← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها في أى وقت من الأوقات، مادام أولئك الجبارون يقيمون فيها، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم. وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض في هذه المرة بثلاثة مؤكدات، هي: إن، ولن، وكلمة أبدا. أى: لن ندخلها بأى حال من الأحوال مادام الجبارون على قيد الحياة ويسكنون فيها. ثم أضافوا إلى هذا القول الذي يدل على جبنهم وخورهم، سلاطة في اللسان، وسوء أدب في التعبير، وتطاولا على نبيهم فقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. أى: إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه- سبحانه- ليس ربا لهم- في زعمهم- إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض. وقولهم: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة. أى: إنا ها هنا قاعدون في مكاننا لن نبرجه، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن في غنى عنه، ولا رغبة لنا فيه. وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم، ليدل على الخسة وسقوط الهمة، لأن القعود في وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة، والمذلة، قال- تعالى- ذمّا لأمثالهم: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ «١» . قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله- تعالى- حكاية عنهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا قالوا ذلك استهانة واستهزاء به- سبحانه- وبرسوله موسى وعدم مبالاة. وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم، وقسوة قلوبهم والمقابلة: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم، أو يعبئوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى- ﵇ بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجبن، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم، فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. أى: قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى الله، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم

стр. 1577

وجبنهم: رب إنك تعلم أنى لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسي، وأمر أخى هارون، ولا ثقة لي في غيرنا أن يطيعك في العسر واليسر والمنشط والمكره. ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ لعدم ثقته الكاملة في دخولهما معه أرض الجبارين، وفي وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل. ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وأمر أخيه. وصرح موسى- ﵇ بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه، لمؤازرته التامة له في كفاحه ظلم فرعون، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة في كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله- تعالى. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخينى على ديني» «١» . هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لقوله وَأَخِي منها: أنه منصوب عطفا على قوله: نَفْسِي أى: ولا أملك إلا أخى مع ملكي نفسي دون غيرهما. وقوله- تعالى-: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بيان لما يرجوه موسى من ربه- بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته. والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله. والفرق معناه الفصل بين شيئين. والمعنى: قال موسى مخاطبا ربه: لقد علمت يا إلهى أنى لا أملك لنصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخى، أما قومي فقد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك ومادام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل، بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد. وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب الله- تعالى- دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال- تعالى-: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.

стр. 1578

وقوله: يَتِيهُونَ من التيه وهو الحيرة. يقال: تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق. ووقع فلان في التيه. أى: في مواضع الحيرة. وقوله: فَلا تَأْسَ أى: فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن. يقال: أسى- كتعب- أى: حزن. فهو آس مثل حزين. وأسا على مصيبته- من باب عدا- أى: حزن قال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل أى: يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر. والمعنى: قال الله- تعالى- لنبيه موسى مجيبا لدعائه: يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقر لهم قرار، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا، وتمردهم على أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أدبهم مع أنبيائنا. قال الآلوسى. قوله: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أى: لا يدخلونها ولا يملكونها. والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر وقوله أَرْبَعِينَ سَنَةً متعلق بقوله: محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي- يجوز له دخولها- فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بنى إسرائيل- بعد انقضاء هذه المدة- إلى الأرض المقدسة. وقوله: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية حرمانهم. وقيل حال من ضمير عَلَيْهِمْ. وقيل: الظرف متعلق بقوله: يَتِيهُونَ فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه» «١» . وقال الفخر الرازي: اختلف الناس في أن موسى وهارون- ﵉ هل بقيا في التيه أو لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابة، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون. وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه، إلا أن الله- تعالى- سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما. وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن

стр. 1579

نون- وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته- وهو الذي فتح الأرض المقدسة- بعد انقضاء مدة التيه وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة» «١» . هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل الآتية: أولا: الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة- فلسطين- ملك لهم مستندين إلى قوله- تعالى-: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ثانيا: الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض. ثالثا: ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات. وللإجابة على المسألة الأولى نقول: للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أشهرها قولان: أولهما: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله- تعالى- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ: أى: فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثاني: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين. وهذا القضاء مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد في سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك- وهم لم يكونوا كذلك فعلا- لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى- ﵇ بدخولها، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. قال الآلوسى: «وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا» «٢» . وقال ابن عباس: كانت هبة من الله لهم ثم حرمها- سبحانه- عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. وقال الفخر الرازي: إن الوعد بقوله كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط» «٣» .

стр. 1580

والخلاصة أن الكتابة في قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: إما أن تكون تكليفية على معنى: أن الله- تعالى- كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة. وإما أن تكون كتابة قدرية. أى: قضى وقدر- سبحانه- أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم. وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها- سبحانه- عليهم. وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل. وللإجابة عن المسألة الثانية نقول: اقتضت حكمة الله- تعالى- أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية. وضعف عندهم الشعور بالعزة. وأصبحت حياة الذلة مع القعود. أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عند ما أمرهم نبيهم موسى- ﵇ بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها مادام الجبارون فيها: وقالوا: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. فاقتضت حكمة الله- تعالى- أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ الذل والهوان. قال ابن خلدون في مقدمته.. ويظهر من مساق قوله- تعالى- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ومن مفهومه: أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهي فناء الأجيال الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر، وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة. فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر. فسبحان الحكيم العليم» «١» . هذا ولصاحب المنار كلام حسن في حكمة هذه العقوبة، نرى من المناسب إثباته هنا، فقد قال- ﵀ في ختام تفسيره لهذه الآيات: «إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، والإحساس بالظلم والاضطهاد، تفسد

стр. 1581

أخلاقها، وتذل نفوسها. وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية. والطبائع الخلقية، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر. أفسد ظلم فرعون فطرة بنى إسرائيل في مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل. وقد أراهم الله- تعالى- من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى- ﵇ وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى الحرية. ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إليها. وكان الله- تعالى- يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده- تعالى- لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشرى، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية. ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة، وعدل الشريعة، ونور الآيات الإلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلموا أنه لم يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم. وعلى هذه السّنة العادلة أمر الله- تعالى- بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، فأبوا واستكبروا. فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قوما آخرين. فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها «١» . وللإجابة عن المسألة الثالثة- وهي ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر- نقول: إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على لون حكيم في أسلوب الدعوة إلى الله- تعالى- فقد بدأت بتذكير بنى إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم، لتغرس فيهم الشعور بالعزة ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به- سبحانه-. كما اشتملت على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدى إلى الخسران. وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن خور عزيمتهم، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم.. بما جعلهم أهلا للعقوبات الرادعة وفي كل ذلك تسلية للرسول ﷺ عما لحقه من اليهود المعاصرين له من أذى، وتحذير لهم من السير

стр. 1582

على طريقة آبائهم المعوجة، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي حلت بأسلافهم. قال الإمام ابن جرير: عند تفسيره للآيات الكريمة: وهذا- أيضا- من الله- تعالى تعريف- لنبيه ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغي، وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع آياته وآلائه عليهم، مسليا بذلك نبيه ﷺ عما ينزل به من مجادلاتهم في ذات الله، يقول الله- له: لا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله، والبعد عن الحق، وما فيه من الحظ لهم في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم، وأوائلهم، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى- ﵇ «١» . وقال الإمام ابن كثير: وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان. وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون. لتقر به أعينهم- وما بالعهد من قدم- ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم. وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل. وقال- ﵀ قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة- رضى الله عنهم- يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال قريش. فقد قالوا فأحسنوا. لقد قال المقداد: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن نقول لك: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون» «٢» كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية الله ورسله تؤدى إلى الخسران، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة، وعصوا أمر نبيهم، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة، صارت قصتهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين. وبعد أن ساق- سبحانه- جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة، أتبع ذلك بقصة ابني آدم، فقال- تعالى-:

стр. 1583

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٢] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) قال أبو حيان في البحر «مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هو أن الله لما ذكر تمرد بنى إسرائيل وعصيانهم أمره في النهوض لقتال الجبارين، أتبع ذلك بذكر قصة ابني آدم وعصيان قابيل أمر الله، وأنهم اقتفوا في العصيان أول عاص لله وأنهم انتهوا في خور الطبيعة. وهلع النفوس

стр. 1584

والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة- فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصي بعد الشرك وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها، بحيث كان أول من سن القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة. فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه. ومن حيث المعصية بهما وأيضا فتقدم قوله في أوائل الآيات: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وتبين ان عدم اتباع بنى إسرائيل للنبي ﷺ إنما سببه الحسد، وقصة بنى آدم انطوت على الحسد: وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض «١» . وقوله: وَاتْلُ من التلاوة. وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الواضحة في مخارج حروفها. وفي النطق بها. والمراد بابني آدم: ولداه وهما قابيل وهابيل. قال القرطبي: واختلف في ابني آدم. فقال الحسن البصري: ليسا من صلبه كانا رجلين من بنى إسرائيل- ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود- وكان بينهما خصومة، فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا في بنى إسرائيل قال ابن عطية: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بنى إسرائيل يقتدى بالغراب؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه. هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل «٢» . والضمير في قوله: عَلَيْهِمْ يعود على بنى إسرائيل الذين سبق الحديث عنهم. أو على جميع الذين أرسل الرسول ﷺ لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أوليا، لإعلامهم بما هو في كتبهم حيث وردت هذه القصة في التوراة. وقوله بِالْحَقِّ متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر اتْلُ أى: اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق. والقربان: اسم لما يتقرب به إلى الله- تعالى- من صدقة أو غيرها. ويطلق في أكثر الأحوال على الذبائح التي يتقرب إلى الله- بذبحها. قال أبو حيان: وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان- من قابيل وهابيل- وملخصه: أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر. ولا يحل للذكر نكاح توأمته: فولد مع قابيل أخت جميلة، وولد مع هابيل أخت دون ذلك. فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمة هابيل، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل هابيل في ذلك، فاتفقا على أن يقدما قربانا- فأيهما قبل قربانه تزوجها، والقربان الذي

стр. 1585

قرباه هو زرع لقابيل- وكان صاحب زرع- وكبش لهابيل- وكان صاحب غنم- فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل. وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل «١» . والمعنى: واتل- يا محمد- على هؤلاء الحسدة من اليهود، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل، وقت أن قربا قربانا لله- تعالى- فتقبل الله- قربان أحدهما- وهو هابيل- لصدقه وإخلاصه، ولم يتقبل من الآخر- وهو قابيل- بسوء نيته وعدم تقواه. ثم حكى- سبحانه- ما دار بين الأخوين من حوار فقال: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ أى قال قابيل متوعدا أخاه هابيل: لأقتلنك بسبب قبول قربانك، دون قرباني، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل- وهو من أكبر الكبائر. دون أن يقيم للأخوة التي بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره في الحياة والذي حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول. وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوى في الكلام والذي تدل عليه اللام. ونون التوكيد الثقيلة أى والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك. وهنا يحكى القرآن الكريم مارد به الأخ البار التقى هابيل على أخيه الظالم الحاسد قابيل، فيقول: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أى: قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشدا: إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم، فعليك أن تكون من المتقين لكي يقبل منك الله. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف كان قوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ جوابا لقوله: لَأَقْتُلَنَّكَ؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله- تعالى- لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق «٢» . ثم انتقل الأخ التقى من وعظ أخيه بتطهير قلبه، إلى تذكيره بحقوق الأخوة وما تقتضيه من بر وتسامح فقال- كما حكى القرآن عنه- لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ

стр. 1586

وبسط اليد: مدها والمراد هنا: مدها بالاعتداء. والمعنى: لئن مددت إلى- يا أخى- يدك لتقتلني ظلما وحسدا ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ فإن القتل- وخصوصا بين الأخوة جريمة منكرة، تأباها شرائع الله- تعالى- وتنفر منها العقول السليمة. وإذا كان الأخ الظالم قابيل قد أكد تصميمه على قتل أخيه هابيل بجملة قسمية وهي لَأَقْتُلَنَّكَ فإن هابيل قد أكد عدم قتله له بجملة قسمية- أيضا وهي لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ. فأنت ترى أن الجملة الكريمة تصور أكمل تصوير ما بين الأخيار والأشرار من تضاد. قال الآلوسى: قيل كان هابيل أقوى من قابيل ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله- تعالى- لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت، وفي تلك الشريعة. أو تحريا لما هو الأفضل والأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا، لا قاتلا» «١» . وقوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ جملة تعليلية مسوقة لبيان سبب امتناع هابيل عن بسط يده إلى أخيه قابيل. أى: إنى أخاف الله رب العالمين أن يراني باسطا يدي إليك بالقتل. وقد أكد خوفه من الله- تعالى- بأن المؤكدة للقول، وبذكره له- سبحانه- بلفظ الجلالة، المشعر بأنه هو وحده صاحب السلطان، وبوصفه له بأنه رب العالمين، أى: منشئ الكون ومن وما فيه، وصاحب النعم التي لا تحصى على خلقه. وفي هذه الجملة الكريمة إرشاد لقابيل لخشية الله على أتم وجه، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله. ثم انتقل هابيل من وعظ أخيه بتطهير قلبه وبتذكيره بما تقتضيه الأخوة من بر وتسامح إلى تخويفه من عقاب الآخرة فقال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ: وقوله: أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، أى ترجع. وتقر: من البوء وهو الرجوع واللزوم، يقال: باء إليه: أى: رجع، وبؤت به إليه أى رجعت. والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ولم تعطف على ما قبلها للإيذان باستقلالها في العلية، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة تامة.

стр. 1587

والمعنى: إِنِّي أُرِيدُ بامتناعى عن التعرض لك ببسط يدي أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أى: ترجع بإثم قتلك إياى، وبإثمك الذي قد كان منك قبل قتلى، والذي بسببه لم يتقبل قربانك فَتَكُونَ بسبب الإثمين مِنْ أَصْحابِ النَّارِ في الآخرة وَذلِكَ أى: كينونتك من أصحاب النار جَزاءُ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم. قال الإمام الرازي: فإن قيل: كما لا يجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصى الله، فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصى الله، فلم قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ؟ فالجواب: أن هذا الكلام إنما دار بينهما عند ما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له: وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد وأن تترصد قتلى في وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك فحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلى إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان. وهذا منى كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا، وبين أن يكون أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي. ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة، وعلى هذا الشرط لا يكون حراما. ويجوز أن يكون المراد: إنى أريد أن تبوء بعقوبة قتلى. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه» «١» . وقال صاحب الانتصاف: فأما إرادته- أى إرادة هابيل- لإثم أخيه وعقوبته- في قوله- تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ- فمعناه: إنى لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول. اضطر إلى الثاني. فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل- ولم تكن حينئذ مشروعة- فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة. ومعناه أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه، وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله» «٢» . وإلى هنا نرى. أن هابيل قد استعمل في صرف أخيه عن جريمة القتل وسائل متنوعة فهو

стр. 1588

أولا أرشده إلى أن الله- تعالى- إنما يتقبل الأعمال من المتقين، فإذا أراد أن يتقبل قربانه فعليه أن يكون منهم. وأرشده ثانيا إلى حقوق الأخوة وما تقتضيه من محبة ومودة وتسامح. وأرشده ثالثا إلى أنه لا يمنعه من بسط يده إليه إلا الخوف من الله رب العالمين. وأرشده رابعا إلى أن ارتكابه لجريمة القتل سيؤدي به إلى عذاب النار يوم القيامة، بسبب قتله لأخيه ظلما وحسدا. فماذا كان وقع هذا النصح الحكيم، والإرشاد القويم في نفس ذلك الإنسان الحاسد الظالم؟ لقد بين الله ذلك بقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ. قال القرطبي: قوله فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ: أى: سولت وسهلت نفسه له الأمر. وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. يقال: طاع الشيء يطوع أى: سهل وانقاد. «وطوعه فلان له أى سهله» «١» . والمعنى: أن قابيل سهلت له نفسه وزينت له- بعد هذه المواعظ- قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ في دنياه وفي أخراه. أصبح من الخاسرين في دنياه لأنه قتل أخاه، والأخ سند لأخيه وعون له، لما بينهما من رحم قوية ورابطة متينة. وأصبح من الخاسرين في آخرته، لأنه ارتكب جريمة من أكبر الجرائم وأشنعها وقد توعد الله مرتكبها بالغضب واللعنة والعذاب العظيم. والتعبير بقوله- تعالى فَطَوَّعَتْ تعبير دقيق بليغ، فإن هذه الصيغة- صيغة التفعيل- تشير إلى أنه كانت هناك بواعث متعددة تتجاذب نفسه، كانت هناك بواعث الشر التي تدعوه إلى الاقدام على قتله، ودوافع الخير التي تمنعه من الإقدام على قتل أخيه، وأخيرا تغلبت دوافع الشر على دوافع الخير فقتل أخاه. وقد صور الإمام الرازي هذا المعنى تصويرا حسنا فقال: قال المفسرون: فطوعت، أى: سهلت له نفسه قتل أخيه، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور القتل العمد العدوان وكونه من أعظم الكبائر فهذا الاعتقاد يصير صارفا له عن فعله فيكون هذا الفعل كالشىء العاصي المتمرد عليه الذي لا يطيعه بوجه ألبتة. فإذا أوردت النفس

стр. 1589

أنواع وساوسها، صار هذا الفعل سهلا عليه، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له، بعد أن كان كالعاصى المتمرد عليه، فهذا هو المراد بقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ «١» . هذا، والآية الكريمة بعد كل ذلك، تشير إلى شناعة الجريمة في ذاتها من حيث الباعث عليها، إذ الباعث عليها هو الحسد ومن حيث الصلة بين القاتل والمقتول إذ هي صلة أخوة تقتضي المحبة والمودة والتراحم ومن حيث ذات الفعل فإنه أكبر جريمة بعد الإشراك بالله- تعالى-. قال الآلوسى: أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها. لأنه أول من سن القتل» وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر- رضى الله عنه- قال: «إنا لنجد ابن آدم القاتل، يقاسم أهل النار العذاب. عليه شطر عذابهم» «٢» . ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. وقوله: فَبَعَثَ من البعث بمعنى الإرسال. وهو هنا مستعمل في الإلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل. والغراب: طائر معروف. قالوا: والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان، لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب. أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء. وقوله: يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أى: ينبش التراب بمنقاره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض، ليعمل ما يشبه الحفرة. والتعبير بالمضارع، للإشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا، وكان مجال استمرار. وقوله: لِيُرِيَهُ إما متعلق بقوله فَبَعَثَ فيكون الضمير في الفعل لله- تعالى- أو متعلق بقوله: يَبْحَثُ فيكون الضمير للغراب. قال القرطبي: قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه- فتعلم قابيل ذلك من الغراب- وكان ابن آدم هذا أول من قتل. وقيل إن الغراب

стр. 1590

بحث الأرض على طعمه- أى: أكله- ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه، لأن عادة الغراب فعل ذلك، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه» «١» . «والسوءة» ما تسوء رؤيته من الجسد، والمراد بها هنا: جميع جسد الميت وقيل: المراد بها العورة، لأنها تسوء ناظرها. وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، لأن سترها آكد. وهذه الآية الكريمة مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق. والتقدير: أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته. ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة في العراء. تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ أى: يحفر وينبش بمنقاره ورجليه متعمقا فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ أى: ليعلم ذلك القاتل ويعرفه كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ أى: كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة، وأصبح عرضة للتغير والتعفن. وقوله- تعالى- قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم. وكلمة يا وَيْلَتى أصلها: يا ويلتى. وهي كلمة جزع وتحسر. تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادى ويلته ويطلب حضورها، بعد تنزيلها منزلة من ينادى. ولا يكون ذلك إلا في أشد الأحوال ألما، والويلة كالويل: ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك. أى: قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة- بعد أن أرى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا- قال يا وَيْلَتى أى: يا فضحيتى وبليتى أقبلى فهذا وقتك، لأنى قد نزلت بي أسبابك. وقوله: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي أى: أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب فأستر جسد أخى في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام في أَعَجَزْتُ للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب، مع أنه إنسان فيه عقل، والغراب طائر من أخس الطيور. وقوله: فَأُوارِيَ معطوف على قوله: أَنْ أَكُونَ. وقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب.

стр. 1591

والندم: أسف الفاعل على فعل صدر منه. قال الراغب: الندم والندامة التحسر من تغير رأى في أمر فائت. قال- تعالى-: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه» «١» . والمعنى: فأصبح قابيل الذي قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على جهله، وبغيه، وتمكن الحقد من نفسه. قال صاحب المنار: والندم الذي ندمه- قابيل- هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل إذا ظهر له أن فعله كان شرا له لا خيرا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله، والتألم من تعدى حدوده، وهذا هو المراد بحديث «الندم توبة» - رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي. وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة. وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل- أى نصيب- من دمها لأنه أول من سن القتل» «٢» . ثم بين- سبحانه- بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم- ما شرعه من شرائع تردع المعتدى، وتبشر التقى فقال- تعالى-: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. وأصل معنى الأجل: الجناية التي يخشى منها آجلا. يقال: أجل الرجل على أهله شرا يأجله- بضم الجيم وكسرها- أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه، ثم استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم: من أجلك فعلت كذا. أى بسببك، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل. والجار والمجرور مِنْ أَجْلِ متعلق بالفعل كَتَبْنا واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام. والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسدا وظلما، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد كَتَبْنا أى فرضنا وأوجبنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة ما يردع المعتدى وما يبشر المتقى. قال الجمل: قال بعضهم: إن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ من تمام الكلام الذي قبله- أى أنه

стр. 1592

متعلق بقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ- والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك. يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله: من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ابتداء كلام متعلق بقوله كَتَبْنا فلا يوقف عليه «١» . ومِنْ هنا للسببية. أى: بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير. وعبر- سبحانه- عن السببية. بمن لبيان الابتداء في الحكم. وأنه اقترن بوقوع تلك الجريمة النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها. وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو كَتَبْنا لإفادة الحصر أى: من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر. وعبر- سبحانه- بقوله كَتَبْنا للإشارة إلى أن الأحكام التي كتبها، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها، ولا يفرطوا في شيء منها. وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام- لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا، وكان قبل ذلك قولا مطلقا، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء، وقتلا للمصلحين، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد، وهو رذيلة معروفة فيهم، فقد حملهم حسدهم للنبي ﷺ على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله- تعالى- نجاه من شرورهم. وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل لأنه أرشده إلى ما يصلحه. وقوله- تعالى-: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً بيان لما كتبه- سبحانه- من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها. والمعنى: بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا، كتبنا في التوراة على بنى إسرائيل أَنَّهُ أى: الحال والشأن مَنْ قَتَلَ نَفْساً واحدة من النفوس الإنسانية بِغَيْرِ نَفْسٍ. أى: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أى: أو بغير فساد في

стр. 1593

الأرض يوجب إهدار الدم- كالردة وزنا المحصن- فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً لأن الذي يقتل نفسا بغير حق، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا، إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنسانى كله. وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أى: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدى بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا. وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه- سبحانه- قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلى بما يدلى به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذا بين الواحد والجميع في ذلك. فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه- عن القتل- وكذلك الذي أراد إحياءها «١» » . وقال الإمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة في قوله- تعالى- أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً.. إلخ. هذا تعظيم لتعاطى القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إله غيره- هي لنا- كما كانت لهم. وما جعل- سبحانه- دماءهم أكرم من دمائنا «٢» . وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً: العموم أى: نفسا يحرم قتلها من بنى الإنسان. وبعضهم يرى أن المراد نفس الامام العادل، لأن القتل في هذه الحالة يؤدى إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى:

стр. 1594

من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا» «١» . ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإنسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام. وقوله. بِغَيْرِ نَفْسٍ متعلق بالفعل قبله وهو (قتل) . وقوله أَوْ فَسادٍ مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافه غير إليها. و «ما» في قوله فَكَأَنَّما كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها. وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ بيان لموقف بنى إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدى أنبيائهم ومرشديهم. أى: ولقد جاءت رسلنا لبنى إسرائيل بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ أى: بعد الذي كتبناه عليهم من شرائع، وبعد مجيء الرسل إليهم بالبينات فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ أى: لمجاوزون الحد في ارتكاب المعاصي والآثام، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما. وأكد- سبحانه- جملة وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بالقسم، لكمال العناية بمضمونها، ولبيان أن الرسل- ﵈ ما قصروا في إرشاد بنى إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم، فقد جاءوهم بالشرائع البينة الواضحة التي تحمل في نفسها دليل صلاحها. والتعبير «بجاءتهم» يشير إلى أن الرسل- ﵈ وصلوا إليهم، وصاروا قريبين منهم، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمرا يهمهم إلا بينوه لهم. وجملة ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ معطوفة على جملة وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ. وكان العطف «بثم» المفيدة هنا للتراخي في الرتبة، للإشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات، وبينات وهدايات، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد في الأرض. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى المذكور من مجيء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم. وفي وصف الكثيرين من بنى إسرائيل بالإسراف احتراس في الحكم، وإنصاف للقلة التي آمنت منهم، وهذا من عدالة القرآن الكريم في أحكامه، ودقته في تعبيراته. وذكر- سبحانه- أن إسراف الكثيرين منهم فِي الْأَرْضِ مع أنه لا يكون إلا فيها، للإيذان بأن فسادهم وإسرافهم في القتل والمعاصي لم يكن فيما بينهم فحسب، بل انتشر شره في

стр. 1595

الأرض، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا ما دار بين ابني آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا، إذ الحسد يأكل القلوب، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار في الحطب، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض، وبسببه كانت أكثر الجرائم في كل زمان ومكان.. كما حكت لنا أن بنى إسرائيل- مع علمهم بشناعة جريمة القتل- قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم، وفي كل ذلك تسلية للنبي ﷺ ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى. وبعد أن ذكر- سبحانه- تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال- تعالى-: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال بعضهم: نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله ﷺ فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم ... وقال آخرون: نزلت في قوم من المشركين. وقال آخرون: بل نزلت في قوم من عرينة وعكل- بضم العين وسكون الكاف- ارتدوا عن الإسلام، وحاربوا الله ورسوله، فعن أنس أن رهطا من عكل وعرينة أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة- أى: وجدناها

стр. 1596

رديئة المناخ- فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع- أى: بعدد من الإبل ومعهم راع-، وأمرهم أن يخرجوا بها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى بهم إلى النبي ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم. ثم قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية على نبيه ﷺ : لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين» «١» . والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم؟ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: سبحانه يُحارِبُونَ من المحاربة. والمحاربة: مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب: الأخذ والسلب. يقال: حربه، إذا سلبه ماله، والمراد بالمحاربة هنا: قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من الجرائم التي حرمها الله- تعالى-: ومحاربة الناس لله- تعالى- على وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه- سبحانه- عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل ولأن، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين في وجهة ومكان والله منزه عن ذلك، فيكون التعبير مجازا عن المخالفة لشرع الله، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف. وصدر- سبحانه- الآية بلفظ إنما المفيد للقصر، لتأكيد العقاب، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه، لأنه حد من حدود الله- تعالى- على تلك الجريمة النكراء التي تقوض بنيان الجماعة، وتهدم أمنها، وتزلزل كيانها، وتبعث الرعب والخوف في نفوس أفرادها. وعبر- سبحانه- عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم يكون محاربا لله ولرسوله ومستحقا لغضبه- سبحانه- وعقوبته. وقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً معطوف على قوله يُحارِبُونَ.

стр. 1597

وقوله: وَيَسْعَوْنَ من السعى وهو الحركة السريعة المستمرة. والفساد: ضد الصلاح. فكل ما خرج عن وضعه الذي يكون به صالحا نافعا، يقال إنه قد فسد. والسعى في الأرض بالفساد المراد به هنا: قطع الطريق على الناس، وتهديد أمنهم، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم. وقوله: فَساداً مفعول لأجله أى: يحاربون ويسعون لأجل الفساد. أو هو حال من فاعل يَسْعَوْنَ بتأويله بمفسدين، أو ذوى فساد. وقوله: أن يقتّلوا أو يصلّبوا إلخ. خبر عن المبتدأ الذي هو جَزاءُ والمعنى: إِنَّما جَزاءُ أى: عقاب الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أى: يخالفونهما ويعصون أمرهما، ويعتدون على أوليائهما وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أى: يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإصلاح وإنما من أجل الإفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم. جزاء هؤلاء أَنْ يُقَتَّلُوا والتقتيل هو القتل، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإشارة إلى الاستمرار في قتلهم ماداموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا. أَوْ يُصَلَّبُوا والتصليب: وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره، وردعا له عن ارتكاب المعاصي والجرائم. قالوا: ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل: لمدة يوم واحد. وجيء هنا أيضا بصيغة التضعيف لإفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أى: تقطع مختلفة، فقوله مِنْ خِلافٍ حال من أيديهم وأرجلهم أى: لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين. أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أى، يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم، ويتفرق جمعهم، مع مراقبتهم والتضييق عليهم. وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم. واسم الإشارة في قوله- تعالى- ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعود إلى العقاب المذكور في الآية من القتل والصلب.. إلخ. والخزي: الذل والفضيحة أى ذلك العقاب المذكور لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا أى: ذل وفضيحة وعار عليهم، لأنه كشف أمرهم، وهتك سترهم، وجعلهم عبرة لغيرهم.

стр. 1598

هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة فقد بينه- سبحانه- بقوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أى: لهم في الآخرة عذاب عظيم في شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا من جرائم. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيان لحكم هؤلاء المحاربين إذا ما تابوا قبل القدرة عليهم. أى نفذوا- أيها المسلمون- هذه العقوبات على هؤلاء المحاربين لأولياء الله وأولياء رسوله، والساعين في الأرض بالفساد ماداموا مستمرين في غيهم وعدوانهم إِلَّا الَّذِينَ تابُوا منهم مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أى: من قبل أن تتمكنوا من أخذهم، بأن أتوكم طائعين نادمين، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أى واسع المغفرة والرحمة بعباده. هذا وهناك مسائل تتعلق بهاتين الآيتين من أهمها ما يأتى: ١- احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في أن المحاربة في الأمصار وفي القرى وفي الصحراء على السواء، فحيثما تحققت إخافة المسلمين، كان الفاعلون لتلك الإخافة محاربين لله ولرسوله ويجب إنزال العقاب بهم، لقوله- تعالى- وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وكل هذه الأماكن من الأرض. وعلى هذا الرأى سار الإمام مالك والشافعى وأحمد وغيرهم. ويرى الإمام أبو حنيفة أن قطع الطريق لا يتصور في داخل المصر، إذ يمكن الإغاثة عند الاستغاثة ويد السلطان مبسوطة في داخل الأمصار والقرى وإنما يتصور قطع الطريق في الصحراء وخارج المدن والقرى. والذي نراه متفقا مع الآية الكريمة أنه حيثما تحقق الوصف- وهو محاربة الآمنين واستلاب أموالهم، والاعتداء على أرواحهم- كانت الحرابة، ولزمت العقوبة التي تردع هؤلاء المعتدين على أموال الناس وأنفسهم. قال القرطبي: واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة. فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة «١» . قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة. وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة. قال ابن المنذر: كذلك هو، لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة. والآية على العموم. وليس

стр. 1599

لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجة عن المصر «١» . وقال ابن العربي: والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض. ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها. ولو خرج بعض من في المصر لقتل بالسيف. ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره. فإنه سلب وغيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان حدا» «٢» ٢- اختلف الفقهاء في معنى التخيير في قوله- تعالى- أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية. فمتى خرج المحاربون بقطع الطريق، وقدر الإمام عليهم، فهو مخير بين أن يوقع بهم أى نوع من العقاب من هذه الأنواع الأربعة: القتل أو الصلب أو التقطيع أو النفي، حتى ولو لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، ماداموا قد اجتمعوا وقصدوا تهديد أمن الناس. فالمسألة متروكة لتقدير الحاكم، وعليه أن يوقع بهم ما يراه مناسبا لزجرهم وردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يستشرى الشر في الأمة. قال ابن كثير: قال ابن أبى طلحة عن ابن عباس فيمن شهر السلاح في قبة الإسلام. وأخاف السبيل ثم ظفر به الإمام وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال: سعيد بن المسيب ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما رواه ابن جرير عن أنس- وهو مذهب المالكية. ومستند هذا القول أن ظاهر أَوْ للتخيير كما في نظائر ذلك من القرآن، كما في قوله- تعالى- في كفارة الفدية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فأو هنا للتخيير، وكذلك في الآية التي معنا» «٣» . وقال قوم آخرون من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات. أى: أن أَوْ لتنويع العقوبات على حسب طبيعة الجرائم. فإذا قتل هؤلاء المحاربون غيرهم وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا فقط قتلوا، وإذا أخذوا المال فحسب قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا تجمعوا واتفقوا على ارتكاب الجرائم من غير أن

стр. 1600

يرتكبوا بالفعل نفوا من الأرض. وبهذا الرأى قال ابن عباس وقتادة والأوزاعى، وهو مذهب الشافعية والأحناف والحنابلة. قال ابن كثير: وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، فعن ابن عباس أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض. ثم قال ابن كثير: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره أن عبد الله بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل.. قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال جبريل: من سرق ما لا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ومن قتل فاقتله. ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه» «١» . وقال الفخر الرازي: والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان: الأول: أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير. الثاني: أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقدهم بالمعصية ولم يفعل، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة، فصار التقدير: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال. أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل» «٢» . والخلاصة أن أصحاب هذا الرأى الثاني يستدلون بأدلة نقلية- سبق بيانها- كما يستدلون بأدلة عقلية منها ما ذكر الإمام الرازي ومنها أن العقل يقضى أن يكون الجزاء مناسبا للجناية بحيث يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وليس من المعقول أن تكون جريمة الاتفاق على الإرهاب بدون تنفيذ، متساوية مع جريمة الإرهاب والقتل والسلب. إذا فالعدالة توجب تنويع العقوبة.

стр. 1601

ومنها أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجرى على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين وكفارة الفدية، أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج التخيير عن ظاهره- كما هنا-، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وذلك لأن قطع الطريق متنوع وبين أنواعه تتفاوت الجريمة: فقد يكون باستلاب المال فقط، وقد يكون بالقتل فقط، وقد يكون بهما ومادام الأمر كذلك وجب أن يكون العقاب مختلفا ووجب أن يحمل ظاهر النص على غير التخيير. بأن يحمل على بيان الحكم لكل نوع. قالوا: ونظير ذلك قوله- تعالى- قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً فإنه ليس الغرض التخيير وإنما الغرض: ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا. وإنما قلنا: ليس الغرض التخيير، لأنه لا يمكن أن يكون له الحق في أى الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار، إذ منطق العدالة يقتضى أن يكون العذاب لمن فسق وجحد، وأن يكون الإحسان لمن آمن واستقام. قال بعض العلماء: «وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأى الثاني يحدد جرائم معينة، ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها وهي القتل والسرقة. وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك، ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل، وأنه يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا. وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض، ولذلك كان التنويع، وكان تخريج حرف أَوْ على ذلك الأساس، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية. أما الرأى الأول فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعى في الأرض بالفساد، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم وحرياتهم الشخصية. وظاهر هذا الرأى أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف والإرهاب، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا، ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الثاني. ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر، وحسم مادته، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه، ولذلك يجب إطلاق يد ولى الأمر واعتبار تلك العقوبات في يده كالدواء بين يدي الطبيب، يختار من أصنافه ما يراه أنجح في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعى. وإنا نرى الرأى الثاني بالنسبة لتنويع العقاب، ونرى الرأى الأول بالنسبة لتعميم الجرائم

стр. 1602

التي تفسد المجتمع. فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء وتخطف النساء لذلك الغرض، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها، فإنهم يكونون كقطاع الطريق، ويدخلون في باب الحرابة «١» . ٣- تدل الآية بظاهرها على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة، ولا يكون العقاب الدنيوي طهرة لهم ولو كانوا مسلمين لقوله- تعالى- ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. قال القرطبي: فقوله: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا لشناعة المحاربة، وعظم ضررها وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر، لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس. لأنه إذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها الله لعباده. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة بن الصامت في قول النبي ﷺ : «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له» . ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم ذنبه، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة، وله- تعالى- أن يغفر هذا الذنب» «٢» . ٤- دل قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية، إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا إن الذي يسقط عنهم هو ما يتعلق بحقوق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا يسقط عنهم بالتوبة قبل القدرة عليهم. قال القرطبي: قوله- تعالى-: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ: استثنى- جل شأنه- التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط، وظاهر الآية أن من تاب بعد القدرة عليه فتوبته لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم» «٣» .

стр. 1603

وقال الآلوسى: قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله- تعالى- كما ينبئ عنه قوله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وأما ما هو من حقوق العباد- كحقوق الأولياء من القصاص ونحوه- فيسقط بالتوبة وجوبه على الإمام من حيث كونه حدا، ولا يسقط جوازه بالنظر إلى الأولياء من حيث كونه قصاصا فإنهم إن شاءوا عفوا، وإن أحبوا استوفوا» «١» . ويرى ابن جرير وابن كثير أن توبة المحاربين قبل القدرة عليهم تسقط عنهم جميع الحدود. فقد قال ابن جرير- بعد أن ساق الأقوال في ذلك-: «وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه، قبل القدرة عليه، تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته أيام حربه وحرابته، من حدود الله، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائما في يده من أموال المسلمين والمعاهدين فيرد على أهله» «٢» . وقال ابن كثير: وقوله- تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ أما على قول من قال إنها في أهل الشرك، فظاهر. - أى: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم جميع الحدود المذكورة-: وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضى سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة. ثم ساق آثارا في هذا المعنى منها: ما رواه ابن أبى حاتم عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة- وكان قد أفسد في الأرض وحارب- فكلم رجالا من قريش فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمدانى فخلفه في داره ثم أتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين: أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فقال على: اكتب له أمانا..» «٣» . وبعد، فهذه بعض الأحكام التي تتعلق بقطاع الطريق الذين سماهم الله- تعالى- محاربين لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة. وقد رأينا أن الله- تعالى- قد عاقبهم بتلك العقوبات الرادعة في الدنيا. وأعد لهم العذاب

стр. 1604

العظيم في الآخرة، ما داموا مستمرين في عدوانهم وتهديدهم لأمن الناس، واستلابهم لأموالهم. وإن المقصد من هذه العقوبات الشديدة، أن يكف المعتدون عن عدوانهم، وأن يحس الناس في حياتهم بالأمان والاطمئنان على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فإن الأمة التي ترتكب فيها الجرائم بدون خوف أو وجل، ويفتقد أبناؤها الأمان والاطمئنان، هذه الأمة التي هذا شأنها، لا بد أن تضطرب كلمتها، ويهون أمرها، وتنتزع الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيها، لذا فقد أوجب الإسلام على أتباعه أن يتكاتفوا ويتعاونوا للقضاء على كل من يحاول إثارة الفتن والاضطراب بين صفوفهم، حتى يعيشوا آمنين مطمئنين، مؤدين لما يجب عليهم نحو دينهم ودنياهم بدون خوف أو إزعاج. وقد قال القرطبي في هذا المعنى: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته «١» . وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة المحاربين له ولرسوله ﷺ وأخرج منهم من تاب إليه- سبحانه- قبل القدرة عليه بعد كل ذلك وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بتقواه، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح فقال- تعالى-: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) وقوله: اتَّقُوا من التقوى بمعنى صيانة النفس عن كل ما يبغضه الله- تعالى-. وقوله: وَابْتَغُوا من الابتغاء وهو الاجتهاد في طلب الشيء. والْوَسِيلَةَ على وزن فعيلة بمعنى ما يتوصل به ويتقرب به إلى الله- تعالى-، من فعل

стр. 1605

الطاعات، واجتناب المعاصي، مأخوذة من وسل إلى كذا، أى. تقرب إليه بشيء. وقيل: الوسيلة الحاجة. قال الراغب: الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها معنى الرغبة، وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحرى مكارم الشريعة، وهي كالقربة. والواسل: الراغب إلى الله- تعالى ... «١» . والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالحق الذي جاء به محمد ﷺ اتَّقُوا اللَّهَ أى: خافوه وصونوا أنفسكم عن كل ما لا يرضيه وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: أى: اطلبوا باجتهاد ونشاط الزلفى والقربى إليه عن طريق مداومتكم على فعل الطاعات، والتزود من الأعمال الصالحات، واجتناب المعاصي والمنكرات. وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أى: وجاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء، وكذلك جاهدوا أعداءكم حتى تكون كلمة الله هي العليا، رجاء أن تفوزوا بالفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وقد ناداهم- سبحانه- بصفة الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من طاعة وإخلاص. وقوله: إِلَيْهِ متعلق بالفعل قبله وهو وَابْتَغُوا. أو بلفظ الْوَسِيلَةَ لأنها بمعنى المتوسل به، وقدم الجار والمجرور لإفادة التخصيص. أى. اطلبوا برغبة وشدة ما يقربكم إلى الله من الأعمال الصالحة، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه- سبحانه-. أو: اطلبوا متوجهين إليه- سبحانه- حاجتكم، فإن بيده مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره. وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث النبوية على أنه اسم لأعلى الدرجات في الجنة، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات، لأن من يفعل ذلك ينال من الله- تعالى- أسمى الدرجات. وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى فقال ما ملخصه: والوسيلة: القربة. كذا قال ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وغير واحد. قال قتادة: أى تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. والوسيلة أيضا: علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة،

стр. 1606

وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين سمع النداء- أى الأذان-: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة. آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» . وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الوسيلة حلت له شفاعتي» «١» . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية، أو ثلاث مقدمات ونتيجة. أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي: تقوى الله، والتقرب إليه بما يرضيه، والجهاد في سبيله. وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح والفوز والنجاح. ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم. هذا، وللعلماء كلام طويل في التوسل والوسيلة، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه. قال الامام ابن تيمية: إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه: وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. إن لفظ الوسيلة ورد في القرآن ومن ذلك قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه. هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. ولفظ الوسيلة ورد- أيضا- في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ «سلوا الله لي الوسيلة فإنها

стр. 1607

درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد» . ثم قال: والتوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة، يريدون التوسل به وشفاعته. والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به. وحينئذ فلفظ التوسل به ﷺ يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. أما المعنيان الصحيحان. فأحدهما: التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني: دعاؤه وشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا- العباس- فاسقنا أى بدعائه وشفاعته. والتوسل بدعائه وشفاعته كما قال عمر- هو توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس. فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته. وأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا لم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته ولا بعد مماته ولا عند قبره ولا غير قبره. ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عمن ليس قوله حجة» «١» . قال الآلوسى ما ملخصه: واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله- تعالى- وبين العباد والقسم على الله- تعالى- بهم، بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا. ومنهم من يقول للغائب أو للميت من عباد الله الصالحين: يا فلان ادع الله أن يرزقني كذا وكذا ويزعمون أن ذلك من ابتغاء الوسيلة وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل. وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه ﷺ قال لعمر لما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخى من دعائك» . ولم يرد عن أحد من الصحابة- وهم أحرص الناس على كل خير- أنه طلب من ميت شيئا. وأما القسم على الله- تعالى- بأحد من خلقه مثل أن يقال: اللهم إنى أقسم عليك أو

стр. 1608

أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبي ﷺ لأنه سيد ولد آدم. ولا يجوز أن يقسم على الله بغيره من الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء. لأنهم ليسوا في درجته. ومن الناس من منع التوسل بالذات، والقسم على الله بأحد من خلقه مطلقا، وهو الذي ترشح به كلام ابن تيمية ونقله عن أبى حنيفة وأبى يوسف، وغيرهما من العلماء الأعلام. ثم قال بعد كلام طويل: وبعد هذا كله فأنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله- تعالى- بجاه النبي ﷺ حيا وميتا ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته- تعالى- مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته فيكون معنى القائل: إلهى أتوسل بجاه نبيك ﷺ أن تقضى لي حاجتي، أى: إلهى أجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي، بل لا أرى بأسا- أيضا- في الإقسام على الله- تعالى- بجاهه ﷺ بهذا المعنى. ثم قال: وإن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله- تعالى- من الأولياء. الأحياء منهم والأموات وغيرهم. مثل يا سيدي فلان أغثنى. وليس ذلك من التوسل المباح في شيء. واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك. وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده بعض العلماء شركا، وإن لا يكنه فهو قريب منه. فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله- تعالى- القوى الغنى الفعال لما يريد» «١» . وبعد أن حض- سبحانه- عباده المؤمنين على تقواه والتقرب إليه بصالح الأعمال لكي ينالوا الفلاح والنجاح، عقب ذلك ببيان ما أعده للكافرين من عذاب أليم فقال- تعالى-: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)

стр. 1609

والمعنى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآياتنا وجحدوا الحق الذي جاءتهم به رسلنا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أى: لو أن لهم جميع ما في الأرض من أموال وخيرات ومنافع وَمِثْلَهُ مَعَهُ أى: وضعفه معه، وقدموا كل ذلك لِيَفْتَدُوا بِهِ أى: ليخلصوا به أنفسهم مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ أى: ما قبله الله منهم، لأن سنته قد اقتضت أن تكون نجاة الإنسان من العذاب يوم القيامة متوقفة على الإيمان والعمل الصالح، لا على الأموال وما يشبهها من حطام الدنيا مهما عظم شأنها وكثر عددها. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى: شديد في آلامه وأوجاعه. فالآية الكريمة تبين ما أعده الله- تعالى- يوم القيامة للكافرين بآياته من عذاب أليم، لن يصرفه عنهم صارف مهما قدموا من ثمن، أو بذلوا من أموال. وقوله لَوْ أَنَّ لَهُمْ. إلخ، جملة شرطية جوابها قوله تعالى ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وهذه الجملة الشرطية وجوابها خبر إن في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا. وصدرت الآية الكريمة بأداة التوكيد «إن» للرد على ما ينكره الكافرون من وقوع عذاب عليهم يوم القيامة فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. والمراد بقوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ أى: لو أن لكل واحد منهم منفردا، ما في الأرض جميعا ومثله معه، وقدمه يوم القيامة ليخلص نفسه من العذاب، ما قبل منه ذلك الذي قدمه. وفي ذلك ما فيه من ثبوت العذاب عليهم ووقوعه بهم لا محالة. وقوله: جَمِيعاً توكيد للموصول وهو ما في قوله: ما فِي الْأَرْضِ أو حال منه. وقوله: وَمِثْلَهُ معطوف على اسم أن وهو (ما) الموصولة. وقوله: مَعَهُ ظرف واقع موقع الحال من المعطوف والضمير يعود إلى الموصول. وجاء الضمير المجرور في قوله لِيَفْتَدُوا بِهِ بصيغة الإفراد، مع أن الذي تقدمه شيئان وهما: ما في الأرض جميعا ومثله. للإشارة إلى أنهما لتلازمهما قد صارا بمنزلة شيء واحد. أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور أى ليفتدوا بذلك المذكور من عذاب يوم القيامة ما تقيل منهم. ونفى- سبحانه- قبول الفدية منهم بقوله: ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ لإفادة تأكيد هذا النفي واستبعاده، إذ أن صيغة «التقبل» تدل على تكلف القبول أى: أنه لا يمكن قبول الفداء منهم مهما قدموا من أموال ومهما بذلوا من محاولات في سبيل الوصول لغرضهم. قال الفخر الرازي: والمقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه «١» .

стр. 1610

روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له: يا بن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال له. أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بالله شيئا فيؤمر به إلى النار» «١» . وقوله- تعالى- يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ بيان لدوام نزول العذاب بهم بعد بيان شدة آلامه وأوجاعه. أى: يريد هؤلاء الكافرون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ بعد أن ذاقوا عذابها وآلامها، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها أبدا، بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من قبائح ومنكرات وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أى: دائم ثابت لا ينقطع. فأنت ترى هاتين الآيتين قد بينتا سوء عاقبة الكافرين، بعد أن رغب- سبحانه- المؤمنين في التقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح، وذلك لكي يزداد المؤمنون إيمانا. ولكي ينصرف الناس عن الكفر والفسوق والعصيان إلى الإيمان والطاعة والاستجابة لتعاليم الله الواحد القهار. وبعد أن بين- سبحانه- عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله، ودعا المؤمنين إلى التقرب إليه بالعمل الصالح وبين سوء عاقبة الكافرين. بعد أن بين كل ذلك أعقبه ببيان عقوبة السرقة فقال- تعالى: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)

стр. 1611

قال الجمل ما ملخصه: قوله- تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ.. إلخ. شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى. وقرأ الجمهور: والسارق بالرفع وفيها وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين- أن السارق مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة. أى: حكم السارق، ويكون قوله فَاقْطَعُوا بيانا لذلك الحكم المقدر. فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود. ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبى، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية والثانية أمرية. والثاني: وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة- أنه مبتدأ- أيضا- والخبر الجملة الأمرية من قوله فَاقْطَعُوا وإنما دخلت الفاء في الخبر، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي والصفة صلتها، فهي في قوة قولك والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا» «١» . والمعنى: السَّارِقُ أى: من الرجال وَالسَّارِقَةُ أى: من النساء فَاقْطَعُوا أيديهما، أى فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده. والأنثى إذا سرقت قطعت يدها. والخطاب في قوله: فَاقْطَعُوا لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع- سبحانه- اليد فقال «أيديهما» ولم يقل يديهما بالتثنية، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية. وقوله جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت. أى: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث، وكسبهما السيئ، وخيانتهما القبيحة، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما نَكالًا أى: عبرة وزجرا من الله- تعالى- لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة. يقال: نكل فلان بفلان تنكيلا: أى: صنع به صنيعا يحذر غيره. والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك. وأصله من النكل- بالكسر- وهو القيد الشديد، وحديدة اللجام، لكونهما مانعين وجمعه أنكال. وسميت هذه العقوبة نكالا، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده، وفضيحة لأمره.

стр. 1612

وقوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أى: والله- تعالى- غالب على أمره، حكيم في شرائعه وتكاليفه. قال صاحب المنار ما ملخصه. وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع أسماء الله- تعالى- في الآيات بحسب المناسبة. ومن ذلك ما نقل الأصمعى أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة، ومعى أعرابى، فقرأت هذه الآية فقلت واللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سهوا فقال الأعرابى كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت واللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم تنبهت فقلت: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فقال: الآن أصبت فقلت له. كيف عرفت؟ فقال: يا هذا عَزِيزٌ حَكِيمٌ فأمر بالقطع، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع. فقد فهم الأعرابى الأمى أن مقتضى العزة والحكمة، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن الله- تعالى- يضع كل اسم موضعه من كتابه» «١» . ثم فتح- سبحانه- لعباده باب التوبة فقال- تعالى-: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ. أى: فمن تاب إلى الله- تعالى- توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها في المعاصي التي من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التي تمحو السيئات فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ أى: يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه- فتح لعباده باب التوبة والإنابة. فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم في التوبة إلى الله، وفي الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته. ثم ساق- سبحانه- ما يدل على شمول قدرته، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريرى فقال- تعالى-: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بحيث يتصرف فيهما وفي غيرهما من خلقه تصرف المالك في ملكه بدون مدافع أو منازع. فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده. أى إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما. متيقنا، فاعمل بمقتضى هذا العلم، بأن تكون مطيعا لخالقك في كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة. وقوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته، أى: هو-

стр. 1613

سبحانه- المالك لكل شيء، والخالق لكل شيء وهو صاحب السلطان المطلق في خلقه، فله- سبحانه- أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته. قال الآلوسى: وكان الظاهر لحديث: «سبقت رحمتي غضبى» ، تقديم المغفرة على التعذيب، وإنما عكس هنا، لأن التعذيب للمصر على السرقة، والمغفرة للتائب منها. وقد قدمت السرقة في الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق. أو لأن المراد بالتعذيب القطع، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله- تعالى- والأول في الدنيا والثاني في الآخرة، فجيء به على ترتيب الوجود. ولأن المقام مقام الوعيد «١» . وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مؤكد لما قبله، ومقرر لشمول قدرته- سبحانه- على كل شيء. هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة، وعن شروط إقامة حدها، وعن طريقة إثباتها. وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير. ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التي تحدثوا عنها فنقول: ١- عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصا من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة. ٢- وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به، سواء أكان قليلا أم كثيرا، لعموم هذه الآية. ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدرا معينا من المال، وقد تفاوتت أنظارهم في هذا القدر. فالاحناف يرون أنه لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا، أو فيما قيمته عشرة دراهم. ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» . والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ذلك. ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» . قال القرطبي: وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك لقوله ﷺ «لا تقطع يد

стр. 1614

السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» فبين أنه إنما أراد بقوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بعض السراق دون بعض، فلا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، ويقطع في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو في ثلاثة دراهم.. وقال أحمد: إن سرق ذهبا فربع دينار. وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق» . وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري: لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا، أو في دينار ذهبا عينا أو وزنا. ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك صاحبه.. ثم قال: وتقطع اليد من الرسغ. ولا خلاف في أن اليمنى هي التي تقطع أولا» «١» . ٣- وقد اشترط الفقهاء في المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق أن يكون ما لا محرزا، أى مصونا محفوظا معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله. قال القرطبي: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم. وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفي الموطأ لمالك أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع في ثمر معلق- أى في ثمر على الأشجار- ولا حريسة جبل- أى ما يحرس بالجبل- فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» «٢» . كذلك اشترطوا عدم الشبهة في المال المسروق، لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» . فلا يقطع من سرق ما لا له فيه شركة، أو سرق من مدينه مثل دينه، ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده. ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة. كذلك اشترطوا في المسروق الذي يجب فيه الحد أن يكون ما لا متقوما. أى: مما يتموّله الناس، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئا تافها، أو سرق شيئا مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك. كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو استعماله. فإذا كان مما يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه في تلك الأحوال لا تقطع يد السارق.

стр. 1615

وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين.. إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها، وفي أضيق الحدود، وبأدق الشروط، عملا بقول الرسول ﷺ «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» . ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان في دنياهم، والفوز والرضا من الله- تعالى- في أخراهم. ٤- كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله- تعالى- فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ أن التوبة تمنع إقامة الحد. قالوا: لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله- تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما فكانت مخصصة للعموم في الأمر بالقطع، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية. قال ابن كثير: قوله- تعالى- فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ. إلخ. أى: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه. فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو رد بدلها. وهذا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. وقد روى الدّارقطنيّ عن أبى هريرة أن رسول الله أتى بسارق قد سرق شملة فقال «ما إخاله قد سرق» . فقال السارق: بلى يا رسول الله. فقال ﷺ : «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به» . فقطع فأتى به فقال: تب إلى الله، فقال: تبت إلى الله. فقال: «تاب الله عليك» - أى: قبل توبتك. وروى ابن ماجة عن ثعلبة الأنصارى: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، إنى سرقت جملا لبنى فلان فطهرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك. أردت أن تدخلي جسدي النار» . روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله: إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها فقال
следующие страницы →