← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فالنسيان في حق الله- تعالى- مستعمل في لازمه، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم، ولا يرحم ضعفهم وذلهم، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح في الدنيا. وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة، فتحكى لنا أحوال الكافرين، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين. كما تسوق لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات «لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد» . ثم بين- سبحانه- منزلة القرآن الكريم في إثباته للرسالة المحمدية عن طريق الإخبار بأحوال الأمم السابقة وبيان سوء عاقبة من كذب به، فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) قوله: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ... إلخ. التفصيل: عبارة عن جعل الحقائق والمسائل بيانها مفصولا بعضها عن بعض بحيث لا يبقى فيها اشتباه أو لبس. والمعنى: ولقد جئنا لهؤلاء الناس على لسانك يا محمد بكتاب عظيم الشأن، كامل التبيان، فصلنا آياته تفصيلا حكيما، وبينا فيه ما هم في حاجة إليه من أمور الدنيا والآخرة بيانا شافيا يؤدى إلى سعادتهم متى اتبعوه واهتدوا بهديه» . والضمير لأولئك الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وقيل هو لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم. وقوله: عَلى عِلْمٍ حال من فاعل «فصلناه» ، أى: فصلناه على أكمل وجه وأحسنه حالة كوننا عالمين بذلك أتم العلم.

стр. 2102

فالمراد بهذه الجملة الكريمة بيان أن ما في هذا القرآن من أحكام وتفصيل وهداية، لم يحصل عبثا، وإنما حصل مع العلم التام بكل ما اشتمل عليه من فوائد متكاثرة، ومنافع متزايدة. وقرأ ابن محيص «فضلناه» بالضاد المعجمة. أى: فضلناه على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. وقوله: هُدىً وَرَحْمَةً حال من مفعول «فصلناه» وقرئ بالجر على البدلية من «علم» وبالرفع على إضمار المبتدأ، أى: هو هدى عظيم ورحمة واسعة. وقال: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون بهديه، والمستجيبون لتوجيهاته ثم بين- سبحانه- عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الذي أنزله الله هداية ورحمة فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ. النظر هنا بمعنى الانتظار والتوقع لا بمعنى الرؤية. فالمراد بينظرون: ينتظرون ويتوقعون، وتأويل الشيء: مرجعه ومصيره الذي يئول إليه ذلك الشيء والاستفهام بمعنى النفي. والمعنى: إن هؤلاء المشركين ليس أمامهم شيء ينتظرونه بعد أن أصروا على شركهم إلا ما يئول إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته، من تبين صدقه، وظهور صحة ما أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب، وانتصار المؤمنين به واندحار المعرضين عنه. فإن قيل: كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به؟ فالجواب: أنهم قبل وقوع ما هو محقق الوقوع، صاروا كالمنتظرين له، لأن كل آت قريب، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به، وسينزل بهم لا محالة. ثم بين- سبحانه- حالهم يوم الحساب فقال: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. أى: يوم يأتى يوم القيامة الذي أخبر عنه القرآن، والذي يقف الناس فيه أمام خالقهم للحساب، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا اليوم عند ما تكشف لهم الحقائق، قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وتبين صدقهم ولكننا نحن الذين كذبناهم وسرنا في طريق الضلال، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا في هذه الساعة العصيبة ويدفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء، أو نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا غير الذي كنا نعمله من الجحود واللهو واللعب. أى: أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب، أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل.

стр. 2103

فالجملة الكريمة تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا يهز المشاعر، ويحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. والاستفهام في قوله: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ للتمني والتحسر، ومن مزيدة للاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر ولنا خبر مقدم. ثم بين- سبحانه- نهايتهم فقال: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ. أى: قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنفسهم، بسبب إشراكهم بالله، وذهب عنهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم يوم الجزاء، وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين في دعواهم. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من بديع صنعه، وجليل قدرته، لكي يدل على أنه هو المعبود الحق فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٤] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) أى: إن سيدكم ومالككم الذي يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذي أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق في مقدار ستة أيام. قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أوقات. وإن أريد المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف «١» . وقال صاحب فتح البيان: «قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير، «كان الله قادرا على أن

стр. 2104

يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور» «١» . وقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الشيخ القاسمى: ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وبمعنى القصد ومنه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء: تقول العرب استوى إلى يخاصمني أى: قصد لي وأقبل على. ويأتى بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر: ... قد استوى بشر على العراق ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية. قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله- تعالى-: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. قال مجاهد: استوى وعلا على العرش. وقال ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أى: علا وارتفع «٢» . وعرش الله- كما قال الراغب- مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له- تعالى الله عن ذلك- لا محمولا. وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله- تعالى- بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه- سبحانه- بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه- تعالى-. فعن أم سلمة- رضى الله عنها- في تفسير قوله- تعالى-: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أنها قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر. وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

стр. 2105

وقال محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه. وقال الإمام الرازي: إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه. وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه- أى الاستواء- عن ظاهره لاستحالته، وأن المراد منه- كما قال الإمام القفال- أنه استقام ملكه، واطرد أمره ونفذ حكمه- تعالى- في مخلوقاته، والله- تعالى- دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر في قلوبهم «تنبيها على عظمته وكمال قدرته» وذلك مشروط بنفي التشبيه، ويشهد بذلك قوله- تعالى-: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ «١» . هذا وللعلماء كلام طويل حول هذه المسألة التي تتعلق بالمحكم والمتشابه فليرجع إليها من شاء. وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ التغشية: التغطية والستر، أى: يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره، ويصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئا، ويجعل النهار غاشيا لليل فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما، وفي ذلك من منافع الناس ما فيه وبه تتم الحياة، وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلى العظيم. ولم يذكر في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله- تعالى-: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أو لدلالة الحال عليه، أو لأن اللفظ يحتملهما: يجعل الليل مفعولا أول والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس. والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا، لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا، فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي، والنهار هو المفعول من غير عكس لئلا يلتبس المعنى. وقد قال- تعالى- في آية أخرى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ. وقوله: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أى: يطلب الليل النهار أو كلاهما بطلب الآخر طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه، وهو كناية عن أن أحدهما يأتى عقب الآخر ويخلفه بلا فاصل، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه. والحث على الشيء: الحض عليه. يقال: حث الفرس على العدو يحثه حثا صاح به أو وكزه برجل أو ضرب. وذهب حثيثا أى: مسرعا.

стр. 2106

والجملة حال من الليل، لأنه هو المتحدث عنه أو حال من النهار أى: مطلوب حثيثا، أو من كل منهما على الرأى الثاني الذي يفسر «يطلبه حثيثا» بأن كليهما يطلب الآخر. وقوله: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أى: وخلق الشمس والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته، كأنهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمر على سبيل التشبيه. قال الآلوسى: ويصح حمل الأمر على الإرادة. أى: هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته: ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى وقال: إنه- سبحانه- أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك «١» » . وقرأ الجمهور بنصب الألفاظ الثلاثة على أنها معطوفة على السموات، أى: خلق السموات وخلق الشمس والقمر والنجوم. وبنصب مُسَخَّراتٍ أيضا على أنها حال من هذه الثلاثة. وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات. وقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ألا: أداة يفتتح بها القول الذي يهتم بشأنه لأجل تنبيه المخاطب لمضمونه وحمله على تأمله. والخلق: إيجاد الشيء من العدم. والأمر: التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه. فهو- سبحانه- الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته لا شريك له في ذلك. وهذه الجملة الكريمة كالتدليل للكلام السابق أى: أنه- سبحانه- هو الذي خلق الأشياء كلها ويدخل في ذلك السموات والأرض وغيرهما، وهو الذي دبر هذا الكون على حسب إرادته ويدخل في ذلك ما أشار إليه بقوله: مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ. وقوله: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. تبارك: فعل ماض لا يتصرف، أى لم يجيء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل. من البركة بمعنى الكثرة من كل خير. وأصلها النماء والزيادة. أى: كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين. أو من البركة بمعنى الثبوت. يقال: برك البعير، إذا أناخ في موضعه فلزمه وثبت فيه. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى: ثبت ودام خيره على خلقه.

стр. 2107

أو المعنى: تعالى الله رب العالمين وتعظم وارتفع وتنزه عن كل نقص. ثم أمر الله- تعالى- عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فقال: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٥ الى ٥٦] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) التضرع: تفعل من الضراعة وهي الذلة والاستكانة. يقال: ضرع فلان ضراعة: أى خشع وذل وخضع. ويقال: تضرع، أى أظهر الضراعة والخضوع. وتضرعا حال من الضمير في ادعوا. الخفية: بضم الخاء وكسرها- مصدر خفى كمرض بمعنى اختفى أى: استتر وتوارى ولم يجهر بدعائه. والمعنى: سلوا ربكم- أيها الناس- حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار فإنه- سبحانه- يسمع الدعاء ويجيب المضطر، ويكشف السوء، وهو القادر على إيصالها إليكم، وغيره عن ذلك عاجز. وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء في ضراعة وإسرار، لأن الدعاء ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم، واستعانة به بإخلاص ويقين، لكي يدفع المكروه، ويمنح الخير، ويعين على نوائب الدهر، ولا شك أن الإنسان في هذه الحالة يكون في أسمى درجات الصفاء الروحي، والنقاء النفسي، ويكون كذلك مؤديا لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار، معترفا لنفسه بالعجز والنقص. ولربه بالقدرة والكمال «١» . هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية من آداب الدعاء الخشوع والإسرار واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا. فقال النبي ﷺ : «أيها الناس،

стр. 2108

اربعوا على أنفسكم- أى ارفقوا بها- وأقصروا من الصياح- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إنه معكم. إنه سميع قريب. تبارك اسمه وتعالى جده» «١» . وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل، لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور- أى الزوار- وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله- تعالى- يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا «٢» . وقال ابن المنير: «وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية، فالاخلال بالضراعة إلى الله إخلال بالدعاء. وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى. فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه. وترى كثيرا من أهل زمانك يعمدون إلى الصراخ والصياح في الدعاء خصوصا في الجوامع حتى يعظم اللفظ ويشتد، وتستك المسامع وتنسد، ويهتز الداعي بالناس، ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار، وسلوك السنة الثابتة بالآثار. وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد، لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة في الدعاء. وفي خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول كثير من الخلق. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه» «٣» . وقوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الاعتداء تجاوز الحد أى: لا يحب المتجاوزين حدودهم في كل شيء، ويدخل فيه الاعتداء في الدعاء دخولا أوليا. ومن مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يترك هذين الأمرين وهما التضرع والإخفاء، كذلك من مظاهر الاعتداء في الدعاء أن يتكلف فيه. روى أبو داود في سننه أن سعد بن أبى وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول: اللهم إنى أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال له يا بنى: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ثم قرأ سعد هذه

стр. 2109

الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وإن بحسبك أن تقول: اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل «١» » . ثم نهى الله عباده عن كل لون من ألوان المعاصي فقال: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أى: لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح الله إياها، بأن خلقها على أحسن نظام، فالجملة الكريمة نهى عن سائر أنواع الإفساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان. روى أبو الشيخ عن أبى بكر بن عياش أنه سئل عن قوله- تعالى-: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها فقال: إن الله بعث محمدا ﷺ إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله به، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض» . قال صاحب المنار: وقال- سبحانه-: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها لأن الإفساد بعد الإصلاح أشد قبحا من الإفساد على الإفساد، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجرى على سننه. فكيف إذا هو أفسده وأخرجه عن وضعه؟ ولذا خص بالذكر وإلا فالإفساد مذموم ومنهى عنه في كل حال» «٢» . وقوله: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً. أصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل. والمعنى: وادعوه خائفين من عقابه إياكم على مخالفتكم لأوامره، طامعين في رحمته وإحسانه وفي إجابته لدعائكم تفضلا منه وكرما. قال الجمل: فإن قلت: قال في أول الآية: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وقال هنا: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً وهذا عطف للشيء على نفسه فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة أن المراد بقوله- تعالى-: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً بيان شرطين من شروط الدعاء وبقوله: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً بيان شرطين آخرين، والمعنى: كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما» «٣» . وقوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أى: إن رحمته- تعالى- وإنعامه على عباده قريب من المتقين لأعمالهم، المخلصين فيها، لأن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن عبادته

стр. 2110

نال عليها الثواب الجزيل، ومن أحسن في أمور دنياه كان أهلا للنجاح في مسعاه، ومن أحسن في دعائه كان جديرا بالقبول والإجابة. قال الشيخ القاسمى: وفي الآية الكريمة ترجيح للطمع على الخوف، لأن المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته- سبحانه- وسبقها، غلب الرجاء عليه. وفيها تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وهو الإحسان في القول والعمل. قال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين» «١» . هذا، وكلمة «قريب» وقعت خبرا للرحمة، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدأ في التذكير والتأنيث، فكان مقتضى هذه القواعد أن يقال إن رحمة الله قريبة. وقد ذكر العلماء في تعليل ذلك بضعة عشر وجها، منها أن تذكير «قريب» صفة لمحذوف أى أمر قريب، أو لأن كلمة الرحمة مؤنثة تأنيثا مجازيا، فجاز في خبرها التذكير والتأنيث أو لأن الرحمة هنا بمعنى الثواب وهو مذكر فيكون تذكير قريب باعتبار ذلك وقيل غير ذلك مما لا مجال لذكره هنا. وبعد أن بيّن- سبحانه- أنه هو الخالق للسموات والأرض، وأنه هو المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأن رحمته قريبة من المحسنين الذين يكثرون من التضرع إليه بخشوع وإخلاص. بعد كل ذلك تحدث- سبحانه- عن بعض مظاهر رحمته التي تتجلى في إرسال الرياح، وإنزال المطر، وعن بعض مظاهر قدرته التي تتجلى في بعث الموتى للحساب، وفي هداية من يريد هدايته وإضلال من يريد ضلالته فقال- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٧] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وقوله- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ معطوف على ما سبق من

стр. 2111

قوله- تعالى-: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لبيان مظاهر قدرته ورحمته. وقرأ حمزة والكسائي «الريح» بالإفراد: وبُشْراً- بضم الباء فسكون الشين- مخفف وبُشْراً- بضمتين- جمع بشير كنذر ونذير، أى: مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق. وقرأ أهل المدينة والبصرة «نشرا» - بضم النون والشين- جمع نشور- كصبور وصبر- بمعنى ناشر من النشر ضد الطى، وفعول بمعنى فاعل يطرد جمعه. وهناك قراءات أخرى غير ذلك. والمعنى وهو- سبحانه- الذي يرسل الرياح مبشرات عباده بقرب نزول الغيث الذي به حياة الناس. وقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أى بين يدي المطر الذي هو من أبرز مظاهر رحمة الله بعباده. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ. وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ. قال الإمام الرازي: وقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ من أحسن أنواع المجاز، والسبب في ذلك أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز. يقال: إن الفتن تحصل بين يدي الساعة يريدون قبيلها، كذلك مما حسن هذا المجاز أن يدي الإنسان متقدمة، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة، فلما كانت الرياح تتقدم المطر، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ» «١» . وقوله: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ حتى: غاية لقوله: يُرْسِلُ. وأقلت: أى حملت. وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى حمله. لأن الحامل لشيء يستقل ما يحمله بزعم أن ما يحمله قليل. وسَحاباً أى: غيما، سمى بذلك لانسحابه في الهواء، وهو اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع. وثِقالًا جمع ثقيلة من الثقل- كعنب- ضد الخفة. يقال: ثقل الشيء- ككرم- ثقلا وثقالة فهو ثقيل وهي ثقيلة. والمعنى: أن الله- تعالى- هو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث، حتى إذا حملت

стр. 2112

الرياح سحابا ثقالا من كثرة ما فيها من الماء، سقناه- أى السحاب إلى «بلد ميت» أى إلى أرض لا نبات فيها ولا مرعى، فاهتزت وربت وأخرجت النبات والمرعى. فأطلق- سبحانه- الموت على الأرض التي لا نبات فيها، وأطلق الحياة على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك. قال- تعالى-: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ «١» . وقوله: فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ أى: فأنزلنا في هذا البلد الميت الماء الذي يحمله السحاب. فالباء في بِهِ للظرفية. وقيل إن الضمير في بِهِ للسحاب، أى: فأنزلنا بالسحاب الماء وعليه فتكون الباء للسببية. وقوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أى: فأخرجنا بهذا الماء من كل أنواع الثمرات المعتادة في كل بلد، تخرج به على الوجه الذي أجرى الله العادة بها ودبرها. فليس المراد أن كل بلد ميت تخرج منه جميع أنواع الثمار التي خلقها الله، متى نزل به الماء، وإنما المراد أن كل بلد تخرج منه الثمار التي تناسب تربته على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه، إذ من المشاهد أن البلاد تختلف أرضها فيما تخرجه، وهذا أدل على قدرة الله، وواسع رحمته. وقوله: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إشارة إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت. أى: مثل ما أحيينا الأرض بعد موتها وجعلناها زاخرة بأنواع الثمرات بسبب نزول الماء عليها، نخرج الموتى من الأرض ونبعثهم أحياء في اليوم الآخر لنحاسبهم على أعمالهم، فالتشبيه في مطلق الإخراج من العدم. وهذا رد على منكري البعث بدليل ملزم، لأن من قدر على إخراج النبات من الأرض بعد نزول الماء عليها، قادر- أيضا- على إخراج الموتى من قبورهم. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر، أى: لعلكم تذكرون وتعتبرون بما وصفنا لكم فيزول إنكاركم للبعث والحساب. قال الشيخ القاسمى: «من أحكام الآية كما قال الجشمي: أنها تدل على عظم نعمة الله

стр. 2113

علينا بالمطر، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر، وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء فأجرى العادة على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا..» «١» . ثم ضرب- سبحانه- مثلا لاختلاف استعداد البشر للخير والشر فقال: [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٨] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً. أصل النكد: العسر القليل الذي لا يخرج إلا بعناء ومشقة. يقال: نكد عيشه ينكد، اشتد وعسر. ونكدت البئر: قل ماؤها، ومنه: رجل نكد، ونكد وأنكد، شؤم عسر. وهم أنكاد ومناكيد. وقال في اللسان: والنكد: قلة العطاء، قال الشاعر: لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت، أعطيت تافها نكدا أى: عطاء قليلا لا جدوى منه. والمعنى: أن الأرض الكريمة التربة يخرج نباتها وافيا حسنا غزير النفع بمشيئة الله وتيسيره، والذي خبث من الأرض كالسبخة منها لا يخرج نباته إلا قليلا عديم الفائدة. فالأول: مثل ضربه الله للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب. والثاني: مثل للكافر، يقول: هو خبيث وعمله خبيث، وفيهما بيان أن القرآن يثمر في القلوب التي تشبه الأرض الطيبة التربة، ولا يثمر في القلوب التي تشبه الأرض الرديئة السبخة. ونكدا منصوب على أنه حال أو على أنه نعت لمصدر محذوف والتقدير: والذي خبث لا يخرج إلا خروجا نكدا. قال صاحب الكشاف: «وهذا مثل لمن ينجح فيه الوعظ والتذكير من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك. وعن مجاهد: آدم وذريته منهم خبيث وطيب. وعن قتادة: المؤمن سمع

стр. 2114

كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت. والكافر بخلاف ذلك. وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر. وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد» «٢» . وقريب من معنى الآية الكريمة ما رواه الشيخان عن أبى موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» «١» . وقوله: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أصل التصريف: تبديل حال بحال ومنه تصريف الرياح. والآيات: الدلائل الدالة على قدرة الله. أى: مثل ذلك التصريف البديع والتنويع الحكيم نصرف الآيات الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية واضحة لقوم يشكرون نعمنا، باستعمالها فيما خلقت له، فيستحقون مزيدنا منها وإثابتنا عليها. وعبر هنا بالشكر لأن هذه الآية موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد، بينما عبر في الآية السابقة عليها بالتذكر لأن موضوعها يتعلق بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله- تعالى- في إحياء الموتى. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا- من بين ما حدثتنا- عن عظمة القرآن الكريم وعن وجوب اتباعه، وعن قصة آدم وما فيها من عبر وعظات، وعما أحله الله وحرمه، وعما يدور بين أهل النار من مجادلات واتهامات، وعن العاقبة الطيبة التي أعدها الله للصالحين من عباده، وعن المحاورات التي تدور بينهم وبين أهل النار، ثم عن مظاهر قدرة الله، وأدلة وحدانيته. وبعد كل ذلك تبدأ السورة جولة جديدة مع الأمم الخالية، والقرى المهلكة التي جاء ذكرها في مطلعها. وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ. فتحدثنا السورة الكريمة عن مصارع قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم

стр. 2115

شعيب، ثم حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. وقد تكلم الإمام الرازي عن فوائد مجيء قصص هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم في هذه السورة بعد أن تحدثت عن أدلة توحيده وربوبيته- سبحانه- فقال: اعلم أنه- تعالى- لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد: أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات. ليس من خواص قوم النبي ﷺ بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذكر قصصهم، وحكاية إصرارهم وعنادهم، يفيد تسلية للنبي ﷺ وتخفيف ذلك على قلبه. ثانيها: أنه- تعالى- يحكى في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن في الدنيا، والخسارة في الآخرة، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، وذلك يقوى قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين. وثالثها: التنبيه على أنه- تعالى- وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يمهلهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه. ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد ﷺ لأنه كان أميّا. وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ. فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله- تعالى-» «١» . والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهي تحدثنا عن قصة نوح مع قومه فتقول: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)

стр. 2116

تلك هي قصة نوح مع قومه كما وردت في هذه السورة، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سورة هود، والمؤمنون، ونوح وغيرها. وقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ جواب قسم محذوف، أى: والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه في بدء الجملة. قال الآلوسى: «واطرد استعمال هذه اللام مع قد في الماضي- على ما قال الزمخشري- وقل الاكتفاء بها وحدها. والسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد» «١» . وينتهى نسب نوح- ﵇ إلى شيث بن آدم- ﵇ وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاث وأربعين موضعا. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد. قال ابن كثير: قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله- تعالى- رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له» «٢» .

стр. 2117

وقوله: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات، أى: قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التي وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فإنه هو المستحق للعبادة، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا. وكلمة غَيْرُهُ قرئت بالحركات الثلاث، بالرفع على أنها صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكسائي بالجر باعتبار اللفظ، وقرئ بالنصب على الاستثناء بمعنى، ما لكم من إله إلا إياه. ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أى: إنى أخاف عليكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما موقع الجملتين بعد قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ قلت: الأولى- وهي ما لكم من إله غيره- بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، والثانية وهي- إنى أخاف ... إلخ- بيان الداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله. واليوم العظيم: يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان» «١» . بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية الله. فكيف كان ردهم عليه؟ لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن في قوله: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. الملأ: الأشراف والسادة من القوم. سموا بذلك لأنهم يملؤون العيون مهابة. وقيل: هم الرجال ليس فيهم نساء. والملأ: اسم جمع لا واحد له من لفظه: كرهط. والجملة الكريمة مستأنفة، كأنه قيل فماذا قالوا له؟ فقيل: قال الملأ ... إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف، وقيل: بصرية فيكون الظرف في موضع الحال. أى: قال الأشراف من قوم نوح له عند ما دعاهم إلى وحدانية الله: إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا في انحراف بين عن طريق الحق والرشاد. يقال: ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة، أى زل عنه فلم يهتد إليه، وجعلوا الضلال ظرفا له فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مبالغة في وصفهم له بذلك وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بإن ولام التأكيد.

стр. 2118

ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، كقوله- تعالى-: وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ «١» . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ «٢» إلى غير ذلك من الآيات «٣» . ويرد نوح على قومه بأسلوب عف مهذب، فينفى عن نفسه الضلالة، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومصدرها فيقول- كما حكى القرآن عنه-: قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أى: قال نوح لقومه مستميلا لقلوبهم: يا قوم ليس بي أدنى شيء مما يسمى بالضلال فضلا عن الضلال المبين الذي رميتمونى به، فقد نفى الضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه، لأن التاء في- ضلالة- للمرة الواحدة منه، ونفى الأدنى أبلغ من نفى الأعلى، والمقام يقتضى ذلك، لأنهم لما بالغوا في رميه بالضلال المبين، رد عليهم بما يبرئه من أى لون من ألوانه. وفي تقديم الظرف (بي) تعريض بأنهم هم في ضلال واضح. ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهي الهداية والتبليغ عن الله- تعالى- فقال: وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي، وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. فأنت ترى أن نوحا- ﵇ بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة وصف نفسه بأربع صفات كريمة: أولها: قوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: لست بمنجاة من الضلال الذي أنتم فيه فحسب، ولكني فضلا عن ذلك رسول من رب العالمين إليكم لهدايتكم وإنقاذكم مما أنتم فيه من شرك وكفر. قال الجمل: (وقد جاءت لكن هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين، لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين: ضلال أو هدى، والرسالة لا تجامع الضلال ومِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ صفة لرسول ومن لابتداء الغاية) «٤» . وثانيها: قوله: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي أى: أبلغكم ما أوحاه الله إلى من الأوامر والنواهي، والمواعظ والزواجر، والبشائر والنذائر، والعبادات والمعاملات. قال الآلوسى: وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبي واحدة، رعاية لاختلاف أوقاتها أو

стр. 2119

تنوع معاني ما أرسل- ﵇ به من العبادات والمعاملات- أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس- ﵇) «١» والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها. وثالثها: قوله: وَأَنْصَحُ لَكُمْ أى: أبلغكم جميع تكاليف الله وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه. وأنصح: مأخوذ من النصح- وهو كما قال القرطبي- إخلاص النية من شوائب الفساد، يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة- أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه- ويقال: رجل ناصح الجيب، أى: نقى القلب. والناصح الخالص من العسل وغيره، مثل الناصع. وكل شيء خلص فقد نصح «٢» . والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي كلفهم الله بها، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه. وأما الصفة الرابعة فهي قوله: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أى: أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم عن إخلاص، وأعلم في الوقت نفسه من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لا علم لكم بها، لأن الله قد خصنى بها. أو المعنى: وأعلم من قدرة الله الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، ما لا تعلمونه فأنا أحذركم عن علم، وأنذركم عن بينة فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. قال ابن كثير: وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحا عالما بالله لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا: «أيها الناس، إنكم مسئولون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد «٣» . وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع، وبين لهم وظيفته أكمل بيان أخذ ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه الله بالنبوة فقال:

стр. 2120

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ، وَلِتَتَّقُوا، وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الهمزة في أول الجملة للاستفهام الإنكارى، والواو بعدها للعطف على محذوف مقدر بعد الهمزة. والمعنى: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أى موعظة من ربكم وخالقكم على لسان رجل من جنسكم، تعرفون مولده ونشأته. ولقد حكى القرآن عن قوم نوح أنهم عجبوا من أن يختار الله رسولا منهم، قال- تعالى-: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ «١» . وقوله: لِيُنْذِرَكُمْ علة للمجيء، أى: وليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصي. وقوله: وَلِتَتَّقُوا علة ثانية مرتبة على العلة التي قبلها، أى: ولتوجد منكم التقوى، وهي الخشية من الله بسبب الإنذار. وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ علة ثالثة مترتبة على التي قبلها. أى: ولترحموا بسبب التقوى إن وجدت منكم. قال بعض العلماء: وهذا الترتيب في غاية الحسن، لأن المقصود من الإرسال الإنذار، ومن الإنذار التقوى. ومن التقوى الفوز بالرحمة. وفائدة حرف الترجي وَلَعَلَّكُمْ التنبيه على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هي منوطة بفضل الله، وأن المتقى ينبغي ألا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله» «٢» . وإلى هنا نكون قد عرفنا أسلوب نوح في دعوته كما جاء في هذه السورة الكريمة، فماذا كان موقف قومه؟ لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا، ولذا عوقبوا بما يناسب جرمهم قال- تعالى-: فَكَذَّبُوهُ أى: فكذب قوم نوح نبيهم ومرشدهم نوحا، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى الهدى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ومع أنه مكث فيهم «ألف سنة إلا خمسين عاما» كانت نتيجة ذلك- كما حكى القرآن:

стр. 2121

فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ أى: فأنجيناه من الغرق هو والذين آمنوا معه بأن حملناهم في السفينة التي صنعها. والفاء في فَأَنْجَيْناهُ للسببية. قيل كان عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل غير ذلك. والقرآن قد صرح بأن المؤمنين به كانوا قلة، فقال: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عمين: جمع عم صفة مشبهة، يقال: هو عم- كفرح- لأعمى البصيرة. أى: وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من قوم نوح لأنهم كانوا قوما عمى البصائر عن الحق والإيمان لا تنفع فيهم المواعظ ولم يجد معهم التذكير. وهذه سنة الله في خلقه أن جعل حسن العاقبة للمؤمنين، وسوء العذاب للجاحدين. ثم تحكى لنا السورة بعد ذلك قصة هود- ﵇ مع قومه، فيقول الله- تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)

стр. 2122

تلك هي قصة هود- ﵇ مع قومه كما حكتها سورة الأعراف. وقد وردت- أيضا- في سورة أخرى، منها: سورة هود، والشعراء، والأحقاف ... إلخ. وينتهى نسب هود إلى نوح- ﵉ كما قال بعض المؤرخين. فهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح «١» . وقومه هم قبيلة عاد- نسبة إلى أبيهم الذي كان يسمى بهذا الاسم- وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمن- والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل. وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله، فأرسل الله إليهم هودا لهدايتهم، ويقال بأن هودا- ﵇ قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح، وبينهما مائة سنة. وقوله: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إلخ معطوف على قوله- تعالى-: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ والمعنى: وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هودا فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ووصفه بأنه أخاهم لأنه من قبيلتهم نسبا، أو لأنه أخوهم في الإنسانية. ثم حكى القرآن أن

стр. 2123

هودا أنكر على قومه عبادتهم لغير الله، وحضهم على إفراده بالعبادة فقال: أَفَلا تَتَّقُونَ أى: أفلا تخافون عذاب الله فتبتعدوا عن طريق الشرك والضلال لتنجوا من عقابه. قال أبو حيان: وفي قوله: أَفَلا تَتَّقُونَ استعطاف وتحضيض على تحصيل التقوى. ولما كان ما حل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر في العالم مثلها قال لهم: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وواقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعهد الناس قريب بها فاكتفى هود بقوله لهم: أَفَلا تَتَّقُونَ. والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا، فقوله: أَفَلا تَتَّقُونَ إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة «١» » . وكأنما عظم على هؤلاء الطغاة أن يستنكر عليهم هود- ﵇ عبادتهم لغير الله، فردوا عليه ردا قبيحا حكاه القرآن في قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أى: قال الأغنياء الذين كفروا من قوم هود له: إنه لنراك متمكنا في خفة العقل، راسخا فيها، حيث هجرت دين قومك إلى دين آخر. وجعلت السفاهة ظرفا على طريق المجاز، فقد أرادوا أنه متمكن فيها، غير منفك عنها. وأصل السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب، يقال: ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا: تسفهت الريح الشجر: مالت به. وزمام سفيه: كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه. وشاع السفه في خفة العقل وضعف الرأى. ولم يكتفوا بوصفه بالسفه بل أضافوا إلى ذلك قولهم: وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ أى: وإنا لنظنك من الكاذبين في دعوى التبليغ عن الله تعالى. وأكدوا ظنهم الآثم كما أكدوا اتهامهم له بالسفه مبالغة منهم في الإساءة إليه. ويرجح بعض العلماء أن الظن هنا على حقيقته، لأنهم لو قالوا وإنا لنعتقد أنك من الكاذبين، لكانوا كاذبين على أنفسهم في ذلك، لأنهم يعلمون منه الصدق وحسن السيرة. ومن بلاغة القرآن وإنصافه في أحكامه أنه قيد القائلين لهود هذا القول الباطل بأنهم «الملأ الذين كفروا من قومه» ليخرج منهم الملأ- أى الأشراف الذين آمنوا من قومه. وبعد هذا الرد القبيح منهم، أخذ هود يدافع عن نفسه ويبين لهم وظيفته بأسلوب حكيم فقال: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ أى: ليس بي أى نوع من أنواع السفاهة كما تزعمون وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ.

стр. 2124

فأنت ترى أن هودا في هذا الرد الحكيم على قومه، قد نفى عن نفسه تهمة السفاهة كما نفى أخوه نوح من قبله عن نفسه تهمة الضلالة، ثم بين لهم بعد ذلك وظيفته وطبيعة رسالته، ثم أخبرهم بعد ذلك بمقتضى أخوته لهم ليس معقولا أن يكذب عليهم أو يخدعهم- فإن الرائد لا يكذب أهله-، وإنما هو ناصح أمين يهديهم إلى ما يصلحهم ويبعدهم عما يسوءهم: قال صاحب الكشاف: «وفي إجابة الأنبياء- ﵈ على من نسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم- في إجابتهم هذه أدب حسن، وخلق عظيم، وحكاية الله- ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم» «١» . ونلمس من خلال التعبير القرآنى أن قوم هود قد تعجبوا من اختصاص هود بالرسالة كما تعجب قوم نوح من قبلهم من ذلك، فأخذ هود- ﵇ في إزالة هذا العجب من نفوسهم، فقال: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ أى: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفون صدقه ونسبه وحسبه، إن ما عجبتم له ليس موقع عجب، بل هو عين الحكمة فقد اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق القويم واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. ثم أخذ في تذكيرهم بواقعهم الذي يعيشون فيه لكي يحملهم على شكر الله فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أى: اذكروا بتأمل واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين في الأرض من بعد قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم وجحودهم. قال الآلوسى ما ملخصه: و «إذ» منصوب على المفعولية لقوله: وَاذْكُرُوا أى: اذكروا هذا الوقت المشتمل على النعم الجسام. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله. وهو معطوف على مقدر كأنه قيل: لا تعجبوا وتدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح» «٢» .

стр. 2125

ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أى: زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة، أو زادكم بسطة في قوة أبدانكم وضخامة أجسامكم، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة، أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين. وقد ذكر بعض المفسرين روايات تتعلق بضخامة أجسام قوم هود وقوتهم وهي روايات ضعيفة لا يعتد بها، ولذا أضربنا عنها، ويكفينا أن القرآن الكريم قد أشار إلى قوتهم وجبروتهم بدون تفصيل لذلك كما في قوله- تعالى-: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ وكما في قوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. ثم كرر هود- ﵇ تذكيرهم بنعم الله فقال: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. أى: فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم، ولن تكونوا كذلك إلا بعبادتكم له وحده- . وآلاء الله: نعمه الكثيرة. والآلاء جمع إلى كحمل وأحمال. أو ألى، كقفل وأقفال. أو إلى، كمعى وأمعاء. وإلى هنا يكون هود- ﵇ قد رد على قومه ردا مقنعا حكيما، كان المتوقع من ورائه أن يستجيبوا له، وأن يقبلوا على دعوته، ولكنهم لسوء تفكيرهم وانطماس بصيرتهم، أخذتهم العزة بالإثم فماذا قالوا لنبيهم ومرشدهم؟. قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. أى: قالوا له على سبيل الإنكار والاستهزاء: أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام إن هذا لن يكون منا أبدا فأتنا بما تعدنا به من العذاب ان كنت من الصادقين فيما تخبر به. وننظر في هذا الرد من قوم هود فنراه طافحا بالتهور والتحدي والاستهزاء واستعجال العذاب. حتى لكأن هودا- ﵇ يدعوهم إلى منكر لا يطيقون سماعه ولا يصبرون على الجدل فيه!!. أليس هو يدعوهم إلى وحدانية الله وإفراده بالعبادة وترك ما كان يعبد آباؤهم، وهذا في زعمهم أمر منكر لا يطيقون الصبر عليه. وهكذا يستحوذ الشيطان على قلوب بعض الناس وتفكيرهم فيصور لهم الحسنات في صورة سيئات، والسيئات في صورة حسنات.

стр. 2126

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى المجيء في قوله: أَجِئْتَنا، قلت فيه أوجه: أن يكون لهود- ﵇ مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله ﷺ بحراء قبل المبعث، فلما أوحى إليه جاء قومه يدعوهم. وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أن الله- تعالى- لا يرسل إلا الملائكة، فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك. وأنهم لا يريدون حقيقة المجيء. ولكن التعريض بذلك والقصد كما يقال: ذهب يشتمني ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرضت لنا بتكليف ذلك» «١» . وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ يدل على أنه كان يتوعدهم بالعذاب من الله. إذا استمروا على شركهم، ويدل- أيضا- على تصميمهم على الكفر، واحتقارهم لأمر هود- ﵇ واستعجالهم إياه بالعقوبة على سبيل التحدي، لأنهم كانوا يتوهمون أن العقوبة لن تقع عليهم أبدا. وإزاء هذا التحدي السافر من قوم هود له ولدعوته ولوعيد الله لهم، ما كان من هود- ﵇ إلا أن جابههم بالرد الحاسم الذي تتجلى فيه الشجاعة التامة، والثقة الكاملة بأن الله سينصره عليهم وينتقم له منهم. قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أى: قال هود لقومه بعد أن لجوا في طغيانهم: قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم على الكفر والعناد. والرجس والرجز بمعنى، وأصل معناه الاضطراب يقال: رجست السماء أى: رعدت رعدا شديدا، وهم في مرجوسة من أمرهم أى: في اختلاط والتباس. ثم شاع في العذاب لاضطراب من حل به. وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه قَدْ وَقَعَ مبالغة في تحقيق الوقوع، وأنه أمر لا مفر لهم منه. وعطف الغضب على الرجس، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب هو انتقام لا يمكن دفعه، لأنه صادر من الله الذي غضب عليهم بسبب كفرهم، وبعد أن أنذرهم هددهم بوقوع العذاب عليهم، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ؟

стр. 2127

أى: أتجادلوني وتخاصمونى في شأن أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ المستحق للعبادة إنما هو الله الذي خلق كل شيء، أما هذه الأصنام التي زعمتم أنها آلهة فهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. فأنت ترى أن هودا- ﵇ قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئا وراء الاسم الذي يطلق عليها، وهذا أعمق في الإنكار عليهم، والاستهزاء بعقولهم. وقوله: ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أى: ما نزل الله بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم في ألوهيتها أو في كونها شفعاء لكم عند الله، وإنما هي أصنام باطلة قلدتم آباءكم في عبادتها بدون علم أو تفكير. ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أى: فانتظروا نزول العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم. ولم يطل انتظار هود عليهم، فقد حل بهم العقاب الذي توعدهم به سريعا ولذا قال- تعالى-: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا الفاء فصيحة. أى: فوقع ما وقع فأنجينا هودا والذين اتبعوه في عقيدته برحمة عظيمة منا لا يقدر عليها غيرنا. وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أى: استأصلناهم عن آخرهم بالريح العقيم التي ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ. فقطع الدابر كناية عن الاستئصال والإهلاك للجميع يقال قطع الله دابره أى: أذهب أصله. وقوله: وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ عطف على كَذَّبُوا داخل معه حكم الصلة أى: أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرجعوا عن ذلك أصلا. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة نفى الإيمان عنهم في قوله: وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت: هو تعريض بمن آمن منهم- كمرثد بن سعد- ومن نجا مع هود- ﵇ كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن الهلاك للمكذبين ونجى الله المؤمنين» «١» . وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين، وتحقق النذير في قوم هود كما تحقق قبل ذلك في قوم نوح.

стр. 2128

ثم قصت علينا السورة بعد ذلك قصة صالح- ﵇ مع قومه فقالت: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٧٣ الى ٧٩] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)

стр. 2129

هذه قصة صالح مع قومه كما حكتها سورة الأعراف، وقد وردت هذه القصة في سور أخر كسور هود والشعراء والنمل والقمر وغيرها. وصالح- كما قال الحافظ البغوي- هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ابن حاذر بن ثمود: وينتهى نسبه إلى نوح- ﵇. وثمود اسم للقبيلة التي منها صالح سميت باسم جدها ثمود، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل. وكانت مساكنهم بالحجر- بكسر الحاء وسكون الجيم-، والحجر مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وموقعه الآن، تقريبا- المنطقة التي بين الحجاز وشرق الأردن، وما زال المكان الذي كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح إلى اليوم، وقد مر النبي ﷺ على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة. وقبيلة صالح من قبائل العرب، وكانوا خلفاء لقوم هود- ﵇ بعد أن هلكوا فورثوا أرضهم، وآتاهم الله نعما وفيرة، وكانوا يعبدون الأصنام فأرسل إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيرا. قال- تعالى-: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ. أى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب والموطن صالحا- ﵇ فقال لهم الكلمة التي دعا بها كل نبي قومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله سواه، قد جاءتكم معجزة ظاهرة الدلائل، شاهدة بنبوتي وصدقى فيما أبلغه عن ربي. وقوله: مِنْ رَبِّكُمْ متعلق بمحذوف صفة لبينة، أى هذه البينة كائنة من ربكم وليست من صنعي فعليكم أن تصدقوني لأنى مبلغ عن الله- تعالى-. ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أى: هذه التي ترونها وأشير إليها ناقة الله، والتي جعلها- سبحانه- علامة لكم على صدقى. وأضاف الناقة إلى الله للتفضيل والتخصيص والتعظيم لشأنها. وقيل: لأنه- سبحانه- خلقها على خلاف سنته في خلق الإبل وصفاتها، وقيل: لأنها لم يكن لها مالك. وقد ذكر المفسرون عنها قصصا لا تخلو من ضعف، لذا اكتفينا بما ورد في شأنها في القرآن الكريم.

стр. 2130

ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال: فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أى اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل في أرض الله التي لا يملكها أحد سواه ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء، لأنكم لو فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم. والفاء في قوله: فَذَرُوها للتفريع على كونها آية من آيات الله، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء. وتَأْكُلْ مجزوم في جواب الأمر. وأضيفت الأرض إلى الله- أيضا- قطعا لعذرهم في التعرض لها، فكأنه يقول لهم، الأرض أرض الله والناقة ناقته، فذروها تأكل في أرضه لأنها ليست لكم، وليس ما فيها من عشب ونبات من صنعكم، فأى عذر لكم في التعرض لها؟ وفي نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ والماء من باب أولى. فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء. وقوله: فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الفعل المضارع منصوب في جواب النهى. وبعد أن بين لهم صالح- ﵇ وظيفته، وكشف لهم عن معجزته، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره، أخذ في تذكيرهم بنعم الله عليهم. وبمصائر الماضين قبلهم. فقال- كما حكى القرآن عنه-: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ. أى: واذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم حيث جعلكم خلفاء لقبيلة عاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس، بعد أن أهلكهم الله بسبب طغيانهم وشركهم. وقوله: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أى: أنزلكم فيها وجعلها مباءة ومساكن لكم. يقال: بوأه منزلا، أى: أنزله وهيأه له ومكن له فيه. والمراد بالأرض: أرض الحجر التي كانوا يسكنونها وهي بين الحجاز والشام، تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا. السهول: الأراضي السهلة المنبسطة. والجبال: الأماكن المتحجرة المرتفعة. أى أنزلكم في أرض الحجر، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة، ودورا عالية، ومن جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها.

стр. 2131

يقال: نحته ينحته- كيضربه وينصره ويعلمه- أى: براه وسواه. قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة التي لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ولما فيها من الدفء. أما في غير الشتاء فكانوا يسكنون السهول لأجل الزراعة والعمل ومن التعبير القرآنى نلمح أثر النعمة والتمكين في الأرض لقوم صالح، وندرك طبيعة الموقع الذي كانوا يعيشون فيه، فهو سهل وجبل، يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت، فهم في حضارة عمرانية واضحة المعالم، ولذا نجد صالح- ﵇ يكرر عليهم التذكير بشكر النعم فيقول: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. أى: فاذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم، واشكروه على هذه النعم الجزيلة، وخصوه وحده بالعبادة، ولا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم في الأرض. والمقصود النهى عما كانوا عليه من التمادي في الفساد. مأخوذ من العيث وهو أشد الفساد. يقال: عثى- كرضى- عثوا إذ أفسد أشد الإفساد. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ذكرت لنا جانبا من النصائح التي وجهها صالح لقومه فماذا كان موقفهم منه. لقد كان موقفهم لا يقل في القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم هود، وهاك ما حكاه القرآن عنهم: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟ أى: قال المترفون المتكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين الذين هداهم الله إلى الحق: أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته وحده لا شريك له؟ وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم، لأنهم يعلمون أن المؤمنين يعرفون أن صالحا مرسل من ربه. ولذا وجدنا المؤمنين لا يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقولوا لهم: نعم أنه مرسل من ربه، وإنما ردوا عليهم بقولهم: إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإظهارا للإيمان الذي استقر في قلوبهم، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح- ﵇ من الظهور والوضوح حيث لا ينبغي لعاقل أن يسأل عنه، وإنما الشيء الجدير بالسؤال عنه هو الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم، والامتثال لما يقتضيه العقل السليم.

стр. 2132

وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم في الجهر بالحق وعلى قوة إيمانهم، وسلامة يقينهم. وقوله: لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بإعادة الجار بدل كل من كل، والضمير في مِنْهُمْ يعود على قوم صالح. وهنا يعلن المستكبرون عن موقفهم في عناد، وصلف وجحود، واستمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. أى: قال المستكبرون ردا على المؤمنين الفقراء: إنا بما آمنتم به كافرون، ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إياهم، وردا على مقالتهم إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ. قال صاحب الانتصاف: ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن يقولوا، بما أرسل به كافرون ولكنهم أبوا ذلك حذرا مما في ظاهره من إثباتهم لرسالته، وهم يجحدونها، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم، كما قال فرعون: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، فأثبت إرساله تهكما، وليس المقام هنا مقام التهكم، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين المؤمنين والمكذبين عن حاله، فرد كل فريق على الآخر بما يناسبه» «١» . ثم أتبع المستكبرون قولهم القبيح بفعل أقبح يتجلى في قوله- تعالى- عنهم: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أى: نحروها وأصل العقر: قطع عرقوب البعير، ثم استعمل في النحر، لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. أى: عقروا الناقة التي جعلها الله حجة لنبيه صالح- ﵇ والتي قال لهم صالح في شأنها: لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وأسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم، ويقال للقبيلة الكبيرة أنتم فعلتم كذا مع أن الفاعل واحد منهم، لكونه بين أظهرهم. وقوله: وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أى: استكبروا عن امتثال أوامره واجتناب نواهيه. من العتو وهو النبو، أى: الارتفاع عن الطاعة والتكبر عن الحق والغلو في الباطل. يقال: عتا يعتو عتيا، إذا تجاوز الحد في الاستكبار. فهو عات وعتى. وقد اختار القرآن كلمة عَتَوْا لإبراز ما كانوا عليه من تجبر وتبجح وغرور خلال اقترافهم

стр. 2133

للمعاصي والجرائم التي من أبرزها عقر الناقة، فهم قد فعلوا ما فعلوا عن تعمد وإصرار على ارتكاب المنكر. ثم لم يكتفوا بكل هذا، بل قالوا لنبيهم في سفاهة وتطاول: يا صالِحُ ائْتِنا، بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. نادوه باسمه تهوينا لشأنه، وتعريضا بما يظنون من عجزه وقالوا له على سبيل تعجل العذاب الذي توعدهم به إذا استمروا في طغيانهم ائتنا بما توعدتنا به إن كنت صادقا في رسالتك. ولقد كان رد القدر على تبجحهم وعتوهم واستكبارهم سريعا قال- تعالى- فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ: الرجفة: الزلزلة الشديدة. يقال: رجفت الأرض ترجف رجفا، إذا اضطربت وزلزلت ومنه الرجفان للاضطراب الشديد. وجاثمين: من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، يقال جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره أو لزم مكانه فلم يبرحه. والمعنى: فأخذت أولئك المستكبرين الرجفة، أى: الزلزلة الشديدة فأهلكتهم، فأصبحوا في بلادهم أو مساكنهم باركين على الركب، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ويتركهم القرآن على هيئتهم جاثمين، ليتحدث عن نبيهم صالح الذي كذبوه فيقول: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ. أى: فأعرض عنهم نبيهم صالح، ونفض يديه منهم، وتركهم للمصير الذي جلبوه على أنفسهم، وأخذ يقول متحسرا على ما فاتهم من الإيمان: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي كاملة غير منقوصة، ونصحت لكم بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى، ولكن كان شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم» . هذا وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول ﷺ قد مر على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة، فأمر أصحابه أن يدخلوها خاشعين وجلين كراهة أن يصيبهم ما أصاب أهلها، ونهاهم عن أن يشربوا من مائها. روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا

стр. 2134

القدور باللحم، فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم عن البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال: إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» «١» . وروى الشيخان عن ابن عمر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوزوا الوادي «٢» . وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين، وحلت العقوبة بمن كانوا يتعجلونها ويستهزئون بها. ثم حكت لنا السورة بعد ذلك جانبا مما دار بين لوط وقومه فقالت: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) قال ابن كثير: لوط. هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى

стр. 2135

الله- تعالى- ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم «حتى صنع ذلك أهل سدوم- وهي قرية بوادي الأردن- عليهم لعائن الله «١» » . وقوله- تعالى-: وَلُوطاً منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق أى: وأرسلنا لوطا وإِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ظرف لأرسلنا، وجوز أن يكون لُوطاً منصوبا باذكر محذوفا فيكون من عطف القصة على القصة، وإِذْ بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية. وقوله: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ. أى: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت نهاية القبح والفحش، والتي ما فعلها أحد قبلكم في زمن من الأزمان فأنتم أول من ابتدعها فعليكم وزرها ووزر من عملها إلى يوم القيامة، والاستفهام، للإنكار والتوبيخ قال عمر بن دينار: «ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط» . وقال الوليد بن عبد الملك: «لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا» والباء في بِها كما قال الزمخشري- للتعدية، من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومن قوله ﷺ : «سبقك بها عكاشة» ومِنْ في قوله: مِنْ أَحَدٍ لتأكيد النفي وعمومه المستغرق لكل البشر. والجملة- كما قال أبو السعود- مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح، فأنكر عليهم أولا إتيان الفاحشة، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها» . ثم أضاف لوط إلى إنكاره على قومه إنكارا آخر وتوبيخا أشنع فقال: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ. أى: إنكم أيها القوم لممسوخون في طبائعكم حيث تأتون الرجال الذين خلقهم الله ليأتوا النساء، ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة الخبيثة القذرة. والإتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع. من أتى المرأة إذا غشيها. وفي إيراد لفظ الرِّجالَ دون الغلمان والمردان ونحوهما، مبالغة في التوبيخ والتقريع.

стр. 2136

قال صاحب الكشاف: وشَهْوَةً مفعول له، أى للاشتهاء ولا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه. أو حال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة» «١» . وقوله: مِنْ دُونِ النِّساءِ حال من الرجال أو من الواو في تأتون، أى: تأتون الرجال حالة كونكم تاركين النساء اللائي هن موضع الاشتهاء عند ذوى الطبائع السليمة، والأخلاق المستقيمة. قال الجمل: وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث، لأن الله- تعالى- خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل. فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فقد أسرف وجاوز واعتدى، لأنه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له، لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة للإنسان» «٢» . وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عن الإنكار إلى الاخبار عن الأسباب التي جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهي أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء. أى: أنتم أيها القوم لستم ممن يأتى الفاحشة مرة ثم يهجرها ويتوب إلى الله بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم، لا تقفون عند حد الاعتدال في عمل من الأعمال. وقد حكى القرآن أن لوطا- ﵇ قال لهم في سورة العنكبوت: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ. وقال لهم في سورة النمل: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ أى: متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة. وقال لهم في سورة النمل: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش. ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط الخلق، وإيثار الغي والعدوان على الرشاد والتدبر.

стр. 2137

ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم، فقال: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ. أى: وما كان جواب الطغاة المستكبرين على نصائح نبيهم لوط- ﵇ إلا أن قال بعضهم لبعض أخرجوا لوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التي استوطنتموها وعشتم بها. وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا استثناء مفرغ من أعم الأشياء، أى: ما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم. لماذا هذا الإخراج؟ بين القرآن أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة، واتفقت عليه قلوبهم المنكوسة فقال: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ بهذه الجملة التعليلية. أى: إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال، وعن كل عمل من أعمالنا لا يرونه مناسبا لهم. يقال: تطهر الرجل، أى: تنزه عن الآثام والقبائح. وما أعجب العقول عند ما تنتكس، والأخلاق عند ما ترتكس، إنها تستنكف أن يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش، وتعمل على إخراجه، ليبقى لها الملوثون الممسوخون. وإنه لمنطق يتفق مع المنحرفين الذين انحطت طباعهم، وانقلبت موازينهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: وقولهم: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد» «١» . ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أى: أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين به. قالوا: ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال- تعالى-: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من أهله، أى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها. قال ابن كثير: إنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط- ﵇ ليسرى بأهله أمر أن

стр. 2138

لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال هاهنا: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أى: «الباقين في العذاب» «١» . والغابر: الباقي. يقال: غبر الشيء يغبر غبورا، أى «بقي» . وقد يستعمل فيما مضى- أيضا- فيكون من الأضداد، ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر. أى: الماضي. وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أى: وأرسلنا على قوم لوط نوعا من المطر عجيبا أمره، وقد بينه الله في آية أخرى بقوله: فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ «٢» . أى: جازيناهم بالعقوبة التي تناسب شناعة جرمهم فإنهم لما قلبوا الأوضاع فأتوا الرجال دون النساء، أهلكناهم بالعقوبة التي قلبت عليهم قريتهم فجعلت أعلاها أسفلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أى من طين متجمد. ثم ختمت القصة بالدعوة إلى التعقل والتدبر والاعتبار فقال- تعالى-: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ. أى: فانظر أيها العاقل نظرة تدبر واتعاظ في مآل أولئك الكافرين المقترفين لأشنع الفواحش، واحذر أن تعمل أعمالهم حتى لا يصيبك ما أصابهم وسر في الطريق المستقيم لتنال السعادة في الدنيا والآخرة. هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بقتل من يعمل عمل قوم لوط فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط. فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط. وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجم، سواء أكان محصنا أو غير محصن «٣» . ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصة شعيب مع قومه، فقالت:

стр. 2139

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) وقوله: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ومدين اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم- ﵇ وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام، وهم أصحاب الأيكة- والأيكة: منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية معان، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا. وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم فهو أخوهم في النسب وكان النبي ﷺ إذا ذكر شعيب قال: «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته. وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله- تعالى- ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق. وعن السدى وعكرمة: أن شعيبا أرسل إلى أمتين: أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة،

стр. 2140

وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة، وأنه لم يبعث نبي مرتين إلا شعيب- ﵇. ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة فأهل مدين هم أصحاب الأيكة أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة- أى السحابة-، وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر. وبعد أن دعاهم إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل في بدء دعوتهم قال لهم: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أى: قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي توجب عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما كانت معجزته؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، ولأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئا لا نبيا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر معجزات نبينا ﷺ فيه «١» . ثم أخذ في نهيهم عن أبرز المنكرات التي كانت متفشية فيهم فقال- كما حكى القرآن عنه-: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ الكيل والميزان مصدران أريد بهما ما يكال وما يوزن به، كالعيش بمعنى ما يعاش به. أو المكيل والموزون. أى: فأتموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أى: ولا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف الكيل ونقص الوزن فيما يجرى بينكم وبينهم من معاملات. يقال: بخسه حقه يبخسه إذا نقصه إياه. وظلمه فيه «وتبخسوا» تعدى إلى مفعولين أولهما الناس والثاني أشياءهم. وفائدة التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء، تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ضده. قال الآلوسى: وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوة. وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم. قيل ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا
следующие страницы →