أى: أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة في الدنيا، أما في الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها.
وقوله: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ... بيان لحكمته- سبحانه- في هزيمة الكافرين وحشرهم إلى جهنم.
وقوله: فَيَرْكُمَهُ أى: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض يقال: ركم الشيء يركمه، إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه. وارتكم الشيء وتراكم أى: اجتمع.
والمعنى: أنه- سبحانه- فعل ما فعل من خذلان الكافرين وحشرهم إلى جهنم، ومن تأييد المؤمنين وفوزهم برضوانه، ليتميز الفريق الخبيث وهو فريق الكافرين، من الفريق الطيب وهو فريق المؤمنين، فإذا ما تمايزوا جعل- سبحانه- الفريق الخبيث منضما بعضه على بعض، فيلقى به في جهنم جزاء خبثه وكفره. واللام في قوله لِيَمِيزَ متعلقة بقوله يُغْلَبُونَ أو بقوله يُحْشَرُونَ ويجوز أن يكون المراد بالخبيث ما أنفقه الكافرون من أموال للصد عن سبيل الله، وبالطيب ما أنفقه المؤمنون من أموال لإعلاء كلمة الله.
وعليه تكون اللام في قوله لِيَمِيزَ متعلقة بقوله: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أى:
أنه- سبحانه- يميز هذه الأموال بعضها من بعض، ثم يضم الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقى بها وبأصحابها في جهنم.
والتعبير بقوله- سبحانه- فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً تعبير مؤثر بليغ، لأنه يصور الفريق الخبيث كأنه لشدة تزاحمه وانضمام بعضه إلى بعض شيء متراكم مهمل، يقذف به في النار بدون اهتمام أو اعتبار.
واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعود إلى هذا الفريق الخبيث، أى:
أولئك الكافرون الذين أنفقوا أموالهم في الصد عن سبيل الله هم الخاسرون لدنياهم وآخرتهم.
وبعد كل هذا التهديد والوعيد للكافرين.. يوجه- سبحانه- خطابه إلى نبيه ﷺ يأمره فيه أن يبلغهم حكم الله إذا ما انتهوا عن كفرهم، كما يأمر المؤمنين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، فيقول- سبحانه-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
أى: قُلْ يا محمد لهؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم، من أهل مكة وغيرهم، قل لهم: إِنْ يَنْتَهُوا عن كفرهم وعداوتهم للمؤمنين يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من كفرهم ومعاصيهم وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتالك ويستمروا في ضلالهم وكفرهم وطغيانهم، انتقمنا منهم،
стр. 2382
ونصرنا المؤمنين عليهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ على ذلك.
أى: فقد مضت سنة الله- تعالى- في الأولين، وسنته لا تتخلف في أنه- سبحانه- يعذب المكذبين بعد إنذارهم وتبليغهم دعوته، وينصر عباده المؤمنين وينجيهم ويمكن لهم في الأرض. وقد رأى هؤلاء المشركون كيف كانت عاقبة أمرهم في بدر، وكيف أهلك- سبحانه- الكافرين من الأمم قبلهم.
وجواب الشرط لقوله وَإِنْ يَعُودُوا محذوف والتقدير: وإن يعودوا ننتقم منهم.
وقوله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ تعليل للجواب المحذوف.
قال الآلوسى: قوله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أى عادة الله الجارية في الذين تحزبوا على الأنبياء، من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم. وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة. ونظير ذلك قوله- سبحانه- سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته لقوله- سبحانه- وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا باعتبار جريانها على أيديهم. ويدخل في الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر.
والآية حث على الإيمان وترغيب فيه.. واستدل بها على أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس.
وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب لعموم الآية ... » «١» .
وقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.. أمر من الله- تعالى- للمؤمنين بقتال الكافرين إذا ما استمروا في كفرهم وطغيانهم.
والمعنى: عليكم- أيها المؤمنون- إذا ما استمر أولئك الكافرون في كفرهم وعدوانهم، أن تقاتلوهم بشدة وغلظة، وأن تستمروا في قتالهم حتى تزول صولة الشرك، وحتى تعيشوا أحرارا في مباشرة تعاليم دينكم، دون أن يجرأ أحد على محاولة فتنتكم في عقيدتكم أو عبادتكم..
وحتى تصير كلمة الذين كفروا هي السفلى.
قال الجمل: وقوله: وَقاتِلُوهُمْ.. معطوف على قوله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.
ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد. ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا» «٢» .
وقوله فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى: فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم، فكفوا أيديكم عنهم، فإن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
стр. 2383
وقوله وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ بشارة منه- سبحانه- للمؤمنين بالنصر والتأييد.
أى: وإن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أى: ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بولايته ونصرته، فهو- سبحانه- نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ لأنه لا يضيع من تولاه، ولا يهزم من نصره.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم، وينتهوا عن كفرهم، وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم.. أما إذا استمروا في كفرهم ومعاداتهم للحق، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله..
أى أن القتال في الإسلام شرعه الله- تعالى- من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته.
هذا، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التي تشهد بأن القتال في الإسلام إنما شرعه الله- تعالى- لإعلاء كلمته، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير.. وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين. فقال- ﵀:
وقوله- تعالى- وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ...
روى البخاري عن ابن عمر أن رجلا جاءه- في فتنة ابن الزبير- فقال له يا أبا عبد الرحمن، ألا تصنع ما ذكره الله في كتابه وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ...
الآية «١» . فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إلى من أن أعير بالآية التي تقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها..
الآية «٢» .
فقال الرجل: فإن الله يقول: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فقال ابن عمر: «قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة..
وعن سعيد بن جبير قال: خرج إلينا ابن عمر فقال له قائل: كيف ترى في قتال الفتنة؟
فقال له ابن عمر وهل تدرى ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك.
وفي رواية أنه قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
стр. 2384
ثم قال ابن كثير: وقوله فَإِنِ انْتَهَوْا أى: بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ..
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال الرجل لا إله إلا الله، فضربه فقتله فذكر ذلك للرسول ﷺ فقال لأسامة: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع «بلا إله إلا الله» يوم القيامة؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا فقال. هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر عليه من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة، قال أسامة: حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت إلا يومئذ «١» .
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مكر الكافرين وعن دعاويهم الكاذبة، وعن وجوب مقاتلتهم إذا ما استمروا في طغيانهم وعدوانهم.. بعد كل ذلك بين- سبحانه- للمؤمنين كيفية قسمة الغنائم التي كثيرا ما تترتب على قتال أعدائهم، فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : آية ٤١]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)
وقوله: غَنِمْتُمْ من الغنم بمعنى الفوز والربح يقال: غنم غنما وغنيمة إذا ظفر بالشيء قال القرطبي ما ملخصه: الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله- تعالى-: غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر.
وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئا.
فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة.
ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.
стр. 2385
والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين، وجزية الجماجم «١» .
والمعنى الإجمالي للآية الكريمة: وَاعْلَمُوا- أيها المسلمون- أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ أى: ما أخذتموه من الكفار قهرا فَأَنَّ لِلَّهِ الذي منه- سبحانه- النصر المتفرع عليه الغنيمة خُمُسَهُ أى خمس ما غنمتموه شكرا له على هذه النعمة وَلِلرَّسُولِ الذي هو سبب في هدايتكم وَلِذِي الْقُرْبى أى: ولأصحاب القرابة من رسول الله ﷺ والمراد بهم على الراجح بنو هاشم وبنو المطلب.
وَالْيَتامى وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا.
وَالْمَساكِينِ وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر الذي نفد ماله وهو في الطريق قبل أن يصل إلى بلده.
وقوله وَاعْلَمُوا معطوف على قوله قبل ذلك وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ.. إلخ وما في قوله: أَنَّما غَنِمْتُمْ موصولة والعائد محذوف.
وقوله: مِنْ شَيْءٍ بيان الموصول محله النصب على أنه حال من العائد المقدر.
أى: أن ما غنمتموه من شيء سواء أكان هذا الشيء قليلا أم كثيرا فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وقوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ خبر مبتدأ محذوف والتقدير: فحكمه أن لله خمسه والجار والمجرور خبر أن مقدم، وخمسه اسمها مؤخر. والتقدير: فأن خمسه كائن لله وللرسول ولذي القربى ... إلخ.
وأعيدت اللام في قوله وَلِذِي الْقُرْبى دون غيرهم من الأصناف التالية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي ﷺ لمزيد اتصالهم به.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ.. شرط جزاؤه محذوف.
أى: إن كنتم آمنتم بالله حق الإيمان، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ يَوْمَ الْفُرْقانِ أى يوم بدر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أى: جمع المؤمنين وجمع الكافرين..
إن كنتم آمنتم بكل ذلك، فاعملوا بما علمتم، وارضوا بهذه القسمة عن إذعان وتسليم وحسن قبول.
وما أنزله الله على نبيه ﷺ يوم بدر. يتناول ما نزل من آيات قرآنية، كما يتناول نزول الملائكة لتثبيت المؤمنين، وتبشيرهم بالنصر كما يتناول غير ذلك مما أيدهم الله به في بدر.
стр. 2386
وسمى يوم بدر بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وقوله وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل قصد به بيان أن ما أصابه المؤمنون يوم بدر من غنيمة ونصر إنما هو بقدرة الله التي لا يعجزها شيء فعليهم أن يداوموا على طاعته وشكره ليزيدهم من عطائه وفضله.
هذا، وقد ذكر العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل والأحكام من أهمها ما يأتى:
١- أن هذه الآية وضحت أن غنائم الحرب تخمس فيجعل الخمس الأول منها لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنها تقسم على الجيش: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم أو سهمان.
قال ابن كثير: ويؤيد هذا ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: أتيت النبي ﷺ ، وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة، فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت: فما أحد أولى به من أحد، قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم «١» .
وقال بعض العلماء: أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله- تعالى- وقسمة الباقي بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبي ﷺ الغنائم عام خيبر.
ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤنة نفسه وسائسه، ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين.
ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحدا، لا لرئاسته ولا لنسبه ولا لفضله وفي صحيح البخاري أن سعد بن أبى وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، فقال النبي ﷺ «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» ؟ «٢» .
ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بإيتاء لفظ الجلالة في قوله فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ:
التبرك والتعظيم والحض على إخلاص النية عند القسمة وعلى الامتثال والطاعة له- سبحانه-.
وليس المقصود أن يقسم الخمس على ستة منها الله- تعالى-، فإنه- سبحانه- له الدنيا والآخرة، وله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما.
стр. 2387
وعليه يكون خمس الغنيمة مقسما على خمسة أقسام: للرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
ويرى أبو العالية والربيع والقاسم أن هذا الخمس يقسم إلى ستة أقسام، عملا بظاهر الآية، وأن سهم الله- تعالى- يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة.
وقد رجح ابن جرير رأى الجمهور فقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب من قال: قوله فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ افتتاح كلام، وذلك لاجتماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم- كما قال أبو العالية- لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها.
فأما على أكثر من ذلك فلا نعلم قائلا قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبى العالية. وفي إجماع من ذكرت- الدلالة الواضحة على ما اخترناه «١» .
وسهم النبي ﷺ الذي جعله الله- تعالى- له في قوله وَلِلرَّسُولِ كان مفوضا إليه في حياته، يتصرف فيه كما شاء، ويضعه حيث يشاء.
روى الإمام أحمد أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت: يا عبادة، ما كلمات رسول ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم. فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة فقال: إن هذه من غنائمكم، وأنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله ﵎ القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة.
ينجى الله به من الغم والهم، قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم.
وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة، أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود عليكم «٢» .
هذا بالنسبة لسهمه ﷺ في حياته، أما بعد وفاته، فمنهم من يرى: أن سهمه ﷺ يكون لمن يلي الأمر من بعده. روى هذا عن أبى بكر وعلى وقتادة وجماعة..
ومنهم من يرى أن سهمه ﷺ يصرف في مصالح المسلمين. روى ابن جرير عن
стр. 2388
الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح.
ومنهم من يرى صرفه لبقية الأصناف: ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقد رجح ابن جرير هذا الرأى فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ما روى عن ابن عباس: للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، لأن الله- تعالى- أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين.
وقد اجمعوا أن حق أهل الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم..» .
٤- المراد بذي القربى- كما سبق أن أشرنا- بنو هاشم وبنو المطلب على الراجح.
وعليه فإن السهم المخصص لذي القربى لا يصرف إلا لهم.
قال القرطبي ما ملخصه: اختلف العلماء في ذوى القربى على ثلاثة أقوال:
أولها: أن المراد بهم قريش كلها: قاله بعض السلف، لأن النبي ﷺ لما صعد الصفا جعل يهتف يا بنى فلان يا بنى عبد مناف.. أنقذوا أنفسكم من النار.
ثانيها: أن المراد بهم بنو هاشم وبنو المطلب. قاله الشافعى وأحمد وأبو ثور ومجاهد.. لأن النبي ﷺ لما قسم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب قال: «إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه. أخرجه البخاري والنسائي.
ثالثها: أن المراد بهم بنو هاشم خاصة. قاله مجاهد وعلى بن الحسين. وهو قول مالك والثوري والأوزاعى وغيرهم «١» .
وقال الآلوسى: وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم سهم له ﷺ وسهم للمذكورين من ذوى القربى، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية.
وأما بعد وفاته ﷺ فسقط سهمه.. وكذا سقط سهم ذوى القربى، وإنما يعطون بالفقر، ويقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم، ولا حق لأغنيائهم، لأن الخلفاء الأربعة قسموا الخمس كذلك وكفى بهم قدوة ...
стр. 2389
ثم قال: ومذهب المالكية أن الخمس لا يلزم تخميسه، وأنه مفوض إلى رأى الإمام.
- أى انهم يرون أن خمس الغنيمة يجعل في بيت المال فينفق منه على من ذكر وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من مصلحة المسلمين، وكأنهم يرون أن هذه الأصناف إنما ذكرت على سبيل المثال، وأنها من باب الخاص الذي قصد به العام، بينما يرى غيرهم أن هذه الأصناف من باب الخاص الذي قصد به الخاص.
ثم قال: ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم كما ذهب أبو بالعالية، إلا أنهم قالوا:
إن سهم الله- تعالى-، وسهم رسوله ﷺ وسهم ذوى القربى الكل للإمام القائم مقام الرسول ﷺ أما الأسهم الثلاثة الباقية فهم لليتامى من آل محمد ﷺ ، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، لا يشركهم في ذلك غيرهم. رووا ذلك عن زين العابدين، ومحمد بن على الباقر..
ثم قال: والظاهر أن الأسهم الثلاثة الأولى التي ذكروها اليوم تخبأ في السرداب، إذ القائم مقام الرسول ﷺ قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من غيبته..» «١» .
هذا، ومن كل ما سبق نرى أن أكثر العلماء يرون أن خمس الغنيمة يقسم إلى خمسة أقسام، ومنهم من يرى أنه يقسم الى ستة أقسام، ومنهم من يرى أنه لا يلزم تقسيمه إلى خمسة أقسام أو إلى ستة، وإنما هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده.. ومنهم من يرى غير ذلك، ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفروع.
٥- ذكرنا عند تفسيرنا لقوله- تعالى- في مطلع السورة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... أن المراد بالأنفال: الغنائم وعليه تكون الآية التي معنا وهي قوله وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ.. مفصلة لما أجملته الآية التي في مطلع السورة.
أى أن الآية التي في مطلع السورة بينت أن الأمر في قسمة الأنفال مفوض إلى الله ورسوله، ثم جاءت الآية التي معنا ففصلت كيفية قسمة الغنائم حتى لا يتطلع أحد إلى ما ليس من حقه.
وهذا أولى من قول بعضهم: إن الآية التي معنا نسخت الآية التي في مطلع السورة: لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند التعارض وهنا لا تعارض بين الآيتين.
٦- الآية الكريمة أرشدت المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يخلصوا في طاعتهم لله- تعالى- ولرسوله ﷺ وأن يجعلوا غايتهم من جهادهم إعلاء كلمة الله، لكي يكونوا مؤمنين حقا.
стр. 2390
ويشعر بهذا الإرشاد تصديره- سبحانه- الآية بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.. كما يشعر به قوله- تعالى- إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ..، فإن كل ذلك فيه معنى الحض على إخلاص النية لله- تعالى- والامتثال لحكمه، والمداومة على شكره، حيث منحهم- سبحانه- هذه النعم بفضله وإحسانه.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت: بم تعلق قوله إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ: قلت بمحذوف يدل عليه قوله وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ.. والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة. وليس المراد بالعلم المجرد، ولكنه العلم المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله- تعالى-، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر «١» .
هذه بعض المسائل والأحكام التي استنبطناها من الآية الكريمة، وهناك مسائل وأحكام أخرى تتعلق بها ذكرها بعض المفسرين فارجع إليها إن شئت «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعض مظاهر فضله وحكمه في غزوة بدر، فبين الأماكن التي نزل فيها كل فريق، كما بين الحكمة في لقاء المؤمنين والكافرين على غير ميعاد، والحكمة في تقليل كل فريق منهما في عين الآخر ... فقال تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
стр. 2391
قوله: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا.. بدل من قوله يَوْمَ الْفُرْقانِ.. أو معمول لفعل محذوف. والتقدير: اذكروا.
والعدوة- مثلثة العين- جانب الوادي وحافته. وهي من العدو بمعنى التجاوز سميت بذلك لأنها عدت..- أى منعت- ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها.
والدنيا: تأنيث الأدنى بمعنى الأقرب. والقصوى: تأنيث الأقصى بمعنى الأبعد. والركب:
اسم جمع لراكب، وهم العشرة فصاعدا من راكبي الإبل.
قال القرطبي: ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبى الإبل..
والمراد بهذا الركب: أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، فلما بلغ النبي ﷺ أمرها، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله- تعالى- كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ...
والمعنى: اذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن خرجتم إلى بدر، فسرتم إلى أن كنتم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا أى: بجانب الوادي وحافته الأقرب إلى المدينة، وكان أعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أى: بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير أَسْفَلَ مِنْكُمْ أى: في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر، على بعد ثلاثة أميال منكم.
قال الجمل: قوله وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الأحسن في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على هُمْ أن تكون عاطفة ما بعدها على أَنْتُمْ لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال، وأسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أى: والركب في مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر..» «١» .
стр. 2392
وقال الإمام الزمخشري- ﵀ فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟.
قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في هذه الحال ليس إلا صنعا من الله- سبحانه- ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.
وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون، كان فيها الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار- أى أرض لينة رخوة- تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة.
وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم في القتال.
وفيه تصوير ما دبر- سبحانه- من أمر غزوة بدر لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ومن إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم، فنفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب في ساق، وكان ما كان» «١» .
وقوله: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا بيان لتدبير الله الحكيم، وإرادته النافذة.
أى: ولو تواعدتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال، لتخلفتم عن الميعاد المضروب بينكم، لأن كل فريق منكم كان سيتهيب الإقدام على صاحبه، ولكن الله- تعالى- بتدبيره الخفى شاء أن يجمعكم للقتال على غير ميعاد، ليقضى- سبحانه- أمرا كان مفعولا، أى:
ثابتا في علمه وحكمته، وهو: إعزاز الإسلام وأهله، وخذلان الشرك وحزبه.
روى ابن جرير من حديث كعب بن مالك- رضى الله عنه- قال: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
وروى- أيضا- عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الكرب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة قال: ونظر الناس بعضهم إلى بعض» «٢» .
стр. 2393
وقوله لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ بدل من قوله لِيَقْضِيَ بإعادة الحروف، أو هو متعلق بقوله مَفْعُولًا.
والمراد بالهلاك والحياة هنا ما يشمل الحسى والمعنوي منهما.
والمراد بالبينة الحجة الظاهرة الدالة على حقية الإسلام وبطلان الكفر.
قال الآلوسى: أى: ليموت من يموت عن حجة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجّلة.
ويجوز أن يراد بالحياة: الإيمان، وبالموت: الكفر على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل بأن يراد بالبينة: إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة.
أى: ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح وبينة وإلى هذا ذهب قتادة وابن إسحاق. والظاهر أن عَنْ هنا بمعنى بعد كقوله- تعالى- عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ويعقوب حيي على وزن تعب- بفك الإدغام.
وقرأ الباقون بإدغام الياء الأولى في الثانية على وزن شد ومد «١» .
وقوله وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل قصد به الترغيب في الإيمان- والترهيب من الكفر، أى: وإن الله لسميع لأقوال أهل الإيمان والكفر عليم بما تنطوى عليه قلوبهم وضمائرهم، وسيجازى- سبحانه- كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب على حساب ما يعلم وما يسمع منه.
ثم يبين- سبحانه- بعض وجوه نعمه على المؤمنين، وتدبيره الخفى لنصرهم وفوزهم فيقول: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
أى: اذكر يا محمد فضل الله عليك وعلى أصحابك، حيث أراك في منامك الكافرين قليلا عددهم، ضئيلا وزنهم فأخبرت بذلك أتباعك فازدادوا ثباتا واطمئنانا وجرأة على عدوهم وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً أى: ولو أراك الأعداء عددا كثيرا لَفَشِلْتُمْ أى: لتهيبتم الإقدام عليهم، لكثرة عددهم، من الفشل وهو ضعف مع جبن وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أى:
في أمر الإقدام عليهم والإحجام عنهم. فمنكم من يرى هذا ومنكم من يرى ذلك.
стр. 2394
وقوله وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ بيان لمحل النعمة. أى: ولكن الله- تعالى- بفضله وإحسانه أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع وتفرق الآراء في شأن القتال: حيث ربط على قلوبكم، ورزقكم الجرأة على أعدائكم وعدم المبالاة بهم بسبب رؤيا نبيكم.
وقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تذييل يدل على شمول علمه- سبحانه-.
أى: إنه- سبحانه- عليم بكل ما يحصل في القلوب وما يخطر بها من شجاعة وجبن.
ومن صبر وجزع ولذلك دير ما دبر.
قال الفخر الرازي، قال مجاهد: أرى الله النبي ﷺ كفار قريش في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فقالوا: رؤيا النبي حق. القوم قليل، فصار ذلك سببا لجرأتهم وقوة قلوبهم.
فإن قيل: رؤية الكثير قليلا غلط، فكيف يجوز من الله- تعالى- أن يفعل ذلك؟
قلنا: ذهبنا أنه- تعالى- يفعل ما يشاء ويحكم ما يريده وأيضا لعله- سبحانه- أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون «١» .
ونستطيع أن نضيف إلى ما أجاب به الفخر الرازي أنه يجوز أن يكون المراد بالقلة:
الضعف وهوان الشأن..
أى: أن المشركين وإن كانوا في حقيقتهم يقاربون الألف- أى أكثر من ثلاثة أمثال المؤمنين- إلا أنهم لا قوة لهم ولا وزن، فهم كثير عددهم ولكن قليل غناؤهم، قليل وزنهم في المعركة. لأنهم ينقصهم الإيمان الصحيح الذي يقوى القلوب، ويدفع النفوس إلى الإقدام لنصرة الحق لكي تفوز برضا الله وحسن مثوبته.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب المنار بقوله: وقد تقدم أن النبي ﷺ قدر عدد المشركين بألف وأخبر أصحابه بذلك، ولكنه أخبرهم مع هذا أنه رآهم في منامه قليلا، لا أنهم قليل في الواقع، فالظاهر أنهم أولوا الرؤيا بأن بلاءهم يكون قليلا، وأن كيدهم يكون ضعيفا، فتجرءوا وقويت قلوبهم «٢» .
هذا، ونسب الى الحسن أنه ذكر أن هذه الآراء كانت في اليقظة، وأن المراد من المنام العين التي هي موضع النوم. قال الزمخشري. وهذا تفسير فيه تعسف. وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن.
وقال الآلوسى: وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين، لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة
стр. 2395
المنامة لأنها ينام فيها، فلم يكن عنده هناك رؤيا أصلا بل كانت رؤية، وإليه ذهب البلخي.
ولا يخفى ما فيه، لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمى. ففي الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه.. على أن الروايات الجمة برؤيته ﷺ إياهم مناما، وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظرا إلى الظاهر.. ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة، فإنه الفصيح العالم بكلام العرب «١» .
وقوله- تعالى-: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ...
معطوف على ما قبله وهو قوله إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا.... وذلك لتأكيد الرؤيا المنامية بالرؤية في اليقظة.
والمعنى: واذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن التقيتم مع أعدائكم وجها لوجه في بدر، فكان من فضل الله عليكم قبل أن تلتحموا معهم أن جعل عددهم قليلا في أعينكم وجعل عددكم قليلا في أعينهم، وذلك لإغرائهم على خوض المعركة.
أما أنتم فتخوضونها بدون مبالاة بهم لقلتهم في أعينكم، ولثقتكم بنصر الله إياكم..
وأما هم فيخوضونها معتمدين على غرورهم وبطرهم وقلتكم في أعينهم، فيترتب على ذلك أن يتركوا الاستعداد اللازم لقتالكم، فتكون الدائرة عليهم..
قال ابن مسعود- وهو ممن حضر بدرا-: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال:
ألفا «٢» .
وقال أبو جهل- في ذلك اليوم وقبل الالتحام-: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور- أى هم قليل يشبعهم لحم ناقة واحدة- خذوهم أخذا أو اربطوهم بالحبال..
وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول: قوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ الضميران مفعولان يعنى: وإذ يبصركم إياهم. وقَلِيلًا حال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله ﷺ ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا.. «٣»
فإن قلت: الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعينهم؟
قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ليجترؤوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتقل شوكتهم، حين يرون ما لم يكن في حسابهم
стр. 2396
وتقديرهم، وذلك قوله قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ «١» ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا، وكثرتهم آخرا.
ثم قال: فإن قلت: بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟
قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.
قيل لبعضهم: إن الأحوال يرى الواحد اثنين- وكان بين يديه ديك واحد- فقال: ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة «٢» .
وقوله- سبحانه- لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ بيان لحكمة تدبيره، ونفاذ قدرته، وشمول إرادته.
أى فعل- سبحانه- ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أى: ثابتا في علمه وحكمته، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى أحد سواه، فإن كل شيء عنده بمقدار، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شيء إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله- تعالى-: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مكرر مع ما سبق، لأننا نقول: إن المقصود من ذكره أولا- في قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا.. هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبي ﷺ والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة «٣» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسلوب تصويري بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرة الله، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.
وبعد هذا التذكير النافع، والتصوير المؤثر لأحداث غزوة بدر، وجه- سبحانه- في هذه السورة إلى المؤمنين النداء السادس والأخير، حيث أمرهم بالثبات في وجه أعدائهم، وبالمداومة على ذكره وطاعته..، ونهاهم عن التنازع والاختلاف فقال- تعالى-:
стр. 2397
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)
وقوله: لَقِيتُمْ من اللقاء بمعنى المقابلة والمواجهة، ويغلب استعماله في لقاء القتال وهو المراد هنا.
وقوله: فِئَةً أى: جماعة. مشتقة من الفيء بمعنى الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض.
والمراد بها هنا: جماعة المقاتلين من الكافرين وأشباههم.
والمتتبع لاستعمال القرآن لهذه الكلمة، يراه يستعملها- في الأعم الأغلب- في الجماعة المقاتلة أو الناصرة أو ما يشبه ذلك.
قال- تعالى-: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ... «١» .
وقال- تعالى-: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ... «٢» .
وقال- تعالى-: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً «٣» .
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان، إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً أى: حاربتم جماعة من أعدائكم، فاثبتوا لقتالهم وأغلظوا عليهم في النزال، ولا تولوهم الأدبار، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لا سيما في مواطن الحرب، فإن ذكر الله عن طريق القلب واللسان من أعظم وسائل النصر: لأن المؤمن متى استحضر عظمة الله في قلبه لا تهوله قوة عدوه، ولا تخفيه كثرته..
وقوله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أى: لعلكم تظفرون بمرادكم من النصر وحسن الثواب، متى فعلتم ذلك عن إخلاص.
وقوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ معطوف على ما قبله، أى: اثبتوا عند لقاء الأعداء، وأكثروا من ذكر الله، وأطيعوا الله ورسوله في كل أقوالكم وأعمالكم، وفي سركم وجهركم،
стр. 2398
وفي كل ما تأتون وما تذرون.
وقوله وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ نهى لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته.
وقوله تَنازَعُوا من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشيء.. والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به.
والمراد بالتنازع هنا: الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى: الضعف.
قال الآلوسى: وقوله: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، قال الأخفش: الريح مستعارة للدولة.
لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد. وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره. قال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدرى السكون متى يكون «١» .
والمعنى: كونوا- أيها المؤمنون- ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أى الضعف، وإلى ذهاب دولتكم، وهوان كلمتكم، وظهور عدوكم عليكم.
وَاصْبِرُوا على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم على التنازع، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بتأييده ومعونته ونصره.
هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر.
إنهما يأمران بالثبات، والثبات من أعظم وسائل النجاح، لأنه يعنى ترك اليأس والتراجع وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتا.
ويأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء، ومتى حسنت صلة الإنسان بخالقه، صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كبرت.
ويأمران بطاعة الله ورسوله، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية، وبنفوس صافية ... لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل، وذهاب القوة.. ويأمران بالصبر، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله، واحتمال المكاره والمشاق في جلد. وهذه
стр. 2399
الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته.
ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين: «هذا تعليم من الله- تعالى- لعباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء» .
وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى أن رسول الله ﷺ انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قام وقال: اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» .
وفي الحديث الآخر المرفوع يقول الله- تعالى- «إن عبدى كل عبدى الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» أى: لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائي واستعانتى.
وعن قتادة في هذه الآية: «افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون. الضرب بالسيوف» .
ثم قال: «وقد كان للصحابة- رضى الله عنهم- في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس ... قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب» «١» .
وبعد هذه التوجيهات السامية التي رسمت للمؤمنين طريق النصر، نهاهم- سبحانه- عن التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق، فقال تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)
стр. 2400
قال الفخر الرازي عند تفسيره لقوله- تعالى- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا....
المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير. خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة، بعث خفاف الكناني- وكان صديقا لأبى جهل- بهدايا إليه مع ابن له، فلما أتاه قال: إن أبى ينعمك صباحا ويقول لك: إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معى من قرابتي فعلت.
فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا. إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فو الله ما لنا بالله طاقة. وإن كنا إنما نقاتل الناس، فو الله إن بنا على الناس لقوة.
والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف فيها القيان، فإن بدرا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم. وحتى تسمع العرب- بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد-.
قال المفسرون: فوردوا بدرا، وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان «١» .
وقوله بَطَراً مصدر بطر- كفرح- ومعناه كما يقول الراغب: دهش يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة، وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها «٢» .
أى أن البطر ضرب من التكبر والغرور واتخاذ نعم الله- تعالى- وسيلة إلى مالا يرضيه وهو مفعول لأجله، أو حال، أى: حال كونهم بطرين.
وقوله وَرِئاءَ مصدر رأى ومعناه: القول أو الفعل الذي لا يقصد معه الإخلاص، وإنما يقصد به التظاهر وحب الثناء.
стр. 2401
والمعنى: كونوا أيها المؤمنون- ثابتين عند لقاء الأعداء، ومكثرين من ذكر الله وطاعته، وصابرين في كل المواطن.. واحذروا أن تتشبهوا بأولئك المشركين الذين خرجوا من مكة بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ أى خرجوا غرورا وفخرا وتظاهرا بالشجاعة والحمية ... حتى ينالوا الثناء منهم..
وقوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ معطوف على بَطَراً والسبيل: الطريق الذي فيه سهولة. والمراد بسبيل الله: دينه. لأنه يوصل الناس إلى الخير والفلاح.
أى: خرجوا بطريق بما أوتوا من نعم ومرائين بها الناس، وصادين إياهم عن دين الإسلام الذي باتباعه يصلون إلى السعادة والنجاح.
وعبر عن بطرهم وريائهم بصيغة الاسم الدال على التمكن والثبوت، وعن صدهم بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث، للإشعار بأنهم كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والرياء، وأن هذه الصفات دأبهم وديدنهم، أما الصد عن سبيل الله فلم يحصل منهم إلا بعد أن دعا الرسول ﷺ الناس إلى الإسلام.
وقوله: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ تذييل قصد به التحذير من الاتصاف بهذه الصفات الذميمة، لأنه- سبحانه- محيط بكل صغيرة وكبيرة وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فعلى المؤمنين أن يخلصوا لله- تعالى- أعمالهم.
وقوله: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ.. تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من وعود كاذبة، وأمانى باطلة.
والمراد بهذا التذكير: حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره، حيث إنه- سبحانه- لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان.
والمعنى: احذروا- أيها المؤمنون- أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة.. واذكروا وقت أن زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ في معاداتكم، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وأنتم على الباطل، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غرور ومراءاة، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم، بأن قال لهم لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أى: لن يغلبكم أحد من الناس، لا محمد ﷺ وأصحابه، ولا غيرهم من قبائل العرب، وإنى مجير ومعين وناصر لكم، إذ المراد بالجار هنا: الذي يجير غيره. أى: يؤمنه مما يخاف ويخشى.
قال الآلوسى: أى: ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات- تجعله مجيرا لهم، وحافظا إياهم عن السوء
стр. 2402
حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين، وأفضل الدينين.
فالقول مجاز عن الوسوسة. والإسناد في قوله وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي. ولَكُمُ خبر لا أو صفة غالِبَ والخبر محذوف. أى: لا غالب كائنا لكم موجود. والْيَوْمَ معمول الخبر. ومِنَ النَّاسِ حال من ضمير الخبر ... » «١» .
وقوله: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طاقة له بها..
وقوله تَراءَتِ الْفِئَتانِ أى: تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة.
ومنهم من جعل تَراءَتِ بمعنى التقت وقوله نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ أى: ولى هاربا ورجع القهقرى. وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من النصرة والعون يقال: نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى: تراجع عنه وأحجم. والعقب: مؤخر القدم.
والمعنى: لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم- أيها المؤمنون-، ومناهم بالنصر عليكم ... ولكنه حينما تراءت الفئتان: فئتكم وفئته، ورأى ما أمدكم الله به من الملائكة، ولى مدبرا وقال للكافرين: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ أى: من عهدكم وجواركم ونصرتكم، إِنِّي أَرى من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أن يعذبني قبل يوم القيامة، أو إنى أخاف الله أن يصيبني بمكروه من قبل ملائكته.
وقوله وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يحتمل أنه من كلام إبليس الذي حكاه الله- تعالى- عنه، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه .
أى: والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره.
هذا، وهناك قولان في كيفية تزيين الشيطان للمشركين:
أحدهما: أن هذا التزيين لم يكن حسيا، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان.
وعليه يكون قوله لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ ... مجازا عن الوسوسة. وقوله نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ استعارة لبطلان كيده، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه.
стр. 2403
وثانيهما: أن هذا التزيين كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم في صورة إنسان، وقال لهم ما قال مما حكاه الله- تعالى- عنه.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين في تفسير الآية فقال: واذكر إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي عملوها في معاداة رسول الله ﷺ ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أى: بطل كيده حين نزلت جنود الله.
وكذا عن الحسن- ﵀ قال: كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم.
وقيل: لما اجتمعت قريش على السير- لحرب المسلمين في بدر- ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكناني- وكان من أشرفهم- في جند من الشياطين معه راية وقال: لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل، نكص.
وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحال؟ فقال: إنى أرى ما لا ترون، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا.
فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث- الذي أخرجه مالك في الموطأ-: «وما رئي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة. إلا ما رئي يوم بدر» «١» .
وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق في جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف، وإن كانت تختلف عنها في التفصيل، ومن ذلك قول ابن جرير:
«وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجل من بنى مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا الأدبار.
стр. 2404
وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه- وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته.
فقال الرجل: يا سراقة تزعم أنك لنا جار؟ قال: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ وذلك حين رأى الملائكة.
ثم قال: وحدثنا أحمد بن الفرج، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، قال:
حدثنا مالك، عن إبراهيم بن أبى عبلة، عن طلحة بن عبد بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: «ما رئي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر» قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب» «١» .
وقد سار- ابن جرير وابن كثير- في تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان كان حسيا.
فابن جرير يقول. بعد أن ذكر بضع روايات في تفسير الآية: فتأويل: وإن الله لسميع عليم في هذه الأحوال، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم. أيها المؤمنون لحربكم وقتالكم، وحسن ذلك لهم، وحثهم عليكم وقال لا غالب لكم اليوم، من بنى آدم، فاطمئنوا وأبشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من ورائكم ... واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ يقول: فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين، وجنود الشيطان من الكافرين، ونظر بعضهم إلى بعض نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ أى: رجع القهقرى على قفاه هاربا.. وقال للمشركين إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم «٢» .
وابن كثير يقول: وقوله- تعالى- وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ... الآية.
أى: حسن لهم- لعنه الله- ما جاءوا له، وما هموا به. وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج.. ثم قال: فلما رأى إبليس الملائكة نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقال إنى برىء منكم إنى أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه..» «٣» .
ومن هذا يتضح أن هذين الإمامين الجليلين يسيران في تفسيرهما للآية الكريمة، على أن
стр. 2405
التزيين كان حسيا، ويهملان القول بغير ذلك وممن تابعهما في هذا الإمام القرطبي، فقد ذكر بعض الروايات التي وردت في معنى الآية، والتي صرحت بأن الشيطان قد تمثل للمشركين في صورة إنسان، وبنى تفسيره للآية على ذلك.. «١» .
وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم يكن حسيا، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة، وأنه لم يتمثل لهم في صورة إنسان.
فقد قال- ﵀ قوله: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ... أى: واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ أى: فلما قرب كل من الفريقين من الآخر.
نكص، أى: رجع القهقرى.. والمراد أنه كف عن تزيينه لهم، وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشيء، وتركها بحال من ينكص عنه ويوليه دبره، ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم، وتركه إياهم وشأنهم، وهو وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أى: تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة.
ثم قال- بعد أن ضعف الروايات التي أوردها ابن جرير وابن كثير- والمختار عندنا في تفسير الآية أن الشيطان ألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم.. «٢» .
والخلاصة: أننا بمراجعتنا لأقوال المفسرين في كيفية تزيين الشيطان للمشركين، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
(أ) قسم منهم ذكر القولين السابقين في كيفية التزيين دون أن يرجح أحدهما على الآخر، وممن فعل ذلك الزمخشري، والفخر الرازي والآلوسى.
(ب) وقسم منهم سار في تفسيره على أن التزيين كان حسيا، بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين في صورة إنسان وقال لهم ما قال، وأهمل القول بأن التزيين لم يكن حسيا، وممن فعل ذلك ابن جرير، وابن كثير، والقرطبي.
(ج) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسيا، بل كان عن طريق الوسوسة، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين في صورة إنسان، وقد سار في هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا في صحة ما سواه.
стр. 2406
والذي نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين: أن الآية الكريمة صريحة في أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم- ما حكاه القرآن عنه: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ وأنه حين تراءى الجمعان كذب فعله قوله، فقد نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقال للمشركين الذين وعدهم ومناهم بالنصر إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديدا قاطعا كيفية هذا التزيين والقول والنكوص:
أهو حسى أم غير حسى لأن التحديد القاطع لا بد أن يستند إلى نص صريح في دلالته على المعنى المراد، وصحيح في نسبته إلى رسول الله ﷺ .
وهذا النص غير موجود، لأن الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في موطئه- والذي سبق أن ذكرناه- قال عنه ابن كثير وابن حجر إنه حديث مرسل، وزيادة على ذلك ففي بعض رجاله من هو ضعيف الحديث كابن الماجشون، ولأن الروايات التي رويت في تمثيل الشيطان بصورة سراقة قد جاء معظمها عن ابن عباس، وابن عباس- كما يقول صاحب المنار- كان سنه يوم بدر خمس سنين. فروايته لأخبارها منقطعة.
إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم، وأنه قد قال لهم ما قاله- مما حكاه القرآن عنه-، وأنه قد نكص على عقبيه.. إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ذلك.
ويعجبني في هذا المقام قول بعض الكاتبين عند تفسيره لهذه الآية: «وفي هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم، وشجعهم على الخروج ... وأنه بعد ذلك «نكص على عقبيه..» فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم.
ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم والتي قال لهم بها: لا غالب لكم اليوم من الناس ... والتي نكص بها كذلك.
الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها. ذلك أن أمر الشيطان كله غيب، ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوي صحيح، والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث.
فإلى هنا ينتهى اجتهادنا، ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده في محاولة تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل تأويلا معينا ينفى الحركة الحسية عن هذه العوالم، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية.
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ... واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان
стр. 2407
لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم: لا غالب لكم اليوم من الناس ... إلخ ما ذكره الشيخ رشيد في تفسير الآية «١» .
هذا، وقوله- تعالى- بعد ذلك: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ.. بيان لصنفين آخرين من أعداء المسلمين بعد بيان العدو الرئيسى وهم المشركون الذين خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة الإسلام وقد شجعهم الشيطان على ذلك.
قال الفخر الرازي: أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج- كانوا يظهرون الإسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدر سوى عبد الله بن أبى- وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا.
ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله ﷺ قال أولئك: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا..
وعامل الإعراب في «إذ» فيه وجهان: الأول: التقدير، والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون» ..
والثاني: اذكروا إذ يقول المنافقون..» «٢» .
وقوله: غَرَّ أى: خدع، من الغرور وهو كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهرة وشيطان.
أى: اذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم: أى خدعهم، لأنكم أقدمتم على قتال قوم يفوقونكم عدة وعددا، وهذا القتال- في زعمهم- لون من إلقاء النفس إلى التهلكة، لأنهم قوم لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم لخراب بواطنهم من العقيدة السليمة، لا يعرفون أثرها في الإقدام من أجل نصرة الحق ولا يقدرون ما عليه أصحابها من صلة طيبة بالله- الذي بيده النصر والهزيمة..
وماداموا قد فقدوا تلك المعرفة، وهذا التقدير، فلا تستبعدوا منهم- أيها المؤمنون- أن يقولوا هذا القول عنكم، فذلك مبلغهم من العلم، وتلك موازينهم في قياس الأمور ...
والحق، أن الإنسان عند ما يتدبر ما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض في حق المؤمنين عند ما أقدموا على حرب أعدائهم في بدر ...
стр. 2408
أقول: عند ما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين في قلوبهم مرض في كل زمان ومكان.
إننا في عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة، والنفوس النقية، والقلوب المضحية بكل شيء في سبيل نصرة الحق.. رأينا هؤلاء يبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار، ليمكنوا لدين الله في الأرض، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم.
ورأينا في مقابل هؤلاء الصادقين أقواما- ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شيء- لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة.
بل هم- بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا- يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال في أشباههم السابقين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم.
إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنونها بميزان الإيمان.
إن المؤمن يرى التضحية في سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهادة.
أما هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ «١» .
وقوله- تعالى- وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة..
أى: ومن يكل أمره إلى الله، ويثق به- ينصره- سبحانه- على أعدائه، فإنه- عزيز لا يغلبه شيء، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد صورت تصويرا بديعا ما عليه الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل الله.. ومن طاعة للشيطان أوردتهم المهالك.
وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم.
ونهت المؤمنين عن التشبه بهم، لأن البطر والمفاخرة والبغي، واتباع الشيطان: كل ذلك يؤدى إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ولقد كان أبو جهل قمة في البغي والبطر والمراءاة عند ما قال- بعد أن نصحه الناصحون
стр. 2409
بالرجوع عن الحرب فقد نجت العير: «لا لن نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا، ننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا» .
وعند ما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال: «وا قوماه!! هذا عمل عمرو بن هشام «يعنى أبا جهل» كره أن يرجع لأنه ترأس على الناس فبغى، والبغي منقصة وشؤم. إن أصاب محمد النفير ذللنا» .
وصدقت فراسة أبى سفيان، فقد أصاب محمد ﷺ النفير وتسر بل المشركون بالذل والهوان في بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله، واتباعهم لخطوات الشيطان.
فاللهم نسألك أن توفقنا إلى ما يرضيك، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء الأخلاق.
وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين في حياتهم انتقل القرآن لبيان أحوالهم عند مماتهم.
فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)
والخطاب في قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى.. للنبي ﷺ أو لكل من يصلح للخطاب ولَوْ شرطية، وجوابها محذوف لتفظيع الأمر وتهويله.
والمراد بالذين كفروا: كل كافر، وقيل المراد بهم قتلى غزوة بدر من المشركين.
قال ابن كثير: وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر، ولكنه علم في حق كل كافر. ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر بل قال- سبحانه- وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ... «١» .
والفعل المضارع هنا وهو تَرى بمعنى الماضي، لأن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا.
والفعل يَتَوَفَّى فاعله محذوف للعلم به وهو الله- وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول وعليه يكون: الْمَلائِكَةُ مبتدأ، وجملة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ...
خبر.
стр. 2410
والمعنى ولو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرا مخيفا، وأمرا فظيعا تقشعر من هوله الأبدان.
ثم فصل الله- سبحانه- هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال: الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ والمراد بوجوههم: ما أقبل منهم وبأدبارهم: ما أدبر وهو كل الظهر.
أى: الملائكة عند ما يتوفى الله- تعالى- هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر، لإعراضهم عن الحق، وإيثارهم الغي على الرشد.
ومنهم من يرى أن الفعل يَتَوَفَّى فاعله الْمَلائِكَةُ وأن قوله الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به.
وعليه تكون جملة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ.. حال من الفاعل وهو الملائكة.
فيكون المعنى: ولو رأيت- أيها العاقل- حال الكافرين عند ما تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس، ويخيف الفؤاد.
ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال، ولأن إسناد التوفي إلى الله أكثر مناسبة هنا، إذ أن الله- تعالى- قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ.
وخص- سبحانه- الضرب للوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء، ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها. أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم.
وقوله: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ معطوف على قوله يَضْرِبُونَ بتقدير القول.
أى يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه.
والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم، كما في قوله- تعالى-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشيء المذاق.
وقوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بيان للأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ. وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤم صنيعهم، وانقيادهم للهوى والشيطان.
стр. 2411
أى: ذلك الذي نزل بكم- أيها الكافرون- من الضرب وعذاب النار، سببه ما قدمته أيديكم من عمل سىء، وفعل قبيح، وقول منكر، وجحود للحق. وأن الله- تعالى- ليس بذي ظلم لكم ولا لغيركم، لأن حكمته- سبحانه- قد اقتضت ألا يعذب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه، وجرم اقترفه.
فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى الضرب وعذاب الحريق، وهو مبتدأ، وخبره قوله بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
والمراد بالأيدى: الأنفس والذوات. والتعبير بالأيدى عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى. ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال بذاته.
وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله.
أى: ذلك الذي نزل بكم سببه ما قدمته أيديكم، والأمر أن الله- تعالى- ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب جنوه.
ويجوز أن يكون معطوفا على (ما) المجرورة بالباء. أى: ذلك بسبب ما قدمته أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد.
قال بعض العلماء: فإن قيل ما سر التعبير بقوله بِظَلَّامٍ بالمبالغة، مع أن نفى نفس الظلم أبلغ من نفى كثرته، ونفى الكثرة لا ينفى أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد؟.
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه نفى لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى بِظَلَّامٍ لذلك، أى: لكثرة الكمية فيه.
ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير، انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا.
ومنها: أن «ظلاما» للنسب كعطار، أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا.
стр. 2412
ومنها: أن كل صفة له- تعالى- في أكمل المراتب، فلو كان- سبحانه- ظالما، كان ظلاما، فنفى اللازم نفى للملزوم.
ومنها: أن نفى الظلام لنفى الظالم ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى كماله، فجعل نفى المبالغة كناية عن نفى أصله، انتقالا من اللازم إلى الملزوم.
ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه، فالمراد تنزيهه- تعالى- وهو جدير بالمبالغة.
وفي صحيح مسلم عن أبى ذر عن رسول الله ﷺ أن الله- تعالى- يقول: «يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» «١» .
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد بينتا حالة المشركين عند قبض أرواحهم بيانا يحمل النفوس على الإيمان والطاعة لله- تعالى- فقد رسم القرآن صورة مفزعة لهم، صورة الملائكة وهي تضرب وجوههم وأدبارهم بأمر من الله- تعالى- الذي ما ظلمهم، ولكنهم هم الذين أحلوا بأنفسهم هذا المصير المؤلم المهين، حيث كفروا بالحق، وحاربوا أتباعه، واستحبوا العمى على الهدى ثم بين سبحانه- أن هؤلاء الكافرين عادتهم في كفرهم وطغيانهم كعادة من سبقهم من الأمم الظالمة وإن من سنة الله تعالى- في خلقه ألا يعاقب إلا بذنب، وألا يغير النعمة إلا لسبب. فقال- تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
стр. 2413
والكاف في قوله: كَدَأْبِ، للتشبيه، والجار والمجرور في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والدأب: أصله الدوام والاستمرار، يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا- بفتح الهمزة- ودأبا- بسكونها- ودؤوبا، إذا داوم عليه وجد فيه، ثم غلب استعماله في الحال والشأن والعادة، لأن الذي يستمر في عمل أمدا طويلا يصير هذا العمل عادة من عاداته، وحالا من أحواله، فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
والآل- كما يقول الراغب- مقلوب عن الأهل، ويصغر على أهيل، إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة يقال: آل فلان، ولا يقال:
آل رجل، ولا يقال: آل الحجام.. بل يضاف إلى الأشرف والأفضل يقال: آل الله، وآل السلطان، والأهل يضاف إلى الكل، فيقال: أهل الله، وأهل الحجام، وأهل زمان كذا.. «١» .
والمقصود بآل فرعون: هو وأعوانه وبطانته، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه.
والمعنى: شأن هؤلاء الكافرين الذين حاربوك يا محمد، والذين هلك منهم من هلك في بدر، شأنهم وحالهم وعادتهم فيما اقترفوه من الكفر والعصيان وفيما فعل بهم من عذاب وخذلان، كشأن آل فرعون الذين استحبوا العمى على الهدى، والذين زينوا له الكفر والطغيان حتى صار عادة له ولهم، وقد أخذهم- سبحانه- أخذ عزيز مقتدر، بسبب كفرهم وفجورهم.
وقد خص- سبحانه- فرعون وآله بالذكر من بين الأمم الكافرة، لأن فرعون كان أشد الطغاة طغيانا، وأكثرهم غرورا وبطرا، وأكثرهم في الاستهانة بقومه وفي الاحتقار لعقولهم وكيانهم.
ألم يقل لهم- كما حكى القرآن عنه- أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٢» .
وألم يبلغ به غروره أن يقول لهم: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ «٣» ؟.
أما آله وبطانته وأعوانه، فهم الذين زينوا له السوء، وحرضوه على البطش بموسى لأنه
стр. 2414
جاءهم بالحق، ولقد حكى الله عنهم نفاقهم وضلالهم وانغماسهم في الآثام في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ «١» .
ولقد وصف الله- تعالى- قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، والخروج عن كل مكرمة فقال: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ «٢» وذلك لأن الأمة التي تترك الظالم وبطانته يعيثون في الأرض فسادا، لا تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران.
وقوله كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد والضلال.
والمراد بآيات الله: ما يعم المتلوة في كتب الله- تعالى-، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم.
وفي إضافتها إلى الله: تعظيم لها وتشريف، وتنبيه إلى قوة دلالتها على الحق والخير.
وقوله: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ معطوف على قوله كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لبيان ما ترتب على كفرهم من عقوبات أليمة.
وفي التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العذاب، فهو- سبحانه- قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذي لا يستطيع الفكاك من آسره.
والباء في قوله: بِذُنُوبِهِمْ للسببية أى كفروا بآيات الله فعاقبهم- سبحانه- بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره.
ويجوز أن تكون للملابسة، أى: أخذهم وهم ملتبسون بذنوبهم دون أن يثوبوا منها، أو يقلعوا عنها.
وعلى الوجهين فالجملة الكريمة تدل على كمال عدل الله- تعالى- لأنه ما عاقبهم إلا لأنهم استحقوا العقاب.
والمراد بذنوبهم: كفرهم وما ترتب عليه من فسوق وعصيان، وأصل الذنب: الأخذ بذنب الشيء أى بمؤخرته، ثم أطلق على الجريمة، لأن مرتكبها يعاقب بعدها.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ الشديد، بسبب الكفر والمعاصي.
стр. 2415
أى: إن الله- تعالى- قوى لا يغلبه غالب، ولا يدفع قضاءه دافع، شديد عقابه لمن كفر بآياته، وفسق عن أمره.
وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...
بيان لسنة من سننه- تعالى- في خلقه، وتعليل لتعذيب أولئك الكفار، ولسلب نعمه عنهم وعن أشباههم من العصاة والجاحدين واسم الإشارة: ذلِكَ يعود إلى تعذيب الكفرة المعبر عنه بقوله- تعالى- فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ.
وهو، أى: اسم الإشارة مبتدأ، وخبره قوله- سبحانه- بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً..
إلخ.
والمعنى: ذلك الذي نزل بهؤلاء الكفرة من التعذيب والخذلان عدل إلهى، فقد جرت سنته- سبحانه- في خلقه، واقتضت حكمته في حكمه ألا يبدل نعمه بنقم إلا بسبب ارتكاب الذنوب، واجتراح السيئات، فإذا لم يتلق الناس نعمه- بالشكر والطاعة، وقابلوها بالكفر والعصيان، بدل نعمتهم بنقم جزاء وفاقا.
وشبيه بهذا قوله- تعالى- في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «١» .
قال الفخر الرازي: قال القاضي: معنى الآية أنه- تعالى- أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله- تعالى- على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن.
قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه- تعالى- لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة «٢» .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟.
قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب «٣» .
стр. 2416
وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معطوف على قوله: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً..
إلخ.
أى: ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه- سبحانه- سميع لما نطقوا به من سوء، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد عاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ثم ذكر- سبحانه- ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد والتوبيخ فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ.
أى: أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد، كشأن آل فرعون ومن تقدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود..، كذب أولئك جميعا بآيات ربهم التي أوجدها- سبحانه- لهدايتهم وسعادتهم.. فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم- سبحانه- بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب استعمالهم النعم في غير ما خلقت له.
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان.
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أى: وكل من الأقوام المذكورين ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال، كانوا ظالمين لأنفسهم بكفرهم، ولأنبيائهم بسبب محاربتهم لهم، وإعراضهم عنهم مع أن الأنبياء ما جاءوا إلا لهدايتهم.
وجمع الضمير في كانُوا وظالِمِينَ مراعاة لمعنى كُلٌّ لأنها متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى، واختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل.
قال الجمل: فإن قلت: ما الفائدة من تكرير هذه الآية مرة ثانية؟.
قلت: فيها فوائد منها: أن الكلام الثاني يجرى مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، والثانية ذكر إغراقهم فذلك تفسير للأول.
ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم، ففي الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها، وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها، وكفرهم بها.
ومنها: أن تكرير هذه القصة للتأكيد «١» .
стр. 2417
وبعد، فإن المتدبر في هذه الآيات الكريمة، يراها تصور تصويرا واضحا سنة من سنن الله في خلقه، وهي أنه- سبحانه- لا يسلب نعمه عن قوم إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وأنه- تعالى- لا ينزل عقوباته بهم إلا بعد لجاجهم في طغيانهم، وإدبارهم عن نصح الناصحين.
ورحم الله الأستاذ الإمام محمد عبده فقد كتب مقالا جيدا صدره بقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...
ومما جاء في هذا المقال قوله: تلك آيات الكتاب الحكيم، تهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
أرشدنا- سبحانه- إلى أن الأمم ما سقطت من عرش عزها، ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها- سبحانه- على أساس الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان، ورفاعة وخفض عيش، وأمن وراحة حتى يغير أولئك ما بأنفسهم من نور العقل، وصحة الفكر، وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة، والتدبر في أحوال الذين حادوا عن صراط الله فهلكوا، أو حل بهم الدمار. ثم لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة، حادوا عن الاستقامة في الرأى، والصدق في القول، والسلامة في الصدر، والعفة عن الشهوات، والحمية على الحق، والقيام بنصرته والتعاون على حمايته.. خذلوا العدل ولم يجمعوا همهم على إعلاء كلمته، واتبعوا الأهواء الباطلة، وانكبوا على الشهوات الفانية.. فأخذهم بذنوبهم وجعلهم عبرة للمعتبرين.
هكذا جعل الله بقاء الأمم ونماءها في التحلي بالفضائل وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها.
سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل بتبدل الأجيال، كسنته- سبحانه- في الخلق والإيجاد، وتقدير الأرزاق وتحديد الآجال..» «١» .
وبعد أن شرح- سبحانه- أحوال المهلكين من شرار الكفرة، شرع في بيان أحوال الباقين منهم، وتفصيل أحكامها، فقال- تعالى:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٥ الى ٥٩]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
стр. 2418
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما وصف كل الكفار بقوله: وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان:
الأولى: الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه ...
الثانية: أن يكون ناقضا للعهد على الدوام ...
قال ابن عباس: هم بنو قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم الخندق ... «١» .
والدواب: جمع دابة. وهي كل ما يدب على الأرض قال- تعالى- وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.. «٢» .
قال الجمل: وإطلاق الدابة على الإنسان إطلاق حقيقى، لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: «الدابة كل حيوان في الأرض مميزا وغير مميز» «٣» .
والمعنى: إن شر، ما يدب على الأرض عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وقضائه الَّذِينَ كَفَرُوا أى: الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه.
وقد وصفهم- سبحانه- بأنهم شر الدواب لا شر الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى
стр. 2419
به الناس من تعقل وتدبر للأمور، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفي وصفه- سبحانه- لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دواب فحسب بل هم شرها وأخسها.
وقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ تذييل جيء به على وجه الاعتراض بالبيان أى: أنهم- بسبب إصرارهم على الكفر- صار الإيمان بعيدا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد.
وقوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.. بدل من الموصول الأول وهو قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا.. أو عطف بيان له.
أى: إن شر الدواب عند الله الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه، الذين عاهَدْتَ مِنْهُمْ أى: أخذت منهم عهدهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة.
فقوله: عاهَدْتَ مضمن معنى الأخذ، ولذا عدى بمن.
قال الآلوسى: قوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ.. بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان، أو نعت، أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على الذم، وعائد الموصول قيل: ضمير الجمع المجرور، والمراد: عاهدتهم، ومن للإيذان بأن المعاهدة- التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين- معتبرة هنا من حيث أخذه ﷺ ، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض، لا إعطاؤه- ﵊ إياهم عهده كأنه قيل: الذين أخذت منهم عهدهم، وقال أبو حيان: تبعيضية، لأن المباشر بعضهم لا كلهم..» «١» .
وقوله: ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ معطوف على الصلة.
وكان العطف «بثم» المفيدة للتراخي، للإيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود، وبين ما تردوا فيه من نقض لها، واستهانة بها.
وجيء بصيغة المضارع يَنْقُضُونَ المفيدة للحال والاستقبال، للدلالة على تعدد النقض وتجدده، وأنهم على نيته في كل مرة يعاهدون فيها غيرهم.
وقوله: وَهُمْ لا يَتَّقُونَ في موضع الحال من فاعل يَنْقُضُونَ.
أى: أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق في كل وقت، ومع ذلك فحالهم وشأنهم
стр. 2420
أنهم لا يشعرون خلال نقضهم للعهود بأى تحرج أو خجل، بل يرتكبون ما يرتكبون من المنكرات دون أن يتقوا عارها، أو يخشوا سوء عاقبتها.
ثم بين- سبحانه- ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة بدون حياء أو تدبر للعواقب فقال: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فالفاء في قوله فَإِمَّا لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
وقوله: تَثْقَفَنَّهُمْ من الثقف بمعنى الحذق في إدراك الشيء وفعله.
قال الراغب: يقال ثقفت كذا إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز فيه فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافته.
قال- تعالى- فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ «١» .
وقوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ التشريد وهو عبارة عن التفريق مع الاضطراب، يقال شردت بنى فلان، أى: قلعتهم عن مواطنهم وطردتهم عنها حتى فارقوها قال الشاعر:
أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم
أى: مخافة أن يسمع بي ويطردنى حكيم، وحكيم رجل من بنى سليم كانت قريش قد ولته الأخذ على أيدى السفهاء.
والمعنى: إنك يا محمد إذا ما أدركت في الحرب هؤلاء الكافرين الناقضين لعهودهم وظفرت بهم- وهم بنو قريظة ومن لف لفهم-.. فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يتفرق معه جمع كل ناقض للعهد، ويفزع منه كل من كان على شاكلتهم في الكفر ونقض العهود، ويعتبر به كل من سمعه من أهل مكة وغيرهم.
فالباء في قوله فَشَرِّدْ بِهِمْ للسببية، وقوله مَنْ خَلْفَهُمْ مفعول شرد.
والمراد بمن خلفهم: كفار مكة وغيرهم من الضالين، أى: افعل ببني قريظة ما يشرد غيرهم خوفا وفزعا.
وقوله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أى: لعل أولئك المشردين يتعظون بهذا القتل والتنكيل الذي نزل بهؤلاء الناقضين لعهودهم في كل مرة، فيمنعهم ذلك عن نقض العهد.
هذا، وإن تلك الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذا شديدا رادعا.. حتى يبقى للمجتمع الإسلامى أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه.