وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معطوف على قوله: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً..
إلخ.
أى: ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه- سبحانه- سميع لما نطقوا به من سوء، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد عاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ثم ذكر- سبحانه- ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد والتوبيخ فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ.
أى: أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد، كشأن آل فرعون ومن تقدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود..، كذب أولئك جميعا بآيات ربهم التي أوجدها- سبحانه- لهدايتهم وسعادتهم.. فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم- سبحانه- بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب استعمالهم النعم في غير ما خلقت له.
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان.
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أى: وكل من الأقوام المذكورين ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم، ولأنبيائهم بسبب محاربتهم لهم، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم.
وجمع الضمير في كانُوا وظالِمِينَ مراعاة لمعنى كُلٌّ لأنها متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى، واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل.
قال الجمل: فإن قلت: ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟.
قلت: فيها فوائد منها: أن الكلام الثاني يجرى مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، والثانية ذكر إغراقهم فذلك تفسير للأول.
ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم، ففي الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها، وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها، وكفرهم بها.
ومنها: أن تكرير هذه القصة للتأكيد «١» .
стр. 2417
وبعد، فإن المتدبر في هذه الآيات الكريمة، يراها تصور تصويرا واضحا سنة من سنن الله في خلقه، وهي أنه- سبحانه- لا يسلب نعمه عن قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وأنه- تعالى- لا ينزل عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم في طغيانهم، وإدبارهم عن نصح الناصحين.
ورحم الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيدا صدره بقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...
ومما جاء في هذا المقال قوله: تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
أرشدنا- سبحانه- إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها- سبحانه- على أساس الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان، ورفاعة وخفض عيش، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة، والتدبر في أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا، أو حل بهم الدمار. ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن الاستقامة في الرأى، والصدق في القول، والسلامة في الصدر، والعفة عن الشهوات، والحمية على الحق، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته.. خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة، وانكبوا على الشهوات الفانية.. فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين.
هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها.
سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل بتبدل الأجيال، كسنته- سبحانه- في الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال..» «١» .
وبعد أن شرح- سبحانه- أحوال المهلكين من شرار الكفرة، شرع في بيان أحوال الباقين منهم، وتفصيل أحكامها، فقال- تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
стр. 2418
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما وصف كل الكفار بقوله: وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان:
الأولى: الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه ...
الثانية: أن يكون ناقضا للعهد على الدوام ...
قال ابن عباس: هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق ... «١» .
والدواب: جمع دابة. وهي كل ما يدب على الأرض قال- تعالى- وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.. «٢» .
قال الجمل: وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقى، لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: «الدابة كل حيوان في الأرض مميزا وغير مميز» «٣» .
والمعنى: إن شر، ما يدب على الأرض عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وقضائه الَّذِينَ كَفَرُوا أى: الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه.
وقد وصفهم- سبحانه- بأنهم شر الدواب لا شر الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى
стр. 2419
به الناس من تعقل وتدبر للأمور، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفي وصفه- سبحانه- لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دواب فحسب بل هم شرها وأخسها.
وقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ تذييل جيء به على وجه الاعتراض بالبيان أى: أنهم- بسبب إصرارهم على الكفر- صار الإيمان بعيدا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد.
وقوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.. بدل من الموصول الأول وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا.. أو عطف بيان له.
أى: إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه، الذين عاهَدْتَ مِنْهُمْ أى: أخذت منهم عهدهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة.
فقوله: عاهَدْتَ مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن.
قال الآلوسى: قوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ.. بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان، أو نعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على الذم، وعائد الموصول قيل: ضمير الجمع المجرور، والمراد: عاهدتهم، ومن للإيذان بأن المعاهدة- التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين- معتبرة هنا من حيث أخذه ﷺ ، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض، لا إعطاؤه- ﵊ إياهم عهده كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم، وقال أبو حيان: تبعيضية، لأن المباشر بعضهم لا كلهم..» «١» .
وقوله: ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ معطوف على الصلة.
وكان العطف «بثم» المفيدة للتراخي، للإيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود، وبين ما تردوا فيه من نقض لها، واستهانة بها.
وجيء بصيغة المضارع يَنْقُضُونَ المفيدة للحال والاستقبال، للدلالة على تعدد النقض وتجدده، وأنهم على نيته في كل مرة يعاهدون فيها غيرهم.
وقوله: وَهُمْ لا يَتَّقُونَ في موضع الحال من فاعل يَنْقُضُونَ.
أى: أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق في كل وقت، ومع ذلك فحالهم وشأنهم
стр. 2420
أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى تحرج أو خجل، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها، أو يخشوا سوء عاقبتها.
ثم بين- سبحانه- ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فالفاء في قوله فَإِمَّا لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
وقوله: تَثْقَفَنَّهُمْ من الثقف بمعنى الحذق في إدراك الشيء وفعله.
قال الراغب: يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز فيه فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته.
قال- تعالى- فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ «١» .
وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب، يقال شردت بنى فلان، أى: قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر:
أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم
أى: مخافة أن يسمع بي ويطردنى حكيم، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء.
والمعنى: إنك يا محمد إذا ما أدركت في الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم- وهم بنو قريظة ومن لف لفهم-.. فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم في الكفر ونقض العهود، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم.
فالباء في قوله فَشَرِّدْ بِهِمْ للسببية، وقوله مَنْ خَلْفَهُمْ مفعول شرد.
والمراد بمن خلفهم: كفار مكة وغيرهم من الضالين، أى: افعل ببني قريظة ما يشرد غيرهم خوفا وفزعا.
وقوله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أى: لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل والتنكيل الذي نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة، فيمنعهم ذلك عن نقض العهد.
هذا، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذا شديدا رادعا.. حتى يبقى للمجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه.
стр. 2421
إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع، والهول المرعب، الذي يكفى السماع به للهرب والشرود، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟
إنها الضربة المروعة، يأمر الله- تعالى- رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود.. وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته.
هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم.. أما الذين تخشى منهم الخيانة فقد بين- سبحانه- حكمهم بقوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.
وقوله: تَخافَنَّ من الخوف والمراد به هنا العلم.
وقوله: فَانْبِذْ من النبذ بمعنى الطرح، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم، فشبه- سبحانه- العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وثبت النبذ له على سبيل التخييل، ومفعول «فانبذ» محذوف أى: فانبذ إليهم عهودهم.
قال الجمل: وقوله: عَلى سَواءٍ حال من الفاعل والمفعول معا، أى: فاعل الفعل وهو ضمير النبي ﷺ ومفعوله وهو المجرور بإلى.
أى: حال كونكم مستوين في العلم بطرح العهد. فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك، وعلمهم به بإعلامك إياهم، فكأنه قيل في الآية: فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك» «١» .
والمعنى: وإما تعلمن- يا محمد- من قوم بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر: بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم، حتى تكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد سواء، لأن الله- تعالى- لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التي يبغضها الله- تعالى- أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده.
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبى الفيض عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدرا: إن رسول الله ﷺ قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» .
стр. 2422
قال: فبلغ ذلك معاوية فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عيسة.
ثم قال ابن كثير، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي حسن صحيح.
وروى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة فقال لأصحابه:
دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله ﷺ يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله إلى الإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون فإن أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها بعون الله» «١» .
وقال الفخر الرازي: قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهورا محتملا، أو ظهورا مقطوعا به.
فإن كان الأول: وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن بنى قريظة عاهدوا النبي ﷺ ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله، فحصل لرسول الله ﷺ خوف الغدر منهم به وأصحابه، فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.
أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به، فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد، وذلك كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي ﷺ وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة «٢» .
أى: أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله ﷺ الذي جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان.
وبذلك ترى أن تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشرف والأمان..
وتحقر من شأن الخيانة والخائنين، وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله، وبالبعد عن رضوانه ومحبته.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن الكافرين لن ينجوا من عقابه، وبشر المؤمنين بالنصر فقال: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ.
стр. 2423
وقوله يَحْسَبَنَّ من الحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة «يحسبن» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله: يُعْجِزُونَ من العجز، وأصله- كما يقول الراغب-: التأخر عن الشيء.. ثم صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة ... والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور..» «١» .
والمعنى- على القراءة بالياء-: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا الله فنجوا من عقابه، وخلصوا من عذابه.. كلا إن حسبانهم هذا باطل- لأنهم لا يعجزون الله، بل هو- سبحانه- قادر على إهلاكهم وتعذيبهم في كل وقت ...
وأن نجاتهم من القتل أو الأسر في الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب المهين في الآخرة.
وعلى هذه القراءة يكون فاعل يَحْسَبَنَّ قوله الَّذِينَ كَفَرُوا ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، والمفعول الثاني جملة سَبَقُوا.
وأما على القراءة الثانية ولا تحسبن فيكون قوله الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول الأول. وجملة سَبَقُوا هي المفعول الثاني.
أى: ولا تحسبن- أيها الرسول الكريم- أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم لك، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا في مأمن منا ... كلا، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم في أى وقت نريده فنحن لا يعجزنا شيء..
وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين في النجاة، وإقناطهم من الخلاص، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن من لم يصبه عذاب الدنيا، فسوف يصيبه عذاب الآخرة، ولا مفر له من ذلك مادام قد استحب الكفر على الإيمان، أما المؤمنون فلهم من الله- تعالى- التأييد والنصر وحسن العاقبة.
ثم أمر- سبحانه- المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر، وإلى بعث الرعب في قلوب أعدائهم.. فقال- :
стр. 2424
[سورة الأنفال (٨) : آية ٦٠]
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)
وقوله: وَأَعِدُّوا.. معطوف على ما قبله، وهو من الإعداد بمعنى تهيئة الشيء للمستقبل، والخطاب لكافة المؤمنين.
والرباط في الأصل مصدر ربط، أى شد، ويطلق، بمعنى المربوط مطلقا، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله. فالإضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر كملازمة الثغور، والمواظبة على الأمر، فإضافته لأحد معانيه للبيان.
قال صاحب الكشاف: والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال- يقال نعم الربيط هذا، لما يرتبط من الخيل «١» .
والمعنى: عليكم- أيها المؤمنون- أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداده من وسائل القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها.
وجاء- سبحانه- بلفظ قُوَّةٍ منكرا، ليشمل كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان.
قال الجمل: وقوله مِنْ قُوَّةٍ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما أنه الموصول. والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوز أن تكون مِنْ لبيان الجنس «٢» .
وقوله: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام.
أى: أعدوا لقتال أعدائكم، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب، من نحو:
حصون وقلاع وسلاح. ومن رباط الخيل للغزو والجهاد في سبيل الله.
وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به، لمزيد فضلها وغنائها في الحرب، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية في القتال في العهد النبوي، وقوله: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة.
стр. 2425
وقوله: تُرْهِبُونَ من الرهبة وهي مخافة مع تحرز واضطراب.
والضمير المجرور- وهو قوله بِهِ- يعود إلى الإعداد المأخوذ من قوله وَأَعِدُّوا.
أى: أعدوا ما استطعتم من قوة، حالة كونكم مرهبين بهذا الإعداد عدو الله وعدوكم، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق، وعلى رأس هؤلاء جميعا. كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإضرار بكم إلا فعلوها.
وقوله وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ معطوف على ما قبله.
أى: ترهبون بهذا الإعداد أعداء معروفين لكم- كمشركي مكة ويهود المدينة، وترهبون به أيضا أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم، ولكن الله- تعالى- الذي لا يخفى عليه شيء يعلمهم، وسيحبط أعمالهم.
وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم، فمنهم من قال: المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال: المراد بهم أهل فارس والروم.
ورجح ابن جرير أن المراد بهم: كفار الجن.. لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريظة وفارس والروم لهم ... والمعنى ترهبون بذلك الإعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم، لأن بنى آدم لا يرونهم» «١» .
ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم المنافقون، قال: لأن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات، ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق بين المسلمين- بطرق قد لا تعرف، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة» «٢» .
ولعل ما رجحه الفخر الرازي هو الأقرب إلى الصواب، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيرا ما تكون خافية، ويشهد لهذا قوله- تعالى- في آية أخرى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ «٣» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيله، وبشر المنفقين بحسن الجزاء فقال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
стр. 2426
أى: وَما تُنْفِقُوا- أيها المؤمنون- مِنْ شَيْءٍ قل أو كثر هذا المنفق فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى في وجوه الخيرات التي من أجلّها الجهاد لإعلاء كلمة الدين يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أى:
يصل إليكم عوضه في الدنيا وأجره في الآخرة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أى: لا تنقصون شيئا من العوض أو الأجر.
قالوا: والتعبير بالظلم- مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما- لبيان كمال نزاهته- سبحانه- عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه- تعالى- من القبائح، وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه- تعالى-» «١» .
هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
١- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم، وخافوا بأسهم، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم.
قال القرطبي: وقوله- تعالى- وَأَعِدُّوا لَهُمْ. أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء، بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله- تعالى- لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم، وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله ﷺ ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ ... » «٢» .
وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس العدو وهجومه، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزا، عظيما، أبى الضيم، قوى القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار.
أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف، فأهملوا فرضا من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى.
وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو؟
أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله ورجله..؟
стр. 2427
إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء. كإعداد الجيوش المدربة، والأسلحة المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.
وما روى من تفسير القوة- التي وردت في الآية- بالرمي، فإنما هو على سبيل المثال، ولأن الرمي كان في ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به «١» .
قال الفخر الرازي عند تفسيره للآية، والمراد بالقوة هنا ما يكون سببا لحصول القوة، وذكروا فيه وجوها:
الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة.
الثاني: روى أنه ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثا.
الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون.
الرابع: قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله ﷺ : «القوة هي الرمي» لا ينفى كون غير الرمي معتبرا. كما أن قوله ﷺ «الحج عرفة» «والندم توبة» لا ينفى اعتبار غيره. بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا.
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل، والسلاح، وتعليم الفروسية، والرمي فريضة إلا أنه من فروض الكفايات «٢» .
إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم، وثوابه كبير، فقد كانت الخيل هي خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها، وما زالت الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب.
قال القرطبي، فإن قيل: إن قوله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ كان يكفى، فلماذا خص الخيل بالذكر؟.
قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها «٣» التي عقد الخير في نواصيها، وهي
стр. 2428
أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفا، وأقسم بغبارها تكريما، فقال: «والعاديات ضبحا» «١» .
وقال الإمام ابن العربي: وأما رباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة.
روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل ثلاثة، لرجل ستر، ولرجل أجر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام- أى: مناوأة ومعاداة- فهي عليه وزر.
وأما الذي هي عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في ظهورها فهي عليه ستر.
وأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات..» .
وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوى ناصية فرس بإصبعيه وهو يقول: «الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» «٢» .
٤- أن المقصود من إعداد العدة في الإسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين في ديارهم، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحدا سواه- ..
وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله- تعالى-..
ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإعداد، وهو- كما عبرت عنه تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ....
وهناك آيات أخرى صريحة في بيان سبب مشروعية القتال في الإسلام ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «٣» .
وقوله- تعالى-: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ «٤» .
стр. 2429
والخلاصة: أن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال في الإسلام ينحصر في رد العدوان، وحماية الدعوة الإسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان.
٥- وجوب الإنفاق في سبيل الله، ومن أشرف وجوه الإنفاق في سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله في الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي ما تركه قوم إلا ذلوا ... وألقوا بأنفسهم في التهلكة.
ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين في سبيل الله، بأنه- سبحانه- سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم.
قال- تعالى- وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ وفي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن أبى يحيى قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف» «١» .
ثم أمر- تعالى- رسوله ﷺ بقبول السلم والمصالحة، إذا ما رغب أعداؤه في ذلك، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)
وقوله جَنَحُوا من الجنوح بمعنى الميل، يقال: جنح فلان للشيء وإليه- يجنح- مثلث النون- جنوحا. أى: مال إليه.
стр. 2430
قال القرطبي: والجنوح: الميل. وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه. ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على الحشوة- بضم الحاء وكسرها- أى: الأمعاء.
وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح «١»
وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص «للسلم» - بكسر السين- وقرأ الباقون بالفتح.
وإنما قال لَها لأن السلم مؤنثة- تأنيث نقيضها وهي الحرب.. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة «٢» .
والمعنى: عليك- أيها الرسول الكريم- أن تنكل في الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم في كل مرة، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى السلم أى: المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة في هذه المسألة.
وقوله وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ معطوف على فَاجْنَحْ لَها لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة في قلبه.
أى: اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك، وفوض أمرك إلى الله- تعالى- ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه- سبحانه- هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ بأحوالهم، فيجازيهم بما يستحقون، ويرد كيدهم في نحورهم.
وعبر- سبحانه- عن جنوحهم إلى السلم بحرف إِنْ الذي يعبر به عن الشيء المشكوك في وقوعه، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة في نفوسهم، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائما على حذر منهم، وألا يأمنوا مكرهم.
هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية. فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب، ومنهم من يرى أن الآية عامة، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين. ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها منسوخة أولا؟
وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه:
عن قتادة أن قوله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.. منسوخة بقوله في سورة براءة
стр. 2431
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» . وبقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٢» .
فقد كانت هذه- أى الآية التي معنا وهي قوله- تعالى- وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ... - قبل براءة. كان النبي ﷺ يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
وعن عكرمة والحسن البصري قالا: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ... نسختها الآية التي في براءة وهي قوله- تعالى- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية «٣» .
ثم قال ابن جرير: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.
لأن قوله وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.. إنما عنى به بنو قريظة- كما قال مجاهد- وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله- جل ثناؤه- للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم، وأما قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.. فإنما عنى به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.. «٤» .
هذا ما يراه ابن جرير. أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة، وخالفه في أن المقصود بها بنو قريظة، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال- ﵀:
قوله: وَإِنْ جَنَحُوا أى: مالوا لِلسَّلْمِ أى المسالمة والمصالحة والمهادنة فَاجْنَحْ لَها أى: فمل إليها واقبل منهم ذلك. ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر ...
وقال مجاهد: نزلت في بنى قريظة، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في موقعة بدر، وذكرها مكتنف لها كله.
وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة، وهي قوله- تعالى- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ.
стр. 2432
وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وَإِنْ جَنَحُوا ... وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية. فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص..» «١» .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عاما في معاملة الأعداء، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك في مصلحة المسلمين.
ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية-: «والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم. وليس يحتم أن يقاتلوا أبدا. أو يجابوا إلى الهدنة أبدا» «٢» .
ثم أمن الله- تعالى- رسوله ﷺ من خداع أعدائه، إن هم أرادوا خيانته، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال- تعالى-: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.
أى: وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم في الظاهر أن يخدعوك- يا محمد- لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم، بل صالحهم مع ذلك إذا كان في الصلح مصلحة للإسلام وأهله، ولا تخف منهم، فإن الله كافيك بنصره ومعونته، فهو- سبحانه- الذي أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية، وهو- سبحانه- الذي أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم في سبيل إعزاز هذا الدين، وإعلاء كلمته..
فالآية الكريمة تشجيع للنبي ﷺ على السير في طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإسلام وأهله، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة. وقوله: حَسْبَكَ صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل. أى. بحسبك وكافيك.
قال الفخر الرازي: فإن قيل: أليس قد قال- تعالى- وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ... أى: أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية؟
قلنا: قوله: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة..
стр. 2433
فإن قيل: لما قال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال وَبِالْمُؤْمِنِينَ؟
قلنا: التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين: أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثاني ما يحصل بواسطة أسباب معلومة.
فالأول هو المراد من قوله أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ والثاني هو المراد من قوله:
وَبِالْمُؤْمِنِينَ «١» .
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله في كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال- تعالى-: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ.
أى: أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك- سبحانه- بنصره وأن أيدك بالمؤمنين، بأن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وجعل منهم قوة موحدة، فصاروا بفضله- تعالى- كالنفس الواحدة، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة وَلكِنَّ اللَّهَ بفضله وقدرته هو وحده الذي أَلَّفَ بَيْنَهُمْ فصاروا إخوانا متحابين متصافين إِنَّهُ- سبحانه- عَزِيزٌ أى: غالب في ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن حَكِيمٌ في كل أفعاله وأحكامه..
وهذه الآية الكريمة يؤيدها التاريخ، ويشهد بصدقها أحداثه، فنحن نعلم أن العرب- وخصوصا الأوس والخزرج- كانوا قبل الإسلام في حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنازع والتحارب.. فلما دخلوا في الإسلام تحول بغضهم إلى حب، وتخاصمهم إلى مودة، وتفرقهم إلى اتحاد ... وصاروا في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل ...
ولقد أجاد صاحب الكشاف- ﵀ في تصويره لهذه المعاني حيث قال: «التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة، لأن العرب- لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة..- لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله ﷺ واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض
стр. 2434
والتماقت، وكلفهم من الحب، في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كيف يشاء، ويصنع فيها ما يريد.
قيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم. ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى. وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس. وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر منه.
فأنساهم الله- تعالى- ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارا، وعادوا أعوانا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته» «١» . هذا، وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خطب الأنصار في شأن غنائم «حنين» قال لهم: يا معشر الأنصار!! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟
فكانوا يقولون كلما قال شيئا: الله ورسوله أمن» «٢» .
وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتنكر، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء. ثم يقرأ قوله- تعالى-: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ... «٣» .
ثم مضت السورة الكريمة في تثبيت الطمأنينة في قلب النبي ﷺ وفي قلوب أصحابه، فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)
стр. 2435
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقا على جميع التقديرات، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار لأن المعنى في الآية الأولى: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم.
والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا.
وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ... » «١» .
وقوله: حَسْبُكَ صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، والكاف في محل جر.
والواو في قوله وَمَنِ اتَّبَعَكَ بمعنى مع، ومَنِ في محل نصب عطفا على الموضع، فإن قوله حَسْبُكَ بمعنى كافيك في جميع أمورك.
والمعنى: يا أيها النبي كافيك الله وكافى متبعيك من المؤمنين فهو- سبحانه- ناصركم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم، وما دام الأمر كذلك، فاعتمدوا عليه وحده، وأطيعوه في السر والعلن لكي يديم عليكم عونه وتأييده ونصره.
قال بعض العلماء: قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية: أى: الله وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وهاهنا تقديران:
أحدهما: أن تكون الواو عاطفة للفظ «من» على الكاف المجرورة..
والثاني: أن تكون الواو بمعنى «مع» وتكون «من» في محل نصب عطفا على الموضع، فإن «حسبك» في معنى كافيك أى: الله يكفيك ويكفى من اتبعك، كما يقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر:
وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
стр. 2436
وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث أن تكون «من» في موضع رفع بالابتداء: أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله.
وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون «من» في موضع رفع عطفا على اسم الله. ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك.
هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة ... » «١» .
ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق، فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ....
وقوله: حَرِّضِ من التحريض بمعنى الحث على الشيء بكثرة التزيين له، وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس.
قال الراغب: الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض. قال- تعالى- حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ..
والتحريض: الحث على الشيء.. فكأنه في الأصل إزالة الحرض نحو حرضته وقذيته أى: أزلت عنه الحرض والقذى..» «٢» .
والمعنى: يا أيها النبي بالغ في حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر وجلد، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يحرض أصحابه على القتال عند صفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» . فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله: نعم. فقال عمير: بخ بخ، فقال ﷺ : «ما يحملك على قولك بخ بخ» ؟ قال:
رجاء أن أكون من أهلها، قال ﷺ «فإنك من أهلها» فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن» ثم ألقى بقيتهن من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل- رضى الله عنه- «٣» .
وقوله:
стр. 2437
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ بشارة من الله- تعالى- للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم.
أى: قابلوا- أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلا صابرون يغلبوا- بسبب إيمانهم وصبرهم- مائتين من الكافرين، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفا منهم، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله- تعالى- وبما يجب عليهم نحوه.
فهم- كما يقول صاحب الكشاف-: «يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم» فيقل ثباتهم. ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، ويستحقون الخذلان. بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله- تعالى-» «١» .
وقال صاحب المنار: والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم. وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب في كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين ...
وهكذا كان المؤمنون في قرونهم الأولى.. أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعاني الجليلة، فزال مجدهم.. «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعض مظاهر فضله على المؤمنين ورحمته بهم فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ...
وقوله ضَعْفاً قرأه بعضهم بفتح الضاد، وقرأه آخرون بضمها، وهما بمعنى واحد عند الجمهور، والمراد به الضعف في البدن.
وقيل الضعف- بالفتح- يكون في الرأى والعقل، وبالضم يكون في البدن.
والمعنى: لقد فرضنا عليكم- أيها المؤمنون- أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين.. والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك، ولم تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم.. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم، ورعاية لأحوالكم، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلا من عشرة، وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وتيسيره وتأييده.
стр. 2438
وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أى: والله- تعالى- مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره، فاحرصوا على أن تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه- سبحانه- ما يسعدكم في دنياكم وآخرتكم.
هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها، ومنهم من يرى غير ذلك.
قال الآلوسى: قوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ.. شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا- بعون الله وتأييده- فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى.
والمعنى: ليصبرن الواحد لعشرة وليست بخبر محض ...
وقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ.. أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ.. شق ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل يعد ذلك نسخا أولا؟ قولان: اختار بعضهم الثاني منهما وقال: إن الآية مخففة، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر.
وذهب الجمهور إلى الأول، وقالوا: إن الآية الثانية ناسخة للأولى «١» . وقال بعض العلماء:
فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد من المؤمنين من العشرة من الكفار، وكان ذلك في وسعهم، فأعز الله بهم الدين على قلتهم، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم، وكانت السرايا تهزم من المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييدا من الله لدينه.
ولما شق على المؤمنين الاستمرار على ذلك، وضعفوا عن تحمله، ولم تبق ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا في دين الله أفواجا نزل التخفيف، ففرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار، ورخص له في الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين.
وهو رخصة كالفطر للمسافر، وذهب الجمهور إلى أنه نسخ» «٢» .
وقال الشيخ القاسمى: إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن كفاية مائة لألف.
وكفاية مائة لمائتين تغنى عن كفاية ألف لألفين، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأولى، وثبات الواحد للاثنين في الثانية فما سر هذا التكرير؟
أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التقرير المفيد لزيادة
стр. 2439
الاطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين، وتغلب المائة الألف، وأما الترتيب في المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعي.
وقيل في سر ذلك: إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإسلام سيجاوز عددهم العشرات والمئات إلى الألوف.
ثم قال: وقال في البحر: انظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في أولى جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ مبالغة في شدة المطلوبية، وإشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتما، لأن من كان الله معه لا يغلب ... » «١» .
وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال في سبيل الله.. عقب- سبحانه- ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التي تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعله الرسول ﷺ مع أسرى غزوة بدر من الكافرين، فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها، ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب: أنه لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني.
стр. 2440
فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبى بكر وعمر:
ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم الله إلى الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، - حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين: فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت:
فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله. أخبرنى من أى شيء تبكى أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.
فقال رسول الله ﷺ : أبكى على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة؟؟؟ لشجرة قريبة منه ﷺ وأنزل الله- : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... إلخ الآيات «١» .
وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ «ما تقولون في هؤلاء الأسارى» ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم.
وقال عمر: يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت بواد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم نارا ثم ألقهم فيه.
قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد شيئا. ثم قال فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبى بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة.
ثم خرج عليهم رسول الله فقال: «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل
стр. 2441
إبراهيم إذ قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وكمثل عيسى إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» .
وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٣» ، وكمثل موسى إذ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «٤» .
ثم قال ﷺ : «أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» .
قال ابن مسعود: فقلت يا رسول، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ثم قال: «إلا سهيل بن بيضاء» . وأنزل الله- ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... إلى آخر الآية «٥» .
وقال ابن إسحاق- وهو يحكى أخبار غزوة بدر-: فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله ﷺ متوشحا السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله، يخافون عليه الكرة. ورأى رسول الله- فيما ذكر لي- في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ «والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم» ؟ فقال: أجل والله يا رسول الله: كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال «٦» .
قوله: أَسْرى: جمع أسير كقتلى جمع قتيل. وهو مأخوذ من الأسر بمعنى الشد بالإسار أى: القيد الذي يقيد به حتى لا يهرب، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فئته في الحرب ولو لم يشد بالإسار.
وقوله يُثْخِنَ من الثخانة وهي في الأصل الغلظ والصلابة. يقال: ثخن الشيء يثخن ثخونة وثخانة وثخنا، أى: غلظ وصلب فهو ثخين، ثم استعمل في الكناية والمبالغة في قتل العدو فقيل: أثخن فلان في عدوه. أى: بالغ في قتله وإنزال الجراحة الشديدة به، لأنه بذلك يمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذي لا يسيل ولا يتحرك.
стр. 2442
والمراد بالنبي في قوله ما كانَ لِنَبِيٍّ: نبينا محمد ﷺ وإنما جيء باللفظ منكرا تلطفا به ﷺ حتى لا يواجه بالعتاب.
والمعنى: ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرا حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أى: حتى يبالغ في قتلهم، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم إذلالا للكفر وإعزازا لدين الله.
وقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ استئناف مسوق للعتاب.
والعرض ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء، فكأنها تعرض ثم تزول، والمراد بعرض الدنيا هنا: الفداء الذي أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم.
تريدون- أيها المؤمنون- بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ومتاعها الزائل، وحطامها الذي لا ثبات له، والله- تعالى- يريد لكم ثواب الآخرة.
فالكلام في قوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والإرادة هنا بمعنى الرضا أى: والله- تعالى- يرضى لكم العمل الذي يجعلكم تظفرون بثوابه في الآخرة، وهو تفضيل إذلال الشرك على أخذ الفداء من أهله.
وقوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أى: والله- تعالى- عَزِيزٌ لا يغالب بل هو الغالب على أمره حَكِيمٌ في كل ما يأمر به أو ينهى عنه.
فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين، لأنهم آثروا الفداء على القتل والإثخان في الأرض، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك والإيمان، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة، فلو أن المسلمين آثروا المبالغة في إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله، وأظهر في إذلال قريش وحلفائها، وأصرح في بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا وأعراضها، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته، وهذا ما عبر عنه عمر- رضى الله عنه- بقوله: «وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين» .
والخلاصة أن غزوة بدر- بظروفها وملابساتها التي سبق أن أشرنا إليها- كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا في قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوهم ويعجزوهم عن معاودة الكرة.
ورضى الله- تعالى- عن «سعد بن معاذ» فقد ظهرت الكراهية على وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى، وقال- كما سبق أن بينا-: «.. كانت غزوة بدر- أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إلىّ من استبقاء الرجال» .
стр. 2443
قال الفخر الرازي: قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «١» .
ثم قال الرازي: وأقول: إن هذا الكلام يوهم أن قوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها: وليس الأمر كذلك، لأن الآيتين متوافقتان، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء» «٢» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
والمراد بالكتاب هنا: الحكم، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب في اللوح المحفوظ.
وللمفسرين أقوال في تفسير هذا الحكم السابق في علم الله- تعالى-:
فمنهم من يرى أن المراد به أنه- سبحانه- لا يعذب المخطئ في اجتهاده.
وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ. أى: لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أنه- سبحانه- لا يعاقب أحدا بخطإ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، وأفل لشوكتهم..» «٣» .
ومنهم من يرى أن المراد به أنه- سبحانه- لا يعذب قوما إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء.
ومنهم من يرى أن المراد به أنه- سبحانه- لا يعذبهم ما دام رسول الله ﷺ بينهم.
أو أنه- سبحانه- لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا.
وقد ساق الإمام الرازي هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد بالكتاب الذي سبق: هو حكمه- سبحانه- في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة، لأنه كتب على نفسه الرحمة، وسبقت رحمته غضبه.
стр. 2444
أما الإمام ابن جرير فهو يرى: أن الآية خبر عام غير محصور على معنى دون معنى، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى.. فقال: يقول الله- تعالى- لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ...
أى: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله يحل لكم الغنيمة، وأن الله قضى أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدا شهد هذا المشهد الذي شهدتموه ببدر.. لولا كل ذلك لنالكم من الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم» «١» .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير- من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعاني- أولى بالقبول، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبي ﷺ يحدد تفسير المراد من هذا الكتاب السابق في علمه- تعالى-.
ولعل الحكمة في هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ، ويدل عليه المقام، ولكي يعرفوا أن أخذهم الفداء كان ذنبا يستحقون العقوبة عليه لولا أن الله- تعالى- قدر في الأزل العفو عنهم بسبب وجود النبي ﷺ فيهم، ولأنهم قد أخطئوا في اجتهادهم، ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التي قال الرسول في شأن من حضرها على لسان ربه- : «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال لعمر في قصة حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدرا:
«وما يدريك لعل الله- تعالى- اطلع على أهل بدر وقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢» .
والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أى: لولا حكم من الله- تعالى- سبق منه في الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب قوما قبل تقديم البيان إليهم.. ولولا كل ذلك لَمَسَّكُمْ أى لأصابكم فِيما أَخَذْتُمْ أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره في شدته وألمه.
قال ابن جرير: قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب، جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه وقال: يا رسول الله مالنا
стр. 2445
وللغنائم؟ نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله ﷺ : «لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك» ..
وقال ابن إسحاق: لما نزلت لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ... الآية. قال رسول الله ﷺ «لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يا نبي الله، كان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال» «١» .
وقال بعض العلماء: قال القاضي، وفي الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه «٢» .
ثم زاد- سبحانه- المؤمنين فضلا ومنه فقال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قال الآلوسى روى أنه لما نزلت الآية الأولى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى.. كف الصحابة أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت هذه الآية.
فالمراد بقوله مِمَّا غَنِمْتُمْ إما الفدية وإما مطلق الغنائم، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية، وإلا فحل الغنيمة مما عداها علم سابقا من قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ..
وقيل المراد بقوله: مِمَّا غَنِمْتُمْ الغنائم من غير اندراج الفدية فيها، لأن القوم لما نزلت الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها تزهدا منهم، لا ظنا لحرمتها.. والفاء للعطف على سبب مقدر، أى قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم «٣» .
والمعنى: لقد عفوت عنكم- أيها المؤمنون- فيما وقعتم فيه من تفضيلكم أخذ الفداء من الأسرى على قتلهم، وأبحت لكم الانتفاع بالغنائم فكلوا مما غنمتم من أعدائكم حلالا طيبا، أى لذيذا هنيئا لا شبهة في أكله ولا ضرر وَاتَّقُوا اللَّهَ في كل أحوالكم بأن تخشوه وتراقبوه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولذا غفر لكم ما فرط منكم وأباح لكم ما أخذتموه من فداء. فسبحانه من إله واسع الرحمة والمغفرة، لمن اتقاه وتاب إليه توبة صادقة.
وقوله حَلالًا حال من «ما» الموصولة في قوله: مِمَّا غَنِمْتُمْ أو صفة لمصدر محذوف، أى: أكلا حلالا.
ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب، تأكيدا للإباحة حتى يقبلوا على الأكل منه بدون
стр. 2446
تحرج أو تردد، فإن معاتبتهم على أخذ الفداء قبل ذلك جعلتهم يترددون في الانتفاع به وبما غنموه من أعدائهم.
ثم أمرت السورة النبي ﷺ أن يخبر الأسرى بأنهم إذا ما فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له، - سبحانه- سيعوضهم عما فقدوه خيرا منه، أما إذا استمروا في كفرهم وعنادهم فإن الدائرة ستدور عليهم. استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور هذا المعنى بأسلوبها البليغ فتقول:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
قال: ابن كثير: عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا.
وقال العباس: يا رسول الله! قد كنت مسلما! فقال رسول الله ﷺ : «الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فإن الله يجزيك. وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبى طالب، وحليفك عتبة بن عمرو أخى بنى الحارث بن فهر» .
قال العباس: ما ذاك عندي يا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبنىّ: الفضل، وعبد الله، وقثم» ؟
قال: والله يا رسول الله إنى لأعلم أنك رسول الله. إن هذا الشيء ما علمه أحد غيرى وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم منى: - عشرين أوقية من مال كان معى-.
فقال رسول الله ﷺ : «لا، ذاك شيء أعطانا الله منك» .
ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه. فأنزل الله- تعالى- فيه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى ... الآية.
стр. 2447
قال العباس: فأعطانى الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام، عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله- تعالى- «١» .
وفي صحيح البخاري عن أنس: أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه.
فقال ﷺ : «لا والله! لا تذرون منه درهما» . هذا، والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت في العباس إلا أنها عامة في جميع الأسرى إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن الخطاب فيها موجه إلى سائر الأسرى لا إلى فرد منهم دون آخر.
والمعنى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ أى: قل للذين تحت تصرف أيديكم مِنَ الْأَسْرى أى: من أسرى المشركين في بدر الذين أخذتم منهم الفداء لتطلقوا سراحهم.
قل لهم- أيها النبي الكريم- إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً أى: إيمانا وتصديقا وعزما على اتباع الحق ونبذ الكفر والعناد.. إن يعلم الله- تعالى- منكم ذلك يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من فداء، بأن يخلفه عليكم في الدنيا، ويمنحكم الثواب الجزيل في الآخرة.
ولقد صدق الله- تعالى- وعده مع من آمن وعمل صالحا من هؤلاء الأسرى، فأعطاهم الكثير من نعمه كما قال العباس- رضى الله عنه- وقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ زيادة في حضهم على الدخول في الإيمان.
وقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الوعد بالخير والمغفرة.
أى: والله- تعالى- واسع المغفرة، والرحمة لمن استجاب للحق، وقدم العمل الصالح.
والتعبير، بقوله: لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ للإشعار بأن هؤلاء الأسرى المشركين قد صاروا في قبضة المؤمنين وتحت تصرفهم، حتى لكأن أيديهم قابضة عليهم.
وأسند وجود الخير في قلوبهم إلى علم الله- تعالى- للإشارة إلى أن ادعاء الإيمان باللسان فقط لا يكفل لهم الحصول على الخير الذي فقدوه ولا يوصلهم إلى مغفرة الله- تعالى- فعليهم أن يخلصوا لله في إيمانهم حتى ينالوا فضله وثوابه، فهو- سبحانه- عليم بذات الصدور.
وقوله: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ. إنذار لهم بسوء المصير إذا ما لجوا في عنادهم وغدرهم، وبشارة من الله- تعالى- لرسوله والمؤمنين بأن العاقبة ستكون لهم.
стр. 2448
أى: وإن يرد هؤلاء الأسرى نقض عهودهم معك- يا محمد- والاستمرار في محاربتك ومعاداتك.. فلا تهتم بهم، ولا تجزع من خيانتهم فهم قد خانوا الله- تعالى- من قبل هذه الغزوة بكفرهم وجحودهم لنعمه فكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم، وأظفرك بهم، وسينصرك عليهم بعد ذلك كما نصرك عليهم في بدر، والله- تعالى- عليم بما يسرونه وما يعلنونه، حكيم في تدبيره وصنعه.
فالآية الكريمة إنذار للأسرى إذا ما استحبوا العمى على الهدى، وتبشير للرسول ﷺ بأن خيانتهم ستكون وبالها عليهم.
قال الفخر الرازي: وقوله فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ قال الأزهرى: يقال أمكننى الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف.
والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم، أى: أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر. فأمكن الله منهم قتلا وأسرا، وذلك نهاية الإمكان والظفر. فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتا حاصلا، وفيه بشارة للرسول ﷺ أنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده» «١» .
هذا، ومن الأحكام والآداب التي حدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتى:
١- أن على المؤمنين في كل زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصا لوجه الله ومن أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه، وذلك بأن يبالغوا في قتال أعدائه وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازا للحق، وأن يؤثروا كل ذلك على أعراض الدنيا ومتعها.
٢- أن أخذ الفداء من الأسرى لا شيء فيه في ذاته، وإنما عاتب الله المؤمنين على أخذه من أسرى بدر، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى بين المؤمنين والمشركين، وكان إذلال المشركين فيها عن طريق المبالغة في قتلهم أهم من أخذ الفداء منهم، وأظهر في كسر شوكتهم، وعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين.
قال ابن كثير. وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل- كما فعل ببني قريظة- وإن شاء فادى بمال- كما فعل بأسرى بدر- أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبى سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر.
стр. 2449
هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه» «١» .
٣- أن الذين شهدوا بدرا من المسلمين كانت لهم مكانتهم السامية، ومنزلتهم العالية، عند الله- تعالى-.
ومما يدل على ذلك أنه- سبحانه- عفا عن خطئهم في أخذ الفداء من الأسرى ثم زادهم فضلا ومنة فجعل غنائم الحرب حلالا لهم، بعد أن كانت محرمة على أتباع الرسل السابقين.
ففي البخاري عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» «٢» .
٤- أن الإسلام لا يستبقى الأسرى لديه للإذلال والقهر والاستغلال، وإنما يستبقيهم ليوقظ في فطرتهم نور الحق الذي باتباعه يعوضهم الله عما أخذ منهم في الدنيا، ويمنحهم ثوابه ومغفرته في الآخرة.
أما إذا استمروا في عداوتهم للحق، فإن الدائرة ستدور عليهم.
٥- أن الإيمان لا يكون صحيحا إلا إذا صاحبه التصديق والإذعان.
قال ابن العربي: لما أسر من أسر من المشركين في بدر، تكلم قوم منهم بالإسلام، ولم يمضوا فيه عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافا جازما، ويشبه أنهم أرادوا أن يتقربوا من المسلمين ولا يبعدوا عن المشركين فنزلت الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى..
الآية.
قال علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا، وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر المرء على دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها.
وقد بين الله لرسوله ﷺ الحقيقة فقال: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ أى إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك، فأمكنك منهم. وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم، ويعوضهم خيرا مما
стр. 2450
أخذ منهم، ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم «١» .
ثم ختم الله- تعالى- سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار وعن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٢ الى ٧٥]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
هذه الآيات الكريمة التي ختم الله- تعالى- بها سورة الأنفال، وضحت أن المؤمنين في العهد النبوي أقسام، وذكرت حكم كل قسم منهم.
стр. 2451
أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى.
وأما القسم الثاني: فهم الأنصار من أهل المدينة.
والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا.
والقسم الرابع: المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
وقد عبر- سبحانه- عن القسمين: الأول والثاني بقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا....
أى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله- تعالى- حق الإيمان وَهاجَرُوا أى تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا. من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين، ومن أجل نشر دين الله في الأرض وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى: أنهم مع إيمانهم الصادق، وسبقهم بالهجرة إرضاء لله- تعالى-، قد بالغوا في إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق، فقدموا ما يملكون من أموال، وقدموا نفوسهم رخيصة لا في سبيل عرض من أعراض الدنيا، وإنما في سبيل مرضاة الله ونصرة دينه.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هذا القسم الأول من المؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة. بأعظم الصفات وأكرمها.
فقد وصفهم بالإيمان الصادق، وبالمهاجرة فرارا بدينهم من الفتن، وبالمجاهدة بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله.
وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع، فإن أول ما حصل منهم هو الإيمان، ثم جاءت من بعده الهجرة، ثم الجهاد.
ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا، وأتم دفعا للحاجة، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال.
وقوله فِي سَبِيلِ اللَّهِ متعلق بقوله جاهَدُوا لإبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته- سبحانه- وقوله: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا بيان للقسم الثاني من أقسام المؤمنين في العهد النبوي، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم، واستقبلوهم أحسن استقبال، حيث أسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، ونصروهم على أعدائهم.
فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين.
أولهما: الإيواء الذي يتضمن معنى التأمين من الخوف، إذا المأوى هو الملجأ والمأمن مما
стр. 2452
يخشى منه، ومن ذلك قوله- تعالى- إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ... «١» ، وقوله- تعالى- وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ... «٢» .
ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين، وكان أهلها مثالا للكرم والإيثار ...
ثانيهما: النصرة، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول ﷺ والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة، فقد قاتلوا من قاتلهم، وعادوا من عاداهم، ولذا جعل الله- تعالى- حكمهم وحكم المهاجرين واحدا فقال: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.
فاسم الإشارة يعود إلى المهاجرين السابقين، وإلى الأنصار.
وقوله: أَوْلِياءُ جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب ...
والمراد بالولاية هنا: الولاية العامة التي تتناول التناصر والتعاون والتوارث..
أى: أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا في النصرة والمعاونة والتوارث.. وغير ذلك، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة.
قال الآلوسى ما ملخصه: «روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس، واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة..
وعليه فالآية منسوخة بقوله- تعالى- بعد ذلك وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ...
وقال الأصم: الآية محكمة، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة «٣» .
والذي نراه أن الولاية هنا عامة فهي تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك..
وقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا.. بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين في العهد النبوي..
أى: هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذي آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم. فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث حَتَّى يُهاجِرُوا إلى المدينة، كما أنكم- أيها المؤمنون- لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة، لأنهم
стр. 2453
بسبب إقامتهم في أرض الشرك وتحت سلطانه- أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم.
ثم قال- تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ.
أى: وإن طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم في الدين، فيجب عليكم أن تنصروهم، لأنهم إخوانكم في العقيدة، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة، فإنكم في هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا، لأن في نصرتهم- على من بينكم وبينهم عهد- نقضا لهذا العهد.
أى: إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربيين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإسلام للعهود، واحترامه للشروط والعقود.
قال الجمل: أثبت الله- تعالى- للقسمين الأولين النصرة والإرث، ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة «١» .
وقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تذييل قصد به الترغيب في طاعة الله، والتحذير من معصيته.
أى: والله- تعالى- مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه، ولا تخالفوا أمره.
قبل أن تذكر السورة القسم الرابع من أقسام المؤمنين، تتحدث عن ولاية الكفار بعضهم لبعض فتقول: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ.
أى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض في النصرة والتعاون على قتالكم وإيذائكم- أيها المؤمنون- فهم وإن اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم يتفقون على عداوتكم وإنزال الاضرار بكم.
وقوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ تحذير شديد للمؤمنين عن مخالفة أمره- سبحانه-.
أى: إلا تفعلوا- أيها المؤمنون- ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى بعضكم بعضا، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار، تحصل فتنة كبيرة في الأرض، ومفسدة شديدة فيها، لأنكم إذا لم تصيروا يدا واحدة على الشرك، يضعف شأنكم، وتذهب ريحكم، وتسفك دماؤكم ويتطاول أعداؤكم عليكم، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم..
وبذلك تعم الفتنة، وينتشر الفساد.
стр. 2454
وقوله- تعالى- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.. كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار.
إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله- تعالى- لإيجاب التواصل بينهم، أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه- للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده.
قال الفخر الرازي: أثنى الله- تعالى- على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه:
أولها- قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فإن هذه الجملة تفيد المبالغة في مدحهم، حيث وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين.
وقد كانوا كذلك، لأن من لم يكن محقا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال.
وثانيها- قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ والتنكير يدل على الكمال، أى: مغفرة تامة كاملة.
وثالثها- قوله: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ والمراد منه الثواب الرفيع.
والحاصل: أنه- سبحانه- شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.
وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب.
أما دفع العقاب فهو المراد بقوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ... وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ «١» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان القسم الرابع من أقسام المؤمنين في العهد النبوي فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ...
أى: والذين آمنوا من بعد المؤمنين السابقين إلى الإيمان والهجرة، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا مع المهاجرين السابقين والأنصار من أجل إعلاء كلمة الله، فأولئك الذين هذا شأنهم مِنْكُمْ أى: من جملتكم- أيها المهاجرون والأنصار في استحقاق الموالاة والنصرة، واستحقاق الأجر من الله، إلا أن هذا الأجر ينقص عن أجركم، لأنه لا يتساوى السابق في الإيمان والهجرة والجهاد مع المتأخر في ذلك.
قالوا: والمراد بهذا القسم الرابع من أقسام المؤمنين، أهل الهجرة الثانية التي وقعت بعد
стр. 2455
الهجرة الأولى، وقيل المراد بهذا القسم المهاجرون بعد صلح الحديبية، أو بعد غزوة بدر، أو بعد نزول هذه الآية، فيكون الفعل الماضي آمَنُوا وما بعده بمعنى المستقبل.
وقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ.. بيان لحقوق الأقارب بالنسب والأرحام جمع رحم، وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد في بطنها، وسمى به الأقارب، لأنهم في الغالب من رحم واحدة وأولو الأرحام في اصطلاح علماء الفرائض: هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب.
أى: وذوو القرابة بعضهم أولى في التوارث وفي غير ذلك مما تقتضيه مطالب الحياة من التكافل والتراحم.
وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ أى: في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام في هذه الآية وغيرها.
قال الآلوسى: «أخرج الطيالسي والطبراني وغيرهما عن ابن عباس قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب» «١» .
أى أن هذه الآية الكريمة نسخت ما كان بين المهاجرين والأنصار من التوارث بسبب الهجرة والمؤاخاة.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تذييل ختمت به السورة الكريمة لحض المؤمنين على التمسك بما اشتملت عليه من آداب وتشريعات وأحكام لينالوا رضاه وثوابه.
أى: إن الله- تعالى- مطلع على كل شيء مما يدور ويجرى في هذا الكون، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت المهاجرين والأنصار مدحا عظيما، كما مدحت المؤمنين من بعدهم، وحضت على الجهاد في سبيل الله، وأمرت بالوفاء بالعهود، وبالوقوف صفا واحدا في وجه الكفار حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
وبعد: فهذا ما وفق الله إليه في تفسير سورة الأنفال، أو سورة بدر- كما سماها ابن عباس- لأنها تحدثت باستفاضة عن أحداث هذه الغزوة وعن أحوال المشتركين فيها، وعن