أن تلتزموا العدل في شهادتكم، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على عدم العدل معهم، فإن عدم العدل في الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإسلام. الذي آمنتم به، ورضيه الله لكم دينا.
وفي ندائه- سبحانه- بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بصفة الكينونة الدالة على الدوام، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة. لتمكين صفة الطاعة له من نفوسهم، وترسيخها في قلوبهم.
فكأنه- سبحانه- يقول لهم: روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم، وعودوها على التزام الحق والعدل. واجعلوا ذلك شأنكم في جميع الظروف والأحوال فلا يكفى أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين، وإنما الواجب عليكم أن يكون التزامكم لذلك في كل أوقاتكم وأعمالكم.
وقوله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهى عن تركه في قوله وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم- سبحانه- به وما نهاهم عنه، ولبيان العلة في تكليفهم بذلك.
والضمير هُوَ يعود إلى المصدر المفهوم من قوله: اعْدِلُوا.
أى: التزموا- أيها المؤمنون- العدل في كل أحوالكم، فإن العدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصي، وإلى صيانة النفس عن الوقوع في المهالك.
وقال- سبحانه اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى مع أن العدل دليل التقوى ولبابها لأن المؤمن في حال حربه وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ما له، وأن يأخذ منه ما يمكن
стр. 1540
أخذه، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن معاملة عدوه، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه.
قال صاحب الكشاف، قوله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أى: العدل أقرب للتقوى، وأدخل في مناسبتها.
وفيه تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه» «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
أى: واتقوا الله أيها المؤمنون- في كل ما تأتون وما تذرون، وصونوا أنفسكم عمّا لا يرضيه، وافعلوا ما أمركم به، إن الله- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر الله، ومن انتهاك حرماته.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على طاعة الله في جميع الأوقات والأحوال، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم، وبوجوب العدل في معاملة الأعداء والأصدقاء، وبمراقبة الله- تعالى- وخشيته في السر والعلانية.
قال الآلوسى: وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ «٢» - ولم يكتف بذلك لمزيد من الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ. وقيل: لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت في المشركين، وهذه في اليهود. وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه. بدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس، ولا والد ولا قرابة. والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله- تعالى- لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه» «٣» .
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال- تعالى- وَعَدَ اللَّهُ بفضله وإحسانه الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا حقا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ التي نالوا بها رضا الله، وعدهم بأن لَهُمْ مَغْفِرَةٌ عظيمة ولهم أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يعرف مقداره إلا
стр. 1541
هو- سبحانه-. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التي جاء بها نبينا محمد ﷺ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أى: أولئك الموصوفون بما ذكر من الكفر والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة الشديدة التأجج، بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان والتكذيب على التصديق.
ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة، حتى يزدادوا شكرا له، ووفاء بعهده والتزاما لطاعته فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.
وقد أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه عبد الرازق عن معمر الزهري عن أبى أسامة عن جابر: أن النبي ﷺ نزل منزلا وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها. وعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه فسله. ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: الله- فسقط السيف من يد الأعرابى. فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابى، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه.
قال ابن كثير: وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. وأمروه إن جلس النبي ﷺ تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه. فأطلع الله رسوله ﷺ على ما تمالئوا عليه. فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه. فأنزل الله في ذلك هذه الآية «١» .
وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله- تعالى- اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم ﷺ مما أضمره له أعداؤه وأعداؤهم.
وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. روى أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان في غزوة ذات أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون صلاة العصر- وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف «٢» .
وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله- تعالى- اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم ﷺ من كيد أعدائهم.
وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء
стр. 1542
للنبي وأصحابه فقال: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك قول من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم ﷺ مما كانت يهود بنى النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم في الدية التي كان تحملها عن قتيلى عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله عقب ذكر ذلك برمي اليهود بسوء صنائعها، وقبيح أفعالها، وخيانتها ربها وأنبياءها «١» .
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوها بدوام الشكر والطاعة له- سبحانه- حيث أراد قوم من أعدائكم، أن يبسطوا إليكم أيديهم. أى: أن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك ولكنه- سبحانه- رحمة بكم، ودفاعا عنكم، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء.
فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد أعدائهم، ومن محاولتهم إهلاكهم. إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال الدين، وهدايتهم إلى الإسلام، وغير ذلك من الآلاء والمنن.
وفي تكرار هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره.
وقوله إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ظرف لقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ والهم: إقبال النفس على فعل الشيء.
أى: اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والإهلاك.
وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإهلاك. يقال: بسط يده إليه، إذا بطش به. وبسط إليه لسانه: إذا شتمه. والبسط في الأصل: مطلق المد. وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر.
وقوله: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ معطوف على قوله: هَمَّ قَوْمٌ وهذا الكف هو النعمة التي قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته وعبر- سبحانه- بقوله إِذْ هَمَّ قَوْمٌ للإيذان بأن نعمة كف أيدى الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها والفاء في قوله فَكَفَّ للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو- سبحانه- قد حال بين الأعداء وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين.
وقال- سبحانه- فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بإظهار الأيدى، ولم يقل فكفها عنكم لزيادة
стр. 1543
التقرير. وللإشارة إلى أنه- سبحانه- هو الذي قضى على موضع قوة أعدائهم، ومناط شدتهم إذ الأيدى هي من أهم وسائل البطش والقتل.
أى: أنه- سبحانه- قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك دفاعا عنكم- أيها المؤمنون- وحماية لكم من الشرور، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم. وقوله:
وَاتَّقُوا اللَّهَ معطوف على قوله: اذْكُرُوا وقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمر لهم بالاعتماد على الله وحده.
أى: داوموا على شكر نعم الله عليكم، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه- سبحانه- هو الفعال لما يريد، وهو الذي يدفع الشر عمن توكل عليه، ويعطى الخير لمن شكره وأطاعه.
فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه.
وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمسة نداءات، أمرتهم في أول نداء منها بالوفاء بالعقود. ونهتهم في الثاني عن إحلال شعائر الله، وأرشدتهم في النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول في الصلاة، وأمرتهم في النداء الرابع بالمداومة على القيام بالتكاليف التي كلفهم- سبحانه- بها وبالتزام العدل في أقوالهم وأحكامهم، ثم أمرتهم في النداء الخامس بالتنبه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها حيث نجاهم- سبحانه- مما أراده لهم أعداؤهم من شرور واستئصال وبعد هذه النداءات والتكليفات التي كلف الله- تعالى- بها المؤمنين، شرعت السورة الكريمة في الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود موثقة، وموقفهم منها، وعقوبتهم على نقضهم لها. فقال- تعالى-:
стр. 1544
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
قال الفخر الرازي: قوله- تعالى- وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه:
الأول: أنه- تعالى- خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا. ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا- أيها المؤمنون- مثلهم في هذا الخلق الذميم.
الثاني: أنه لما ذكر قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالمؤمنين. فلما ذكر- سبحانه ذلك أتبعه بذكر فضائحهم، وبيان أنهم كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق.
الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان. فذكر- سبحانه- أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده» «١» .
والميثاق: العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشد والربط على الشيء بقوة وإحكام.
والمراد به: ما أخذه الله على بنى إسرائيل لكي يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف ولكي يعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها.
والنقيب: كبير القوم. والكفيل عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم
стр. 1545
وضمينهم وعريفهم، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع.
قال الآلوسى. والنقيب: قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم.
قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل:
ويقول: فلان حسن النقيبة. أى: جميل الخليقة، ويقال: فلان نقاب للعالم بالأشياء، الذكي القلب، الكثير البحث عن الأمور «١» .
والمعنى: ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل. لكي يعملوا بما كلفهم من تكاليف، وأمر نبيه موسى- ﵇ أن يختار متهم اثنى عشر نقيبا. وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكي يطلعوا على أحوال ساكنيها، ثم يخبروا نبيهم موسى- ﵇ بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم.
وسنفصل القول في شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله- تعالى- بعد ذلك وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً.
وأكد- سبحانه- ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام، للاهتمام بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله- تعالى- حتى لا يصيبهم ما أصاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم.
وأسند- سبحانه- الأخذ إليه، لأنه هو الذي أمر به موسى- ﵇ ولأن في إسناد أخذ الميثاق إليه- سبحانه- زيادة في توثيقه، وتعظيم توكيده وأى عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟
وفي قوله: وَبَعَثْنا التفات إلى المتكلم العظيم- سبحانه- لتهويل شأن هذا الابتعاث، لأن الله- تعالى- هو الذي أمر به.
وإنما اختار موسى- ﵇ اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، كما قال- تعالى- وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً «٢» ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التي هو منها يذكرها بالفضائل ويرغبها في اتباع موسى- ﵇ وينهاها عن معصيته.