← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

والضعفاء: جمع ضعيف، وهو من ليس عنده القوة على القيام بتكاليف الجهاد، كالشيوخ والنساء والصبيان ... والمرضى: جمع مريض، وهم الذين عرضت لهم أمراض حالت بينهم وبين الاشتراك في القتال، وهؤلاء عذرهم ينتهى بزوال أمراضهم. والمعنى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم، أو لشيخوخة أقعدتهم، وَلا عَلَى الْمَرْضى الذين حالت أمراضهم بينهم وبين الجهاد وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ وهم الفقراء القادرون على الحرب، ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة، ليس على هؤلاء جميعا حَرَجٌ أى: إثم أو ذنب بسبب عدم خروجهم مع النبي ﷺ إلى تبوك لقتال الكافرين ... وقوله: إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ: بيان لما يجب عليهم في حال قعودهم. قال الجمل: ومعنى النصح- هنا- أن يقيموا في البلد، ويحترزوا عن إنشاء الأراجيف، وإثارة الفتن، ويسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو، ويقوموا بمصالح بيوتهم، ويخلصوا الإيمان والعمل لله ويتابعوا الرسول ﷺ ، فجملة هذه الأمور تجرى مجرى النصح لله ورسوله، «١» . وقوله: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ استئناف مقرر لمضمون ما قبله. والمحسنون. جمع محسن، وهو الذي يؤدى ما كلفه الله به على وجه حسن. والسبيل: الطريق السهل الممهد الموصل إلى البغية. ومن، زائدة لتأكيد النفي. أى: ليس لأحد أى طريق يسلكها لمؤاخذة هؤلاء المحسنين، بسبب تخلفهم عن الجهاد، بعد أن نصحوا لله ولرسوله، وبعد أن حالت الموانع الحقيقية بينهم وبين الخروج للجهاد. قال الآلوسى: والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه: وألطف سبك، وهو من بليغ الكلام، لأن معناه: لا سبيل لعاتب عليهم، أى: لا يمر بهم العاتب، ولا يجوز في أرضهم، فما أبعد العتاب عنهم، وهو جار مجرى المثل. ويحتمل أن يكون تعليلا لنفى الحرج عنهم والْمُحْسِنِينَ على عمومه. أى: ليس عليهم حرج، لأنه ما على جنس المحسنين سبيل، وهم من جملتهم «٢» .

стр. 2662

وقال صاحب المنار: «والشرع الإلهى يجازى المحسن بأضعاف إحسانه، ولا يؤاخذ المسيء إلا بقدر إساءته، فإذا كان أولئك المعذورون في القعود عن الجهاد محسنين في سائر أعمالهم بالنصح المذكور. انقطعت طرق المؤاخذة دونهم والإحسان أعم من النصح المذكور فالجملة الكريمة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم مقرونا بالدليل، فكل ناصح لله ورسوله محسن، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج، وهذه المبالغة في أعلى مكانة من أساليب البلاغة «١» . وقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أى: والله تعالى- واسع المغفرة، كثير الرحمة، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية. وقوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ... معطوف على ما قبله، من عطف الخاص على العام، اعتناء بشأنهم، وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله قبل ذلك «لا يجدون ما ينفقون» . أى: لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا ما تخلفوا عن الجهاد، وكذلك لا حرج ولا إثم- أيضا- على فقراء المؤمنين، الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل قلت لهم يا محمد «لا أجد ما أحملكم عليه» . وفي هذا التعبير ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه ﷺ يقول لهم إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه، وأفتش عليه فلا أجده، ولو وجدته لقدمته إليكم. وقوله: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ بيان للآثار التي ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل: لكي يخرجوا مع الرسول ﷺ إلى تبوك. أى: أن هؤلاء المؤمنين الفقراء، عند ما اعتذرت لهم بقولك: «لا أجد ما أحملكم عليه» انصرفوا من مجلسك، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك. فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة في الجهاد، وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه. وبمثل هذه الروح ارتفعت راية الإسلام، وعزت كلمته، وانتشرت دعوته. هذا، ومن الأحكام والآداب التي نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين ما يأتى:

стр. 2663

١- أن التكاليف الإسلامية تقوم على اليسر ورفع الحرج، ومن مظاهر ذلك: أن الجهاد. وهو ذروة سنام الإسلام، قد أعفى الله- تعالى- منه الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون وسائله ومتطلباته. قال الإمام القرطبي «١» : قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى.. هذه الآية أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شيء مسقط عنه، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال. ونظير هذه الآية قوله. تعالى-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «٢» وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ «٣» . ٢- أنه متى وجدت النية الصادقة في فعل الخير. حصل الثواب وإن لم يكن هناك عمل، بدليل أن المؤمنين الذين لم يخرجوا للجهاد لعذر شرعي، بشرهم النبي ﷺ بأنهم مشاركون لمن خرج في الأجر. قال الإمام ابن كثير: في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال. «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم قالوا: وهم بالمدينة قال نعم حبسهم العذر» . وروى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شاركوكم في الأجر، حبسهم المرض» «٤» . ٣- أن الصحابة- رضى الله عنهم- ضربوا أروع الأمثال في الحرص على الجهاد والاستشهاد وأن أعذارهم الشرعية لم تمنع بعضهم من المشاركة في القتال ... فهذا عبد الله بن أم مكتوم وكان يخرج إلى غزوة أحد ويطلب أن يحمل اللواء. وهذا عمرو ابن الجموح- وكان أعرج- يخرج في مقدمة الجيوش فيقول له الرسول ﷺ : «إن الله قد عذرك» فيقول: «والله لأحفرن بعرجتي هذه الجنة» - أى لأتركن آثار أقدامى فيها. ومن كان يؤتى به وهو يمشى بين الرجلين معتمدا عليهما من شدة ضعفه» ومع ذلك يقف في صفوف المجاهدين. وبهذه القلوب السليمة، والعزائم القوية والنفوس النقية التي خالط الإيمان شغافها..

стр. 2664

ارتفعت كلمة الحق، وعزت كلمة الإسلام. وبعد أن بين- سبحانه- أحكام أصحاب الأعذار المقبولة، أتبع ذلك ببيان أحكام الأعذار الكاذبة، والصفات القبيحة، فقال تعالى. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٣ الى ٩٦] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) فهذه الآيات الكريمة بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين قعدوا في المدينة بدون عذر، بعد أن يرجع الرسول ﷺ إليهم والمؤمنون من تبوك. والمعنى: إذا كان الضعفاء والمرضى ومن في حكمهم، لا إثم ولا عقوبة عليهم بسبب تخلفهم عن الجهاد، فإن «السبيل» أى الإثم والعقوبة «على الذين يستأذونك» في التخلف «وهم أغنياء» أى يملكون كل وسائل الجهاد من مال وقوة وعدة. وقوله: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ استئناف تعليلى مسبوق لمزيد مذمتهم.

стр. 2665

أى: استأذنوك في القعود مع غناهم وقدرتهم على القتال، لأنهم لخلو قلوبهم من الإيمان، ولسقوط همتهم وجبنهم، رضوا لأنفسهم أن يقبعوا في المدينة مع الخوالف من النساء والصبيان والعجزة. وقوله: وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بيان لسوء مصيرهم. أى: وبسبب هذا الإصرار على النفاق، والتمادي في الفسوق والعصيان، ختم الله- تعالى- على قلوبهم، فصارت لا تعلم ما يترتب على ذلك من مصائب دينية ودنيوية وأخروية. وقوله: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ، إخبار عما سيقولونه للمؤمنين عند لقائهم بهم. أى: أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد مع قدرتهم عليه، سيعتذرون إليكم- أيها المؤمنون- إذا رجعتم إليهم من تبوك، بأن يقولوا لكم مثلا: إن قعودنا في المدينة وعدم خروجنا معكم كانت له مبرراته القوية. فلا تؤاخذنا. وهذه الجملة الكريمة من الأنباء التي أنبأ الله بها نبيه ﷺ عن أحوال المنافقين وعما سيقولونه له وللمؤمنين بعد عودتهم إليهم، وهذا يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة، وقبل وصول الرسول وأصحابه إلى المدينة من تبوك. وقوله: قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ، إبطال لمعاذيرهم، وتلقين من الله- تعالى- لرسوله بالرد الذي يخرس ألسنتهم. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- عند ما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لهم: دعوكم من هذه المعاذير الكاذبة، ولا تتفوهوا بها أمامنا، فإننا «لن نؤمن لكم» ولن نصدق أقوالكم، فإن الله، تعالى. قد كشف لنا عن حقيقتكم ووضح لنا أحوالكم، وبين لنا ما أنتم عليه من نفاق وفسوق وعصيان، وما دام الأمر كذلك، فوفروا على أنفسكم هذه المعاذير الكاذبة. وقال، سبحانه. قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ولم يقل قد نبأنى، للإشعار بأن الله- تعالى- قد أمر رسوله ﷺ أن يبلغ المؤمنين بأحوال هؤلاء المنافقين حتى يكونوا على بينة من أمرهم. وقوله: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ تهديد لهم على نفاقهم وكذبهم. أى: دعوا عنكم هذه الأعذار الباطلة، فإن الله- تعالى- مطلع على أحوالكم، وسيعلم سركم وجهركم علما يترتب عليه الجزاء العادل لكم، ويبلغ رسوله ﷺ بأخباركم، هذا

стр. 2666

في الدنيا، أما في الآخرة، فأنتم «ستردون» يوم القيامة «إلى عالم الغيب والشهادة» الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء «فينبئكم بما كنتم تعملون» أى: فيخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب. ثم أخبر- سبحانه- رسوله ﷺ بأن هؤلاء المنافقين، سيؤكدون أعذارهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة فقال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ.... أى: أنهم سيحلفون بالله لكم- أيها المؤمنون- إذا ما رجعتم إليهم من تبوك وذلك لكي تعرضوا عنهم فلا توبخوهم على قعودهم، ولا تعنفوهم على تخلفهم. وقوله فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ تعليل لوجوب الإعراض عنهم، لا على سبيل الصفح والعفو، بل على سبيل الإهمال والترك والاحتقار. أى: فأعرضوا- أيها المؤمنون- عن هؤلاء المنافقين المتخلفين، لأنهم «رجس» . أى: قذر ونجس لسوء نواياهم، وخبث طواياهم. وقد جعلهم- سبحانه- نفس الرجس، مبالغة في نجاسة أعمالهم، وقبح بواطنهم. وقوله: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بيان لسوء مصيرهم في الآخرة. أى: أنهم في الدنيا محل الاحتقار والازدراء لنجاسة بواطنهم، أما في الآخرة فمستقرهم وموطنهم جهنم بسبب ما اكتسبوه من أعمال قبيحة، وما اجترحوه من أفعال سيئة. وقوله: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ بدل مما قبله. ولم يذكر- سبحانه- المحلوف به لظهوره أى: يحلفون بالله لترضوا عنهم، ولتصفحوا عن سيئاتهم ... وقوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بيان لحكم الله- تعالى- فيهم، حتى يكون المؤمنون على حذر منهم. أى: إن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد يحلفون بالله لكم بأنهم ما تخلفوا إلا لعذر، لكي تصفحوا عنهم، أيها المؤمنون، فإن صفحتم عنهم على سبيل الفرض فإن الله- تعالى- لا يصفح ولا يرضى عن القوم الذين فسقوا عن أمره، وخرجوا عن طاعته. وقال الآلوسى، «والمراد من الآية الكريمة، نهى المخاطبين عن الرضا عنهم، وعن الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله- تعالى- مما لا يكاد يصدر عن المؤمنين، والآية نزلت على ما روى عن ابن عباس في جد بن قيس،

стр. 2667

ومعتب بن قشير، وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبي ﷺ المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة ألا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا» «١» . وقال- سبحانه- فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ولم يقل فإن الله لا يرضى عنهم، لتسجيل الفسق عليهم، وللإيذان بشمول هذا الحكم لكل من كان مثلهم في الفسوق وفي الخروج عن طاعة الله، تعالى. وجواب الشرط في قوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ محذوف، والتقدير: فإن ترضوا عنهم على سبيل الفرض، فإن رضاكم عنهم لن ينفعهم، لأن الله تعالى. لا يرضى عن القوم الذين خرجوا عن طاعته. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت جانبا آخر من الأحوال القبيحة للمنافقين، وردت على معاذيرهم الكاذبة، وأيمانهم الفاجرة بما يفضحهم ويخزيهم، وتوعدتهم بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم بعد الحديث الطويل عن النفاق والمنافقين، أخذت السورة الكريمة. في الحديث عن طوائف أخرى منها الصالح، ومنها غير الصالح، وقد بدأت بالحديث عن الأعراب سكان البادية، فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)

стр. 2668

قال صاحب المنار: قوله، سبحانه: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً. بيان مستأنف لحال سكان البادية من المنافقين، لأنه مما يسأل عنه بعد ما تقدم في منافقي الحضر من سكان المدينة وغيرها من القرى. والأعراب: اسم جنس لبدو العرب، واحده: أعرابى، والأنثى أعرابية، والجمع أعاريب، والعرب: اسم جنس لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة، بدوه وحضره، واحده: عربي..» «١» . والمراد بالأعراب هنا: جنسهم لا كل واحد منهم، بدليل أن الله. تعالى. قد ذم من يستحق الذم منهم، ومدح من يستحق المدح منهم، فالآية الكريمة من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده. وقد بدأ، سبحانه، بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم، إلحاقا لهم بمنافقى المدينة الذين تحدثت السورة عنهم قبل ذلك مباشرة حديثا مستفيضا، وبهذا الترتيب الحكيم تكون السورة الكريمة قد واصلت الحديث عن منافقي الحضر والبدو. والمعنى: «الأعراب» سكان البادية «أشد كفرا ونفاقا» من الكفار والمنافقين الذين يسكنون الحضر والقرى. وذلك، لأن ظروف حياتهم البدوية، وما يصاحبها من عزلة وكر وفر في الصحراء، وخشونة في الحياة ... كل ذلك جعلهم أقسى قلوبا، وأجفى قولا، وأغلظ طبعا، وأبعد عن سماع ما يهدى نفوسهم إلى الخير من غيرهم سكان المدن. وقوله: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ معطوف على ما قبله لتعديد صفاتهم الذميمة. قال القرطبي: قوله: «وأجدر» عطف على «أشد» ومعناه: أخلق، وأحق، يقال: فلان جدير بكذا، أى: خليق به. وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جدراء وجديرون، وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء فقوله: هو أجدر بكذا، أى: أقرب إليه وأحق به «٢» . والمعنى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر الكفار والمنافقين، وهم كذلك أحق وأخلق من أهل الحضر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، بسبب ابتعادهم عن مجالس رسول الله ﷺ وعدم مشاهدتهم لما ينزل عليه ﷺ من شرائع وآداب وأحكام.

стр. 2669

وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أى: «عليم» بأحوال عباده الظاهرة والباطنة لا يخفى عليه شيء من صفاتهم وطباعهم «وحكيم» في صنعه بهم، وفي حكمه عليهم، وفيما يشرعه لهم من أحكام، وفيما يجازيهم به من ثواب أو عقاب. هذا، وقد ذكر المفسرون هنا أمثلة متعددة لجفاء الأعراب وجهلهم، ومن ذلك قول الإمام ابن كثير: قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابى إلى زيد بن صوهان، وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم «نهاوند» فقال الأعرابى: والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبنى!! فقال زيد: وما يريبك من يدي؟ إنها الشمال!! فقال الأعرابى: والله ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال!! فقال زيد: صدق الله إذ يقول: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ... وروى الإمام أحمد عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» . وروى الإمام مسلم عن عائشة قال: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال ﷺ نعم. فقالوا: لكنا والله ما نقبل!! فقال ﷺ «وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة» «١» . ثم بين- سبحانه- حال فريق آخر من منافقي الأعراب فقال: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً. أى: ومن الأعراب قوم آخرون يعتبرون ما ينفقونه في سبيل الله غرامة وخسارة عليهم لأنهم لا ينفقون ما ينفقونه طمعا في ثواب، أو خوفا من عقاب وإنما ينفقونه تقية ورياء ومداراة للمسلمين، لا مساعدة للغزاة والمجاهدين، ولا حبا في انتصار المؤمنين. قال الجمل: وقوله: «من يتخذ ما ينفق مغرما» «من» مبتدأ، وهي موصولة أو موصوفة، و «مغرما» . مفعول ثان، لأن «اتخذ» هنا بمعنى صير، والمفعول الأول قوله: «ما ينفق» . والمغرم: الخسران، مشتق من الغرم وهو الهلاك لأنه سببه، وقيل أصله الملازمة، ومنه الغريم للزومه من يطالبه» «٢» .

стр. 2670

وقوله: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ معطوف على ما قبله، والتربص: الانتظار والترقب والدوائر: جمع دائرة. وهو ما يحيط بالإنسان من مصائب ونكبات، كما تحيط الدائرة بالشيء الذي بداخلها. أى: أنهم بجانب اعتبارهم ما ينفقونه غرامة وخسارة، ينتظرون بكم- أيها المؤمنون- صروف الدهر ونوائبه التي تبدل حالكم من الخير إلى الشر ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الصحة إلى المرض والأسقام، ومن الأمان والاطمئنان إلى القلق والاضطراب.. وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ جملة معترضة، جيء بها للدعاء عليهم. أى: عليهم لا عليكم- أيها المؤمنون- تدور دائرة السوء، التي يتبدل بها حالهم إلى الهلاك والفساد. والسوء- بفتح السين- مصدر ساءه يسوءه سوءا، إذا فعل به ما يكره، والسوء- بالضم- اسم منه. وقيل المفتوح بمعنى الذم، والمضموم بمعنى العذاب والضرر. وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة، كما في قولهم: رجل صدق. وفي هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين، لأنه- سبحانه- جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم، وتدور بهم فلا تدع لهم مهربا أو منجاة من عذابها وضررها. وقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل قصد به تهديدهم وتحذيرهم بما ارتكسوا فيه من نفاق وكفر وشقاق. والله تعالى- «سميع» لكل ما يتفوهون به من أقوال، «عليم» بكل ما يظهرونه وما يبطنونه من أحوال، وسيحاسبهم على ما صدر منهم حسابا عسيرا يوم القيامة: وينزل بهم العقاب الذي يناسب جرائمهم.. وبعد أن ذكر- سبحانه- حال هؤلاء الأعراب المنافقين، أتبعه ببيان حال المؤمنين الصادقين منهم فقال: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أى: ومن الأعراب قوم آخرون من صفاتهم أنهم يؤمنون بالله إيمانا صادقا، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب. وقوله: وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ مدح لهم على إخلاصهم وسخائهم وطاعتهم ... والقربات: جمع قربة وهي ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من أعمال الخير، والمراد

стр. 2671

بصلوات الرسول: دعواته للمتقربين إلى الله بالطاعة. أى: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقا، ويعتبر كل ما ينفقه في سبيل الله وسيلة للتقرب إليه- سبحانه- وتعالى بالطاعة، ووسيلة للحصول على دعوات الرسول ﷺ له بالرحمة والمغفرة، وبحسنات الدنيا والآخرة. ولقد كان من عادة النبي ﷺ أن يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، فقد ورد في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ دعا لآل أبى أوفى عند ما تقدموا إليه بصدقاتهم فقال: «اللهم صل على آل أبى أوفى» أى: ارحمهم وبارك لهم في أموالهم.. وقوله: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ شهادة لهم منه سبحانه- بصدق إيمانهم، وخلوص نياتهم، وقبول صدقاتهم. والضمير في قوله إِنَّها يعود على النفقة التي أنفقوها في سبيل الله وأَلا أداة استفتاح جيء بها لتأكيد الخبر والاهتمام به. أى: ألا إن هذه النفقات التي تقربوا بها إلى الله، مقبولة عنده- سبحانه- قبولا مؤكدا، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من أجر جزيل ... وقوله سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وعد لهم بإحاطة رحمته بهم. والسين للتحقيق والتأكيد. أى: أن هؤلاء المؤمنين بالله واليوم الآخر، والمتقربين إليه سبحانه بالطاعات، سيغمرهم الله تعالى برحمته التي لا شقاء معها. قال صاحب الكشاف: وقوله: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك قوله: سَيُدْخِلُهُمُ وما في السين من تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها «١» . وقوله: «إن الله غفور رحيم» تذييل مقرر لما قبله على سبيل التعليل. أى: إن الله تعالى- واسع المغفرة، كثير الرحمة للمخلصين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت من يستحق الذم من الأعراب ومدحت من يستحق المدح منهم، وبينت مصير كل فريق ليكون عبرة للمعتبرين وذكرى للمتذكرين.

стр. 2672

وبعد هذا التقسيم للأعراب، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول ﷺ ، وأطاعوه في السر والعلن، فقال تعالى: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٠] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد النبوي. الطائفة الأولى «السابقون الأولون من المهاجرين» وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة، وهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة من أجل إعلاء كلمة الله واستمروا في المدينة مع رسول الله ﷺ إلى أن تم الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا. وقيل المراد بهم: الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا غزوة بدر. والطائفة الثانية: السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين بايعوا النبي ﷺ قبل أن يهاجر إليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى والثانية. وكانت بيعة العقبة الأولى في السنة الحادية عشرة من البعثة، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد. أما بيعة العقبة الثانية فكانت في السنة الثانية عشرة من البعثة، وكان عدد المشركين فيها سبعين رجلا وامرأتين. ثم يلي هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا في الإسلام على يد مصعب بن عمير، قبل وصول الرسول ﷺ إليها. ثم يلي هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبي ﷺ بعد مقدمه إلى المدينة. والطائفة الثالثة: «الذين اتبعوهم بإحسان» أى: الذين اتبعوا السابقين في الإسلام من المهاجرين والأنصار، اتباعا حسنا في أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق. قال الآلوسى ما ملخصه: وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين، جميع المهاجرين والأنصار. ومعنى كونهم سابقين: أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين.

стр. 2673

روى عن حميد بن زياد قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي، ألا تخبرني عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي: إن الله- تعالى- قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، فقلت له: وفي أى موضع أوجب لهم الجنة، فقال: سبحان الله!! ألم تقرأ قوله. تعالى-: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ.. الآية فقد أوجب. سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تابعيهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءا.. «١» . وقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ بيان لسمو منزلتهم، وارتفاع مكانتهم. أى: رضى الله عنهم في إيمانهم وإخلاصهم، فتقبل أعمالهم، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم، ورضوا عنه، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة، وبما نالوه منه. سبحانه. من هداية وثواب. ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم في الآخرة من إكرام فقال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً. ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. أى: أنه- سبحانه- بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه في الدنيا، قد أعد لهم- سبحانه- في الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود في الجنات من الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز، ولا تدانيه سعادة. قال الإمام ابن كثير: أخبر الله- تعالى- في هذه الآية «أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالى الله، ويعادون من يعادى الله، وهم متبعون لا مبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون «٢» . وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن

стр. 2674

تبعهم بإحسان، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها.. ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس، منهم قوم. أجادوا النفاق، ومرنوا عليه، ولجوا فيه. ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠١ الى ١٠٦] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) قال القرطبي: ومعنى: «مردوا على النفاق» أقاموا عليه ولم يتوبوا منه، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء

стр. 2675

أى لا نبت فيها، وغصن أمرد. أى: لا ورق له ... ويقال: مرد يمرد مرودا ومرادة» «١» . والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب منافقون، فاحترسوا منهم، واحترسوا- أيضا- من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة، مردوا على النفاق، أى: مرنوا عليه، وأجادوا فنونه، حتى بلغوا فيه الغاية. قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالموصول. في قوله «وممن حولكم» . قبائل: جهينة، ومزينة وأشجع، وأسلم ... وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين. واستشكل ذلك بأن النبي ﷺ مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال: «قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأشجع وأسلم، وغفار، موالي الله- تعالى- ورسوله لا والى لهم غيره» . وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم «٢» . وقوله: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ بيان لتمردهم في النفاق وتمهرهم فيه. أى: أنت أيها الرسول الكريم. لا تعرف هؤلاء المنافقين. مع كمال فطنتك، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم، وهم قد أجادوا النفاق وحذقوه، واجتهدوا في الظهور بمظهر المؤمنين، أما نحن فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى علينا شيء من ظواهرهم أو بواطنهم..» . قال الإمام ابن كثير: وقوله تعالى لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ لا ينافي قوله تعالى وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ... لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان ﷺ يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء. وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال: «لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب» وأصغى إلى رسول الله ﷺ برأسه فقال: «إن في أصحابى منافقين» : ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما لا صحة له من الكلام، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم.

стр. 2676

ثم قال: وقد تقدم في تفسير قوله- تعالى- وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أنه ﷺ أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا. وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم. وروى الحافظ بن عساكر عن أبى الدرداء، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي ﷺ فقال: الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله ﷺ «اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبى، وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير» . فقال الرجل يا رسول الله: إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ فقال: ﷺ : «ومن أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا» «١» . وقال الآلوسى. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى معرفة الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة: أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون: فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدرى. لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي. فقد قال نوح ﵇ «وما علمي بما كانوا يعملون» وقال شعيب ﵇ «وما أنا عليكم بحفيظ» ، وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ. وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب، وتجرد النفس عن الشواغل. ثم قال: والجملة الكريمة «لا تعلمهم نحن نعلمهم» تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق، أى: لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم، إلا من لا تخفى عليه خافية، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص «٢» . وقوله: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وعيد لهم بسوء المصير في الدنيا والآخرة. أى: هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق، سنعذبهم في الدنيا مرتين، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون في قلق وهم دائم، والأخرى عن طريق ضرب

стр. 2677

الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم في قبورهم إلى أن تقوم الساعة، فيجدون العذاب الأكبر الذي عبر عنه- سبحانه- بقوله ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ. أى: ثم يعودون ويرجعون إلى خالقهم- سبحانه- يوم القيامة فيعذبهم عذابا عظيما بسبب إصرارهم على النفاق، ورسوخهم في المكر والخداع. قال أبو السعود: ولعل تكرير عذابهم، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير، كما في قوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ «١» أى: كرة بعد أخرى «٢» . ثم بين- سبحانه- حال طائفة أخرى من المسلمين فقال: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً.. قال الآلوسى: قوله: وآخرون اعترفوا بذنوبهم ... بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين، ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم «٣» . والمعنى: ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا بذنوبهم أى أقروا بها ولم ينكروها. وقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أى خلطوا عملهم الصالح وهو جهادهم في سبيل الله قبل غزوة تبوك، بعمل سيئ وهو تخلفهم عن الخروج إلى هذه الغزوة. وقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أى عسى الله تعالى: أن يقبل توبتهم، ويغسل، حوبتهم، ويتجاوز عن خطاياهم. وعبر- سبحانه- بعسى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه، حتى لا يتكل الشخص، بل يكون على خوف وحذر. وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى- فهي متحققة الوقوع، لأنها صادرة من كريم، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شيء لا يعطيه إياه. وقوله: إن الله غفور رحيم، تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه، إن الله تعالى كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين.

стр. 2678

هذا، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية ولعل أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من أن هذه الآية نزلت في أبى لبابة وأصحابه، وكانوا تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله ﷺ من غزوته، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: نكون في الظلال والأطعمة والنساء ونبي الله في الجهاد واللأواء. والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله هو الذي يطلقنا. وأوثقوا أنفسهم. وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم رسول الله ﷺ من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم، فقيل له: إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم. فقال ﷺ : «لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين» ، فأنزل الله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ... الآية، فأطلقهم رسول الله ﷺ وعذرهم «١» . ثم أمر الله تعالى- نبيه ﷺ أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم، فقال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله ﷺ أبا لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله ﷺ فقالوا له يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» . فأنزل الله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً.... الآية «٢» . وقال الإمام ابن كثير: أمر الله تعالى- رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها. وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم. ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول ﷺ ولهذا احتجوا بقوله: - تعالى-: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً..... الآية. وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى

стр. 2679

أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ حتى قال الصديق: «والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه «١» » . والمعنى: خذ- أيها الرسول الكريم- من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم، ومن غيرهم من أصحابك «صدقة» معينة، كالزكاة المفروضة، أو غير معينة كصدقة التطوع. وقوله: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها بيان للفوائد المترتبة على هذه الصدقة. أى: من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع.. وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم: قوله: «تطهرهم» قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر. وقرئ. مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب في قوله: «خذ» أو صفة لقوله «صدقة» والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى: تطهرهم بها ... وقوله: «وتزكيهم» لم يقرأ إلا بإثبات الياء، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه. أى: وأنت تزكيهم بها. هذا على قراءة الجزم في «تطهرهم» ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله «وتزكيهم بها» معطوف على قوله «تطهرهم» حالا أو صفة «٢» . وقوله: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى: وادع لهم بالرحمة والمغفرة، وقبول التوبة، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، ويجعلهم في ثقة من أن الله- تعالى- قد قبل توبتهم، فأنت رسوله الأمين، ونبيه الكريم. فالمراد بالصلاة هنا: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة. قال بعضهم: «وظاهر» قوله: «وصل عليهم» أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق. وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، لأن الرسول ﷺ قال لمعاذ: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» ولم يأمره بالدعاء.. أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة- غير الترمذي من قوله ﷺ «اللهم صل على آل أبى أوفى» - عند ما أخذ منهم الزكاة-.

стр. 2680

ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة: اللهم صل على آل فلان. وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان، وإن ورد في الحديث، لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء- صلوات الله عليهم-، كما أن قولنا: صار مخصوصا بالله- تعالى-. قالوا: وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهى عنه. ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته.. لأن السلف استعملوا ذلك، وأمرنا به في التشهد، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع..» «١» . وقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أى: سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع لدعائك سماع قبول وإجابة، وعليم بندمهم وتوبتهم، وبكل شيء في هذا الكون، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم حرضهم- سبحانه- على التوبة النصوح، وحثهم على بذل الصدقات فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ.... أى: ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم، أن الله- تعالى- وحده، هو الذي يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين، وأنه- سبحانه- هو الذي «يأخذ الصدقات» . أى: يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله: فالتعبير بالأخذ للترغيب في بذل الصدقات، ودفعها للفقراء. والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة. وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده. أى: وأن الله وحده هو الذي يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى، وأنه هو الواسع الرحمة بهم، الكثير المغفرة لهم: قال ابن كثير: قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ.. هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها، وأخبر- تعالى- أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله

стр. 2681

يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ . فعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ. وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الصدقة تقع في يد الله- تعالى- قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ... «١» . ثم أمر- سبحانه- بالتزود من العمل الصالح، وحذر من الوقوع في العمل السيئ، فقال- تعالى-: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ. أى: وقل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء التائبين وغيرهم، قل لهم: اعملوا ما تشاءون من الأعمال، فإن الله مطلع عليها، وسيطلع رسوله والمؤمنون عليها كذلك. وخص- سبحانه- رسوله والمؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون باطلاعهم. قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ... تعليل لما قبله، أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسين للتأكيد.. والمراد من رؤية الله العمل- عند جمع- الاطلاع عليه، وعلمه علما جليا، ونسبة ذلك للرسول ﷺ والمؤمنين، باعتبار أن الله- تعالى- لا يخفى ذلك عنهم، بل يطلعهم عليه ... » «٢» . وقوله: وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بيان لما سيكون عليه حالهم في الآخرة. أى: وسترجعون بعد موتكم إلى الله- تعالى- الذي لا يخفى عليه شيء، فينبئكم بما كنتم تعملونه في الدنيا من خير أو شر، وسيجازيكم بما تستحقونه من ثواب أو عقاب. ثم بين- سبحانه- حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك، فقال- تعالى-: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ... قال الجمل: قوله: «وآخرون مرجون ... » قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وأبو بكر عن عاصم «مرجؤون» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون «مرجون» دون

стр. 2682

تلك الهمزة.. وهما لغتان، يقال أرجأته وأرجيته..» «١» . وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ... والمعنى: ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك- يا محمد- قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل، فهو- سبحانه- «إما يعذبهم» بأن يميتهم بلا توبة «وإما يتوب عليهم» أى: يقبل توبتهم. وهذا الترديد الذي يدل عليه لفظ «إما» ، إنما هو بالنسبة للناس، وإلا فالله- تعالى- عليم بما هو فاعله بهم. والحكمة من إيهام أمرهم، إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم لأن التوبة عند ما تجيء بعد ندم شديد، وتأديب نفسي.. تكون مرجوة القبول منه- سبحانه-. وقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ أى: والله- تعالى- عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم في أمورهم، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام. قال الآلوسى: والمراد بهؤلاء «المرجون لأمر الله..» كما جاء في الصحيحين: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كانوا قد تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك- فقعدوا في المدينة كسلا وميلا إلى الدعة- ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبي ﷺ وكان ما كان من أمر المتخلفين- قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم، فأمر رسول الله ﷺ باجتنابهم.. إلى أن نزل قوله- تعالى- بعد ذلك: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.. فأمر ﷺ بمخالطتهم، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة غيبته ﷺ عن المدينة خمسين ليلة، فلما تمتعوا بالراحة في تلك المدة مع تعب إخوانهم في السفر، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة..» «٢» . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك. أما الطائفة الأولى فهي التي مردت على النفاق، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ...

стр. 2683

وأما الطائفة الثانية فهي التي سارعت إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب، فقبل الله توبتهم، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً. وأما الطائفة الثالثة فهي التي لم تجد عذرا تعتذر به، فأوقف الله أمرهم إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ... ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين، بالحديث عن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ليكون مكانا للإضرار بالإسلام والمسلمين، فقال- تعالى-. [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) قال الإمام ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها، رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في

стр. 2684

الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز العداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام «أحد» فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله- تعالى- وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته. فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه. وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره- إلى مكة- وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة. وذلك أنه لما فرغ الناس من «أحد» ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ ، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبي ﷺ ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليه بعد ذلك. فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يأتى إليهم فيصلى في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة في الليلة الشاتية!! فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا- إن شاء الله- أتيناكم فصلينا لكم فيه» . فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر، والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم. مسجد قباء. الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول الله ﷺ إلى مسجد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة «١» .

стр. 2685

وقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ منصوب على الذم. أى: وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.. أو معطوف على ما سبق من أحوال المنافقين، والتقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا. وقوله «ضرارا» مفعول لأجله أى: اتخذوا هذا المسجد لا من أجل العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين. وإيقاع الأذى بهم. وقوله «وكفرا» معطوف على «ضرارا» وهو علة ثانية لاتخاذ هذا المسجد. أى: اتخذوه للإضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذي يضمرونه ومن الغل الذي يخفونه. وقوله: وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ علة ثالثة. أى: واتخذوه أيضا للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد واحد هو مسجد قباء، فأراد هؤلاء المنافقون من بناء مسجد الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين، بأن يجعلوهم يصلون في أماكن متفرقة. حسدا لهم على نعمة الإخاء والتآلف والاتحاد التي غرسها الإسلام في قلوب أتباعه. وقوله: وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد. أى: واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قدوم «من حارب الله ورسوله» وهو أبو عامر الراهب، الذي أعلن عداوته لدعوة الإسلام «من قبل» بناء مسجد الضرار. فقد سبق أن ذكرنا في أسباب نزول هذه الآيات، أن أبا عامر هذا، كتب إلى جماعة من قومه. وهو عند هرقل. يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا في بناء هذا المسجد. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الأغراض الخبيثة التي حملت المنافقين على بناء هذا المسجد، وهي: مضارة المؤمنين، وتقوية الكفر، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين لله ولرسوله. وقد خيب الله تعالى مسعاهم وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه ﷺ بهدمه وإزالته. وقوله: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة. أى: أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة. ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الأيمان بأنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخصلة الحسنى التي عبروا عنها قبل ذلك.

стр. 2686

كذبا. بقولهم: «إننا بنيناه للضعفاء، وأهل العلة في الليلة الشاتية» . وقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ زيادة في مذمتهم وتحقيرهم. أى: والله- تعالى- يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أيمانهم بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى، فإنهم في الحقيقة لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة، وهي مضارة المؤمنين، وتفريق كلمتهم. ثم نهى الله- تعالى- رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدا فقال- سبحانه-: لا تَقُمْ فِيهِ، أَبَداً. أى: لا تصل. أيها الرسول الكريم. في هذا المسجد في أى وقت من الأوقات لأنه لمن يبن لعبادة الله، وإنما بنى للشقاق والنفاق. قال القرطبي: قوله- تعالى- لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً يعنى مسجد الضرار. لا تقم فيه للصلاة، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام. يقال: فلان يقوم الليل أى: يصلى، ومنه الحديث الصحيح: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وقد روى أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها هذا المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار ... » «١» . وقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ جملة مسوقة لمدح مسجد قباء وتشريفه. أى: لمسجد بنى أساسه، ووضعت قواعده على تقوى الله وإخلاص العبادة له منذ أول يوم بدئ في بنائه. أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره. قال الآلوسى ما ملخصه: واللام في قوله «لمسجد» إما للابتداء أو للقسم، أى: والله لمسجد، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ، والجملة بعده صفته، وقوله «أحق أن تقوم فيه» خبر المبتدأ: «وأحق» أفعل تفضيل، والمفضل عليه كل مسجد. أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير، أو على زعمهم، وقيل إنه بمعنى حقيق، أى: ذلك المسجد بأن تصلى فيه..» «٢» . وقوله: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ جملة مسوقة لتكريم رواد هذا المسجد ومديحهم. أى: في هذا المسجد رجال أتقياء الظاهر والباطن، إذ هم يحبون الطهارة من كل رجس

стр. 2687

حسى ومعنوي، ومن كان كذلك أحبه الله ورضى عنه. ثم بين- سبحانه- أنه لا يستوي من أسس بنيانه على الحق، ومن أسس بنيانه على الباطل فقال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ... قال صاحب الكشاف: قرئ أسّس بنيانه، وأسّس بنيانه على البناء للفاعل والمفعول. والشفا: الحرف والشفير. وحرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على التهدم- وهار صفة لجرف، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط. والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه «خير أم من» أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل «شفا جرف هار» في قلة الثبات والاستمساك. وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى. فإن قلت: فما معنى قوله: «فانهار به في نار جهنم» . قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل: فانهار به في نار جهنم، على معنى: فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم. فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل منه على حقيقة الباطل وكنه أمره» «١» . وقال صاحب المنار ما ملخصه: والمراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته، ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله، وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله. وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات وذكر من وصف الفريق الثاني- وهم المنافقون- الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن» «٢» . وقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أى مضت سنة الله- تعالى- في خلقه أنه- سبحانه- لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا

стр. 2688

أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها. ثم بين- سبحانه- الآثار التي ترتبت على هدم مسجد الضرار، في نفوس هؤلاء المنافقين الأشرار فقال- تعالى- لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. الريبة: اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة، وتقطع- بفتح التاء- أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين، من التقطع بمعنى التمزق. وقرأ بعضهم. «تقطع» - بضم التاء- من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق. والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال، والمستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في كل وقت وحال إلا في وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أى: أنهم لا يزالون في قلق وحيرة ما داموا أحياء، أما بعد موتهم فستتكشف لهم الحقائق، ويجدون مصيرهم الأليم. والسبب في أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، أنهم بنوه بنية سيئة، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى ... فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة، فهذه الخشية أورثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله- تعالى- نبيه على أغراضهم، وتم هدم مسجد الضرار، وانهار الجرف المتداعي المتساقط، استمر قلقهم وريبهم لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم. وهكذا شأن الماكرين في كل زمان ومكان، إنهم يعيشون طول حياتهم في فزع وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم، ويظهر خداعهم. وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم. أى: والله- تعالى- عليم بكل شيء في هذا الكون، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهرا: حكيم في كل تصرفاته وأفعاله وفي صنعه بهم، وسيجازيهم يوم القيام بما يستحقونه من عقاب. هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١- وجوب بناء المساجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله- تعالى- وقبوله. قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أنه لا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضي بالله- الخليفة

стр. 2689

العباسي- كثيرا من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة «١» . وقال الزمخشري: قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار. وعن عطاء: لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه «٢» . ٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله- تعالى-: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ... وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفي بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله ﷺ يزوره راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين. ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوي، لأن كليهما قد أسس على ذلك. قال الإمام ابن كثير: وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى» «٣» . ٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله- تعالى- فقد قال- تعالى-: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها: ما جاء عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن مساعدة فقال له: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به» ؟. فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. فقال ﷺ : «هو هذا» «٤» » .

стр. 2690

٤- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات «١» . وبعد أن بين- سبحانه- أنواع المتخلفين عن غزوة تبوك، أتبع ذلك بالترغيب في الجهاد وفي بيان فضله فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : آية ١١١] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) قال الفخر الرازي: اعلم أن الله- تعالى- لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم وفرع كل قسم ما كان لائقا به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية «٢» . وقال القرطبي: نزلت هذه الآية في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبي ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي ﷺ : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فإذا فعلنا فما لنا؟ قال: «لكم الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل فنزلت هذه الآية «٣» . ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ تمثيل للثواب الذي منحه الله- تعالى- للمجاهدين في سبيله.

стр. 2691

فقد صور- سبحانه- جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابته- سبحانه- لهم على ذلك بالجنة، صور كل ذلك بالبيع والشراء. أى: أن الله- تعالى- وهو المالك لكل شيء، قد اشترى من المجاهدين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله، وأعطاهم في مقابل ذلك الجنة. قال أبو السعود: الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد ... وقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبّر عن قبول الله- تعالى- من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله- تعالى- وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد: أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة: الجنة. ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأموالهم. ثم إنه لم يقل «بالجنة» بل قال: «بأن لهم الجنة» مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم «واختصاصه بهم» فكأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم «١» . وقوله: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ جملة مستأنفة جيء بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة وهي القتال في سبيل الله. أى: أنهم يقاتلون في سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل على أيدى هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين القاتل والمقتول جزاؤه الجنة. وقرأ حمزة والكسائي «فيقتلون ويقتلون» بتقديم الفعل المبنى للمفعول على الفعل المبنى للفاعل. وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلى الحياة الباقية الدائمة.. وقوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ تأكيد للثمن الذي وعدهم الله به. أى: أن هذه الجنة التي هي جزاء المجاهدين، قد جعلها- سبحانه- تفضلا منه وكرما،

стр. 2692

حقا لهم عليه، وأثبت لهم ذلك في الكتب السماوية التي أنزلها على رسله. قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: «وعدا عليه» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله «حقا» نعت له، وقوله «عليه» في موضع الحال من قوله «حقا» لتقدمه عليه، وقوله: «في التوراة والإنجيل والقرآن» متعلق بمحذوف وقع نعتا لقوله «وعدا» أيضا. أى: وعدا مثبتا في التوراة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن، فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف. إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن. ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أن أمة محمد ﷺ اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بذلك، أو أن من جاهد بنفسه وماله. من حقه ذلك، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن ... » «١» . وقوله: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ جملة معترضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره: والاستفهام للنفي. أى: لا أحد أوفى بعهده من الله- تعالى- لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف يكون الحال من جانب الخالق- المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال. وقوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ تحريض على القتال، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة. والاستبشار: الشعور بفرح البشرى، شعورا تنبسط له أسارير الوجه. أى: إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح، وارضوا به نهاية الرضى، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه. قال بعض العلماء: ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة، وثمنه مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك. وجعل وعده حقا، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم. وهو استعارة تمثيلية، حيث صور جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله لهم على ذلك الجنة، بالبيع والشراء وأتى بقوله: «يقاتلون» .. بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله ﷺ «الجنة تحت ظلال السيوف» ، ثم أمضاه بقوله «وذلك هو الفوز العظيم» «٢» .

стр. 2693

ويروى عن الحسن البصري أنه قرأ هذه الآية فقال: انظروا إلى كرم الله. تعالى. أنفس هو خالقها، وأموال هو رازقها، ثم يكافئنا عليها متى بذلناها في سبيله بالجنة. ثم وصف الله- تعالى- هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوصاف الكريمة، فقال: [سورة التوبة (٩) : آية ١١٢] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) قال الجمل ما ملخصه: ذكر الله- تعالى- في هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والوصف التاسع يعم القبيلين. وقوله: التَّائِبُونَ فيه وجوه من الإعراب منها: أنه مرفوع على المدح. فهو خبر لمبتدأ محذوف وجوبا للمبالغة في المدح أى: المؤمنون المذكورون التائبون، ومنها أن الخبر هنا محذوف، أى: التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة....» «١» . والمعنى: «التائبون» عن المعاصي وعن كل ما نهت عنه شريعة الله، «العابدون» لخالقهم عبادة خالصة لوجهه، «الحامدون» له- سبحانه- في السراء والضراء، وفي المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، «السائحون» في الأرض للتدبر والاعتبار وطاعة الله. والعمل على مرضاته «الراكعون الساجدون» لله- تعالى- عن طريق الصلاة التي هي عماد الدين وركنه الركين «الآمرون» غيرهم «بالمعروف» أى: بكل ما حسنه الشرع «والناهون» له «عن المنكر» الذي تأباه الشرائع والعقول السليمة، «والحافظون لحدود الله» أى: لشرائعه وفرائضه وأحكامه وآدابه.. هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة، بشرهم. يا محمد. بكل ما يسعدهم ويشرح صدورهم، فهم المؤمنون حقا، وهم الذين أعد الله- تعالى- لهم الأجر الجزيل، والرزق الكريم.

стр. 2694

ولم يذكر- سبحانه- المبشر به في قوله: «وبشر المؤمنين» ، للإشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به الوصف، ولا تحده العبارة. ولم يذكر- سبحانه- في الآية لهذه الأوصاف متعلقا، فلم يقل «التائبون» من كذا، لفهم ذلك من المقام، لأن المقام في مدح المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا نفوسهم لله، تعالى. فصاروا ملتزمين طاعته في كل أقوالهم وأعمالهم. وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله. «الراكعون الساجدون» للإشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس. وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما في الغالب، أو لما بينهما من تباين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف. وكذلك جاء قوله. «والحافظون لحدود الله» بحرف العطف ومما قالوه في تعليل ذلك. أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها، لأنه شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفا، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء، فلمغايرته لما قبله بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه «١» . هذا، وما ذكرناه من أن المراد بقوله: «السائحون» أى: السائرون في الأرض للتدير والاعتبار والتفكر في خلق الله، والعمل على مرضاته.. هذا الذي ذكرناه رأى لبعض العلماء. ومنهم من يرى أن المراد بهم الصائمون ومنهم من يرى أن المراد بهم: المجاهدون. قال الآلوسى: وقوله: «السائحون» أى الصائمون. فقد أخرج ابن مردويه عن أبى هريرة أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة: «سياحة هذه الأمة الصيام» . وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون، وليس في أمة محمد ﷺ سياحة إلا الهجرة. وعن عكرمة أنهم طلبة العلم، لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه. وقيل: هم المجاهدون في سبيل الله، لما أخرج الحاكم وصححه والطبراني وغيرهما، عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله ﷺ في السياحة فقال: إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله «٢» .

стр. 2695

والذي نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا: السائرون في الأرض لمقصد شريف، وغرض كريم. كتحصيل العلم، والجهاد في سبيل الله، والتدبر في ملكوته- سبحانه- والتفكر في سنته في كونه، والاعتبار بما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب. ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ «السائحون» معناه السائرون، لأنه مأخوذ من السيح وهو الجري على وجه الأرض، والذهاب فيها. وهذه المادة تشعر بالانتشار، يقال: ساح الماء أى جرى وانتشر. وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حمل اللفظ على ظاهره، مادام لم يمنع مانع من ذلك، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته وظاهره. أما الأحاديث والآثار التي استشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث. قال صاحب المنار: وأقول: وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا وموقوفا حديث: «السائحون هم الصائمون» لا يصح رفعه.. «١» . وفضلا عن كل هذا، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون في الأرض لكل مقصد شريف، وغرض كريم.. يتناول الجهاد في سبيل، كما يتناول الرحلة في طلب العلم، وغير ذلك من وجوه الخير. وما أكثر الآيات القرآنية التي حضت على السير في الأرض، وعلى التفكر في خلق الله، ومن ذلك قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ «٢» . وقوله تعالى. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «٣» . قال الإمام الرازي: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأن الإنسان يلقى الأكابر من الناس، فيحتقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتفع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله. تعالى. في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته. وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين «٤» . ثم بين- سبحانه- أنه لا يصح للنبي ﷺ ولا للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين مهما بلغت درجة قرابتهم، لأن رابطة العقيدة هي الوشيجة الأساسية فيما بينهم فقال- تعالى:

стр. 2696

[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضوع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب «١» . والمعنى: ما كان من شأن النبي ﷺ ولا من شأن أصحابه المؤمنين، أن يدعوا الله- تعالى- بأن يغفر للمشركين في حال من الأحوال. ولو كان هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم «من بعد ما تبين لهم» أى: للرسول ﷺ ولأصحابه، أن هؤلاء المشركين من أصحاب الجحيم، بسبب موتهم على الكفر، وإصرارهم عليه، وعدم اعترافهم بدين الإسلام. قال الآلوسى ما ملخصه: والآية على الصحيح نزلت في أبى طالب، فقد أخرج الشيخان

стр. 2697

وغيرهما عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي- ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية فقال النبي ﷺ أى عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله ﷺ يعرضها عليه. وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.. الآية. ثم قال. واستبعد بعضهم ذلك، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. وهذا الاستبعاد مستبعد، لأنه لا بأس من أن يقال: كان النبي ﷺ يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية وعليه فلا يراد من قوله «فنزلت» في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول فحسب. فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب «١» . وقال القرطبي: هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين. فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.، وقال كثير من العلماء. بأنه لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ما داما حيين، فأما من مات على الكفر فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له «٢» . ثم بين- سبحانه- السبب الذي حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه، ثم على ترك هذا الاستغفار فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.. قال القرطبي: روى النسائي عن على بن أبى طالب قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان. فقلت: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فنزلت وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ الآية. والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم، لأبيه، لأن استغفاره له إنما كان بسبب وعد صدر له بذلك. فلما أصر «آزر» أبو إبراهيم على كفره، ومات مشركا بالله،

стр. 2698

تبرأ إبراهيم منه ومن عمله. والمراد بهذا الوعد ما جاء في القرآن من قوله له: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا «١» . وقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ «٢» . وقوله: «إن إبراهيم لأواه حليم» جملة مستأنفة مسوقة لبيان الداعي الذي دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين. أى: إن إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله، وكثير الحلم والصفح عمن آذاه. قال الآلوسى: قوله «إن إبراهيم لأواه حليم» أى لكثير التأوه، وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين.. وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة. ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد. قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «الخاشع المتضرع الكثير الدعاء» «٣» . ويؤخذ من هاتين الآيتين، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشرك بعد موته على الشرك مهما بلغت درجة قرابته له. ثم بين- سبحانه- سنة من سننه العامة في خلقه، وهي تدل على سعة رحمته، ووافر عدله فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ... أى: وما كان من شأن الله- تعالى- في لطفه وعدله.. أن يصف قوما بالضلال عن طريق الحق «بعد إذ هداهم» إلى الإسلام، لمجرد قول أو عمل صدر عنهم عن طريق الخطأ في الاجتهاد. وإنما يصفهم بذلك بعد أن يبين لهم ما يجب اتقاؤه من الأقوال والأفعال، فلا يطيعون أمره، ولا يستجيبون لتوجيهه- سبحانه- قال صاحب الكشاف: يعنى- سبحانه- أن ما أمر باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيرها مما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالا، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب الاتقاء والاجتناب. وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا ببيع الصاع بصاعين قبل التحريم.

стр. 2699

وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه. وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها: وهي أن المهدى للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله صار داخلا في حكم الإضلال» «١» . وقال صاحب المنار: أخرج ابن المنذر أن عبد الله بن مسعود كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول: فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل، ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير. أيها الناس: إنى والله لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم، وقد قال- تعالى- وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.. «٢» . وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعليل لما قبله، أى إن الله- تعالى- عليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أقوال الناس وأفعالهم، وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات ببيان أنه- سبحانه- هو المالك لكل شيء، والخالق لكل شيء، فقال: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ. أى: إن الله- تعالى- هو المالك للسموات والأرض وما بينهما، ولا شريك له في خلقهما، ولا في تدبير شئونهما، وهو- سبحانه- الذي يحيى من يريد إحياءه، ويميت من يريد إماتته، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أى: وليس لكم- أيها الناس- أحد سوى الله يتولى أمركم وينصركم على أعدائكم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشركين المصرين على شركهم، كما بشرتهم بأنه- سبحانه- لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم قبل نهيهم عن ذلك. كما أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو لله وحده، فعليهم أن يستجيبوا لأمره، لكي ينالوا رحمته ورضاه. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين، حيث تقبل توبتهم، وتجاوز عن زلاتهم، فقال- تعالى-:

стр. 2700

[سورة التوبة (٩) : آية ١١٧] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك، وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه فيما سبق، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله ﷺ ما يجرى مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة، فذكر- سبحانه- أنه تفضل عليهم، وتاب عليهم، في تلك الزلات، فقال- تعالى-: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. «١» . وللعلماء أقوال في المراد بالتوبة التي تابها الله على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار: فمنهم من يرى أن المراد بها قبول توبتهم، وغفران ذنوبهم، والتجاوز عن زلاتهم التي حدثت منهم في تلك الغزوة أو في غيرها، وإلى هذا المعنى أشار القرطبي بقوله: قال ابن عباس: كانت التوبة على النبي ﷺ لأجل أنه أذن للمنافقين في القعود، بدليل قوله- سبحانه- قبل ذلك: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه- أى: إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك «٢» . ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنويه بفضلها، والحض على تجديدها، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال: «تاب الله على النبي» كقوله: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» وكقوله: «واستغفر لذنبك» . وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.. «٣» .
следующие страницы →