ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا: العرب خاصة، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة الأصنام.
قال الآلوسى: «قوله وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا أى: وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف، وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد.. وذلك من عهد آدم- ﵇ إلى أن قتل قابيل هابيل.
وقيل إلى زمن إدريس- ﵇ وقيل إلى زمن نوح. وقيل كانوا كذلك في زمنه- ﵇ بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر.
وقيل: من لدن إبراهيم- ﵇ إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام، وهو المروي عن عطاء. وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة. وهو الأنسب بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك» «١» .
وقوله: فَاخْتَلَفُوا أى ما بين ضال ومهتد، فبعث الله إليهم رسله، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب، ولينذروا الضالين بسوء العقاب.
والفاء للتعقيب، وهي لا تنافى امتداد زمان اتفاقهم على الحق، لأن المراد بيان أن وقوع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق، لا عقيب حدوثه.
والمراد بالكلمة في قوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ... ما قضاه الله- تعالى- وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة.
أى: ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة، لقضى بينهم- سبحانه- في هذه الدنيا. فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، ولكنه- سبحانه- اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدى إلى التفرقة في الدين، وإلى الشقاق والنزاع، كما تضمنت تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه: فكأنه- سبحانه- يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين. ثم حكى- سبحانه- لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال- تعالى-:
стр. 2767
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٠]
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
ومرادهم بالآية التي طلبوها: آية كونية سوى القرآن الكريم، بأن تكون معه ﷺ ناقة كناقة صالح- ﵇ أو تكون معه عصا كعصا موسى- ﵇ وكأنهم لا يعتبرون القرآن آية كبرى، ومعجزة عظمى على صدقه ﷺ .
ومرادهم بإنزالها عليه: ظهورها على يديه ﷺ حتى يروا ذلك بأعينهم.
أى: ويقول هؤلاء المشركون لنبيهم ﷺ هلا أنزل الله عليك آية أخرى سوى القرآن الكريم تكون شاهدة لك بالنبوة، كأن تعيد إلى الحياة آباءنا، وكأن تحول جبال مكة إلى بساتين» .
ومطالبهم هذه إنما طلبوها على سبيل العناد والتعنت لا على سبيل الاسترشاد والثبت، قال- تعالى-: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.. «١» .
وقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أمر من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بأن يرد عليهم بما يفحمهم.
أى: قل لهم في الجواب على هذه المطالب المتعنتة: إن هذه المطالب التي طلبتموها هي من علم الغيب الذي استأثر الله به، فقد يجيبكم إليها- سبحانه- وقد لا يجيبكم، فانتظروا فيما يقضيه الله في أمر تعنتكم في مطالبكم، إنى معكم من المنتظرين لقضائه وقدره، ولما يفعله بي وبكم.
فالجملة الكريمة تهديد لهم على تعنتهم وجهلهم، وتهوينهم من شأن القرآن الكريم، مع أنه أصدق معجزة للرسول ﷺ وأعظمها.
ولقد حكى القرآن- في آيات أخرى كثيرة- المطالب المتعنتة التي طلبها المشركون من النبي ﷺ والتي تدل على عنادهم وجحودهم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ
стр. 2768
يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ. قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «١» .
كما حكى أيضا- سبحانه- أنه لو أجابهم إلى مطالبهم لما آمنوا، لأنهم معاندون جاحدون فقال- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
«٢» .
وقال- سبحانه-: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ «٣» .
وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من أقوال الذين لا يرجون لقاء الله ومن مقترحاتهم الباطلة ومن معتقداتهم الفاسدة، أتبعت ذلك بتصوير بعض الطبائع البشرية تصويرا صادقا يكشف عن أحوال النفوس في حالتي السراء والضراء فقال- تعالى-:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
стр. 2769
وقوله أَذَقْنَا من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز في إدراك ما يسر وما يؤلم من المعنويات كالرحمة والضراء.
قال الآلوسى «والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل، لما روى من أن الله- تعالى- سلط عليهم القحط سبع سنين، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب، ووعدوه بالإيمان، فلما دعا لهم ورحمهم الله- تعالى- بالمطر، طفقوا يطعنون في آياته- تعالى- ويعاندون نبيه ﷺ .
وقيل: إن الناس عام لجميع الكفار» «١» .
والضراء من الضر، وهو ما يصيب الإنسان في نفسه من أمراض وأسقام.
والمكر: هو التدبير الخفى الذي يفضى بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة وكيد.
والمعنى: وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغنى من بعد ضراء أصابتهم في أنفسهم أو فيمن يحبون، ما كان منهم إلا المبادرة إلى الطعن في آياتنا الدالة على قدرتنا، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها.
وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة، وأسند المساس إلى الضراء، رعاية للأدب مع الله- تعالى-، لأنه وإن كان كل شيء من عنده، إلا أن الأدب معه- سبحانه- يقتضى إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما في قوله- تعالى-: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وفي الحديث: «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك» .
وإذا الأولى شرطية، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط.
وجاء التعبير بإذا الفجائية في الجواب، للإشارة إلى توغلهم في الجحود والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة، عادوا إلى عنادهم وجهلهم، ونسبوا كل خير إلى غيره- تعالى-.
قال الرازي: «واعلم أنه- تعالى- ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة في قوله- تعالى- وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ.. إلا أنه- تعالى- زاد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة.
стр. 2770
وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر «١» .
وقوله: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ أمر من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم.
أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر في مقام الشكر، إن الله- تعالى- أسرع مكرا منكم لأنه لا يخفى عليه شيء من مكركم، ولأن الحفظة من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم، التي تحاسبون عليها في يوم القيامة حسابا عسيرا، وسترون أن مكركم السيئ لا يحيق إلا بكم.
وقوله: أَسْرَعُ أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي سرع- كضخم وحسن-، أو من الفعل الرباعي «أسرع» عند من يرى ذلك.
والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم. وتنبيه على أن مكرهم الخفى غير خاف على الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق- الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وسمى- سبحانه- إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكرا، لأنهم كانوا كثيرا ما يتجمعون سرا، ليتشاوروا في المؤامرات التي يعرقلون بها سير الدعوة الإسلامية، وفي الشبهات التي يوجهونها إلى النبي ﷺ .
ثم ساق- سبحانه- مشهدا حيا. تراه العيون، وتهتز له القلوب، ويجعل المشاعر تتجه إلى الله وحده بالدعاء فقال- تعالى- هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...
والسير معناه: الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير معناه: جعل الإنسان أو الحيوان أو غيرهما يسير بذاته، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما، مما سخره الله- تعالى- له بقدرته ورحمته.
أى: هو- سبحانه- الذي يسيركم بقدرته ورحمته في البر والبحر، بواسطة ما وهبكم من قدرة على السير، أو ما سخر لكم من دواب وسفن وغيرهما مما تستعملونه في سفركم، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ومنفعتكم.
ثم قال- تعالى- حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها....
стр. 2771
والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد والجمع.
والظاهر أن المراد به هنا الجمع، بدليل قوله وَجَرَيْنَ أى: السفن.
والمراد بالريح الطيبة: الريح المناسبة لسير السفن، والموافقة لا تجاهها.
أى: هو- سبحانه- وحده الذي ينقلكم من مكان إلى آخر في البر والبحر، حتى إذا كنتم في إحدى مرات تسييركم راكبين في السفن التي سخرها لكم، وجرت هذه السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذي تقصدونه، وأنتم في حالة فرح غامر، وسرور شامل.. جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ....
والريح العاصف: هي الريح الشديدة القوية. يقال: عصفت الريح وأعصفت فهي عاصف إذا اشتدت في سرعتها وهيجانها.
والموج: ما ارتفع من مياه البحار، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد الراجح، وقوله:
أُحِيطَ بِهِمْ، أى: أحاط بهم البلاء من كل ناحية. يقال لمن وقع في بلية: قد أحيط به.
وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه جعله على حافة الهلاك.
أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم في البحر وهم في فرح وحبور، جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج من كل مكان، واعتقد ركابها- الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين- أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه.
وقوله: بِهِمْ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم لكن جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة في تقبيح أحوالهم، وسوء صنيعهم.
قال صاحب الكشاف «فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ قلت:
المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح» «١» .
وقوله: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت.
أى في تلك الساعات العصيبة، واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله وحده قائلين: نقسم لك يا ربنا، ويا من لا يعجزك شيء، لئن أنجيتنا من تلك الأهوال التي نحن فيها، لنكونن
стр. 2772
من الشاكرين لك، المطيعين لأمرك، المتبعين لشرعك.
وهنا، وبعد هذا الدعاء العريض، هدأت العاصفة. وانخفضت الأمواج، وسكنت النفوس بعض السكون، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...
أى: فحين أنجاهم الله- تعالى- بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم الذي كانوا فيه، إذا هم يسعون في الأرض فسادا. ويرتكبون البغي الفاضح الذي لا يخفى قبحه على أحد.
وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك، إذا البغي معناه: تجاوز الحق، يقال: بغى الجرح إذا تجاوز حده في الفساد.
فقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ تأكيد لما يفيده البغي من التعدي والظلم، فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد.
وقيل قيده بذلك ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه. فإنه يسمى بغيا في الجملة، لكنه بحق. وهو قول ضعيف، لأن دفع البغي لا يسمى بغيا وإنما يسمى إنصافا من الظالم، ولذا قال القرآن الكريم: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ «١» .
وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية، للإشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان، نسوا ما كانوا فيه من أهوال، وسارعوا إلى الفساد في الأرض، دون أن يردعهم رادع، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب.
والتعبير بقوله فِي الْأَرْضِ للإشارة إلى أن بغيهم قد شمل أقطارها، ولم يقتصر على جانب من جوانبها.
وقوله- سبحانه- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ خطاب منه- سبحانه- لأولئك البغاة في كل زمان ومكان، قصد به التهديد والوعيد.
أى: يا أيها الناس الذين تضرعوا إلينا في ساعات الشدة، وهرولوا إلى البغي بعد زوال تلك الشدة، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم فأنتم وحدكم الذين تتحملون سوء عاقبته في الدنيا والآخرة.
стр. 2773
واعلموا أن هذا البغي إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التي لا بقاء لها، وإنما هي إلى زوال وفناء.
واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفاني. فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذي تستحقونه.
وقوله: إِنَّما بَغْيُكُمْ مبتدأ وخبره عَلى أَنْفُسِكُمْ أى هو عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم.
وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا: قرأ حفص عن عاصم مَتاعَ بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر. أى: تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية.
وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو متاع الحياة الدنيا. وقوله:
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١- أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله في حالتي الشدة والرخاء، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية، ففي الحديث الشريف: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» .
٢- ان الناس جبلوا على الرجوع إل الله وحده عند المصائب والمحن، وفي ذلك يقول الآلوسى: «روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال: لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة لركابها: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا. فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا كريما. قال: فجاء فأسلم.
وفي رواية ابن سعد عن أبى مليكه: أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله- تعالى- ويوحدونه فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله- تعالى-. قال: «فهذا ما يدعونا إليه محمد ﷺ فارجعوا بنا» . فرجع وأسلم ... » «١» .
وقال الفخر الرازي: «يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق: اذكر لي دليلا على إثبات
стр. 2774
الصانع؟ فقال له: أخبرنى عن حرفتك: فقال: أنا رجل أتجر في البحر. فقال له: صف لي كيفية حالك. فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة. فقال جعفر: هل وجدت في قلبك تضرعا ودعاء. فقال: نعم.
فقال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت» «١» .
وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها «أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله- تعالى- هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر.. وكان يعمل قائدا لإحدى السفن.. فسأل بعض المسلمين: أتعلمون أن نبيكم ﷺ قد سافر في البحار؟ فقالوا له: لا.. فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله- تعالى ... » «٢» .
٣- دل قوله- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ... على أن البغي يجازى أصحابه عليه في الدنيا والآخرة.
فأما في الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه- سبحانه- سيجازيهم عليه أسوأ الجزاء.
وأما في الدنيا فبدليل قوله- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ويؤيده ما رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة سوى البغي وقطيعة الرحم» «٣» .
قال الآلوسى. وفي الآية من الزجر عن البغي ما لا يخفى «فقد أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمي وغيرهم عن أنس قال رسول الله ﷺ : «ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغي» ثم تلا ﷺ قوله- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ. وقوله- تعالى- فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وقوله- تعالى- وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله ﷺ : «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما» .
стр. 2775
وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه:
يا صاحب البغي إن البغي مصرعه ... فارجع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله «١»
ثم ساق- سبحانه- مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل، ولزخرفها الفاني، فقال- تعالى-:
[سورة يونس (١٠) : آية ٢٤]
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)
وقوله- سبحانه- إِنَّما مَثَلُ ... المثل بمعنى المثل، والمثل: النظير والشبيه، ثم اطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- لمورده الذي ورد فيه أولا، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية وأشباهها.
والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفى، وتقريب الشيء المعقول من الشيء المحسوس، وعرض الأمر الغائب في صورة المشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس.
والمعنى: إنما صفة الحياة الدنيا وحالها في سرعة زوالها، وانصرام نعيمها بعد إقباله. كحال ماء أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أى: فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره وتجاوزه ونمائه.
стр. 2776
وشبه- سبحانه- الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض، لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص- بخلاف ماء الأرض- فكان تشبيه الحياة به أنسب.
وقوله: مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ معناه: وهذا النبات الذي نما وازدهر بسبب نزول المطر من السماء، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه. وبعضه مما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة.
وجملة مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حال من النبات.
وقوله: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ.. تصوير بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج.
ولفظ حَتَّى غاية لمحذوف: أى نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض وربت وأنبتت النبات الذي ما زال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها.
والزخرف: الذهب وكمال حسن الشيء. ومن القول أحسنه، ومن الأرض ألوان نباتها.
أى: حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها وجمالها، وازينت بمختلف أنواع النباتات ذات المناظر البديعة، والألوان المتعددة.
قال صاحب الكشاف: «وهو كلام فصيح. جعلت الأرض آخذة زخرفها وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها، وتزينت بغيرها من ألوان الزينة، أصل ازينت تزينت» «١» .
وقوله: وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أى: وظن أهل تلك الأرض الزاخرة بالنباتات النافعة. أنهم قادرون على قطف ثمارها، ومتمكنون من التمتع بخيراتها، ومن الانتفاع بغلاتها.
وقوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً.. تصوير معجز لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه وأَوْ للتنويع أى: تارة يأتى ليلا وتارة يأتى نهارا.
والجملة الكريمة جواب إذا في قوله حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها ...
أى: بعد أن بلغت الأرض الذروة في الجمال وفي تعلق الآمال بمنافع زروعها، أتاها قضاؤنا
стр. 2777
النافذ، وأمرنا المقدر لإهلاكها بالليل وأصحابها نائمون، أو بالنهار وهم لا هون، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة، التي استؤصل زرعها.
وقوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها من نبات بصورة سريعة حاسمة.
أى: جعلناها كالأرض المحصودة التي قطع زرعها، حتى لكأنها لم يكن بها منذ وقت قريب: الزرع النضير، والنبات البهيج، والنخل الباسق، والطلع النضيد.
قال القرطبي قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أى: لم تكن عامرة. من غنى بالمكان إذا أقام فيه وعمره، والمغانى في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس» «١» .
وقال ابن كثير: قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أى كأنها ما كانت حينا قبل ذلك، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، ولهذا جاء في الحديث الشريف: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له: هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا.
ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط فيقول لا» «٢» .
والمراد بالأمس هنا: الوقت الماضي القريب: لا خصوص اليوم الذي قبل يومك.
وقوله: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تذييل قصد به الحض على التفكير والاعتبار.
أى: كهذا المثل في وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض.
قال الجمل ما ملخصه: «وهذه الآية مثل ضربه الله- تعالى- للمتشبث في الدنيا الراغب في زهرتها وحسنها.. ووجه التمثيل أن غاية هذه الدنيا التي ينتفع بها المرء، كناية عن هذا النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به، وقع اليأس منه، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها» «٣» .
стр. 2778
وبعد أن بين- سبحانه- حال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها، أتبع ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذي يوصلهم إلى الجنة فقال- تعالى-:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)
والمقصود بدار السلام: الجنة التي أعدها الله- تعالى- لعباده المؤمنين، وسميت بذلك، لأنها الدار التي سلم أهلها من كل ألم وآفة. أو لأن تحيتهم فيها سلام، أو لأن السلام من أسماء الله- تعالى- فأضيفت إليه تعظيما لشأنها، وتشريفا لقدرها، كما يقال للكعبة: بيت الله.
وقوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ... معطوف على محذوف يدل عليه السياق.
والتقدير: الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها، والله- تعالى- يدعو الناس جميعا إلى الإيمان الحق الذي يوصلهم إلى دار كرامته.
وقوله: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو المؤدى بصاحبه إلى رضوان الله ومغفرته.
والمراد بالصراط المستقيم: الدين الحق الذي شرعه الله لعباده. وبلغه لهم عن طريق نبيه محمد ﷺ .
وقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ... بيان لحسن عاقبة الذين استجابوا لدعوته، واتبعوا صراطه المستقيم.
стр. 2779
أى: للمؤمنين الصادقين الذين قدموا في دنياهم الأعمال الصالحة، المنزلة الحسنى، والمئوية الحسنى وهي الجنة، ولهم زيادة على ذلك التفضل من الله- تعالى- عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم.
وتفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم، مأثور عن جمع من الصحابة منهم أبو بكر، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعرى وغيرهم- رضى الله عنهم.
ومستندهم في ذلك الأحاديث النبوية التي وردت في هذا الشأن والتي منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن صهيب- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ : تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ...
وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا. يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم ببيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم» «١» .
وذكر بعضهم أن المراد بالزيادة هنا: «مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو أكثر أو مغفرته- سبحانه- ما فرط منهم في الدنيا، ورضوانه عليهم في الآخرة» .
والحق ان التفسير الوارد عن الصحابة. والمؤيد بما جاء في الأحاديث النبوية هو الواجب الاتباع، ولا يصح العدول عنه. ولا مانع من أن يمن الله عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان، بعد نظرهم إلى وجهه الكريم، أو قبل ذلك.
ولذا قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: وَزِيادَةٌ هي تضعيف ثواب الأعمال..
وأفضل من ذلك النظر إلى وجهه الكريم. فإنه زيادة أعظم من جميع ما يعطوه.. وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن جمع من السلف والخلف، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في ذلك، ومنها ما رواه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادى يا أهل الجنة- بصوت يسمعه أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن» .
.
وعن أبى بن كعب أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله- تعالى- لِلَّذِينَ
стр. 2780
أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: «الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله- تعالى-» «١» .
والمقصود بقوله: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ الإخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان.
وقوله: يَرْهَقُ من الرهق بمعنى الغشيان والتغطية. يقال: رهقه يرهقه رهقا- من باب طرب- أى غشيه وغطاه بسرعة.
والقتر والقترة: الغبار والدخان الذي فيه سواد والذلة: الهوان والصغار. يقال: ذل فلان يذل ذلة وذلا، إذا أصابه الصغار والحقارة.
أى: ولا يغطى وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطى وجوه الكفار، من السواد والهوان والصغار.
وهذه الجملة بما اشتملت عليه من المعاني، توحى بأن في يوم القيامة من الزحام والأهوال والكروب. ما يجعل آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على الوجوه والمشاعر، فهناك وجوه عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ وهناك وجوه ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.
وقوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ تذييل قصد به تأكيد مدحهم ومسرتهم.
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم أصحاب دار السلام، وهم خالدون فيها خلودا أبديا، لا خوف معه ولا زوال.
ثم بين- سبحانه- مصير الظالمين، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً.
أى: إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فإن جزاء الذين اجترحوا السيئات، واقترفوا الموبقات، سيئات مثل السيئات التي ارتكبوها كما قال- تعالى- وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات في الدنيا، فإن الله- تعالى- يجازيهم عليها في الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ.
стр. 2781
وقوله: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أى: وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة شديدة، وفي إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم، إيذان بأنها محيطة بهم من كل جانب.
وقوله: ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أى: ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم أو يشفع لهم، بحيث ينجون من عذاب الله- تعالى-.
وقوله: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً تصوير بديع للظلام الحسى والمعنوي الذي يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين.
أى: كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم، والسواد الحالك، حتى صارت شديدة السواد واضحة الكدرة والظلمة.
وقوله: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ بيان لسوء عاقبتهم، وتعاسة أحوالهم.
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة، أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا لا نهاية له.
وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون الصادقون من صفات حسنة، ومن جزاء كريم، يتجلى في رفع درجاتهم، وفي رضا الله- تعالى- عنهم: كما نرى فيها- أيضا- وصفا معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته ووصفا للمصير المؤلم، الذي ينتظرهم يوم القيامة، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من الأقوال التي تدور بين المشركين وبين شركائهم يوم القيامة، فقال- تعالى:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
стр. 2782
وقوله: نَحْشُرُهُمْ أى نجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال: حشر القائد جنده، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور.
ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر.
والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل، يوم نجمع الناس كافة، لنحاسبهم على أعمالهم في الدنيا.
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ أى: ثم نقول للمشركين منهم في هذا اليوم العصيب، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا تبرحوه حتى يقضى الله قضاءه فيكم، فقوله: مَكانَكُمْ ظرف مكان منصوب بفعل مقدر، وقوله وَشُرَكاؤُكُمْ معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله أَنْتُمْ تأكيد له. أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم.
وجاء العطف بثم، للإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم، مواقف أخرى فيها من الأهوال ما فيها، فثم هنا للتراخي النسبي.
وقال- سبحانه- مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ مع أن المشركين كانوا يعتبرون معبوداتهم شركاء الله- من باب التهكم بهم. وللإشارة إلى أن ما عبدوهم لم يكونوا في يوم من الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم الذين وصفوهم بذلك افتراء وكذبا.
وجاء وصفهم بالشرك في حيز الصلة، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم وأن شركهم بالله- تعالى- هو الذي أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم.
وقوله: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أى: ففرقنا بينهم، وقطعنا ما بينهم من صلات، وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضي والمساءلة.
وزيلنا: من التزييل بمعنى التمييز والتفريق، يقال: زيلت الشيء أزيله إذا نحيته وأبعدته، ومنه قوله- تعالى-: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً «١» أى:
لو تميزوا وتفرقوا.
وعبر بالفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز قد حدث عقب الخطاب من غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضي مع أن هذا التذييل سيكون في الآخرة، للإيذان بتحقيق الوقوع، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم.
وقوله: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ معطوف على ما قبله.
стр. 2783
والمراد بالشركاء كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك.
أى: وقال شركاؤهم الذين أشركوهم في العبادة مع الله- تعالى-: إنكم أيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين في الدنيا، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى زينها الشيطان لكم فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل.
والمقصود بقولهم هذا- التبري من المشركين، وتوبيخهم على أفكارهم الفاسدة.
وقوله: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ تأكيد لهذا التبري والإنكار، ورجوع إلى الشهادة الحق في ذلك.
وإِنْ في قوله إِنْ كُنَّا مخففة من الثقيلة.. أى: فكفى أن يكون الله- تعالى- شهيدا وحكما بيننا وبينكم، فهو- سبحانه- يعلم حالنا وحالكم، ويعلم أننا كنا في غفلة عن عبادتكم لنا، بحيث إننا ما فكرنا فيها ولا رضينا بها.
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس في هذا اليوم العظيم فقال:
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
أى: هنالك في ذلك الموقف الهائل الشديد، تختبر كل نفس مؤمنة أو كافرة: ما سلف منها من أعمال، فترى ما كان نافعا أو ضارا من هذه الأعمال، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم الحق، ليقضى بينهم بقضائه العادل، وقد غاب عن المشركين في هذا الموقف ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة.
وهكذا ترى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويرا بليغا مؤثرا، يتجلى فيه موقف الشركاء من عابديهم، وموقف كل إنسان من عمله الذي أسلفه في الدنيا.
وبعد هذا الحديث المعجز عن يوم الحشر وأهواله، ساقت السورة الكريمة بضع آيات فيها الأدلة المقنعة على وحدانية الله وقدرته، ولكن بأسلوب السؤال والجواب، فقال- تعالى:
стр. 2784
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من الذي يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك مما تخرجه الأرض.
وقوله: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أى: بل قل لهم- أيضا- من الذي يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر، ومن الذي يستطيع خلقهما وتسويتهما بالطريقة التي أوجدها- سبحانه.
وخص هاتين الحاستين بالذكر، لأن لهما أعظم الأثر في حياة الإنسان، ولأنهما قد اشتملتا في تركيبهما على ما بهر العقول، ويشهد بقدرته- تعالى- وعجيب صنعه في خلقه.
وأم هنا منقطعة بمعنى بل، وهي هنا للإضراب الانتقالى لا الإبطالى، وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام في الدلالة على المقصود، وهو إثبات قدرة الله- تعالى- ووجوب إخلاص العبادة له.
وقوله: وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته.
أى: وقل لهم كذلك من سوى الله- تعالى- يملك إخراج النبات وهو كائن حي من الأرض الميتة، وإخراج الإنسان وهو كائن حي من النطفة وبالعكس، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس.
وقوله: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى: وقل لهم- أيضا- من الذي يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وإماتة، وصحة ومرض، وغنى وفقر، وليل ونهار، وشمس وقمر ونجوم ...
هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها.
وقوله: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ حكاية للجواب الذي لا يستطيعون إنكاره، لأنهم مقرون معترفون بأن الله- تعالى- هو الذي خلقهم، وهو الذي يدبر أمرهم، وإنما كانوا يتخذون
стр. 2785
الشركاء للزلفى، كما حكى القرآن عنهم في قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. وفي قوله- سبحانه- حكاية عنهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ...
ولفظ الجلالة مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فسيقولون الله وحده هو الذي فعل كل ذلك.
وقوله: فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أمر من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بأن يرد عليهم بهذا الرد.
والهمزة لإنكار واقعهم الذميم، وهي داخلة على كلام مقدر، ومفعول تتقون محذوف.
أى: أتعلمون وتعترفون بأن الله- تعالى- هو الخالق لكل ما سبق، ومع ذلك تشركون معه آلهة في العبادة، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة؟.
إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف في التفكير، وانطماس في العقول، وجهالة ليس بعدها جهالة.
ثم أرشدهم- سبحانه- إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ....
أى: فذلكم الذي فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم، هو الله المربى لكم بنعمه، وهو الذي لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده.
إذا كان الأمر كذلك فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أى لا يوجد غير الحق شيء يتبع سوى الضلال، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده، فقد وقع في الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى.
قال القرطبي: «ثبت عن عائشة- رضى الله عنها- أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد» الحديث، وفيه: أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق ... » .
فقوله: أنت الحق، أى الواجب الوجود، وأصله من حق الشيء إذا ثبت ووجب- وهذا الوصف لله- تعالى- بالحقيقة، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه.
ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا كما في هذه الآية.. والضلال حقيقته الذهاب عن
стр. 2786
الحق مأخوذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سمته، يقال: ضل الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه..» «١» .
وقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أى: فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله- تعالى- وحده.
فأنى هنا بمعنى كيف، والاستفهام لإنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه.
ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الحق والباطل، والهدى والضلال، نقيضان لا يجتمعان، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين في وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق، وجب أن يكون الآخر هو الباطل.
ثم بين- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف ولا تتبدل، فقال- تعالى-:
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
والكاف للتشبيه بمعنى مثل. وحقت بمعنى وجبت وثبتت.
والمراد بالكلمة هنا: حكمه وقضاؤه- سبحانه-.
والمعنى: مثل ما ثبت أن الله- تعالى- هو الرب الحق، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ثبت- أيضا- الحكم والقضاء منه- سبحانه- على الذين فسقوا عن أمره، وعموا وصموا عن الحق، أنهم لا يؤمنون به، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.
فالمراد بالفسق هنا: التمرد في الكفر، والسير فيه إلى أقصى حدوده.
ثم ساق- سبحانه- أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.
فقال:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٤ الى ٣٦]
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)
стр. 2787
أى: قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق: هل من شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله، أو أشركتموهم مع الله، من له القدرة على أن يبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ... ثم ينشئه خلقا آخر، ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته؟
قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، أما شركاؤكم فهم أعجز من أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ...
وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ والإفك الصرف والقلب عن الشيء. يقال: أفكه عن الشيء يأفكه أفكا، إذا قلبه عنه وصرفه.
أى فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإله الحق، إلى عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر؟!.
وجاءت جملة قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ.. بدون حرف العطف على ما قبلها للإيذان باستقلالها في حصول المطلوب، وإثبات المقصود.
وساق- سبحانه- الأدلة بأسلوب السؤال والاستفهام، لأن الكلام إذا كان واضحا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام، وتفويض الجواب إلى المسئول كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب.
وجعل- سبحانه- إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم في التدليل على قدرته مع عدم اعترافهم بها، للإيذان بسطوع أدلتها، لأن القادر على البدء يكون أقدر على الإعادة كما قال- تعالى- وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.. «١» .
فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد أو المكابرة، نزل إنكارهم لها منزلة العدم.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «فإن قلت: كيف قيل لهم هل من
стр. 2788
شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده، وهم غير معترفين بالإعادة؟.
قلت: قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا رادا الظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، ودلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. وقال لنبيه ﷺ : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب. يعنى أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم أنت عنهم..» «١» .
وقوله: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ. حجة أخرى تدمغ جهلهم، جيء بها لتكون دليلا على قدرة الله على الهداية والإضلال، عقب إقامة الأدلة على قدرته- سبحانه- على بدء الخلق وإعادتهم.
أى: قل لهم يا محمد- أيضا- على سبيل التهكم من أفكارهم: هل من شركائكم من يستطيع أن يهدى غيره إلى الدين الحق، فينزل كتابا، أو يرسل رسولا، أو يشرع شريعة، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون. أو يحث العقول على التدبر والتفكر في ملكوت السموات والأرض ... ؟
قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذي يفعل كل ذلك، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من ذلك أو من غيره.
وقوله: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى.. توبيخ آخر لهم على جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة.
أى: قل لهم يا محمد: أفمن يهدى غيره إلى الحق وهو الله- تعالى-. أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه، أم من لا يستطيع أن يهتدى بنفسه إلا أن يهديه غيره أحق بالاتباع؟
لا شك أن الذي يهدى غيره إلى الحق أحق بالاتباع من الذي هو في حاجة إلى أن يهديه غيره.
وقوله: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ استفهام قصد به التعجيب من أحوالهم التي تدعو إلى الدهشة والغرابة.
أى: ما الذي وقع لكم، وما الذي أصابكم في عقولكم حتى صرتم تشركون في العبادة مع الله الخالق الهادي، مخلوقات لا تهدى بنفسها وإنما هي في حاجة إلى من يخلقها ويهديها.
قال الإمام الرازي: «واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية
стр. 2789
ثانيا، عادة مطردة في القرآن، فقد حكى- سبحانه- عن إبراهيم أنه ذكر ذلك فقال:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وعن موسى أنه قال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى وأمر محمدا ﷺ بذلك فقال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى. وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وله روح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية، فهاهنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله: مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية «١» .
وقوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي ورد فيه ست قراءات، منها قراءة يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال، ومنها قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف كيرمى، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع «يهدى» فتح الياء والهاء وتشديد الدال.. «٢» .
والاستثناء في قوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى مفرغ من أعم الأحوال.
والتقدير: أفمن يهدى إلى الحق أحق بالاتباع، أم من لا يستطيع الهداية إلا أن يهديه إليها غيره أحق بالاتباع؟
وجاء قوله- سبحانه- فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ باستفهامين متواليين، زيادة في توبيخهم وتقريعهم، ولفت أنظارهم إلى الحق الواضح الذي لا يخفى على كل ذي عقل سليم.
وقوله: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ... توبيخ آخر لهم على انقيادهم للأوهام والظنون، وتسلية للرسول ﷺ عما أصابه منهم من إساءات.
أى: إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد، لا يتبعون في عقائدهم وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التي ورثها الأبناء عن الآباء.
وخص أكثرهم بالذكر، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا، كما قال- تعالى- فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «٣» .
ويجوز أن يكون- سبحانه- خص أكثرهم بالذكر، للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق، وستتبعه في الوقت الذي يريده الله- تعالى.
стр. 2790
والتنكير في قوله ظَنًّا للتنويع. أى لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من الظن الواهي الذي لا يستند إلى دليل أو برهان.
وقوله: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً استئناف مسوق لبيان شأن الظن وبطلانه.
والمراد بالظن هنا: ما يخالف العلم واليقين، والمراد بالحق: العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع.
أى: إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغنى صاحبه شيئا من الإغناء، عن الحق الثابت الذي لا ريب في ثبوته وصحته.
وقوله شَيْئاً مفعول مطلق أى: لا يغنى شيئا من الإغناء، ويجوز أن يكون مفعولا به على جعل يغنى بمعنى يدفع.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ تذييل قصد به التهديد والوعيد.
أى: إن الله- تعالى- عليم بأقوالهم وأفعالهم، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة، وسينالون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة. وأفعالهم الفاسدة.
قال صاحب المنار ما ملخصه: «استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم اليقيني واجب في الاعتقاديات، ويدخل في الاعتقاديات الإيمان بأركان الإسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية، والإيمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك ...
أما ما دون العلم اليقيني مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به في الاعتقاد وهو متروك للاجتهاد في الأعمال، كاجتهاد الأفراد في الأعمال الشخصية، واجتهاد أولى الأمر في الإدارة والسياسة، مع التقيد بالشورى وتحرى العدل..» «١» .
وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن القرآن الكريم، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله، ووصفتهم بالجهالة وسفاهة الرأى، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا بليغا. استمع إلى السورة الكريمة وهي تتحدث عن كل ذلك فتقول:
стр. 2791
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)
قال الإمام ابن كثير «هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله- تعالى- الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال- تعالى-: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» .
стр. 2792
والنفي هنا للشأن الذي هو أبلغ في النفي، وأعمق في الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله، من نفى الشيء في ذاته مباشرة.
أى: وليس من شأن هذا القرآن المعجز، أن يخترعه أو يختلقه أحد من الإنس أو الجن أو غيرهما لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات جامعة ... يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر.
وقوله: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ بيان لكمال هداية القرآن الكريم، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة.
والمراد بالذي بين يديه: الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل والزبور.
وقوله بَيْنَ يَدَيْهِ فيه نوع مجاز لأن ما بين يدي الشيء يكون أمامه، فوصف- سبحانه- ما مضى من الكتب بأنها بين يدي القرآن لشدة ظهورها واشتهارها، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة: تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله- تعالى-، ومن أمر باتباع الرسول ﷺ عند ظهوره.
وأل في الْكِتابِ للجنس، فالمراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها- سبحانه- على بعض أنبيائه.
والمعنى: ليس من شأن هذا الكتاب في إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله، لأن غيره- سبحانه- لا يقدر على ذلك، ولكن من شأنه أن يكون مؤيدا للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله- تعالى- ومن اتباع لرسله، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام.
وقوله تَصْدِيقَ منصوب على أنه معطوف على خبر كان، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى: ولكن كان تصديق.
وقوله لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ بيان لمصدره.
أى: هذا الكتاب لا ريب ولا شك في كونه منزلا على رسوله محمد ﷺ من الله- تعالى- رب العالمين.
وفصلت جملة لا رَيْبَ فِيهِ عما قبلها لأنها مؤكدة له، ومقررة لمضمونه.
ونفى- سبحانه- عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق: مع وقوع الريب فيه من المشركين، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين، لأنه لروعة بيانه، وسطوع حجته، ووضوح دلائله، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحيا سماويا، ومصدر هداية وإصلاح.
стр. 2793
فجملة لا رَيْبَ فِيهِ تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم.
وقوله- سبحانه أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ انتقال من بيان كون القرآن من عند الله، إلى بيان مزاعمهم فيه.
وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام، أى: بل أيقولون إن محمدا ﷺ هو الذي أتى بهذا القرآن من عند نفسه لا من عند الله.
وقوله قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. أمر من الله- تعالى- لنبيه ﷺ بأن يرد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم.
أى: قل لهم: يا محمد على سبيل التبكيت والتحدي: إن كان الأمر كما زعمتم من أنى أنا الذي اختلقت هذا القرآن، فأتوا أنتم يا فصحاء العرب بسورة مثل سوره في البلاغة والهداية وقوة التأثير، وقد أبحت لكم مع ذلك أن تدعوا لمعاونتكم ومساعدتكم في بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله- تعالى- وجاءت كلمة «سورة» منكرة، للإشارة إلى أنه لا يطالبهم بسورة معينة، وإنما أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل سور القرآن، حتى ولو كانت كأصغر سورة منه.
والضمير في مِثْلِهِ يعود إلى القرآن الكريم، والمراد بمثله هنا: ما يشابهه في حسن النظم، وجمال الأسلوب، وسداد المعنى، وقوة التأثير.
وقوله: وَادْعُوا من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى نادوهم.
وكلمة مَنِ في قوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ تشمل آلهتهم وبلغاءهم وشعراءهم وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة.
وكلمة دُونِ هنا بمعنى غير أى: ادعوا لمساعدتكم كل من تستطيعون دعوته غير الله- تعالى- فإنه وحده القادر على أن يأتى بمثله.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جملة شرطية، وجوابها محذوف لدلالة الكلام السابق عليه، أى: إن كنتم صادقين في دعواكم أنى افتريت هذا القرآن، فهاتوا سورة مثله مفتراة، فإنكم مثلي في العربية والفصاحة.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم، وأرخت لهم الحبل، وعرضت بعدم صدقهم، حتى تتوافر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
стр. 2794
قال الآلوسى: «هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن، لأنه ﷺ تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه، فلم يأتوا بذلك، وإلا فلو أتوا بذلك لنقل إلينا، لتوفر الدواعي على نقله» «١» .
هذا وقد عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن فقال: «وقد ثبت هذا التحدي، وثبت العجز عنه، وما يزال ثابتا ولن يزال، والذين يدركون بلاغة هذه اللغة، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان، وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية، والأصول التشريعية، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الحاجة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشرى واحد، أو مجموعة من العقول في جيل واحد أو في جميع الأجيال، ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه.
فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده، ولكنه الإعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والتقسيمات وما إليها ... » «٢» .
ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم، إلى توبيخهم على جهلهم وغباوتهم فقال- تعالى-: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ....
أى: أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه في شأن القرآن الكريم من أقاويل فاسدة، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية، وآداب عالية، وأخبار صادقة، بدون فهم أو تدبر، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره التي لم يهتدوا إلى معرفتها بعد.
قال صاحب الكشاف قوله بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أى: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة أنكرها في أول وهلة، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه، وفساد ما عداه من المذاهب..
стр. 2795
فإن قلت: فما معنى التوقع في قوله: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ؟ قلت: معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل، تقليدا للآباء، وكذبوه بعد التدبر تمردا، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم.
ويجوز أن يكون معنى وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه» «١» .
وقال الآلوسى: وعبر- سبحانه- بقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ دون أن يقال. بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإيذان بكمال جهلهم به، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به، وبأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما في حيز الصلة له، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما، إلا أنه عدل منه إلى ما في النظم الكريم لأنه أبلغ.
ونفى إتيان التأويل بكلمة لَمَّا الدالة على توقع منفيها بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة «لم» لتأكيد الذم، وتشديد التشنيع، فإن الشناعة في تكذيب الشيء، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا» «٢» .
وقوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ تهديد لهم ووعيد على التمادي في العناد.
أى: كما كذب المشركون نبيهم محمدا ﷺ عن جهل وجحود: كذب الذين من قبلهم أنبياءهم، كقوم نوح وعاد وثمود، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر.
قال- تعالى-: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «٣» .
ثم فصل- سبحانه- أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ.
стр. 2796
أى: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى.
وعليه يكون المراد بمن يؤمن به، أولئك الذين وفقهم الله لا تباع الحق عن يقين وإذعان.
وقيل إن المعنى: ومن قومك يا محمد أناس يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند الله، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لانطماس بصيرته، وإيثاره الغي على الرشد.
وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به: أولئك الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه.
وقوله: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أى: وربك أعلم بالمفسدين في الأرض بالشرك والظلم والفجور، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا، ويذيقهم العذاب الذي يستحقونه، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب والعقاب.
وقوله: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إذا ما لج أعداؤه في طغيانهم.
أى: وإن تمادى هؤلاء الأشرار في طغيانهم وفي تكذيبهم لك يا محمد، فقل لهم: أنا مسئول عن عملي أمام الله، وأنتم مسئولون عن أعمالكم أمامه- سبحانه- وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذونى عليه، وأنا برىء كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله عليها.
فالآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من قومه. وإعلام له بأن وظيفته البلاغ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله- تعالى-.
ثم صور- سبحانه- ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة، وغباء مستحكم فقال- تعالى-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ.
أى: ومن هؤلاء المشركين- يا محمد- من يستمعون إليك وأنت تقرأ عليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أو فهم، فهل أنت- يا محمد- في إمكانك أن تسمع الصم، ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم، لأن الأصم العاقل- كما يقول صاحب الكشاف- ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوى الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر.
ومنهم- أيضا- من ينظر إليك، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك، فإن وجهك ليس بوجه كذاب، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا، فهل أنت في إمكانك أن تهدى العمى ولو
стр. 2797
انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم، وانطماس بصيرتهم، بحيث صاروا لا ينتفعون بنعم الله التي أنعم بها عليهم.
فقد وصمهم- سبحانه- يفقدان السمع والبصر والعقل، مع أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، لأنهم لما لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له، صارت هي والعدم سواء.
والاستفهام في الآيتين للإنكار والاستبعاد.
وجواب لو في الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها. أى: أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم في الحالتين؟ كلا لا تستطيع ذلك وإنما القادر على ذلك هو الله وحده.
ثم بين- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أى: إن الله- تعالى- قد اقتضت سننه في خلقه، أن لا يظلمهم شيئا، كأن يعذبهم- مثلا- مع إيمانهم وطاعتهم له، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم.. ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات، واقتراف الموبقات، الموجبة للعقوبات في الدنيا والآخرة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير الله، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله، ووصمتهم بالتسرع في الحكم على شيء لم يحيطوا بعلمه، وأمرت النبي ﷺ أن يثبت على دعوة الحق، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا، وأن الله- تعالى- قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة، وصدق الله إذ يقول: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً.
وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين في الدنيا، ومواقفهم من الدعوة الإسلامية، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر، ومن استعجالهم للعذاب، وعن رد الرسول ﷺ عليهم، فقال- تعالى-:
стр. 2798
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)
وقوله- سبحانه-: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة.
إذ الحشر- كما يقول الراغب- إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها» «١» .
والمراد به هنا: إخراج الناس من قبورهم وجمعهم في الموقف لحسابهم على أعمالهم الدنيوية.
والمقصود بالساعة هنا: المدة القليلة من الزمان، فقد جرت العادة أن يضرب بها المثل في الوقت القصير.
والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم، وذكر هؤلاء المشركين الذين عموا وصموا عن الحق، يوم يجمعهم الله- في الآخرة للحساب والعقاب، فيشتد كربهم، وينسون تلك الملذات والشهوات.. التي استمتعوا بها في الدنيا، حتى لكأنهم لم يلبثوا فيها وفي قبورهم، إلا ساعة من النهار أى: إلا مدة قصيرة من النهار، يتعارفون بينهم، أى: لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم.
وقوله: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا جملة حالية من ضمير الجمع في يحشرهم.
وخصت الساعة بكونها من النهار، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل.
стр. 2799
والمقصود بالتشبيه: بيان أن هذه السنوات الطويلة التي قضاها هؤلاء المشركون في الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا.. قد زالت عن ذاكرتهم في يوم القيامة، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء، حتى لكأن ذلك النعيم الذي تقلبوا فيه دهرا طويلا لم يروه من قبل ...
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في سورة الأحقاف: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ «١» وقوله- سبحانه، في سورة الروم وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ «٢» .
فإن قيل: إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عند ما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا في الدنيا يوما أو بعض يوم، أو عشية أو ضحاها كما في قوله- تعالى-: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ «٣» . وكما في قوله- تعالى- كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها «٤» فكيف نجمع بين هذه الآيات التي اختلفت إجابتهم فيها؟.
فالجواب: أن أهل الموقف يختلفون في تقدير الزمن الذي لبثوه في الدنيا على حسب اختلاف أحوالهم، وعلى حسب أهوال كل موقف، فإن في يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض.
وقوله يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ جملة حالية أيضا من ضمير الجمع في يحشرهم.
قال القرطبي: «وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتني على الكفر، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف ... والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخي عند مشاهدة أهوال القيامة، لقوله- تعالى- وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ...
فأما قوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً وأشباهه فمعناه: لا يسأله سؤال رحمة وشفقة..» «٥» .
وقوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ جملة مستأنفة مسوقة لبيان
стр. 2800
حكم الله عليهم في آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم.
والمراد بلقاء الله: مطلق الحساب والجزاء الكائن في يوم القيامة.
أى: أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر، قد خسروا سعادتهم الأبدية، وحق عليهم العذاب المهين، بسبب كفرهم وطغيانهم، وعدم اهتدائهم إلى طريق النجاة.
وقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ تأكيد لخسرانهم، ولوقوع العذاب بهم، وتسلية للرسول ﷺ عما أصابه منهم و «إن» شرطية. و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، وجملة فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ جواب للشرط وما عطف عليه.
والمعنى: إن هؤلاء المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم لا يخفى علينا أمرهم ونحن إما نرينك ببصرك بعض الذي نعدهم به من العذاب الدنيوي، وإما نتوفينك، قبل ذلك، وفي كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا وحدنا في الآخرة، فنعاقبهم العقوبة التي يستحقونها.
وقال- سبحانه- بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ للإشارة إلى أن ما ينزل بهم من عذاب دنيوى، هو جزء من العذاب المدخر لهم في الآخرة.
وقد أنجز الله- تعالى- وعده لنبيه ﷺ فسلط عليهم القحط والمجاعة، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون كأن بينهم وبين السماء دخانا. ونصر المسلمين عليهم في غزوتى بدر والفتح، وكل ذلك حدث في حياة النبي ﷺ .
وقال- سبحانه- بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ولم يقل بعض الذي وعدناهم، لاستحضار صورة العذاب، والدلالة على تجدده واستمراره.
أى: نعدهم وعدا متجددا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا، من إنذار عقب إنذار، ومن وعيد بعد وعيد.
والمراد من الشهادة في قول ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ لازمها وهو المعاقبة والمجازاة، فكأنه- سبحانه- يقول: ثم الله- تعالى- بعد ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات، وما يرتكبونه من منكرات.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين فما معنى ثم؟
قلت: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، فكأنه قال: ثم الله معاقبهم على ما يفعلون. ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين ينطق
стр. 2801
جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم» «١» .
هذا، وفي معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «٢» وقوله- تعالى- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ «٣» ثم بين- سبحانه- أن من مظاهر رحمته بعباده، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال- تعالى-: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
أى: أنه- سبحانه- اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به، قضى- سبحانه- بينه وبينهم بالعدل، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر، ولا يظلم ربك أحدا.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية «فكل أمة تعرض على الله- تعالى- بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها- صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين» «٤» .
وقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم.
أى: أن هؤلاء لم يكتفوا بالإعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم ﷺ الذي حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا في كفرهم: متى يقع علينا هذا العذاب الأليم الذي تهددنا؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين في دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا.
وهذا القول منهم يدل على توغلهم في الكفر والجحود، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول ﷺ .
стр. 2802
ولذا أمر الله تعالى: رسوله ﷺ أن يرد عليهم فقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ....
أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعجلين للعذاب: إننى لا أملك لنفسي- فضلا عن غيرها- شيئا من الضر فأدفعه عنها، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها، لكن الذي يملك ذلك هو الله وحده، فهو- سبحانه- الذي يملك أن ينزل العذاب بكم في أى وقت يشاء، فلماذا تطلبون منى ما ليس في قدرتي. وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا.
ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى: قل لهم يا محمد إننى لا أملك لنفسي شيئا من الضر أو النفع، إلا ما شاء الله- تعالى- أن يجعلني قادرا عليه منهما، فإننى أملكه بمشيئته وإرادته.
وقدم- سبحانه- الضر على النفع هنا، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين، الذين تعجلوا نزول العذاب الذي هو نوع من الضر.
أما الآية التي في سورة الأعراف، وهي قوله- تعالى- قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.. فقد قدم فيها النفع على الضر، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة في ذاتها.
وهي أن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في هذا الكون، وللإشعار بأن النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإنسان.
وقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ تأكيد لما قبله، وتقرير لقدرة الله- تعالى- النافذة.
أى: لكل أمة من الأمم أجل قدره الله- تعالى- لانتهاء حياتها، فإذا حان وقت هذا الأجل هلكت في الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو تتأخر أخرى.
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التي لقنها الله- تعالى- لرسوله- ﷺ لكي يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عند ما يرون العذاب، فقال- تعالى-:
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٠ الى ٥٤]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)
стр. 2803
وقوله «أرأيتم» بمعنى أخبرونى. وكلمة أرأيت تستعمل في القرآن للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤداه: أرأيت كذا أو عرفته؟ إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرنى عنه.
ولما كانت الرؤية للشيء سببا لمعرفته وللإخبار عنه، أطلق السبب وأريد المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية.
وقوله: بياتا أى: ليلا، ومنه البيت لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت بيتا وبياتا.
والمعنى: أخبرونى أيها الجاهلون الحمقى: أى دافع جعلكم تستعجلون نزول العذاب؟ إن وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، ولا يمكن أن يتعجله عاقل، لأنه- كما يقول صاحب الكشاف-: كل مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!! وقال- سبحانه- بَياتاً ولم يقل ليلا، للإشعار بمجيء العذاب في وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به، فهم قد يقضون جانبا من الليل في اللهو واللعب، ثم ينامون فيأتيهم العذاب في هذا الوقت الذي هجعوا فيه.
فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه.
ولذا قال القرطبي: «قوله: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ استفهام معناه التهويل
стр. 2804
والتعظيم. أى: ما أعظم ما يستعجلون به. كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته: ماذا تجنى على نفسك» «١» .
وجواب الشرط لقوله: إِنْ أَتاكُمْ ... محذوف والتقدير: إن أتاكم عذابه في أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شيء هذه نتائجه؟
وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال: فإن قلت: فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟ قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ- فضلا عن أن يستعجله- ويجوز أن يكون ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني «٢» .
وقوله- سبحانه- أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... زيادة في تجهيلهم وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف، وثُمَّ حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي وجيء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد.
والمعنى: إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون، لأنكم قبل وقوع العذاب تتعجلون وقوعه، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله. وذقتم مرارته.. آمنتم بأنه حق، وتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر.
وقوله: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ قصد به زيادة إيلامهم وحسرتهم ولفظ آلْآنَ ظرف زمان يدل على الحال الحاضرة، وهو في محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر.
أى: قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم بأنه حق؟ مع أنكم قبل ذلك كنتم به تستهزءون، وتقولون للرسول ﷺ ولأتباعه: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ألا فلتعلموا: أن إيمانكم في هذا الوقت غير مقبول، لأنه جاء في غير أوانه، وصدق الله إذ يقول: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ «٣» .
وقوله: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
стр. 2805
تأكيد لتوبيخهم وتأنيبهم بعد أن نزل بهم العذاب، وهو معطوف على لفظ «قيل» المقدر قبل لفظ آلْآنَ.
أى: قيل لهم: آلآن آمنتم بأن العذاب حقيقة بعد أن كنتم به تستعجلون؟ ثم قيل لهؤلاء الظالمين الذين أصروا على الكفر واقتراف المنكرات: ذوقوا عذاب الخلد أى العذاب الباقي الدائم، إذ الخلد والخلود مصدر خلد الشيء إذا بقي على حالة واحدة لا يتغير.
والاستفهام في قوله: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ للنفي والإنكار. أى لا تجزون إلا بالجزاء المناسب لما كنتم تكسبونه في الدنيا من كفر بالحق، وإيذاء للدعاة إليه، وتكذيب بوحي الله- تعالى-.
ثم قال- سبحانه- وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ النبأ: كما يقول الراغب. خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن «١» .
والاستنباء: طلب الأخبار الهامة.
أى: إن هؤلاء الضالين يطلبون منك- أيها الرسول الكريم- على سبيل التهكم والاستهزاء، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذي توعدتهم به، أهو واقع بهم على سبيل الحقيقة، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإرهاب والتهديد؟
وقوله: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إلى الجواب الذي يرد به عليهم.
ولفظ إِي بكسر الهمزة وسكون الياء- حرف جواب وتصديق بمعنى نعم، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم.
أى: قل لهم يا محمد: نعم وحق ربي إن العذاب الذي أخبرتكم به لا محيص لكم عنه وما أنتم بمعجزى الله- تعالى- إذا أراد أن ينزله بكم في أى وقت يريده، بل أنتم في قبضته وتحت سلطانه وملكه، فاتقوا الله، بأن تخلصوا له العبادة، وتتبعوا رسوله ﷺ فيما جاءكم به من عنده- سبحانه-.
وقد أكد سبحانه- الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد، لأنهم كانوا قوما ينكرون أشد الإنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار.
قال ابن كثير: «وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله- تعالى- رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد، أما الآية الأولى فهي قوله