← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم» «١» . هذا، وفي معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «٢» وقوله- تعالى- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ «٣» ثم بين- سبحانه- أن من مظاهر رحمته بعباده، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال- تعالى-: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. أى: أنه- سبحانه- اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به، قضى- سبحانه- بينه وبينهم بالعدل، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر، ولا يظلم ربك أحدا. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية «فكل أمة تعرض على الله- تعالى- بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها- صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين» «٤» . وقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم. أى: أن هؤلاء لم يكتفوا بالإعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم ﷺ الذي حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا في كفرهم: متى يقع علينا هذا العذاب الأليم الذي تهددنا؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين في دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا. وهذا القول منهم يدل على توغلهم في الكفر والجحود، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول ﷺ .

стр. 2802

ولذا أمر الله تعالى: رسوله ﷺ أن يرد عليهم فقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.... أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعجلين للعذاب: إننى لا أملك لنفسي- فضلا عن غيرها- شيئا من الضر فأدفعه عنها، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها، لكن الذي يملك ذلك هو الله وحده، فهو- سبحانه- الذي يملك أن ينزل العذاب بكم في أى وقت يشاء، فلماذا تطلبون منى ما ليس في قدرتي. وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا. ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى: قل لهم يا محمد إننى لا أملك لنفسي شيئا من الضر أو النفع، إلا ما شاء الله- تعالى- أن يجعلني قادرا عليه منهما، فإننى أملكه بمشيئته وإرادته. وقدم- سبحانه- الضر على النفع هنا، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين، الذين تعجلوا نزول العذاب الذي هو نوع من الضر. أما الآية التي في سورة الأعراف، وهي قوله- تعالى- قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.. فقد قدم فيها النفع على الضر، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة في ذاتها. وهي أن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في هذا الكون، وللإشعار بأن النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإنسان. وقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ تأكيد لما قبله، وتقرير لقدرة الله- تعالى- النافذة. أى: لكل أمة من الأمم أجل قدره الله- تعالى- لانتهاء حياتها، فإذا حان وقت هذا الأجل هلكت في الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو تتأخر أخرى. ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التي لقنها الله- تعالى- لرسوله- ﷺ لكي يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عند ما يرون العذاب، فقال- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٠ الى ٥٤] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)

стр. 2803

وقوله «أرأيتم» بمعنى أخبرونى. وكلمة أرأيت تستعمل في القرآن للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل، فهو استفهام للتنبيه مؤداه: أرأيت كذا أو عرفته؟ إن لم تكن أبصرته أو عرفته فانظره وتأمله وأخبرنى عنه. ولما كانت الرؤية للشيء سببا لمعرفته وللإخبار عنه، أطلق السبب وأريد المسبب فهو مجاز مرسل علاقته السببية والمسببية. وقوله: بياتا أى: ليلا، ومنه البيت لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت بيتا وبياتا. والمعنى: أخبرونى أيها الجاهلون الحمقى: أى دافع جعلكم تستعجلون نزول العذاب؟ إن وقوع العذاب سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، ولا يمكن أن يتعجله عاقل، لأنه- كما يقول صاحب الكشاف-: كل مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!! وقال- سبحانه- بَياتاً ولم يقل ليلا، للإشعار بمجيء العذاب في وقت غفلتهم ونومهم بحيث لا يشعرون به، فهم قد يقضون جانبا من الليل في اللهو واللعب، ثم ينامون فيأتيهم العذاب في هذا الوقت الذي هجعوا فيه. فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه. ولذا قال القرطبي: «قوله: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ استفهام معناه التهويل

стр. 2804

والتعظيم. أى: ما أعظم ما يستعجلون به. كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته: ماذا تجنى على نفسك» «١» . وجواب الشرط لقوله: إِنْ أَتاكُمْ ... محذوف والتقدير: إن أتاكم عذابه في أحد هذين الوقتين أفزعكم وأهلككم فلماذا تستعجلون وقوع شيء هذه نتائجه؟ وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر بعد أن ذكر هذا الوجه فقال: فإن قلت: فهلا قيل ماذا يستعجلون منه؟ قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن من شأن المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ- فضلا عن أن يستعجله- ويجوز أن يكون ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني «٢» . وقوله- سبحانه- أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... زيادة في تجهيلهم وتأنيبهم والهمزة داخلة على محذوف، وثُمَّ حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي وجيء به هنا للدلالة على زيادة الاستبعاد. والمعنى: إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين فيما تطلبون، لأنكم قبل وقوع العذاب تتعجلون وقوعه، فإذا ما وقع وشاهدتم أهواله. وذقتم مرارته.. آمنتم بأنه حق، وتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر. وقوله: آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ قصد به زيادة إيلامهم وحسرتهم ولفظ آلْآنَ ظرف زمان يدل على الحال الحاضرة، وهو في محل نصب على أنه ظرف لفعل مقدر. أى: قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم بأنه حق؟ مع أنكم قبل ذلك كنتم به تستهزءون، وتقولون للرسول ﷺ ولأتباعه: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ألا فلتعلموا: أن إيمانكم في هذا الوقت غير مقبول، لأنه جاء في غير أوانه، وصدق الله إذ يقول: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ «٣» . وقوله: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

стр. 2805

تأكيد لتوبيخهم وتأنيبهم بعد أن نزل بهم العذاب، وهو معطوف على لفظ «قيل» المقدر قبل لفظ آلْآنَ. أى: قيل لهم: آلآن آمنتم بأن العذاب حقيقة بعد أن كنتم به تستعجلون؟ ثم قيل لهؤلاء الظالمين الذين أصروا على الكفر واقتراف المنكرات: ذوقوا عذاب الخلد أى العذاب الباقي الدائم، إذ الخلد والخلود مصدر خلد الشيء إذا بقي على حالة واحدة لا يتغير. والاستفهام في قوله: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ للنفي والإنكار. أى لا تجزون إلا بالجزاء المناسب لما كنتم تكسبونه في الدنيا من كفر بالحق، وإيذاء للدعاة إليه، وتكذيب بوحي الله- تعالى-. ثم قال- سبحانه- وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ النبأ: كما يقول الراغب. خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن «١» . والاستنباء: طلب الأخبار الهامة. أى: إن هؤلاء الضالين يطلبون منك- أيها الرسول الكريم- على سبيل التهكم والاستهزاء، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذي توعدتهم به، أهو واقع بهم على سبيل الحقيقة، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإرهاب والتهديد؟ وقوله: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إلى الجواب الذي يرد به عليهم. ولفظ إِي بكسر الهمزة وسكون الياء- حرف جواب وتصديق بمعنى نعم، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم. أى: قل لهم يا محمد: نعم وحق ربي إن العذاب الذي أخبرتكم به لا محيص لكم عنه وما أنتم بمعجزى الله- تعالى- إذا أراد أن ينزله بكم في أى وقت يريده، بل أنتم في قبضته وتحت سلطانه وملكه، فاتقوا الله، بأن تخلصوا له العبادة، وتتبعوا رسوله ﷺ فيما جاءكم به من عنده- سبحانه-. وقد أكد سبحانه- الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد، لأنهم كانوا قوما ينكرون أشد الإنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار. قال ابن كثير: «وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله- تعالى- رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد، أما الآية الأولى فهي قوله

стр. 2806

- تعالى-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.. «١» وأما الآية الثانية فهي قوله- تعالى-: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.. «٢» . وجملة وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ إما معطوفة على جواب القسم، أو مستأنفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص، وتأكيد وقوع العذاب عليهم. ثم بين- سبحانه- أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال- تعالى-: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ. أى: ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها، جميع ما في الأرض من مال ومتاع، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم القيامة، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدى ذاتها من العذاب المهين. ومفعول لَافْتَدَتْ محذوف. أى لافتدت نفسها به. ولو هنا امتناعية، أى: امتنع افتداء كل نفس ظالمة، لامتناع ملكها لما تفدى به ذاتها وهو جميع ما في الأرض من أموال، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ملكته على سبيل الفرض. وقوله وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ بيان لما انتابهم من حسرات عند مشاهدتهم لأهوال العذاب المعد لهم. وأَسَرُّوا من الإسرار بمعنى الإخفاء والكتمان. يقال: أسر فلان الحديث. أى: خفض صوته به، ويقابله الإعلان والجهر، ومنه قوله- تعالى- وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. والندامة والندم: ما يجده الإنسان في نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو أفعال سيئة، فات أوان تداركها. أى: وأخفى هؤلاء الظالمون الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه، ولا مصرف لهم عنه. قال صاحب الكشاف: «قوله- سبحانه- وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه، ولم يخطر ببالهم، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه، ما سلبهم قواهم، وبهرهم، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم

стр. 2807

والحسرة في القلوب، كما ترى المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب ويغلب، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا. وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم، حياء منهم وخوفا من توبيخهم.. وقيل أسروا الندامة: أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك تجلد» «١» . وقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بيان لعدالة الله في أحكامه بين عباده. أى: وقضى الله- تعالى- بين هؤلاء الظالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، وسعة رحمته، وعلى أنه وحده الذي يملك التحليل والتحريم، ويعلم السر وأخفى فقال- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٥ الى ٦١] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)

стр. 2808

أى: ألا إن لله وحده لا لغيره، ملك ما في السموات وما في الأرض من مخلوقات، وهو- سبحانه- يتصرف فيها وفق إرادته ومشيئته كما يتصرف المالك فيما يملكه، فهو يعطى من يشاء ويغفر لمن يشاء، ويتوب على من يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ. وقوله: أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أى: ألا إن كل ما وعد الله به الناس من ثواب وعقاب وغيرهما، ثابت ثبوتا لا ريب فيه، وواقع وقوعا لا محيص عنه. وصدرت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح أَلا الدالة على التنبيه، لحض الغافلين عن هذه الحقيقة على التذكر والاعتبار والعودة إلى طريق الحق. وأعيد حرف التنبيه في جملة أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لتمييزها بهذا التنبيه عن سابقتها، لأنها مقصودة بذاتها: إذ أن المشركين كانوا يظنون أن ما وعدهم به الرسول ﷺ هو من باب الترغيب والترهيب وليس من باب الحقائق الثابتة. ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أى ولكن أكثر هؤلاء الناس الذين بعثت إليهم يا محمد، لا يعلمون ما جئت به علما نافعا لسوء استعدادهم، وضعف عقولهم، وخبث نفوسهم. وقال أَكْثَرَهُمْ: إنصافا للقلة المؤمنة التي علمت الحق فاتبعته وصدقته، ووقفت إلى جانب الرسول ﷺ تؤيده وتفتدى دعوته بالنفس والمال. وقوله: هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بيان لكمال قدرته، إثر بيان عظم ملكوته، ونفاذ وعده. أى: هو- سبحانه- الذي يحيى من يريد إحياءه ويميت من يريد إماتته وإليه وحده ترجعون جميعا، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم وجه- سبحانه- نداء إلى الناس، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم، من خيرات وبركات فقال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ

стр. 2809

رَبِّكُمْ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. والموعظة معناها: التذكير بالتزام الحق والخير، واجتناب الباطل والشر، بأسلوب يلين القلوب، ويرقق النفوس. والشفاء: هو الدواء الشافي من كل ما يؤذى، ويجمع على أشفيه. والهدى: هو الإرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية، والرحمة معناها الإحسان، أو إرادة الإحسان. والمعنى: يا أيها الناس قد جاءكم من الله- تعالى- كتاب جامع لكل ما تحتاجون اليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب، وتخشع لها النفوس. وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم. ومن هداية لكم إلى طريق الحق والخير، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم الى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات. وجاء هذا الإرشاد والتوجيه عن طريق النداء، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب، وأكمل بيان، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويتنبهوا من غفلتهم. ووصفت الموعظة بأنها من ربكم. لتذكيرهم بما يزيدها تعظيما وقبولا، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب، وإنما هي صادرة من خالق النفوس ومربيها، العليم بما يصلحها ويشفيها. وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين، لأنهم هم المستحقون لها، بسبب إيمانهم وتقواهم. قال الآلوسى ما ملخصه: «واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية، فقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إنى اشتكى صدري، فقال- ﵊: «اقرأ القرآن، يقول الله- تعالى- شفاء لما في الصدور» . وأخرج البيهقي في الشعب عن وائلة بن الأسفع أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ وجع حلقه، فقال له: «عليك بقراءة القرآن» . وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم، والخبر الثاني لا يدل عليه، إذ ليس فيه أكثر من أمره ﷺ الشاكي بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه. ونحن لا ننكر أن لقراءة القرآن بركة، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك.

стр. 2810

والخبر الأول وإن كان ظاهرا في المقصود، لكن ينبغي تأويله، كأن يقال: لعله ﷺ اطلع على أن في صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا، قد صار سببا للمرض الحسى البدني، فأمره ﷺ بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثاني. والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: إن الله- تعالى- جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم، والحق ما ذكرنا» «١» . وقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ حض للناس على اغتنام ما في تعاليم الإسلام من خيرات، وإيثارها على ما في الدنيا من شهوات. أى: قل يا محمد لمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة: اجعلوا فرحكم الأكبر، وسروركم الأعظم، بفضل الله الذي شرع لكم هذا الدين على لسان رسوله محمد ﷺ ، وبرحمته التي وسعت كل شيء وهي بالمؤمنين أوسع، لا بما تجمعون في هذه الدنيا من أموال زائلة ومتع فانية. وقد فسر بعضهم فضل الله ورحمته بالقرآن، ومنهم من فسر فضل الله بالقرآن، ورحمته بالإسلام. ومنهم من فسرهما بالجنة والنجاة من النار. ولعل تفسير هما بما يشمل كل ذلك أولى: لأنه لم يرد نص صحيح عن الصادق المصدوق ﷺ يحدد المراد منهما، وما دام الأمر كذلك فحملهما على ما يشمل الإسلام والقرآن والجنة أولى. قال ابن كثير: قوله- تعالى- قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أى: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى مما يفرحون به من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية والذاهبة لا محالة. فعن أيفع بن عبد الكلاعى قال: لما قدم خراج العراق إلى عمر- رضى الله عنه- خرج عمر ومولى له، فجعل يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله- تعالى- ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله- تعالى- قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «٢» .

стр. 2811

أى: ليس هذا المال هو المعنى بهذه الآية، وإنما فضل الله ورحمته يتمثل فيما جاءهم من الله- تعالى- من دين قويم، ورسول كريم، وقرآن مبين. ودخلت الباء على كل من الفضل والرحمة، للإشعار باستقلال كل منهما بالفرح به. والجار والمجرور في كل منهما متعلق بمحذوف، وأصل الكلام: قل لهم يا محمد ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة الاختصاص، وأدخلت الفاء لإفادة السببية، فكأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليكن بسبب ما أعطاهم الله- تعالى- من فضل ورحمة، لا بسبب ما يجمعون من زينة الحياة الدنيا. قال القرطبي: «والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذم الله الفرح في مواضع، كقوله- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وكقوله إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ولكنه مطلق. فإذا قيد الفرح لم يكن ذما، لقوله- تعالى- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وكقوله- سبحانه- هنا فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أى بالقرآن والإسلام فليفرحوا ... » «١» . ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أى: قل لهم يا محمد- أيضا- أخبرونى أيها المبدلون لشرع الله على حسب أهوائكم: إن الله- تعالى- قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم، وقسمتم هذا الرزق الحلال، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما. وقد حكى الله- تعالى- فعلهم هذا في آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا «٢» . قال الإمام ابن كثير: «قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله- تعالى-: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ... الآيات. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا رث الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم. قال: من أى المال؟ قال: قلت: من كل

стр. 2812

المال. من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك. قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل. ساعد الله أشد من ساعدك. وموسى الله أحد من موساك» «١» . وقوله: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ استفهام قصد به التوبيخ والزجر أى: قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر: إن الله وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم، فهل هو- سبحانه- أذن لكم في ذلك، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم. لأنه لو أذن لكم في ذلك لبينه على لسان رسوله ﷺ . قال صاحب الكشاف: «وقوله: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ متعلق بأرأيتم، وقل تكرير للتوكيد. والمعنى أخبرونى آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء. ثم قال: وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله» «٢» . ثم توعدهم- سبحانه- بسوء المصير على جرأتهم وكذبهم فقال وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ.... أى: هؤلاء الذين أحلوا وحرموا افتراء على الله ماذا يظنون أن الله سيفعل بهم يوم القيامة؟ أيظنون أن الله سيتركهم بدون عقاب؟ كلا إن عقابهم لشديد بسبب افترائهم عليه الكذب. وأبهم- سبحانه- هذا العقاب للتهويل والتعظيم، حيث أباحوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله- تعالى-: وقال- سبحانه- وَما ظَنُّ ... بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع، وأكثر أحوال القيامة يعبر عنها بهذه الصيغة لهذا الغرض. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ تذييل قصد به حض الناس على شكر خالقهم، واتباع شريعته فيما أحل وحرم.

стр. 2813

أى: إن الله لذو فضل عظيم على عباده، حيث خلقهم ورزقهم، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على هذه النعم، لأنهم يستعملونها في غير ما خلقت له. وبعد أن ذكر- سبحانه- عباده بفضله، وما يجب عليهم من شكره، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير في هذا الكون فقال: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ. وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً.... أى: وما تكون- أيها الرسول الكريم- في شأن من الشئون أو في حال من الأحوال. وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدى الى الرشد. ولا تعملون- أيها الناس- عملا ما صغيرا أو كبيرا، إلا كنا عليكم مطلعين. ومن في قوله مِنْهُ للتعليل، والضمير يعود إلى الشأن، إذ التلاوة أعظم شئونه ﷺ ولذا خصت بالذكر. ويجوز أن يعود للقرآن الكريم، ويكون الإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه، وتعظيم أمره. ومن في قوله مِنْ قُرْآنٍ مزيدة لتأكيد النفي. وقال الآلوسى: «والخطاب الأول خاص برأس النوع الإنسانى، وسيد المخاطبين ﷺ هذا. وقوله وَلا تَعْمَلُونَ ... عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعي في كل من المقامين ما يليق به، فعبر في مقام الخصوص في الأول بالشأن، لأن عمل العظيم عظيم، وفي الثاني بالعمل العام للجليل والحقير. وقيل: الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ. وقوله: إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة. أى: وما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له» «١» . وقوله: إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ أى: تخوضون وتندفعون في ذلك العمل، لأن الإفاضة في الشيء معناها الاندفاع فيه بكثرة وقوة. وقوله: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ بيان لشمول علمه- سبحانه- لكل شيء.

стр. 2814

ويعزب: أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم: عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب في طلب الكلأ والعشب. والكلام على حذف مضاف. أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة في الوجود علويه وسفليه ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا وهو معلوم ومسجل عنده في كتاب عظيم الشأن، تام البيان. وقوله: مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ تمثيل لقلة الشيء ودقته، ومن فيه لتأكيد النفي وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام في حال أهلها، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه- سبحانه- بتفاصيلها. فكأنه- سبحانه- يقول: إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم ﷺ . وقوله: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ جملة مستقلة ليست معطوفة على ما قبلها. ولا نافية للجنس وأَصْغَرَ اسمها منصوب لشبهه بالمضاف، وأَكْبَرَ معطوف عليه. وفِي كِتابٍ مُبِينٍ متعلق بمحذوف خبرها. وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم في سياق العلم بما خفى من الأمور. وقرأ حمزة ويعقوب وخلف وَلا أَصْغَرَ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: ولا ما هو أصغر من ذلك. والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذي وسع كل شيء، أو اللوح المحفوظ الذي حفظ الله فيه كل شيء. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله- تعالى- لكل شيء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه- سبحانه- وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور. وبعد أن وجه- سبحانه- نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء في القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه. بعد كل ذلك، بشر أولياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير، ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم فقال- تعالى-:

стр. 2815

[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٢ الى ٧٠] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) والأولياء: جمع ولى مأخوذ من الولي بمعنى القرب والدنو، يقال: تباعد فلان من بعد ولى أى: بعد قرب.

стр. 2816

والمراد بهم: أولئك المؤمنون الصادقون الذي صلحت أعمالهم، وحسنت بالله- تعالى- صلتهم، فصاروا يقولون ويفعلون كل ما يحبه، ويجتنبون كل ما يكرهه. قال الفخر الرازي: «ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه. «١» والقرب من الله إنما يتم إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفته، فإن رأى رأى دلائل قدرته، وإن سمع سمع آيات وحدانيته، وإن نطق نطق بالثناء عليه، وإن تحرك تحرك في خدمته، وإن اجتهد اجتهد في طاعته، فهنالك يكون في غاية القرب من الله- تعالى- ويكون وليا له- سبحانه-. وإذا كان كذلك كان الله- وليا له- أيضا- كما قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وقد افتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح أَلا وبحرف التوكيد إِنَّ لتنبيه الناس إلى وجوب الاقتداء بهم، حتى ينالوا ما ناله أولئك الأولياء الصالحون من سعادة دنيوية وأخروية. وقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ تمييز لهم عن غيرهم ممن لم يبلغوا درجتهم. والخوف: حالة نفسية تجعل الإنسان مضطرب المشاعر لتوقعه حصول ما يكرهه. والحزن اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه. أى: أن الخوف يكون من أجل مكروه يتوقع حصوله، بينما الحزن يكون من أجل مكروه قد وقع فعلا. والمعنى: ألا إن أولياء الله الذين صدق إيمانهم، وحسن عملهم، لا خوف عليهم من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم من الدنيا، لأن مقصدهم الأسمى رضا الله- سبحانه-، فمتى فعلوا ما يؤدى إلى ذلك هان كل ما سواه. وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ استئناف مسوق لتوضيح حقيقتهم فكأن سائلا قال: ومن هم أولياء الله؟ فكان الجواب هم الذين توفر فيهم الإيمان الصادق، والبعد التام عن كل ما نهى الله- تعالى- عنه. وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضي، للإشارة إلى أنه إيمان ثابت راسخ. لا تزلزله الشكوك، ولا تؤثر فيه الشبهات.

стр. 2817

وعبر عن تقواهم بالفعل الدال على الحال والاستقبال للإيذان بأن اتقاءهم وابتعادهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال، يتجدد ويستمر دون أن يصرفهم عن تقواهم وخوفهم منه- سبحانه- ترغيب أو ترهيب. وقوله- سبحانه-هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ زيادة تكريم وتشريف لهم. والبشرى والبشارة: الخبر السار، فهو أخص من الخبر، وسمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة وهي ظاهر جلد الإنسان، فيجعله متهلل الوجه، منبسط الأسارير، مبتهج النفس. أى: لهم ما يسرهم ويسعدهم في الدنيا من حياة آمنة طيبة، ولهم- أيضا- في الآخرة ما يسرهم من فوز برضوان الله، ومن دخول جنته. قال الآلوسى ما ملخصه: «والثابت في أكثر الروايات، أن البشرى في الحياة الدنيا، هي الرؤيا الصالحة.. فقد أخرج الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي.. وغيرهم عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله- تعالى-هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» . وقيل المراد بالبشرى: البشرى العاجلة نحو النصر والغنيمة والثناء الحسن، والذكر الجميل، ومحبة الناس، وغير ذلك. ثم قال: وأنت تعلم أنه لا ينبغي العدول عما ورد عن رسول الله ﷺ في تفسير ذلك إذا صح. وحيث عدل من عدل لعدم وقوفه على ذلك فيما أظن، فالأولى أن تحمل البشرى في الدارين على البشارة بما يحقق نفى الخوف والحزن كائنا ما كان ... » «١» . وقوله: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أى: لا تغيير ولا خلف لأقوال الله- تعالى- ولا لما وعد به عباده الصالحين من وعود حسنة، على رأسها هذه البشرى التي تسعدهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. واسم الإشارة في قوله- تعالى-لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعود إلى ما ذكر من البشرى في الدارين. أى: ذلك المذكور من أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه، والذي لا يفوقه نجاح أو فضل.

стр. 2818

هذا، وقد نقل الشيخ القاسمى- ﵀ كلاما حسنا من كتاب «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» فقال ما ملخصه: هذه الآيات أصل في بيان أولياء الله، وقد بين- سبحانه- في كتابه، وبين رسوله في سنته أن لله أولياء من الناس، كما أن للشيطان أولياء. وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون. كما في هذه الآية، وفي الحديث الصحيح: «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، أو فقد آذنته بالحرب..» والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضلهم محمد ﷺ خاتم النبيين.. فلا يكون وليا إلا من آمن به واتبعه، ومن خالفه كان من أولياء الشيطان ... وإذا كان أولياءه الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله- تعالى- فمن كان أكمل إيمانا وتقوى، كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله- بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض، ولا يجتنب المحارم، كان كاذبا في دعواه، أو كان مجنونا. وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحلق شعر أو تقصير.. بل يوجدون في جميع طبقات الأمة. فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم، وفي أهل الجهاد والسيف، وفي التجار والزراع والصناع ... وليس من شرط الولي أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين..» «١» . وبعد أن بين- سبحانه- ما عليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية، أتبع ذلك بتسلية الرسول ﷺ عما لقيه من أعدائه من أذى فقال:، وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أى: ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعداؤك في شأنك، من أنك ساحر أو مجنون، لأن قولهم هذا إنما هو من باب حسدهم لك، وجحودهم لدعوتك.

стр. 2819

والنهى عن الحزن- وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه- المراد به هنا النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، ويصعب نسيانها. وفي هذه الجملة الكريمة تسلية له ﷺ وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور، حتى لا يتأثر بها عند وقوعها. وقوله: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل للنهى على طريقة الاستئناف، فكأنه ﷺ قد قال: وما لي لا أحزن وهم قد كذبوا دعوتي؟ فكان الجواب: إن الغلبة كلها، والقوة كلها لله وحده لا لغيره، فهو- سبحانه- القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك منهم، وهو السَّمِيعُ، لأقوالهم الباطلة، الْعَلِيمُ بأفعالهم القبيحة، وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقابا أليما. ولا تعارض بين قوله- سبحانه- إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وبين قوله في آية أخرى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «١» ، لأن كل عزة لغيره- سبحانه- فهي مستمدة من عزته، وكل قوة من تأييده وعونه، والرسول ﷺ والمؤمنون، إنما صاروا أعزاء بفضل ركونهم إلى عزة الله- تعالى- وإلى الاعتماد عليه، وقد أظهرها- سبحانه- على أيديهم تكريما لهم. ولذا قال القرطبي «٢» ﵀ قوله: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أى: القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصرك ومعينك ومانعك. وجَمِيعاً نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فإن كل عزة بالله فهي كلها لله، قال- سبحانه- سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ «٣» . ثم قال- تعالى- أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أى: ألا إن لله وحده ملك جميع من في السموات ومن في الأرض من إنس وجن وملائكة. وجاء التعبير القرآنى هنا بلفظ مَنْ الشائع في العقلاء، للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم، لأنهم إذا كانوا مع شرفهم وعلو منزلتهم مملوكين لله- تعالى- كان غيرهم ممن لا يعقل أولى بذلك. قال صاحب الكشاف قوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعنى العقلاء

стр. 2820

المميزين وهم الملائكة والثقلان، وإنما خصهم بالذكر ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، فهم عبيد كلهم، وهو- سبحانه- ربهم، ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكا له فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا وشريكا، وليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنس، فضلا عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر» «١» . وقوله: وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ. أى: وما يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم لغير الله شركاء في الحقيقة، وإنما يتبعون أشياء أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلا منهم، لأن الله- تعالى- تنزه وتقدس عن أن يكون له شريك أو شركاء في ملكه أو في عبادته. وعلى هذا التفسير تكون ما في قوله وَما يَتَّبِعُ نافية، وقوله شُرَكاءَ مفعول يتبع، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ما قبله عليه، أى: وما يتبع الذين يدعون من دون الله آلهة شركاء. ويجوز أن تكون ما استفهامية منصوبة بقوله يَتَّبِعُ، ويكون قوله شُرَكاءَ منصوب بقوله يَدْعُونَ وعليه يكون المعنى. أى شيء يتبع هؤلاء المشركون في عبادتهم؟ إنهم يعبدون شركاء سموهم بهذا الاسم من عند أنفسهم، أما هم في الحقيقة فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. وقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أى: ما يتبعون في عبادتهم لغير الله إلا الظن الذي لا يغنى عن الحق شيئا، وإلا الخرص المبنى على الوهم الكاذب، والتقدير الباطل. وأصل الخرص: الحزر والتقدير للشيء على سبيل الظن لا على سبيل الحقيقة. قال الراغب: وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص، سواء أكان مطابقا للشيء أم مخالفا له، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص في خرصه- أى: كفعل من يخرص الثمر على الشجر- وكل من قال قولا على هذا النحو قد يسمى كاذبا وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه.

стр. 2821

وقيل: الخرص: الكذب كما في قوله- تعالى- وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أى يكذبون «١» . ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر نعمه على عباده فقال- تعالى- هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً.... أى: الله وحده- سبحانه- هو الذي جعل لكم الليل مظلما، لكي تستقروا فيه بعد طول الحركة في نهاركم من أجل معاشكم، وهو الذي جعل لكم النهار مضيئا لكي تبصروا فيه مطالب حياتكم. والجملة الكريمة بيان لمظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده، بعد بيان سعة علمه، ونفاذ قدرته، وشمولها لكل شيء في هذا الكون. وقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أى: إن في ذلك الجعل المذكور لدلائل واضحات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم سماع تدبر وتعقل، يدل على سعة رحمة الله- تعالى- بعباده، وتفضله عليهم بالنعم التي لا تحصى. ثم شرع- سبحانه- في بيان أقبح الرذائل التي تفوه بها المشركون فقال: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً..... والمراد بهؤلاء القائلين: اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله- والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وكفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وغيرهم ممن نحا نحوهم في تلك الأقوال الشائنة. وقوله: سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تنزيه له- عما قالوا، في حقه من أقاويل باطلة. أى: تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، لأنه هو الغنى بذاته عن الولد وعن كل شيء، وهو المالك لجميع الكائنات علويها وسفليها، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره، وغيره محتاج إليه، وخاضع لسلطان قدراته. قال- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ

стр. 2822

عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً «١» . وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا تجهيل لهم ورد عليهم. وإِنْ هنا نافية، ومِنْ مؤكدة لهذا النفي، ومفيدة للعموم. والسلطان: الحجة والبرهان. أى: ما عندكم دليل ولا شبهة دليل على ما زعمتموه من أن لله ولدا، وإنما قلتم ما قلتم لانطماس بصيرتكم، واستحواذ الشيطان على نفوسكم. وقوله- سبحانه- أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ توبيخ آخر لهم على جهلهم وكذبهم. أى: أتقولون على الله- تعالى- قولا، لا علم لكم به، ولا معرفة لكم بحقيقته؟ إن قولكم هذا لهو دليل على جهلكم وعلى تعمدكم الكذب والبهتان. قال الآلوسى: «وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة. وأن العقائد لا بد لها من قاطع، وأن التقليد بمعزل من الاهتداء» «٢» . وقوله: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا على شركهم. أى: قل لهؤلاء المشركين على سبيل الإنذار والتهديد: إن الذين يفترون على الله الكذب بنسبة الولد إليه، والشريك له، لا يفلحون ولا يفوزون بمطلوب أصلا. وقوله- سبحانه- مَتاعٌ فِي الدُّنْيا بيان لتفاهة ما يحرصون عليه من شهوات الحياة الدنيا. وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى: أن ما يتمتعون به في الدنيا من شهوات وملذات، هو متاع قليل مهما كثر، لأنه إلى فناء واندثار. ثم بين- سبحانه- سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال: ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ. أى: ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة، ثم نحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة، ثم نذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم بآياتنا، وتكذيبهم لنبينا ﷺ .

стр. 2823

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد مدحت أولياء الله الصالحين، وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، وأقامت الأدلة على قدرة الله النافذة ورحمته الواسعة، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل أقوالهم، ويفضح مزاعمهم. وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة على وحدانية الله وعلى صدق رسوله ﷺ وعلى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين.. بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم، فبدأت بجانب من قصة نوح- ﵇ مع قومه، وكيف أن الله- تعالى- أغرقهم بعد أن تمادوا في ضلالهم، فقال- سبحانه-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧١ الى ٧٣] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- سبحانه- لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات وفي الجواب عن الشبه والسؤالات، شرع بعد ذلك في بيان بعض قصص الأنبياء- ﵈ لوجوه: أحدها: أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم، فربما حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر، انشرح صدره. ووجد في نفسه رغبة جديدة. وثانيها: ليكون للرسول ﷺ ولأصحابه، أسوة بمن سلف من الأنبياء، فإن

стр. 2824

الرسول ﷺ إذا سمع أن معاملة الكفار لأنبيائهم سيئة.. خف ذلك على قلبه، لأن المصيبة إذا عمت خفت. وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن العاقبة للمتقين كان ذلك سببا في انكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل في نفوسهم. وحينئذ يقلعون عن أنواع الإيذاء والسفاهة ... » «١» . ونوح- ﵇: واحد من أولى العزم من الرسل، وينتهى نسبه إلى شيث بن آدم- ﵇ وقد ذكر في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا. وكان قومه يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد. وقد تكررت قصته مع قومه في سورة الأعراف، وهود، والمؤمنون، ونوح ... بصورة أكثر تفصيلا. أما هنا في سورة يونس فقد جاءت بصورة مجملة، لأن الغرض منها هنا، إبراز جانب التحدي من نوح لقومه، بعد أن مكث فيهم زمانا طويلا، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة غيره. والمعنى: واتل- يا محمد- على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا على افتراء الكذب، نبأ نوح- ﵇ مع قومه المغترين بأموالهم وكثرتهم ليتدبروا ما في هذا النبأ من عظات وعبر. وليعلموا أن سنة الله- تعالى- قد اقتضت أن يجعل العاقبة للمتقين. والمقصود من هذه التلاوة، دعوة مشركي مكة وأمثالهم، إلى التدبر فيما جرى للظالمين من قبلهم، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ويتبعون الدين الحق الذي جاءهم به نبيهم محمد ﷺ . وقوله: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ.. بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا،، وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته،، وتطاول على أتباعه. أى: قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا: يا قوم إن كان كَبُرَ عَلَيْكُمْ. أى: شق وعظم عليكم مَقامِي فيكم ووجودى بين أظهركم عمرا طويلا وَتَذْكِيرِي إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته،، والتي تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه.

стр. 2825

إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت، وإليه وحده فوضت أمرى ولن يصرفني عن الاستمرار في تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم. وخاطبهم- ﵇ بقوله: يا قَوْمِ استمالة لقلوبهم وإشعارا لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر. وجملة فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جواب الشرط. وقيل جواب الشرط محذوف والتقدير: إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإنى على الله وحده توكلت في تبليغ دعوته لكم. وقوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ معطوف على ما قبله. والفعل فَأَجْمِعُوا بقطع الهمزة مأخوذ من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضي فيه بدون تردد أو تقاعس. والمراد بالأمر هنا: المكر والكيد والعداوة وما يشبه ذلك. والمراد بشركائهم: أصنامهم التي عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع والضرر والتمسوا فيها العون والنصرة. والمعنى: أن نوحا- ﵇ قد قال لقومه بصراحة ووضوح: يا قوم إن كان قد شق عليكم مقامي فيكم، وتذكيري بآيات الله الدالة على وحدانيته فاجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وكيد بي، ثم ادعوا شركاءكم ليساعدوكم في ذلك فإنى ماض في طريقي الذي أمرنى الله به، بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام بكيدكم. قال الآلوسى: «وقوله وَشُرَكاءَكُمْ منصوب على أنه مفعول معه لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم. وقيل إنه منصوب العطف على قوله أَمْرَكُمْ بحذف المضاف. أى فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم. وقرأ نافع: فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع وعطف الشركاء على الأمر في هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال: جمعت شركائى، كما يقال جمعت أمرى ... » «١» . وقوله: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. وكلمة غُمَّةً بمعنى الستر والخفاء. يقال: غم على فلان الأمر أى: خفى عليه واستتر. ومنه الحديث الشريف: «صوموا لرؤيته- أى الهلال- وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم

стр. 2826

فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما» أى فإن استتر وخفى عليكم الهلال وحال دون رؤيتكم له حائل من عغيم أو ضباب فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. أى: اجمعوا ما تريدون جمعه لي من مكر وكيد واستعينوا على ذلك بشركائكم ثم لا يكن أمركم، الذي أجمعتم على تنفيذه فيه شيء من الستر أو الخفاء أو الالتباس الذي يجعلكم مترددين في المضي فيه أو متقاعسين عن مجاهرتى بما تريدون فعله معى. ومنهم من يرى أن كلمة غُمَّةً هنا بمعنى الغم كالكربة بمعنى الكرب أى: ثم لا يكن حالكم غما كائنا عليكم بسبب مقامي فيكم وتذكيري إياكم بآيات الله. وقد أشار صاحب الكشاف الى هذين الوجهين فقال: «فإن قلت: ما معنى الأمرين: أمرهم الذي يجمعونه وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟ قلت: أما الأمر الأول فالقصد إلى إهلاكه يعنى: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكى واحتشدوا فيه، وابذلوا وسعكم في كيدي. وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده به ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا. وأما الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم، المكروهة عندهم. يعنى: ثم أهلكونى لئلا يكون عيشكم بسببي غصة عليكم. وحالكم عليكم غمة. أى: غما وهما. والغم والغمة كالكرب والكربة. وثانيهما: أن يراد به ما أريد بالأمر الأول. والغمة السترة من غمه إذا ستره، وفي الحديث «لا غمة في فرائض الله» أى لا تستر ولكن يجاهر بها. يعنى: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا عليكم. ولكن مكشوفا مشهورا تجاهروننى به» «١» . وقوله: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ زيادة في تحديهم وإثارتهم. والقضاء هنا بمعنى الأداء، من قولهم: قضى المدين للدائن دينه، إذا أداه إليه، وقضى فلان الصلاة. أى أداها بعد مضى وقتها. أى: ثم أدوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون أداءه من إيذائى أو إهلاكى بدون إنظار أو إمهال. ويصح أن يكون القضاء هنا بمعنى الحكم، أى: ثم احكموا على بما تريدون من أحكام،

стр. 2827

ولا تتركوا لي مهلة في تنفيذها، بل نفذوها علىّ في الحال. فأنت ترى في هذه الآية الكريمة كيف أن نوحا- ﵇ كان في نهاية الشجاعة في مخاطبته لقومه، بعد أن مكث فيهم ما مكث وهو يدعوهم إلى عبادة الله- تعالى- وحده. فهو- أولا- يصارحهم بأنه ماض في طريقه الذي أمره الله بالمضي فيه، وهو تذكيرهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى وجوب إخلاص العبادة له سواء أشق عليهم هذا التذكير أم لم يشق، وأنه لا اعتماد له على أحد إلا على الله وحده. وهو- ثانيا- يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركائهم وأن يأخذوا أهبتهم لكيده وحربه. وهو- ثالثا- يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون تستر أو خفاء، فإن الأمر لا يحتاج إلى غموض أو تردد، لأن حاله معهم قد أصبح واضحا وصريحا. وهو- رابعا- يأمرهم بأن يبلغوه ما توصلوا إليه من قرارات وأحكام وأن ينفذوها عليه بدون تريث أو انتظار، حتى لا يتركوا له فرصة للاستعداد للنجاة من مكرهم. وهكذا نرى نوحا- ﵇ يتحدى قومه تحديا صريحا مثيرا. حتى إنه ليغريهم بنفسه، ويفتح لهم الطريق لإيذائه وإهلاكه- إن استطاعوا ذلك-. وما لجأ- ﵇ إلى هذا التحدي الواضح المثير إلا لأنه كان معتمدا على الله- تعالى- الذي تتضاءل أمام قوته كل قوة وتتهاوى إزاء سطوته كل سطوة ويتصاغر كل تدبير وتقدير أمام تدبيره وتقديره. وهكذا نرى القرآن الكريم يسوق للدعاة في كل زمان ومكان تلك المواقف المشرفة لرسل الله- عليهم الصلاة والسلام- لكي يقتدوا بهم في شجاعتهم، وفي اعتمادهم على الله وحده، وفي ثباتهم أمام الباطل مهما بلغت قوته، واشتد جبروته. ومتى فعلوا ذلك، كانت العاقبة لهم لأنه- سبحانه- تعهد أن ينصر من ينصره. ولنمض مع القصة حتى النهاية لنرى الدليل على ذلك فقد حكى- سبحانه- ما دار بين نوح وبين قومه بعد هذا التحدي السافر لهم فقال: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أى: فإن أعرضتم- أيها الناس- عن قولي، وعن تذكيري إياكم بآيات الله بعد وقوفكم على أمرى وعلى حقيقة حالي. فما سألتكم من أجر، أى: فإنى ما سألتكم في مقابل تذكيري لكم، أو دعوتي إياكم الى الحق، من أجر تؤدونه لي- إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وحده، فهو الذي يثيبني على قولي وعملي وهو الذي يعطيني من الخير

стр. 2828

ما يغنيني عن أجركم وعطائكم وهو- سبحانه- الذي أمرنى أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أى: المنقادين لأمره. المتبعين لهديه، المستسلمين لقضائه وقدره. ثم بين- سبحانه- العاقبة الطيبة التي آل إليها أمر نوح ﵇ والعاقبة السيئة التي انتهى إليها حال قومه فقال: فَكَذَّبُوهُ أى: فكذب قوم نوح نبيهم نوحا بعد أن دعاهم إلى الحق ليلا ونهارا وسرا وعلانية. فماذا كانت نتيجة هذا التكذيب؟ كانت نتيجته كما حكته السورة الكريمة فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ أى: فنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين، بأن أمرناهم أن يركبوا في السفينة التي صنعوها بأمر الله، حتى لا يغرقهم الطوفان الذي أغرق المكذبين. وقوله: وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ أى: وجعلنا هؤلاء الناجين خلفاء في الأرض لأولئك المغرقين الذين كذبوا نبيهم نوحا- ﵇ وعموا وصموا عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم اليه. هذه هي عاقبة نوح والمؤمنين معه أما عاقبة من كذبوه فقد بينها- سبحانه- في قوله: وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أى: وأغرقنا بالطوفان الذين كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أى: فانظر وتأمل- أيها العاقل- كيف كانت نتيجة تكذيب هؤلاء المنذرين الذين لم تنفع معهم النذر والآيات التي جاءهم بها نبيهم نوح- ﵇. فالمراد بالأمر بالنظر هنا: التأمل والاتعاظ والاعتبار لا مجرد النظر الخالي عن ذلك. وهكذا نجد أن من العبر والعظات التي من أجلها ساق الله- تعالى- قصة نوح- ﵇ بهذه الصورة الموجزة هنا: إبراز ما كان عليه نوح- ﵇ من شجاعة وقوة وهو يبلغ رسالة الله إلى الناس واعتماده التام على خالقه وتوكله عليه وحده وتحديه السافر للمكذبين الذين وضعوا العراقيل والعقبات في طريق دعوته، وتحريضه لهم بمثيرات القول على مهاجمته إن كان في إمكانهم ذلك ومصارحته لهم بأنه في غنى عن أموالهم لأن خالقه- سبحانه- قد أغناه عنهم، وبيان أن سنة الله لا تتخلف ولا تتبدل وهذه السنة تتمثل في أنه- سبحانه- قد جعل حسن العاقبة للمؤمنين وسوء العاقبة للمكذبين. ثم حكت السورة الكريمة أن الله- تعالى- قد أرسل رسلا كثيرين بعد نوح- ﵇ فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه، فقال- تعالى-:

стр. 2829

[سورة يونس (١٠) : آية ٧٤] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) أى: ثم بعثنا من بعد نوح- ﵇ رسلا كثيرين ذوى قدر عظيم إلى أقوامهم، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الايمان فهود- ﵇ أرسلناه إلى قوم عاد، وصالح- ﵇ أرسلناه إلى ثمود، وهكذا أرسلنا رسلا كثيرين إلى أقوامهم. وقوله: فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أى: فأتى كل رسول قومه بالمعجزات الواضحات، وبالحجج الساطعات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقوله- فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ بيان لموقف هؤلاء الأقوام الجاحدين من رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم. وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال: فمنهم من يرى أن الضمائر في «كانوا، ويؤمنوا، وكذبوا» تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح- ﵇ وأن المراد بقوله: مِنْ قَبْلُ أى: من قبل مجيء الرسل إليهم. والمعنى على هذا الرأى: ثم بعثنا من بعد نوح- ﵇ رسلا كثيرين إلى أقوامهم فجاءوهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، إلا أن هؤلاء الأقوام الأشقياء. استمروا على كفرهم وعنادهم، وامتنعوا عن الإيمان بما كذبوا به من قبل مجيء الرسل إليهم وهو إفراد الله- تعالى- بالعبادة والطاعة فكان حالهم في الإصرار على الكفر والجحود قبل مجيء الرسل إليهم، كحالهم بعد أن جاءوهم بالهدى ودين الحق، حتى لكأنهم لم يأتهم من بشير ولا نذير. ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام البيضاوي فقد قال: «قوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أى: فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر، وخذلان الله إياهم.. بما كذبوا به من قبل، أى بسبب تعودهم تكذيب الحق، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل- عليهم الصلاة والسلام-» «١» .

стр. 2830

ومنهم من يرى- أيضا- أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح- ﵇ إلا أن المراد بقوله مِنْ قَبْلُ: أى: من قبل ابتداء دعوة الرسل لهؤلاء الأقوام. وعليه يكون المعنى: ثم بعثنا من بعد نوح- ﵇ رسلا كثيرين إلى أقوامهم، فجاءوهم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم، إلا أن هؤلاء الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم، واستمروا على ذلك حتى آخر أحوالهم معهم، فكان تكذيبهم لهم في آخر أحوالهم معهم، يشبه تكذيبهم لهم من قبل. أى: في أول مجيئهم إليهم. ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى: الإمام ابن كثير فقد قال: «قوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أى: فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم، كما قال- تعالى- وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «١» . ومنهم من يرى أن الضمير في قوله «كانوا ويؤمنوا» يعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح- ﵇ وأن الضمير في قوله «كذبوا» يعود إلى قوم نوح، وعلى هذا الرأى يكون المعنى: ثم بعثنا من بعد نوح- ﵇ رسلا إلى أقوامهم. فجاءوهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا في كفرهم وعنادهم، وأبوا أن يؤمنوا بوحدانية الله التي كذب بها قوم نوح من قبل. ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإمام ابن جرير فقد قال «قوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ يقول: «فما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم وبما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم الخالية..» «٢» . وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة، تدل على أن هؤلاء الأقوام عموا وصموا عن الحق، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات البينات التي جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم. وقوله: كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ بيان لسنة الله- تعالى- في خلقه التي لا تتخلف ولا تتبدل. والطبع: الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج من الشيء ما دخل فيه، ولا يدخل فيه ما خرج منه.

стр. 2831

أى: مثل ذلك الطبع المحكم نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود في الكفر والجحود، وذلك بخذلانهم، وتخليتهم وشأنهم، لانهماكهم في الغواية والضلال. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك، جانبا من قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه، فبدأت بحكاية بعض المحاورات التي دارت بينه وبينهم، فقال- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٥ الى ٧٨] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وقوله- سبحانه- ثُمَّ بَعَثْنا.. معطوف على ما قبله وهو قوله: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ ... من باب عطف القصة على القصة، وهو من قبيل عطف الخاص على العام، لما في هذا الخاص من عبر وعظات. والمعنى: ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الكرام الذين جاءوا لأقوامهم بالأدلة والبينات. مُوسى وَهارُونَ ﵉.. إِلى فِرْعَوْنَ الذي قال لقومه «أنا ربكم الأعلى» وإلى مَلَأَهُ أى: خاصته وأشراف مملكته وأركان دولته، ولذلك اقتصر عليهم، لأن غيرهم كالتابع لهم. بِآياتِنا أى: بعثناهما إليهم مؤيدين بآياتنا، الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلى صدقهما فيما يبلغانه عنا من هدايات وتوجيهات. ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله بِآياتِنا الآيات التسع التي جاء ذكرها في قوله تعالى في سورة الإسراء وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.. «١» .

стр. 2832

قال الجمل: «وتقدم في الأعراف منها ثمانية، ثنتان في قوله- تعالى- فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «١» وقوله: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ «٢» . وواحدة في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ «٣» وخمسة في قوله- تعالى-: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ.... «٤» . والتاسعة في هذه السورة- سورة يونس- في قوله- تعالى-: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ «٥» . ثم بين- سبحانه- موقف فرعون وملئه من دعوة موسى لهم فقال: فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ. والاستكبار: ادعاء الكبر من غير استحقاق، والفاء فصيحة، والتقدير: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه، فأتياهم ليبلغاهم دعوة الله، ويأمراهم بإخلاص العبادة له، فاستكبروا عن طاعتهما، وأعجبوا بأنفسهم، وكانوا قوما شأنهم وديدنهم الإجرام، وهو ارتكاب ما عظم من الذنوب، وقبح من الأفعال. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: فاستكبروا عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها» «٦» . ثم بين- سبحانه- ما تفوهوا به من أباطيل عند ما جاءهم موسى بدعوته فقال: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ. أى: فلما وصل إليهم الحق الذي جاءهم به موسى- ﵇ من عندنا لا من غيرنا قالُوا على سبيل العناد والحقد والغرور إِنَّ هذا الذي جئت به يا موسى لَسِحْرٌ مُبِينٌ أى: لسحر واضح ظاهر لا يحتاج إلى تأمل أو تفكير. والتعبير بقوله جاءَهُمُ يفيد أن الحق قد وصل إليهم بدون تعب منهم، فكان من الواجب عليهم- لو كانوا يعقلون- أن يتقبلوه بسرور واقتناع. وفي قوله مِنْ عِنْدِنا تصوير لشناعة الجريمة التي ارتكبوها في جانب الحق، الذي جاءهم من عند الله- تعالى- لا من عند غيره.

стр. 2833

والمراد بالحق هنا: الآيات والمعجزات التي جاءهم بها موسى- ﵇ لتكون دليلا على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقولهم- كما حكى القرآن عنهم- إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ بالقسم المؤكد: يدل على تبجحهم الذميم، وكذبهم الأثيم، حيث وصفوا الحق الذي لا باطل معه بأنه سحر واضح، وهكذا عند ما تقسو القلوب وتفسق النفوس، تتحول الحقائق في زعمها إلى أكاذيب وأباطيل. ثم حكى القرآن الكريم رد موسى- ﵇ على مفترياتهم فقال: قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ. وفي الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام، والتقدير: قال موسى لفرعون وملئه منكرا عليهم غرورهم وكذبهم، أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ الذي هو أبعد ما يكون عن السحر، حين مشاهدتكم له. أتقولون عنه إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ. يا سبحان الله!! أفلا عقل لكم يحجزكم عن هذا القول الذي يدل على الجهالة والغباء، انظروا وتأملوا أَسِحْرٌ هذا الذي ترون حقيقته بأعينكم، وترتجف من عظمته قلوبكم، والحال أنه لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في أى عمل من شأنه أن يهدى إلى الخير والحق. فقد حذفت جملة إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ لدلالة قوله أَسِحْرٌ هذا عليه. قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: إن هذا لسحر مبين، على أنه سحر فكيف قيل لهم أتقولون: أسحر هذا؟ قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ: أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول، إذا قال بعضهم لبعض ما يسوءه. وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ كأنه قيل: أتقولون ما تقولون: يعنى قولهم: إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا؟ وأن يكون جملة قوله «أسحر هذا ولا يفلح الساحرون» حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا أجئتما إلينا بالسحر تطلبان به الفلاح وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ.. «١» .

стр. 2834

وقال الجمل: «قوله- تعالى- قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ.. أى: قال جملا ثلاثة: الأولى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ والثانية أَسِحْرٌ هذا والثالثة وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ. وقوله لِلْحَقِّ أى في شأنه ولأجله، وقوله لَمَّا جاءَكُمْ أى: حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر، وهذا مما ينافي القول المذكور. وقوله: قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ هنا مقول القول محذوف لدلالة ما قبله عليه، وإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتفوه به. وقوله- سبحانه- حكاية عن موسى أَسِحْرٌ هذا مبتدأ وخبر، وهو استفهام إنكارى مستأنف من جهته- ﵇ تكذيبا لقولهم، وتوبيخا إثر توبيخ، وتجهيلا بعد تجهيل» «١» . وقوله: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ جملة حالية من ضمير المخاطبين، وقد جيء بها تأكيدا للإنكار السابق، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل. أى: أتقولون للحق إنه سحر، والحال أنه لا يفلح فاعله، أى: لا يظفر بمطلوب، ولا ينجو من مكروه، وأنا قد أفلحت، وفزت بالحجة، ونجوت من الهلكة. ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر مبين فقال- تعالى-: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ. واللفت: الصرف واللى يقال: لفته يلفته لفتا، أى: صرفه عن وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال. أى: قال فرعون وملؤه لموسى- ﵇ بعد أن جاءهم بالحق المبين: أجئتنا يا موسى بما جئتنا به لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أى: لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا، وتكون لك ولأخيك هارون الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ أى السيادة والرياسة والزعامة الدينية والدنيوية في الأرض بصفة عامة، وفي أرض مصر بصفة خاصة. ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى- ﵇ من الدين الحق فقالوا- كما حكى القرآن عنهم- وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ أى وما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به،

стр. 2835

لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا، وينزع منا ملكنا الذي تتمتع بكبريائه خاصتنا، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا. وأفردوا موسى- ﵇ بالخطاب في قولهم أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا.. لأنه هو الذي كان يجابههم بالحجج التي تقطع دابر باطلهم، ويرد على أكاذيبهم بما يفضحهم ويكشف عن غرورهم وغبائهم. وجمعوا بين موسى وهارون- ﵉ في قولهم وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ باعتبار شمول الكبرياء والرياسة والملك لهما، وباعتبار أن الإيمان بأحدهما يستلزم الإيمان بالآخر. هذا، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة، يرى أن التهمة التي وجهها فرعون وملؤه إلى موسى وهارون- ﵉، هي تهمة قديمة جديدة فقوم نوح- مثلا- يمتنعون عن قبول دعوته، لأنه في نظرهم جاء بما جاء به بقصد التفضل عليهم، وفي هذا يقول القرآن الكريم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، أَفَلا تَتَّقُونَ. فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ «١» . أى: يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم، فيكون زعيما وأنتم له تابعون. ولقد أفاض في شرح هذا المعنى صاحب الظلال- ﵀ عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال ما ملخصه: وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة، التي يقوم عليها نظامهم السياسى والاقتصادى، وهو الخوف على السلطان في الأرض، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة. إنها العلة القديمة الجديدة التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات الإصلاح ورمى الدعاة بأشنع التهم والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة.. إنها هي «الكبرياء في الأرض» وما تقوم عليه من معتقدات باطلة، يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير، بكل ما فيها من زيف وفساد، وأوهام وخرافات، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة، خطر على القيم الجاهلية الموروثة. وما كان رجال من أذكياء قريش- مثلا- ليخطئوا إدراك ما في رسالة محمد ﷺ من صدق وسمو، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم

стр. 2836

الموروثة، القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد، كما خشي الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض، فقالوا متبجحين وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ «١» . ثم حكت الآيات الكريمة بعد ذلك ما طلبه فرعون من ملئه، وما دار بين موسى- ﵇ وبين السحرة من محاورات فقال- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٢] وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) أى: وقال فرعون لخاصته بعد أن رأى من موسى الإصرار على دعوته ودعوة قومه إلى عبادة الله وحده، وبعد أن شاهد عصاه وقد تحولت إلى ثعبان مبين. قال فرعون لخاصته بعد أن رأى كل ذلك من موسى- ﵇ ائْتُونِي أيها الملأ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أى: بكل ساحر من أفراد مملكتي تكون عنده المهارة التامة في فن السحر، والخبرة الواسعة بطرقه وأساليبه. وقوله: فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ ... معطوف على كلام محذوف يستدعيه المقام والتقدير، فامتثل القوم أمر فرعون وأسرعوا في إحضار السحرة، فلما جاءوا والتقوا بموسى- ﵇ وخيروه بقوله إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى. قالَ لَهُمْ مُوسى على سبيل التحدي أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ من ألوان سحركم، ليرى الناس حقيقة فعلكم، وليميزوا بين حقي وباطلكم. فَلَمَّا أَلْقَوْا أى: فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم. قالَ لهم مُوسى على سبيل السخرية مما صنعوه.

стр. 2837

ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ أى: قال لهم موسى: أيها السحرة، إن الذي جئتم به هو السحر بعينه، وليس الذي جئت به أنا مما وصفه فرعون وملؤه بأنه سحر مبين. وإن الذي جئتم به سيمحقه الله ويزيل أثره من النفوس، عن طريق ما أمرنى الله به- سبحانه- من إلقاء عصاي، فقد جرت سنته- سبحانه- أنه لا يصلح عمل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وصنيعكم هذا هو من نوع الإفساد وليس من نوع الإصلاح. وقوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ تأكيد لسنة الله- تعالى- في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد. أى: أنه جرت سنة الله تعالى- أن لا يصلح عمل المفسدين، بل يمحقه ويبطله، وأنه- سبحانه- يحق الحق أى يثبته ويقويه ويؤيده بِكَلِماتِهِ النافذة، وقضائه الذي لا يرد، ووعده الذي لا يتخلف وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك لأن كراهيتهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، لا تعطل مشيئة الله، ولا تحول بين تنفيذ آياته وكلماته وقد كان الأمر كذلك فقد أوحى الله إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «١» . ثم انتقلت السورة الكريمة للحديث عن جانب مما دار بين موسى- ﵇ وبين قومه بنى إسرائيل، إثر الحديث عن جانب مما دار بينه وبين فرعون وملئه وسحرته فقال- تعالى-: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٧] فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)

стр. 2838

قال الجمل: «قوله- سبحانه- فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ... لما ذكر الله- تعالى- ما أتى به موسى- ﵇ من المعجزات العظيمة الباهرة، أخبر- سبحانه- أنه مع مشاهدة هذه المعجزات، ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه. وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمد ﷺ لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به، واستمرارهم على الكفر والتكذيب، فبين الله له أن له أسوة بالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. لأن ما جاء به موسى من المعجزات، كان أمرا عظيما. ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه» «١» . والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يدل عليه السياق، والتقدير: لقد أتى موسى- ﵇ بالمعجزات التي تشهد بصدقه، والتي على رأسها، أن ألقى عصاه فإذا هي تبتلع ما فعله السحرة، ومع كل تلك البراهين الدالة على صدقه، فما آمن به إلا ذرية من قومه. والمراد بالذرية هنا: العدد القليل من الشباب، الذين آمنوا بموسى، بعد أن تخلف عن الإيمان آباؤهم وأغنياؤهم. قال الآلوسى: قوله إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ أى: إلا أولاد بعض بنى إسرائيل حيث دعا- ﵇ الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من شبابهم فالمراد من الذرية: الشبان لا الأطفال «٢» . والضمير في قوله مِنْ قَوْمِهِ يعود لموسى- ﵇، وعليه يكون المعنى: فما آمن لموسى- ﵇ في دعوته إلى وحدانية الله، إلا عدد قليل من شباب قومه بنى إسرائيل، الذين كانوا يعيشون في مصر، والذين كان فرعون يسومهم سوء

стр. 2839

العذاب، أما آباؤهم وأصحاب الجاه فيهم، فقد انحازوا إلى فرعون طمعا في عطائه، وخوفا من بطشه بهم. ويرى بعض المفسرين أن الضمير في قوله مِنْ قَوْمِهِ يعود إلى فرعون لا إلى موسى. فيكون المعنى: فما آمن لموسى إلا عدد قليل من شباب قوم فرعون. قال ابن كثير ما ملخصه مرجحا هذا الرأى: «يخبر الله- تعالى- أنه لم يؤمن بموسى- ﵇ مع ما جاء به من الآيات والحجج، إلا قليل من قوم فرعون، من الذرية- وهم الشباب-، على وجل وخوف منه ومن ملئه. قال العوفى عن ابن عباس: «إن الذرية التي آمنت لموسى من قوم فرعون منهم: امرأته، ومؤمن آل فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه» . ثم قال: واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية، أنها من بنى إسرائيل، لا من قوم فرعون. لعود الضمير على أقرب مذكور. وفي هذا نظر، لأن من المعروف أن بنى إسرائيل كلهم آمنوا بموسى. واستبشروا به، فقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به. وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل؟» «١» . والذي نراه أن ما اختاره ابن جرير من عودة الضمير إلى موسى- ﵇ أرجح، لأن هناك نوع خفاء في إطلاق كلمة الذرية على من آمن من قوم فرعون، ومنهم زوجته، وامرأة خازنه. ولأنه لا دليل على أن بنى إسرائيل كلهم قد آمنوا بموسى، بل الحق أن منهم من آمن به ومنهم من كفر به، كقارون والسامري وغيرهما. ولأن رجوع الضمير إلى موسى- ﵇ هو الظاهر المتبادر من الآية، لأنه أقرب مذكور، وليس هناك ما يدعو إلى صرف الآية الكريمة عن هذا الظاهر. ورحم الله ابن جرير فقد قال في ترجيحه لما ذهب إليه من عودة الضمير إلى موسى- ﵇ ما ملخصه: وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية، القول الذي ذكرته عن مجاهد وهو أن الذرية في

стр. 2840

هذا الموضع، أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بنى إسرائيل، وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى، فلأن تكون الهاء في قوله مِنْ قَوْمِهِ من ذكر موسى لقربها من ذكره أولى من أن تكون من ذكر فرعون، لبعد ذكره منها. ولأن في قوله عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ الدليل الواضح على أن الهاء في قوله إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ من ذكر موسى لا من ذكر فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام على خوف منه، ولم يكن على خوف من فرعون..» «١» . وقوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ... حال من كلمة ذُرِّيَّةٌ، وعَلى هنا بمعنى مع. والضمير في قوله مَلَائِهِمْ يعود إلى ملأ الذرية، وهم كبار بنى إسرائيل الذين لاذوا بفرعون طمعا في عطائه أو خوفا من عقابه ولم يتبعوا موسى- ﵇. والمعنى: فما آمن لموسى الا عدد قليل من شباب قومه، والحال أن إيمانهم كان مع خوف من فرعون ومن أشراف قومهم أن يفتنوهم عن دينهم، أى: أن يعذبوهم ليحملوهم على ترك اتباع موسى- ﵇. والضمير في يَفْتِنَهُمْ يعود إلى فرعون خاصة، لأنه هو الآمر بالتعذيب ولأن الملأ إنما كانوا يأتمرون بأمره، وينتهون عن نهيه، فهم كالآلة في يده يصرفها كيف يشاء. وجملة أَنْ يَفْتِنَهُمْ في تأويل مصدر، بدل اشتمال من فرعون، أى: على خوف من فرعون فتنته. وقوله: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ اعتراض تذييلى مؤكد لمضمون ما قبله، ومقرر لطغيان فرعون وعتوه. أى: وإن فرعون المتكبر متجبر في أرض مصر كلها، وإنه لمن المسرفين المتجاوزين لكل حد في الظلم والبغي وادعاء ما ليس له. والمتجبرون والمسرفون يحتاجون في مقاومتهم إلى إيمان عميق، واعتماد على الله وثيق، وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة، ولذا قال موسى لأتباعه المؤمنين: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ. أى: قال موسى لقومه تطمينا لقلوبهم، وقد رأى الخوف من فرعون يعلو وجوه بعضهم: يا قوم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ حق الإيمان، وأسلمتم وجوهكم له حق الإسلام فعليه وحده
следующие страницы →