← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

شعيب، فما كان منهم عند ما باغتهم العذاب في وقت اطمئنانهم وراحتهم إلا أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا في الخلاص: إنا كنا ظالمين. فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن هلاك الأمم سببه بغيها وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم، وتلك سنة الله التي لا تختلف في أى زمان أو مكان. وأن الظالمين عند ما يفاجئون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم قد فات وقته، وكان الأجدر بهم أن يتوبوا من ذنوبهم عند ما جاءتهم النذر، وقبل حلول العذاب. ولذا قال ابن كثير: قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة في صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله: «ما هلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم «١» » . وأَوْ في قوله: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ للتنويع، أى أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم نهارا عند استراحتهم. وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب، لأنهما وقتا غفلة ودعة واستراحة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع. ومن العبر التي نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذي يحافظ على أداء الأوامر واجتناب النواهي، ولا يأمن صفو الليالى، ورخاء الأيام، بل يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ. وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى. عقبه ببيان ما سيحل بهم من عذاب أخروى، فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ. والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التي بلغتها دعوة الرسل، يسأل كل فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة الله، ويسأل المرسلون عن التبليغ منهم وعن إجابة أقوامهم لهم، وقد ورد ذلك في كثير من آيات القرآن. قال- تعالى-: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ؟ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟ والمعنى: فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم لرسالات الله، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء شامل، لأننا لا يغيب عنا شيء من أحوالهم.

стр. 2067

وعطفت جملة فَلَنَسْئَلَنَّ على ما قبلها بالفاء، لأن هذا السؤال سيكون في الآخرة، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم في الدنيا. فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوي. وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث والجزاء. فإن قيل: قد أخبر الله عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فلماذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم في الدنيا؟ فالجواب: أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم، والمقصود من هذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم. فإن قيل: فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة؟ فالجواب من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم، فقد حكى القرآن أن بعضهم قال: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ومن فوائده- أيضا- مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد بذلوا قصارى جهدهم في التبشير والإنذار، ولم يصدر عنهم تقصير قط. فسؤال المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال استشهاد بهم وإفصاح. فإن قيل: هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما في قوله تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ وكما في قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ فكيف نجمع بين هذه الآيات التي تنفى السؤال والآيات التي تثبته كما في قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ؟ فالجواب، أن في يوم القيامة مواقف متعددة، فقد يسألون في موقف الحساب ولا يسألون في موقف العقاب. أو أن المراد بالسؤال في قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ التوبيخ والتقريع. والمنفي في قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ سؤال الاستعلام، أى أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذنبت أولا، لأن الله لا تخفى عليه خافية، وإنما يسأل: لم فعلت كذا؟ بعد أن يعرفه- سبحانه- بما فعله، ويؤيد هذا القول قوله- تعالى-: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ أى: فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا. قال بعض العلماء: «والذي يهمنا هنا، أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن سؤال استفهام ولا استخبار، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد، فليس في السائل مظنة أن يجهل، ولا في المسئول مظنة أن ينكر:، وهو تصوير لما يكون من شعور المكذبين بتكذيبهم، وشعور المرسلين بتبليغهم، وهو نوع من تسجيل الحجة على من أنكرها وأعرض عنها في الوقت الذي كان يجديه

стр. 2068

الإقبال عليها والإيمان بها، وهو نوع من زيادة الحسرة، وقطع الآمال في النجاة بوضع يد المجرم على جسم جريمته، وهو في الوقت نفسه نوع من زيادة الأمن والطمأنينة للرسل في القيام بدعوتهم وتبليغهم ما أمروا بتبليغه، ولعل كل ذلك يرشد إليه قوله- تعالى-: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ «١» . ثم بين- سبحانه- مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ. الوزن: عمل يعرف به قدر الشيء، يقال: وزنته وزنا وزنة. وهو مبتدأ، ويومئذ متعلق بمحذوف خبره. والحق صفته. أى: والوزن الحق يوم القيامة. ومعنى الآيتين الكريمتين: والوزن الحق ثابت في ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والمرسل إليهم. ويخبرهم جميعا بما كان منهم في الدنيا، فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان والعمل الصالح، فأولئك هم الفائزون بالثواب والنعيم، ومن خفت موازين أعماله بالكفر والمعاصي فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب. قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ. وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم: إن التي توزن هي صحائف الأعمال التي كتبت فيها الحسنات والسيئات تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة، وقطعا للمعذرة. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد يوم القيامة» . وقيل: إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوى، والعدل التام في تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه. أى يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. والذي نراه أن من الواجب علينا أن نؤمن بأن في الآخرة وزنا للأعمال، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجرى في ذلك اليوم الهائل الشديد، أما كيفية هذا الوزن فمرده إلى الله، لأنه شيء استأثر الله بعلمه، وعلينا أن نعفي أنفسنا من محاولة الكشف عن أمر غيبي لم يرد في حقيقته خبر قاطع في كتاب الله أو سنة رسوله.

стр. 2069

قال الجمل في حاشيته على الجلالين: فإن قلت: أليس الله- تعالى- يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة في وزنها؟ قلت فيه حكم: منها، إظهار العدل وأن الله- تعالى- لا يظلم عباده، ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من خير أو شر وحسنة أو سيئة، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره أنه- سبحانه- أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه» «١» . وقوله- تعالى-: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها، كما أن خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ما سواها. وقوله- تعالى-: بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ متعلق بخسروا أى: أن خسرانهم لأنفسهم في الآخرة كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم بها في الدنيا. ثم حكى القرآن جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠ الى ١١] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) مكناكم: من التمكين بمعنى التمليك، أو معناه: جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش: جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة. والمعنى: ولقد جعلنا لكم- يا بنى آدم- مكانا وقرارا في الأرض، وأقدرناكم على التصرف فيها، وأنشأنا لكم فيها أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التي تتعيشون بها عيشة راضية، ولكن كثيرا منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر، بل قابلوها بالجحود والكفران. وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من طين غير مصور، ثم صورناه بعد ذلك.

стр. 2070

أو المعنى نحن الذين خلقناكم في ظهر آدم. ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق، ثم أمرنا بعد ذلك ملائكتنا بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين. والسجود: لغة، التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره، وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وللعلماء أقوال في كيفية السجود الذي أمر الله به الملائكة لآدم وأرجح هذه الأقوال. أن السجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة. أى: أن الله- تعالى- أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهرا من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيما، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه، وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة. وقيل إن السجود كان لله. وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له. وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم، إذ أن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة والصالحون من البشر أفضل من الملائكة. واحتجوا بسجود الملائكة لآدم وخالفت المعتزلة في ذلك، وقالت الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. والذي نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود: وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم، هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم واقتضته المشيئة والحكم. وإبليس: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس وفعله بلس. والراجح أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حي، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون ذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه. قال- تعالى-: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ. وللعلماء في كون إبليس من الملائكة أولا قولان: أحدهما: أنه كان منهم، لأنه- سبحانه- أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصيا ولما استحق الخزي والنكال، ولأن الأصل في المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه.

стр. 2071

والثاني: أنه ليس منهم لقوله- تعالى-: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة. ففي هاتين الآيتين بيان لنعمتين عظيمتين من نعم الله على عباده: أولاهما: نعمة التمكين في الأرض واتخاذهم إياها وطنا مزودا بضروب شتى مما يحتاجون إليه من معايشهم وما به قوام حياتهم وكمالها. وثانيهما: نعمة خلقهم من أب واحد، تجمعهم به رحم واحدة، وبسببها كانوا خلفاء في الأرض وفي عمارة الكون، وفضلوا على كثير من الخلق، فكان الواجب عليهم أن يقابلوهما بالشكر والإيمان. ثم حكى القرآن الكريم الأسباب التي حملت إبليس على عدم السجود لآدم فقال: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) أى: قال الله- تعالى- لإبليس: ما ألزمك واضطرك إلى أن لا تسجد لآدم؟ فالمنع مجاز عن الإلجاء والاضطرار. أو ما حملك ودعاك إلى ألا تسجد؟ فالمنع مجاز عن الحمل. والاستفهام للتوبيخ والتقريع. و (لا) في قوله: أَلَّا تَسْجُدَ مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ترك السجود. وتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه، كأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وقد حكى القرآن ما أجاب به إبليس فقال: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أى: قال إبليس أنا خير من آدم، لأنى مخلوق من عنصر النار الذي هو أشرف من عنصر الطين، والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه. قال ابن كثير: «وقول إبليس- لعنه الله- أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ.. إلخ. من العذر الذي هو أكبر من الذنب، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق من النار وآدم خلق من الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله- تعالى- خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص، وهو قوله- تعالى-: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، فشذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته، وكان قياسه فاسدا لأن النار ليست

стр. 2072

أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة والتثبت، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: «قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» «١» . وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣] قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) أى: قال الله- تعالى- لإبليس: فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي. وقيل إن الضمير في مِنْها يعود على المنزلة التي كان فيها قبل أن يطرده الله من رحمته. أى: فاهبط من رتبة الملكية التي كنت فيها إلى رتبة العناصر الشريرة. وقيل: إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من الأرض خلق فيها آدم- ﵇. وقوله: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها معناه: فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك أن تتكبر فيها، لأنها ليست مكانا للمتكبرين وإنما هي مكان للمطيعين الخاشعين المتواضعين. وقوله: فَاخْرُجْ تأكيد للأمر بالهبوط ومتفرع عليه. وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ تعليل للأمر بالخروج. أى: فاخرج منها فأنت من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك. ثم حكى القرآن ما طلبه إبليس من الله- تعالى- وما أجاب الله به عليه.

стр. 2073

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤ الى ١٨] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) أى: قال إبليس لله- تعالى- أخرنى ولا تمتنى إلى يوم بعث آدم وذريته من القبور، وهو وقت النفخة الثانية عند قيام الساعة. وقد أراد بذلك النجاة من الموت: إذ لا موت بعد البعث. كما أراد بذلك أن يجد فسحة من الإغواء لبنى آدم. وقوله: أَنْظِرْنِي مأخوذ من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير. تقول أنظرته بحقي أنظره إنظارا أى: أمهلته. وقوله: قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ معناه: قال الله- تعالى- له: إنك من المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم كما جاء في قوله- تعالى-: قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو- على الراجع- وقت النفخة الأولى فيموت كما يموت غيره. وقيل: المراد به الوقت المعلوم في علم الله أنه يموت فيه. قال ابن كثير: أجابه الله- تعالى- إلى ما سأل. لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ثم حكى القرآن ما توعد به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. الباء للقسم أو للسببية أى: فأقسم بإغوائك إياى، أو بسبب إغوائك إياى، لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم.

стр. 2074

والإغواء: خلق الغي بمعنى الضلال. وأصل الغي الفساد، ومنه غوى الفصيل- كرضى- غوى، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته، أو منع الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل في الضلال، يقال: غوى يغوى غيا وغواية فهو غاو، وغوى إذا ضل، وأغواه غيره: أضله. وقوله: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال بنى آدم بشتى الوسائل، أى: آتيهم من الجهات الأربع التي اعتاد العدو أن يهاجم عدوه منها، والمراد: لأسولنّ لهم ولأضلنّهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا أيأس. وقيل إن معنى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أى: من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدى. وَمِنْ خَلْفِهِمْ أى من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة «وعن أيمانهم وعن شمائلهم» أى: من جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات وأزهدهم في الحسنات. وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أى: مطيعين مستعملين لقواهم وجوارحهم وما أنعم الله به عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله- تعالى-: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة في التحذير من الشيطان وكيده، ومن ذلك قوله- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ. وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول- أى كالفرس المربوطة بالحبل. قال: فعصاه فهاجر. قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال فعصاه فجاهد: فقال رسول الله ﷺ : فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة» . وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن عمر قال لم يكن رسول الله ﷺ يترك هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي. يقول: اللهم إنى أسألك العفو والعافية في ديني ودنياى وأهلى ومالي. اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي. اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.

стр. 2075

ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان واتباعه فقال: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً أى: اخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا. يقال: ذأمه يذأمه ذأما إذا عاقبه وحقره فهو مذءوم، وقوله: مَدْحُوراً أى: مطرودا مبعدا. يقال: دحره دحرا ودحورا طرده وأبعده. لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أى: لمن أطاعك من الجن والإنس لأملأن جهنم من كفاركم. كقوله- تعالى-: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً. واللام في قوله: لَمَنْ لتوطئة القسم والجواب لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ثم حكى القرآن ما أمر الله- تعالى- به آدم فقال: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيص الخطاب بآدم- ﵇ للإيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به. وقوله: اسْكُنْ من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار، دون السكون الذي هو ضد الحركة. والزوج. يطلق على الرجل والمرأة. والمراد به هنا حواء، حيث تقول العرب للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة. والجنة. هي كل بستان ذي شجر متكاثف ملتف الأغصان، يظلل ما تحته ويستره من الجن وهو ستر الشيء عن الحواس. وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق. ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من الأرض، خلقه الله لإسكان آدم وزوجته. واختلفوا في مكانه، فقيل انه بفلسطين، وقيل بغيرها. وقد ساق ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح» أدلة الفريقين دون أن يرجح شيئا منها. والذي نراه أن الأحوط والأسلم. الكف عن تعيينها وعن القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى في التأويلات، إذ ليس لهذه المسألة تأثير في العقيدة.

стр. 2076

وتوجيه الخطاب إليهما في قوله: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به. أى: كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا واسعا من أى مكان أردتم. ثم بين- سبحانه- أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. القرب: الدنو والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهى على القرب منها القصد منه المبالغة في النهى عن الأكل، إذ في النهى عن القرب من الشيء نهى عن فعله من باب أولى. وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما. فقال: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، فقد ترتب على أكلا منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان فيها عيشة راضية. وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة، وقيل هي السنبلة، وقيل هي الكرمة ... إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة إلى بيانه. وقد أحسن ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال: «والصواب في ذلك أن يقال: ان الله- تعالى- نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل شجرة العنب، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به» «١» [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٥] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)

стр. 2077

قوله- تعالى-: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أى: ألقى إليهما إبليس الوسوسة، والوسوسة في الأصل الصوت الخفى، ومنه قيل لصوت الحلي. وسواس. والمراد بها هنا: الحديث الخفى الذي يلقيه الشيطان في قلب الإنسان ليقارف الذنب. وقوله: لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما. وُورِيَ من المواراة وهي الستر. والسوءة. فرج الرجل والمرأة، من السوء. وسميت بذلك، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل الكلام كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه. والمعنى: أن إبليس وسوس إلى آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة المحرمة لتكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وفي هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة من أقبح الفواحش التي نهى الله- تعالى- عنها. وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة، وإنما خدعهما بقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. أى قال لهما: ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. وقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة. أى كراهية أن تكونا ملكين. ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد، وإنما أضاف إلى ذلك القسم المؤكد فقال: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ أى: أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون لما فيه منفعتهما. قال الآلوسى: إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة، لأن من يبارى أحدا في فعل يجد فيه. وقيل

стр. 2078

المفاعلة على بابها، والقسم وقع من الجانبين، لكنه اختلف متعلقه، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول «١» . ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس في خداع آدم وحواء فقال: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ. أى: فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية، وأطمعهما في غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم. ودلاهما مأخوذ من التدلية، وأصله أن الرجل العطشان يدلى في البئر بدلوه ليشرب من مائها، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء، فيكون مدليا فيها بغرور. والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد. ثم بين القرآن الآثار التي ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. أى: فلما خالفا أمر الله- تعالى- بأن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتساقط عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما. وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها. ويخصفان: مأخوذ من الخصف، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض، وفعله من باب ضرب. قال بعض العلماء: «ولعل المعنى- والله أعلم- أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا، وخلعا ثوب الطاعة، وبدت منهما سوأة المعصية، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما سمعا النداء الرباني بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما، أو لهما ولإبليس: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى. ومنازعة عدوهم لهم فيها، إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً «٢» . ثم بين القرآن ما قاله الله- تعالى- لهما بعد أن خالفا أمره. فقال: وَناداهُما رَبُّهُما بطريق العتاب والتوبيخ أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ. أى عن الأكل منها

стр. 2079

وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ أى: ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما. وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح والمغفرة قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا أى: أضررناها بالمعصية والمخالفة وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ما سلف من ذنوبنا وَتَرْحَمْنا بقبول توبتنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ أى: لنصيرن من الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة» . وقد حكى القرآن ما رد به الله على آدم وحواء وإبليس، فقال: قالَ اهْبِطُوا أى من الجنة إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما. وقيل الخطاب لهما فقط لقوله- سبحانه- في آية أخرى: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر. وجملة بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ في موضع الحال من فاعل اهبطوا، والمعنى اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته، وبين إبليس وشيعته وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أى موضع استقرار وَمَتاعٌ أى: تمتع ومعيشة إِلى حِينٍ أى: إلى حين انقضاء آجالكم. قال: فِيها أى في الأرض تَحْيَوْنَ تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ أى: يوم القيامة للجزاء، كما في قوله- تعالى-: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى. وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين أبيهم وبين إبليس، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه إخراجهما من الجنة. بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم حضهم فيها على تقوى الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم، فقال في النداء الأول: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٦] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) السوءة: العورة. والريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطائر، لأنه لباسه وزينته. وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس، وهو اللباس الفاخر» . والمعنى: يا بنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ما حباكم من نعم، فإنه- سبحانه- قد هيأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذي تسترون به عوراتكم، وتتزينون به في مناسبات التجمل والتعبد.

стр. 2080

والمراد بإنزال ما ذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التي تتكون من القطن والصوف والحرير وما إليها، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق استنباتها وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة. والتعبير بأنزلنا يفيد خصوصية البشر باللباس الذي يستر العورة، وبالرياش التي يتزينون بها، أى أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يوارى سوآتكم، ولباسا يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من طبيعة البشر. قال- تعالى-: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً. قال الجمل: «وقوله- تعالى-: وَرِيشاً يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات. والمعنى: أنه وصف اللباس بوصفين: مواراة السوأة، والزينة. ويحتمل أن يكون من باب عطف الشيء على غيره. أى: أنزلنا عليكم لباسا موصوفا بالمواراة، ولباسا موصوفا بالزينة» «١» . ثم بين- سبحانه- أن هناك لباسا آخر أفضل وأكمل من كل ذلك فقال: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ أى: أن اللباس الذي يصون النفس من الدنايا والأرجاس، ويسترها بالإيمان والعمل الصالح هو خير من كل لباس حسى يتزين به البشر. فاسم الإشارة هنا يعود على لباس التقوى. وقد عبر القرآن هنا عن التقوى بأنها لباس، وعبر عنها في موضع آخر بأنها زاد مشاكلة للسياق الذي وردت فيه هنا أو هناك. وذلك من باب تجسيم المعنويات وتنسيقها مع الجو العام الذي وردت فيه، وتلك طريقة انفرد بها القرآن الكريم. قال صاحب الكشاف: وقوله: وَلِباسُ التَّقْوى مبتدأ، وخبره إما الجملة التي هي ذلِكَ خَيْرٌ كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر. وإما المفرد الذي هو خير، وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير» «٢» . وقوله- تعالى-: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ معناه: ذلك الذي أنزله الله على بنى آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم، لعلهم بعد ذلك لا يعودون إلى النسيان الذي أوقع أبويهم في المعصية. قال صاحب الكشاف: وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر ظهور العورات وخصف الورق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى «٣» . ثم أتبع القرآن النداء الأول بنداء آخر مبالغة في وعظ بنى آدم وتذكيرهم بفضل الله عليهم، فقال- تعالى-:

стр. 2081

[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٧] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) والمعنى: يا بنى آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، بأن تمكنوه من أن يوقعكم في المعاصي كما أوقع أبويكم من قبل فيها، فكان ذلك سببا في خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها. وقوله: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما جملة حالية من أبويكم. أى أخرجهما من الجنة حال كونه نازعا عنهما لباسهما. وأسند النزع إلى الشيطان لأنه كان متسببا فيه. ثم أكد تحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية فقال: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ أى: إن الشيطان وجنوده يرونكم يا بنى آدم وأنتم لا ترونهم، فالجملة الكريمة تعليل للنهى السابق. وهو قوله: لا يَفْتِنَنَّكُمُ وتأكيد للتحذير، لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف، ولذا قال مالك بن دينار: «إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا على من عصمه الله» . وقوله: وَقَبِيلُهُ معطوف على الضمير المستتر في قوله: يَراكُمْ المؤكد بقوله: هُوَ. قال الآلوسى ما ملخصه: والقضية مطلقة لا دائمة، فلا تدل على ما ذهب إليه المعتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون. ويشهد لما قلنا ما صح من رؤية النبي ﷺ لأحدهم حين رام أن يشغله عن الصلاة فأمكنه الله منه، وأراد أن يربطه في سارية من سوارى المسجد ثم ذكر دعوة سليمان في قوله: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فتركه «١» . ثم بين- سبحانه- سنته في خلقه فقال: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. أى: إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون، مسلطين عليهم، متمكنين من إغوائهم، لأن حكمتنا اقتضت أن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن، متجانسين مع الكافرين الذين هم شرار الإنس.

стр. 2082

وبذلك نرى أن الآية الأولى التي ورد فيها النداء الأول قد ذكرت بنى آدم بجانب من نعم الله عليهم، ثم جاءت هذه الآية مصدرة بنداء آخر حذرتهم منه من وسوسة الشيطان ومداخله حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أبوهم آدم من قبل. ثم حكى القرآن بعض القبائح التي كان يفعلها المشركون، ورد على أكاذيبهم بما يدحضها فقال: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٨] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) الفاحشة: هي كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك بالله، والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة. قال الإمام ابن كثير: «كانت العرب- ما عدا قريشا- لا يطوفون بالبيت الحرام في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش- وهم الحمس «١» - يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسى ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا، وربما كانت المرأة تطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، وأكثر ما كان النساء يطفن عراة ليلا، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله فأنكر الله عليهم ذلك وقال: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها «٢» . فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يرتكبون القبائح التي نهى الله عنها كالطواف بالكعبة عرايا، وكالإشراك بالله، ثم بعد ذلك يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، وبأن الله قد أمرهم بذلك، ولا شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولذا عاجلهم القرآن بالرد المفحم، فقال: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.

стр. 2083

أى: قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب: إن كلامكم هذا يناقضه العقل والنقل. أما أن العقل يناقضه ويكذبه. فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم في أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله، وأما أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحى أن الله أمر بهذا، بل الثابت أن الله لا يأمر به، لأن الفاحشة في ذاتها تجاوز لحدود الله، وانتهاك لحرماته، فهل من المعقول أن يأمر الله بانتهاك حدوده وحرماته؟ والاستفهام في قوله- تعالى-: أَتَقُولُونَ للإنكار والتوبيخ وفيه معنى النهى. ثم بين- سبحانه- ما أمر به من طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما افتروه فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) أى: قل لهم يا محمد إن الذي أمر الله به هو العدل في الأمور كلها، لأنه هو الوسط بين الإفراط والتفريط، كما أنه- سبحانه- قد أمركم بأن تتوجهوا إليه وحده في كل عبادة من عباداتكم، وأن تكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء وصالحه، فإنه مخ العبادة. ثم ذكرهم- سبحانه- بمبدئهم ونهايتهم فقال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. أى: أن الذي قدر على ابتدائكم وإنشائكم ولم تكونوا شيئا، يقدر على إعادتكم ليجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة والطاعة. قال صاحب المنار: «وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز فإنها دعوى متضمنة الدليل، بتشبيه الإعادة بالبدء فهو يقول: كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة حالة كونكم فريقين، فريقا هداهم في الدنيا فاهتدوا بإيمانهم به وإقامة وجوههم له وحده في العبادة ودعائه مخلصين له الدين، وفريقا حق عليهم الضلالة لاتباعهم إغواء الشيطان، وإعراضهم عن طاعة الرحمن، وكل فريق يموت على ما عاش ويبعث على ما مات عليه، ومعنى حقت عليهم الضلالة، ثبتت بثبوت أسبابها الكسبية، لا أنها جعلت غريزة لهم

стр. 2084

فكانوا مجبورين عليها، يدل على هذا تعليلها على طريق الاستئناف البياني بقوله: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ومعنى اتخاذهم الشياطين أولياء، أنهم أطاعوهم في كل ما يزينونه لهم من الفواحش والمنكرات، ويحسبون أنهم مهتدون فيما تلقنهم الشياطين إياه من الشبهات «١» » . ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه بالتمتع بالحلال، وبزينة الله التي أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣١] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) والمعنى: عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم، وأن تتحلوا بلباس زينتكم كلما صليتم أو طفتم، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام وأنتم عرايا. قال القرطبي: «يا بنى آدم هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام في كل مسجد للصلاة، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «٢» » . وقال ابن عباس: «كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل. يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها» . فأنزل الله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ «٣» . ثم أمرهم- سبحانه- أن يتمتعوا بالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. أى: كلوا من المآكل الطيبة، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا لا في زينتكم ولا في مأكلكم أو مشربكم. لأنه- سبحانه- يكره المسرفين. قال الإمام ابن كثير: «قال بعض السلف: جمع الله الطب في نصف آية في قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا «وقال البخاري: قال ابن عباس: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة» «٤» .

стр. 2085

وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدي الله في عبادتهم وهم في أكمل زينة، فهذا- مثلا- الإمام الحسن بن على، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه فقيل له يا ابن بنت رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك؟ فقال: إن الله جميل يحب الجمال، فأنا أتجمل لربي، لأنه هو القائل: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ «١» . وقال الكلبي: «كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم فأنزل- تعالى-: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا. فهذه الآية الكريمة تهدى الناس إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم، إذ أنها أباحت للمسلم أن يتمتع بالطيبات التي أحلها الله، ولكن بدون إسراف أو بطر، ولذا جاء الرد على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وسعه الله في قوله- تعالى- بعد ذلك: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٢] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) أى: قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا، ويمتنعون عن أكل الطيبات: من أين أتيتم بهذا الحكم الذي عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض ما أحله الله لعباده؟ فالاستفهام لإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه. ثم أمر رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ. أى: قل أيها الرسول لأمتك: هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشاركهم فيها المشركون أيضا، أما في الآخرة فهي خالصة للمؤمنين ولا يشاركهم فيها أحد ممن أشرك مع الله آلهة أخرى. وقوله- تعالى-: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ معناه: مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من توجيهات سامية، وآداب عالية.

стр. 2086

ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ألوانا من المحرمات التي نهى عباده عن اقترافها فقال تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٣] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه الله، قل لهم: إن ما حرمه الله عليكم في كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع الخمس التي أولها الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، أى: ما كان قبيحا من الأقوال والأفعال سواء أكان في السر أو العلن، وثانيها وثالثها الْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ والإثم: هو الشيء القبيح الذي فعله يعتبر معصية، والبغي: هو الظلم والتطاول على الناس وتجاوز الحد. قال الإمام ابن كثير: «وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي على الناس، فحرم الله هذا وهذا» «١» . وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك. إذ معناه في اللغة تجاوز الحد. يقال: بغى الجرح. إذ تجاوز الحد في فساده. وقيل قيده بذلك ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه، فإنه يسمى بغيا في الجملة. لكنه بحق، وهو قول ضعيف لأن دفع البغي لا يسمى بغيا، وإنما يسمى انتصافا من الظالم، ولذا قال القرآن: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التي ليس لهم فيها حقوق، أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو مصلحة لهم يرجونها ببذلها. ورابع الأمور التي حرمها الله أخبر عنه القرآن بقوله: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً. أى: وحرم عليكم أن تجعلوا لله شركاء في عبادته بدون حجة وبرهان. وقوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً بيان للواقع من شركهم، إذ أنهم لا حجة عندهم على شركهم: لا من العقل ولا من النقل، فالجملة الكريمة قد اشتملت على التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم.

стр. 2087

وخامسها قوله- تعالى-: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أى: حرم عليكم أن تقولوا قولا يتعلق بالعبادات أو المحللات أو المحرمات أو غيرها بدون علم منكم بصحة ما تقولون، وبغير بينة على صدق ما تدعون. قال صاحب المنار: «ومن تأمل هذه الآية حق التأمل، فإنه يجتنب أن يحرم على عباد الله شيئا ويوجب عليهم شيئا في دينهم بغير نص صريح عن الله ورسوله، بل يجتنب- أيضا- أن يقول: هذا مندوب أو مكروه في الدين بغير دليل واضح من النصوص، وما أكثر الغافلين عن هذا المتجرئين على التشريع» «١» . وبعد أن بين القرآن ما أحله الله وما حرمه. عقب على ذلك بأن بين أن أجل الناس في هذه الدنيا محدود، وأنهم إن آجلا أو عاجلا سوف يقفون أمام ربهم للحساب فقال: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٤] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) أى: لكل أمة من الأمم ولكل جيل من الأجيال مدة من العمر محدودة في علم الله، فإذا ما انتهت هذه المدة انقطعت حياتهم وفارقوا هذه الدنيا بدون أى تقديم أو تأخير. وليس المراد بالساعة هنا ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة، وإنما المراد بها الوقت الذي هو في غاية القلة. ثم أورد القرآن بعد ذلك النداء الرابع والأخير لبنى آدم، وحضهم فيه على اتباع الرسل، والسير على الطريق المستقيم فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)

стр. 2088

والمعنى: يا بنى آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم، يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليهم لهدايتكم فآمنوا بهم وعزروهم وانصروهم، فإن من آمن بهم واتقى ما نهاه عنه ربه، وأصلح نفسه وعمله، فأولئك لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون لمفارقتهم الدنيا، أما الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فالآيتان الكريمتان تخبران جميع بنى آدم أن رسل الله قد بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، فعلى المرسل إليهم أن يطيعوهم حتى يفوزوا برضاء خالقهم. قال الجمل: «وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد به واحدا وهو النبي ﷺ ، لأنه خاتم الأنبياء، وهو مرسل إلى كافة الخلق، فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، فعلى هذا يكون الخطاب في قوله: يا بَنِي آدَمَ لأهل مكة ومن يلحق بهم. وقيل أراد جميع الرسل. وعلى هذا الخطاب في قوله: يا بَنِي آدَمَ عام لكل بنى آدم، وإنما قال منكم أى: من جنسكم ومثلكم من بنى آدم، لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان أقطع لعذرهم وأثبت للحجة عليهم، لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله، فإذا أتاهم بما لا يليق بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذي أتى به معجزة له، وحجة على من خالفه» «١» . ثم تعرض السورة الكريمة بعد ذلك لمشاهد يوم القيامة في خمس عشرة آية فتصور لنا في أسلوبها البليغ المؤثر حال المشركين عند قبض أرواحهم، وحالهم عند ما يقفون أمام الله للحساب يوم الدين، وتحكى لنا ما يجرى بين رؤساء المشركين ومرءوسيهم من مجادلات وملاعنات، ثم تعقب على ذلك ببيان ما أعده الله للمؤمنين من أجر عظيم وثواب جزيل، ثم يختم هذه المشاهدة بالحديث عما يدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار من محاورات ونداءات. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بطريقته التصويرية المعجزة فيقول: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٧] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)

стр. 2089

أى: لا أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله، بأن أحل ما حرمه أو حرم ما أحله، أو كذب بآياته المنزلة على أنبيائه، والاستفهام في قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ للإنكار. ثم بين- سبحانه- عاقبتهم فقال: أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ. أى: أولئك الذين كذبوا بآيات الله سينالهم نصيبهم مما كتب لهم وقدر من رزق وأجر، وخير وشر، والمراد بالكتاب، كتاب الوحى الذي أنزل على الرسل، فإنه يتضمن ما أعده الله للمؤمنين من ثواب وما أعده للكافرين من عقاب، وقيل المراد به اللوح المحفوظ، أى أولئك ينالهم نصيبهم المكتوب لهم في كتاب المقادير، وهو: اللوح المحفوظ. ثم صور القرآن حالهم عند قبض أرواحهم فقال: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ، قالُوا: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالُوا: ضَلُّوا عَنَّا، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ. أى: أولئك المفترون ينالهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم، حتى إذا ما انتهت آجالهم وجاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم سألتهم سؤال توبيخ وتقريع: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا، وتزعمون أنها شفعاؤكم عند الله لكي تنقذكم من هذا الموقف العصيب؟ وهنا يجيب المشركون على الملائكة بقولهم بحسرة وندامة: ضَلُّوا عَنَّا أى: غابوا عنا وصرنا لا ندري مكانهم، ولا نرجو منهم خيرا أو نفعا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بعبادتهم لغير الله الواحد القهار. وهنا يصدر عليهم قضاء الله العادل الذي صوره القرآن في قوله: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٨] قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) أى: قال الله- تعالى- لأولئك المكذبين ادخلوا في ضمن أمم من الجن والإنس قد سبقتكم في الكفر، وشاركتكم في الضلالة. ثم بين- سبحانه- بعض أحوالهم فقال: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها أى: كلما دخلت أمة من أمم الكفر النار لعنت أختها في الدين والملة، فالأمة المتبوعة تلعن الأمة التابعة

стр. 2090

لأنها زادتها ضلالا، والأمة التابعة تلعن الأمة المتبوعة لأنها كانت سببا في عذابها. ثم قال- تعالى-: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً أى: حتى إذا ما اجتمعوا جميعا في النار الرؤساء والأتباع، والأغنياء، والفقراء، قالت أخراهم دخولا أو منزلة وهم الأتباع، لأولاهم دخولا أو منزلة وهم الزعماء والمتبوعين رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ. أى: قال الأتباع: يا ربنا هؤلاء الرؤساء هم السبب في ضلالنا وهلاكنا، فأذقهم ضعفا من عذاب النار لإضلالهم إيانا فضلا عن أنفسهم. وهنا يأتيهم الجواب الذي يحمل لهم التهكم والسخرية، فيقول الله لهم: قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ أى: لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف من النار. أما أنتم فبسبب تقليدكم الأعمى، وأما هم فبسبب إضلالهم لكم ولغيركم، ولكنكم يا معشر المقلدين لا تعلمون ذلك لجهلكم وانطماس بصيرتكم. [سورة الأعراف (٧) : آية ٣٩] وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) أى: قال الزعماء لأتباعهم بعد أن سمعوا رد الله عليهم: إنا وإياكم متساوون في استحقاق العذاب، وكلنا فيه سواء، لأنا لم نجبركم على الكفر، ولكنكم أنتم الذين كفرتم باختياركم، وضللتم بسبب جهلكم، فذوقوا العذاب المضاعف مثلنا بسبب ما اكتسبتموه في الدنيا من قبائح ومنكرات: فقوله- تعالى-: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ بيان لأسباب الحكم عليهم. وأنهم ما وردوا هذا المصير الأليم إلا بسبب، ما اكتسبوه من آثام: واجترحوه من سيئات. ثم بين القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان عذاب المكذبين فقال:

стр. 2091

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) فهاتان الآيتان تصوران أكمل تصوير استحالة دخول المشركين الجنة بسبب تكذيبهم لآيات الله واستكبارهم عنها. وقد فسر بعض العلماء قوله- تعالى-: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ بمعنى، لا تقبل أعمالهم ولا ترفع إلى الله كما ترفع أعمال الصالحين. قال- تعالى-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. وفسره بعضهم بمعنى أن أرواحهم لا تصعد إلى السماء بعد الموت، لأنها قد أغلقت عليهم بسبب شركهم، ولكنها تفتح لأرواح المؤمنين. والمراد أن الكافرين عند موتهم وعند حسابهم يوم القيامة يكونون على غضب الله ولعنته بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من شرك وظلم. أما قوله- تعالى-: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فمعناه: أن هؤلاء المشركين لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مثل في الضخامة وهو الجمل الكبير، فيما هو مثل في الضيق وهو ثقب الإبرة. وفي قراءة حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ- بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها- وهو الحبل الغليظ أى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل الحبل الغليظ الذي تربط به السفن في ذلك الثقب الصغير للإبرة، وهيهات أن يحصل هذا، فكما أنه غير ممكن حصول ذلك فكذلك غير ممكن دخول المشركين الجنة. قال الجمل في حاشيته: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. الولوج: الدخول بشدة، ولذلك يقال هو الدخول في ضيق فهو أخص من مطلق الدخول. والجمل معروف وهو الذكر من الإبل، وسم الخياط، ثقب الإبرة، وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبرها، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا فثبت أن الموقوف على المحال محال، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة ميئوس منه قطعا «١» » .

стр. 2092

وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ معناه: ومثل ذلك الجزاء الرهيب نجزى جنس المجرمين، الذين صار الاجرام وصفا لازما لهم. ثم بين- سبحانه- ما أعد لهم في النار فقال: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. جهنم: اسم لدار العذاب. والمهاد: الفراش. والغواشي جمع غاشية، وهي ما يغشى الشيء أى يغطيه ويستره. أى: أن هؤلاء المكذبين لهم نار جهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، فهي من تحتهم بمنزلة الفراش، ومن فوقهم بمثابة الغطاء، ومثل ذلك الجزاء نجزى كل ظالم ومشرك. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر مصور حال المشركين عند ما تقبض أرواحهم، وحالهم عند ما يقفون أمام الله للحساب، وحالهم عند ما يلعن بعضهم بعضا، وحالهم والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم، وهي مشاهد تفزع النفوس، وتحمل العقلاء على الاستقامة والاهتداء. ثم نرى السورة بعد ذلك تسوق لنا ما أعده الله للمؤمنين بعد أن بينت فيما سبق عاقبة الكافرين فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) أى: والذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الأعمال الصالحة التي لا عسر فيها ولا مشقة، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أولئك الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون.

стр. 2093

وجملة- لا نكلف نفسا إلا وسعها- معترضة بين المبتدأ الذي هو قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وبين الخبر الذي هو قوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ. قال الجمل: «وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس هذا الكلام، لأنه- سبحانه- لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة ولا صعوبة «١» » . وقال صاحب الكشاف: «وجملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح «٢» » . ثم بين- سبحانه- ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي ونقاء قلبي فقال- تعالى-: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أى: قلعنا ما في قلوبهم من تحاقد وعداوات في الدنيا، فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونها وهم في غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. أى: قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه: الحمد لله الذي هدانا في الدنيا إلى الإيمان والعمل الصالح، وأعطانا في الآخرة هذا النعيم الجزيل، وما كنا لنهتدي إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه. وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا. وقوله: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ جملة قسمية، أى: والله لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه في الآخرة. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: ونودوا من قبل الخالق- بأن قيل لهم: تلكم هي الجنة التي كانت الرسل تعدكم بها في الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح. فالآية الكريمة صريحة في أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة. فإن قيل: إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله،

стр. 2094

ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته» . فالجواب على ذلك أنه لا تنافى في الحقيقة، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهي ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جدا فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصورا شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد. فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة، بل لتفضله على المشترى ورحمته به، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عند ما قرأ قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ: نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة. على أنه- سبحانه- هو المتفضل في الحقيقة بالثمن والمثمن جميعا. لا جرم كان دخول الجنة بفضله- سبحانه- وهو الموفق للعمل والمعين عليه. ويمكن أن يجاب- أيضا- بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا، فقوله: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: مع فضل الله- تعالى-، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا. وقوله ﷺ : «لن يدخل أحدا عمله الجنة..» أى مجردا من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا. هذا أصح الآراء في الجمع بين الآية والحديث، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها. وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين، بدأ القرآن يسوق لنا مشهدا آخر من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. استمع إلى سورة الأعراف وهي تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها العجيب فتقول: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٥١] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)

стр. 2095

والمعنى: أن أصحاب الجنة سوف يسألون أهل النار سؤال تعيير وتوبيخ يوم القيامة فيقولون لهم قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من الثواب ومن الجزاء، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم حقا من العقاب وسوء المصير؟ قالوا: نعم. أى: قال أهل النار: نعم وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله حقا. وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. والظاهر أن هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن الجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد. فكل فريق من أهل الجنة ينادى من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا. وعبر بالماضي مع أن هذا النداء يكون في الآخرة لتحقق الوقوع وتأكده. وكلمة حَقًّا نصبت في الموضعين على الحالية، وقيل إنها مفعول ثان ويكون وجد بمعنى علم.

стр. 2096

ثم بين- سبحانه- ما جرى بعد ذلك فقال: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ، أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً. التأذن: رفع الصوت بالإعلام بالشيء. واللعنة: الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة. والمعنى: بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين. نادى مناد بين الفريقين بقوله: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم، ولغيرهم، الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله، ويريدون لها أن تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس، وهم بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون. وفي قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ. نكر المؤذن لأن معرفته غير مقصودة بل المقصود الإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله ﷺ فيه شيء، فهو من أمور الغيب التي لا تعلم علما صحيحا إلا بالتوقيف المستند إلى الوحى، وما ورد في ذلك فهو من الآثار التي لا يعتمد عليها. قال بعض العلماء: «وفي هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب، وهي نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزي والنكال، ويشعرهم بالحسرة والندامة، إذ كذبوا بما يرونه الآن واقعا في مقابلة النعيم الذي صار إليه أهل الإيمان، وأحسوا به كذلك واقعا. وفي هذا نرى صورة من الحديث الذي يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب. ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر. ويصور الحكم النافذ الذي لا مرد له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف يلقى أذانه، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن في نفوس سامعه. وإنه لتصوير قوى بارع، يحرك إليه النفوس، ويهز المشاعر، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين، إنما هي تسجيل اللعنة عليهم، والطرد والحرمان من رحمة الله، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة في ظلمهم الذي كونه صدهم عن سبيل الله، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرهم بدار الجزاء» «١» . ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة، يحدثنا فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من حوار فيقول:

стр. 2097

وَبَيْنَهُما حِجابٌ أى: بين أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل بينهما، ويمنع وصول أحد الفريقين إلى الآخر، ويرى بعض العلماء أن هذا الحجاب هو السور الذي ذكره الله في قوله- تعالى- في سورة الحديد: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ. ثم قال- تعالى-: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ. الأعراف: جمع عرف، وهو المكان المرتفع من الأرض وغيرها. ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر الذي يكون في أعلى الرقبة. والمعنى: وبين الجنة والنار حاجز يفصل بينهما وعلى أعراف هذا الحاجز- أى في أعلاه- رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فيعرفون كلا منهم بسيماهم وعلاماتهم التي وصفهم الله بها في كتابه كبياض الوجوه بالنسبة لأهل الجنة، وسوادها بالنسبة لأهل النار، ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة عند رؤيتهم لهم بقولهم: سلام عليكم وتحية لكم لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ. هذا، وللعلماء أقوال في أصحاب الأعراف أوصلها بعض المفسرين إلى اثنى عشر قولا من أشهرها قولان: أولهما: أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد روى هذا القول عن حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف. وقد استشهد أصحاب هذا القول بما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناتهم وسيئاتهم فقال: «أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون» . وعن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضى الله فيهم «١» » . وهناك آثار أخرى تقوى هذا الرأى ذكرها الإمام ابن كثير في تفسيره «٢» » .

стр. 2098

أما الرأى الثاني: فيرى أصحابه أن أصحاب الأعراف قوم من أشرف الخلق وعدولهم كالأنبياء والصديقين والشهداء. وينسب هذا القول إلى مجاهد وإلى أبى مجلز فقد قال مجاهد: «أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء» وقال أبو مجلز: أصحاب الأعراف هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. ومعنى كونهم رجالا- في قول أبى مجلز أى: في صورتهم. وقد رجح بعض العلماء الرأى الثاني فقال: «وليس أصحاب الأعراف ممن تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما جاء في بعض الروايات، لأن ما نسب إليهم من أقوال لا يتفق مع انحطاط منزلتهم عن أهل الجنة، انظر قولهم للمستكبرين: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فإن هذا الكلام لا يصدر إلا من أرباب المعرفة الذين اطمأنوا إلى مكانتهم. ولذا أرجح أن رجال الأعراف هم عدول الأمم والشهداء على الناس، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل «١» » . والذي نراه: أن هناك حجابا بين الجنة والنار، الله أعلم بحقيقته، وأن هذا الحجاب لا يمنع وصول الأصوات عن طريق المناداة، وأن هذا الحجاب من فوقه رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فينادون كل فريق بما يناسبه، يحيون أهل الجنة ويقرعون أهل النار، وأن هؤلاء الرجال- يغلب على ظننا- أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم. لأن هذا القول هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، ولأن الآثار تؤيده، ولذا قال ابن كثير: «واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏ «٢» » . وقوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ فيه وجهان: أحدهما: أنه في أصحاب الأعراف، أى أن أصحاب الأعراف عند ما رأوا أهل الجنة سلموا عليهم حال كونهم- أى أصحاب الأعراف- لم يدخلوها معهم وهم طامعون في دخولها مترقبون له. وثانيهما: أنه في أصحاب الجنة: أى: أنهم لم يدخلوها بعد، وهم طامعون في دخولها لما ظهر لهم من يسر الحساب. وكريم اللقاء.

стр. 2099

ثم قال- تعالى-: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. أى: وإذا ما اتجهت أبصار أصحاب الأعراف إلى جهة النار قالوا مستعيذين بالله من سوء ما رأوا من أحوالهم: يا ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظالمين، ولا تجعلنا وإياهم في هذا المكان المهين. قال صاحب المنار: «وقد أفاد هذا التعبير بالفعل المبنى للمجهول أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام، وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار، فإذا صرفت أبصارهم تلقاءهم من غير قصد ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ثم قال: والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم «١» » . ثم بين- سبحانه- ما يقوله أهل الأعراف لرءوس الكفر في هذا الموقف العصيب فقال: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أى: ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار وكانوا أصحاب وجاهة وغنى في الدنيا، فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ما أغنى عنكم جمعكم وكثرتكم واستكباركم في الأرض بغير الحق. فقد صرتم في الآخرة بسبب كفركم وعنادكم إلى هذا الوضع المهين. وقد كرر- سبحانه- ذكرهم مع قرب العهد بهم، فلم يقل «ونادوا» لزيادة التقرير، وكون هذا النداء خاصا في موضوع خاص فكان مستقلا. وقوله: يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ أى: بعلاماتهم الدالة على سوء حالهم يومئذ كسواد الوجوه، وظهور الذلة على وجوههم. أو يعرفونهم بصورهم التي كانوا يعرفونهم بها في الدنيا. ثم يزيدون توبيخهم وتبكيتهم فيقولون لهم: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. أى: أن أصحاب الأعراف يشيرون إلى أهل الجنة من الفقراء والذين كانوا مستضعفين في الأرض ثم يقولون لرءوس الكفر الذين كانوا يعذبونهم: أهؤلاء الذين أقسمتم في الدنيا أن الله

стр. 2100

- تعالى- لا ينالهم برحمة في الآخرة لأنه لم يعطهم في الدنيا مثل ما أعطاكم من مال وبنين وسلطان. وهنا ينادى مناد من قبل الله- تعالى- على هؤلاء الفقراء فيقول لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. أى: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون في المستقبل، ولا أنتم تحزنون على ما خلفتموه في الدنيا. وقيل: إن قوله- تعالى-: ادْخُلُوا. من كلام أصحاب الأعراف- أيضا، فكأنهم التفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم: امكثوا في الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة. ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك مشهدا ختاميا من مشاهد يوم القيامة تدور محاوراته بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فتقول: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا، وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. إفاضة الماء: صبه، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة. والمعنى: أن أهل النار- بعد أن أحاط بهم العذاب المهين- أخذوا يستجدون أهل الجنة بذلة وانكسار فيقولون لهم: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله من طعام، لكي نستعين بهما على ما نحن فيه من سموم وحميم. وهنا يرد عليهم أهل الجنة بما يقطع آمالهم بسبب أعمالهم فيقولون لهم: إن الله منع كلا منهما على الكافرين، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، أى الذين اتخذوا دينهم- الذي أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه- مادة للسخرية والتلهي، وصرف الوقت فيما لا يفيد، فأصبح الدين- في زعمهم- صورة ورسوما لا تزكى نفسا، ولا تطهر قلبا، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم الحياة الدنيا- أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله، ويهديهم إلى طريقه القويم. وقوله- تعالى-: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا معناه فاليوم نفعل بهم فعل الناسي بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم، وبسبب جحودهم لآياتنا التي جاءتهم بها أنبياؤهم.

стр. 2101

فالنسيان في حق الله- تعالى- مستعمل في لازمه، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم، ولا يرحم ضعفهم وذلهم، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح في الدنيا. وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة، فتحكى لنا أحوال الكافرين، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين. كما تسوق لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» . ثم بين- سبحانه- منزلة القرآن الكريم في إثباته للرسالة المحمدية عن طريق الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به، فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) قوله: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ... إلخ. التفصيل: عبارة عن جعل الحقائق والمسائل بيانها مفصولا بعضها عن بعض بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس. والمعنى: ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد بكتاب عظيم الشأن، كامل التبيان، فصلنا آياته تفصيلا حكيما، وبينا فيه ما هم في حاجة إليه من أمور الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم متى اتبعوه واهتدوا بهديه» . والضمير لأولئك الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وقيل هو لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم. وقوله: عَلى عِلْمٍ حال من فاعل «فصلناه» ، أى: فصلناه على أكمل وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم.

стр. 2102

فالمراد بهذه الجملة الكريمة بيان أن ما في هذا القرآن من أحكام وتفصيل وهداية، لم يحصل عبثا، وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من فوائد متكاثرة، ومنافع متزايدة. وقرأ ابن محيص «فضلناه» بالضاد المعجمة. أى: فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. وقوله: هُدىً وَرَحْمَةً حال من مفعول «فصلناه» وقرئ بالجر على البدلية من «علم» وبالرفع على إضمار المبتدأ، أى: هو هدى عظيم ورحمة واسعة. وقال: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون بهديه، والمستجيبون لتوجيهاته ثم بين- سبحانه- عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الذي أنزله الله هداية ورحمة فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ. النظر هنا بمعنى الانتظار والتوقع لا بمعنى الرؤية. فالمراد بينظرون: ينتظرون ويتوقعون، وتأويل الشيء: مرجعه ومصيره الذي يئول إليه ذلك الشيء والاستفهام بمعنى النفي. والمعنى: إن هؤلاء المشركين ليس أمامهم شيء ينتظرونه بعد أن أصروا على شركهم إلا ما يئول إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته، من تبين صدقه، وظهور صحة ما أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب، وانتصار المؤمنين به واندحار المعرضين عنه. فإن قيل: كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به؟ فالجواب: أنهم قبل وقوع ما هو محقق الوقوع، صاروا كالمنتظرين له، لأن كل آت قريب، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به، وسينزل بهم لا محالة. ثم بين- سبحانه- حالهم يوم الحساب فقال: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. أى: يوم يأتى يوم القيامة الذي أخبر عنه القرآن، والذي يقف الناس فيه أمام خالقهم للحساب، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا اليوم عند ما تكشف لهم الحقائق، قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وتبين صدقهم ولكننا نحن الذين كذبناهم وسرنا في طريق الضلال، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا في هذه الساعة العصيبة ويدفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء، أو نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا غير الذي كنا نعمله من الجحود واللهو واللعب. أى: أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب، أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل.

стр. 2103

فالجملة الكريمة تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا يهز المشاعر، ويحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. والاستفهام في قوله: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ للتمني والتحسر، ومن مزيدة للاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر ولنا خبر مقدم. ثم بين- سبحانه- نهايتهم فقال: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ. أى: قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنفسهم، بسبب إشراكهم بالله، وذهب عنهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم يوم الجزاء، وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين في دعواهم. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من بديع صنعه، وجليل قدرته، لكي يدل على أنه هو المعبود الحق فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) أى: إن سيدكم ومالككم الذي يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذي أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق في مقدار ستة أيام. قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أوقات. وإن أريد المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف «١» . وقال صاحب فتح البيان: «قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير، «كان الله قادرا على أن

стр. 2104

يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور» «١» . وقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الشيخ القاسمى: ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وبمعنى القصد ومنه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء: تقول العرب استوى إلى يخاصمني أى: قصد لي وأقبل على. ويأتى بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر: ... قد استوى بشر على العراق ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية. قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله- تعالى-: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. قال مجاهد: استوى وعلا على العرش. وقال ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أى: علا وارتفع «٢» . وعرش الله- كما قال الراغب- مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له- تعالى الله عن ذلك- لا محمولا. وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله- تعالى- بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه- سبحانه- بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه- تعالى-. فعن أم سلمة- رضى الله عنها- في تفسير قوله- تعالى-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أنها قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر. وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

стр. 2105

وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. وقال الإمام الرازي: إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه. وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه- أى الاستواء- عن ظاهره لاستحالته، وأن المراد منه- كما قال الإمام القفال- أنه استقام ملكه، واطرد أمره ونفذ حكمه- تعالى- في مخلوقاته، والله- تعالى- دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم «تنبيها على عظمته وكمال قدرته» وذلك مشروط بنفي التشبيه، ويشهد بذلك قوله- تعالى-: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ «١» . هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التي تتعلق بالمحكم والمتشابه فليرجع إليها من شاء. وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ التغشية: التغطية والستر، أى: يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره، ويصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا، ويجعل النهار غاشيا لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما، وفي ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة، وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلى العظيم. ولم يذكر في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله- تعالى-: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أو لدلالة الحال عليه، أو لأن اللفظ يحتملهما: يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس. والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا، لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي، والنهار هو المفعول من غير عكس لئلا يلتبس المعنى. وقد قال- تعالى- في آية أخرى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ. وقوله: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أى: يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب الآخر طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب الآخر ويخلفه بلا فاصل، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه. والحث على الشيء: الحض عليه. يقال: حث الفرس على العدو يحثه حثا صاح به أو وكزه برجل أو ضرب. وذهب حثيثا أى: مسرعا.
следующие страницы →