هو- سبحانه-. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التي جاء بها نبينا محمد ﷺ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أى: أولئك الموصوفون بما ذكر من الكفر والتكذيب بآياتنا هم المستحقون لدخول النار المشتعلة الشديدة التأجج، بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان والتكذيب على التصديق.
ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة، حتى يزدادوا شكرا له، ووفاء بعهده والتزاما لطاعته فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ.
وقد أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه عبد الرازق عن معمر الزهري عن أبى أسامة عن جابر: أن النبي ﷺ نزل منزلا وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها. وعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة فجاء أعرابى إلى سيف رسول الله فأخذه فسله. ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: الله- فسقط السيف من يد الأعرابى. فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابى، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه.
قال ابن كثير: وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بنى النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك. وأمروه إن جلس النبي ﷺ تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه. فأطلع الله رسوله ﷺ على ما تمالئوا عليه. فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه. فأنزل الله في ذلك هذه الآية «١» .
وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله- تعالى- اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم ﷺ مما أضمره له أعداؤه وأعداؤهم.
وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية. روى أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان في غزوة ذات أنمار. فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون صلاة العصر- وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف «٢» .
وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله- تعالى- اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم ﷺ من كيد أعدائهم.
وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء
стр. 1542
للنبي وأصحابه فقال: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك قول من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم ﷺ مما كانت يهود بنى النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم في الدية التي كان تحملها عن قتيلى عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله عقب ذكر ذلك برمي اليهود بسوء صنائعها، وقبيح أفعالها، وخيانتها ربها وأنبياءها «١» .
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوها بدوام الشكر والطاعة له- سبحانه- حيث أراد قوم من أعدائكم، أن يبسطوا إليكم أيديهم. أى: أن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك ولكنه- سبحانه- رحمة بكم، ودفاعا عنكم، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء.
فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد أعدائهم، ومن محاولتهم إهلاكهم. إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال الدين، وهدايتهم إلى الإسلام، وغير ذلك من الآلاء والمنن.
وفي تكرار هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره.
وقوله إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ظرف لقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ والهم: إقبال النفس على فعل الشيء.
أى: اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والإهلاك.
وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإهلاك. يقال: بسط يده إليه، إذا بطش به. وبسط إليه لسانه: إذا شتمه. والبسط في الأصل: مطلق المد. وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر.
وقوله: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ معطوف على قوله: هَمَّ قَوْمٌ وهذا الكف هو النعمة التي قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته وعبر- سبحانه- بقوله إِذْ هَمَّ قَوْمٌ للإيذان بأن نعمة كف أيدى الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها والفاء في قوله فَكَفَّ للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو- سبحانه- قد حال بين الأعداء وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين.
وقال- سبحانه- فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بإظهار الأيدى، ولم يقل فكفها عنكم لزيادة
стр. 1543
التقرير. وللإشارة إلى أنه- سبحانه- هو الذي قضى على موضع قوة أعدائهم، ومناط شدتهم إذ الأيدى هي من أهم وسائل البطش والقتل.
أى: أنه- سبحانه- قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك دفاعا عنكم- أيها المؤمنون- وحماية لكم من الشرور، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم. وقوله:
وَاتَّقُوا اللَّهَ معطوف على قوله: اذْكُرُوا وقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمر لهم بالاعتماد على الله وحده.
أى: داوموا على شكر نعم الله عليكم، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه- سبحانه- هو الفعال لما يريد، وهو الذي يدفع الشر عمن توكل عليه، ويعطى الخير لمن شكره وأطاعه.
فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه.
وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمسة نداءات، أمرتهم في أول نداء منها بالوفاء بالعقود. ونهتهم في الثاني عن إحلال شعائر الله، وأرشدتهم في النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول في الصلاة، وأمرتهم في النداء الرابع بالمداومة على القيام بالتكاليف التي كلفهم- سبحانه- بها وبالتزام العدل في أقوالهم وأحكامهم، ثم أمرتهم في النداء الخامس بالتنبه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها حيث نجاهم- سبحانه- مما أراده لهم أعداؤهم من شرور واستئصال وبعد هذه النداءات والتكليفات التي كلف الله- تعالى- بها المؤمنين، شرعت السورة الكريمة في الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود موثقة، وموقفهم منها، وعقوبتهم على نقضهم لها. فقال- تعالى-:
стр. 1544
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
قال الفخر الرازي: قوله- تعالى- وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه:
الأول: أنه- تعالى- خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا. ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا- أيها المؤمنون- مثلهم في هذا الخلق الذميم.
الثاني: أنه لما ذكر قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالمؤمنين. فلما ذكر- سبحانه ذلك أتبعه بذكر فضائحهم، وبيان أنهم كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق.
الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان. فذكر- سبحانه- أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده» «١» .
والميثاق: العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشد والربط على الشيء بقوة وإحكام.
والمراد به: ما أخذه الله على بنى إسرائيل لكي يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف ولكي يعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها.
والنقيب: كبير القوم. والكفيل عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم
стр. 1545
وضمينهم وعريفهم، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع.
قال الآلوسى. والنقيب: قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم.
قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل:
ويقول: فلان حسن النقيبة. أى: جميل الخليقة، ويقال: فلان نقاب للعالم بالأشياء، الذكي القلب، الكثير البحث عن الأمور «١» .
والمعنى: ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل. لكي يعملوا بما كلفهم من تكاليف، وأمر نبيه موسى- ﵇ أن يختار متهم اثنى عشر نقيبا. وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكي يطلعوا على أحوال ساكنيها، ثم يخبروا نبيهم موسى- ﵇ بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم.
وسنفصل القول في شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله- تعالى- بعد ذلك وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً.
وأكد- سبحانه- ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام، للاهتمام بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله- تعالى- حتى لا يصيبهم ما أصاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم.
وأسند- سبحانه- الأخذ إليه، لأنه هو الذي أمر به موسى- ﵇ ولأن في إسناد أخذ الميثاق إليه- سبحانه- زيادة في توثيقه، وتعظيم توكيده وأى عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟
وفي قوله: وَبَعَثْنا التفات إلى المتكلم العظيم- سبحانه- لتهويل شأن هذا الابتعاث، لأن الله- تعالى- هو الذي أمر به.
وإنما اختار موسى- ﵇ اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، كما قال- تعالى- وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً «٢» ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التي هو منها يذكرها بالفضائل ويرغبها في اتباع موسى- ﵇ وينهاها عن معصيته.
стр. 1546
والمعية في قوله- تعالى- وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ معية مجازية بمعنى الحفظ والرعاية والنصرة.
أى: أخذ الله على بنى إسرائيل العهود الموثقة، وأمر نبيه موسى أن يرسل منهم اثنى عشر نقيبا لمعرفة أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة وقال الله- تعالى- لهؤلاء النقباء، أو لبنى إسرائيل جميعا: إنى معكم لا تخفى علىّ خافية من أحوالكم. وسأؤيدكم برعايتي ونصرى متى وفيتم بعهدي، واتبعتم رسلي. فالجملة الكريمة تحذير لهم من معصية الله لأنه لا تخفى عليه خافية، ووعد لهم بالنصر متى أطاعوه.
ثم بين- سبحانه- بعض التكاليف التي كلفهم بها، وأخذ عليهم العهد بالمحافظة عليها فقال: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
واللام في قوله لَئِنْ موطئة للقسم المحذوف، و «إن» شرطية، وقوله: لَأُكَفِّرَنَّ جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
وقوله: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ من التعزيز بمعنى النصر والإعانة مع التعظيم والتفخيم يقال: عزر فلان فلانا إذا نصره وقواه، وأصل معناه: المنع والذب لأن من نصر إنسانا منع عنه أعداءه.
والمعنى: لئن داومتم على إقامة الصلاة، وعلى أدائها على الوجه الأكمل بخضوع وخشوع، وأعطيتم الزكاة لمستحقيها وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي إيمانا كاملا، ونصرتموهم مع تعظيمهم وطاعتهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بأن أنفقتم جانبا من أموالكم في وجوه الخير والبر، لئن فعلتم ذلك لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ بأن أغفرها لكم، ولأدخلنكم في الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار فأنت ترى أن الله- تعالى- قد كلف بنى إسرائيل بخمسة أمور نافعة ووعدهم على أدائها بتكفير سيئاتهم في الدنيا، وبإدخالهم جناته في الآخرة.
قال الإمام الرازي: وأخر- سبحانه- الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها لأن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل. فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل» «١» .
стр. 1547
والمراد بالزكاة في قوله وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ الزكاة المفروضة.
والمراد بالقرض الحسن في قوله وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً الصدقات غير المفروضة التي يبذلها القادرون عليها في وجوه الخير المتنوعة بدون رياء أو أذى وفي التعبير بقوله: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً تأنيس للقلوب وترغيب للنفوس في البذل والعطاء، حيث شبه- سبحانه- ما يعطى للمحتاج رغبة في الثواب بالقرض الذي سيكافئ الله- تعالى- صاحبه عليه بأضعافه من الخير والنعم.
وأضاف- سبحانه- الرسل إليه في قوله وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي لتشريفهم وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإشارة إلى أن الايمان بهم جميعا واجب، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن كفر بواحد منهم كفر بالله- تعالى-.
ثم بعد أن فتح الله- تعالى- لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به حذرهم من المخالفة والعصيان فقال: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أى: فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به فتركه، أو أعرض عن التكاليف التي كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية، أخطأ الطريق الواضح المستقيم، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية فيها ولا خير معها.
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل، فلم قال: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ؟ قلت: أجل من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل. ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم: لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى» «١» .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله- تعالى- قد أخذ الميثاق على بنى إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم بها، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر، ورغبهم في الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله- تعالى-؟
لقد بين- سبحانه- جانبا من رذائلهم، ومن العقوبات التي عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن أمره فقال: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، لَعَنَّاهُمْ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
والفاء في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم، والباء للسببية
стр. 1548
و «ما» مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس والجار والمجرور- متعلق بقوله: لَعَنَّاهُمْ وقوله: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً معطوف على ما قبله وقوله: قاسِيَةً بوزن فاعلة- من القسوة بمعنى الصلابة واليبوسة يقال: قسا قلبه يقسو فهو قاس، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب أى فبسبب جرائمهم الشديدة أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تتأثر بالمواعظ والنذر.
وقرأ حمزة والكسائي: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً بتشديد الياء من غير ألف على وزن فعيلة.
وللمفسرين في معناها رأيان:
أحدهما: أن (قسية) بمعنى قاسية، غير أن فيها مبالغة، إذ هي على وزن فعيلة، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم.
والثاني: أن معنى (قسية) هنا غير معنى قاسية، لأن قسية في هذا الموضع مأخوذة من قولهم:
درهم قسى- على وزن شقي- أى: فاسد رديء لأنه مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم.
والمعنى على هذا الوجه: وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا وإنما يخالطه كفر ونفاق كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص أو غيرهما.
وقد رجح ابن جرير الرأى الأول- وهو أن قسية بمعنى قاسية غير أن فيها مبالغة- فقال (وأولى التأويلين عندي بالصواب تأويل من تأول فعيلة من القسوة كما قيل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله- تعالى- وصف القوم بنقضهم ميثاقهم، وكفرهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش) «١» وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثاني إلى الأول وجعل بينهما تعانقا وتلازما في المعنى فقال: وقرأ عبد الله (قسية) أى: ردية مغشوشة. من قولهم: درهم قسى وهو من القسوة، لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه يبس وصلابة» «٢» .
وقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ استئناف مبين لشدة قساوة قلوبهم، فإنه لا قسوة
стр. 1549
أشد من تحريف كلام الله- تعالى- والميل به عن الحق والصواب.
أى: أنهم بلغ بهم الحال في قسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بوعيد الله أنهم يميلون كلامه- سبحانه- عن الموضع الذي نزل فيه ولأجله عن طريق التأويل الباطل، أو التفسير الفاسد، أو التبديل للألفاظ بالزيادة تارة وبالنقصان أخرى، على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوتة وعبر- سبحانه- بقوله: يُحَرِّفُونَ بصيغة الفعل المضارع، لاستحضار صورة هؤلاء المحرفين. والدلالة على أن أبناءهم قد نهجوا نهج آبائهم في هذا الخلق الذميم.
فإن هذا التحريف الذي حكاه الله- تعالى- في هذه الآية قد كان من بنى إسرائيل بعد عهد موسى- ﵇ واستمروا على ذلك دون أن يصدهم عنه ما كان من نصح النبي ﷺ لهم ومن تحذيره إياهم.
والمراد بالنسيان في قوله: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ الترك والإهمال قال الراغب:
(النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع. إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره) .
والأنواع الثلاثة التي ذكرها الراغب كأسباب للنسيان قد فعلها بنو إسرائيل فهم قد أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم، واستيلاء المطامع والشهوات عليها وأهملوا أمر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا أنفسهم بها عن تعمد وإصرار، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على دين الله وهذا ما تأباه نفوسهم الجامحة وشهواتهم العارمة.
والتنكير في قوله: حَظًّا للتكثير والتهويل. أى: تركوا نصيبا كبيرا مما أمرتهم به شريعتهم وذكرتهم به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد- ﷺ عند ظهوره.
وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن في هذا المعنى تعتبر من المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم فإن الناس قبل البعثة النبوية الشريفة لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسوا حظا كبيرا مما ذكرتهم به توراتهم. فلما بين القرآن ذلك، عرفوا ما لم يكونوا يعرفونه من قبل.
ولما كانت أخلاق الآباء كثيرا ما يتوارثها الأبناء، فقد رأينا القرآن الكريم يحذر النبي ﷺ من اليهود المعاصرين له، والذين ورثوا رذائل آبائهم فقال: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
وقوله خائِنَةٍ بمعنى الخيانة أى عدم الوفاء بالعهد. فهي مصدر على وزن فاعله كالعافية والطاغية. قال- تعالى- فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ أى بالطغيان. ويحتمل أن يكون قوله
стр. 1550
خائِنَةٍ صفة لموصوف محذوف أى على فرقة خائنة أو طائفة.
والمعنى: ولا تزال- أيها الرسول الكريم- ترى في هؤلاء اليهود المعاصرين لك صورة السابقين في الغدر والخيانة. وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم، وغدرهم ونقضهم لعهودهم. إلا قليلا منهم دخلوا في الإسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها.
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما لقيه من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة. فكأن الله- تعالى- يقول له إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئا مستبعدا، بل هو طبيعة فيهم ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد: وفيها- أيضا- تحذير له ﷺ من شرورهم ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين فإن التعبير بقوله وَلا تَزالُ المفيد للدوام والاستمرار يدل على استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم وقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء من الضمير المجرور في قوله خائِنَةٍ مِنْهُمْ والمراد بهذا العدد القليل منهم، أولئك الذين دخلوا في الإسلام، واتبعوا الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله.
ثم ختم سبحانه- الآية بقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ والعفو عدم مقابلة الإساءة بمثلها.
والصفح: ترك اللوم والمعاتبة. ولذا قالوا: الصفح أعلى رتبة من العفو، لأن العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا. أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية واعتبار الإساءة كأن لم تكن في الظاهر والباطن.
وللعلماء أقوال في المراد بالذين أمر النبي ﷺ بالعفو والصفح عنه:
١- فيرى بعضهم أن المراد بهم، القلة اليهودية التي أسلمت، واستثناها الله بقوله إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهذا الرأى مردود بأنهم ماداموا قد آمنوا، فقد عصموا دماءهم وأموالهم، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع.
٢- ويرى آخرون أن الذين أمر النبي ﷺ بالعفو والصفح عنهم هم كافة اليهود، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهي قوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «١» وهذا الرأى ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين وهو غير متعذر- كما سنبين.
стр. 1551
٣- ويرى أبو مسلّم أن المراد بهم اليهود الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ينقضوا عهودهم.
والذي نراه أولى أن العفو والصفح عام لليهود، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، مع العفو عن زلاتهم التي لا تؤثر على كيان الدعوة الإسلامية.
فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين ففي هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التي تقى المسلمين شرورهم، لأن العفو عنهم- عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة- يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو في غير موضعه. وهذا القول يقارب ما ذهب إليه أبو مسلم. وربما اعتبر توضيحا له. فكأن الله- تعالى- يقول لنبيه ﷺ فاعف عن هؤلاء اليهود الذين ورثوا الخيانة عن آبائهم، واصفح عن زلاتهم التي لا تؤثر في سير الدعوة الإسلامية إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم، إن الله تعالى يحب المحسنين.
وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانبا مما أخذ الله على بنى إسرائيل من عهود ومواثيق، ورغّبتهم في الوفاء بها وحذرتهم. من نقضها، كما بينت بعض العقوبات التي عاقبهم الله بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبي ﷺ طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقي المسلمين من شرورهم ومكرهم.
وبعد أن بين- سبحانه- جانبا من قبائح اليهود ونقضهم لمواثيقهم عقب ذلك ببيان حال النصارى فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٤]
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
وقوله- تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى معطوف على قوله قبل ذلك: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
ونسب- سبحانه- تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى
стр. 1552
جمع نصران كندامى جمع ندمان، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. وقد صارت كلمة نصراني لكل من اعتنق المسيحية.
وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم. أو نسبة إلى بلدة الناصرة التي فيها نشأ عيسى- ﵇ وأعلن دعوته للناس.
والمعنى: وكما أخذنا على بنى إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه، ويستجيبوا لمحمد ﷺ الذي بشرت به الكتب السماوية، فقد أخذنا- أيضا- من الذين قالوا إنا نصارى الميثاق بذلك، ولكنهم كان شأنهم في الكفر ونقض العهود كشأن اليهود، إذ ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى قدرا كبيرا، ونصيبا عظيما مما ذكروا به على لسان عيسى ﵇ فقد أمرهم بتوحيد الله، وبشرهم بظهور رسول من بعده هو محمد ﷺ ودعاهم إلى الإيمان به، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان، فكان دأبهم كدأب بنى إسرائيل في العناد والضلال.
ونسب- سبحانه- تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ولم يقل: «ومن النصارى» للإشارة إلى أن ادعاءهم النصرانية وهي الدين الذي جاء به عيسى.
إنما هو قول يقولونه بأفواههم دون أن يتبعوه بقلوبهم إذ لو كانوا متبعين حقا لما جاء به عيسى ﵇ لأقروا لله- تعالى- بالوحدانية ولآمنوا بمحمد ﷺ الذي بشر به عيسى- ﵇.
وإلى هذا المعنى أشار- صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: فهلا قيل: ومن النصارى؟
قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية، أنصارا للشيطان» «١» .
وقوله- تعالى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ بيان لما حدث منهم بعد أخذ الميثاق.
أى: أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل تركوا نصيبا كبيرا مما أمروا بفعله ومما ذكروا به على لسان المسيح عيسى بن مريم. والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصد، لأن الناسي حقيقة لا يؤاخذه الله- تعالى-:
والإتيان بالفاء في قوله: فَنَسُوا للإشارة إلى أن تركهم لما أخذ عليهم من ميثاق، كان عن تعجل وعدم تمهل بسبب استيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم.
والتنكير في قوله تعالى: حَظًّا للتهويل والتكثير. أى تركوا نصيبا كبيرا مما أمرتهم به
стр. 1553
شريعتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد ﷺ عند ظهوره فكان تركهم لهذا النصيب العظيم مما ذكروا به سببا في ضلالهم وسوء عاقبتهم.
قال بعض العلماء: «وسبب نسيان حظ أى نصيب كبير مما ذكروا به، هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا. وما ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها- ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات المختلفة- إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان في المسيحية، وغير وبدل في مجمع نيقية الذي انعقد في سنة ٣٢٥ ميلادية.
وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد» «١» .
وقوله: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما أرشدوا إليه، ولما ذكروا به.
فالفاء في قوله- تعالى- فَأَغْرَيْنا للسببية وأغرينا أى: ألقينا وهيجنا وألصقنا. يقال:
أغريت فلانا بكذا حتى أغرى به، أى: ألزمته به وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشيء.
وقوله: بَيْنَهُمُ ظرف لأغرينا. والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى المتعددة عند جمهور المفسرين.
والمعنى: بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به فرقناهم شيعا وأحزابا وجعلنا كل فرقة منهم تعادى الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة.
ويرى بعضهم أن الضمير في قوله: بَيْنَهُمُ تعود إلى اليهود والنصارى، فيكون المعنى:
بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فهم في عداوة شديدة، وكراهية مستحكمة.
وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال:
وأولى التأويلين بالآية عندي: ما قاله الربيع بن أنس وغيره. وهو أن المعنى بالإغراء بينهم:
النصارى في هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى، دون اليهود، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود، وبعد ابتداء خبره عن النصارى، فلأن يكون ذلك معنيا به النصارى خاصة. أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرناه» «٢»
стр. 1554
وقال ابن كثير: قوله- تعالى-: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أى: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها.
فالملكانية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون. وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» «١» .
والذي تطمئن إليه النفس أن قوله- تعالى- فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائي في كل العصور والأزمان، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة. وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتى الكاثوليك والبروستانت في. إيرلاندا وفي غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم، وأنه من عند الله- وقوله- تعالى: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة بعد بيان ما حكم به عليه في الدنيا من عداوة وبغضاء. وسَوْفَ هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة.
والمعنى: لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف يخبرهم الله في الآخرة بما كانوا يصنعونه من كتمان الحق، ومخالفة للرسل، وانغماس في الباطل، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد.
وبعد أن بين- سبحانه- بعض الرذائل التي انغمس فيها اليهود والنصارى. وجه إليهم نداء دعاهم فيه إلى الدخول في الدين الحق الذي جاء به محمد ﷺ فقال: تعالى:
стр. 1555
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)
والمعنى: يا أَهْلَ الْكِتابِ من اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ أى: يظهر لكم كثيرا من الأحكام والمسائل التي ذكرتها كتبكم وكتمتموها عن الناس، كإخفائكم صفة النبي ﷺ التي تجدونها في التوراة والإنجيل وكتمانكم ما جاء فيها من بشارات تبشر به. وغير ذلك من الأحكام التي أخفاها علماؤكم عن العامة، وتولى الرسول ﷺ إعلانها إظهارا للحق، ووضعا للأمور في نصابها.
وقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أى: يعرض ولا يظهر كثيرا مما كنتم تخفونه، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه، ولا فائدة تعود على الناس من وراء إظهاره، ففي السكوت عنه رحمة بكم، وصيانة لكم عن الافتضاح والمؤاخذة.
يقال: عفا عن المذنب، أى: ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه.
والمراد بالكتاب في قوله يا أَهْلَ الْكِتابِ جنس الكتب، فيشمل التوراة والإنجيل.
وفي ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول في الإسلام فإن علمهم بما في كتبهم من بشارات بالرسول ﷺ يدعوهم إلى الإيمان به. فإذا لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق في رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى. وكان التعبير بقوله- تعالى- قَدْ جاءَكُمْ للإشارة إلى أنه ﷺ قد وصل إليهم، ويعيش بينهم، فهم يرونه ويراهم، ويخاطبهم ويخاطبونه، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون حجاب أو وساطة.
وفي التعبير بقوله- تعالى- رَسُولُنا تشريف للرسول ﷺ حيث أضافه- سبحانه- إلى ذاته، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه لأنه رسول مبلغ عن الله- تعالى- ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل.
والمراد بالكتاب في قوله: تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ التوراة والإنجيل. فقد امتدت أيدى اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم.
وفي إظهار الرسول ﷺ للكثير مما كتموه، وعفوه عن الكثير مما أخفوه، معجزة له، لأنه لم
стр. 1556
يقرأ كتابا، ولم يجلس أمام معلم، فإخباره بأسرار ما في كتبهم إخبار عن أمور مغيبة، فيكون معجزة له تحملهم على الإيمان به فيما يدعوهم إليه.
ثم مدح الله- تعالى- رسوله، وما جاء به من الخير والهدى فقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ.
والمراد بالنور هنا: محمد ﷺ فهو نور الأنوار- كما يقول الآلوسى.
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذي أنزله- تعالى- على نبيه ﷺ والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان أن فائدة مجيء الرسول ﷺ ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه، بل له منافع أخرى لا تحصى.
قال ابن جرير ما ملخصه، قوله: تعالى- قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يقول- جل ثناؤه- لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: «قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد ﷺ الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك» قوله وَكِتابٌ مُبِينٌ يعنى: «كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله، وحلاله وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ » «١» .
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور وبالكتاب هنا: القرآن الكريم.
وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال: قوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز» «٢» .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح، لأن العطف في الغالب يقتضى المغايرة في الذات إذ الرسول ﷺ قد جاء للناس برسالة هي نور في شخصه ﷺ كما جاءهم بالقرآن الكريم الدال على صدقه في رسالته.
ثم بين- سبحانه- الغاية من رسالته ﷺ فقال- تعالى- يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ.
والضمير في قوله بِهِ يعود إلى مجموع ما ذكر، أو إلى الكتاب المبين باعتباره أقرب مذكور وسُبُلَ جمع سبيل بمعنى طريق. والسَّلامِ مصدر بمعنى السلامة.
والمعنى: قد جاءكم- يا معشر أهل الكتاب- من الله نور وكتاب مبين. يهدى الله- تعالى-
стр. 1557
بذلك أو بالكتاب مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أى: من علم- سبحانه- منه أنه يريد اتباع ما يرضي بأن يخلص له العبادة ويستجيب للحق الذي أرسل به أنبياءه فإنه متى كان كذلك، أوصله- سبحانه- إلى سُبُلَ السَّلامِ أى: إلى طرق السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء، بأن يثبته في الدنيا على طريق الحق، ويكرمه في الآخرة بمثوبته وجنته هذه هي الثمرة الأولى من ثمار اتباع ما جاء من عند الله من نور وكتاب مبين. أما الثمرة الثانية فقد بينها- سبحانه- بقوله: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ.
والضمير المنصوب في قوله وَيُخْرِجُهُمْ وهو هم يعود إلى مَنِ في قوله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ باعتبار المعنى.
أى: ويخرج- سبحانه- هؤلاء الأخيار الذين علم منهم اتباع ما يرضيه يخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الحق والإيمان بِإِذْنِهِ أى: بإرادته وعلمه.
وقوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بيان للثمرة الثالثة من ثمار اتباع ما جاء من عند الله من حق وخير.
أى: ويهدى- سبحانه- هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط مستقيم، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا اضطراب، وهو طريق الإسلام الذي يوصل إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى اتباع الحق الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله، بأوضح أسلوب، وأكمل بيان، وبينتا لهم ما يترتب على اتباعه ﷺ من منافع جليلة، وفوائد عظيمة تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وبعد أن أرشد- سبحانه- أهل الكتاب إلى الطريق القويم الذي يجب عليهم أن يسلكوه، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى من ضلال وبطلان فقال:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٧]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)
стр. 1558
اللام في قوله: لَقَدْ كَفَرَ واقعة جوابا لقسم مقدر.
والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره، والانغماس في الباطل والضلال. والمعنى: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم.
قال بعض العلماء ما ملخصه: «لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهى» وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهى فقد قالوا: إن الألوهية قد حلت فيه. ولازم ذلك القول أن يكون هو الله، أو هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه. وقد قال في ذلك البيضاوي: «هم الذين قالوا بالاتحاد منهم. وقيل: لم يصرح به أحد منهم. ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا، وقالوا: لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم» .
وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، وإن لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله.
وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية وأنه ابن الله وبذلك يكون قوله- تعالى- في أواخر هذه السورة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم.
والحقيقة أن النصارى اليوم- وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون- يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة. وأنها شيء واحد. وينتهون إلى أن المسيح هو الله، والله هو روح القدس. فقد قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس: «طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هي: الله الأب، والله الابن والله الروح القدس فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطيهر. غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء. أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد» .
ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه. فهم يصرحون بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الأب، كما أن الله هو روح القدس «١» هذا، وقد أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يرد على أولئك الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال- تعالى-:
стр. 1559
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء النصارى الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل: من ذا الذي يملك من أمر الله وإرادته شيئا يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض، إن أراد الله- سبحانه- أن يهلكهم ويبيدهم؟ لا شك أن أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته- سبحانه- لأنه هو المالك لأمر الوجود كله، ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده أو يحمله على أمر لا يريده، أو يستقل بعمل دونه. ومادام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان، لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التي هي قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها.
وحاشا للمخلوق الفاني أن يكون إلها وإنما الألوهية لله الخالق الباقي أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال الإمام الرازي ما ملخصه: «احتج- سبحانه- على فساد ما ذهب إليه النصارى بقوله: فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط.
والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره. وقوله فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أى: فمن يملك من أفعال الله شيئا والملك هو القدرة. يعنى فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله- تعالى- ومنع شيء من مراده.
وقوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى: أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلّم كونه- تعالى- خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى» «١» .
وفي توجيه الأمر إلى الرسول ﷺ للرد عليهم تثبيت له وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذي آمنوا به.
قال أبو السعود: وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى عن أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط، لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه- سبحانه- وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني.
стр. 1560
وتعميم إرادة الإهلاك للكل- مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح- لتهويل الخطب، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره- تعالى- وملكوته. لا يقدر أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما أريد بغيره.
وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز، وعدم استحقاق الألوهية» «١» .
وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف، لزيادة تأكيد عجز المسيح، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لا يقدران على رفع الهلاك عنهما.
وعطف عليهما قوله وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من باب عطف العام على الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين. مرة بالنص عليهما. ومرة بالاندراج في العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإرادة فيهما.
وقوله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما تأكيد لاختصاص الألوهية به- تعالى- إثر بيان انتفائها عما سواه.
أى: ولله- تعالى- وحده دون أن ينازعه منازع. أو يشاركه مشارك، ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة. فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته. وما المسيح وأمه إلا من جملة ما في الأرض، فهما عبدان من عباد الله يدينان له- سبحانه- بالعبادة والطاعة والخضوع.
وقال- سبحانه- وَما بَيْنَهُما ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ الجمع، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان.
أى: ولله- تعالى- وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته.
وقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح لولادته من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله.
أى أنه- سبحانه- يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي يريدها تبعا لمشيئته وإرادته.
стр. 1561
فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن في خلق عيسى، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته.
وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أى: والله- تعالى- قدير على كل شيء ومالك لكل شيء ومهيمن على كل شيء لا يغلبه شيء طلبه، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من مخلوقاته وعبيده، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله- .
فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة في شأن عيسى- ﵇ وترد عليهم بما يزهق باطلهم، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد الله وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار.
ثم ساق- سبحانه- بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه ﷺ أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٨]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)
قال الإمام ابن كثير: روى محمد بن إسحاق وابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال:
أتى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله- تعالى- وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله- تعالى- فيهم.
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.. الآية «١» .
وقوله- تعالى- وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى حكاية لما صدر عن الفريقين من أقاويل فاسدة ودعاوى باطلة، يدل على سفاهة عقولهم، وبلادة تفكيرهم، حيث قالوا في حق الله- تعالى-
стр. 1562
ما لا يليق بعظمته- سبحانه-.
قال الآلوسى: ما ملخصه: قوله- تعالى-: «ومرادهم بالأبناء: المقربون. أى نحن مقربون عند الله- تعالى- قرب الأولاد من والدهم. ومن مرادهم بالأحباء: جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب.
ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة، كما يقال: أبناء الدنيا وأبناء الآخرة. ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة. أى قالت اليهود: نحن أشياع ابنه عزير. وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه عيسى. وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة. وهذا كما يقول أتباع الملك: نحن الملوك.
وقيل الكلام على حذف المضاف. أى: نحن أبناء أنبياء الله- تعالى- وهو خلاف الظاهر.
ومقصود الفريقين بقوله- تعالى- حكاية عنهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ هو المعنى المتضمن مدحا، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزيد عند الله- تعالى- على سائر الخلق» «١» .
والمعنى: وقالت طائفة اليهود التي تزعم أنها شعب الله المختار، وقالت طائفة النصارى التي تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما: نحن في القرب من الله- تعالى- بمنزلة أبنائه المدللين، وأحبائه المختارين، فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر.
والذي حملهم على هذا القول الباطل، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم، وتخبطهم في الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعانى الألفاظ.
قال ابن كثير: «ونقلوا عن كتبهم أن الله- تعالى- قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكرى.
فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلّم من عقلائهم. وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم.
إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم، يعنى: ربي وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى- ﵇ وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «٢» .
وعطف- سبحانه- قولهم: وَأَحِبَّاؤُهُ على قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه.
وقد أمر الله- نبيه ﷺ أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ.
стр. 1563
والفاء في قوله فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ للافصاح، لأنها تفصح عن جواب شرط مقدر أى: قل يا محمد لهؤلاء المغرورين، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء الله وأحباؤه فلأى شيء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه.
وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم، فقد عذبكم- سبحانه- في الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة.
أما في الآخرة فإن كتبكم التي بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون في الآخرة على ما تقترفون من آثام في دنياكم.
وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم- في زعمهم- أياما معدودات في الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك في قوله- تعالى- وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً:
وأقر النصارى بأن الله- تعالى- سيحاسب الناس يوم القيامة، وسيجازى كل إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
قال القرطبي: «رد الله عليهم قولهم فقال: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين، إما إن يقولوا هو يعذبنا، فيقال لهم: فلستم إذا أبناءه ولا أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه. وأنتم تقرون بعذابه، فذلك دليل على كذبكم- وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف- أو يقولوا: لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم، وما جاءت به رسلهم.
ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم» «١» وقوله:
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ رد على أصل دعواهم الباطلة، وبيان لما هو الحق من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر.
أى: ليس الأمر كما زعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق الله. فإنكم إن آمنتم وأصلحتم أعمالكم نلتم الثواب من الله، وإن بقيتم على كفركم وغروركم حق عليكم العقاب، وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قال أبو حيان قوله: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ إضراب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه، فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث، وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشرا، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوجهين البنوة. وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما» «٢» .
стр. 1564
وقوله- سبحانه- يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بيان لعموم قدرته، وشمول إرادته.
أى أنه- سبحانه- يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه، وهم المؤمنون به وبرسله، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم، وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى، لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.
وقوله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ تذييل قصد به تأكيد ما قبله من عموم قدرته، وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه.
أى: ولله- تعالى- وحده ملك جميع الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة فيجازيهم على ما عملوا من خير أو شر. قال- تعالى- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كذابون فيما يدعون وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح.
وبعد أن بين- سبحانه- فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم، ورد عليهم بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات. أتبع ذلك بتوجيه نداء آخر إليهم تكريرا لوعظهم، وتحريضا لهم على اتباع الحق فقال- تعالى-
[سورة المائدة (٥) : آية ١٩]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فو الله إنكم لتعلمون أنه رسول الله. لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده، فأنزل الله
стр. 1565
في قولهما قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ الآية «١» .
وقوله عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أى: على انقطاع من الرسل، إذ الفترة هي الزمن بين زمنين، ويكون فيها سكون عما يكون في هذين الزمنين.
قال الراغب: الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة. قال- تعالى- يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أى: سكون خال عن مجيء رسول الله ﷺ وقوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أى لا يسكنون عن نشاطهم في العادة» «٢» . فأصل الفتور: السكون والانقطاع. يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد والنشاط.
والمعنى: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يا من أنزل الله- تعالى- الكتب السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم، ها هو ذا رسولنا محمد ﷺ قد جاءكم لكي يبين لكم شرائع الدين، والطريق الحق الذي يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية، وذلك بعد انقطاع من الرسل، وطموس من السبل، وضلال في العقائد، وفساد في الأفكار والمعاملات.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله- تعالى-: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أى: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله ﷺ وبين عيسى ابن مريم. وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟
فعن قتادة خمسمائة وستون سنة.
وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم- آخر أنبياء بنى إسرائيل- وبين محمد ﷺ خاتم النبيين من بنى آدم على الإطلاق، كما ثبت في «صحيح البخاري» عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي» وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان.
والمقصود من هذه الآية، أن الله- تعالى- بعث محمدا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبّاد الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم «٣» .
وفي ندائه- سبحانه- لليهود والنصارى بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ تنبيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة، يوجبان عليهم المبادرة إلى اتباع الرسول ﷺ الذي بشرت بمبعثه كتبهم التي بين أيديهم، والذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم. وإلا فسيكون
стр. 1566
عقابهم أشد إذا ما استمروا في كفرهم وضلالهم.
وعبر- سبحانه- بقوله: قَدْ جاءَكُمْ للإيذان بأنه ﷺ قد أصبح بينهم، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه، ويسمع منهم ويسمعون منه، وأنه قد صار من اللازم عليهم اتباعه، لأن الشواهد قد قامت على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
وأضاف- سبحانه- الرسول ﷺ إلى ذاته فقال: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا لتشريفه ﷺ وتكريمه، وللإشارة إلى قدسية هذه الرسالة وسمو منزلتها، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها، ولا يصح الخروج عن طاعته، لأنه رسول من عند الله- تعالى- الذي له الخلق والأمر.
ومفعول يُبَيِّنُ محذوف. أى: يبين لكم الشرائع والأحكام، وما أمرتم به، وما نهيتم عنه، وحذف هذا المفعول اعتمادا على ظهوره، إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام.
وقوله: عَلى فَتْرَةٍ متعلق بقوله جاءَكُمْ على الظرفية، وقوله: مِنَ الرُّسُلِ متعلق بمحذوف صفة لفترة. أى: قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحى، ومزيد الاحتياج إلى البيان.
والتعبير بقوله- تعالى- عَلى فَتْرَةٍ فيه معنى فوقيه الرسالة على الفترة، وعلوها عليها كعلوا البيان على الجهل، والنور على الظلمة، فمن الواجب عليهم أن يسارعوا إلى اتباع الرسول الذي جاءهم بالحق، وإلا كانوا ممن يرتضى لنفسه الانحدار من الأعلى إلى الأدنى، ومن العلم إلى الجهل، ومن الهدى إلى الضلال.
وقوله- تعالى-: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ جملة تعليلية المقصود بها قطع معاذيرهم إذا احتجوا بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر الله ونواهيه.
والمراد بالبشير: المبشر الذي يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة.
والمراد بالنذير: المنذر الذي ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير.
والمعنى: لقد جاءكم يا معشر أهل الكتاب رسولنا محمد ﷺ يبين لكم شرائع الله بعد فترة متطاولة من انقطاع الرسل، لكي لا تقولوا على سبيل المعذرة يوم الحساب، ما جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المعصية.
ومِنَ في قوله مِنْ بَشِيرٍ لتأكيد نفى المجيء.
والتنكير في قوله: بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ للتقليل، أى: ما جاءنا أى بشير ولو كان صغيرا، وما جاءنا أى نذير ولو كان ضئيلا.
стр. 1567
وهنا يسوق الله- تعالى- ما يبطل معاذيرهم، بإثبات أن البشير والنذير قد جاءهم فقال- تعالى-: فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ.
والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها. والتقدير. لا تعتذروا بقولكم ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم رسولنا الذي يبشركم بالخير إن آمنتم وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم. والتنكير هنا في قوله: بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ للتعظيم من شأن الرسول ﷺ الذي هو خاتم النبيين، والذي أرسله الله- تعالى- رحمة للعالمين.
وقوله: بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وإن كانا وصفين للرسول ﷺ إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما في المعنى، لأن التبشير عمل يختلف عن الإنذار، وكلاهما من وظائف النبوة.
وقوله- تعالى- وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل قصد به شمول قدرة الله وأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء. أى: والله على كل شيء قدير، فلا يعجزه أن يرسل رسله تترى، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها، وأنها جاءت والناس في أشد الحاجة إليها، وأنه لا عذر لأهل الكتاب في عدم الاستجابة لها بعد أن بلغتهم، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا، وبالعذاب الأليم إن استمروا على كفرهم وضلالهم.
وبعد أن بين- سبحانه- جانبا من رذائل أهل الكتاب، ومن أقوالهم الباطلة في حق الرسول الذي أرسله الله- تعالى- لهدايتهم وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
بعد كل ذلك ساق- سبحانه- جانبا مما حدث بين موسى- ﵇ وبين قومه بنى إسرائيل، ومما لقيه منهم من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان. إذ في ذلك تسلية للرسول ﷺ عما شاهده منهم من عناد وجحود. استمع إلى القرآن وهو يحكى بعض قصص بنى إسرائيل مع نبيهم موسى فيقول:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٠ الى ٢٦]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)
стр. 1568
هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من جبن شديد، وعزيمة خوارة، وعصيان لرسلهم. وإيثار للذلة مع الراحة على العزة مع الجهاد وهي تحكى بأسلوبها البليغ قصة تاريخية معروفة، وملخص هذه القصة:
أن بنى إسرائيل بعد أن ساروا مع نبيهم موسى- ﵇ إلى بلاد الشام، عقب غرق فرعون أمام أعينهم. أوحى الله- تعالى- إلى موسى أن يختار من قومه اثنى عشر نقيبا، وأمره أن يرسلهم إلى الأرض المقدسة التي كان يسكنها الكنعانيون حينئذ. ليتحسسوا أحوال سكانها، وليعرفوا شيئا من أخبارهم.
وقد أشار القرآن قبل ذلك إلى هذه القصة بقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً «١» .
ولقد نفذ موسى- ﵇ ما أمره به ربه- سبحانه-، وكان مما قاله موسى للنقباء
стр. 1569
عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة: «لا تخبروا أحدا سواي عما ترونه» .
فلما دخل النقباء الأرض المقدسة، واطلعوا على أحوال سكانها. وجدوا منهم قوة عظيمة، وأجساما ضخمة.. فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له- وهو في جماعة من بنى إسرائيل-: قد جئنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها، فإذا هي في الحقيقة تدر لبنا وعسلا، وهذا شيء من ثمارها، غير أن الساكنين فيها أقوياء، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال.
إلا اثنين منهم، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى- ﵇ وبقتال الكنعانيين معه.
ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة «وأصروا على عدم الجهاد، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في مصر أو في هذه البرية.
وحاول موسى- ﵇ أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين ولكنهم عموا وصموا.
وأوحى الله- تعالى- إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم.
هذا هو ملخص هذه القصة كما وردت في كتب التفسير والتاريخ. وقد حشا بعض المفسرين كتبهم بأوصاف للجبارين- الذين ورد ذكرهم في الآيات الكريمة- لا تقبلها العقول السليمة، وليس لها أصل يعتمد عليه بل هي مما يستحى من ذكره كما قال ابن كثير «١» .
هذا، وقوله- تعالى-: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ كلام مستأنف ساقه الله- تعالى- لبيان بعض ما فعله بنو إسرائيل من رذائل بعد أخذ الميثاق عليهم، وتفصيل لكيفية نقضهم لهذا الميثاق.
وإِذْ ظرف للزمن الماضي بمعنى وقت. وهو مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام، تقديره اذكر. وقد خوطب بهذا الفعل رسول الله ﷺ بطريق قرينة الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب، ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من جنايات.
أى: واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك، قول موسى لآبائهم على سبيل النصح والإرشاد: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. أى: تذكروا إنعامه عليكم بالشكر والطاعة.
والمراد بذكر الوقت تذكر ما حدث فيه من وقائع وخطوب.
قال أبو السعود: وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت، دون ما وقع فيه من حوادث، - مع أنها
стр. 1570
هي المقصودة، لأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا» «١» .
وفي قول موسى لهم- كما حكى القرآن عنه-: يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تلطف معهم في الخطاب، وحمل لهم على شكر النعمة، واستعمالها فيما خلقت له لكي يزيدهم الله منها. وفيه كذلك تذكير لهم بما يربطهم به من رابطة الدم والقرابة التي تجعله منهم، يهمه ما يهمهم، ويسعده ما يسعدهم، فهو يوجه إليهم ما هو كائن لهدايتهم وسعادتهم.
وقوله- تعالى-: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ بيان لنعم ثلاث أسبغها الله عليهم.
أما النعمة الأولى: فهي جعل كثير من الأنبياء فيهم كموسى وهارون، واسحق،، ويعقوب، ويوسف، ﵈. وقد أرسل الله- تعالى- هؤلاء الأنبياء وغيرهم في بنى إسرائيل، لكي يخرجوهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، إلى نور الهداية والطاعة والإيمان.
والتنكير في قوله أَنْبِياءَ للتكثير والتعظيم. أى: تذكروا يا بنى إسرائيل نعم الله عليكم، وأحسنوا شكرها، حيث جعل فيكم أنبياء كثيرين يهدونكم إلى الرشد.
قال صاحب الكشاف: «لم يبعث الله في أمة ما بعث في بنى إسرائيل من الأنبياء» «٢» .
وأما النعمة الثانية: فهي جعلهم ملوكا. أى: جعلكم أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب.
أى: جعلكم تملكون المساكن وتستعملون الخدم، بعد أن كنتم لا تملكون شيئا من ذلك وأنتم تحت سيطرة فرعون وقومه.
قال الآلوسى: «أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك زوجة تأوى إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟
قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال الرجل: فإن لي خادما. قال عبد الله: فأنت من الملوك.
واخرج ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : كانت بنو إسرائيل
стр. 1571
إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا» «١» .
وهذه النعمة- أى: نعمة الحرية بعد الذل، والسعة بعد الضيق- من النعم العظمى التي لا يقدرها ويحافظ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، التي تعاف الظلم، وتأبى الضيم، وتحسن الشكر لله- تعالى-.
قال صاحب الانتصاف: فإن قلت: فلماذا لم يقل إذ جعلكم أنبياء، كما قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً؟ قلت. لأن النبوة مزية غير الملك. وآحاد الناس يشارك الملك في كثير مما به صار الملك ملكا، ولا كذلك النبوة، فإن درجتها أرفع من أن يشرك من لم تثبت له مع الثابتة نبوته في مزيتها وخصوصيتها ونعتها، فهذا هو سر تمييز الأنبياء وتعميم الملوك» «٢» .
وأما النعمة الثالثة: فهي أنه- سبحانه-: آتاهم من ألوان الإكرام والمنن ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم. فقد فلق لهم البحر فساروا في طريق يابس حتى نجوا وغرق عدوهم. وأنزل عليهم المن والسلوى ليأكلوا من الطيبات، وفجر لهم من الحجر اثنتي عشرة عينا حتى يعلم كل أناس مشربهم.. إلى غير ذلك من ألوان النعم التي حباهم الله- تعالى- بها، والتي كانت تستلزم منهم المبادرة إلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
قال الآلوسى: و «أل» في الْعالَمِينَ للعهد: والمراد عالمو زمانهم. أو للاستغراق.
والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل: وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية، لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبنى إسرائيل، فوجود خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم» «٣» .
وبعد هذا التذكير بالنعم، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض المقدسة فقال- كما حكى القرآن عنه: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.
ومعنى المقدسة: المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من الأنبياء.
والمراد بها. بيت المقدس وقيل المراد بها: اريحاء وقيل: الطور وما حوله.
قال ابن جرير: وهي لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك» .
стр. 1572
ومعنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: قدر لكم سكناها، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه، أو معناه: فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة- وسنفصل القول في هذه المسألة بعد تفسيرنا للآيات-.
ومفعول كَتَبَ محذوف. أى كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وجنده.
وقد تعدى فعل كَتَبَ هنا باللام دون على، للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم.
وفي تكرير النداء من موسى لهم بقوله: يا قَوْمِ مبالغة في حثهم على الامتثال لما يأمرهم به، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه.
وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره، وإغراء لهم بالنصر والفوز، لأن الذي كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا وأطاعوا هو الله الذي لا معقب لحكمه.
قال الإمام الرازي: في قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فائدة عظيمة. وهي أن القوم كانوا جبارين إلا أن الله- تعالى- لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى- ﵇ علموا قطعا أن الله ينصرهم عليهم، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع» «١» .
وقوله- تعالى-: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ تحذير لهم من الجبن والإحجام، بعد ترغيبهم الشديد في الشجاعة والإقدام.
وقوله تَرْتَدُّوا من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف.
والأدبار جمع دبر وهو الظهر.
وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء، بدل أن يسير بوجهه إلى الأمام. وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى.
وقوله (فتنقلبوا) من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء وهو مجزوم عطفا على فعل النهى وهو وَلا تَرْتَدُّوا.
والمعنى: أمضوا أيها القوم لأمر الله، وسيروا خلفي لقتال الأعداء ودخول الأرض المقدسة
стр. 1573
التي أمركم- سبحانه- بدخولها، ولا ترجعوا القهقرى منصرفين عن القتال خوفا من أعدائكم، ومبتعدين عن طاعتي وأمرى، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الخسران في الدنيا والآخرة، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التي أوجب الله عليكم دخولها.
قال ابن جرير: فإن قال قائل: وما كان وجه قول موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل: إن الله- تعالى- كان أمره بقتال من فيها من أهل يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل: إن الله- تعالى- كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به، وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض الله عليهم من وجهين:
أحدهما: تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم.
والثاني: مخالفتهم أمر الله في تركهم دخول الأرض المقدسة» «١» .
هذا، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة، وهي قوله- تعالى-: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ تحمل طابع التحذير الشديد، وتنذرهم بالخسران المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من المشجعات والمرغبات في الجهاد، وذلك لأنه- ﵇ كان متوقعا منهم الإحجام عن القتال، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على أعقابهم في مواطن كثيرة، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات وأشد التحذيرات لكي يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة.
ولكن بنى إسرائيل هم بنو إسرائيل، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة، وطبيعتهم المنتكسة لم تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ وقوله: جَبَّارِينَ جمع جبار «والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي. ويطلق في اللغة على الطويل القوى العاتي الذي يجبر غيره على ما يريد. مأخوذ من قولهم: مخلة جبارة أى: طويلة لا ينال ثمرها بالأيدى.
أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى- ﵇ إن الأرض التي وعدتنا بدخولها فيها قوم متغلبون على من يقاتلهم، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا لن ندخل هذه الأرض المقدسة التي أمرتنا بدخولها مادام هؤلاء الجبارون فيها، فإن يخرجوا منها لأى سبب من الأسباب التي لا شأن لنا بها، فنحن على استعداد لدخولها في راحة ويسر، وبلا أدنى تعب أو جهد.
стр. 1574
ولا شك أن قولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم ليدل على منتهى الجبن والضعف، لأنهم لا يريدون أن ينالوا نصرا باستخدام حواسهم البدنية أو العقلية، وإنما يريدون أن ينالوا ما يبغون بقوة الخوارق والآيات، وأمة هذا شأنها لا تستحق الحياة الكريمة، لأنها لم تقدم العمل الذي يؤهلها لتلك الحياة:
وفي ندائهم لنبيهم باسمه مجردا قالُوا يا مُوسى سوء أدب منهم معه، حيث استهانوا بمقام النبوة فنادوه باسمه حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد. وفي قولهم وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها امتناع عن القتال بإصرار شديد، حيث أكدوا عدم دخولهم بحرف النفي لَنْ وجعلوا غاية النفي أن يخرج الجبارون منها، مع أن خروجهم منها بدون قتال أمر مستبعد، وهم لا يريدون قتالا، بل يريدون دخولا من غير معاناة ومجاهدة.
ثم بين القرآن بعد ذلك أن رجلين مؤمنين منهم قد استنكرا إحجام قومهما عن الجهاد، وحرضاهم على طاعة نبيهم فقال: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
والمراد بالرجلين: يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وكانا من الاثنى عشر نقيبا.
وقد وصف الله- تعالى- هذين الرجلين بوصفين.
أولهما: قوله: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أى: من الذين يخافون الله وحده ويتقونه ولا يخافون سواه وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه- تعالى- بل يخافون العدو.
وقيل المعنى: من الذين يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم إلا أن الله- تعالى- ربط على قلبيهما بطاعته. فجعلهما يقولان ما قالا:
الوصف الثاني: فهو قوله: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فهذه الجملة صفة ثانية للرجلين. أى: قال رجلان موصوفان بأنهما من الذين يخافون الله- تعالى- ولا يخافون سواه، وبأنهما من الذين أنعم الله عليهما بالإيمان والتثبيت والثقة بوعده، والطاعة لأمره قالا لقومهما. ادخلوا عليهم الباب.
هذا، وقد ذكر صاحب الكشاف وغيره وجها ثالثا فقال: ويجوز أن تكون الواو في قوله:
يَخافُونَ- لبنى إسرائيل. والراجع إلى الموصول محذوف. والتقدير: قال رجلان من الذين يخاف بنو إسرائيل منهم، - وهم الجبارون- وهما رجلان منهم «أنعم الله عليهما» بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم،
стр. 1575
يشجعانهم على قتالهم. وقراءة من قرأ: يَخافُونَ- يضم الياء- شاهدة له. وكذلك. أنعم الله عليهما» «١» .
والذي نراه أن الرأى الأول أرجح وهو أن الرجلين من بنى إسرائيل، وأن قوله- تعالى- مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا صفتان للرجلين وأن مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو الله- تعالى- أى: يخافون الله ويخشونه لأن هذا هو الظاهر من معنى الآية، وهو الذي صدر به المفسرون تفسيرهم للآية، ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه في أن أحد الجبارين قد آمن وحرض بنى إسرائيل على قتال قومه، بينما وردت الآثار في بيان اسمى الرجلين وأنهما كانا من الاثنى عشر نقيبا- كما سبق أن ذكرنا- وقوله- تعالى- ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا عنهم الخوف من قتال الجبارين.
أى: قال الرجلان اللذان يخافان الله لقومهما: ادخلوا على أعدائكم باب مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم، وباغتوهم بقتالكم إياهم، فإذا فعلتم ذلك أحرزتم النصر عليهم، وأدركتم الفوز، فإنه «ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا» .
قال صاحب الكشاف: فان قلت: من أين علما أنهم غالبون؟ قلت: من جهة إخبار موسى بذلك. ومن جهة قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة» «٢» .
وقوله- تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ دعوة من الرجلين المؤمنين لقومها، بأن يكلوا أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب على أعدائهم، إن كانوا مؤمنين حقا، فإن النصر يحتاج إلى تأييد من الله- تعالى- لعباده، وإلى توكل عليه وحده، وإلى عزيمة صادقة، ومباشرة للأسباب التي توصل إليه.
ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين، لم تصادف من بنى إسرائيل قلوبا واعية، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد وكرروا لنبيهم موسى ﵇ نفيهم القاطع للإقدام على دخول الأرض المقدسة مادام الجبارون فيها فقالوا- كما حكى القرآن عنهم: يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها.
أى: قالوا غير عابئين بالنصيحة. بل معلنين العصيان والمخالفة: يا موسى إنا لن ندخل
стр. 1576
هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها في أى وقت من الأوقات، مادام أولئك الجبارون يقيمون فيها، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم.
وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض في هذه المرة بثلاثة مؤكدات، هي: إن، ولن، وكلمة أبدا.
أى: لن ندخلها بأى حال من الأحوال مادام الجبارون على قيد الحياة ويسكنون فيها.
ثم أضافوا إلى هذا القول الذي يدل على جبنهم وخورهم، سلاطة في اللسان، وسوء أدب في التعبير، وتطاولا على نبيهم فقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
أى: إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه- سبحانه- ليس ربا لهم- في زعمهم- إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض.
وقولهم: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة.
أى: إنا ها هنا قاعدون في مكاننا لن نبرجه، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن في غنى عنه، ولا رغبة لنا فيه.
وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم، ليدل على الخسة وسقوط الهمة، لأن القعود في وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة، والمذلة، قال- تعالى- ذمّا لأمثالهم: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ «١» .
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله- تعالى- حكاية عنهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا قالوا ذلك استهانة واستهزاء به- سبحانه- وبرسوله موسى وعدم مبالاة. وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم، وقسوة قلوبهم والمقابلة: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم، أو يعبئوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى- ﵇ بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجبن، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم، فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
أى: قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى الله، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم
стр. 1577
وجبنهم: رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسي، وأمر أخى هارون، ولا ثقة لي في غيرنا أن يطيعك في العسر واليسر والمنشط والمكره.
ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ لعدم ثقته الكاملة في دخولهما معه أرض الجبارين، وفي وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل. ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وأمر أخيه.
وصرح موسى- ﵇ بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه، لمؤازرته التامة له في كفاحه ظلم فرعون، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة في كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله- تعالى.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على ديني» «١» .
هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله وَأَخِي منها: أنه منصوب عطفا على قوله: نَفْسِي أى: ولا أملك إلا أخى مع ملكي نفسي دون غيرهما.
وقوله- تعالى-: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بيان لما يرجوه موسى من ربه- بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته.
والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيئين.
والمعنى: قال موسى مخاطبا ربه: لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخى، أما قومي فقد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك ومادام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل، بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد.
وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب الله- تعالى- دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال- تعالى-: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
стр. 1578
وقوله: يَتِيهُونَ من التيه وهو الحيرة. يقال: تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق. ووقع فلان في التيه. أى: في مواضع الحيرة.
وقوله: فَلا تَأْسَ أى: فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن. يقال: أسى- كتعب- أى: حزن. فهو آس مثل حزين. وأسا على مصيبته- من باب عدا- أى: حزن قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل أى: يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر.
والمعنى: قال الله- تعالى- لنبيه موسى مجيبا لدعائه: يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقر لهم قرار، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا، وتمردهم على أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أدبهم مع أنبيائنا.
قال الآلوسى. قوله: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أى: لا يدخلونها ولا يملكونها. والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر وقوله أَرْبَعِينَ سَنَةً متعلق بقوله:
محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي- يجوز له دخولها- فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بنى إسرائيل- بعد انقضاء هذه المدة- إلى الأرض المقدسة.
وقوله: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية حرمانهم. وقيل حال من ضمير عَلَيْهِمْ. وقيل: الظرف متعلق بقوله: يَتِيهُونَ فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه» «١» .
وقال الفخر الرازي: اختلف الناس في أن موسى وهارون- ﵉ هل بقيا في التيه أو لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابة، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون.
وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه، إلا أن الله- تعالى- سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما. وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن
стр. 1579
نون- وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته- وهو الذي فتح الأرض المقدسة- بعد انقضاء مدة التيه وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة» «١» .
هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل الآتية:
أولا: الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة- فلسطين- ملك لهم مستندين إلى قوله- تعالى-: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ثانيا: الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
ثالثا: ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات.
وللإجابة على المسألة الأولى نقول: للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أشهرها قولان:
أولهما: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله- تعالى- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ: أى: فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثاني: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين. وهذا القضاء مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد في سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك- وهم لم يكونوا كذلك فعلا- لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى- ﵇ بدخولها، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.
قال الآلوسى: «وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا» «٢» .
وقال ابن عباس: كانت هبة من الله لهم ثم حرمها- سبحانه- عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.
وقال الفخر الرازي: إن الوعد بقوله كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط» «٣» .
стр. 1580
والخلاصة أن الكتابة في قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: إما أن تكون تكليفية على معنى: أن الله- تعالى- كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة.
وإما أن تكون كتابة قدرية. أى: قضى وقدر- سبحانه- أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم. وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها- سبحانه- عليهم.
وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل.
وللإجابة عن المسألة الثانية نقول: اقتضت حكمة الله- تعالى- أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية. وضعف عندهم الشعور بالعزة. وأصبحت حياة الذلة مع القعود. أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عند ما أمرهم نبيهم موسى- ﵇ بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها مادام الجبارون فيها:
وقالوا: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
فاقتضت حكمة الله- تعالى- أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ الذل والهوان.
قال ابن خلدون في مقدمته.. ويظهر من مساق قوله- تعالى- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ومن مفهومه: أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهي فناء الأجيال الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر، وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة. فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر.
فسبحان الحكيم العليم» «١» .
هذا ولصاحب المنار كلام حسن في حكمة هذه العقوبة، نرى من المناسب إثباته هنا، فقد قال- ﵀ في ختام تفسيره لهذه الآيات:
«إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، والإحساس بالظلم والاضطهاد، تفسد