← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

من وراء جهادهم فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم، وأن يفوضوا الأمر فيها لله ورسوله عن إذعان وتسليم. وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء، وأن المراد بالأنفال ما شرط للغازى زيادة على سهمه، وأن حرف «عن» زائد، أو هو بمعنى من، فيكون المعنى: يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفال التي وعدتهم بها زيادة على سهامهم فيها. قل لهم: الأنفال لله ولرسوله. والذي نراه أن الرأى الأول أرجح وذلك لأمور منها: ١- بعض الروايات التي وردت في أسباب نزول هذه الآية تؤيده تأييدا صريحا، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال: «فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا. فجعله إلى الرسول ﷺ فقسمه بين المسلمين عن بواء» . ٢- ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها وأثرها بين المسلمين والكافرين، وكانت غنائمها الضخمة التي ظفر بها المؤمنون من المشركين، حافزا لسؤال بعض المؤمنين رسولهم ﷺ عن حكمها وعن المستحق لها. ٣- ولأن الجواب عن السؤال بقوله- تعالى-: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها، إذ أن هذا الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى الله ورسوله دون تدخل أحد سواهما. ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جوابا له، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله والرسول لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه، لأنهم إنما يسألونه بموجب شرطه لهم الصادر عنه بإذن الله- تعالى- لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور» «١» . ٤- ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.. إلخ» يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا في شأنها، فهو- سبحانه- ينهاهم عن هذا التنازع، ويأمرهم بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضب الله ... ولو كان السؤال للاستعطاء- بناء على ما شرطه الرسول ﷺ لبعضهم زيادة على سهامهم- لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه.

стр. 2312

٥- ولأن الآية الكريمة بمنطوقها الواضح، وبتركيبها البليغ، وبتوجيهها السامي، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها.. أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه. والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة- كما سبق أن بينا-: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم، ومن المستحق لها؟ قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها، فهو- سبحانه- العليم بمصالح عباده، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ؟ قلت: معناه أن حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأى أحد، والمراد: «أن الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي» «١» . وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حض لهم على تقوى الله وامتثال أمره، وإصلاح ذات بينهم، وتحذير لهم من الوقوع في المعاصي والنزاع والخلاف. وكلمة ذاتَ بمعنى حقيقة الشيء ونفسه، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر، كذات الصدور، وذات الشوكة. وكلمة بَيْنِكُمْ، من البين، وهو مصدر بان يبين بينا، متى بعد، ويطلق على الاتصال والفراق، أى: على الضدين، ومنه قول الشاعر: فو الله لولا البين لم يكن الهوى ... ولولا الهوى ما حس للبين آلف والمراد به في الآية الاتصال. أى: فاتقوا الله- أيها المؤمنون-، وأصلحوا نفس ما بينكم وهي الحال والصفة التي بينكم والتي تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام. وإصلاحها يكون بما يقتضيه كمال الإيمان من الموادة والمصافاة، وترك الاختلاف والتنازع، والتمسك بفضيلة الإيثار.

стр. 2313

وكلمة ذاتَ على هذا المعنى مفعول به. ومنهم من يرى أن كلمة «ذات» بمعنى صاحبة، وأنها صفة لمفعول محذوف، فيكون المعنى: فاتقوا الله وأصلحوا أحوالا ذات بينكم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «فإن قلت: ما حقيقة قوله: ذاتَ بَيْنِكُمْ. قلت: أحوال بينكم، يعنى ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومودة واتفاق. كقوله: بِذاتِ الصُّدُورِ وهي مضمراتها. ولما كانت أحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون ما في الإناء من الشراب..» «١» . وقوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ معطوف على ما قبله، وهو قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ. أى: فاتقوا الله- أيها المؤمنون- في كل أقوالكم وأفعالكم، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة ومودة، وأطيعوا الله ورسوله في حكمه الذي قضاه في الأنفال وفي غيرها، من كل أمر ونهى، وقضاء وحكم ... وقد كرر- سبحانه- الاسم الجليل في هذه الآية ثلاث مرات، لتربية المهابة في القلوب، وتعليل الحكم حتى تقبله النفوس بإذعان وتسليم. وذكر- سبحانه- رسوله معه مرتين في هذه الآية، لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأن طاعته ﷺ طاعة لله- تعالى-، ومخالفته مخالفة لأمر الله- تعالى-. قال- سبحانه-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «٢» . ووسط- سبحانه- الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة، لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالأوامر الثلاثة السابقة، وهي: التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أى: إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة السابقة.

стр. 2314

قال الآلوسى: قوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جوابه محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه، أو المذكور هو الجواب على الخلاف المشهور. وأيا ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفى في التعليق بالشرط. والمراد بالإيمان: التصديق. ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر، على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة. وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر، فالمعنى: إن كنتم كاملى الإيمان، فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء، والإصلاح، وإطاعة الله- تعالى-. ويؤيد إرادة الكمال قوله- سبحانه- بعد ذلك إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ... إذ المراد به قطعا الكاملون في الإيمان وإلا لم يصح الحصر..» «١» . وعلى أية حال ففي هذا التذييل تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على الامتثال والطاعة، ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا، متفقا مع كل ما جاءهم به رسولهم ﷺ من هدايات وإرشادات، ومتساميا عن كل ما يخدش صفاءه ونقاءه من متع وشهوات. ثم وصف- سبحانه- المؤمنين الصادقين بخمس صفات، وبشرهم بأعلى الدرجات، فقال في بيان صفتهم الأولى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.. فالجملة الكريمة مستأنفة وهي مسوقة لبيان أحوال المؤمنين الذين هم أهل لرضا الله وحسن ثوابه، حتى يتأسى بهم غيرهم. وقوله وَجِلَتْ من الوجل وهو استشعار الخوف. يقال: وجل يوجل وجلا فهو وجل، إذا خاف وفزع. والمراد بذكر الله: ذكر صفاته الجليلة، وقدرته النافذة، ورحمته الواسعة، وعقابه الشديد، وعلمه المحيط بكل شيء، وما يستتبع ذلك من حساب وثواب وعقاب. والمعنى: إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر اسم الله وذكرت صفاته أمامهم، خافت قلوبهم وفزعت، استعظاما لجلاله وتهيبا من سلطانه، وحذرا من عقابه، ورغبة في ثوابه، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وشدة مراقبتهم لله- ووقوفهم عند أمره ونهيه..

стр. 2315

وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من صيغ القصر وهي «إنما» ، للإشعار بأن من هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم وإخلاصهم، أما غيرهم ممن لم تتوفر به هذه الصفات، فأمره غير أمرهم، وجزاؤه غير جزائهم. قال الفخر الرازي: فإن قيل: إنه- تعالى- قال هاهنا: وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وقال في آية أخرى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ «١» ... فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: الاطمئنان: إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل: إنما يكون من خوف العقوبة. ولا منافاة بين هاتين الحالتين. بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة وهي قوله- تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٢» ... والمعنى تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله «٣» . والصفة الثانية من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً. أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات الله أى: حججه وهي القرآن زادتهم إيمانا، أى: زادتهم قوة في التصديق، وشدة في الإذعان، ورسوخا في اليقين، ونشاطا في الأعمال الصالحة، وسعة في العلم والمعرفة. وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى للمفعول في قوله: ذُكِرَ اللَّهُ وتُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ، للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا كانوا يخافون عند ما يسمعون من غيرهم آيات الله.. فإنهم يكونون أشد خوفا وفزعا عند ذكرهم لله وعند تلاوتهم لآياته بألسنتهم وقلوبهم. فالمقصود من هذه الصيغة: مدحهم، والثناء عليهم، وبيان الأثر الطيب الذي يترتب على ذكر الله وعلى تلاوة آياته. والصفة الثالثة من صفاتهم قوله- تعالى-: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين- أيضا- أنهم يعتمدون على ربهم الذي خلقهم

стр. 2316

بقدرته، ورباهم بنعمته، فيفوضون أمورهم كلها إليه وحده- سبحانه- لا إلى أحد سواه، كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: أى: أنهم لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك لا شريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ولهذا قال سعيد بن جبير: «التوكل على الله جماع الإيمان» «١» . ومن الواضح عند ذوى العقول السليمة أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب التي شرعها- سبحانه- بل إن الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وأمر بها لبلوغ الغايات، لدليل على قوة الإيمان، وعلى حسن طاعته- سبحانه- فيما شرعه وفيما أمر به. وليس من الإيمان ولا من العقل ولا من التوكل على الله أن ينتظر الإنسان ثمارا بدون غرس، أو شبعا بدون أكل، أو نجاحا بدون جهد، أو ثوابا بدون عمل صالح. إنما المؤمن العاقل المتوكل على الله، هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة.. ثم بعد ذلك يترك النتائج له- سبحانه- يسيّرها كيف يشاء، وحسبما يريد.. أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله- تعالى- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. والمراد بإقامة الصلاة: أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وآدابها وخشوعها- من أقام الشيء إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن في صلاة المؤمنين أن تكون: إحساسا عميقا بالوقوف بين يدي الله، وانقطاعا تاما لمناجاته، وتمثلا حيا لجلاله وكبريائه، واستغراقا كاملا في دعائه. والمراد بقوله: يُنْفِقُونَ يخرجون ويبذلون، من الإنفاق وهو إخراج المال وبذله وصرفه. والجملة الكريمة في محل رفع صفة للموصول في الآية السابقة أو بدل منه أو بيان له. والمعنى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة في مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وسننها وآدابها وخشوعها.. وأنهم يبذلون أموالهم للفقراء والمحتاجين بسماحة

стр. 2317

نفس، وسخاء يد، استجابة لتعاليم دينهم. فأنت ترى أنه- سبحانه- قد وصف هؤلاء المؤمنين بخمس صفات: الأولى والثانية والثالثة منها ترجع إلى العبادات القلبية التي تدل على شدة خشيتهم من ربهم، وقوة تأثرهم بآيات خالقهم، واعتمادهم عليه- سبحانه- وحده لا على أحد سواه. والصفة الرابعة ترجع إلى العبادات البدنية، وهي إقامة الصلاة بإخلاص وخشوع. أما الصفة الخامسة فترجع إلى العبادات المالية، وهي إنفاق المال في سبيل الله ولا شك أن هذه الصفات متى تمكنت في النفس، كان صاحبها أهلا لمحبة الله ورضوانه، ولذا مدح- سبحانه- أصحاب هذه الصفات، وبين ما أعده لهم من ثواب جزيل فقال: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم المؤمنون إيمانا حقا لَهُمْ دَرَجاتٌ عالية، ومكانة سامية عِنْدَ رَبِّهِمْ ولهم مَغْفِرَةٌ شاملة لما فرط منهم من ذنوب، ولهم رِزْقٌ كَرِيمٌ في الجنة، يجعلهم يحيون فيها حياة طيبة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ. وقوله حَقًّا منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أى: أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا. والتنوين في قوله دَرَجاتٌ للتعظيم والتهويل أى: لهم درجات رفيعة، ومنازل عظيمة، وفي وصف هذه الدرجات بأنها عِنْدَ رَبِّهِمْ مزيد تشريف لهم، ولطف بهم، وإيذان بأن ما وعدهم به متيقن الوقوع، لأنه وعد من كريم لا يخلف وعده- سبحانه- وفي وصف الرزق الذي أعده لهم بالكرم، زيادة في إدخال السرور على قلوبهم لأن لفظ الكريم يصف به العرب كل شيء حسن في بابه، بحيث يكون لا قبح فيه ولا شكوى معه. وبذلك نرى أن أصحاب تلك الصفات الحميدة قد مدحهم الله- تعالى- مدحا عظيما، وكافأهم على إيمانهم الحق بالدرجات العالية، والمغفرة الشاملة، والرزق الكريم: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. هذا، وقد استنبط العلماء من تلك الآيات جملة من الأحكام والآداب منها: ١- حرص الصحابة على سؤال النبي ﷺ عما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم. فإن قيل: كيف تأتى لأصحابه الذين شهدوا بدرا- وهم من هم في عفتهم وزهدهم- أن يختلفوا في شأن الغنائم. فالجواب،، أن بعض الصحابة المشتركين في هذه الغزوة هم الذين حدث بينهم الخلاف في

стр. 2318

شأنها لأنهم لم يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها، أما أكثر الصحابة فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه الغنائم، بل تركوا أمرها إلى رسول الله ﷺ يضعها كيف يشاء. وأيضا فإن هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف في شأن الغنائم، كان من الدوافع التي دفعتهم إلى هذا الخلاف، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن البلاء، وشدة القتال في سبيل الله، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر بهذا المظهر المشرف وهم في أول لقاء لهم مع أعدائهم. وعند ما جاوز هذا الحرص حده، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم من سماحة وصفاء، نزل القرآن ليربيهم بتربيته الحكيمة، وليؤدبهم بأدبه السامي، وليخبرهم بحكم الله في شأن هذه الأنفال.. وبعد أن عرفوا حكم الله في شأنها، قابلوه بالرضا والإذعان والتسليم. ٢- أن القرآن في ترتيبه للحوادث، لا يلزم سردها على حسب زمن وقوعها، وإنما يرتبها بأسلوبه الخاص الذي يراعى فيه مقتضى حال المخاطب. فلقد افتتحت السورة التي معنا بالحديث عن الغنائم التي غنمها المسلمون في بدر- مع أن ذلك كان بعد انتهاء الغزوة- ليشعر المخاطبين من أول الأمر أن النصر في هذه الغزوة كان للمسلمين، وأن الإسلام قد صرع الكفر منذ أول معركة نازله فيها. وهذا اللون من الافتتاح هو ما يعبر عنه البلغاء ببراعة الاستهلال. ولقد أفاض بعض العلماء في شرح هذا المعنى فقال ما ملخصه. وقد بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلافهم في قسمتها وسؤالهم عنها، فساقت في ذلك أربع آيات، هن: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ.. إلى قوله- وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وقد عالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين، وعملت على تطهيرها من الاختلاف الذي ينشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة، ولا ريب أن حب المال والتطلع إلى المادة من أكبر أسباب الفشل. ولأهمّيّة هذا الموضوع في حياة المؤمنين بدأت به السورة، وإن كان اختلافهم في قسمة الأنفال متأخرا في الوجود عن اختلافهم في الخروج إلى بدر، وقتال الأعداء. وقد عرفنا من سنة القرآن في ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض لها مرتبة حسب وقوعها، وذلك لأنه لا يذكرها على أنها تاريخ يعين لها الوقت والمكان، وإنما يذكرها لما فيها من العبر والمواعظ، ولما تتطلبه من الأحكام والحكم.

стр. 2319

وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول الأمر بنتائج النصر الذي كفله الله للمؤمنين. وليس من تربية النفوس أن نبدأ الكلام معها بما يدل على الاضطراب والفزع والتردد أمام وسائل العزة والشرف، متى وجد لهم بجانب هذا التردد ما يدل على مواقف الشرف والكرامة.. ولا كذلك يكون الأمر إذا بدئت ببيان تثاقلهم في الخروج إلى الغزوة، وانظر كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه «كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ... إلخ» . لا ريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس، يصور علاقة المؤمنين بنبيهم في صورة يأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره. يصورهم في شقاق واختلاف مع قائدهم ورسولهم ويصورهم في ثوب الكراهية الشديدة لمعالي الأمور وعز الحياة. لهذا كله جاء الأسلوب في سرد الوقائع غير مكترث بمخالفة ترتيبها في الوجود الخارجي «١» . ٣- استدل جمهور العلماء بقوله- تعالى- وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً على أن الإيمان يزيد وينقص.. ومن المفسرين الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإمام الآلوسى، فقد قال ما ملخصه: قوله- تعالى- وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ أى: القرآن زادَتْهُمْ إِيماناً أى: تصديقا كما هو المتبادر، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك. وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقول لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا. بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل- أيضا- وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي، مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة، واللازم باطل فكذا الملزوم. وقال النووي: إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها.

стр. 2320

وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا، وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة. وذهب جماعة منهم الإمام الرازي إلى أن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما لفظي، وهو فرع تفسير الإيمان، فمن فسره بالتصديق قال: إنه لا يزيد ولا ينقص، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال: إنه يزيد وينقص، وعلى هذا قول البخاري «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهو المعنى بما روى عن ابن عمر أنه قال. قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص، قال، نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار «١» . ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة، أولى بالقبول لأنه من الواضح أن إيمان الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أرسخ وأقوى من إيمان آحاد الناس، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإيمان أشد رسوخا في النفس وأعمق أثرا في القلب، فلا تزلزله الشبهات ولا تزعزعه العوارض والفتن. ومن أوضح الأدلة على أن الإيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الاطمئنان، ما حكاه الله- تعالى- عن إبراهيم في قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «٢» . فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة في الإيمان، يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا. إن إبراهيم- ﵇ لا شك أنه كان مؤمنا عند ما سأل ربه هذا السؤال، سأله ذلك لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة أعلى: وهي مرتبة عين اليقين ... هذا، وشبيه بهذه الآية في الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان قوله- تعالى-: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً.. «٣» .

стр. 2321

وقوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ.. «١» . وقوله- تعالى-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ «٢» . وقوله- تعالى-: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً «٣» ، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي وردت في هذا المعنى. ٤- في هذه الآيات الكريمة تربية ربانية للمؤمنين، وتوجيه لهم إلى ما يسعدهم، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق في إيمانه، هو الذي يجمع بين سلامة العقيدة، وسلامة الخلق، وصلاح العمل، وأن المؤمن متى جمع بين هذه الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات، وأحس بحلاوة الإيمان في قلبه.. روى الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله ﷺ فقال له: «كيف أصبحت يا حارث» ؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، فقال له الرسول ﷺ : «انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك» ؟ فقال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري. وكأنى أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال ﷺ : «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثا «٤» . ثم أخذت السورة- بعد هذا الافتتاح المشتمل على أروع استهلال وأبلغه وأحكمه..، في الحديث عن الغزوة التي كان من ثمارها تلك الأنفال، فاستعرضت مجمل أحداثها، وصورت نفوس فريق من المؤمنين الذين اشتركوا فيها أكمل تصوير، استمع معى- أخى القارئ- بتدبر وتعقل إلى قوله- تعالى-:

стр. 2322

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٨] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) الكاف في قوله- تعالى-: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ.. بمعنى مثل، أى: للتشبيه وهي خبر لمبتدأ محذوف هو المشبه، وما بعدها هو المشبه به، ووجه الشبه مطلق الكراهة، وما ترتب على ذلك من خير للمؤمنين. والمعنى: حال بعض أهل بدر في كراهتهم تقسيمك الغنائم بالسوية، مثل حال بعضهم في كراهة الخروج للقتال، مع ما في هذه القسمة والقتال من خير وبركة. ونحن عند ما نستعرض أحداث غزوة بدر، نرى أنه قد حدث فيها أمران يدلان على عدم الرضا من فريق من الصحابة، ثم أعقبهما الرضا والإذعان والتسليم لحكم الله ورسوله. أما الأمر الأول فهو أن فريقا من الصحابة- وأكثرهم من الشبان- كانوا يرون أن قسمة الغنائم بالسوية فيها إجحاف بحقهم، لأنهم هم الذين قاموا بالنصيب الأوفر في القتال، وأن غيرهم لم يكن له بلاؤهم- كما سبق أن بينا في أسباب نزول قوله- تعالى- «يسألونك عن الأنفال.. إلخ» . ولكن الرسول ﷺ قسم غنائم بدر بين الجميع بالسوية، كما أمره الله- تعالى-. وكان هذا التقسيم خيرا للمؤمنين، إذ أصلح الله به بينهم، وردهم إلى حالة الرضا والصفاء.. وأما الأمر الثاني: فهو أن جماعة منهم كرهوا قتال قريش بعد نجاة العير التي خرجوا من أجل الحصول عليها، وسبب كراهيتهم لذلك أنهم خرجوا بدون استعداد للقتال، لا من حيث العدد ولا من حيث العدد.

стр. 2323

ولكنهم استجابوا بعد قليل لما نصحهم به رسولهم ﷺ من وجوب قتال قريش،. وكان في هذه الاستجابة نصر الإسلام، ودحر الطغيان. قال ابن كثير: روى الحافظ بن مردويه- بسنده- عن أبى أيوب الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: «إنى أخبرت عن عير أبى سفيان بأنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمنا إياها؟ فقلنا نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: «ما ترون في قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم» ؟ فقلنا: ما لنا طاقة بقتال العدو ولكننا أردنا العير، ثم قال: «ما ترون في قتال القوم» ؟ فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. وفي رواية أن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ تكلموا بكلام سر له رسول الله ﷺ «١» . هذا، وما قررناه قبل ذلك من أن الكاف في قوله- تعالى- كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ.. بمعنى مثل، هو ما نرجحه من بين أقوال المفسرين التي أوصلها بعضهم إلى عشرين قولا. قال الجمل، قوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ.. فيه عشرون وجها، أحدهما: أن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره الأنفال ثابتة لله ثبوتا كما أخرجك ربك، أى: ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك، يعنى أنه لا مرية في ذلك. الثاني: أن تقديره وأصلحوا ذات بينكم إصلاحا كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. الثالث: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك أى: كما أن إخراج الله إياك لا مرية فيه ولا شبهة. إلخ «٢» . والحق أن معظم الوجوه النحوية التي ذكرها الجمل وغيره من المفسرين- كأبى حيان والآلوسى- أقول: إن معظم هذه الوجوه يبدو عليها التكلف ومجانبة الصواب. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أهمل أكثر ما ذكره المفسرون في ذلك، واكتفى بوجهين فقال:

стр. 2324

قوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ. فيه وجهان أحدهما: أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك. يعنى أن حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيل الغزوة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. والثاني: أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر في قوله: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أى: الأنفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون «١» . والوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما صاحب الكشاف هو الذي نميل إليه، وهو الذي ذكرناه قبل ذلك بصورة أكثر تفصيلا. وأضاف- سبحانه- الإخراج إلى ذاته فقال: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ للإشعار بأن هذا الإخراج كان بوحي منه- سبحانه- وبأنه هو الراعي له في هذا الخروج. والمراد بالبيت في قوله: مِنْ بَيْتِكَ مسكنه ﷺ بالمدينة أو المراد المدينة نفسها، لأنها مثواه ومستقره، فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه. وقوله: بِالْحَقِّ متعلق بقوله: أَخْرَجَكَ والباء للسببية، أى: أخرجك بسبب نصرة الحق، وإعلاء كلمة الدين، وإزهاق باطل المبطلين. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من مفعول أخرجك، وتكون الباء للملابسة، أى: أخرجك إخراجا متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل. قال الآلوسى: وقوله: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ، أى: للخروج، إما لعدم الاستعداد للقتال، أو للميل للغنيمة، أو للنفرة الطبيعية عنه، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار، فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة. والجملة في موضع الحال، وهي حال مقدرة لأن الكراهة وقعت بعد الخروج «٢» . والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: حال بعض المسلمين في بدر في كراهة قسمة الغنيمة بالسوية بينهم، مثل حال فريق منهم في كراهة الخروج للقتال، مع أنه قد ثبت أن هذه القسمة وذلك القتال، كان فيهما الخير لهم، إذ الخير فيما قدره الله وأراده، لا فيما يظنون. وقوله- تعالى-: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ حكاية لما حدث من هذا الفريق الكاره للقتال، وتصوير معجز لما استبد به من خوف وفزع.

стр. 2325

والمراد بقوله يُجادِلُونَكَ مجادلتهم للنبي ﷺ في شأن القتال وقولهم له: ما كان خروجنا إلا للعير، ولو أخبرتنا بالقتال لأعددنا العدة له. والضمير يعود للفريق الذي كان كارها للقتال. والمراد بالحق الذي جادلوا فيه: أمر القتال الذي حضهم الرسول ﷺ على أن يعدوا أنفسهم له. وقوله: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ متعلق: يُجادِلُونَكَ وما مصدرية والضمير في الفعل تَبَيَّنَ يعود على الحق. والمراد بتبينه: إعلام الرسول ﷺ لهم بأنهم سينصرون على أعدائهم فقد روى أن الرسول ﷺ أخبرهم قبل نجاة العير بأن الله وعده الظفر بإحدى الطائفتين: العير أو النفير، فلما نجت العير علم أن الظفر الموعود به إنما هو النفير، أى: على المشركين الذين استنفرهم أبو سفيان للقتال لا على العير، أى: الإبل الحاملة لأموال المشركين. والمعنى: يجادلك بعض أصحابك- يا محمد- فِي الْحَقِّ أى في أمر القتال بَعْدَ ما تَبَيَّنَ أى، بعد ما تبين لهم الحق بإخبارك إياهم بأن النصر سيكون حليفهم، وأنه لا مفر لهم من لقاء قريش تحقيقا لوعد الله الذي وعد بإحدى الطائفتين. وقوله: كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أى: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو ناظر إلى أسبابه، ومشاهد لموجباته. والجملة في محل نصب على الحالية من الضمير في قوله: لَكارِهُونَ. وفي هذه الجملة الكريمة تصوير معجز لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال يسبب قلة عددهم وعددهم. وقوله: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ زيادة في لومهم، لأن الجدال في الحق بعد تبينه أقبح من الجدال فيه قبل ظهوره. ثم حكى- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين، مع جزع بعضهم من قتال عدوه وعدوهم، وإيثارهم العير على النفير فقال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ. والمراد بإحدى الطائفتين: العير أو النفير، والخطاب للمؤمنين. والمراد بغير ذات الشوكة: العير، والمراد بذات الشوكة: النفير.

стр. 2326

والشوكة في الأصل واحدة الشوك وهو النبات الذي له حد، ثم استعيرت للشدة والحدة، ومنه قولهم: رجل شائك السلاح أى: شديد قوى. والمعنى: واذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن وعدكم الله- تعالى- على لسان رسوله-- بأن إحدى الطائفتين: العير أو النفير هي لكم تظفرون بها، وتتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح وهي العير. وعبر- سبحانه- عن وعده لهم بصيغة المضارع يَعِدُكُمُ مع أن هذا الوعد كان قبل نزول الآية، لاستحضار صورة الموعود به في الذهن، ولمداومة شكره- سبحانه- على ما وهبهم من نصر وفوز. وإنما وعدهم- سبحانه- إحدى الطائفتين على الإبهام مع أنه كان يريد إحداهما وهي النفير، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه، وبذلك تزول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين. وقوله إِحْدَى مفعول ثان ليعد، وقوله: أَنَّها لَكُمْ بدل اشتمال من إِحْدَى مبين لكيفية الوعد. أى: يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم، ومختصة لكم، تتسلطون عليها تسلط الملاك، وتتصرفون فيها كيفما شئتم. وقوله: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ معطوف على قوله: يَعِدُكُمُ أى: وعدكم- سبحانه- إحدى الطائفتين بدون تحديد لإحداهما، وأنتم تحبون أن تكون لكم طائفة العير التي لا قتال فيها يذكر، على طائفة النفير التي تحتاج منكم إلى قتال شديد، وإلى بذل للمهج والأرواح. وفي هذه الجملة تعريض بهم، حيث كرهوا القتال، وأحبوا المال، وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين. ثم بين لهم- سبحانه- أنهم وإن كانوا يريدون العير، إلا أنه- سبحانه- يريد لهم النفير، ليعلو الحق، ويزهق الباطل، فقال: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ. أى: ويريد الله بوعده غير ما أردتم، أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أى أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله، وبقضائه الذي لا يتخلف، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم،

стр. 2327

ويقطع دابرهم أى آخرهم الذي يدبرهم. والدابر: التابع من الخلف، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبورا، إذا كان آخرهم في المجيء، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا. وقد هلك في غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون الإسلام، ويستهزئون بتعاليمه. قال صاحب الكشاف في معنى الآية الكريمة، قوله: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ... يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم، والله- يريد معالى الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها» «١» . ثم بين- سبحانه- الحكمة في اختيار ذات الشوكة لهم، ونصرتهم عليهم فقال: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. أى: فعل ما فعل من النصرة والظفر بالأعداء لِيُحِقَّ الْحَقَّ أى: ليثبت الدين الحق دين الإسلام وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أى: ويمحق الدين الباطل وهو ما عليه المشركون من كفر وطغيان. وقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ بيان لنفاذ إرادته- سبحانه-، أى: اقتضت إرادته أن يعز الدين الحق وهو دين الإسلام، وأن يمحق ما سواه، ولو كره المشركون ذلك لأن كراهيتهم لا وزن لها، ولا تعويل عليها.. وبهذا يتبين أنه لا تكرار بين الآيتين السابقتين، لأن المراد بإحقاق الحق في قوله- تعالى- وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ: إعلاؤه وإظهاره ونصرته عن طريق قتال المؤمنين للمشركين. والمراد بإحقاق الحق في قوله بعد ذلك في الآية الثانية لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ: تثبيت دين الإسلام وتقويته وإظهار شريعته، ويمحق دين الكفر. فكان ما اشتملت عليه الآية الأولى هو الوسيلة والسبب وما اشتملت عليه الآية الثانية هو المقصد والغاية.

стр. 2328

وقد بسط هذا المعنى الإمام الرازي فقال ما ملخصه: فإن قيل: أليس قوله: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ثم قوله بعد ذلك: لِيُحِقَّ الْحَقَّ تكرارا محضا، فالجواب: ليس هاهنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين، كان سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ الذي هو الشرك، وذلك في مقابلة الْحَقَّ الذي هو الدين والإيمان «١» . وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد حدثتنا في الأربع الآيات الأولى منها عن حكم الله- تعالى- في غنائم بدر بعد أن اختلف بعض المؤمنين في شأنها، وعن صفات المؤمنين الصادقين الذين يستحقون من الله- تعالى- أرفع الدرجات. ثم حدثتنا في الأربع الآيات الثانية منها عن حال بعض المؤمنين عند ما دعاهم النبي ﷺ إلى قتال أعدائهم، وعن مجادلتهم له في ذلك، وعن إيثارهم المال على القتال، وعن إرادة ما هو خير لهم في دنياهم وآخرتهم، وفي ذلك ما فيه من العبر والعظات لقوم يعقلون. ثم ساق- سبحانه- بعض مظاهر تدبيره المحكم في هذه الغزوة، وبعض النعم التي أنعم بها على المؤمنين، وبعض البشارات التي تقدمت تلك الغزوة أو صاحبتها، والتي كانت تدل دلالة واضحة على أن النصر سيكون للمسلمين فقال- تعالى-: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٩ الى ١٤] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)

стр. 2329

قال القرطبي: قوله- تعالى-: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الاستغاثة: طلب الغوث والنصر، يقال: غوّث الرجل، أى: قال وا غوثاه، والاسم الغوث والغواث، واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث «١» . وقوله مُمِدُّكُمْ من الإمداد بمعنى الزيادة والإغاثة، وقد جرت عادة القرآن أن يستعمل الإمداد في الخير، وأن يستعمل المد في الشر والذم. قال- تعالى-: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ «٢» . وقال- تعالى-: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً «٣» . قال- تعالى-: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا «٤» . وقال- تعالى-: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «٥» . وقوله: مُرْدِفِينَ من الإرداف بمعنى التتابع. قال الفخر الرازي: قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم مُرْدِفِينَ- بفتح الدال- وقرأ

стр. 2330

الباقون بكسرها، والمعنى على الكسر، أى: متتابعين يأتى بعضهم في إثر البعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب. والمعنى على قراءة الفتح، أى: فعل بهم ذلك، ومعناه أن الله- تعالى- أردف المسلمين وأمدهم بهم «١» أى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم. والمعنى: اذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن كنتم- وأنتم على أبواب بدر- تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ أى: تطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم فَاسْتَجابَ لَكُمْ دعاءكم، وكان من مظاهر ذلك أن أخبركم على لسان نبيكم ﷺ بأنى مُمِدُّكُمْ أى: معينكم وناصركم بألف من الملائكة مردفين، أى: متتابعين، بعضهم على إثر بعض، أو أن الله- تعالى- جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم. ويروى الإمام مسلم عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله!! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله- : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ الآية فأمده الله بالملائكة «٢» . وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر، اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، فقال حسبك، فخرج ﷺ وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» «٣» . وروى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وتكاثرهم، وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله ﷺ وهو في صلاته: «اللهم لا تودع منى، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترنى- أى لا تقطعني عن أهلى وأنصارى- أو لا تنقصني شيئا من عطائك- اللهم أنشدك ما وعدتني- أى: أستنجزك وعدك» .

стр. 2331

وروى ابن إسحاق في سيرته أنه ﷺ قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني «١» . فإن قيل: إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله ﷺ فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟ فالجواب: أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه ﷺ ويتأسون به في الدعاء، إلا أن الروايات ذكرت دعاء الرسول ﷺ ، لأنه هو قائد المؤمنين، وهو الذي يحرص الرواة على نقل دعائه، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه. وقيل: إن الضمير في قوله تَسْتَغِيثُونَ للرسول ﷺ ، وجيء به مجموعا على سبيل التعظيم، ويعكر على هذا القيل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التي أنعم بها- سبحانه- عليهم. وعبر- سبحانه- بالمضارع تَسْتَغِيثُونَ مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية- استحضارا للحال الماضية، حتى يستمروا على شكرهم لله، ولذلك عطف عليه. فاستجاب لكم، بصيغة الماضي مسايرة للواقع. وكان العطف بالفاء للإشعار بأن إجابة دعائهم كانت في أعقاب تضرعهم واستغاثتهم وهذا من فضل الله عليهم، ورحمته بهم، حيث أجارهم من عدوهم، ونصرهم عليه- مع قلتهم عنه- نصرا مؤزرا. والسين والتاء في قوله: «تستغيثون» للطلب، أى: تطلبون منه الغوث بالنصر. فإن قيل: إن الله- تعالى- ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة، وذكر في سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟. فالجواب أن الله- تعالى- أمد المؤمنين بألف من الملائكة في يوم بدر، كما بين هنا في سورة الأنفال، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال- تعالى- في سورة آل عمران: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ... ، ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف، قال- تعالى- بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ «٢» .

стр. 2332

وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير.. فكان المدد خمسة آلاف.. واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة في الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص. وهذا بناء على أن المدد الذي وعد الله به المؤمنين في آيات سورة آل عمران كان خاصا بغزوة بدر. أما على الرأى القائل بأن هذا المدد الذي بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء في السورتين. وقد بسط القول في هذه المسألة الإمام ابن كثير فقال ما ملخصه: «اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين: أحدهما: أن قوله- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ متعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ. وهذا قول الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم.. ، فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات- التي في سورة آل عمران وبين قوله في سورة الأنفال-: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. فالجواب: أن التنصيص على الألف هنا، لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله- تعالى- مُرْدِفِينَ بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف» . والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد- وهو قوله- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ. متعلق بقوله- قبل ذلك- وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله- تعالى- بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا يملك واحد» «١» .

стр. 2333

ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله عليهم ورحمته بهم في هذا الإمداد فقال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فالآية الكريمة كلام مستأنف ساقه- سبحانه- لبيان بعض مظاهر فضله على المؤمنين، ولبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله وحده حتى يزدادوا ثقة به، وحتى لا يقنطوا من النصر عند قلة أسبابه. أى: وما جعل الله- تعالى- هذا الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم- أيها المؤمنون- بالنصر على أعدائكم في هذه الغزوة الحاسمة وقوله بُشْرى مفعول لأجله مستثنى من أعم العلل. وقوله: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ معطوف عليه: أى: ولتسكن بهذا الإمداد قلوبكم، ويزول عنكم الخوف، وتهاجموا أعداءكم بنفوس لا يداخلها الإحجام أو التردد.. - وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أى: ليس النصر بالملائكة أو غيرهم إلا كائنا من عند الله وحده، لأنه- سبحانه- هو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء.. وإن الوسائل مهما عظمت، والأسباب مهما كثرت، لا تؤدى إلى النتيجة المطلوبة والغاية المرجوة، إلا إذا أيدتها إرادة الله وقدرته ورعايته. وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أى: غالب لا يقهره شيء، ولا ينازعه منازع حكيم في تدبيره وأفعاله. فالجملة الكريمة تذييل قصد به التعليل لما قبله، وفيه إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات حكمته البالغة- سبحانه-. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك بعض المنن الأخرى التي منحها للمؤمنين قبل أن يلتحموا مع أعدائهم في بدر فقال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. وقوله: يُغَشِّيكُمُ بتشديد الشين من التغشية بمعنى التغطية من غشاه تغشية أى: غطاه. والنعاس: أول النوم قبل أن يثقل، وفعله- على الراجح- على وزن منع. والأمنة: مصدر بمعنى الأمن. وهو طمأنينة القلب وزوال الخوف، يقال: أمنت من كذا أمنة وأمنا وأمانا بمعنى. قال الجمل: في قوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ثلاث قراءات سبعية.

стр. 2334

الأولى: يغشاكم كيلقاكم، من غشيه إذا أتاه وأصابه وفي المصباح: غشيته أغشاه من باب تعب بمعنى أتيته- وهي قراءة أبى عمرو وابن كثير. الثانية: يغشيكم- بإسكان الغين وكسر الشين- من أغشاه. أى أنزله بكم وأوقعه عليكم- وهو قراءة نافع- الثالثة: يغشيكم- بتشديد الشين وفتح الغين وهي قراءة الباقين- من غشاه تغشية بمعنى غطاه. أى: يغشيكم الله النعاس أى يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم. والنعاس على القراءة الأولى مرفوع على الفاعلية، وعلى الأخيرتين منصوب على المفعولية. وقوله: «أمنة» حال أو مفعول لأجله «١» . وقال القرطبي: وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم. وقال القرطبي: وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم. وعن على- رضى الله عنه- قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم سوى رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلى حتى أصبح. وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: - أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم: كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر» «٢» . وقال ابن كثير: وجاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سنة من النوم. ثم استيقظ متبسما، فقال: «أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع» . ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله- تعالى- سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٣» . والمعنى: واذكروا- أيها المؤمنون- أيضا، وقت أن كنتم متعبين وقلقين على مصيركم في هذه المعركة، فألقى الله عليكم النعاس، وغشاكم به قبل التحامكم بأعدائكم، ليكون أمانا لقلوبكم، وراحة لأبدانكم، وبشارة خير لكم.

стр. 2335

هذا، ومن العلماء الذين تكلموا عن نعمة النعاس التي ساقها الله للمؤمنين قبل المعركة، الإمامان الرازي ومحمد عبده. أما الامام الرازي فقد قال ما ملخصه: واعلم أن كل نوم ونعاس لا يحصل إلا من قبل الله- تعالى- فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بد فيه من مزيد فائدة، وذكروا في ذلك وجوها: منها: أن الخانف إذا خاف من عدوه فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا. فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن. ومنها: أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن معه العدو من معافصتهم، بل كان ذلك نعاسا يزول معه الإعياء والكلال، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه. ومنها: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز «١» . وقال الإمام محمد عبده: لقد مضت سنة الله في الخلق، بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولا كبيرا، ومصابا عظيما، فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه فيصبح خاملا ضعيفا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدا فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد.. ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس: غشيهم فناموا، واثقين بالله، مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه.. فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها» «٢» . وبذلك نرى أن النعاس الذي أنزله الله تعالى- على المؤمنين قبل لقائهم بأعدائهم في بدر كان نعمة عظيمة ومنة جليلة. وقوله- تعالى-: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ معطوف على قوله يُغَشِّيكُمُ وهو- أى: إنزال الماء من السماء نعمة عظمى تحمل في طياتها نعما وسننا. أولها: يتجلى في هذه الجملة الكريمة، أنه- سبحانه- أنزل على المؤمنين المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين: الأصغر والأكبر، فإن المؤمن- كما يقول الإمام الرازي- «يكاد

стр. 2336

يستقذر نفسه إذا كان جنبا، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب «١» . وثانيها: قوله- تعالى-: ويذهب عنكم رجز الشيطان» . وأصل الرجز: الاضطراب ويطلق على كل ما تشتد مشقته على النفوس. قال الراغب: أصل الرجز الاضطراب، ومنه قيل رجز البعير رجزا فهو أرجز، وناقة رجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها..» «٢» . والمراد برجز الشيطان: وسوسته للمؤمنين، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء وإلقاؤه الظنون السيئة في قلوبهم. أى: أنه- سبحانه- أنزل عليكم الماء- أيها المؤمنون- ليطهركم به تطهيرا حسيا وليزيل عنكم وسوسة الشيطان، بتخويفه إياكم من العطش وبإلقائه في نفوسكم الظنون والأوهام.. وهذا هو التطهير الباطني. وثالثها قوله- تعالى-: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ أى: وليقويها بالثقة في نصر الله، وليوطنها على الصبر والطمأنينة.. ولا شك أن وجود الماء في حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم، وثباتا على ثباتهم، أما فقده فإنه يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان، بل وإلى الهزيمة المحققة. وأصل الربط: الشد. ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه عليه، أى: حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع، ومنه قولهم: رجل رابط الجأش. أى: ثابت متمكن. ورابع هذه النعم التي تولدت عن نزول الماء من السماء على المؤمنين، قبل خوضهم معركة بدر، يتجلى في قوله- تعالى- وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. أى: أنه- سبحانه- أنزل عليهم المطر قبل المعركة لتطهيرهم حسيا ومعنويا، ولتقويتهم وطمأنينتهم، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ في الرمال، وحتى يسهل المشي عليها، إذ من المعروف أنه من العسير المشي على الرمال، فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها، وانطفأ غبارها.. فالضمير في قوله بِهِ يعود على الماء المنزل من السماء. قال الزمخشري: ويجوز أن يعود للربط- في قوله وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم في مواطن القتال. هذا، وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من نعم جليلة،

стр. 2337

ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال: نزل النبي ﷺ يعنى حين سار إلى بدر- والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة- أى كثيرة مجتمعة- فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم، تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم..» «١» . وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه» «٢» . ومن هذا القول المنقول عن عروة- رضى الله عنه- نرى أن المطر كان خيرا للمسلمين، وكان شرا على الكافرين، لأن المسلمين كانوا في مكان يصلحه المطر، بينما كان المشركون في مكان يؤذيهم فيه المطر. ثم ذكرهم بنعمة أخرى كان لها أثرها العظيم في نصرهم على المشركين فقال- سبحانه-: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ. فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. والبنان: - كما يقول القرطبي- واحده بنانة. وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء.. وهو- أى البنان- مشتق من قولهم أبّن الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء...... وذكر بعضهم: «أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقر الإنسان..» «٣» . والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم- وقت أن أوحى ربك إلى الملائكة الذين أمد بهم المسلمين في بدر أَنِّي مَعَكُمْ أى بعونى وتأييدى فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أى فقووا قلوبهم، واملئوا نفوسهم ثقة بالنصر، وصححوا نياتهم في القتال حتى تكون غايتهم إعلاء كلمة الله. قال الآلوسى: والمراد بالتثبيت: الحمل على الثبات في موطن الحرب والجد في مقاساة شدائد القتال. وكان ذلك هنا- في قول- بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها، ووعدهم

стр. 2338

إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم. كروا عليهم. وقال الزجاج: كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم. وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له إلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة، «١» . وقوله- تعالى-: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بشارة عظيمة للمؤمنين. أى: سأملأ قلوب الكافرين بالخوف والفزع منكم- أيها المؤمنون-، وسأقذف فيها الهلع والجزع حتى تتمكنوا منهم. والرعب: انزعاج النفس وخوفها من توقع مكروه، وأصله التقطيع من قولهم: رعبت السنام ترعيبا إذا قطعته مستطيلا، كأن الخوف يقطع الفؤاد. وقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ الخطاب فيه للمؤمنين، وقيل، للملائكة. والمراد بما فوق الأعناق الرءوس كما روى عن عطاء وعكرمة. أو المراد بها الأعناق ذاتها فتكون فوق بمعنى: على وهو قول أبى عبيدة. ويرى صاحب الكشاف أن المراد بما فوق الأعناق: أعالى الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها جزا وتطييرا للرءوس. والمراد بالبنان- كما سبق أن بينا- الأصابع أو مطلق الأطراف. والمعنى: لقد أعطيتكم- أيها المؤمنون- من وسائل النصر ما أعطيتكم، فهاجموا أعدائى وأعداءكم بقوة وغلظة، واضربوهم على أعناقهم ورءوسهم ومواضع الذبح فيهم. واضربوهم على كل أطرافهم حتى تشلوا حركتهم، فيصبحوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. ثم بين سبحانه- السبب في تكليفه المؤمنين بمجاهدة الكافرين والإغلاظ عليهم وقتلهم. فقال- تعالى-لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. فاسم الإشارةلِكَ يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وأمرهم بضرب الكافرين.. وهو في محل رفع على الابتداء. وقوله أَنَّهُمْ ... خبره. والباء للسببية. وقوله: اقُّوا من المشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة مشتقة من الشق- أى الجانب-، فكل واحد من المتعاديين أو المتخالفين صار في شق غير شق صاحبه. والمعنى: ذلك الذي ذكره الله- تعالى- فيما سبق، من تأييده للمؤمنين وأمره إياهم

стр. 2339

بضرب الكافرين، سببه أن هؤلاء الكافرين اقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أى: عاد وهما وخالفوا شرعهما: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بأن يسير في غير الطريق الذي أمرا به، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لهذا المعادى والمخالف. قال الآلوسى: وقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إما نفس الجزاء، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد في الربط. أى: شديد العقاب له. أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى: يعاقبه الله- تعالى- فإن الله شديد العقاب. وأيا ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهاني. كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله- تعالى- ولرسوله ﷺ وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان، فله بسبب ذلك عقاب شديد، فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقابا شديدا «١» . ثم يوجه- سبحانه- خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ورسوله، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ فاسم الإشارة ذلِكُمْ يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم. أى ذلكم الذي نزل بكم- أيها الكافرون- من القتل والأسر في بدر، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم، فذوقوا آلامه، وتجرعوا غصصه، وعيشوا في مذلته. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلكم عذاب النار الذي هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. فاتركوا الكفر، وادخلوا في الإيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب. قال الجمل ما ملخصه وقوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ.. يجوز فيه وجوه من الإعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب. الثاني: أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين الوجهين يكون قوله فَذُوقُوهُ لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب فهو مستأنف، والوقف يتم على قوله: ذلِكُمْ الثالث: أن يرتفع بالابتداء. والخبر قوله فَذُوقُوهُ وهذا على رأى الأخفش. وقوله وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ معطوف على قوله ذلِكُمْ أو منصوب على أنه مفعول معه، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر- بأن قال فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ ولم يقل فذوقوه وأن لكم- للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل أو للجمع بينهما «٢» .

стр. 2340

ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكّرت المؤمنين الذين اشتركوا في غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم، وبأنواع من البشارات التي كانت تدل على أن النصر سيكون لهم. ١- ذكّرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين: العير أو النفير ستكون لهم، وقد وفّى لهم- سبحانه- بوعده، حيث جعل النصر لهم، ومن أوفى بعهده من الله؟. ٢- وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين. ٣- وذكرتهم بالنعاس الذي ألقاه- سبحانه- عليهم قبل المعركة، ليكون أمانا لهم، وراحة لأبدانهم. ٤- وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم، وليكون طمأنينة لقلوبهم، وتثبيتا لأقدامهم. ٥- وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم، بأن يغرسوا في قلوبهم الثقة في نصر الله لهم، والاستهانة بقوة أعدائهم. ٦- وذكرتهم بما ألقاه- سبحانه- في قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع، جعلهم ينهزمون أمامهم. ٧- وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغي على سبيل الرشد، وأنهم- إذا استمروا في كفرهم- فسيلقون في الآخرة عذابا أشد وأبقى مما نزل بهم في الدنيا. ولا شك أن هذا التذكير من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ولرسوله: وعلى مداومة الشكر لخالقهم، فهو- سبحانه- الذي منحهم هذه النعم الجزيلة التي تمكنوا معها من رقاب أعدائهم، وهو الذي جعلهم يغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد. هذا، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها، أن نتكلم بشيء من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها. وهذه المسألة هي: ماذا كانت وظيفة الملائكة في بدر؟ أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا معهم؟ إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم في كتاباتهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: (أ) أما القسم الأول منهم، فيرى أن الملائكة في غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب، وإنما هم قاتلوا مع المؤمنين فعلا، ويستدلون على ذلك بأدلة من أهمها: ١- ما جاء عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنه قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول: أقدم حيزوم،

стр. 2341

فخر المشرك مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه. فجاء فحدث رسول الله ﷺ فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة «١» . ٢- وجاء عنه أنه قال- أيضا-: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، ويوم أحد عمائم خضراء، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر وكانوا فيما سواه عددا ومددا «٢» . ٣- وعن أبى داود المازني قال: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر. فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. ٤- وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمعه ولا نرى شخصا؟ فقال: من الملائكة، فقال له أبو جهل: هم إذن غلبونا لا أنتم «٣» . ٥- وقال القرطبي: وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب- أى الطريق في الجبل- الذي خرجت منه الملائكة. لا أشك ولا أمارى. وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه «٤» . هذه أهم الروايات التي استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبي، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور. (ب) أما القسم الثاني من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين في المعركة، وتقوية أرواحهم وقلوبهم، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها: ١- أنه ليس في الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة في أن الملائكة قد قاتلت بالفعل، وإنما هي صريحة في أن الله- تعالى- قد أمد المؤمنين بالملائكة، وجعل هذا الإمداد بشارة لهم. قال الآلوسى عند تفسيره لقوله- تعالى: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى.. وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا، وهو مذهب لبعضهم. ويشعر ظاهرها بأن النبي- ﷺ أخبرهم بذلك الإمداد، وفي الأخبار ما يؤيد ذلك. بل جاء في غير ما خبر أن

стр. 2342

الصحابة رأوا الملائكة- ﵈ «١» . ٢- أن بعض الآيات القرآنية التي تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة توضيحا تاما، ومن ذلك قوله- تعالى-: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. قال ابن جرير في معنى فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال أعدائهم من المشركين.. وقال في معنى قوله- تعالى- فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ..: والصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل ... » «٢» . وقال الفخر الرازي: قوله فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ فيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله- تعالى- فَثَبِّتُوا. وقيل: بل أمر للمؤمنين، وهذا هو الأصح لما بينا أنه- تعالى- ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة.. «٣» . ٣- أن الروايات التي استند إليها من قال بأن الملائكة قاتلت مع المؤمنين في بدر لم ترد في كتب السنة المعتمدة، بل لم يذكر معظمها الإمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات في تفسيره. وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت. فمثلا رواية أبى داود المازني لم تصرح بأن المشرك الذي أراد هو أن يقتله قد قتله ملك. وكذلك الحال بالنسبة لروايتي أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول أبى جهل لابن مسعود: «هم إذن غلبونا- يعنى الملائكة- لا أنتم، فنرجح أنه من باب التبرير والمغالطة. فهو يريد أن ينفى- حقدا منه وعنادا- قوة المؤمنين الذين صرعوا أمثاله من الطغاة.. والخلاصة أن معظم هذه الروايات- مع ضعفها- لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر. ٤- استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة في القتال، ومن هؤلاء العلماء الإمام أبو بكر الأصم فقد قال: «إن الملك الواحد يكفى في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط. فإذا

стр. 2343

حضر هو يوم بدر- وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة- فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم. وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا.. وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر، ولم يقل أحد بذلك.. وعلى الثاني كان يلزم جز الرءوس، وتمزيق البطون، وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا من أعظم المعجزات، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف ... » «١» . وقال صاحب المنار: مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى إلخ. وقوله- تعالى- سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ.. إلخ بدء كلام خوطب به النبي ﷺ والمؤمنون تتمة للبشرى. فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات. ثم قال: وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا، فهل تعارض هذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل. كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله- تعالى- يقول في إمداد الملائكة وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ.. وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة، وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة. ألا إن في هذا من تعظيم شأن المشركين، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند. وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا، فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة. «٢» .

стр. 2344

هذه أهم الأدلة التي استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم. وتصحيح نياتهم. (ج) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا في هذه المسألة، فمنهم الذي اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها، ومن هؤلاء صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت: هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت: اختلف فيه. فقيل: نزل جبريل في يوم بدر في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب في صورة الرجال. فقاتلت. وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب.. وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم.. «١» . ومنهم الذي يرى أن البحث في تفاصيل أمثال هذه المسائل ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة، ومن هؤلاء صاحب «في ظلال القرآن» فقد قال ما ملخصه: «تروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر: عددهم وطريقة مشاركتهم في المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين، وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين. ونحن- على طريقتنا في الظلال- نكتفي في مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة، والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ.. فهذا عددهم إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.. فهذا عملهم. ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية. وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في ذلك اليوم، وهي قلة والأعداء كثرة، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه الله سبحانه في كلماته.. إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة، ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم. فلا نملك من إدراك الكيفية التي اشتركوا بها في نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى. وقد أوحى إليهم ربهم: أنى معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا. - لأنهم يفعلون ما يؤمرون- ولكننا لا ندري كيف فعلوا. إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق

стр. 2345

الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة، وعند ما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين، وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله- سبحانه- للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع وأجدى.. «١» . وبعد فهذه أهم الأقوال التي قالها العلماء في مسألة وظيفة الملائكة في بدر، بسطناها بشيء من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها. والذي نراه بعد كل ذلك: أن أقرب الأقوال إلى الصواب، هو القول الذي ذهب أصحابه إلى أن الملائكة في بدر لم تقاتل، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية عزائم المؤمنين.. وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج- والله أعلم بالصواب. وبعد أن بين- سبحانه- بعض البشارات والنعم التي ساقها للمؤمنين الذين اشتركوا في بدر. وجه- سبحانه- نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات في وجوه أعدائهم، وذكرهم بجانب من مننه عليهم. فقال- تعالى-: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ١٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)

стр. 2346

قوله- سبحانه- زَحْفاً: مصدر زحف وأصله للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يمشى. ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته وتكاتفه يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير. قال الجمل: وفي المصباح: زحف القوم زحفا وزحوفا. ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس. ونصب قوله: زَحْفاً على أنه حال من المفعول وهو الَّذِينَ كَفَرُوا أى إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحوكم. والأدبار: جمع دبر- بضمتين- وهو الخلف، ومقابله القبل وهو الأمام، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زاحفين نحوكم لقتالكم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أى. فلا تفروا منهم، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين، بل قابلوهم بقوة وغلظة وشجاعة، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا، ومقبلا غير مدبر. فالمراد من تولية الأدبار: الانهزام، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن انهزم منه. وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار، تقبيحا للانهزام، وتنفيرا منه، لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين. ثم بين- سبحانه- أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين فقال- تعالى-: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وقوله: مُتَحَرِّفاً من التحرف بمعنى الميل والانحراف من جهة إلى جهة بقصد المخادعة في القتال وهو منصوب على الحالية. وقوله أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ من التحيز بمعنى الانضمام. تقول: حزت الشيء أحوزه إذا ضممته إليك. وتحوزت الحية أى انطوت على نفسها. والفئة: الجماعة من الناس. سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد

стр. 2347

والتناصر. من الفيء بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة. والمعنى: أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون المؤمن عند توليته الأدبار مائلا عن مكانه إلى مكان آخر أصلح للقتال فيه، أو أن يكون منعطفا إلى قتال طائفة من الأدبار أهم من الطائفة التي أمامه، أو أن يوهم عدوه بأنه منهزم أمامه استدراجا له، ثم يكر عليه فيقتله. الحالة الثانية: أن يكون في توليه منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش ومنضما إليها للتعاون معها على القتال، حيث إنها في حاجة إليه. وهذا كله من أبواب خدع الحرب ومكايدها. وقد توعد- سبحانه- الذي ينهزم أمام الأعداء في غير هاتين الحالتين بقوله: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. أى: ومن يول الكافرين يوم لقائهم دبره غير متحرف ولا متحيز فقد رجع متلبسا بغضب شديد كائن من الله- تعالى- ومأواه الذي يأوى إليه في الآخرة جهنم وبئس المصير هي. وقوله: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.. جواب الشرط لقوله، ومن يولهم. هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى: ١- وجوب مصابرة العدو، والثبات في وجهه عند القتال، وتحريم الفرار منه. قال الآلوسى: في الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز. أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات- أى المهلكات- قالوا: يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . ثم قال: وجاء عد- التولي يوم الزحف- من الكبائر في غير ما حديث «١» . ٢- أن الخطاب في الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصا بأهل بدر. قال الفخر الرازي ما ملخصه: اختلف المفسرون في أن هذا الحكم- وهو تحريم التولي أمام الزحف- هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق؟

стр. 2348

فنقل عن أبى سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر. قالوا: والسبب في اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول الله ﷺ كان حاضرا يوم بدر.. وأنه- سبحانه- شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم. والقول الثاني: أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب بدليل أن قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... عام فيتناول جميع الصور. أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» «١» . وهذا القول الثاني هو الذي نرجحه، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل المؤمنين في كل زمان ومكان، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من غزوة بدر لا قبل الدخول فيها. ٣- أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين. أى أن تحريم التولي يوم الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ. وقد رجح ذلك الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه: «سئل عطاء بن أبى رباح عن قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فقال: هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال بعد ذلك وهي قوله- تعالى-: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... وليس لقوم أن يفروا من مثليهم. وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزما. وأولى التأويلين بالصواب في هذه الآية عندي: قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر. وحكمها ثابت في جميع المؤمنين. وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال، أو التحيز إلى فئة من المؤمنين، حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما- بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما- فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. وإنما قلنا: هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع، أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قوله- تعالى- وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ «٢» .

стр. 2349

ثم بين لهم- سبحانه- بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكرا له، وطاعة لأمره فقال- تعالى-: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. قال القرطبي: قوله- تعالى-: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، أى يوم بدر. روى أن أصحاب رسول الله ﷺ لما صدروا عن بدر. ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال: قتلت كذا، وأسرت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده ... » «١» . وقال ابن كثير: قال على بن طلحة عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه- يعنى يوم بدر- فقال: «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال جبريل: «خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم» فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال السدى: قال رسول الله ﷺ لعلى يوم بدر «أعطنى حصا من الأرض» فناوله حصا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ... وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» ، فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ وأنزل الله. وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٢» . وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله- تعالى- وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى المقصود به رميه ﷺ لأبى بن خلف يوم أحد، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر، أو رميه المشركين في غزوة حنين. قال ابن كثير: وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر ... وسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم.

стр. 2350

والمعنى: إنكم- أيها المؤمنون- لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم، ولكن الله- تعالى- هو الذي أظفركم بحوله وقوته، بأن خذلهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر. والفاء في قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ.. يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع. وقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى خطاب للنبي ﷺ بطريق التلوين. أى: وَما رَمَيْتَ بالرعب في قلوب الأعداء إِذْ رَمَيْتَ في وجوههم بالحصباء يوم بدر وَلكِنَّ اللَّهَ- تعالى- هو الذي رَمى بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم. أو المعنى: ما أوصلت الحصباء إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله هو الذي أوصلها إليها. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة: يعنى أن الرمية التي رميتها- يا محمد- لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم.. فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله- ، فكان الله- تعالى- هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول ﷺ أصلا «١» . وقال الآلوسى: واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه- تعالى- وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإمام: أثبت- سبحانه- كونه ﷺ راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه ﷺ رمى كسبا، والله- تعالى- رمى خلقا «٢» . فإن قيل: لماذا ذكر مفعول القتل منفيا ومثبتا ولم يذكر للرمي مفعول قط؟ فالجواب- كما يقول أبو السعود-: «أن المقصود الأصلى بيان حال الرمي نفيا وإثباتا، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة شيء من ذلك» «٣» . وقوله- سبحانه-: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً بيان لبعض وجوه حكمته- سبحانه- في خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين.
следующие страницы →