← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قوله- سبحانه- زَحْفاً: مصدر زحف وأصله للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يمشى. ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته وتكاتفه يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير. قال الجمل: وفي المصباح: زحف القوم زحفا وزحوفا. ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس. ونصب قوله: زَحْفاً على أنه حال من المفعول وهو الَّذِينَ كَفَرُوا أى إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحوكم. والأدبار: جمع دبر- بضمتين- وهو الخلف، ومقابله القبل وهو الأمام، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زاحفين نحوكم لقتالكم فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أى. فلا تفروا منهم، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين، بل قابلوهم بقوة وغلظة وشجاعة، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا، ومقبلا غير مدبر. فالمراد من تولية الأدبار: الانهزام، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن انهزم منه. وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار، تقبيحا للانهزام، وتنفيرا منه، لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين. ثم بين- سبحانه- أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين فقال- تعالى-: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وقوله: مُتَحَرِّفاً من التحرف بمعنى الميل والانحراف من جهة إلى جهة بقصد المخادعة في القتال وهو منصوب على الحالية. وقوله أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ من التحيز بمعنى الانضمام. تقول: حزت الشيء أحوزه إذا ضممته إليك. وتحوزت الحية أى انطوت على نفسها. والفئة: الجماعة من الناس. سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد

стр. 2347

والتناصر. من الفيء بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة. والمعنى: أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون المؤمن عند توليته الأدبار مائلا عن مكانه إلى مكان آخر أصلح للقتال فيه، أو أن يكون منعطفا إلى قتال طائفة من الأدبار أهم من الطائفة التي أمامه، أو أن يوهم عدوه بأنه منهزم أمامه استدراجا له، ثم يكر عليه فيقتله. الحالة الثانية: أن يكون في توليه منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش ومنضما إليها للتعاون معها على القتال، حيث إنها في حاجة إليه. وهذا كله من أبواب خدع الحرب ومكايدها. وقد توعد- سبحانه- الذي ينهزم أمام الأعداء في غير هاتين الحالتين بقوله: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. أى: ومن يول الكافرين يوم لقائهم دبره غير متحرف ولا متحيز فقد رجع متلبسا بغضب شديد كائن من الله- تعالى- ومأواه الذي يأوى إليه في الآخرة جهنم وبئس المصير هي. وقوله: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.. جواب الشرط لقوله، ومن يولهم. هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى: ١- وجوب مصابرة العدو، والثبات في وجهه عند القتال، وتحريم الفرار منه. قال الآلوسى: في الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز. أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات- أى المهلكات- قالوا: يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . ثم قال: وجاء عد- التولي يوم الزحف- من الكبائر في غير ما حديث «١» . ٢- أن الخطاب في الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصا بأهل بدر. قال الفخر الرازي ما ملخصه: اختلف المفسرون في أن هذا الحكم- وهو تحريم التولي أمام الزحف- هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق؟

стр. 2348

فنقل عن أبى سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر. قالوا: والسبب في اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول الله ﷺ كان حاضرا يوم بدر.. وأنه- سبحانه- شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم. والقول الثاني: أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب بدليل أن قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... عام فيتناول جميع الصور. أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» «١» . وهذا القول الثاني هو الذي نرجحه، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل المؤمنين في كل زمان ومكان، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من غزوة بدر لا قبل الدخول فيها. ٣- أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين. أى أن تحريم التولي يوم الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ. وقد رجح ذلك الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه: «سئل عطاء بن أبى رباح عن قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فقال: هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال بعد ذلك وهي قوله- تعالى-: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... وليس لقوم أن يفروا من مثليهم. وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزما. وأولى التأويلين بالصواب في هذه الآية عندي: قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر. وحكمها ثابت في جميع المؤمنين. وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال، أو التحيز إلى فئة من المؤمنين، حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما- بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما- فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. وإنما قلنا: هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع، أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قوله- تعالى- وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ «٢» .

стр. 2349

ثم بين لهم- سبحانه- بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكرا له، وطاعة لأمره فقال- تعالى-: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. قال القرطبي: قوله- تعالى-: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، أى يوم بدر. روى أن أصحاب رسول الله ﷺ لما صدروا عن بدر. ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال: قتلت كذا، وأسرت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده ... » «١» . وقال ابن كثير: قال على بن طلحة عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه- يعنى يوم بدر- فقال: «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال جبريل: «خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم» فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال السدى: قال رسول الله ﷺ لعلى يوم بدر «أعطنى حصا من الأرض» فناوله حصا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ... وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» ، فدخلت في أعينهم كلهم. وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ وأنزل الله. وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٢» . وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله- تعالى- وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى المقصود به رميه ﷺ لأبى بن خلف يوم أحد، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر، أو رميه المشركين في غزوة حنين. قال ابن كثير: وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر ... وسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم.

стр. 2350

والمعنى: إنكم- أيها المؤمنون- لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم، ولكن الله- تعالى- هو الذي أظفركم بحوله وقوته، بأن خذلهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر. والفاء في قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ.. يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع. وقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى خطاب للنبي ﷺ بطريق التلوين. أى: وَما رَمَيْتَ بالرعب في قلوب الأعداء إِذْ رَمَيْتَ في وجوههم بالحصباء يوم بدر وَلكِنَّ اللَّهَ- تعالى- هو الذي رَمى بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم. أو المعنى: ما أوصلت الحصباء إلى أعينهم إذ رميتهم بها، ولكن الله هو الذي أوصلها إليها. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة: يعنى أن الرمية التي رميتها- يا محمد- لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم.. فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله- ، فكان الله- تعالى- هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول ﷺ أصلا «١» . وقال الآلوسى: واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه- تعالى- وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإمام: أثبت- سبحانه- كونه ﷺ راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه ﷺ رمى كسبا، والله- تعالى- رمى خلقا «٢» . فإن قيل: لماذا ذكر مفعول القتل منفيا ومثبتا ولم يذكر للرمي مفعول قط؟ فالجواب- كما يقول أبو السعود-: «أن المقصود الأصلى بيان حال الرمي نفيا وإثباتا، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة شيء من ذلك» «٣» . وقوله- سبحانه-: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً بيان لبعض وجوه حكمته- سبحانه- في خذلان الكافرين، ونصر المؤمنين.

стр. 2351

وقوله لِيُبْلِيَ من البلاء بمعنى الاختبار. وهو يكون بالنعمة لإظهار الشكر، كما يكون بالمحنة لإظهار الصبر. والمراد به هنا: الإحسان والنعمة والعطاء، ليزداد المؤمنون شكرا لربهم الذي وهبهم ما وهب من نعم. واللام للتعليل متعلقة بمحذوف مؤخر. والمعنى، ولكي يحسن- سبحانه- إلى عباده المؤمنين، وينعم عليهم بالنصر والغنائم، ليزدادوا شكرا له، فعل ما فعل من خذلان الكافرين وإذلالهم. وقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل قصد به الحض على طاعة الله، والتحذير من معصيته، أى: إن الله سميع لأقوالكم ودعائكم، عليم بضمائركم وقلوبكم، فاستبقوا الخيرات لتنالوا المزيد من رعايته ونصره. ثم يقرر- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف، وهي تقوية الحق وتوهين الباطل، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم فيقول: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ. قال الإمام الرازي: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو مُوهِنُ- بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين. من التوهين. تقول وهنت الشيء أى ضعفته-، كَيْدِ بالنصب على المفعولية. وقرأ حفص عن عاصم مُوهِنُ كَيْدِ بالإضافة. وقرأ الباقون مُوهِنُ بالتخفيف، - من أوهننه فأنا موهنه بمعنى أضعفته- وكَيْدِ بالنصب وتوهين الله كيدهم ومكرهم يكون بأشياء منها: إطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، «١» . واسم الإشارة ذلِكُمْ يعود إلى ما سبق من نعمة الإبلاء والقتل والرمي وغير ذلك من النعم. وهو مبتدأ وخبره محذوف، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ.... معطوف عليه. المعنى: ذلكم الذي منحته إياكم من العطاء الحسن، والقتل للمشركين، والإمداد بالملائكة، وإنزال الماء عليكم. ذلكم كله نعم منى إليكم، ويضاف إلى ذلك كله أنّه- سبحانه- مضعف لكيد الكافرين ومفسد لمكرهم بكم. قال ابن كثير: وهذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم في تبار ودمار» «٢» وبعد أن ذكر- سبحانه- عباده المؤمنين بما حباهم به من منن في غزوة بدر، ليستمروا على طاعتهم له ولرسوله.. أتبع ذلك بتوجيه الخطاب إلى الكافرين الذين حملهم الرسوخ في الكفر على أن يدعو الله أن يجعل

стр. 2352

الدائرة في بدر على أضل الفريقين فقال- تعالى-: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ، وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. روى الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه، عن ثعلبة، أن أبا جهل قال حين التقى القوم- في بدر-: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه- أى فأهلكه- الغداة. فكان المستفتح «١» . وعن السدى أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أهدى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال- تعالى- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا.. الآية «٢» . قال الراغب: وقوله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ... أى: إن طلبتم الظفر، أو طلبتم الفتاح أى الحكم.. والفتح إزالة الإغلاق والإشكال ... ويقال: فتح القضية فتاحا. أى فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها. قال- تعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ. والاستفتاح: الاستنصار- أى طلب النصر- قال- تعالى- وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ... «٣» . والمعنى: إن تطلبوا الفتح أى: القضاء والفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أى: فقد جاءكم الفصل والقضاء فيما طلبتم حيث حكم الله وقضى بينكم وبين المؤمنين، بأن أعزهم ونصرهم لأنهم على الحق، وخذلكم وأذلكم لأنكم على الباطل. فالخطاب مسوق للكافرين على سبيل التهكم بهم، والتوبيخ لهم، حيث طلبوا من الله- تعالى- القضاء بينهم وبين المؤمنين، والنصر عليهم، فكان الأمر على عكس ما أرادوا حيث حكم الله فيهم بحكمه العادل وهو خذلانهم لكفرهم وجحودهم، وإعلاء كلمة المؤمنين، لأنهم على الطريق القويم. وقوله: وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أى: وإن تنتهوا عن الكفر وعداوة الحق، يكن هذا الانتهاء خيرا لكم من الكفر ومحاربة الحق. وقوله: وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ ... تحذير لهم من التمادي في الباطل بعد ترغيبهم في الانقياد للحق. أى: وَإِنْ تَعُودُوا إلى محاربة الرسول ﷺ والمؤمنين وعداوتهم نَعُدْ

стр. 2353

عليكم بالهزيمة والذلة. وعلى المؤمنين بالنصر والعزة، ولن تستطيع فئتكم وجماعتكم- ولو كثرت- أن تدفع عنكم شيئا من تلك الهزيمة وهذه الذلة، فإن الكثرة والقوة لا وزن لها ولا قيمة إذا لم يكن الله مع أصحابها بعونه وتأييده. وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ تذييل قصد به تثبيت المؤمنين، وإلقاء الطمأنينة في نفوسهم. أى: وأن الله مع المؤمنين بعونه وتأييده، ومن كان الله معه فلن يغلبه غالب مهما بلغت قوته. قال الجمل: «قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح «أن» والباقون بكسرها. فالفتح من أوجه: أحدها: أنه على لام العلة والمعلل تقديره، ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أن التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث أنه خبر مبتدأ محذوف. أى: والأمر أن الله مع المؤمنين. والوجه الأخير يقرب في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف «١» . هذا وما جرينا عليه من أن الخطاب في قوله- تعالى- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا.. للمشركين هو رأى جمهور المفسرين. ومنهم من يرى أن الخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين، وعليه يكون المعنى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ... أى تطلبوا- أيها المؤمنون- النصر على أعدائكم فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أى: فقد جاءكم النصر من عند الله كما طلبتم. وَإِنْ تَنْتَهُوا أى عن المنازعة في أمر الأنفال، وعن التكاسل في طاعة الله ورسوله، فَهُوَ أى هذا الانتهاء خَيْرٌ لَكُمْ. وَإِنْ تَعُودُوا إلى المنازعات والتكاسل نَعُدْ عليكم بالإنكار وتهييج الأعداء. وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ أى: ولن تفيدكم كثرتكم شيئا مهما كثرت إن لم يكن الله معكم بنصره. وأن الله- تعالى- مع المؤمنين الصادقين في إيمانهم وطاعتهم له. والذي يبدو لنا أن كون الخطاب للكافرين أرجح، لأن أسباب النزول تؤيده، فقد سبق أن بينا أن الكافرين عند خروجهم إلى بدر تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أهدى الجندين.. وأن أبا جهل قال حين التقى القوم:

стр. 2354

اللهم أينا أقطع للرحم.. فأحنه الغداة. قال ابن جرير: فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ.. «١» . ولعل مما يرجح أن الخطاب في قوله- تعالى- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ... للكافرين، أن بعض المفسرين- كابن جرير وابن كثير- ساروا في تفسيرهم للآية على ذلك، وأهملوا الرأى القائل بأن الخطاب للمؤمنين فلم يذكروه أصلا. أما صاحب الكشاف فقد ذكره بصيغة «وقيل» وصدر كلامه بكون الخطاب للكافرين فقال: قوله- تعالى-: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا.. خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعانى ... » «٢» . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة التي افتتحت بنداء المؤمنين، قد أمرتهم بالثبات عند لقاء الأعداء.. وبينت لهم جوانب من مظاهر فضل الله عليهم، ورعايته لهم.. ورغبت المشركين في الانتهاء عن شركهم وعن محاربتهم للحق، وحذرتهم من التمادي في باطلهم وطغيانهم.. وأخبرتهم في ختامها بأن الله- تعالى- مع المؤمنين بتأييده ونصره. ثم وجهت السورة الكريمة نداء ثانيا إلى المؤمنين، أمرتهم بطاعة الله ورسوله، ونهتهم عن التشبه بالكافرين وأمثالهم من المنافقين. فقال- تعالى-: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)

стр. 2355

والمعنى يا أيها الذين آمنوا حق الإيمان، أطيعوا الله ورسوله في كل أحوالكم، وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ أى ولا تعرضوا عنه، فإن في إعراضكم عنه خسارة عظيمة لكم في دنياكم وآخرتكم. قال الآلوسى: «وأعيد الضمير إليه ﷺ ، لأن المقصود طاعته، وذكر طاعة الله- تعالى- توطئة لطاعته، وهي مستلزمة لطاعة الله- تعالى-، لأنه مبلغ عنه، فكان الراجع إليه ﷺ كالراجع إلى الله- تعالى-» «١» . وقوله: وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ جملة حالية مسوقة لتأكيد وجوب الانتهاء عن التولي مطلقا، لا لتقييد النهى عنه بحال السماع. أى أطيعوا الله ورسوله- أيها المؤمنون- ولا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته، والمواعظ الزاجرة عن مخالفته وقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ تأكيد لما قبله، ونهى لهم عن التشبه بالضالين. أى أطيعوا الله ورسوله في كل أحوالكم عن إخلاص وإذعان، ولا تقصروا في ذلك في وقت من الأوقات، وإياكم أن تتشبهوا بأولئك الكافرين والمنافقين الذين ادعوا السماع فقالوا سمعنا، والحال أنهم لم يسمعوا سماع تدبر واتعاظ، لأنهم لم يصدقوا ما سمعوه، ولم يتأثروا به. بل نبذوه وراء ظهورهم. فالمنفى في قوله- تعالى- وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع خاص، وهو سماع التدبر والاتعاظ، لكنه جيء به على سبيل الإطلاق، للإشعار بأنهم قد نزلوا منزلة من لم يسمع أصلا، بجعل سماعهم بمنزلة العدم، حيث إنه سماع لا وزن له، ولا فائدة لهم من ورائه، مع أنهم لو فتحوا آذانهم وقلوبهم للحق لاستفادوا، ولكنهم آثروا الغي على الرشد. ثم وصف- سبحانه- الكفار والمنافقين وأشباههم وصفا يحمل العقلاء على النفور منهم، فقال- تعالى-: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ... والدواب: جمع دابة وهي كل ما يدب على الأرض. قال- تعالى-: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.. «٢» . قال الجمل: «وإطلاق الدابة على الإنسان لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا، وفي المصباح: الدابة كل حيوان في الأرض مميزا أو غير مميز» «٣» . وقد روى أن هذه الآية نزلت في نفر من بنى عبد الدار، كانوا يقولون: نحن صم بكم عما

стр. 2356

جاء به محمد، فقتلوا جميعا يوم بدر. وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. والمعنى: إن شر ما يدب على الأرض عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وقضائه، هم أولئك الصُّمُّ عن سماع الحق الْبُكْمُ عن النطق به الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أى لا يعقلون التمييز بينه وبين الباطل. ووصفهم- سبحانه- بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون، لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، بل استعملوها فيما يضر ويؤذى، فكان وجودها فيهم كعدمها. وقدم الصمم على البكم، لأن صممهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له، كما أن النطق به من فروع سماعه. وقوله الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ تحقيق لكمال سوء حالهم، لأن الأصم الأبكم إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور.. أما إذا كان بجانب صممه وبكمه فاقد العقل، فإنه في هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية في سوء الحال.. قال صاحب المنار: وقوله: الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أى: فقدوا فضيلة العقل الذي يميز بين الحق والباطل والخير والشر، إذ لو عقلوا لطلبوا، ولو طلبوا لسمعوا وميزوا، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا، وتذكروا وذكروا.. فهم لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى.. بل هم شر من ذلك لأنهم أعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم لعدم استعمالها فيما خلقها الله لأجله، فهم كما قال الشاعر: خلقوا، وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا ولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم في آية الأعراف وآيتي البقرة، لأن المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإسلام، ولم يهتدوا بسماع آيات القرآن» «١» . وقوله- تعالى- وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ... بيان لما جبلوا عليه من إيثار الغي على الرشد، والضلالة على الهداية. أى: ولو علم الله- تعالى- في هؤلاء الصم البكم خَيْراً أى: استعدادا للإيمان ورغبة فيما يصلح نفوسهم وقلوبهم لَأَسْمَعَهُمْ سماع تفهم وتدبر، أى: لجعلهم سامعين للحق، ومستجيبين له، ولكنه- سبحانه- لم يعلم فيهم شيئا من ذلك، فحجب خيره عنهم بسبب سوء استعدادهم.

стр. 2357

ولذا قال- تعالى- بعد ذلك: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ أى: ولو أسمعهم سماع تفهم وتدبر، وهم على هذه الحالة العارية من كل خير لتولوا عما سمعوه من الحق وَهُمْ مُعْرِضُونَ عن قبوله جحودا وعنادا. قال الفخر الرازي: قوله- تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ أى: أن كل ما كان حاصلا، فإنه يجب أن يعلمه الله، فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وتقرير الكلام: لو حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا به، ولتولوا وهم معرضون» «١» . ثم وجه- سبحانه- إلى المؤمنين نداء ثالثا أمرهم فيه بالاستجابة لتعاليمه، وحذرهم من الأقوال والأعمال التي تكون سببا في عذابهم، وذكّرهم بجانب من مننه عليهم، فقال- تعالى-: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) قال القرطبي: قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.. هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة:

стр. 2358

الإجابة.. قال الشاعر: وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب «١» أى: فلم يجبه عند ذاك مجيب. وكان الإمام القرطبي يرى أن السين والتاء في قوله: «استجيبوا» زائدتان. ولعل الأحسن من ذلك أن تكون السين والتاء للطلب، لأن الاستجابة هي الإجابة بنشاط وحسن استعداد. وقوله لِما يُحْيِيكُمْ أى لما يصلحكم من أعمال البر والخير والطاعة، التي توصلكم متى تمسكتم بها إلى الحياة الكريمة الطيبة في الدنيا، وإلى السعادة التي ليس بعدها سعادة في الآخرة. وهذا المعنى الذي ذكرناه لقوله لِما يُحْيِيكُمْ أدق مما ذكره بعضهم من أن المراد بما يحييهم القرآن، أو الجهاد، أو العلم ... إلخ. وذلك، لأن أعمال البر والخير والطاعة تشمل كل هذا. والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالله حق الإيمان، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ عن طواعية واختيار، ونشاط وحسن استعداد إِذا دَعاكُمْ الرسول- ﷺ لِما يُحْيِيكُمْ أى: إلى ما يصلح أحوالكم، ويرفع درجاتكم، من الأقوال النافعة، والأعمال الحسنة، التي بالتمسك بها تحيون حياة طيبة: وتظفرون بالسعادتين: الدنيوية والأخروية. والضمير في قوله دَعاكُمْ يعود إلى رسول الله ﷺ لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله، ولأن في الاستجابة له استجابة لله- تعالى- قال- سبحانه-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «٢» . وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ تحذير لهم من الغفلة عن ذكر الله، وبعث لهم على مواصلة الطاعة له- سبحانه-. وقوله: يَحُولُ من الحول بين الشيء والشيء، بمعنى الحجز والفصل بينهما. قال الراغب: أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول: وباعتبار الانفصال قيل حال بيني وبينك كذا ... أى فصل..» «٣» .

стр. 2359

هذا، وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال متعددة أهمها قولان: أما القول الأول فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه- كما يقول ابن جرير-: أنه- سبحانه- أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئا، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته، وذلك أن الحول بين الشيء والشيء إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز- جل ثناؤه- بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيل، وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك قول من قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. وقول من قال: يحول بينه وبين عقله. وقول من قال: يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.. فالخبر على العموم حتى يخصصه ما يجب التسليم له، «١» . وقد رجح ابن جرير هذا القول بعد أن ذكر قبله بعض الأقوال الأخرى. وقال ابن كثير- بعد أن لخص القول الذي رجحه ابن جرير-: وقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ يقول: إن قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف شاء، ثم قال رسول الله ﷺ : (اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك) . وروى: الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» «٢» . أما القول الثاني فهو أن المراد بالحيلولة بين المرء وقلبه- كما يقول الزمخشري- «أنه- سبحانه- يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليما كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله، «٣» . أو- كما يقول الفخر الرازي- بعبارة أوضح: «أن المراد أنه- تعالى- يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه، فإن الأجل يحول دون الأمل. فكأنه قال: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء، فإن ذلك غير موثوق به،

стр. 2360

وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأمانى الحاصلة في القلب، لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم: سال الوادي، «١» . والذي نراه أن القول الثاني أولى بالقبول، لأن الآية الكريمة ساقته لحض المؤمنين على سرعة الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه رسوله ﷺ والذي باتباعه يحيون حياة طيبة، وتذكيرهم بيوم الحساب وما فيه من ثواب وعقاب، كما قال- تعالى- في ختامها وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وليست مسوقة لإثبات قدرة الله، وأنه أملك لقلوب عباده منهم: وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء. فالمعنى الذي ذكره ابن جرير- وتابعه عليه ابن كثير وغيره، معنى وجيه في ذاته، إذ لا ينكر أحد أن الله مقلب القلوب ومالكها.. ولكن ليس مناسبا هنا مناسبة المعنى الذي ذكره الزمخشري والرازي، لأن الآية التي معنا والتي بعدها صريحتان في دعوة المؤمنين إلى الاستجابة للحق قبل أن يفاجئهم الموت، وقبل أن تحل بهم مصيبة لا تصيب الظالمين منهم خاصة. والمعنى الإجمالى للآية الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ بعزيمة صادقة، وسرعة فائقة، إِذا دَعاكُمْ الرسول- ﷺ لِما يُحْيِيكُمْ أى لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة وَاعْلَمُوا علما يقينا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أى يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها: فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا، وسيجمع كذا في المستقبل، وسيحصل على كذا قريبا.. ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه.. فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت. وقوله: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تذبيل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة. والضمير في قوله وَأَنَّهُ يعود إلى الله تعالى- أو هو ضمير الشأن. أى: وأنه- سبحانه- إليه وحده ترجعون لا إلى غيره، فيحاسبكم على ما قدمتم وما أخرتم، ويجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب. في العمل الصالح بسرعة ونشاط، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة الله. ثم يؤكد- سبحانه- بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخي في تغيير المنكر فيقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.

стр. 2361

والفتنة: من الفتن. وأصله- كما يقول الراغب-: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار. كما في قوله- تعالى- ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أى: عذابكم. وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله- تعالى-: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا. وتارة في الاختيار نحو قوله- تعالى- وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً «١» . والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي، كالأمراض، والقحط، واضطراب الأحوال، وتسلط الظلمة، وعدم الأمان.. وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التي تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب، وإقرارهم للمنكرات، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. والخطاب لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان. فالمعنى: داوموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط، واحذروا من أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين. وقوله، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ المراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله- تعالى-. أى: واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وانتهك حرماته. قال صاحب الكشاف: وقوله لا تُصِيبَنَّ لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر، أو نهيا بعد أمر، أو صفة لفتنة. فإذا كان جوابا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم ... وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل: واحذروا ذنبا أو عقابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله الجميع وليس من ظلم منكم خاصة. فإن قلت: كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت: لأن فيه معنى النهى- ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة- كما إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك. ومنه قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ «٢» . وقوله خَاصَّةً منصوب على الحال من الفاعل المستكن في قوله لا تُصِيبَنَّ. ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف. والتقدير: إصابة خاصة.

стр. 2362

هذا، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإقلاع عن المعاصي، ووجوب محاربة مرتكبيها، فإن الأمة التي تشيع فيها المعاصي والمظالم والمنكرات.. ثم لا تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها وجبنها. وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق بعض الصحابة الذين اشتركوا في واقعة الجمل فيما بعد. ولكن هذا القول غير صحيح لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعا في كل زمان ومكان، وتأمرهم بالبعد عن المعاصي والمنكرات التي تفضى بهم إلى العذاب الدنيوي قبل الأخروى. وليست خاصة بفريق دون فريق. لذا قال ابن كثير: والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عدى بن عميرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله- تعالى- لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» . وروى الإمام أحمد أيضا عن جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب» «١» . وقال الإمام القرطبي: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» . وفي صحيح الترمذي: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه، أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» . وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا- أى اقترعوا- على سفينة فأصاب بعضهم أغلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» .

стр. 2363

ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي، وانتشار المنكر وعدم التغيير. وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. روى ابن وهب عن مالك قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبى الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. فإن قيل: فقد قال الله- تعالى- وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وقال: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة «١» . وقال بعض العلماء: وذكر القسطلاني «أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له، إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده. فكل من لم يكن بهذه الحالة، فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار «٢» . وبعد أن أمر- سبحانه- المؤمنين بالاستجابة له ونهاهم عن الوقوع في المعاصي.. أخذ في تذكيرهم بجانب من فضله عليهم فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ.... أى: اذْكُرُوا يا معشر المؤمنين إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أى: وقت أن كنتم قلة مستضعفة في أرض مكة تحت أيدى كفار قريش. أو في أرض الجزيرة العربية حيث كانت الدولة لغيركم من الفرس والروم. وقوله: تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أى: تخافون أن يأخذكم أعداؤكم أخذا سريعا. لقوتهم وضعفكم. يقال خطفه- من باب تعب- أى: استلبه بسرعة.

стр. 2364

والمراد بالتذكر في قوله: اذْكُرُوا أن يتنبهوا بعقولهم وقلوبهم إلى نعم الله، وأن يداوموا على شكرها حتى يزيدهم- سبحانه- من فضله. وإِذْ ظرف بمعنى وقت. وأَنْتُمْ مبتدأ، أخبر عنه بثلاثة أخبار بعده وهي قَلِيلٌ ومُسْتَضْعَفُونَ وتَخافُونَ. والمراد بالناس: كفار قريش، أوهم وغيرهم من كفار العرب والفرس والروم. وقوله: فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ بيان لما من به عليهم من نعم بعد أن كانوا محرومين منها. أى: اذكروا وقت أن كنتم قلة ضعيفة مستضعفة تخشى- أن يأخذها أعداؤها أخذا سريعا، فرفع الله عنكم بفضله هذه الحال، وأبدلكم خيرا منها، بأن آواكم إلى المدينة، وألف بين قلوبكم يا معشر المهاجرين والأنصار وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ في غزوة بدر، وقذف في قلوب أعدائكم الرعب منكم وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أى: ورزقكم من الغنائم التي أحلها لكم بعد أن كانت محرمة على الذين من قبلكم، كما رزقكم- أيضا بكثير من المطاعم والمشارب الطيبة التي لم تكن متوفرة لكم قبل ذلك. وقوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تذييل قصد به حضهم على مداومة الشكر والطاعة لله- أى: نقلكم الله- تعالى- من الشدة إلى الرخاء، ومن القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الفقر إلى الغنى.. حتى تستمروا على طاعة الله وشكره، ولا يشغلكم عن ذلك أى شاغل. قال ابن جرير: قال قتادة في قوله- تعالى- وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ..: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردى في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منهم منزلا، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس. فبالاسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله- تعالى-» «١» . وبذلك نرى أن هذه الآيات الثلاثة قد جمعت بين الترغيب والترهيب والتذكير ... الترغيب

стр. 2365

كما في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.... والترهيب كما في قوله- تعالى-: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.... والتذكير كما في قوله- تعالى- وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ.... وبالترغيب في الطاعات، وبالترهيب من المعاصي، وبالتذكير بالنعم، ينجح الدعاة في دعوتهم إلى الله. ثم وجه- سبحانه- بعد ذلك نداء رابعا وخامسا إلى المؤمنين فقال: [سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) روى المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا روايات منها: ما جاء عن ابن عباس من أنها نزلت في أبى لبابة حين بعثه رسول الله- ﷺ إلى بنى قريظة فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه. أى أن حكم سعد فيكم سيكون الذبح فلا تنزلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي- عن مكانهما- حتى علمت أنى قد خنت الله ورسوله. ومنها ما جاء عن جابر بن عبد الله من أنها نزلت في منافق كتب إلى أبى سفيان يطلعه على سر من أسرار المسلمين. ومنها ما جاء عن السدى من أنها نزلت في قوم كانوا يسمعون الشيء عن النبي- صلى الله

стр. 2366

عليه وسلم- ثم يحدثون به المشركين.. «١» . قال ابن كثير: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص فإن الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو المعتمد عند الجماهير من العلماء. وقوله لا تَخُونُوا من الخون بمعنى النقص. يقال خونه تخوينا أى: نسبه إلى الخيانة ونقصه. قال صاحب الكشاف: معنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه تخونه إذا تنقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه. وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب- والكرب حبل يشد في رأس الدلو- وخان المشتار السبب. والمشتار مجتنى العسل والسبب الحبل- لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له» «٢» . والمقصود بخيانة الله: ترك فرائضه وأوامره التي كلف العباد بها، وانتهاك حرماته التي نهى عن الاقتراب منها. والمقصود بخيانة الرسول ﷺ : إهمال سننه التي جاء بها وأمرنا بالتقيد بتعاليمها. والمقصود بالأمانات: الأسرار والعهود والودائع وغير ذلك من الشئون التي تكون بينهم وبين غيرهم مما يجب أن يصان ويحفظ. والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ بأن تهملوا فرائضه، وتتعدوا حدوده، ولا تخونوا الرَّسُولَ ﷺ ، بأن تتركوا سنته وتنصرفوا إلى غيرها، وتخالفوا ما أمركم به وتجترحوا ما نهاكم عنه، ولا تخونوا أَماناتِكُمْ بأن تفشوا الأسرار التي بينكم، وتنقضوا العهود التي تعاهدتم على الوفاء بها، وتنكروا الودائع التي أودعها لديكم غيركم، وتستبيحوا ما يجب حفظه من سائر الحقوق المادية والمعنوية، فقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ معطوف على قوله لا تَخُونُوا. وأعاد النهى للإشعار بأن كل واحد من المنهي عنه مقصود بذاته اهتماما به. وقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الواو للحال، والمفعول محذوف. أى. والحال أنكم تعلمون سوء عاقبة الخائن لله ولرسوله وللأمانات التي اؤتمن عليها، فعليكم أن تتجنبوا الخيانة في جميع صورها لتنالوا رضى الله ومثوبته.

стр. 2367

ولما كان حب الأموال والأولاد والاشتغال بهم من أهم دواعي الإقدام على الخيانة، نبه- سبحانه- إلى ذلك فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. أى: واعلموا- أيها المؤمنون- أنما أموالكم وأولادكم فتنة، أى امتحان واختبار لكم من الله- تعالى- ليتبين قوى الإيمان من ضعيفه. أما قوى الإيمان فلا يشغله ماله وولده عن طاعة الله، وأما ضعيف الإيمان فيشغله ذلك عن طاعة الله، ويجعله يعيش حياته عبدا لأمواله، ومطيعا لمطالب أولاده حتى ولو كانت هذه الطاعة متنافية مع تعاليم دينه وآدابه. وقال صاحب المنار: الفتنة هي الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره. وأموال الإنسان عليها مدار حياته، وتحصيل رغائبه وشهواته، ودفع كثير من المكاره عنه، فهو يتكلف في طلبها المشاق، ويركب الصعاب، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام، ويرغبه في القصد والاعتدال في إنفاقها. وأما الأولاد فحبهم- كما يقول الأستاذ الامام- ضرب من الجنون يلقيه الفاطر الحكيم في قلوب الأمهات والآباء، فيحملهم على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم. روى أبو ليلى من حديث أبى سعيد الخدري مرفوعا «الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة» . فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الآثام، وعلى الجبن، وعلى البخل، وعلى الحزن. فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى يكسب المال من وجوهه الحلال، وإنفاقه في وجوهه المشروعة.. واتقاء خطر الفتنة الثانية باتباع ما أوجبه الله على الآباء من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل، وتجنبهم أسباب المعاصي والرذائل» «١» . وقوله وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ تذييل قصد به ترغيب المؤمنين في طاعة الله، بعد أن حذرهم من فتنة المال والولد. أى: واعلموا أن الله عنده أجر عظيم لمن آثر طاعته ورضاه على جمع المال وحب الأولاد، فكونوا- أيها المؤمنون- من حزب المؤثرين لحب الله على حب الأموال والأولاد لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 2368

ثم ختم سبحانه- نداءاته للمؤمنين بهذا النداء الذي يهديهم إلى سبل الخير والفلاح فقال- سبحانه- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. والفرقان في كلام العرب- كما يقول ابن جرير- مصدر من قولهم فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقا وفرقانا- أى أفرق وأفصل بينهما. وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عند تأويل قوله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً فقال بعضهم: يجعل لكم مخرجا. وقال بعضهم نجاة، وقال بعضهم فصلا وفرقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم.. وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلفت العبارة..» «١» . وقال الآلوسى: فُرْقاناً أى: هداية ونورا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل- كما روى عن ابن جريج وابن زيد- أو نصرا يفرق به بين الحق والباطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين- كما قال الفراء- أو نجاة في الدارين- كما هو كلام السدى- أو مخرجا من الشبهات- كما جاء عن مقاتل- أو ظهورا يشهر أمركم وينشر صيتكم- كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق- من بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أى الصبح. وكل المعاني ترجع إلى الفرق بين أمرين. وجوز البعض من المحققين الجمع بينها» «٢» . ونحن مع هذا البعض من المحققين في جواز الجمع بين هذه المعاني فيكون المعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وتطيعوه في السر والعلن يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أى هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ونصرا تعلو به كلمتكم على كلمة أعدائكم، ومخرجا من الشبهات التي تقلق النفوس، ونجاة مما تخافون،.. وفضلا عن كل ذلك فإنه- سبحانه- يكفر عنكم سيئاتكم، أى يسترها عليكم في الدنيا، وَيَغْفِرْ لَكُمْ أى: ويغفر لكم يوم القيامة ما فرط منكم من ذنوب بلطفه وإحسانه وقوله: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تذييل قصد به التعليل لما قبله، والتنبيه على أن ما وعد به- سبحانه- المؤمنين على تقواهم إنما هو تفضل منه لهم، فهو- سبحانه- صاحب العطاء الجزيل، والخير العميم. لمن أطاعه واتقاه، وصان نفسه عما يسخطه ويغضبه. فأنت ترى أنه- سبحانه- قد رتب على تقواه وعلى الخوف منه نعما عظمى، ومننا كبرى، وأى نعم يتطلع إليها المؤمنون أفضل من هداية القلوب وتكفير الخطايا والذنوب؟. اللهم لا تحرمنا من هذه النعم والمنن بفضلك وإحسانك، فأنت وحدك صاحب العطاء العميم، وأنت وحدك ذو الفضل العظيم، وأنت وحدك على كل شيء قدير.

стр. 2369

وبعد: فنحن- أخى القارئ- لو استعرضنا سورة الأنفال من مطلعها إلى هنا، لرأيناها تحدثنا- على سبيل الإجمال- عن: (أ) أحكام الأنفال، وأن مرد الحكم فيها إلى الله ورسوله.. (ب) وعن الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون لينالوا مغفرة الله ورضوانه. (ج) وعن أحوال بعض المؤمنين الذين اشتركوا في غزوة بدر، وكانوا يفضلون العير على النفير. ولكن- الله تعالى- بين لهم أن الخير فيما قدره لا فيما يفضلون. (د) وعن النعم والبشارات وأسباب النصر التي أمد الله بها المؤمنين في بدر والتي كان من آثارها ارتفاع شأنهم، واندحار شأن أعدائهم. (هـ) وعن التوجيهات الحكيمة التي أعقبت تلك النداءات الخمسة التي نادى الله بها المؤمنين، فقد أمرهم- سبحانه- بالثبات في وجه أعدائهم، وبالطاعة التامة له ولرسوله- ﷺ وبالاستجابة السريعة للحق الذي جاءهم به الرسول- ﷺ .. ونهتهم عن التولي يوم الزحف وعن التشبه بمن قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، وعن إقرار المنكرات والبدع والرضا بها، وعن خيانة الله والرسول، وعن خيانة الأمانات التي تجب صيانتها والمحافظة عليها. ووعدهم- سبحانه- بهداية القلوب، وتكفير الخطايا والذنوب، متى اتقوه ووقفوا عند حدوده. (و) والآن، وبعد هذا التوجيه الحكيم، والتأديب القويم، والتعليم النافع والتذكير بالنعم، والتحذير من النقم..ماذا نرى؟ نرى السورة الكريمة تأخذ في تذكير المؤمنين بجوانب من جرائم أعدائهم فتقص عليهم ما كان من هؤلاء الأعداء من تآمر على حياة رسولهم ﷺ ومن تهكم بالقرآن الكريم وادعاء أنهم في استطاعتهم أن يأتوا بمثله لو شاءوا، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام، وسخرية بشعائره وعباداته، ومن إنفاق لأموالهم ليصدوا الناس عن الطريق للحق، ومن إصرار على العناد والجحود جعلهم يستعجلون العذاب. ومع كل هذا فالسورة الكريمة تفتح الباب في وجوه هؤلاء الجاحدين المعاندين، وتأمر المؤمنين أن ينصحوهم بالدخول في دين الله.. فإذا لم يستجيبوا لنصحهم فعليهم أن يقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. استمع- أخى القارئ- بتدبر إلى الآيات التي تحكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول:

стр. 2370

[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣٠ الى ٤٠] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)

стр. 2371

قال ابن كثير: عن ابن عباس في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنه قال: تشاورت قريش ليلة بمكة- في شأن النبي- ﷺ ، وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به- فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم بل أخرجوه. ثم اتفقوا أخيرا على قتله-، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، فأمر النبي ﷺ عليا أن يبيت مكانه ففعل وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ﷺ فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليا قالوا له أين صاحبك؟ قال: لا أدرى. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية، إلا أننا نكتفي بهذه الرواية، لإفادتها بالمطلوب في موضوعنا، ولأن غيرها قد اشتمل على أخبار أنكرها بعض المحققين، كما أنكرها ابن كثير نفسه «١» . وقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ.. تذكير من الله- تعالى- لنبيه وللمؤمنين ببعض نعمه عليهم، حيث نجى نبيه ﷺ من مكر المشركين حين تآمروا على قتله وهو بينهم بمكة. قال ابن جرير: أنزل الله على النبي- ﷺ بعد قدومه المدينة سورة الأنفال، يذكره نعمه عليه- ومن ذلك قوله- تعالى- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. الآية «٢» . وقوله يَمْكُرُ من المكر، وهو- كما يقول الراغب- صرف الغير عما يقصده بحيلة

стр. 2372

وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله- تعالى- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. ومكر مذموم، وهو أن يتحرى بمكره فعلا قبيحا، ومنه قوله- تعالى- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. وقال- في الأمرين: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «١» . وقوله: «ليثبتوك» أى ليحبسوك. يقال أثبته إذا حبسته. والمعنى: واذكر- يا محمد- وقت أن نجيتك من مكر أعدائك، حين تآمروا عليك وأنت بين أظهرهم في مكة، لكي لِيُثْبِتُوكَ أى: يحبسوك في دارك، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن دعوتهم إلى الدين الحق أَوْ يَقْتُلُوكَ بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم في النسب، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة.. أَوْ يُخْرِجُوكَ أى: من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك. وقوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ بيان لموضع النعمة والمنة، أى: والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السيئ، والله- تعالى- يرد مكرهم في نحورهم، ويحبط كيدهم، ويخيب سعيهم، ويعاقب عليه عقابا شديدا، ويدبر أمرك وأمر أتباعك، ويحفظكم من شرورهم، فهو- سبحانه- أقوى الماكرين. وأعظمهم تأثيرا، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع. قال الآلوسى: قوله وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ أى: برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم، أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره- سبحانه-. وإطلاق هذا المركب الإضافى عليه- تعالى- إن كان باعتبار أن مكره- سبحانه- أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإضافة للتفضيل، لأن لمكر الغير- أيضا- نفوذا أو تأثيرا في الجملة.. وإن كان باعتبار أنه- سبحانه- لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به، فلا شركة لمكر الغير فيه، وتكون الإضافة حينئذ للاختصاص، لانتفاء المشاركة..» «٢» . هذا والصورة التي يرسمها قوله- تعالى-: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ صورة عميقة التأثير، ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون، والله من روائهم محيط، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون.

стр. 2373

إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة.. فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة.. قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط؟ والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير، فيهز بها القلوب، ويحرك بها أعماق الشعور» «١» . ثم حكى القرآن بعد ذلك جانبا من الدعاوى الكاذبة التي تفوه بها المشركون فقال- تعالى- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وقد ذكر كثير من المفسرين أن القائل لهذا القول: النضر بن الحارث فإنه كان قد ذهب إلى بلاد فارس فأحضر منها قصصا عن ملوكهم.. ولما قدم مكة ووجد رسول الله ﷺ يتلو القرآن قال للمشركين: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان ﷺ إذا قام من مجلس، جاء بعده النضر فجلس فيه وحدث المشركين بأخبار ملوك الفرس والروم، وغيرهم ثم قال: أينا أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ وقد أمكن الله منه يوم بدر، فقد أسره المقداد بن عمرو، فأمر النبي ﷺ بضرب عنقه وقال فيه: «إنه كان يقول في كتاب الله- ما يقول» «٢» . وأسند- سبحانه- قول النضر إلى جميع المشركين، لأنهم كانوا راضين بقوله، ولأنه كان من زعمائهم الذين يقودونهم إلى طريق الغواية. والأساطير- كما يقول ابن جرير-: جمع أسطر، وهو جمع الجمع، لأن واحد الأسطر سطر. ثم يجمع السطر: أسطر وسطور، ثم يجمع الأسطر أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل العربية يقول: واحد الأساطير: أسطورة- كأحاديث وأحدوثة «٣» . والمراد بها: تلك القصص والحكايات التي كتبها الكاتبون عن القدامى، والتي يغلب عليها طابع الخرافة والتخيلات التي لا حقيقة لها. والمعنى: أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم الكذب والتمادي في الطغيان، أنهم كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله قالُوا بصفاقة ووقاحة: قَدْ سَمِعْنا أى: قد سمعنا ما قرأته علينا- يا محمد- ووعيناه لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا أى لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي تتلوه علينا يا محمد وما هو إلا من قصص الأولين وحكاياتهم التي سطرها بعضهم عنهم وليس من عند الله- تعالى-

стр. 2374

ولا شك أن قولهم هذا يدل على تعمدهم الكذب على أنفسهم وعلى الناس فإن هذا القرآن- الذي زعموا أنهم لو شاءوا لقالوا مثله- قد تحداهم في نهاية المطاف أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وانقلبوا خاسرين. والذي نعتقده أن قولهم هذا، ما هو إلا من قبيل الحرب النفسية التي كانوا يشنونها على الدعوة الإسلامية، بقصد تضليل البسطاء، والوقوف في وجه تأثير القرآن في القلوب، ومحاولة طمس معالم الحق ولو إلى حين. ولكنهم لم يفلحوا. فإن نور الحق لا تحجبه الشبهات الزائفة، ولا يعدم الحق أن يجد له أنصارا حتى من أعدائه، يكفى هنا أن نستشهد بما قاله الوليد بن المغيرة في وصف القرآن الكريم: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر.. وما يقول هذا بشر» . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لقوله- تعالى- لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا..: نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن كانوا مستطيعين أن يشاءوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة ... » «١» . ثم تمضى السورة في حديثها عن رذائل مشركي قريش، فتحكى لونا عجيبا من ألوان عنادهم، وجحودهم للحق. فتقول: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ.. وقائل هذا القول: النضر بن الحارث صاحب القول السالف لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا.. ذكر ذلك عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير. وأخرج البخاري عن أنس بن مالك أن قائل ذلك: أبو جهل بن هشام. وأخرجه ابن جرير عن ابن رومان ومحمد بن قيس أن قريشا قال بعضها لبعض: أأكرم الله محمدا ﷺ من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء «٢» . والمعنى: أن هؤلاء المشركين قد بلغ بهم العناد والجحود أنهم لم يكتفوا بإنكار أن القرآن من عند الله، وأن محمدا قد جاءهم بالحق.. بل أضافوا إلى ذلك قولهم: اللهم إن كان هذا الذي

стр. 2375

جاءنا به محمد من قرآن وغيره هو الحق المنزل من عندك، فعاقبنا على إنكاره والكفر به، بأن تنزل علينا حجارة من السماء تهلكنا. أو تنزل علينا عذابا أليما يقضى علينا. قال الجمل: قوله: هُوَ الْحَقَّ قرأ العامة «الحق» بالنصب على أنه خبر الكون ولفظ هُوَ للفصل. وقرأ الأعمش وزيد بن على «الحق» بالرفع ووجهها ظاهر برفع لفظ «هو» على الابتداء، والحق خبره، والجملة خبر الكون «١» . وفي إطلاقهم الْحَقَّ على ما جاء به الرسول ﷺ ، وجعله من عند الله تهكم بمن يقول ذلك سواء أكان هذا القائل- رسول الله ﷺ أو المؤمنين. وأل فيه للعهد: أى الحق الذي ادعى محمد أنه جاء به من عند الله. وقوله: مِنَ السَّماءِ متعلق بمحذوف صفة لقوله حِجارَةً. وفائدة هذا الوصف الدلالة على أن المراد بها حجارة معينة مخصوصة لتعذيب الظالمين. قال صاحب الكشاف: وهذا أسلوب من الجحود بليغ. يعنى إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. ومرادهم نفى كونه حقا، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة من السماء. فإن قلت: ما فائدة قوله مِنَ السَّماءِ والأمطار لا تكون إلا منها؟ قلت: كأنهم يريدون أن يقولوا: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال الرجل: أجهل من قومي قومك، فقد قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ... ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له «٢» . ولقد كان هذا الرجل حكيما في رده على معاوية، لأنه كان الأولى بأولئك المشركين أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه.. ولكن العناد الجامح الذي استولى عليهم جعلهم يؤثرون الهلاك على الإذعان للحق ويفضلون عبادة الأصنام على اتباع محمد ﷺ الذي دعاهم إلى عبادة الله وحده.. وهكذا النفوس عند ما تنغمس في الأحقاد وتتمادى في الجحود. وتنقاد للأهواء والشهوات، وتأخذها العزة بالإثم. ترى الباطل

стр. 2376

حقا، والحق باطلا، وتؤثر العذاب وهي سادرة في باطلها، على الخضوع للحق والمنطق والصواب. ثم تعقب السورة على هذا الدعاء الغريب الذي حكته عن مشركي مكة، فتبين الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم فتقول: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. أى: وما كان الله مريدا لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذيب استئصال وإهلاك، وأنت مقيم فيهم- يا محمد- بمكة، فقد جرت سنته- سبحانه- ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب الكافرين. واللام في قوله لِيُعَذِّبَهُمْ لتأكيد النفي، وللدلالة على أن تعذيبهم والرسول ﷺ بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة. والمراد بالاستغفار في قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ استغفار من بقي بينهم من المؤمنين المستضعفين الذين لم يستطيعوا مغادرة مكة بعد أن هاجر منها النبي ﷺ والمؤمنون. أى: ما كان الله مريدا لتعذيبهم وأنت فيهم- يا محمد- وما كان- أيضا- مريدا تعذيبهم وبين أظهرهم بمكة من المؤمنين المستضعفين من يستغفر الله، وهم الذين لم يستطيعوا مغادرتها واللحاق بك في المدينة. قالوا: ويؤيد أن هذا هو المراد بالاستغفار قوله- تعالى- في آية أخرى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً «١» أى: لو تميز المؤمنون عن الكافرين لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما. وأسند- سبحانه- الاستغفار إلى ضمير الجميع، لوقوعه فيما بينهم، ولتنزيل ما صدر عن البعض منزلة ما صدر عن الكل. كما يقال: قتل أهل بلدة كذا فلانا والمراد بعضهم. ويرى بعضهم أن المراد بالاستغفار المذكور: استغفار الكفرة أنفسهم كقولهم: غفرانك. في طوافهم بالبيت، أو ما يشبه ذلك من معاني الاستغفار وكأن هذا البعض يرى أن مجرد طلب المغفرة منه- سبحانه- يكون مانعا من عذابه ولو كان هذا الطلب صادرا من الكفرة. ويرجح ابن جرير أن المراد بقوله: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ نفى الاستغفار عنهم فقد قال بعد أن ذكر بضعة آراء: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: تأويله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وبين أظهرهم مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم، لأنى لا أهلك قرية وفيها نبيها، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم

стр. 2377

لا يستغفرون من ذلك بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون ... » «١» . قال بعض المحققين: والقول الأول أبلغ لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة. ثم قال: روى الترمذي عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله ﷺ أنزل الله على أمانين لأمتى «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ... » الآية. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» . قال ابن كثير: ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال الله- تعالى- فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفرونى» «٢» . ثم بين- سبحانه- بعض الجرائم التي ارتكبها المشركون، والتي تجعلهم مستحقين لعذاب الله، فقال- تعالى-: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. والمعنى: وأى شيء يمنع من عذاب مشركي قريش بعد خروجك- يا محمد- وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا مانع أبدا من وقع العذاب عليهم وقد وجد مقتضية منهم، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد. فالاستفهام في قوله وَما لَهُمْ.. إنكارى بمعنى النفي. أى: لا مانع من تعذيب الله لهم وقوله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة، أى: لا مانع يمنع من تعذيبهم: وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام، ومن زيارته. ومن مباشرة عباداتهم عنده..؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم. ولقد أوقع الله بهم عذابه في الدنيا: ومن ذلك ما حدث لهم يوم بدر من قتل صناديدهم ومن أسر وجهائهم. وأما عذابهم في الآخرة فهو أشد وأبقى من عذابهم في الدنيا. وقوله: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ رد على ما كانوا يقولونه بالباطل: نحن ولاة البيت الحرام، فلنا أن نصد من نشاء عن دخوله، ولنا أن نبيح لمن نشاء دخوله. أى: إن هؤلاء المشركين ما كانوا في يوم من الأيام أهلا لولاية البيت الحرام بسبب شركهم وعداوتهم- لله تعالى- رب هذا البيت.

стр. 2378

وقوله إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بيان للمستحقين لولاية البيت الحرام، بعد نفيها عن المشركين. أى: إن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا لولاية البيت الحرام، وليسوا أهلا لأن يكونوا أولياء لله- تعالى- بسبب كفرهم وجحودهم، وإنما المستحقون لذلك هم المتقون الذين صانوا أنفسهم عن الكفر وعن الشرك وعن كل ما يغضب الله، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك بسبب جهلهم وتماديهم في الجحود والضلال. وقد جاءت جملة إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ مؤكدة بأقوى ألوان التأكيد، لنفى كل ولاية على البيت الحرام سوى ولايتهم هم. ونفى- سبحانه- العلم عن أكثر المشركين، لأن قلة منهم كانت تعلم أنه لا ولاية لها على المسجد الحرام ولكنها كانت تجحد ذلك عنادا وغرورا. أو أن المراد بالأكثر الكل، لأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام، كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم. ثم حكى- سبحانه- لونا آخر من ألوان ضلال هؤلاء المشركين وجحودهم فقال: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً، فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. قال القرطبي ما ملخصه: قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم. والمكاء: الصفير. يقال مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر. والتصدية: التصفيق. يقال: صدى يصدى تصدية إذا صفق. قال قتادة: المكاء: ضرب بالأيدى، والتصدية: الصياح. «١» والمعنى: أن هؤلاء المشركين لم تكن صلاتهم عند البيت الحرام إلا تصفيقا وتصفيرا، وهرجا ومرجا لا وقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع لجلالة الله- تعالى-، وذلك لجهلهم بما يجب عليهم نحو خالقهم، ولحرصهم على أن يسيئوا إلى النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، أو وهو يطوف بالبيت، أو وهو يؤدى شيئا من شعائر الإسلام وعباداته. فقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالصياح والغناء ليمنعوا الناس من سماعه. قال- تعالى-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٢» . وروى ابن جرير أن ابن عمر حكى فعلهم، فصفر، وأمال خده وصفق بيديه. وقال مجاهد إنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبي ﷺ صلاته.

стр. 2379

وعن سعيد بن جبير: كانت قريش يعارضون النبي ﷺ في الطواف يستهزئون به، يصفرون ويصفقون «١» . وقال الفخر الرازي: فإن قيل المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف جاز استثناؤهما من الصلاة؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة فخرج هذا الاستثناء على حسب، معتقدهم. الثاني: أن هذا كقولك: وددت الأمير فجعل جفائى صلتي. أى: أقام الجفاء مقام الصلة فكذا هنا. الثالث: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له. كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء. يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له «٢» . وقوله: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وعيد لهم على كفرهم وجحودهم، واستهزائهم بشعائر الله. أى: فذوقوا- أيها الضالون- العذاب الشديد بسبب كفركم وعنادكم واستهزائكم بالحق الذي جاءكم به محمد ﷺ من عند الله، ثم حكى- سبحانه- ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا في الخير ولكن في الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ... روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلّهم- أى جيشهم المهزوم- إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم في بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا. ففعلوا. قال: ففيهم- كما ذكر عن ابن عباس- أنزل الله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.. الآية «٣» . وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: نزلت في أبى سفيان بن حرب، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة، فقاتل بهم النبي ﷺ :

стр. 2380

وروى عن الكلبي والضحاك ومقاتل أنها نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش.. كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر «١» . قال ابن كثير: وعلى كل تقدير فهي عامة وإن كان سبب نزولها خاصا. أى: أن الآية الكريمة تتناول بوعيدها كل من يبذل أمواله في الصد عن سبيل الله، وفي تأييد الباطل ومعارضة الحق. المعنى: إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لا في وجوه الخير، وإنما ينفقونها لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أى: ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول في الدين الذي يوصلهم إلى رضا الله وإلى طريقه القويم. واللام في قوله: لِيَصُدُّوا لام الصيرورة، ويصح أن تكون للتعليل لأن غرضهم منع الناس عن الدخول في دين الله الذي جاء به النبي ﷺ ، والذي يرونه دينا مخالفا لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته في زعمهم. وقوله: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ... بيان لما سيؤول إليه أمرهم في الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة. أى: فسينفقون هذه الأموال في الشرور والعدوان، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم، لأنهم لم يصلوا- ولن يصلوا- من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون. وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإذلال في الدنيا، لأن سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر في النهاية لأتباع الحق لا لأتباع الباطل. وقوله: فَسَيُنْفِقُونَها خبر إن في قوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.. واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى. وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط والجزاء، إشعار بكمال سوء إنفاقهم، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم في خير أو ما يشبه الخير، وإنما أنفقوها في الشرور المحضة. وجاء العطف بحرف ثُمَّ للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم. فهم قد قصدوا بنفقتهم الوقوف في وجه الحق والانتصار على المؤمنين.. ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح، فقد ذهبت أموالهم سدى، وغلبوا المرة بعد المرة، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين. وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ بيان لسوء مصيرهم في الآخرة، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم في الدنيا.

стр. 2381

أى: أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة في الدنيا، أما في الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها. وقوله: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ... بيان لحكمته- سبحانه- في هزيمة الكافرين وحشرهم إلى جهنم. وقوله: فَيَرْكُمَهُ أى: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض يقال: ركم الشيء يركمه، إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه. وارتكم الشيء وتراكم أى: اجتمع. والمعنى: أنه- سبحانه- فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم إلى جهنم، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه، ليتميز الفريق الخبيث وهو فريق الكافرين، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين، فإذا ما تمايزوا جعل- سبحانه- الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض، فيلقى به في جهنم جزاء خبثه وكفره. واللام في قوله لِيَمِيزَ متعلقة بقوله يُغْلَبُونَ أو بقوله يُحْشَرُونَ ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال لإعلاء كلمة الله. وعليه تكون اللام في قوله لِيَمِيزَ متعلقة بقوله: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أى: أنه- سبحانه- يميز هذه الأموال بعضها من بعض، ثم يضم الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقى بها وبأصحابها في جهنم. والتعبير بقوله- سبحانه- فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً تعبير مؤثر بليغ، لأنه يصور الفريق الخبيث كأنه لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شيء متراكم مهمل، يقذف به في النار بدون اهتمام أو اعتبار. واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعود إلى هذا الفريق الخبيث، أى: أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم في الصد عن سبيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم. وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين.. يوجه- سبحانه- خطابه إلى نبيه ﷺ يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، فيقول- سبحانه-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. أى: قُلْ يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم، من أهل مكة وغيرهم، قل لهم: إِنْ يَنْتَهُوا عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من كفرهم ومعاصيهم وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتالك ويستمروا في ضلالهم وكفرهم وطغيانهم، انتقمنا منهم،

стр. 2382

ونصرنا المؤمنين عليهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ على ذلك. أى: فقد مضت سنة الله- تعالى- في الأولين، وسنته لا تتخلف في أنه- سبحانه- يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم في الأرض. وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم في بدر، وكيف أهلك- سبحانه- الكافرين من الأمم قبلهم. وجواب الشرط لقوله وَإِنْ يَعُودُوا محذوف والتقدير: وإن يعودوا ننتقم منهم. وقوله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ تعليل للجواب المحذوف. قال الآلوسى: قوله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أى عادة الله الجارية في الذين تحزبوا على الأنبياء، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم. وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة. ونظير ذلك قوله- سبحانه- سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله- سبحانه- وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا باعتبار جريانها على أيديهم. ويدخل في الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر. والآية حث على الإيمان وترغيب فيه.. واستدل بها على أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب لعموم الآية ... » «١» . وقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.. أمر من الله- تعالى- للمؤمنين بقتال الكافرين إذا ما استمروا في كفرهم وطغيانهم. والمعنى: عليكم- أيها المؤمنون- إذا ما استمر أولئك الكافرون في كفرهم وعدوانهم، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة، وأن تستمروا في قتالهم حتى تزول صولة الشرك، وحتى تعيشوا أحرارا في مباشرة تعاليم دينكم، دون أن يجرأ أحد على محاولة فتنتكم في عقيدتكم أو عبادتكم.. وحتى تصير كلمة الذين كفروا هي السفلى. قال الجمل: وقوله: وَقاتِلُوهُمْ.. معطوف على قوله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا. ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد. ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا» «٢» . وقوله فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى: فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم، فكفوا أيديكم عنهم، فإن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب.

стр. 2383

وقوله وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ بشارة منه- سبحانه- للمؤمنين بالنصر والتأييد. أى: وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أى: ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بولايته ونصرته، فهو- سبحانه- نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ لأنه لا يضيع من تولاه، ولا يهزم من نصره. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم، وينتهوا عن كفرهم، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم.. أما إذا استمروا في كفرهم ومعاداتهم للحق، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.. أى أن القتال في الإسلام شرعه الله- تعالى- من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته. هذا، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التي تشهد بأن القتال في الإسلام إنما شرعه الله- تعالى- لإعلاء كلمته، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير.. وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين. فقال- ﵀: وقوله- تعالى- وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... روى البخاري عن ابن عمر أن رجلا جاءه- في فتنة ابن الزبير- فقال له يا أبا عبد الرحمن، ألا تصنع ما ذكره الله في كتابه وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ... الآية «١» . فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إلى من أن أعير بالآية التي تقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها.. الآية «٢» . فقال الرجل: فإن الله يقول: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فقال ابن عمر: «قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.. وعن سعيد بن جبير قال: خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. وفي رواية أنه قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.

стр. 2384

ثم قال ابن كثير: وقوله فَإِنِ انْتَهَوْا أى: بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال الرجل لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول ﷺ فقال لأسامة: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع «بلا إله إلا الله» يوم القيامة؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا فقال. هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة، قال أسامة: حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ «١» . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا في طغيانهم وعدوانهم.. بعد كل ذلك بين- سبحانه- للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التي كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم، فقال- تعالى-: [سورة الأنفال (٨) : آية ٤١] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) وقوله: غَنِمْتُمْ من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال: غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشيء قال القرطبي ما ملخصه: الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر: وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله- تعالى-: غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر. وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئا. فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.

стр. 2385

والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين، وجزية الجماجم «١» . والمعنى الإجمالي للآية الكريمة: وَاعْلَمُوا- أيها المسلمون- أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ أى: ما أخذتموه من الكفار قهرا فَأَنَّ لِلَّهِ الذي منه- سبحانه- النصر المتفرع عليه الغنيمة خُمُسَهُ أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذه النعمة وَلِلرَّسُولِ الذي هو سبب في هدايتكم وَلِذِي الْقُرْبى أى: ولأصحاب القرابة من رسول الله ﷺ والمراد بهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب. وَالْيَتامى وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا. وَالْمَساكِينِ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر الذي نفد ماله وهو في الطريق قبل أن يصل إلى بلده. وقوله وَاعْلَمُوا معطوف على قوله قبل ذلك وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ.. إلخ وما في قوله: أَنَّما غَنِمْتُمْ موصولة والعائد محذوف. وقوله: مِنْ شَيْءٍ بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر. أى: أن ما غنمتموه من شيء سواء أكان هذا الشيء قليلا أم كثيرا فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وقوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ خبر مبتدأ محذوف والتقدير: فحكمه أن لله خمسه والجار والمجرور خبر أن مقدم، وخمسه اسمها مؤخر. والتقدير: فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذي القربى ... إلخ. وأعيدت اللام في قوله وَلِذِي الْقُرْبى دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي ﷺ لمزيد اتصالهم به. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ.. شرط جزاؤه محذوف. أى: إن كنتم آمنتم بالله حق الإيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ يَوْمَ الْفُرْقانِ أى يوم بدر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أى: جمع المؤمنين وجمع الكافرين.. إن كنتم آمنتم بكل ذلك، فاعملوا بما علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول. وما أنزله الله على نبيه ﷺ يوم بدر. يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به في بدر.
следующие страницы →