← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

قال صاحب الكشاف: وشَهْوَةً مفعول له، أى للاشتهاء ولا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه. أو حال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة» «١» . وقوله: مِنْ دُونِ النِّساءِ حال من الرجال أو من الواو في تأتون، أى: تأتون الرجال حالة كونكم تاركين النساء اللائي هن موضع الاشتهاء عند ذوى الطبائع السليمة، والأخلاق المستقيمة. قال الجمل: وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث، لأن الله- تعالى- خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل. فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فقد أسرف وجاوز واعتدى، لأنه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له، لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة للإنسان» «٢» . وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عن الإنكار إلى الاخبار عن الأسباب التي جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهي أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء. أى: أنتم أيها القوم لستم ممن يأتى الفاحشة مرة ثم يهجرها ويتوب إلى الله بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم، لا تقفون عند حد الاعتدال في عمل من الأعمال. وقد حكى القرآن أن لوطا- ﵇ قال لهم في سورة العنكبوت: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ. وقال لهم في سورة النمل: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ أى: متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة. وقال لهم في سورة النمل: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش. ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط الخلق، وإيثار الغي والعدوان على الرشاد والتدبر.

стр. 2137

ولقد حكى القرآن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم، فقال: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ. أى: وما كان جواب الطغاة المستكبرين على نصائح نبيهم لوط- ﵇ إلا أن قال بعضهم لبعض أخرجوا لوطا ومن معه من المؤمنين من قريتكم سدوم التي استوطنتموها وعشتم بها. وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا استثناء مفرغ من أعم الأشياء، أى: ما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوهم. لماذا هذا الإخراج؟ بين القرآن أسبابه كما تفوهت به ألسنتهم الخبيثة، واتفقت عليه قلوبهم المنكوسة فقال: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ بهذه الجملة التعليلية. أى: إن لوطا وأتباعه أناس يتنزهون عن إتيان الرجال، وعن كل عمل من أعمالنا لا يرونه مناسبا لهم. يقال: تطهر الرجل، أى: تنزه عن الآثام والقبائح. وما أعجب العقول عند ما تنتكس، والأخلاق عند ما ترتكس، إنها تستنكف أن يبقى معها الطهور المتعفف عن الفحش، وتعمل على إخراجه، ليبقى لها الملوثون الممسوخون. وإنه لمنطق يتفق مع المنحرفين الذين انحطت طباعهم، وانقلبت موازينهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: وقولهم: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخار بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد» «١» . ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أى: أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين به. قالوا: ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال- تعالى-: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من أهله، أى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها. قال ابن كثير: إنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط- ﵇ ليسرى بأهله أمر أن

стр. 2138

لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال هاهنا: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أى: «الباقين في العذاب» «١» . والغابر: الباقي. يقال: غبر الشيء يغبر غبورا، أى «بقي» . وقد يستعمل فيما مضى- أيضا- فيكون من الأضداد، ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر. أى: الماضي. وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أى: وأرسلنا على قوم لوط نوعا من المطر عجيبا أمره، وقد بينه الله في آية أخرى بقوله: فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ «٢» . أى: جازيناهم بالعقوبة التي تناسب شناعة جرمهم فإنهم لما قلبوا الأوضاع فأتوا الرجال دون النساء، أهلكناهم بالعقوبة التي قلبت عليهم قريتهم فجعلت أعلاها أسفلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أى من طين متجمد. ثم ختمت القصة بالدعوة إلى التعقل والتدبر والاعتبار فقال- تعالى-: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ. أى: فانظر أيها العاقل نظرة تدبر واتعاظ في مآل أولئك الكافرين المقترفين لأشنع الفواحش، واحذر أن تعمل أعمالهم حتى لا يصيبك ما أصابهم وسر في الطريق المستقيم لتنال السعادة في الدنيا والآخرة. هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بقتل من يعمل عمل قوم لوط فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط. فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط. وذهب بعض العلماء إلى أنه يرجم، سواء أكان محصنا أو غير محصن «٣» . ثم قصت علينا سورة الأعراف بعد ذلك قصة شعيب مع قومه، فقالت:

стр. 2139

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) وقوله: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ومدين اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم- ﵇ وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام، وهم أصحاب الأيكة- والأيكة: منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية معان، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا. وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم فهو أخوهم في النسب وكان النبي ﷺ إذا ذكر شعيب قال: «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته. وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان فدعاهم إلى توحيد الله- تعالى- ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق. وعن السدى وعكرمة: أن شعيبا أرسل إلى أمتين: أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة،

стр. 2140

وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة، وأنه لم يبعث نبي مرتين إلا شعيب- ﵇. ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة فأهل مدين هم أصحاب الأيكة أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة- أى السحابة-، وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر. وبعد أن دعاهم إلى وحدانية الله شأن جميع الرسل في بدء دعوتهم قال لهم: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أى: قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي توجب عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما كانت معجزته؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، ولأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئا لا نبيا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر معجزات نبينا ﷺ فيه «١» . ثم أخذ في نهيهم عن أبرز المنكرات التي كانت متفشية فيهم فقال- كما حكى القرآن عنه-: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ الكيل والميزان مصدران أريد بهما ما يكال وما يوزن به، كالعيش بمعنى ما يعاش به. أو المكيل والموزون. أى: فأتموا الكيل والميزان للناس بحيث يعطى صاحب الحق حقه من غير نقصان، ويأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب الزيادة. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أى: ولا تنقصوهم حقوقهم بتطفيف الكيل ونقص الوزن فيما يجرى بينكم وبينهم من معاملات. يقال: بخسه حقه يبخسه إذا نقصه إياه. وظلمه فيه «وتبخسوا» تعدى إلى مفعولين أولهما الناس والثاني أشياءهم. وفائدة التصريح بالنهى عن النقص بعد الأمر بالإيفاء، تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ضده. قال الآلوسى: وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقا فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوة. وقد جاء عن ابن عباس أنهم كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم. قيل ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه. وكثير ممن ينتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا

стр. 2141

البخس، وليتهم قنعوا به بل جمعوا «حشفا وسوء كيلة» فإنا لله وإنا إليه راجعون «١» ثم نهاهم عن الإفساد بوجه عام فقال: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أى: لا تفسدوا في الأرض بما ترتكبون فيها من ظلم وبغى، وكفر وعصيان، بعد أن أصلح أمرها وأمر أهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون الذين يعدلون في معاملاتهم ويلتزمون الحق في كل تصرفاتهم. ثم ختمت الآية بتلك الجملة الكريمة التي استجاش بها شعيب مشاعر الإيمان في نفوس قومه حيث قال لهم: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. أى: ذلكم الذي آمركم به وأنهاكم عنه خير لكم في الحال والمآل فبادروا إلى الاستجابة لي إن كنتم مصدقين قولي، ومنتفعين بالهدايات التي جئت بها إليكم من ربكم. فاسم الإشارة ذلِكُمْ يعود إلى ما ذكر من الأمر بالوفاء في الكيل والميزان والنهى عن بخس الناس أشياءهم وعن الإفساد في الأرض. ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى كانوا متلبسين بها فقال: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ توعدون: من التوعد بمعنى التخويف والتهديد. أى: ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بي بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون بي وأنا نبيكم التهم التي أنا برىء منها، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي: إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم. وقوله: وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَها عِوَجاً أى: وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن به، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها، مع أنها هي الطريق المستقيم الذي هو أبعد ما يكون عن شائبه الاعوجاج. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: صراط الحق واحد وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ فكيف قيل: بكل صراط؟ قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه فإن قلت: إلام يرجع الضمير في آمَنَ بِهِ؟ قلت: إلى كل صراط، والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه. فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون عنه «٢» .

стр. 2142

وقوله: توعدون. وتصدون، وتبغون هذه الجمل أحوال، أى: لا تقعدوا موعدين وصادين، وباغين، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب، ثم ذكرهم شعيب بنعم الله عليهم فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أى: اذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلي العدد فكثركم الله بأن جعلكم موفورى العدد، وكنتم في قلة من الأموال فأفاضها الله بين أيديكم، فمن الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الإفساد فقال: وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أى: انظروا نظر تأمل واعتبار كيف كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية، والقرون الماضية، كقوم لوط وقوم صالح، فسترون أنهم قد دمروا تدميرا بسبب إفسادهم في الأرض، وتكذيبهم لرسلهم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ لأن سيركم على طريقهم سيؤدي بكم إلى الدمار. ثم نصحهم بأن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر، وأن يتركوا أتباعه أحرارا في عقيدتهم حتى يحكم الله بين الفريقين، فقال: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. أى: إن كان بعضكم قد آمن بما أرسلنى الله به إليكم من التوحيد وحسن الأخلاق، وبعضكم لم يؤمن بما أرسلت به بل أصر على شركه وعناده، فتربصوا وانتظروا حتى يحكم الله بيننا وبينكم بحكمه العادل، الذي يتجلى في نصرة المؤمنين، وإهلاك الظالمين، وهو- سبحانه- خير الحاكمين. قال صاحب الكشاف: وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ أو هو عظة للمؤمنين وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون خطابا للفريقين. أى: ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب «١» » . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت لنا جانبا من الحجج الناصعة، والنصائح الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة التي وجهها شعيب- خطيب الأنبياء- إلى قومه. وارجع البصر- أيها القارئ الكريم- في هذه النصائح ترى شعيبا- ﵇ يأمر قومه بوحدانية الله لأنها أساس العقيدة وركن الدين الأعظم، ثم يتبع ذلك بمعالجة الجرائم التي

стр. 2143

كانت متفشية فيهم، فيأمرهم بإيفائهم الكيل والميزان، وينهاهم عن بخس الناس أشياءهم وعن الإفساد في الأرض، وعن القعود في الطرقات لتخويف الناس وتهديدهم، وعن محاولة صرفهم عن طريق الحق، بإلقاء الشبهات، وإشاعة الأباطيل. مستعملا في وعظه التذكير بنعم الله تارة. وبنقمه من المكذبين تارة أخرى. ولقد كان من المنتظر أن يتقبل قوم شعيب هذه المواعظ تقبلا حسنا، وأن يصدقوه فيما يبلغه عن ربه، ولكن المستكبرين منهم عموا وصموا عن الحق، واستمع إلى القرآن وهو يحكى موقفهم فيقول: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٣] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) أى: قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له ردا على مواعظه لهم: والله لنخرجنك

стр. 2144

يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضا لكم، ودفعا لفتنتكم المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها. فعليك يا شعيب أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين: الإخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا. هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب. وجملة قالَ الْمَلَأُ إلخ. مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا كان رد قوم شعيب على نصائحه لهم؟ فكان الجواب: قال الملأ ... إلخ. وقد أكدوا قولهم بالجملة القسمية للمبالغة في إفهامه أنهم مصممون على تنفيذ ما يريدونه منه ومن أتباعه. ونسبوا الإخراج إليه أولا وإلى أتباعه ثانيا، للتنبيه على أصالته في ذلك، وأن الذين معه إنما هم تبع له، فإذا ما خرج هو كان خروج غيره أسهل. وجملة: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معطوفة على جملة لَنُخْرِجَنَّكَ وهي- أى جملة أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا المقصود الأعظم عندهم، فهؤلاء المستكبرون يهمهم في المقام الأول أن يعود من فارق ملتهم وديانتهم إليها ثانية. والتعبير بقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يقتضى أن شعيبا ومن معه كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها، وهذا محال بالنسبة لشعيب- ﵇ فإن الأنبياء معصومون- حتى قبل النبوة- عن ارتكاب الكبائر فضلا عن الشرك. وقد أجيب عن ذلك بأن المستكبرين قد قالوا ما قالوا من باب التغليب، لأنهم لما رأوا أن أتباعه كانوا من قبل ذلك على ملتهم ثم فارقوهم واتبعوا شعيبا، قالوا لهم: إما أن تخرجوا مع نبيكم الذي اتبعتموه وإما أن تعودوا إلى ملتنا التي سبق أن كنتم فيها، فأدرجوا شعيبا معهم في الأمر بالعودة إلى ملتهم من باب تغليبهم عليه هنا، هذا هو الجواب الذي ارتضاه كثير من العلماء وعلى رأسهم صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: كيف خاطبوا شعيبا ﵇ بالعود في الكفر في قولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا وكيف أجابهم بقوله: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها والأنبياء- ﵈ لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت: قالوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب- ﵇ جوابه فقال:

стр. 2145

إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب «١» . هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها: ١- أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم. ٢- أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاما لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب- ﵇ كان على طريق المشاكلة. ٣- أن قولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى «صار» فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارا مثلنا» . قال الإمام الرازي: تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكره، يريدون: قد صار منه المكر ابتداء. وقال صاحب الانتصاف: إنه يسلم استعمال «العود» بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله- تعالى-: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. والإخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره في هذه المواضع، تحقيق التمكن والاختيار لإقامة حجة الله على عباده» «٢» . هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول قوم شعيب أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ولعل أرجحها هو الرأى الذي اختاره صاحب الكشاف «لبعده عن التكلف، واتساقه مع رد شعيب عليهم» . فقد قال لهم:

стр. 2146

أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ. أى: أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة لا. لن نعود إليها بأى حال من الأحوال. فالهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، والتعجيب من أحوالهم الغريبة حيث جهلوا أن الدخول في العقائد اختياري محض ولا ينفع فيه الإجبار أو الإكراه. ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها. أى: قد اختلقنا على الله- تعالى- أشنع أنواع الكذب إن عدنا في ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الإشراك به- سبحانه-. قال صاحب المنار: وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية، وهو إنشاء في صورة الخبر. فإما أن يكون تأكيدا قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة في ملتهم، كما يقول القائل: برئت من الذمة إن فعلت كذا، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه في التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر، وأكد بقد والفعل الماضي، والمعنى ما أعظم افتراءنا على الله- تعالى- إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا إلى صراطه المستقيم» «١» . ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود في ملتكم الباطلة في حال من الأحوال أو في وقت من الأقوات إلا في حال أو في وقت مشيئة الله- المتصرف في جميع الشئون- عودتنا إليها، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هي الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب، الذي وسع علمه كل شيء. وهذا اللون من الأدب العالي، حكاه القرآن عن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في مخاطبتهم، فأنت ترى أن شعيبا- ﵇ مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبدا، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى الله تأدبا معه، فلا يجزم بمشيئته هو، بل يترك الأمر لله، فقد يكون في علمه سبحانه ما يخفى على البشر، مما تقتضيه حكمته وإرادته. قال صاحب الانتصاف: «وموقع قوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد: ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم، ونظيره

стр. 2147

قول إبراهيم- ﵇ «ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون» ، لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة، مجد الله- تعالى- بالانفراد بعلم الغائبات» «١» . ثم يترك شعيب- ﵇ قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتوجه إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ. أى: على الله وحده وكلنا أمرنا، فهو الذي يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا بالحق وأنت خير الحاكمين، لخلو حكمك عن الجور والحيف. فقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا إظهار للعجز من جانب شعيب، وأنه في مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده، ولا يأوى إلا إلى ركنه المكين، وحصنه الحصين. والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها. وقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن تبين له عنادهم وسفههم، وإقبال على الله- تعالى- بالتضرع والدعاء. والفتح: أصله إزالة الأغلاق عن الشيء، واستعمل في الحكم، لما فيه من إزالة الأشكال في الأمر. ومنه قيل للحاكم: فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق، وقيل للحكومة: الفتاحة- بضم الفاء وكسرها. أخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ما كنت أدرى قوله- تعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام: تعال أفاتحك، تريد أقاضيك وأحاكمك. وقوله: بِالْحَقِّ بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة. والخلاصة أنك إذا تأملت في رد شعيب- ﵇ على ما قاله المستكبرون من قومه، تراه يمثل أسمى ألوان الحكمة وحسن البيان، فهو يرد على وعيدهم وتهديدهم بالرفض التام لما يبغون، والبغض السافر لما يريدونه منه، ثم يكل الأمور كلها إلى الله، مظهرا الاعتماد عليه وحده، ثم يتجه إليه- سبحانه- بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذي مضت به سنته في التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين سائر المحقين والمبطلين. وهنا نلمح أن الملأ من قوم شعيب قد يئسوا من استمالة شعيب وأتباعه إلى ملتهم، فأخذوا

стр. 2148

يحذرون الناس من السير في طريقه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه الحكيم فيقول: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ. أى: قال الأشراف الكافرون من قوم شعيب لغيرهم: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ لشرفكم ومجدكم، بإيثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، وخاسرون لثروتكم وربحكم المادي. لأن اتباعكم له سيحول بينكم وبين التطفيف في الكيل والميزان وهو مدار غناكم واتساع أموالكم. وقولهم هذا يقصدون به تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة، وتقاليدهم البالية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فهم لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم. وقولهم هذا معطوف على قوله- تعالى- فيما سبق: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ. وليس ردا على شعيب، لأنه لو كان كذلك لجاء مفصولا بدون عطف، وقد أكدوا قولهم بعدة مؤكدات منها اللام الموطئة للقسم، والجملة الاسمية المصدرة بإن. وذلك لكي يخدعوا السامعين بأنهم ما يريدون إلا خيرهم وعدم خسرانهم. وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ وجواب الشرط؟ قلت: قوله: إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ساد مسد الجوابين» «١» . وبعد هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب وقومه، جاءت الخاتمة التي حكاها القرآن في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. أى: فأخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم هامدين صرعى لا حراك بهم. قال ابن كثير ما ملخصه: أخبر- سبحانه- هنا بأنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود بأنهم أخذتهم الصيحة، والمناسبة هناك- والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال في سورة الشعراء: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ فأخبر- سبحانه- أنهم أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة. وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض

стр. 2149

شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام» «١» . ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم: إن من يتبع شعيبا خاسر، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه، فيقول: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ. أى: الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالإخراج من قريتهم، كأنهم عند ما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا في ديارهم ناعمى البال، يظلهم العيش الرغيد، والغنى الظاهر. يقال: غنى بالمكان يغنى، أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد. والجملة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا فكأن سائلا، قال: فكيف كان مصيرهم؟ فكان الجواب: الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالإخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها، ولم يعيشوا فيها مطلقا، لأنه متى انقضى الشيء صار كأنه لم يكن. والاسم الموصول الَّذِينَ مبتدأ، وخبره جملة كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا. ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير، وللإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين فقال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ. أى: الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا، وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون. وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا، وقد صرح بإنجائه في سورة هود فقال: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. قال صاحب الكشاف: وفي هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم» . وأخيرا تطوى السورة الكريمة صفحتهم مشيعة إياهم بالتبكيت والإهمال من رسولهم وأخيهم في النسب فتقول: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ. الأسى: الحزن. وحقيقته اتباع الفائت بالغم. يقال: أسيت عليه- أسا، أى: حزنت عليه.

стр. 2150

والمعنى فأعرض عنهم شعيب بعد أن أصابهم ما أصابهم من النقمة والعذاب وقال مقرعا إياهم يا قوم: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي التي أرسلنى بها إليكم من العقائد والأحكام والمواعظ وَنَصَحْتُ لَكُمْ بما فيه إصلاحكم وهدايتكم «فكيف أحزن على قوم كافرين» بذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم، ولكنهم كرهوا النصح، واستحبوا العمى على الهدى. لا، لن آسى عليهم. ولن أحزن من أجل هلاكهم، لأنهم لا يستحقون ذلك. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصص نوح وهود، وصالح، ولوط، وشعيب مع أقوامهم. بعد أن بدأت بقصة آدم وإبليس وسنراها بعد قليل تحدثنا حديثا مستفيضا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. ويلاحظ أن سورة الأعراف قد اتبعت في حديثها عن هؤلاء الرسل الكرام التسلسل التاريخى، وذلك لأهداف من أهمها: ١- إبراز وحدة العقيدة في دعوة الأنبياء جميعا، فأنت رأيت أن كل رسول أتى قومه ليقول لهم: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، يقولها ثم يسوق لهم بأسلوبه الخاص أنصع الدلائل، وأقوى الحجج، وخير البراهين ومختلف وجوه الإرشاد، لكي يقنعهم بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه. ٢- تصوير وحدة طبيعة الإيمان ووحدة طبيعة الكفر في نفوس الناس على مدار التاريخ، فالمؤمنون يلتفون حول رسولهم يصدقون قوله، ويتأسون به في كل أحواله ويدافعون عن عقيدتهم بقوة وشجاعة، والكافرون يستكبرون أن يرسل الله رسولا من البشر، ويأبون بدافع الحقد والعناد والتطاول الاستجابة لرجل منهم، ويلقون التهم جزافا لكي يصرفوا الناس عنه. وهكذا نرى أن نفوس المؤمنين تتشابه في إخلاصها ونقائها وصفائها وحسن تقبلها للخير. بينما نفوس الكافرين تتشابه- أيضا- في ظلامها وقسوتها وفجورها وسوء تقبلها للهداية. ٣- بيان العاقبة الطيبة التي انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصبرهم وعملهم الطيب، والعاقبة السيئة التي حاقت بالكافرين المستكبرين، بسبب إعراضهم عن الحق، واستهزائهم بأصحابه، فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وبعد هذا الحديث الزاخر بالعظات والعبر عن بعض الأنبياء مع أقوامهم تمضى السورة الكريمة في سرد هداياتها، فتسوق للناس ألوانا من سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل، لعل قلوبهم

стр. 2151

ترق، ونفوسهم تتذكر، وعقولهم تعى. وكأن السورة الكريمة تقول للناس: لقد سقت لكم الكثير من أخبار الماضين. وقصصت عليكم ما فيه الذكر لكل قلب سليم من أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، وأريتكم كيف كانت عاقبة الأخيار، وكيف كانت عاقبة الأشرار، فاجتهدوا في طاعة الله، وسيروا في طريق الأخيار لتسعدوا كما سعدوا. واجتنبوا سبيل الأشرار حتى لا يصيبكم ما أصابهم، فقد جرت سنته- سبحانه- أنه يمهل ولا يهمل، وأن يبتلى الناس بالسراء والضراء لعلهم يضرعون، وأن يفتح أبواب خيراته وبركاته لمن آمن به واتقاه، وأبواب عقوباته لمن كفر به وعصاه. واستمع إلى السورة الكريمة وهي تصور هذه المعاني وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٤ الى ١٠٢] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)

стр. 2152

هذه هي الآيات التي جاءت في السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم، وقبل حديثها المستفيض- الذي سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل. وقد بدئت بقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ البأساء: الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر. والضراء: ما يضر الإنسان في بدنه أو معيشته كالمرض والمصائب. والمعنى: ذلك الذي قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين وقد جرت سنتنا أننا ما أرسلنا في قرية من نبي كذبه أهلها إلا أخذناهم وأنزلنا بهم قبل إهلاكنا لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله، ويثوبون إلى رشدهم، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه. فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم، إثر بيان أحوال الأمم التي سبق الحديث عنها وهي أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب- ﵈. والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم، لينزجروا عن الضلال والعناد، ويستجيبوا لله ولرسوله. وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام. وقوله: مِنْ نَبِيٍّ فيه حذف وإضمار والتقدير: من نبي كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله: إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها لا يترتب على الإرسال، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان. ومِنْ لتأكيد النفي.

стр. 2153

والاستثناء في قوله: إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها مفرغ من أعم الأحوال، وأَخَذْنا في موضع نصب على الحال من فاعل أَرْسَلْنا أى: وما أرسلنا- في قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها- نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء. قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم. وجملة لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ تعليلية. أى: فعلنا ما فعلنا لكي يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم. فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفي- تعالى الله عن ذلك- وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة، وتتعظ المشاعر الخامدة، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم، يتضرعون إليه ويستغفرونه، عما فرط منهم من خطايا. ثم بين- سبحانه- لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والأمراض. وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات. أى: ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم، وابتليناهم بضده، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة، واليسر مكان الحرج، والعافية بدل الضر، والذرية بدل العقم. والكثرة بدل القلة، والأمن محل الخوف. قال الآلوسى: وقوله: ثُمَّ بَدَّلْنا معطوف على أَخَذْنا داخل في حكمه، وهو- أى بدلنا- متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أى: أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها. ويرى بعض العلماء أن لفظ مَكانَ مفعول به لبدلنا وليس ظرفا، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة «١» . وقوله: حَتَّى عَفَوْا أى: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم. يقال: عفا النبات، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف. وأعفيته. أى: تركته يعفو ويكثر، ومنه قوله ﷺ : «واعفوا اللحى» أى: وفروها وكثروها. فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟ لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم، وانحطاط نفوسهم، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار، وبما بين أيديهم من

стр. 2154

سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول: وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ. أى: أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا في بأساء وضراء، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه، بل قالوا بغباء وجهل. قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وتناوبهم ما ينفع وما يضر، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا، وجاء دورنا في السراء فلنغنمها في إرواء شهواتنا. وإشباع متعنا، فتلك عادة الزمان في أبنائه ولا داعي لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار. وهذا شأن الغافلين الجاهلين في كل زمان ومكان، إنهم لا يعتبرون بأى لون من ألوان العبر، ولا يستشعرون في أنفسهم تحرجا من شيء يعملونه. وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة «حالة عدم المبالاة والاستهتار» وهي حالة أكثر ما تكون مشاهدة في أهل الرخاء والجاه. فهم يسرفون ويبذرون بدون تحرج، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون. هذا شأنهم، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك، وإنما هم كما وصفهم رسول الله ﷺ في قوله: «عجبا لأمر المؤمن: إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» . ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص، وإنما فاجأهم بالعقوبة التي تناسبهم، قال- تعالى-: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أى: فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة، من غير شعور منهم بذلك، ولا خطور شيء من المكاره ببالهم، لأنهم كانوا- لغبائهم- يظنون أنهم سيعيشون حياتهم في نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة، وأقوالهم الذميمة. فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا، لأنهم فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات. وجملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من المفعول به في فَأَخَذْناهُمْ مؤكدة لمعنى البغتة. ثم بين- سبحانه- أن سنته قد جرت بفتح أبواب خيراته للمحسنين، وبإنزال نقمه على المكذبين الضالين فقال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ.

стр. 2155

البركات: جمع بركة: وهي ثبوت الخير الإلهى في الشيء، وسمى بذلك لثبوت الخير فيه كما يثبت الماء في البركة. قال الراغب: ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة» «١» . والمعنى: ولو أن أهل تلك القرى المهلكة آمنوا بما جاء به الرسل. واتقوا ما حرمه الله عليهم، لآتيناهم بالخير من كل وجه. ولوسعنا عليه الرزق سعة عظيمة، ولعاشوا حياتهم عيشة رغدة لا يشوبها كدر، ولا يخالطها خوف. وفي قوله: لَفَتَحْنا استعارة تبعيه، لأنه شبه تيسير البركات وتوسعتها عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول. وقيل: المراد بالبركات السماوية المطر، وبالبركات الأرضية النبات والثمار وجميع ما فيها من خيرات. وقوله: وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بيان لموقفهم الجحودى. أى: ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاءوا لهدايتهم فكانت نتيجة تكذيبهم وتماديهم في الضلال أن عاقبناهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم واكتسابهم للمعاصي، فتلك هي سنتنا التي لا تتخلف، نفتح للمؤمنين المتقين أبواب الخيرات، وننتقم من المكذبين الضالين بفنون العقوبات. وقد يقال: إننا ننظر فنرى كثيرا من الكافرين والعصاة مفتوحا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ وألوان الخير، وترى كثيرا من المؤمنين مضيقا عليهم في الرزق وفي غيره من وجوه النعم، فأين هذا من سنة الله التي حكتها الآية الكريمة؟ والجواب على ذلك أن الكافرين والعصاة قد يبسط لهم في الأرزاق وفي ألوان الخيرات بسطا كبيرا، ولكن هذا على سبيل الاستدراج كما في قوله- تعالى-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. ومما لا شك فيه أن الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره في الآية السابقة ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا لا يقل خطرا عن الابتلاء بالشدة. فقد ابتلى الله كثيرا من الناس بألوان النعم فأشروا وبطروا ولم يشكروه عليها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

стр. 2156

وشتان بين نعم تساق لإنسان على سبيل الاستدراج في الشرور والآثام فتكون نقمة على صاحبها لأنه يعاقب عقابا شديدا بسبب سوء استعمالها، وبين النعم التي وعد بها من يؤمنون ويتقون. إنها نعم مصونة عن المحق والسلب والخوف، لأن أصحابها شكروا الله عليها. واستعملوها فيما خلقت له، فكانت النتيجة أن زادهم الله غنى على غناهم، وأن منحهم الأمان والاطمئنان وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم يتجه القرآن إلى الغافلين، ليوقظ فيهم مشاعر الخوف من بأس الله وعقابه فيقول: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. البيات: قصد العدو ليلا. يقال: بيت القوم بياتا، إذا أوقعوا به ليلا، وهو حال بمعنى بائتين. والاستفهام للإنكار والتعجيب من أمر ليس من شأنه أن يقع من العاقل، والمراد بأهل القرى: أهل مكة وغيرهم من القرى التي بعث إليها الرسول ﷺ . وقيل المراد بهم الأمة المحمدية من عصر النور الأعظم إلى يوم القيامة لتعتبر بما أنزل بغيرها كما يرشد إليه قوله- تعالى- بعد ذلك: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها. وقيل المراد بهم من ذكر حالهم فيما تقدم من القرى المهلكة بسبب ذنوبها. قال الجمل: والفاء للعطف على فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وما بينهما وهو قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى إلى هنا اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه جيء به للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور إنما هو بما كسبت أيديهم. والمعنى: أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون «١» ؟ فالآية الكريمة تحذر الناس من الغفلة عن طاعة الله، وتحثهم على التيقظ والاعتبار: وقوله: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ والتشديد أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أى: أن يأتيهم عقابنا في ضحوة النهار وانبساط الشمس، وهم لاهون لاعبون من فرط الغفلة. فقد خوفهم- سبحانه- بنزول العذاب بهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل فيه باللذات.

стр. 2157

وقوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ تكرير لمجموع الإنكارين السابقين، جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار. والمكر في الأصل الخداع، ويطلق على الستر يقال: مكر الليل أى: ستر بظلمته ما هو فيه، وإذا نسب إليه- سبحانه- فالمراد به استدراجه للعبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيها لذلك بالخداع. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ؟ قلت: هو تكرير لقوله: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ومكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له: مالي أراك لا تنام والناس ينامون؟ فقال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات. أراد قوله: أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً «١» . والمعنى: أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفى الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتا أو ضحوة؟ لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون، وعن سنن الله في خلقه غافلون، فإنه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أى: إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها الله في أنحاء هذا الكون. هذا، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر، لأنه استرسال في المعاصي اتكالا على عفو الله. وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس، لقوله- تعالى-: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ. ثم بين- سبحانه- أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها الذاهبين المهلكين، الذين أهلكتهم ذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم، وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا ويحسنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات. قال- تعالى-: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.

стр. 2158

الاستفهام للإنكار والتوبيخ. ويهد: أى يتبين، يقال: هداه السبيل أو الشيء وهداه إليه، إذا دله عليه وبينه له. أى: أو لم يتبين لهؤلاء الذين يعيشون على تلك الأرض التي ورثوها بعد أهلها المهلكين، أننا في قدرتنا أن ننزل بهم العذاب بسبب ذنوبهم كما أنزلناه بأولئك المهلكين. والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها، أهل مكة ومن حولها الذين أرسل النبي ﷺ لهدايتهم. وقيل المراد بهم الأحياء في كل زمان ومكان الذين يخلفون من سبقهم من الأمم. قال الجمل: وفاعل يَهْدِ فيه وجوه أظهرها: أنه المصدر المؤول من أن وما في حيزها والمفعول محذوف. والتقدير: أو لم يهد أى يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك» «١» . وقوله: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ جملة مستأنفة لإثبات حصول الطبع على قلوبهم. أى: ونحن نطبع على قلوبهم ونختم عليها، بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان، فهم لذلك لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ. والذي يتأمل في الآيات السابقة يراها تحذر الناس بأساليب متنوعة حكيمة من الغفلة عن العظات والعبر، وتحضهم على التخلص من الأمن الكاذب، والشهوات المردية. والمتع الزائلة. وما يريد القرآن بهذا أن يعيش الناس قلقين، يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار. كلا، ما يريد منهم ذلك لأن القلق الدائم من المستقبل، يشل طاقة البشر، وقد ينتهى بهم إلى اليأس من العمل والإنتاج وتنمية الحياة. وإنما الذي يريده القرآن منهم أن يتعظوا بآيات الله في كونه، وأن يكونوا دائما على صلة طيبة به، وأن يبتغوا فيما آتاهم الله من فضله الدار الآخرة دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وألا يغتروا بطراوة العيش، ورخاء الحياة، وقوة الجاه، كي لا يقودهم ذلك إلى الفساد والطغيان، والاستهتار والانحلال. وإذا كان القرآن في هذه الآية قد حذر وأنذر، فلأنه يعالج كل أمة وجماعة بالطب الذي يناسبها ويلائمها، فهو يعطيها جرعات من الأمن والثقة والطمأنينة حين يرسخ الإيمان في قلوب أبنائها، وحين يراقبون خالقهم في سرهم وعلنهم، ويشكرونه على نعمه، وهو يعطيها جرعات

стр. 2159

من التحذير والتخويف، حين تستولى الشهوات على النفوس، وحين تصبح الدنيا بمتعها ولذائذها المطلب الأكبر عند الناس. هذا وبعد أن انتهت السورة الكريمة من الحديث عما جرى لبعض الأنبياء مع أقوامهم، ومن بين سنن الله في خلقه، وبعد أن حذرت وأنذرت، اتجهت بالخطاب إلى رسول الله ﷺ لتطلعه على النتيجة الأخيرة لابتلاء تلك القرى، وما تكشف عنه من حقائق تتعلق بطبيعة الكفر وطبيعة الإيمان فقالت: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها. أى: تلك القرى التي طال الأمد على تاريخها، وجهل قومك أيها الرسول الكريم أحوالها. وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب، نقص عليكم ما فيه العظات والعبر من أخبارها. ليكون ذلك تسلية لك وتثبيتا لفؤادك، وتأييدا لصدقك في دعوتك. قال الزمخشري: قوله- تعالى-: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها كقوله: هذا بَعْلِي شَيْخاً في أنه مبتدأ وخبر وحال. ويجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبرا، وأن يكون الْقُرى نَقُصُّ خبرا بعد خبر. فإن قلت: ما معنى تِلْكَ الْقُرى؟ حتى يكون كلاما مفيدا. قلت: هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم. فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ قلت: معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك» «١» . وإنما قص الله- تعالى- على رسوله ﷺ أنباء أهل هذه القرى، لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول ﷺ ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم. ثم بين- سبحانه- أنه قد أعذر إليهم بأن وضح لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل فقال: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ أى: ولقد جاء إلى أهل تلك القرى رسلهم بالدلائل الدالة على صدقهم، فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات من رسلهم بما كانوا قد كذبوا به قبل رؤيتها منهم، لأنهم لجحودهم وعنادهم تحجرت قلوبهم، واستوت عندهم الحالتان: حالة مجيء الرسل بالمعجزات وحالة عدم مجيئهم بها. وقيل إن المعنى: ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، ونظيره قوله- تعالى- وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ. وقوله: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ أى: «مثل ذلك الطبع الشديد المحكم

стр. 2160

الذي طبع الله به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة، يطبع الله على قلوب أولئك الكافرين الذين جاءوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية. ثم كشف القرآن عن طبيعتهم فقال: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ. أى: ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء بعهودهم في الإيمان والتقوى، بل الحال والشأن أننا علمنا أن أكثرهم فاسقين، أى خارجين عن طاعتنا، تاركين لأوامرنا، منتهكين لحرماتنا. وبعضهم يجعل الضمير في أَكْثَرَهُمْ لأهل القرى المهلكة، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله بعهد نقضوه ولم يوفوا به. والأول أرجح. والمراد بالعهد ما عاهدهم الله عليه من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. ومن في قوله مِنْ عَهْدٍ مزيدة للاستغراق وتأكيد النفي. وإنما حكم على الأكثرين منهم بنقض العهود، لأن الأقلية منهم قد آمنوا ووفوا بما عاهدوا الله عليه من الإيمان والعمل الصالح. وهذا لون من الاحتراس الذي امتاز به القرآن في عرضه للحقائق، فهو لا يلقى التهم جزافا، وإنما يعطى كل ذي حق حقه، فإن كان الأكثرون قد استحقوا الذم لكفرهم ونقضهم لعهودهم، فإن هناك قلة آمنت فاستحقت المدح والثناء. قال الآلوسى: وإِنْ مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف، ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور. وذهب الكوفيون إلى أن إِنْ هنا نافية واللام في لَفاسِقِينَ بمعنى إلا، أى: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين» «١» . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة التي جاءت في أعقاب الحديث عن أهل القرى المهلكة، قد بينت لنا السنن الإلهية في سعادة الأمم وشقائها، وكشفت لنا عن حكمته- سبحانه- في ابتلائه لعباده بالسراء تارة وبالضراء أخرى، وحضت الناس على المراقبة لله وشكره على نعمائه، وحذرتهم من الغفلة والأمان من مكره- سبحانه- فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. ثم اتجهت في النهاية بالخطاب إلى رسول الله ﷺ . فأطلعته على الطبائع الغالبة في البشر حتى لا يضيق ذرعا بأحوال من أرسل إليهم. ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم،

стр. 2161

فحدثتنا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل بعد حديثها قبل ذلك عن شعيب الذي كان معاصرا لموسى- ﵉. فأنت ترى أن السورة الكريمة قد التزمت الترتيب التاريخى في حديثها عن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. ولقد قلنا من قبل إن الأسلوب البارز في هذه السورة الكريمة وهي تدعو الناس إلى وحدانية الله يتجلى في تذكيرهم بنعم الله التي لا تحصى، وتخويفهم عن طريق سرد أحوال الأمم المهلكة، بسبب مخالفتها لرسلها، وعتوها عن أمر ربها، ولعل هذا هو السر في أنها ساقت لنا قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أممهم الذين أهلكوا بسبب كفرهم ولم تذكر لنا- مثلا- قصة إبراهيم مع قومه مع أن لوطا- ﵇ كان معاصرا له، وذلك لأن قوم إبراهيم لم يهلكوا، ولم يلتمس هو من ربه ذلك، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون الله. فالسورة الكريمة قد التزمت في مجموعها الحديث عن مصارع المكذبين ليكونوا عبرة لكل عاقل، وذكرى لكل عبد منيب. ومن هنا فهي لا تحدثنا عن قصة موسى من أولها كما جاء في سورة القصص مثلا وإنما هي تبدأ حديثها عنها بالغرض الذي جاءت من أجله وهو التخويف من عواقب التكذيب فتقول: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. وهكذا تصرح السورة الكريمة في أول آية من قصة موسى بالهدف الذي سيقت من أجله وهو النظر والتدبر في عاقبة المفسدين. ثم بعد ذلك تحدثنا حديثا مستفيضا زاخرا بالعبر والعظات عما دار بين موسى وفرعون من محاورات ومجادلات انتهت بغرق فرعون وقومه، ثم عما دار بين موسى وبين بنى إسرائيل من مجادلات تدل على أصالتهم في الكذب والإفساد والفسوق عن أمر الله. والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل في نحو سبعين آية تبدؤها بقوله- تعالى-: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١٢٦] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)

стр. 2162

هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى ما دار بين موسى وفرعون من محاورات، وما دار بين موسى والسحرة من مناقشات ومساجلات انتهت بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق، وقلب سليم فيقولون- كما حكى القرآن عنهم-: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ. ولنبدأ في تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول: قوله- تعالى- ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة الكريمة. وموسى- ﵇ هو ابن عمران من نسل لاوى بن يعقوب. ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وان بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. وفرعون: لقب لملوك مصر القدماء، كلقب قيصر لملوك الروم، وكسرى لملوك الفرس، والمعنى: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم- وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب- بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التي تدل على صدقه فيما يبلغه عن ربه إلى فرعون وملئه، وهم اشراف قومه، ووجهاء دولته. قال بعض العلماء: «ولم يقل- سبحانه- إلى فرعون وقومه، لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل، وبيدهم أمرهم، وليس لسائر المصريين من الأمر شيء، ولأنهم كانوا مستعبدين- أيضا ولكن الظلم على بنى إسرائيل الغرباء كان أشد» «١» . وقوله بِآياتِنا متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا، أو صفة لمصدره. أى: بعثناه- ﵇ ملتبسا بها. أو بعثناه بعثا ملتبسا بها. والمراد بها الآيات التسع وهي العصا، واليد البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.

стр. 2163

ثم بين- سبحانه- في الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون وملؤه دعوة موسى وآياته فقال: فَظَلَمُوا بِها أى: فكفروا بهذه الآيات تكبرا وجحودا، فكان عليهم وزر ذلك، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى الكفر، إذ هما من واد واحد قال- تعالى- إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. ويجوز أن تكون الباء للسببية والمفعول محذوف، أى: ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرضوها للعقاب المهين. أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه الآيات، واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم. ثم ختمت الآية بالأمر بالتدبر في أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من سوء المصير فقال- تعالى- فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أى: فانظر أيها الرسول الكريم- أو أيها العاقل- كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين أفسدوا في الأرض، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم، وموسى وقومه ينظرون إليهم، وتلك عاقبة كل من طغى وآثر الحياة الدنيا. ووضع- سبحانه- المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للافساد. وكَيْفَ خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصدارة. وعاقبة، اسمها، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط حرف الجر، إذ التقدير: فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم. وهكذا نرى السورة الكريمة ترينا في أول آية من هذه القصة الغرض الذي سيقت من أجله وهو التدبر في عواقب المكذبين، والتخويف من المصير الذي ساروا إليه، وتنهى الناس في كل زمان ومكان عن السير على منوالهم. والسورة الكريمة عند ما ترينا ذلك في مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع أسلوبها الذي اختارته في دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق، وهو أسلوب التذكير بالنعم، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان- كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في التمهيد بين يدي السورة. ثم بعد هذا التنبيه الإجمالي إلى مآل المفسدين، أخذت السورة تحكى لنا ما دار بين موسى- ﵇ وبين فرعون بصورة مفصلة فقالت: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: قال موسى- ﵇ لفرعون في أدب واعتزاز إنى رسول من رب العالمين، أرسلنى إليك لأدعوك لعبادته والخضوع له. ثم بين له أنه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول إلا كلمة الحق فقال: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أى: جدير بألا أقول على الله إلا القول الحق.

стр. 2164

وحَقِيقٌ: صفة رَسُولٌ أو خبر لمبتدأ محذوف أى: أنا حقيق. أو خبر بعد خبر. وعَلى بمعنى الباء. وقرأ أبىّ «حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق» وقرأ عبد الله ابن مسعود «حقيق ألا أقول» . وقرأ نافع «حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق» أى: واجب وحق على أن لا أخبر عنه- تعالى- إلا بما هو حق وصدق. ثم قال: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أى: قد جئتكم بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقى فيما جئتكم به. وفي قوله مِنْ رَبِّكُمْ إشعار بأن ما جاء به من حجج وبراهين لم يكن من صنعه. وإنما هو من عند رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء. فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أى: قد جئتكم ببينة عظيمة الشأن في الدلالة على صدقى. فأطلق بنى إسرائيل من أسرك وأعتقهم من رقك وقهرك، ودعهم يخرجون أحرارا من تحت سلطانك ليذهبوا معى إلى دار سوى دارك. وإلى هنا يكون موسى- ﵇ قد بين لفرعون طبيعة رسالته وطالبه برفع الظلم عن المظلومين فماذا كان رد فرعون. يحكى القرآن رده فيقول: قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أى: بمعجزة تشهد بصدقك من عند من أرسلك كما تدعى فَأْتِ بِها أى: فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك أنك من الملتزمين لقول الحق. وعبر بإن المفيدة للشك في تحقيق مضمون الجملة الشرطية، للإيذان بأنه ليس معتقدا في صدق موسى- ﵇. وهنا يحكى لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون فقال: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ: أى فألقى موسى عصاه التي كانت بيده أمام فرعون فإذا هي ثعبان مبين، أى: ظاهر بين لا خفاء في كونه ثعبانا حقيقيا يسعى في خفة وسرعة كأنه جان. والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، وقيل: إنه الحية مطلقا. وقد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان وأحواله، إلا أننا أضربنا عنها صفحا لضعفها. ثم حكى القرآن معجزة أخرى لموسى تشهد بصدقة فقال: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ النزع: إخراج الشيء من مكانه. أى: وأخرج موسى يده من درعه بعد أن أدخلها فيه أو من طوق قميصه، أو من إبطه فإذا هي بيضاء بياضا عجيبا خارقا للعادة من غير أن يكون

стр. 2165

بها علة من مرض أو غيره. قيل: إنه كان لها شعاع يغلب ضوء الشمس. قال الآلوسى: قوله فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أى: بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار. وقيل المعنى: بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها، لأنه- ﵇ كان آدم- أى أسمر- شديد الأدمة فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر قال رسول الله ﷺ «وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط» وعنى ﷺ بالزط جنسا من السودان والهنود» «١» . وبذلك يكون موسى قد أتى بالبينة التي تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به فهل آمنوا؟ كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا في ضلالهم، وحكى لنا القرآن أن حاشية فرعون السيئة، وأصحاب الجاه والغنى في دولته غاظهم ما جاء به موسى، يدل على ذلك قوله- تعالى- قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. أى: قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم، أى: راسخ في علم السحر، ماهر فيه. ولم يكتفوا بهذا القول الباطل، بل أخذوا يثيرون الناس على موسى، ويهولون لهم الأمر ليقفوا في وجهه فقالوا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ. أى: يريد هذا الساحر أن يسلب منكم ملككم، وأن يصبح هو ملكا على مصر، فماذا تأمرون لاتقاء هذا الخطر الداهم؟ وبماذا تشيرون في أمره؟ فهو من الأمر بمعنى المشاورة. يقال: آمرته فآمرنى. أى: شاورته فأشار على. قال صاحب الكشاف: فإن قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء حيث قال: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ أى قال فرعون للملأ حوله إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ؟ وهنا عزى إلى الملأ فكيف الجمع، قلت: قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله هناك وقولهم هاهنا. أو قاله ابتداء فتلقفه منه الملأ فقالوه لأعقابهم. أو قالوه عنه للناس عن طريق التبليغ كما يفعل الملوك، يرى الواحد منهم الرأى فيكلم به من يليه من الخاصة، ثم تبلغه الخاصة العامة ... وقولهم: فَماذا تَأْمُرُونَ من أمرته فأمرنى بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأى: وقيل: فَماذا تَأْمُرُونَ من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له: إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم «كأنه قيل: فماذا تأمرون؟ فأجابوه: أرجه وأخاه..» «٢» .

стр. 2166

ثم حكى القرآن ما أشار به الملأ من قوم فرعون فقال: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ. أرجه: أصله أرجئه- وقد قرئ به- حذفت الهمزة وسكنت الهاء، تشبيها للضمير المنفصل بالضمير المتصل. والإرجاء التأخير. يقال: أرجيت هذا الأمر وأرجأته، إذا أخرته. ومنه تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ. والمدائن: أى: البلاد جمع مدينة، وهي من مدن بالمكان- كنصر- إذا أقام به، وحاشِرِينَ أى: جامعين، يقال. حشر الناس- من باب نصر وضرب- يحشرهم حشرا إذا جمعهم، ومنه: يوم الحشر والمحشر. والمعنى: قال الملأ من قوم فرعون حين استشارهم في أمر موسى: أخر أمره وأمر أخيه ولا تتعجل بالقضاء في شأنهما، وأرسل في مدائن ملكك رجالا أو جماعات من الشرطة يجمعون إليك السحرة المهرة، لكي يقفوا في وجه هذا الساحر العليم، ويكشفوا عن سحره ويبطلوه بسحر مثله أو أشد» وكان السحر في عهد فرعون من الأعمال الغالبة التي يحسنها كثير من أهل مملكته. وقال بعضهم: الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر، وهو الهم بقتله، فقالوا له: أخره ليتبين حاله للناس. وقال القاسمى: تدل الآية على معجزة عظيمة لموسى، وتدل على جهل فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه إلا الله وتدل على أن من عادة البشر أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه، فلذلك دعا فرعون بالسحرة وتدل على أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، لذلك قالوا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك الدين، المحافظة على الرياسة والمال والجاه كما هي عادة الناس في هذا الزمن» «١» . وقوله فِي الْمَدائِنِ متعلق بأرسل، وحاشِرِينَ نعت لمحذوف أى: رجالا حاشرين. ومفعوله محذوف. أى: حاشرين السحرة، بدليل ما بعده. ولا يذكر السياق القرآنى بعد ذلك أنهم أرسلوا إلى السحرة، ولا أنهم جمعوهم، وإنما يترك ذلك للعقل يفهمه حيث لا داعي لذكر هذه التفاصيل. ويتجه القرآن إلى الحديث عما دار بين السحرة وبين فرعون بعد أن جمعوا من مدائن الصعيد بمصر حيث كان مقرهم هناك فيقول:

стр. 2167

وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا: إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ. قالَ: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. أى: وأقبل السحرة سريعا على فرعون بعد أن أرسل إليهم فقالوا له بلغة المحترف الذي مقصده الأول مما يعمله الأجر والعطاء: إن لنا لأجرا عظيما إن كانت لنا الغلبة على هذا الساحر العليم؟ فهم يستوثقون أولا من جزالة الأجر وضخامته. وهنا يجيبهم فرعون بقوله: نعم لكم أجر مادى جزيل إذا انتصرتم عليه، وفضلا عن ذلك فأنتم تكونون بهذا الانتصار من الظافرين بقربى وجواري. فهو يغريهم بالأجر المادي ويعدهم بالقرب المعنوي من قلبه تشجيعا لهم على الإجادة، وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والمهارة والتضليل، وإنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة الغالبة التي لا يستطيع الوقوف في وجهها الساحرون ولا المتجبرون وغيرهم. هذا، وقد اختلف المفسرون في عدد هؤلاء السحرة فقيل، كانوا اثنين وسبعين ساحرا، وقيل كانوا أكثر من ذلك بكثير. وبعد أن اطمأن السحرة على الأجر، وتطلعت نفوسهم إليه، يحكى لنا القرآن أنهم توجهوا إلى موسى بلغة الواثق من قوته، المتحدى لخصمه: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. أى: أنت يا موسى مخير بين أن تلقى عصاك أولا وبين أن نلقى نحن أولا وأنت تفعل ما تشاء بعدنا، وكأنهم يقولون له: وفي كلتا الحالتين فنحن على ثقة من الفوز والنصر فأرح نفسك واستسلم لنا مقدما. ويرى الزمخشري أن تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا في الصراع «١» . ولقد حكى لنا القرآن في سورة طه أن موسى نصحهم بعدم الدخول معه في معركة هم الخاسرون فيها قطعا فقال: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى «٢» . أما هنا فيحكى لنا القرآن أن موسى- ﵇ قد طلب منهم أن يلقوا أولا مستهينا بتحديهم له، غير مبال بهم ولا بمن جمعهم، لأنه قد اعتمد على خالقه قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ.

стр. 2168

أى: قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أولا، فلما ألقوا ما كان معهم من الحبال والعصى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أى: خيلو إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، ولذا لم يقل- سبحانه- سحروا الناس. وقوله وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أى: خوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر. وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أى: في باب السحر، أو في عين من رآه، فإنه ألقى كل واحد منهم عصاه، فصارت كأنها ثعابين. والتعبير بقوله- سبحانه- وَاسْتَرْهَبُوهُمْ تعبير مصور بليغ، فهو يوحى بأنهم استجاشوا وجدان الناس قسرا، وساقوهم سوقا بوسائل مصطنعة مفتعلة لا تستند إلى واقع سليم. روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. وروى أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة. قيل. جعلوا فيها الزئبق. وقال بعض العلماء: قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملؤها نارا، فلما طرحت عليها العصى المجوفة المملوءة بالزئبق حركها، لأن شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقته. فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية» «١» . ويمضى القرآن فيبين لنا أن هذا السحر العظيم الذي استرهب الناس وسحر أعينهم، قد تهاوى في لحظة، وانطوى في ومضة، وزالت آثاره بعد أن قذفه موسى بسلاح الحق الذي سلحه به ربه، استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك فيقول: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ. اللقف: التناول بسرعة. يقال: لقف الشيء يلقفه لقفا ولقفانا، أخذه بسرعة. والإفك: الكذب. يقال أفك يأفك، وأفك يأفك إفكا وأفكا- كضرب وعلم- إذا كذب، وأصله من الأفك- بفتح أوله- وهو بمعنى صرف الشيء عن وجهه الذي يجب أن يكون عليه. واطلق على الكذب إفك- بكسر الهمزة- لكونه مصروفا عن وجه الحق، ثم صار حقيقة فيه. والمعنى: وأوحينا إلى موسى- بعد أن أوجس خيفة مما رآه من أمر السحرة- أن الق عصاك ولا تخف إنك أنت الأعلى، فألقاها فإذا هي تبتلع وتلتقم بسرعة ما يكذبون ويموهون به أولئك السحرة فَوَقَعَ الْحَقُّ أى: ظهر وتبين وثبت الحق الذي عليه موسى- وفسد وبطل ما كانوا

стр. 2169

يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره. وترتب على ذلك أن أصابت الهزيمة المنكرة فرعون وملأه وسحرته في ذلك المجمع العظيم، الذي حشر الناس له في يوم عيدهم وزينتهم، وانقلب الجميع إلى بيوتهم صاغرين أذلاء، بعد أن أنزل بهم موسى الخذلان والخيبة. وان قوله أَنْ أَلْقِ يجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء، ويجوز أن تكون مصدرية فتكون هي وما بعدها مفعول الإيحاء. والفاء في قوله فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ فصيحة أى: فألقاها فصارت حية فإذا هي تلقف ما يأفكون. وإنما حذف هذا المقدر للإيذان بمسارعة موسى إلى الإلقاء، وبغاية سرعة الانقلاب، كأن ابتلاعها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالإلقاء. وما في قوله ما يَأْفِكُونَ موصولة والعائد محذوف أى: الذي يأفكونه، أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أى: فإذا هي تلقف المأفوك. وفي التعبير بقوله- سبحانه- فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تجسيم لهذا الحق الذي كان عليه موسى، وتثبيت واستقرار له، حتى لكأنه شيء ذو ثقل نزل على شيء آخر خفيف الوزن فأزاله ومحاه من الوجود. وهذه الآيات الكريمة تصور لنا كيف أن الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف. ولكن ما إن يواجهه الحق الهادئ الثابت المستقر بقوته التي لا تغالب حتى يزهق ويزول، وينطفئ كشعلة الهشيم، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصغار، وهم يرون صروحهم تتهاوى، وآمالهم تتداعى، أمام نور الحق المبين، وإذا بتحديهم الصريح، وتطاولهم الأحمق يتحول إلى استسلام مهين، وذل مشين. ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف السحرة بعد أن رأوا بأعينهم أن ما فعله موسى- ﵇ ليس من قبيل السحر فقال: فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أى: خروا سجدا، كأنما- كما قال الزمخشري- قد ألقاهم ملق لشدة خرورهم أو لم يتمالكوا أنفسهم مما رأوا فكأنهم ألقوا. والمراد أن ظهور بطلان سحرهم، وإدراكهم بأن موسى على الحق، قد حملهم على السجود لله- تعالى- وأن نور الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان حتى لكأن أحدا قد دفعهم إليه دفعا، وألقاهم إليه إلقاء. وقوله قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ أى: قال السحرة بعد أن تبين لهم

стр. 2170

الحق وخروا ساجدين لله، آمنا بمالك أمر العالمين ومدبر شئونهم، والمتصرف فيهم، وجملة رَبِّ مُوسى وَهارُونَ بدل من الجملة التي قبلها، أو صفة لرب العالمين، أو عطف بيان. وفائدة ذلك نفى توهم من يتوهم أن رب العالمين قد يطلق على غير الله- تعالى- كقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. وهكذا نرى أثر الحق عند ما تخالط بشاشته القلوب الواعية، لقد آمن السحرة وصرحوا بذلك أمام فرعون وشيعته، لأنهم أدركوا عن يقين قطعى أن ما جاء به موسى- ﵇ ليس من قبيل السحر، والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تتكشف له، ومن هنا فقد تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق أمام صولة الحق الذي لا يجحده إلا مكابر حقود. ولكن فرعون وملؤه لم يرقهم ما شاهدوا من إيمان السحرة، ولم يدركوا لانطماس بصيرتهم فعل الإيمان في القلوب، فأخذ يتوعدهم بالموت الأليم ويحكى القرآن ذلك فيقول: قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أى: قال فرعون منكرا على السحرة إيمانهم، آمنتم برب موسى وهارون قبل أن آمركم أنا بذلك؟ فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى استئذان. ثم أضاف إلى ذلك اتهامهم بأن إيمانهم لم يكن عن إخلاص ليصرف الناس عنهم فقال: إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أى: إن ما صنعتموه من الإيمان برب موسى وهارون ليس عن اقتناع منكم بذلك، بل هو حيلة احتلتموها أنتم وموسى قبل أن يلقى كل منكم بسحره، لكي تخرجوا من مصر أهلها الشرعيين، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل. وغرضه من هذا القول إفهام قبط مصر أن إيمان السحرة كان عن تواطؤ مع موسى، وأنهم يهدفون من وراء ذلك إلى إخراجهم من أوطانهم، فعليهم. - أى القبط- أن يستمسكوا بدينهم وأن يعلنوا عداوتهم لموسى وللسحرة ولبنى إسرائيل. ولا شك أن هذا لون من الكذب الخبيث أراد من ورائه فرعون صد الناس عن الإيمان بموسى- ﵇. ثم أتبع هذا الاتهام الباطل بالوعيد الشديد فقال: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أى: فسوف تعلمون عاقبة ما فعلتم. ثم فصل هذا الوعيد بقوله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ. أى: أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضوا مغايرا للآخر، كاليد من الجانب الأيمن، والرجل من الجانب الأيسر، ثم لأصلبنكم أجمعين تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم. ومع أن

стр. 2171

فرعون قد توعد هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسي البطيء المرهوب، فإننا نراهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل، والإيمان العميق، والاستهانة ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثبات واطمئنان: إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ قال صاحب الكشاف: فيه أوجه: أن يريدوا إنا لا نبالى بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك. أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب. أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه» «١» . ثم قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا أى: وما تكره منا وتعيب إلا الإيمان بالله، مع أن ما تكرهه منا وتعيبه علينا هو أعظم محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك. يقال: نقم عليه أمره، ونقمت منه نقما- من باب ضرب- عبته وكرهته أشد الكراهة. قال الجمل: وقوله إِلَّا أَنْ آمَنَّا يجوز أن يكون في محل نصب مفعول به، أى: ما تعيب علينا إلا إيماننا. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. أى: ما تنال منا وتعذبنا لشيء من الأشياء إلا لإيماننا. وعلى كل من القولين فهو استثناء مفرغ» «٢» . ثم ختموا مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى الله- تعالى- فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أى: يا ربنا أفض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك، وتوفنا إليك حالة كوننا مسلمين لك مذعنين لأمرك ونهيك، مستسلمين لقضائك. وبذلك يكون السحرة قد ضربوا للناس في كل زمان ومكان أروع الأمثال في التضحية من أجل العقيدة، وفي الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة، وفي الصبر على المكاره والآلام، وفي المسارعة إلى الدخول في الطريق الحق بعد أن تبين لهم، وفي التعالي عن كل مغريات الحياة. قال قتادة: كانوا في أول النهار كفارا سحرة. وفي آخره شهداء بررة، فرضي الله عنهم وحشرنا في زمرتهم. وبعد هذا الحديث الذي ساقته السورة عما دار بين موسى وفرعون، وبين موسى والسحرة، والذي انتهى بإيمان السحرة برب العالمين بعد ذلك بدأت السورة تحكى لنا ما قاله الملأ من قوم فرعون بعد هزيمتهم المنكرة، وما قاله موسى- ﵇ لقومه بعد أن بلغهم وعيد فرعون وتهديده لهم، وما رد به قومه عليه مما يدل على سفاهتهم فقالت:

стр. 2172

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٢٧ الى ١٢٩] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) قوله- تعالى- وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ. أى: قال الزعماء والوجهاء من قوم فرعون له، بعد أن أصابتهم الهزيمة والخذلان في معركة الطغيان والإيمان، قالوا له على سبيل التهييج والإثارة: أتترك موسى وقومه أحرارا آمنين في أرضك، ليفسدوا فيها بإدخال الناس في دينهم، أو جعلهم تحت سلطانهم ورئاستهم. روى أنهم قالوا له ذلك بعد أن رأوا عددا كبيرا من الناس، قد دخل في الإيمان متبعا السحرة الذين قالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. وقوله وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ معناه: أتتركهم أنت يعبدون رب موسى وهارون، ويتركون عبادتك وعبادة آلهتك، فيظهر للناس عجزك وعجزها، فتكون الطامة الكبرى التي بها يفسد ملكك. قال السدى: إن فرعون كان قد صنع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها، وسمى نفسه الرب الأعلى. وقال الحسن إنه كان يعبد الكواكب ويعتقد أنها المربية للعالم السفلى كله، وهو رب النوع الإنساني.

стр. 2173

وقد قرئ وَيَذَرَكَ بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه معطوف على لِيُفْسِدُوا وأما الرفع فعلى أنه عطف على أَتَذَرُ أو على الاستئناف، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أى: وهو يذرك. والمتأمل في هذا الكلام الذي حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون، يراه يطفح بأشد ألوان التآمر والتحريض. فهم يخوفونه فقدان الهيبة والسلطان بتحطيم الأوهام التي يستخدمها السلطان، لذا نراه يرد عليهم بمنطق الطغاة المستكبرين فيقول: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ. أى: لا تخافوا ولا ترتاعوا أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك، وسننزل بهم ما كنا نفعله معهم من قبل وهو تقتيل الأبناء، وترك النساء أحياء، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما تغير شيء من حالنا، فهم الضعفاء ونحن الأقوياء، وهم الأذلة ونحن الأعزة. فأنت ترى أن ما قاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء في كل عهود الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية الله إفساد في الأرض، لأنها ستأتى على بنيانهم من القواعد. ولأنها هي الدعوة إلى وحدانية الله التي ستحرر الناس من ظلمهم وجبروتهم، وتفتح العيون على النور الذي يخشاه أولئك الفاسقون. وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطغاة المستكبرين دائما. فهم يلجئون إلى قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم، وشهواتهم، وسلطانهم القائم على الظلم، والبطش، والمنافع الشخصية. ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى- ﵇؟ لقد حكى القرآن عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر، ولوح لهم بالنصر. استمع إلى القرآن وهو يحكى قول موسى- ﵇ فيقول: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. أى: قال موسى لقومه على سبيل التشجيع والتسلية حين ضجوا وارتعبوا من تهديدات فرعون وملئه: يا قوم استعينوا بالله في كل أموركم. واصبروا على البلاء، فهذه الأرض ليست ملكا لفرعون وملئه، وإنما هي ملك لله رب للعالمين، وهو- سبحانه- يورثها لمن يشاء من عباده، وقد جرت سنته- سبحانه- أن يجعل العاقبة الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحدا سواه. بهذا الأسلوب المؤثر البليغ، وبهذه الوصايا الحكيمة، وصى موسى قومه بنى إسرائيل فماذا كان ردهم عليه؟ لقد كان ردهم يدل على سفاهتهم، فقد قالوا له: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا أى: قال بنو إسرائيل لموسى ردا على نصيحته لهم: لقد أصابنا الأذى من

стр. 2174

فرعون قبل أن تأتينا يا موسى بالرسالة، فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير من أبنائنا وأنزل بنا ألوانا من الظلم والاضطهاد وأصابنا الأذى بعد أن جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا. واشتغالنا بالأشغال الحقيرة المهينة، فنحن لم نستفد من رسالتك شيئا، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح التي لا جدوى من ورائها؟. ومع هذا الرد السفيه من قوم موسى عليه، نراه يرد عليهم بما يليق به فيقول: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ فرعون الذي فعل بكم ما فعل من أنواع الظلم، وتوعدكم بما توعد من صنوف الاضطهاد. وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أى يجعلكم خلفاء فيها من بعد هلاكه هو وشيعته. فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أى: فيرى- سبحانه- الكائن منكم من العمل، حسنه وقبيحه، ليجازيكم على حسب أعمالكم، فإن استخلافكم في الأرض من بعد هلاك أعدائكم ليس محاباة لكم، وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان، فإن أحسنتم زادكم الله من فضله، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم. وفي التعبير «بعسى» الذي يدل على الرجاء، أدب عظيم من موسى مع ربه- : وتعليم للناس من بعده أن يلتزموا هذا الأدب السامي مع خالقهم، وفيه كذلك منع لهم من الاتكال وترك العمل، لأنه لو جزم لهم في الوعد فقد يتركون السعى والجهاد اعتمادا على ذلك. وقيل: إن موسى ساق لهم ما وعدهم به في صيغة الرجاء لئلا يكذبوه، لضعف نفوسهم بسبب ما طال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه، واستعظامهم لملكه وقوته، فكأنهم يرون أن ما قاله لهم موسى مستبعد الحصول، لذا ساقه لهم في صورة الرجاء. ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك فتحدثنا في بضع آيات عن العذاب الذي أخذ الله به آل فرعون بسبب ظلمهم وطغيانهم، وكيف أن الله- تعالى- قد حقق لموسى رجاءه، وكيف أن أولئك الظالمين لم يمنعهم العذاب الذي نزل بهم من ارتكاب المنكرات والآثام. [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٧] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)

стр. 2175

تدبر معنا أيها القارئ الكريم تلك الآيات الكريمة التي تحكى كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر. قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يعنى الجدب، وهذا معروف في اللغة، يقال: أصابتهم سنة، أى: جدب. وتقديره: جدب سنة، وفي الحديث «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه
следующие страницы →