← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضوع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات، والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب «١» . والمعنى: ما كان من شأن النبي ﷺ ولا من شأن أصحابه المؤمنين، أن يدعوا الله- تعالى- بأن يغفر للمشركين في حال من الأحوال. ولو كان هؤلاء المشركون من أقرب أقربائهم «من بعد ما تبين لهم» أى: للرسول ﷺ ولأصحابه، أن هؤلاء المشركين من أصحاب الجحيم، بسبب موتهم على الكفر، وإصرارهم عليه، وعدم اعترافهم بدين الإسلام. قال الآلوسى ما ملخصه: والآية على الصحيح نزلت في أبى طالب، فقد أخرج الشيخان

стр. 2697

وغيرهما عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي- ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية فقال النبي ﷺ أى عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله ﷺ يعرضها عليه. وأبو جهل وعبد الله بن أمية يعاودانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.. الآية. ثم قال. واستبعد بعضهم ذلك، لأن موت أبى طالب كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. وهذا الاستبعاد مستبعد، لأنه لا بأس من أن يقال: كان النبي ﷺ يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية وعليه فلا يراد من قوله «فنزلت» في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول فحسب. فتكون الفاء للسببية لا للتعقيب «١» . وقال القرطبي: هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين. فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.، وقال كثير من العلماء. بأنه لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ما داما حيين، فأما من مات على الكفر فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له «٢» . ثم بين- سبحانه- السبب الذي حمل إبراهيم على الاستغفار لأبيه، ثم على ترك هذا الاستغفار فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.. قال القرطبي: روى النسائي عن على بن أبى طالب قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان. فقلت: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فنزلت وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ الآية. والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم، لأبيه، لأن استغفاره له إنما كان بسبب وعد صدر له بذلك. فلما أصر «آزر» أبو إبراهيم على كفره، ومات مشركا بالله،

стр. 2698

تبرأ إبراهيم منه ومن عمله. والمراد بهذا الوعد ما جاء في القرآن من قوله له: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا «١» . وقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ «٢» . وقوله: «إن إبراهيم لأواه حليم» جملة مستأنفة مسوقة لبيان الداعي الذي دعا إبراهيم إلى الاستغفار لأبيه قبل التبين. أى: إن إبراهيم لكثير التأوه والتوجع من خشية الله، وكثير الحلم والصفح عمن آذاه. قال الآلوسى: قوله «إن إبراهيم لأواه حليم» أى لكثير التأوه، وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين.. وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة. ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد. قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «الخاشع المتضرع الكثير الدعاء» «٣» . ويؤخذ من هاتين الآيتين، أنه لا يجوز لمسلم أن يستغفر لمشرك بعد موته على الشرك مهما بلغت درجة قرابته له. ثم بين- سبحانه- سنة من سننه العامة في خلقه، وهي تدل على سعة رحمته، ووافر عدله فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ... أى: وما كان من شأن الله- تعالى- في لطفه وعدله.. أن يصف قوما بالضلال عن طريق الحق «بعد إذ هداهم» إلى الإسلام، لمجرد قول أو عمل صدر عنهم عن طريق الخطأ في الاجتهاد. وإنما يصفهم بذلك بعد أن يبين لهم ما يجب اتقاؤه من الأقوال والأفعال، فلا يطيعون أمره، ولا يستجيبون لتوجيهه- سبحانه- قال صاحب الكشاف: يعنى- سبحانه- أن ما أمر باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيرها مما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالا، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب الاتقاء والاجتناب. وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا ببيع الصاع بصاعين قبل التحريم.

стр. 2699

وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه. وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها: وهي أن المهدى للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله صار داخلا في حكم الإضلال» «١» . وقال صاحب المنار: أخرج ابن المنذر أن عبد الله بن مسعود كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول: فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل، ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير. أيها الناس: إنى والله لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم، وقد قال- تعالى- وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ.. «٢» . وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعليل لما قبله، أى إن الله- تعالى- عليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أقوال الناس وأفعالهم، وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات ببيان أنه- سبحانه- هو المالك لكل شيء، والخالق لكل شيء، فقال: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ. أى: إن الله- تعالى- هو المالك للسموات والأرض وما بينهما، ولا شريك له في خلقهما، ولا في تدبير شئونهما، وهو- سبحانه- الذي يحيى من يريد إحياءه، ويميت من يريد إماتته، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أى: وليس لكم- أيها الناس- أحد سوى الله يتولى أمركم وينصركم على أعدائكم. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشركين المصرين على شركهم، كما بشرتهم بأنه- سبحانه- لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم قبل نهيهم عن ذلك. كما أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو لله وحده، فعليهم أن يستجيبوا لأمره، لكي ينالوا رحمته ورضاه. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين، حيث تقبل توبتهم، وتجاوز عن زلاتهم، فقال- تعالى-:

стр. 2700

[سورة التوبة (٩) : آية ١١٧] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك، وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه فيما سبق، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله ﷺ ما يجرى مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين كذلك نوع زلة، فذكر- سبحانه- أنه تفضل عليهم، وتاب عليهم، في تلك الزلات، فقال- تعالى-: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. «١» . وللعلماء أقوال في المراد بالتوبة التي تابها الله على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار: فمنهم من يرى أن المراد بها قبول توبتهم، وغفران ذنوبهم، والتجاوز عن زلاتهم التي حدثت منهم في تلك الغزوة أو في غيرها، وإلى هذا المعنى أشار القرطبي بقوله: قال ابن عباس: كانت التوبة على النبي ﷺ لأجل أنه أذن للمنافقين في القعود، بدليل قوله- سبحانه- قبل ذلك: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه- أى: إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك «٢» . ومنهم من يرى أن المقصود بذكر التوبة هنا التنويه بفضلها، والحض على تجديدها، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال: «تاب الله على النبي» كقوله: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» وكقوله: «واستغفر لذنبك» . وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.. «٣» .

стр. 2701

ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا: دوامها لا أصلها، وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله: لقد تاب الله على النبي..» أى: أدام توبته على النبي والمهاجرين والأنصار. وهذا جواب عما يقال: من أن النبي معصوم من الذنب، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا في هذه القضية، بل اتبعوه من غير تلعثم، قلنا: المراد بالتوبة في حق الجميع دوامها لا أصلها..» «١» . ومنهم من يرى أن ذكر النبي هنا إنما هو من باب التشريف، والمراد قبول توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات. وقد وضح هذا المعنى الإمام الآلوسى فقال: قال أصحاب المعاني: المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار، إلا أنه جيء في ذلك بالنبي ﷺ تشريفا لهم، وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا في ذكره- تعالى- في قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ.. الآية أى: عفا- سبحانه- عن زلات صدرت منهم يوم أحد ويوم حنين ... » «٢» . ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب الآراء إلى الصواب، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان فضل الله- تعالى- على رسوله وعلى المؤمنين، حيث غفر لهم ما فرط منهم من هفوات وقعت في هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة البشرية، وبمقتضى الاجتهاد في أمور لم يبين الله- تعالى- حكمه فيها، فهي لا تنقص من منزلة الرسول ﷺ ولا من منزلة أصحابه الصادقين في إيمانهم. والمعنى، لقد تقبل الله- تعالى- توبة النبي ﷺ كما تقبل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص في ساعة العسرة. أى في وقت الشدة والضيق، وهو وقت غزوة تبوك، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت. وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، كما كان الجيش الذي اشترك فيها يسمى بجيش العسرة، وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها في سنة مجدبة، وحر شديد، وفقر في الزاد والماء والراحلة. قال ابن كثير: قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، في سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر في الزاد والماء. وقال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر- أى شدته- على ما يعلم الله من

стр. 2702

الجهد، أصابهم فيها تعب شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما «١» . وقال الحسن: كان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحدا، يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يشرب عليها جرعة من الماء.. ومضوا مع النبي ﷺ على صدقهم ويقينهم- رضى الله عنهم «٢» . وقوله: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بيان لتناهى الشدة، وبلوغها الغاية القصوى. أى: تاب- سبحانه- على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار، من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، لما لابسها وصاحبها من عسر وشدة وتعب. وفي ذكر «فريق منهم» إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار، مضوا معه ﷺ إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد في قوة إيمانهم وصدق يقينهم، ومضاء عزيمتهم، وشدة إخلاصهم. قال الآلوسى ما ملخصه: وفي «كاد» ضمير الشأن و «قلوب» فاعل «يزيغ» والجملة في موضع الخبر لكاد.. وهذا على قراءة «يزيع» بالياء، وهي قراءة حمزة، وحفص، والأعمش. وأما على قراءة «تزيغ» بالتاء، وهي قراءة الباقين. فيحتمل أن يكون «قلوب» اسم كاد «وتزيغ» خبرها، وفيه ضمير يعود على اسمها» «٣» . وقوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ تذييل مؤكد لقبول التوبة ولعظيم فضل الله عليهم. ولطفه بهم. أى: ثم تاب عليهم- سبحانه- بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ومجاهدة النفس. إنه بهم رءوف رحيم. قال بعضهم: فإن قلت: قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة التكرار؟ قلت: إنه- سبحانه- ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى، تعظيما لشأنهم، وليعلموا أنه- تعالى- قد قبل توبتهم، وعفا عنهم، ثم أتبعه بقوله- سبحانه- إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ تأكيدا

стр. 2703

لذلك. والرأفة عبارة عن السعى في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعى في إيصال النفع، «١» . وقال القرطبي: قوله «ثم تاب عليهم» قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ وتلك سنة الحق- سبحانه- مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم. قال الشاعر: منك أرجو ولست أعرف ربا ... يرتجى منه بعض ما منك أرجو وإذا اشتدت الشدائد في الأر ... ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا وابتليت العباد بالخوف والجو ... ع، وصروا على الذنوب ولجوا لم يكن لي سواك ربي ملاذ ... فتيقنت أننى بك أنجو وكما تقبل الله- تعالى- توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم ﷺ في ساعة العسرة.. فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك في غزوة تبوك، فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : آية ١١٨] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها. والمعنى: لقد تقبل الله- تعالى- بفضله وإحسانه توبة النبي والمهاجرين والأنصار، وتقبل كذلك توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة، والذين سبق أن أرجأ الله حكمه فيهم بقوله وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.. «٢» . وقوله:

стр. 2704

حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ كناية عن شدة تحيرهم، وكثرة حزنهم، واستسلامهم لحكم الله فيهم. أى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها، بسبب إعراض الناس عنهم، ومقاطعتهم لهم، وضاقت عليهم أنفسهم، بسبب الهم والغم الذي ملأها واعتقدوا أنهم لا ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه. حتى إذا كان أمرهم كذلك، جاءهم فرج الله، حيث قبل توبتهم، وغفر خطأهم وعفا عنهم. وقوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أى: بعد هذا التأديب الشديد لهم، تقبل- سبحانه- توبتهم، ليتوبوا إليه توبة صادقة نصوحا، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة رسوله، إن الله- تعالى- هو الكثير القبول لتوبة التائبين، وهو الواسع الرحمة بعباده المحسنين. هذا، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار. وقد ذكرت قصتهم في الصحيحين وفي غيرهما من كتب السنة والسيرة، وهاك خلاصة لها: قال الإمام ابن كثير: روى الإمام أحمد أن كعب بن مالك قال، لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في تبوك. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز لها المؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا.. فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت.. ولم يزل ذلك شأنى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم- وليتني فعلت- ولكن لم يقدر لي ذلك. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة: حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله ﷺ . قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟.

стр. 2705

وعند ما عاد الرسول ﷺ إلى المدينة جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه.. وجئت إليه فقال: تعال.. ما خلفك؟! ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟ فقلت يا رسول الله إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر. والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كاذب ترضى به عنى، ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه، إنى لأرجو عقبى ذلك من الله- تعالى- والله ما كان لي من عذر. قال ﷺ أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضى الله فيك. وكان هناك رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. قال: ونهى رسول الله ﷺ كلامنا، فاعتزلنا الناس وتغيروا لنا.. ولبثنا على ذلك خمسين ليلة.. ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا. قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا أنا على الحال التي ذكرها الله عنا، قد ضاقت على نفسي.. سمعت صارخا يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك. وذهبت إلى رسول الله ﷺ فقال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال: وأنزل الله- تعالى- وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.. الآية. قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه: هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها» «١» . وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده، حيث قبل توبتهم، وغسل حوبتهم. إنه بهم رءوف رحيم. ثم وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن يكونوا مع الصادقين، وأوجب عليهم الغزو مع رسول الله ﷺ ووعدهم عليه بجزيل الثواب، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٩ الى ١٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)

стр. 2706

والمعنى: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر.. اتقوا الله حق تقاته، بأن تفعلوا ما كلفكم به. وتتركوا ما نهاكم عنه، «وكونوا مع الصادقين» في دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا فإن الصدق ما وجد في شيء إلا زانه، وما وجد الكذب في شيء إلا شانه. قال القرطبي: حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار. قال ﷺ «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» . والكذب على الضد من ذلك. قال ﷺ «إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار. وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» . فالكذب عار، وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد ﷺ شهادة رجل في كذبة كذبها. وسئل شريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدا، أصلى خلفه؟ قال: لا «١» .

стр. 2707

ثم أوجب- سبحانه- على المؤمنين مصاحبة رسولهم ﷺ في غزواته فقال: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.... والمراد بالنفي هنا النهى. أى: ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب سكان البادية الذين يسكنون في ضواحي المدينة، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار. ليس لهؤلاء جميعا أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ إذا ما خرج للجهاد، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك، لأن هذا التخلف يتنافى مع الإيمان بالله ورسوله. وليس لهم كذلك «أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه» أى ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم بالراحة على نفسه، بأن يتركوه يتعرض للآلام والأخطار. دون أن يشاركوه في ذلك، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله في البأساء والضراء، والعسر واليسر والمنشط والمكره. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة: أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس على الله وأكرمها، فإذا تعرضت- مع كرامتها وعزتها- للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت- أى تتساقط- فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها، ولا يقيمون لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه، فضلا عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه. وهذا نهى بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية» «١» . واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. يعود على ما دل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم التخلف عنه. أى: ذلك الذي كلفناهم به من وجوب مصاحبته ﷺ والنهى عن التخلف عنه، سببه أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ أى عطش وَلا نَصَبٌ أى: تعب ومشقة وَلا مَخْمَصَةٌ أى: مجاعة شديدة تجعل البطون خامصة ضامرة فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى: في جهاد أعدائه وإعلاء كلمة الحق وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أى: ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم.. وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أى: ولا يصيبون من عدو من أعدائهم إصابة كقتل أو أسر أو غنيمة.

стр. 2708

إنهم لا يفعلون شيئا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ أى: إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله، لأنه- سبحانه- لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وإنما يكافئهم على إحسانهم بالأجر العظيم. وقوله: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً.. معطوف على ما قبله. أى: وكذلك لا يتصدقون بصدقة صغيرة، كالتمرة ونحوها، ولا كبيرة كما فعل عثمان- رضى الله عنه- في هذه الغزوة، فقد تصدق بالكثير. وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً من الوديان في مسيرهم إلى عدوهم، أو في رجوعهم عنه. لا يفعلون شيئا من ذلك أيضا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أى: إلا كتب لهم ثوابه في سجل حسناتهم. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أى: أمرهم بمصاحبة نبيهم في كل غزواته، وكلفهم بتحمل مشاق الجهاد ومتاعبه. ليجزيهم على ذلك أحسن الجزاء وأعظمه، فأنت ترى أن الله- تعالى- قد حرض المؤمنين على الجهاد في هاتين الآيتين، وبين لهم أن كل ما يلاقونه في جهادهم من متاعب له ثوابه العظيم، وما دام الأمر كذلك فعليهم أن يصاحبوا رسولهم ﷺ في جميع غزواته، لأن التخلف عنه لا يليق بالمؤمنين الصادقين، فضلا عن أن هذا التخلف- بدون عذر شرعي- سيؤدي إلى الخسران في الدنيا والآخرة. وبعد أن حرض الله- تعالى- المؤمنين على الجهاد في سبيله، وحذرهم من التخلف عن الخروج مع رسوله ﷺ أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم تكن المصلحة تقتضي النفير العام، فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : آية ١٢٢] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) قال الجمل: وسبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما بالغ في الكشف عن عيوب المنافقين، وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك. قال المسلمون: والله لا نتخلف عن رسول

стр. 2709

الله ﷺ ، ولا عن سرية بعثها، فلما قدم ﷺ المدينة من تبوك، وبعث السرايا، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزو وأن يتركوا النبي ﷺ وحده فنزلت هذه الآية «١» . والمعنى، وما كان من شأن المؤمنين، أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج للجهاد، ويتركوا الرسول ﷺ وحده بالمدينة، وإنما يجب عليهم النفير العام إذا ما دعاهم ﷺ إلى ذلك. وقوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ... معطوف على كلام محذوف، ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا. أى: فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة، فهلا نفر من كل فرقة من المؤمنين طائفة للجهاد، وتبقى طائفة أخرى منهم «ليتفقهوا في الدين» أى: ليتعلموا أحكامه من رسولهم ﷺ «ولينذروا قومهم» أى: وليعلموهم ويخبروهم بما أمروا به أو نهوا عنه «إذا رجعوا إليهم» من الغزو «لعلهم يحذرون» أى: لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ما نهوا عنه. أى: أن على المسلمين في حالة عدم النفير العام، أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين. قسم يبقى مع الرسول ﷺ ليتفقه في دينه، وقسم آخر يخرج للجهاد في سبيل الله، فإذا ما عاد المجاهدون، فعلى الباقين مع الرسول ﷺ أن يبلغوا العائدين ما حفظوه عن الرسول ﷺ من أحكام. وبذلك يجمع المسلمون بين المصلحتين: مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة والبرهان، ومصلحة الدفاع عنه بالسيف والسنان. وعلى هذا التفسير الذي سار عليه جمهور العلماء يكون الضمير في قوله «ليتفقهوا ولينذروا» يعود إلى الطائفة الباقية مع الرسول ﷺ أما الضمير في قوله «لعلهم يحذرون» فيعود على الطائفة التي خرجت للجهاد ثم عادت. ومنهم من يرى أن الضمير في قوله «ليتفقهوا، ولينذروا» يعود على الطائفة التي خرجت للجهاد. وقد رجح هذا الاتجاه الإمام ابن جرير فقال: وأما قوله «ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: لتتفقه الطائفة

стр. 2710

النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل دينه ولأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام، وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه، «ولينذروا قومهم» فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله، مثل الذي نزل بمن شاهدوا، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم «لعلهم يحذرون» أى: لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا من أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم ... » «١» . وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله: وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر- وهو غير مضمون ولا مطرد- لا يسمى تفقها في الدين، وإن كان يدخل في عموم معنى الفقه، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج، والمتبادر من الدين علمه، ولا يصح هذا المعنى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبي ﷺ فيزدادون في كل يوم علما وفقها بنزول القرآن ... » «٢» . هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية: وجوب طلب العلم، والتفقه في دين الله وتعليم الناس إياه. قال القرطبي: هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي ﷺ مقيم لا ينفر فيتركوه وحده «فلولا نفر» بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم «من كل فرقة منهم طائفة» وتبقى بقيتها مع النبي ﷺ ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوه وعلموه، وفي هذا إيجاب التفقه، في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان..» «٣» . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد في سبيل الله، بدعوة المؤمنين إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : آية ١٢٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)

стр. 2711

وقوله: يَلُونَكُمْ من الولي بمعنى القرب، تقول جلست مما يلي فلان أى: يقاربه. قال ابن كثير: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب، إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ الرسول ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة واليمن.. وغير ذلك من أقاليم العرب، دخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل كتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس، وجدب البلاد، وضيق الحال، ذلك سنة تسع من الهجرة، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية- صلوات الله وسلامه عليه- بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه. وقوله وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أى: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر. قال- تعالى-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «أنا الضحوك القتال» يعنى: أنه ضحوك في وجه وليه المؤمن، قتال لهامة عدوه الكافر» «١» . وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ تذييل قصد به حض المؤمنين على التسلح بسلاح الإيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه. أى: واعلموا أن الله- تعالى- مع المتقين بنصره ومعونته، فاحرصوا على هذه الصفة ليستمر معكم نصره- سبحانه- وعونه. وإنما أمر الله- تعالى- المؤمنين أن يبدءوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإسلامية، وقد كانت دعوة الإسلام موجهة إلى الأقرب فالأقرب، فكان من الحكمة أن يبدءوا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأمنوا شرهم، ولأنه من المعلوم أنه ليس في طاقة المسلمين قتال جميع الكفار، وغزو جميع البلاد في زمان واحد، فكان من قرب أولى ممن بعد. ثم ختمت السورة- أيضا- حديثها الطويل المتنوع عن المنافقين ببيان موقفهم من نزول الآيات القرآنية على الرسول ﷺ

стр. 2712

فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٧] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) والمعنى: وإذا ما أنزلت سورة من سور القرآن عليك يا محمد: تساءل المنافقون عنها في حذر وريبة «فمنهم من يقول» لأشباهه في الكفر والنفاق على سبيل الاستهزاء والتهوين من شأن القرآن الكريم «أيكم زادته هذه إيمانا» أى: أى واحد منكم زادته هذه السورة النازلة إيمانا؟ وهنا يجيء الرد الحاسم الذي يخرس ألسنتهم، من جهته- تعالى- فيقول: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. أى: فأما الذين آمنوا فزادهم نزول السورة القرآنية، إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم، ويقينا على يقينهم، «وهم» فوق ذلك «يستبشرون» ويفرحون بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. هذا شأن المؤمنين بالنسبة لنزول السورة القرآنية، وأما المنافقون، فقد صور القرآن حالهم بقوله وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ. أى: وأما الذين في قلوبهم شك ونفاق وارتياب، فزادهم نزول السورة كفرا على كفرهم السابق.

стр. 2713

وسمى- سبحانه- الكفر رجسا، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها. وقوله: وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم في الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم في الدنيا. أى: لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم في الكفر والفسوق والعصيان، ثم لم يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه، بل ماتوا على الكفر والنفاق. وقوله: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.. توبيخ لهم على قسوة قلوبهم، وانطماس بصيرتهم، وغفلتهم عما يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ. أى: أبلغ الجهل والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات، تنزل بهم في كل عام مرة أو مرتين؟ ومن هذه الفتن والامتحانات: كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول الله ﷺ على ما يضمرونه من سوء، وما يقولونه من منكر، وما يفعلونه من أفعال خبيثة، وحلول المصائب والأمراض بهم، ومشاهدتهم لانتصار المؤمنين وخذلان الكافرين. قال الآلوسى: والمراد من المرة والمرتين- على ما صرح به بعضهم- مجرد التكثير، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور. وقوله: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ بيان لرسوخهم في الجهل والجحود. أى: ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم، لا يتوبون من نفاقهم «ولا هم يذكرون» ويتعظون، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة، وأعمالهم القبيحة، مع أن من شأن الفتن والمصائب والمحن، أنها تحمل على الاعتبار والاتعاظ، والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير. ثم تصور السورة الكريمة تصويرا معجزا، مشهدهم عند ما تنزل السورة القرآنية على الرسول ﷺ وهم حاضرون في مجلسه فتقول: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أو آيات منها، على الرسول ﷺ وهم موجودون في مجلسه نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ في ريبة ومكر، وتغامزوا بعيونهم وجوارحهم في لؤم وخسة ثم تساءلوا: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أى: هل يراكم من أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس، قبل أن يتلو الرسول ﷺ هذه السورة أو الآيات التي قد تفضحكم وتكشف عما أسررتموه فيما بينكم. ثُمَّ انْصَرَفُوا من مجلس الرسول ﷺ متسللين في حذر حتى لا يراهم أحد من المسلمين.

стр. 2714

وقوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ذم لهم لإيثارهم الغي على الرشد، والضلالة على الهداية. أى: صرف الله قلوبهم عن الهداية والرشاد، بسبب أنهم قوم لا يفقهون ما فيه خيرهم ونفعهم. وإنما يفقهون ما فيه شقاؤهم وتعاستهم. هذا، وإن الناظر في هذه الآيات الكريمة بتدبر وإمعان، ليراها قد صورت أحوال المنافقين وأخلاقهم وحركاتهم تصويرا دقيقا معجزا، حتى إنه ليخيل إلى القارئ لهذه الآيات الكريمة أو السامع لها، أنه يشاهد المنافقين مشاهدة حسية وهم على تلك الحالة من التحرك المريب والنظرات الخبيثة، والخروج من مجلس النبي ﷺ في حذر وريبة.. وهذا كله مما يشهد بأن هذا القرآن إنما هو من عند الله العليم بخفايا الصدور، وبطوايا النفوس. ثم ختم- سبحانه سورة التوبة، بآيتين كريمتين، اشتملتا على أسمى النعوت، وأكرم الصفات للرسول ﷺ فقال- تعالى-: [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) وجمهور المفسرين على أن الخطاب في قوله- سبحانه-: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ للعرب: فهو كقوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ. أى: لقد جاءكم- يا معشر العرب- رسول كريم «من أنفسكم» أى: جنسكم، ومن نسبكم، فهو عربي مثلكم، فمن الواجب عليكم أن تؤمنوا به وتطيعوه. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب في الإيمان بالنبي ﷺ وفي طاعته وتأييده، فإن شرفهم قد تم بشرفه، وعزهم بعزه، وفخرهم بفخره، وهم في الوقت نفسه قد شهدوا له في صباه بالصدق والأمانة والعفاف وطهارة النسب، والأخلاق الحميدة.

стр. 2715

قال القرطبي: قوله «من أنفسكم» يقتضى مدحا لنسب النبي ﷺ وأنه من صميم العرب وخالصها، وفي صحيح مسلم عن وائلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قرش بنى هاشم، واصطفاني من بنى هاشم» وعنه ﷺ أنه قال: «إنى من نكاح ولست من سفاح» «١» . وقال الزجاج إن الخطاب في الآية الكريمة لجميع البشر، لعموم بعثته ﷺ ، ومعنى كونه ﷺ «من أنفسكم» أنه من جنس البشر. ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأن الآية الكريمة ليست مسوقة لإثبات رسالته ﷺ وعمومها، وإنما هي مسوقة لبيان منته وفضله- سبحانه- على العرب، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم، فمن الواجب عليهم أن يؤمنوا به، لأنه ليس غريبا عنهم، وإذا لم يؤمنوا به تكون الحجة عليهم ألزم، والعقوبة لهم أعظم. وقوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أى: شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم، لكونه بعضا منكم فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب. يقال: عزّ عليه الأمر أى صعب وشق عليه، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم: أكمة عنوت، إذا كانت شاقة مهلكة، والفعل عنت بوزن فرح. وقوله: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أى: حريص على إيمانكم وهدايتكم وعزتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة. والحرص على الشيء معناه: شدة الرغبة في الحصول عليه وحفظه. وقوله: «بالمؤمنين رءوف رحيم» أى: شديد الرأفة والرحمة بكم- أيها المؤمنون- والرأفة عبارة عن السعى في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعى في إيصال النفع، فهو ﷺ يسعى بشدة في إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفي إزالة كل مكروه عنهم. قال بعضهم: لم يجمع الله- تعالى- لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ فإنه قال «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» وقال عن ذاته- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «٢» . ثم انتقل- سبحانه- من خطاب المؤمنين إلى خطابه ﷺ فقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...

стр. 2716

أى: فإن أعرضوا عن الإيمان بك، وتركوا طاعتك، فلا تبتئس ولا تيأس، بل قل «حسبي الله» أى: هو كافينى ونصيرى «لا إله إلا هو» - سبحانه- «رب العرش العظيم» الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله- . ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان للصفات التي منحها- سبحانه- لرسوله محمد ﷺ ، ودعوة له ﷺ إلى أن يفوض أمره إلى خالقه فهو- سبحانه- كافيه وناصره. وبعد فهذه سورة التوبة. السورة التي احتوت على بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع الإسلامى، والمجتمعات الأخرى. السورة التي حرضت المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وساقت لهم من وسائل الترغيب في ذلك، ما يجعلهم يقدمون على قتال أعدائهم بصبر وثبات واستبشار. السورة التي أوجبت على المؤمنين أن تكون محبتهم لله ولرسوله، ولإعلاء كلمة الحق، فوق محبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال. السورة التي ذكرت المؤمنين بنصر الله لهم في مواطن كثيرة، وحذرتهم من الغرور بأنفسهم. والعجب بقوتهم، وأمرتهم بنصرة رسوله في السراء والضراء والعسر واليسر، والمنشط والمكره. السورة التي أمرت المؤمنين بأن يخلصوا في دفاعهم عن دين الله وعن حرماته وعن مقدساته. وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك، فسوف يغنيهم الله من فضله. السورة التي فضحت المنافقين، وكشفت عن أساليبهم الخبيثة، ومسالكهم القبيحة، وأقوالهم المنكرة، وأفعالهم الأثيمة، وسجلت عليهم الخزي والعار وحذرت المؤمنين من شرورهم ... السورة التي رسمت أسس التكافل الاجتماعى بين أفراد الأمة الإسلامية، عن طريق مشروعية الزكاة، ووجوب أدائها لمستحقيها. السورة التي ساقت ألوانا من فضل الله على عباده المؤمنين، حيث تقبل سبحانه توبتهم، وغسل حوبتهم، وتجاوز عن خطئهم. السورة التي صنفت المجتمع الإسلامى في أواخر العهد النبوي تصنيفا دقيقا.

стр. 2717

فهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهناك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وهناك المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. وهناك الأعراب المنافقون، وهناك الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة. وقد بينت السورة الكريمة ما يستحقه كل قسم من الأقسام من ثواب أو عقاب. السورة التي أوجبت على المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس العقيدة الدينية لا على أساس القرابة الجسدية، فنهتهم أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى. هذا جانب من المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة ونسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا وأن يرزقنا الإخلاص والتوفيق في القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. محمد السيد طنطاوى

стр. 2718

فهرس إجمالى لتفسير سورة الأنفال رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة المقدمة ٥ تمهيد بين يدي السورة ٧ ١ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ٢٣ ٢ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ ٢٩ ٣ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ٣١ ٤ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ٣٢ ٥ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ٣٧ ٦ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ٣٩ ٧ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ٤٠ ٨ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ٤٢ ٩ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ٤٣ ١٠ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى ٤٨ ١١ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ٤٨ ١٢ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ ٥٢ ١٣لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ ٥٣ ١٤ ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ ٥٤ ١٥ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ٦٠ ١٦ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ٦١ ١٧ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ٦٤ ١٨ ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ٦٦ ١٩ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ٦٧ ٢٠ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ٦٩ ٢١ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا ٧٠ ٢٢ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ ٧٠ ٢٣ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً ٧١ ٢٤ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ٧٢ ٢٥ وَاتَّقُوا فِتْنَةً ٧٥ ٢٦ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ٧٨

стр. 2719

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٢٧ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ ٨٠ ٢٨ وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ ٨٢ ٢٩ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا ٨٣ ٣٠ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ٨٥ ٣١ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ٨٨ ٣٢ وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ ٨٩ ٣٣ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ٩١ ٣٤ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ٩٢ ٣٥ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ٩٣ ٣٦ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ ٩٤ ٣٧ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ٩٦ ٣٨ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ٩٦ ٣٩ وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ٩٧ ٤٠ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا ٩٨ ٤١ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ٩٩ ٤٢ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ١٠٥ ٤٣ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ ١٠٨ ٤٤ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ١١٠ ٤٥ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ١١٢ ٤٦ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ١١٢ ٤٧ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا ١١٤ ٤٨ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ١١٦ ٤٩ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ ١٢٢ ٥٠ وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ١٢٤ ٥١ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ١٢٥ ٥٢ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ١٢٧ ٥٣ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً ١٣٠ ٥٤ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ١٣١ ٥٥ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ ١٣٢ ٥٦ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ١٣٤ ٥٧ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ١٣٥

стр. 2720

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٥٨ وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ١٣٦ ٥٩ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ١٣٧ ٦٠ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ١٣٨ ٦١ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ١٤٤ ٦٢ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ١٤٧ ٦٣ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ١٤٨ ٦٤ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ١٤٩ ٦٥ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ١٥١ ٦٦ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ١٥٢ ٦٧ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ ١٥٤ ٦٨ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ١٥٨ ٦٩ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ١٦٠ ٧٠ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ ١٦١ ٧١ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ ١٦٢ ٧٢ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا ١٦٥ ٧٣ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ ١٦٨ ٧٤ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا ١٦٩ ٧٥ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ ١٦٩

стр. 2721

فهرس إجمالى لتفسير آيات سورة التوبة رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة/ مقدمة ١٧٦/ تمهيد بين يدي السورة ١٧٧ ١ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ١٩٤ ٢ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ١٩٧ ٣ وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ٢٠١ ٤ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٢٠٣ ٥ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ٢٠٥ ٦ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ٢٠٨ ٧ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ٢١٢ ٨ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ٢١٤ ٩ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ٢١٧ ١٠ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ ٢١٧ ١١ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ ٢١٨ ١٣ أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا ٢٢١ ١٤ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ٢٢٣ ١٥ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ٢٢٤ ١٦ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ٢٢٥ ١٧ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ٢٢٦ ١٨ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ ٢٢٨ ١٩ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ٢٣١ ٢٠ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا ٢٣٣ ٢١ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ٢٣٤ ٢٢ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ٢٣٤ ٢٣ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ ٢٣٥ ٢٤ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ ٢٣٦ ٢٥ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ٢٣٩ ٢٦ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ٢٤٢ ٢٧ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ٢٤٢

стр. 2722

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٢٨ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ٢٤٤ ٢٩ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ٢٤٩ ٣٠ وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ٢٥٦ ٣١ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ٢٦١ ٣٢ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا ٢٦٣ ٣٣ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ٢٦٥ ٣٤ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً ٢٦٧ ٣٥ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ٢٧٠ ٣٦ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ ٢٧٦ ٣٧ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ٢٨١ ٣٨ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا ٢٨٦ ٣٩ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً ٢٩٠ ٤٠ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ٢٩١ ٤١ انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ٢٩٥ ٤٢ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً ٢٩٩ ٤٣ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ٣٠١ ٤٤ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ٣٠٤ ٤٥ إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٣٠٥ ٤٦ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا ٣٠٦ ٤٧ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ ٣٠٨ ٤٨ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ ٣١١ ٤٩ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ٣١٢ ٥٠ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ٣١٣ ٥١ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ٣١٤ ٥٢ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا ٣١٤ ٥٣ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ٣١٦ ٥٤ وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ ٣١٧ ٥٥ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ ٣١٨ ٥٦ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ٣٢٠ ٥٧ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ ٣٢١ ٥٨ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ٣٢٢

стр. 2723

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٥٩ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ٣٢٤ ٦٠ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ٣٢٥ ٦١ ومنهم الذين يؤذون النبي ٣٣٢ ٦٢ يحلفون بالله لكم ليرضوكم ٣٣٥ ٦٣ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ٣٣٧ ٦٤ يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ ٣٣٨ ٦٥ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٣٤٠ ٦٦ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ٣٤٠ ٦٧ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ ٣٤٣ ٦٨ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ ٣٤٤ ٦٩ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا ٣٤٤ ٧٠ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ٣٤٧ ٧١ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ ٣٤٨ ٧٢ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ٣٥٠ ٧٣ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ٣٥١ ٧٤ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ٣٥٣ ٧٥ وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ٣٥٦ ٧٦ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ٣٥٨ ٧٧ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ٣٥٩ ٧٨ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ٣٥٩ ٧٩ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٣٦١ ٨٠ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ٣٦٣ ٨١ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ ٣٦٤ ٨٢ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ٣٦٧ ٨٣ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ ٣٦٨ ٨٤ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ٣٦٩ ٨٥ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ ٣٧٢ ٨٦ وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا ٣٧٣ ٨٧ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ٣٧٤ ٨٨ لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ٣٧٥

стр. 2724

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ٨٩ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ٣٧٥ ٩٠ وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ٣٧٥ ٩١ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ٣٧٨ ٩٢ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ٣٨٠ ٩٣ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ ٣٨٢ ٩٤ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ٣٨٣ ٩٥ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ ٣٨٤ ٩٦ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ٣٨٤ ٩٧ الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ٣٨٥ ٩٨ وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً ٣٨٧ ٩٩ وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ٣٨٨ ١٠٠ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ٣٩٠ ١٠١ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ٣٩٢ ١٠٢ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ٣٩٥ ١٠٣ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ٣٩٦ ١٠٤ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٣٩٨ ١٠٥ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ٣٩٩ ١٠٦ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ٣٩٩ ١٠٧ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ٤٠١ ١٠٨ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ ٤٠٤ ١٠٩ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى ٤٠٥ ١١٠ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ٤٠٦ ١١١ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٤٠٨ ١١٢ التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ ٤١١ ١١٣ ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ٤١٤ ١١٤ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ٤١٥ ١١٥ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ٤١٦ ١١٦ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٤١٧ ١١٧ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ ٤١٨ ١١٨ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ٤٢١

стр. 2725

رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة ١١٩ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا ٤٢٣ ١٢٠ ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ ٤٢٥ ١٢١ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ٤٢٦ ١٢٢ وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ٤٢٦ ١٢٣ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ ٤٢٨ ١٢٤ وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ٤٣٠ ١٢٥ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ٤٣٠ ١٢٦ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي ٤٣١ ١٢٧ وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ ٤٣١ ١٢٨ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ٤٣٢ ١٢٩ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ٤٣٣ تم بحمد الله

стр. 2726

[المجلد السابع] سورة يونس بسم الله الرّحمن الرّحيم رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) صدق الله العظيم

стр. 2727

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته الى يوم الدين. وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة «يونس» ﵇ حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية وآداب عالية، وهدايات جامعة، وإرشادات حكيمة، وحجج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق.. وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ في تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها، تكون بمثابة التعريف بها، وبمقاصدها الإجمالية. وأحمد الله- تعالى- أجزل الحمد وأوفاه، أن وفقني قبل ذلك لتفسير سور: الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال، التوبة» ... والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، إنه أكرم مسئول، وأعظم مأمول. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم المؤلف د. محمد سيد طنطاوى

стр. 2728

تمهيد بين يدي السورة ١- سورة يونس- ﵇ هي السورة العاشرة في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: «الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال، التوبة» . ٢- وكان نزولها بعد سورة «الإسراء» . ٣- وعدد آياتها: تسع ومائة آية عند الجمهور. وفي المصحف الشامي مائة وعشر آيات. ٤- وسميت بهذا الاسم تكريما ليونس- ﵇ ولقومه الذين آمنوا به واتبعوه قبل أن ينزل بهم العذاب، وفي ذلك تقول السورة الكريمة: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ «١» . ٥- وسورة يونس من السور المكية، وعلى هذا سار المحققون من العلماء. وقيل إنها مكية سوى الآية الأربعين منها وهي قوله- تعالى- وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ والآيتين الرابعة والتسعين، والخامسة والتسعين وهما قوله- تعالى-: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ، لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ. قال صاحب المنار: وقال السيوطي في الإتقان: استثنى منها الآيات ٤٠، ٩٤، ٩٥، فقيل إنها مدنية نزلت في اليهود. وقيل: من أولها إلى رأس أربعين آية مكي، والباقي مدني، حكاه ابن الفرس والسخاوي في جمال القراء. ثم قال صاحب المنار: وأقول إن موضوع السورة لا يقبل هذا من جهة الدراية، وهو مما لم نثبت به رواية، وكون المراد بالذين يقرءون الكتاب في الآية (٩٤) اليهود لا يقتضى أن تكون نزلت بالمدينة، وبيان ذلك من وجهين: أحدهما: أن المراد بالشك فيها الفرض لا وقوع الشك حقيقة، ولذلك قال الرسول

стр. 2729

صلى الله عليه وسلم: «لا أشك ولا أسأل» ، وهو مرسل يؤيده قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري. وثانيهما: أن هذا المعنى نزل في سورة مكية أخرى، كقوله- تعالى- في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ «١» . وقوله- سبحانه- في سورة الأنبياء: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٢» . والذي تطمئن إليه النفس، أن سورة يونس جميعها مكية، كما قال المحققون من العلماء، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا برواية صحيحة تصلح مستندا لهم، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نهايتها تشاهد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية، فهي تهتم بإثبات وحدانية الله، وبإثبات صدق النبي ﷺ وبإثبات أن هذا القرآن من عند الله، وأن البعث حق، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية، قد تولت السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقي رصين.. والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وخشوع، يراها في مطلعها تتحدث عن سمو القرآن الكريم في هدايته وإحكامه، وعن موقف المشركين من النبي ﷺ ودعوته، وعن الأدلة على وحدانية الله وقدرته. قال- تعالى-: الر. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ. أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ. ثم نراها في الربع الثاني منها تصور بأسلوب حكيم طبيعة الإنسان فتقول وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الآية ١٢. ثم تحكى مصارع الظالمين، وأقوالهم الفاسدة، ورد القرآن عليهم فتقول: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ. ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وبعد أن تمضى السورة الكريمة في دحض أقوال المشركين، وفي بيان الطبائع البشرية، نراها في مطلع الربع الثالث. تصور لنا حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة الضالين، فتقول:

стр. 2730

وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ، وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. ثم تأمر السورة الكريمة النبي ﷺ أن يسأل المشركين بأسلوب توبيخي عمن يرزقهم من السموات والأرض، وعمن يبدأ الخلق ثم يعيده، وعمن يهدى إلى الحق، فتقول: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ. وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم. وتعلن عن عجزهم على رءوس الأشهاد، تأخذ في تسلية الرسول ﷺ وفي تصوير جانب من أحوالهم في حياتهم وبعد مماتهم فتقول: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ. وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ... ثم نراها في الربع الرابع توجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى الإقبال على ما جاء به الرسول ﷺ من مواعظ فيها الشفاء لما في الصدور، وفيها الهداية لما في النفوس فتقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. ثم تسوق جانبا من مظاهر قدرة الله النافذة، وعلمه المحيط بكل شيء، فتقول: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. وفي مطلع الربع الخامس منها تحكى لنا جانبا من قصة نوح- ﵇ مع قومه، وكيف أنه نصحهم، وذكرهم بآيات الله، ولكنهم لم يستمعوا إليه، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال- تعالى-:

стр. 2731

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. ثم تحكى لنا جانبا من قصة موسى- ﵇ مع فرعون، ومن المحاورات، والمجادلات التي دارت بينهما، ومن الدعوات المستجابة التي توجه بها موسى إلى خالقه، فتقول: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. ثم نراها في الربع السادس والأخير منها، تحكى لنا ما قاله فرعون عند ما أدركه الغرق، كما تخبرنا عن النهاية الطيبة التي لقوم يونس- ﵇ بسبب إيمانهم، ثم تسوق ألوانا من مظاهر قدرة الله، ومن حكمه العادل بين عباده، ومن رعايته لأوليائه ورسله فتقول: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ. ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه نداء إلى الناس تبين لهم فيه أن من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه، وأن من ضل فإنما يضل عليها فتقول: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. تلك أهم المقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها السورة الكريمة، ومنها نرى بوضوح أن السورة الكريمة قد عنيت عناية بارزة بإثبات وحدانية الله وقدرته النافذة، وعلمه المحيط بكل شيء، تارة عن طريق مخلوقاته التي يشاهدونها كما في قوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ.... وتارة عن طريق اعترافهم بأن الله وحده هو خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم كما في قوله- تعالى-: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. وتارة عن طريق لجوئهم إليه وحده لا سيما عند الشدائد والمحن، كما حدث من فرعون عند ما أدركه الغرق. كذلك نرى السورة الكريمة قد عنيت بدعوة الناس إلى التدبر والتفكر وإلى الاعتبار بمصارع الظالمين، وإلى عدم التعلق بزخرف الحياة الدنيا..

стр. 2732

إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ. إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها، وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. كذلك نرى السورة الكريمة قد اهتمت بالرد على الشبهات التي أثارها المشركون حول القرآن الكريم، وحول البعث وما فيه من ثواب وعقاب ... فأثبتت أن هذا القرآن من عند الله، وتحدتهم أن يأتوا بسورة من مثله فقالت: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. كما أثبتت أن يوم القيامة حق، وأنهم لن ينجيهم من عذاب الله في ذلك اليوم ندمهم أو ما يقدمونه من فداء فقالت: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. هذا، والسورة الكريمة بعد كل ذلك تمتاز بأنها قد عرضت ما عرضت من هدايات وتوجيهات بأسلوب بليغ مؤثر، تقشعر منه الجلود، وتلين منه القلوب، وتخشع له النفوس.. مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم د. محمد سيد طنطاوى

стр. 2733

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) سورة يونس من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي. وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. فالسور التي افتتحت بحرف واحد ثلاثة، وهي سورة: ص، ق، ن. والسور التي افتتحت بحرفين تسعة، وهي: طه، طس، يس، وحم في ست سور، هي: غافر، فصلت، الزخرف. الدخان، الجاثية، الأحقاف. والسور التي بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث عشرة سورة، وهي: ألم في ست سور هي: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، والر في خمس سور هي: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، وطسم في سورتين هما: الشعراء، القصص. وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما: الأعراف، الرعد. وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما: مريم، والشورى.

стр. 2734

فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة. هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين: الرأى الأول يرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهي من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس- في إحدى الروايات عنه- كما ذهب إليه الشعبي، وسفيان الثوري، وغيرهم من العلماء. فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور. ويروى عن ابن عباس انه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وعن على- رضى الله عنه- قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال: «سر الله فلا تطلبوه» . ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس، لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها. وقد أجيب عن ذلك، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس، فالرسول ﷺ كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل السور. أما الرأى الثاني فيرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى: ١- أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبي ﷺ «من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح» . وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها، كسورة «ص» وسورة «يس» . ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه.

стр. 2735

٢- وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة، وابتداء أخرى. ٣- وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله- تعالى- وبعضها من صفاته فمثلا «ألم» أصلها أنا الله أعلم. ٤- وقيل: إنها اسم الله الأعظم، الى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال. والتي أوصلها السيوطي في كتابه «الإتقان» إلى أكثر من عشرين قولا. ٥- ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها. فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة. وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما، وهدايات قد تكون سببا في إيمانهم. ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأى: أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول ﷺ في أغلب المواضع. ومن ذلك قوله- تعالى-: في أول سورة البقرة الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقوله سبحانه في أول سورة هود: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وقوله- سبحانه- في أول سورة إبراهيم: الر. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. وهكذا نرى أن كثيرا من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمنى عن القرآن الكريم، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الاساسية إثبات وحدانية الله، وإثبات صحة الرسالة المحمدية، وإثبات أن هذا القرآن الذي هو معجزة الرسول الخالدة- منزل من عند الله- تعالى-. هذه خلاصة لآراء العلماء في المراد بالحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع- مثلا- إلى كتاب «الإتقان» للسيوطي، وإلى كتاب «البرهان» . للزركشى، وإلى تفسير الآلوسى.
следующие страницы →