ثم ضرب- سبحانه- مثلا لفريق الكافرين ولفريق المؤمنين فقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
وقوله: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ... أى: حالهم وصفتهم.
وأصل المثل بمعنى المثل. والمثل: النظير والشبيه ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- لمورده- أى الذي ورد فيه أولا.
ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة.
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب المعقول من المحسوس وعرض الغائب في صورة الشاهد. فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب وأثبت في النفوس.
والمعنى: حال الفريقين المذكورين قبل ذلك وهما الكافرون والمؤمنون كحال الضدين المختلفين كل الاختلاف.
أما الكافرون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين العمى والصمم. لأنهم مع كونهم يرون ويسمعون لكنهم لم ينتفعوا بذلك فصاروا كالفاقد لهما.
وأما المؤمنون فحالهم وصفتهم كحال وصفة من جمع بين البصر السليم والسمع الواعي لأنهم انتفعوا بما رأوا من دلائل تدل على وحدانية الله وقدرته وبما سمعوا من توجيهات تدل على صحة تعاليم الإسلام.
والمقصود من هذا التمثيل. تنبيه الكافرين إلى ما هم عليه من ضلال وجهالة لعلهم بهذا التنبيه يتداركون أمرهم، فيدخلوا في دين الإسلام وتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من حق، وبذلك يزدادون إيمانا على إيمانهم.
والاستفهام في قوله هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا للإنكار والنفي، أى: هل يستوي في الصفة والحال من كان ذا سمع وبصر بمن فقدهما؟ كلا إنهما لا يستويان حتى عند أقل العقلاء عقلا وقوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ حض على التذكر والتدبر والتفكر.
أى: أتشكون في عدم استواء الفريقين؟ لا إن الشك في عدم استوائهما لا يليق بعاقل وإنما اللائق به هو اعتقاد تباين صفتيهما والدخول في صفوف المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحات وأخبتوا إلى ربهم.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت حال الكافرين وذكرت من أوصافهم أربعة
стр. 2907
عشر وصفا أولها: افتراء الكذب ... وآخرها: الخسران في الآخرة. كما بينت حال المؤمنين وبشرتهم بالخلود في الجنة: ثم ضربت مثلا لكل فريق وشبهت حاله بما يناسبه من صفات..
وفي ذلك ما فيه من الهداية إلى الطريق المستقيم، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته وعن إعجاز القرآن الكريم وعن حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة المكذبين ساقت السورة الكريمة بترتيب حكيم قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم وقد استغرق هذا القصص معظم الآيات الباقية فيها فقد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه، وعن قصة لوط مع قومه، وعن قصة شعيب مع قومه، كما تحدثت عن قصة إبراهيم مع رسل الله الذين جاءوه بالبشرى، وعن جانب من قصة موسى مع فرعون.
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة، وبينات قاهرة، وبراهين باهرة، أتبعها بذكر قصص الأنبياء وفيه فوائد:
أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم النبي ﷺ ، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم وعنادهم يفيد تسلية النبي ﷺ وتخفيف ذلك على قلبه.
وثانيها: أنه- تعالى- يحكى في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة. وعاقبة أمر المحقين الى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وذلك يقوى قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين.
وثالثها: التنبيه على أنه- تعالى- وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا يهملهم، بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه.
ورابعها: بيان أن هذه القصص دالة على نبوة النبي ﷺ لأنه كان أميا، وما طالع كتابا ولا تتلمذ على أستاذ، فإذا ذكر هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه إنما عرفه بالوحي من الله- تعالى- «١» .
وقد بدأت السورة الكريمة قصصها بقصة نوح مع قومه، وقد وردت هذه القصة في سور متعددة منها سورة الأعراف، وسورة المؤمنون، وسورة نوح ... إلا أنها وردت هنا بصورة أكثر تفصيلا من غيرها.
стр. 2908
[سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)
وقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ... جواب لقسم محذوف. أى والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه. والدليل على هذا القسم وجود لامه في بدء الجملة.
وافتتحت القصة بصيغة القسم لأن المخاطبين بها لما لم يحذروا ما نزل بقوم نوح بسبب كفرهم نزلوا منزلة المنكر لرسالته.
وينتهى نسب نوح- ﵇ إلى شيث بن آدم- ﵇ وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا.
وقوم الرجل: هم أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة.
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام: فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد.
قال ابن كثير: قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير: كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا. فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله- تعالى- رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده» «١» .
وقوله: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ... بيان للوظيفة التي من أجلها أرسل الله- تعالى- نوحا إلى قومه.
قال الشوكانى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الهمزة في إِنِّي على تقدير
стр. 2909
حرف الجر أى: أرسلناه بأنى. أى: أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أنى لكم نذير مبين.
وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول. أى: أرسلناه قائلا لهم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ «١» .
ونذير من الإنذار وهو إخبار معه تخويف..
ومبين: من الإبانة بمعنى التوضيح والإظهار..
أى: أرسلناه إلى قومه فقال لهم يا قوم: إنى لكم محذر تحذيرا واضحا من موجبات العذاب التي تتمثل في عبادتكم لغير الله- تعالى-.
واقتصر على الإنذار لأنهم لم يعملوا بما بشرهم به وهو الفوز برضا الله- تعالى- إذا ما أخلصوا له العبادة والطاعة.
وجملة أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بدل من قوله إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أى أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله.
وقوله: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ جملة تعليلية، تبين حرص نوح الشديد على مصلحة قومه ومنفعتهم.
أى إنى أحذركم من عبادة غير الله، لأن هذه العبادة ستؤدى بكم الى وقوع العذاب الأليم عليكم، وما حملني على هذا التحذير الواضح إلا خوفي عليكم، وشفقتي بكم، فأنا منكم وأنتم منى بمقتضى القرابة والنسب.
ووصف اليوم بالأليم على سبيل المجاز العقلي، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية والنهاية في ذلك، جعل الوقت الذي تقع فيه وقتا أليما أى مؤلما.
ثم حكى- سبحانه- ما رد به قوم نوح عليه فقال: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ، ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ.
والمراد بالملإ: أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ اسم جمع لا واحد له من لفظه كرهط وهو- كما يقول الآلوسى-: مأخوذ من قولهم فلان ملئ بكذا: إذا كان قادرا عليه ... أو لأنهم متمالئون أى متظاهرون متعاونون، أو لأنهم يملؤون القلوب والعيون ...
ووصفهم بالكفر، لتسجيل ذلك عليهم من أول الأمر زيادة في ذمهم.
стр. 2910
أى: بعد هذا النصح الحكيم الذي وجهه نوح- ﵇ لقومه، رد عليه أغنياؤهم وسادتهم بقولهم ما نَراكَ يا نوح إلا بشرا مثلنا، أى: إلا إنسانا مثلنا، ليست فيك مزية تجعلك مختصا بالنبوة دوننا ...
فهم- لجهلهم وغبائهم- توهموا أن النبوة لا تجامع البشرية، مع أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول بشرا من جنس المرسل إليهم، حتى تتم فائدة التفاهم معه، والاقتداء به في أخلاقه وسلوكه.
وقد حكى القرآن قولهم هذا في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله- تعالى- وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ... «١» .
ثم إنهم في التعليل لعدم اتباع نبيهم لم يكتفوا بقولهم ما نراك إلا بشر مثلنا: بل أضافوا إلى ذلك قولهم: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ومرادهم بقولهم:
أَراذِلُنا أى فقراؤنا ومن لا وزن لهم فينا.
قال الجمل: ولفظ أَراذِلُنا فيه وجهان: أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل- بضم الذال- جمع رذل- بسكونها- نحو كلب وأكلب وأكالب ...
ثانيهما: انه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر.. والأرذل هو المرغوب عنه لرداءته» «٢» .
ومرادهم بقولهم: بادِيَ الرَّأْيِ أى: أوله من البدء. يقال: بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولا وعليه تكون الياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها ويؤيده قراءة أبى عمرو «بادئ الرأى» .
أى: وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أقلنا شأنا وأحقرنا حالا من غير أن يتثبتوا من حقيقة أمرك، ولو تثبتوا وتفكروا ما اتبعوك ويصح أن يكون مرادهم بقولهم بادِيَ الرَّأْيِ أى اتبعوك ظاهرا لا باطنا، ويكون لفظ بادِيَ من البدو بمعنى الظهور.
يقال: بدا الشيء يبدو بدوا وبدوءا وبداء أى ظهر وعليه يكون المعنى: وما نراك اتبعك يا نوح إلا الذين هم أهوننا أمرا، ومع ذلك فإن اتباعهم لك إنما هو في ظاهر أمرهم، أما بواطنهم فهي تدين بعقيدتنا.
стр. 2911
وشبيه بهذه الجملة قوله- تعالى- قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ «١» .
قال صاحب الكشاف: وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم أى الملأ من قوم نوح- كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام، يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زال عنهم أن التقدم في الدنيا- مع ترك الآخرة- لا يقرب أحدا من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا عن أن يجعله سببا في الاختيار للنبوة والتأهيل لها ... » «٢» .
ثم أضافوا إلى مزاعمهم السابقة زعما جديدا فقالوا: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ.
والفضل: الزيادة في الشرف والغنى وغيرهما مما يتميز به الإنسان عن غيره.
والمراد هنا: آثاره التي تدل عليه.
أى: أنت يا نوح لست إلا بشرا مثلنا، وأتباعك هم أحقرنا شأنا، وما نرى لك ولمتبعيك شيئا من الزيادة علينا لا في العقل ولا في غيره، بل إننا لنعتقد أنكم كاذبون في دعواكم أنكم على الحق، لأن الحق في نظرنا هو في عبادة هذه الأصنام التي عبدها من قبلنا آباؤنا.
وهكذا نرى أن الملأ من قوم نوح- ﵇ قد عللوا كفرهم بما جاءهم به بثلاث علل، أولها: أنه بشر مثلهم وثانيها: أن أتباعه من فقرائهم وثالثها: أنه لا مزية له ولأتباعه عليهم..
وهي كلها علل باطلة، تدل على جهلهم، وانطماس بصيرتهم، ويدل على ذلك، رد نوح- ﵇ الذي حكاه القرآن في قوله- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٢٨ الى ٣١]
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)
стр. 2912
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي.....
أى: قال نوح- ﵇ في رده على الملأ الذين كفروا من قومه: يا قَوْمِ أى: يا أهلى وعشيرتي الذين يسرني ما يسرهم ويؤلمنى ما يؤلمهم.
أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أى: أخبروني إن كنت على بصيرة من أمرى، وحجة واضحة من ربي، بها يتبين الحق من الباطل.
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ أى: ومنحني بفضله وإحسانه النبوة التي هي طريق الرحمة لمن آمن بها، واتبع من اختاره الله لها. فالمراد بالرحمة هنا النبوة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أى:
فأخفيت عليكم هذه الرحمة، وغاب عنكم الانتفاع بهداياتها، لأنكم ممن استحب العمى على الهدى.
يقال: عمّى على فلان الأمر: أى أخفى عليه حتى صار بالنسبة اليه كالأعمى قال صاحب المنار: قرأ الجمهور فعميت- بالتخفيف- كخفيت وزنا ومعنى. قال- تعالى- فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد والبناء للمفعول فَعُمِّيَتْ أى: فحجبها عنكم جهلكم وغروركم..
والتعبير بعميت مخففة ومشددة أبلغ من التعبير بخفيت وأخفيت، لأنه مأخوذ من العمى المقتضى لأشد أنواع الخفاء «١» .
والاستفهام في قوله: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ للإنكار والنفي.
أى: إذا كانت الهداية إلى الخير التي جئتكم بها قد خفيت عليكم مع وضوحها وجلائها،
стр. 2913
فهل أستطيع أنا وأتباعى أن نجبركم إجبارا، ونقسركم قسرا على الإيمان بي، وعلى التصديق بنبوتي، والحال أنكم كارهون لها نافرون منها.
كلا إننا لا نستطيع ذلك لأن الإيمان الصادق يكون عن اقتناع واختيار لا عن إكراه وإجبار.
قال صاحب الظلال ما ملخصه: واللفظ في القرآن قد يرسم بجرسه صورة كاملة للتناسق الفنى بين الألفاظ، ومن أمثله ذلك قوله- تعالى- في قصة نوح مع قومه أَنُلْزِمُكُمُوها ... فأنت تحس أن كلمة أنلزمكموها تصور جو الإكراه، بإدماج كل هذه الضمائر في النطق، وشد بعضها الى بعض كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون، ويشدون إليه وهم نافرون، وهكذا يبدو لون من التناسق في التعبير أعلى من البلاغة الظاهرية، وأرفع من الفصاحة اللفظية «١» .
ثم وجه نوح- ﵇ نداء ثانيا إلى قومه زيادة في التلطف معهم، وطمعا في إثارة وجدانهم نحو الحق فقال: وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا.
أى: لا أطلب منكم شيئا من المال في مقابل تبليغ ما أمرنى ربي بتبليغه إليكم: لأن طلبى هذا قد يجعلكم تتوهمون أنى محب للمال..
إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ- تعالى وحده، فهو الذي يثيبني على دعوتي إلى عبادتكم له، وفي هذه الجملة إشارة إلى أنه لا يسأل الله- تعالى- مالا، وإنما يسأله ثوابا، إذ ثواب الله يسمى أجرا، لأنه جزاء على العمل الصالح.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في سورة الشعراء: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وجملة وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا معطوفة على جملة لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا لأن مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها، إذ أن زهده في مالهم يقتضى تمسكه بأتباعه المؤمنين.
الطرد: الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيرا أو زجرا.
أى: وما أنا بطارد الذين آمنوا بدعوتي، سواء أكانوا من الفقراء أم من الأغنياء، لأن من استغنى عن مال الناس وعطائهم لا يقيسهم بمقياس الغنى والجاه والقوة ... وإنما يقيسهم بمقياس الإيمان والتقوى.
قال الآلوسى: والمروي عن ابن جريح أنهم قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء الأراذل- وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.
стр. 2914
وذلك كما قال زعماء قريش للنبي ﷺ في شأن فقراء الصحابة: اطرد هؤلاء عن مجلسك ونحن نتبعك فإنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك ... » «١» .
وجملة إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ تعليل لنفى طردهم.
أى: لن أطردهم عن مجلسي أبدا، لأنهم قد آمنوا بي، ولأن مصيرهم إلى الله- تعالى-، فيحاسبهم على سرهم وعلنهم، أما أنا فأكتفى منهم بظواهرهم التي تدل على صدق إيمانهم، وشدة إخلاصهم.
وجاءت هذه الجملة بصيغة التأكيد، لأن الملأ الذين كفروا من قومه كانوا ينكرون البعث والحساب.
وقوله: وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ استدراك مؤكد لمضمون ما قبله.
أى: لن اطردهم، لأن ذلك ليس من حقي بعد أن آمنوا، وبعد أن تكفل الله بمحاسبتهم، ولكني مع هذا البيان المنطقي الواضح، أراكم قوما تجهلون القيم الحقيقية التي يقدر بها الناس عند الله، وتجهلون أن مرد الناس جميعا إليه وحده- سبحانه- ليحاسبهم على أعمالهم، وتتطاولون على المؤمنين تطاولا يدل على طغيانكم وسفاهتكم.
وحذف مفعول تَجْهَلُونَ للعلم به، وللإشارة الى شدة جهلهم.
أى: تجهلون كل ما ينبغي ألا يجهله عاقل.
ثم وجه إليهم نداء ثالثا لعلهم يفيئون إلى رشدهم فقال: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
أى: افترضوا يا قوم أنى طردت هؤلاء المؤمنين الفقراء من مجلسي، فمن ذا الذي يحمينى ويجيرني من عذاب الله، لأنه- سبحانه- ميزانه في تقييم الناس ليس كميزانكم، إن أكرم الناس عنده هو أتقاهم وليس أغناهم، وهؤلاء المؤمنون الفقراء هم أكرم عنده- سبحانه- منكم، فكيف أطردهم؟
والاستفهام في قوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ لتوبيخهم وزجرهم. والجملة معطوفة على مقدر.
أى: أتصرون على جهلكم فلا تتذكرون أن لهم ربا ينصرهم إن طردتهم؟ إنكم إن بقيتم على هذا الإصرار سيكون أمركم فرطا، وستتعرضون للعذاب الأليم الذي يهلككم.
ثم أخذ نوح- ﵇ في تفنيد شبهاتهم، وفي دحض مفترياتهم، وفي تعريفهم
стр. 2915
بحقيقة أمره فقال: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ...
والخزائن: جمع خزانة- بكسر الخاء- وهو المكان الذي يخزن فيه المال أو الطعام أو غيرهما خشية الضياع، والمراد منها هنا: أنواع رزقه- سبحانه- التي يحتاج إليها عباده، وأضيفت إليه- سبحانه- لاختصاصه بها. وملكيته لها.
أى: إنى لا أقول لكم إن النبوة التي وهبنى الله إياها، تجعلني أملك خزائن أرزاقه- سبحانه- فأصير بذلك من الأثرياء، وأعطى من أشاء بغير حساب ...
كلا. إنى لا أملك شيئا من ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسوله، أرسلنى لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
وهذه الجملة الكريمة رد على قولهم السابق! وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ.
وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التي اختص الله بعلمها، فأدعى قدرة ليست للبشر، أو أزعم أن لي صلة بالله- تعالى- غير صلة النبوة- أو أدعى الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله، كما ادعيتم أنتم فقلتم وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ....
وأيضا فإنى لا أقول لكم إنى ملك، بل أنا بشر مثلكم آكل مما تأكلون منه، وأشرب مما تشربون منه، إلا أن الله- تعالى- اختصني من بينكم بالنبوة، والبشرية مقتض للنبوة وليست مانعا منها- كما تزعمون- حيث قلتم ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا.
ولم يكتف نوح- ﵇ بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة، بل أضاف إلى ذلك- كما حكى القرآن عنه- وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً، اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
وقوله: تَزْدَرِي من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص، يقال: ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه.
أى: أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن الله، أو بأنى أعلم الغيب، أو بأنى ملك من الملائكة، ولا أقول لكم- أيضا- في شأن الذين تنظرون إليهم نظر احتقار واستصغار:
إنهم- كما تزعمون- لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، بل أقول لكم إنه- سبحانه- سيؤتيهم ذلك- إذا شاء- لأنه- سبحانه- هو الأعلم بما في نفوسهم من خير أو شر- أما أنا فلا علم لي إلا بظواهرهم التي تدل على إيمانهم وإخلاصهم وإِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي ولغيري إذا ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوى.
стр. 2916
قال البيضاوي ما ملخصه، وأسند- سبحانه- الازدراء إلى الأعين في قوله تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرؤية- أى بمجرد نظرهم إليهم- من غير روية بسبب ما عاينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم» «١» وهذا الإسناد من باب المجاز العقلي، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة «في نظر الناظر» فتكون الأعين سببا في هذا الازدراء.
وأكد جملة إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ بعدة مؤكدات، تحقيقا لظلم كل من يدعى شيئا من هذه الدعاوى، وتكذيبا لأولئك الكافرين الذين احتقروا المؤمنين، وزعموا أن الله- تعالى- لن يؤتيهم خيرا.
وهكذا نجد نوحا- ﵇ يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره، ويرد على شبهاتهم بما يزهقها ...
وعند ما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة بالحجة، لجئوا- على عادة طبقتهم- إلى أسلوب التحدي وقد أخذتهم العزة بالإثم فقالوا- كما حكى القرآن عنهم:
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٤]
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
أى: قال قوم نوح- ﵇ له بعد أن غلبهم بحجته، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ...
أى: خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت في ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك، والجدال: هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة. وأصله- كما يقول الآلوسى- من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله، ومنه الجديل- أى الحبل المفتول-، وجدلت البناء: أحكمته، والأجدل:
стр. 2917
الصقر المحكم البنية، والمجدل- كمنبر القصر المحكم البناء ...
وسميت المنازعة في الرأى جدالا، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما، يفتل الآخر عن رأيه- أى بصرفه عنه- ...
وقيل: الأصل في الجدال الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة- بفتح الجيم- أى: الأرض الصلبة» «١» .
ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة في القول فقالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
أى: لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها، فأتنا بالعذاب الذي تتوعدنا به، إن كنت من الصادقين في دعواك النبوة، وفي وعيدك لنا بعقاب الله، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا، وكارهون لما تدعونا إليه.
وهذا شأن الجاهل المعاند، إنه يشهر السيف إذا أعجزته الحجة، ويعلن التحدي إذا يئس عن مواجهة الحق ...
ولكن نوحا- ﵇ لم يخرجه هذا التحدي عن سمته الكريم، ولم يقعده عناد قومه عن مداومة النصح لهم، وإرشادهم إلى الحقيقة التي ضلوا عنها، فقد رد عليهم بقوله إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ- إِنْ شاءَ- وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ.
أى: إنما يأتيكم بهذا العذاب الذي تستعجلونه الله- تعالى- وحده، إن شاء ذلك، لأنه هو الذي يملكه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أى: وما أنتم بمستطيعين الهروب من عذابه متى اقتضت مشيئته- سبحانه- إنزاله لكم، لأنه- تعالى- لا يعجزه شيء.
ثم أضاف إلى هذا الاعتراف بقدرة الله- تعالى- اعترافا آخر بشمول إرادته فقال:
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ.
والنصح معناه: تحرى الصلاح والخير للمنصوح مع إخلاص النية من شوائب الرياء.
يقال: نصحته ونصحت له ... أى: أرشدته إلى ما فيه صلاحه.
ويقال: رجل ناصح الجيب إذا كان نقى القلب طاهر السريرة. والناصح الخالص من كل شيء.
أى: إنى قد دعوتكم إلى طاعة الله ليلا ونهارا، ولم أقصر معكم في النصيحة ومع ذلك فإن
стр. 2918
نصحى الدائم لن يفيدكم شيئا، ما دامت قلوبكم في عمى عنه، وأسماعكم في صمم منه، ونفوسكم على غير استعداد له.
وجواب الشرط في قوله إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ محذوف لدلالة ما قبله عليه.
وقوله إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: زيادة تأكيد منه- ﵇ لعموم قدرة الله وإرادته.
أى: إن كان الله- تعالى- يريد أن يضلكم عن طريق الحق، ويصرفكم عن الدخول فيه، بسبب إصراركم على الجحود والعناد، فعل ذلك، لأنه هو ربكم ومالك أمركم، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة، ليجازيكم الجزاء الذي تستحقونه.
وهكذا نجد نوحا- ﵇ قد سلك في دعوته إلى الله، أحكم السبل، واستعمل أبلغ الأساليب، وصبر على سفاهة قومه صبرا جميلا.
وعند هذا الحد من قصة نوح مع قومه، تنتقل السورة الكريمة انتقالا سريعا بقارئها إلى الحديث عن مشركي مكة، الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله، ووقفوا من نبيهم ﷺ موقفا يشبه موقف قوم نوح منه- ﵇ فترد عليهم بقوله- تعالى-:
[سورة هود (١١) : آية ٣٥]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)
وأم هنا منقطعة بمعنى بل التي للإضراب، وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر.
والافتراء: الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله.
والإجرام: اكتساب الجرم وهو الشيء القبيح الذي يستحق فاعله العقاب.
يقال: أجرم فلان وجرم واجترم، بمعنى اقترف الذنب الموجب للعقوبة وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهان:
الاتجاه الأول يرى أصحابه: أنها معترضة بين أجزاء قصة نوح مع قومه، وأنها في شأن مشركي مكة الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله.
وعليه يكون المعنى. لقد سقنا لك يا محمد من أخبار السابقين ما هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل، ولكن المشركين من قومك لم يعتبروا بذلك، بل يقولون إنك قد افتريت هذا
стр. 2919
القرآن، قل لهم: إن كنت قد افتريته- على سبيل الفرض- فعلى وحدي تقع عقوبة إجرامى وافترائى الكذب، وأنا برىء من عقوبة إجرامكم وافترائكم الكذب.
أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الآية الكريمة ليست معترضة، وإنما هي من قصة نوح ﵇ وعليه يكون المعنى: بل أيقول قوم نوح إن نوحا- ﵇ قد افترى واختلق ما جاء به من عند نفسه ثم نسبه إلى الله- تعالى- قل لهم إن كنت قد افتريته فعلى سوء عاقبة إجرامى وكذبى، وأنا برىء مما تقترفونه من منكرات، وما تكتسبونه من ذنوب.
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أرجح، لأن التعبير عن أفكارهم بيقولون، وعن الرد عليهم بقل، الدالين على الحال والاستقبال، يقوى أن الآية الكريمة في شأن مشركي مكة.
وقد اقتصر الإمام ابن جرير على الاتجاه الأول، ولم يذكر شيئا عن الاتجاه الثاني مما يدل على ترجيحه للاتجاه الأول فقال ما ملخصه: يقول- تعالى- ذكره: أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك: افترى محمد هذا القرآن وهذا الخبر عن نوح، قل لهم: إن افتريته فتخرصته واختلقته فعلى إثمى في افترائى ما افتريت على ربي دونكم.. وأنا برىء مما تذنبون وتأثمون في حقي وحق ربكم ... » «١» .
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا من مجادلة قوم نوح له، ومن تطاولهم عليه، ومن تحديهم لدعوته، كما حكت لنا رده عليهم بأسلوب حكيم، جعلهم يعجزون عن مجابهته فماذا كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك؟
لقد تابعت السورة الكريمة حديثها عن هذه القصة، فبينت بعد ذلك قضاء الله العادل في هؤلاء الظالمين، حيث حكت لنا ما أوحاه الله إلى نوح- ﵇ في شأنهم، وما أمره بصنعه ... فقال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
стр. 2920
وقوله- سبحانه-: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ معطوف على قوله قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ...
أى: بعد أن لج قوم نوح في طغيانهم، وصموا آذانهم عن سماع دعوته.. أوحى الله- تعالى- إلى نوح بأن يكتفى بمن معه من المؤمنين، فإنه لم يبق في قومه من يتوقع إيمانه بعد الآن، وبعد أن مكث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الدخول في الدين الحق، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا..
وقوله: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ تسلية له- ﵇ عما أصابه منهم من أذى.
والابتئاس: الحزن. يقال: ابتأس فلان بالأمر، إذا بلغه ما يكرهه ويغمه، والمبتئس:
الكاره الحزين في استكانة.
أى: فلا تحزن بسبب إصرارهم على كفرهم، وتماديهم في سفاهاتهم وطغيانهم، فقد آن الأوان للانتقام منهم.
قال الإمام ابن كثير: يخبر الله- تعالى- في هذه الآية، أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم، وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته وهي رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً فمنذ ذلك أوحى الله- تعالى- إليه أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك أمرهم» «١» .
وقوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ... معطوف على قوله.. فَلا تَبْتَئِسْ....
والفلك: ما عظم من السفن، ويستعمل هذا اللفظ للواحد والجمع، والمراد به هنا سفينة واحدة عظيمة قام بصنعها نوح- ﵇.
стр. 2921
والباء في قوله بِأَعْيُنِنا للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير اصنع.
أى: واصنع الفلك يا نوح، حالة كونك بمرأى منا، وتحت رعايتنا وتوجيهنا وإرشادنا عن طريق وحينا.
وقوله- سبحانه- وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ نهى له عن المراجعة بشأنهم.
أى: ولا تخاطبني يا نوح في شأن هؤلاء الظالمين، بأن ترجوني في رحمتهم أو في دفع العذاب عنهم، فقد صدر قضائي بإغراقهم ولا راد لقضائي.
وقوله- تعالى- وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ بيان لامتثال نوح لأمر ربه.
وجاء التعبير بالفعل المضارع مع أن الصنع كان في الماضي: استحضارا لصورة الصنع، حتى لكأن نوحا- ﵇ يشاهد الآن وهو يصنعها.
ثم بين- سبحانه- موقف قومه منه وهو يصنعها وقال: وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ....
والسخرية: الاستهزاء. يقال: سخر فلان من فلان وسخر به، إذا استخف به وضحك منه.
أى: امتثل نوح لأمر ربه، فطفق يصنع الفلك، فكان الكافرون من قومه كلما مروا به وهو يصنعها استهزءوا به، وتعجبوا من حاله، وقالوا له على سبيل التهكم به، يا نوح صرت نجارا بعد أن كنت نبيا، كما جاء في بعض الآثار.
وهنا يرد عليهم نوح بقوله: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ.
أى قال نوح لهم: إن تسخروا منى ومن أتباعى اليوم لصنعنا السفينة، وتستجهلوا منا هذا العمل، فإنا سنسخر منكم في الوقت القريب سخرية محققة في مقابل سخريتكم الباطلة.
قال الإمام الرازي: وقوله إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فيه وجوه:
الأول: التقدير: إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة.
الثاني: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالسخرية منا.
الثالث: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم، واستجهالكم أقبح وأشد، لأنكم لا تستجهلون
стр. 2922
إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر، والاغترار بظاهر الحال، كما هو عادة الأطفال «١» .
ثم أضاف نوح- ﵇ إلى تهديدهم تهديدا آخر فقال: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ.
أى: فسوف تعلمون عما قريب، من منا الذي سينزل عليه العذاب المخزى المهين في الدنيا، ومن منا الذي سيحل عليه العذاب الدائم الخالد في الآخرة.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت حكم الله الفاصل في شأن قوم نوح- ﵇ بعد أن لبث فيهم زمنا طويلا يدعوهم إلى الحق، ولكنهم صموا آذانهم عنه فماذا كان من أمره وأمرهم بعد ذلك.
كان من أمره وأمرهم بعد ذلك أن أمر الله- تعالى- نوحا- ﵇ أن يحمل في السفينة بعد أن أتم صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرا وأنثى، ثم نزل الطوفان، وسارت السفينة بمن فيها، وأغرق الله- تعالى- الظالمين، وقد حكى- سبحانه- كل ذلك فقال- تعالى.
[سورة هود (١١) : الآيات ٤٠ الى ٤٤]
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
стр. 2923
فقوله- سبحانه- حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح- ﵇ مع قومه.
وحَتَّى هنا حرف غاية لقوله- تعالى- قبل ذلك وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ.. إلخ.
والمراد بالأمر في قوله- سبحانه- حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا ... حلول وقت نزول العذاب بهم، فهو مفرد الأمور، أى: حتى إذا حل بهم وقت عذابنا.. قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشيء على أنه مفرد الأوامر، فيكون المعنى: حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة، وللأرض بتفجير عيونها، وللسماء بإنزال أمطارها ... قلنا احمل فيها ...
وجملة، وفار التنور، معطوفة على جاءَ أَمْرُنا، وكلمة فارَ من الفور والفوران، وهو شدة الغليان للماء وغيره.
قال صاحب المنار ما ملخصه: «والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع القوى، يقال في الماء إذا غلا وارتفع ... ويقال في النار إذا هاجت قال- تعالى- إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ...
ومن المجاز: فار الغضب، إذا اشتد ... » «١» .
وللمفسرين في المراد بلفظ التَّنُّورُ أقوال منها: أن المراد به الشيء الذي يخبز فيه الخبز، وهو ما يسمى بالموقد أو الكانون ...
ومنها أن المراد به وجه الأرض ...
ومنها: أن المراد به موضع اجتماع الماء في السفينة ...
ومنها: أن المراد به طلوع الفجر من قولهم: تنور الفجر ...
стр. 2924
ومنها: أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها..
وقيل: إن الكلام على سبيل المجاز، والمراد بقوله- سبحانه- فارَ التَّنُّورُ التمثيل بحضور العذاب، كقولهم، حمى الوطيس، إذا اشتد القتال «١» .
وأرجح هذه الأقوال أولها، لأن التنور في اللغة يطلق على الشيء الذي يخبز فيه، وفورانه معناه: نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان، كما يفور الماء في القدر عند الغليان، ولعل ذلك كان علامة لنوح- ﵇ على اقتراب وقت الطوفان.
وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين، فقد قال الإمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى التنور: «وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله التَّنُّورُ قول من قال:
هو التنور الذي يخبز فيه، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها.
وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به.
أى: قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه ... وفار التنور الذي جعلنا فورانه بالماء آية مجيء عذابنا.. احمل فيها- أى السفينة من كل زوجين اثنين..» «٢» .
وقال الإمام الرازي ما ملخصه: فإن قيل: فما الأصح من هذه الأقوال- في معنى التنور..؟.
قلنا: الأصل حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه، فوجب حمل اللفظ عليه ...
ثم قال: والذي روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله- تعالى- المؤمنين النجاة فلا بد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين «فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة» «٣» .
وجملة قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ جواب إذا ولفظ زَوْجَيْنِ تثنية زوج، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع.
قراءة الجمهور: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بدون تنوين للفظ كل، وإضافته إلى زوجين.
стр. 2925
وقرأ حفص: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التي أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى.
ويكون لفظ زَوْجَيْنِ مفعولا لقوله احْمِلْ واثنين صفة له.
والمراد بأهله: أهل بيته كزوجته وأولاده، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على الزوجة، كما في قوله- فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً ... «١» .
والمراد بأهله: من كان مؤمنا منهم.
وجملة إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ استثناء من الأهل.
أى: احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله.
والمراد بمن سبق عليه القول: زوجته التي جاء ذكرها في سورة التحريم في قوله- تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما.. وابنه الذي أبى أن يركب معه السفينة.
قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الجملة: والمراد زوجة له أخرى تسمى (واعلة) بالعين المهملة، وفي رواية (والقه) وابنه منها واسمه (كنعان) .. وكانا كافرين» «٢» .
وجملة وَمَنْ آمَنَ معطوفة على قوله وَأَهْلَكَ أى: واحمل معك من آمن بك من قومك.
والمعنى للآية الكريمة: لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة، حتى إذا ما تم صنعها، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه، وتحققت العلامات الدالة على ذلك، قال الله- تعالى- لنوح: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التي أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى، واحمل فيها أيضا من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك.
وقد ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به فقال: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
стр. 2926
أى: وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية.
قال الآلوسى بعد أن ساق أقوالا في عدد من آمن بنوح- ﵇ من قومه: ...
والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين: زوجته، وبنوه الثلاثة ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم ... » «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومجريها ومرساها، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما، وهما مصدران من جرى وأرسى.
والباء في باسم الله للملابسة، والآية الكريمة معطوفة على جملة، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين.
أى: قلنا له ذلك فامتثل أمرنا، وقال لمن معه من المؤمنين: سلموا أمركم لمشيئة الله- تعالى- وقولوا عند ركوب السفينة: باسم الله جريها في هذا الطوفان العظيم، وباسم الله إرساءها في المكان الذي يريد الله- تعالى- إرساءها فيه.
قال الشيخ الفاضل ابن عاشور: وعدى فعل ارْكَبُوا بفي، جريا على الأسلوب الفصيح، فإنه يقال: ركب الدابة إذا علاها. وأما ركوب الفلك فيعدى بفي، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار، فلا يقال: ركب السفينة فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له، وهي تفرقة حسنة» «٢» .
وجملة إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر الله- تعالى-:
أى: إن ربي لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له مخلصا في عبادته.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: يقول الله- تعالى- إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها ...
وقال- سبحانه- في موضع آخر: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ.
ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور: عند الركوب في السفينة وعلى الدابة.
فقد روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أمان أمتى من الغرق إذا
стр. 2927
ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك.. بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم» «١» .
ثم بين- سبحانه- حال السفينة وهي تمخر بهم عباب الماء فقال:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ.
والموج: ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه. وأصله من ماج الشيء يموج إذا اضطرب ومنه قوله- تعالى- وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت. بم اتصل قوله- تعالى- وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ؟
قلت: اتصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها باسم الله، كأنه قيل: فركبوا فيها وهم يقولون: باسم الله، وهي تجرى بهم. أى تجرى بهم وهم فيها في موج كالجبال، يريد موج الطوفان، شبه كل موجة بالجبل في تراكمها وارتفاعها.. «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التي أبصر فيها نوح- ﵇ ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة المؤمنين.
والمعزل: مكان العزلة، أى: الانفراد.
أى: وقبل أن يشتد الطوفان وترتفع أمواجه، رأى نوح ابنه كنعان، وكان هذا الابن في مكان منعزل، فقال له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا بنى اركب معنا في السفينة، ولا تكن مع القوم الكافرين الذين سيلفهم الطوفان بين أمواجه عما قريب. ولكن هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على مصير ابنه، لم تجد أذنا واعية من هذا الابن العاق المغرور، بل رد على أبيه: قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ...
أى: قال: سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة، لكي أتحصن به من وصول الماء إلى.
وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول- كما حكى القرآن عنه-: قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ...
أى: قال نوح لابنه: لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه- سبحانه- بلطفه وإحسانه، وأما الجبال وأما الحصون.. وأما غيرهما من وسائل النجاة، فسيعلوها الطوفان، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا.
стр. 2928
وعبر عن العذاب بأمر الله، تهويلا لشأنه.
وقوله: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ بيان للعاقبة السيئة التي آل إليها أمر الابن الكافر.
أى: وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه، فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين.
والتعبير بقوله: وَحالَ ... يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما.
والتعبير بقوله: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ يشير إلى أنه لم يغرق وحده، وإنما غرق هو وغرق معه كل من كان على شاكلته في الكفر.
وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات في تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة، التي يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم.
وبعد أن غرق الكافرون، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين، وجه الله- تعالى- أمره إلى الأرض وإلى السماء.. فقال: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
أى: وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله- تعالى- الكافرين، قال الله- تعالى- للأرض: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ.
أى: اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء، وابتلعيه بسرعة في باطنك كما يبتلع الإنسان طعامه في بطنه بدون استقرار في الفم.
وقال- سبحانه- للسماء وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أى: أمسكى عن إرسال المطر يقال:
أقلع فلان عن فعله إقلاعا، إذا كف عنه وترك فعله. ويقال: أقلعت الحمى عن فلان، إذا تركته.
فامتثلتا- أى الأرض والسماء- لأمر الله- تعالى- في الحال، فهو القائل وقوله الحق:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» .
وقوله وَغِيضَ الْماءُ أى: نقص ونضب. يقال: غاض الماء يغيض، إذا قل ونقص.
стр. 2929
والمراد به هنا: الماء الذي نشأ عن الطرفان.
وقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ أى: تم ونفذ ما وعد الله- تعالى- به نبيه نوحا- ﵇ من إهلاكه للقوم الظالمين.
والضمير في قوله: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ للسفينة، والجودي، جيل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل. وقيل هو جبل بالشام.
أى: واستقرت السفينة التي تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته، على الجبل المعروف بهذا الاسم، بعد أن أهلك الله أعداءهم.
قال ابن كثير ما ملخصه: وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، فقد روى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال: مر النبي ﷺ بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا الصوم؟ قالوا، هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون. وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي. فصامه نوح وموسى- ﵇ شكرا لله.
فقال النبي ﷺ «أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم» . فصامه، وقال لأصحابه: من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان قد أصاب من غذاء أهله، فليتم بقية يومه» «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وقيل بعدا للقوم الظالمين.
أى: هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله- تعالى- للقوم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان، والضلالة على الهداية.
قال الجمل: وبُعْداً مصدر بعد- بكسر العين-، يقال بعد بعدا- بضم فسكون- وبعدا- بفتحتين- إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء السوء، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر. أى: وقيل بعدا بعدا ... » «٢» .
هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة في هذه الآية كلاما طويلا، نكتفي بذكر جانب مما قاله في ذلك الشيخ القاسمى في تفسيره.
قال- ﵀ ما ملخصه: «هذه الآية بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها. وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك، ومن أوسعهم مجالا في مضمار معارفها
стр. 2930
الإمام «السكاكي» فقد أطال وأطنب في كتابه «المفتاح» في الحديث عنها.
فقد قال- عليه الرحمة- في بحث البلاغة والفصاحة:
وإذ قد وقفت على البلاغة، وعثرت على الفصاحة، فأذكر لك على سبيل الأنموذج، آية أكشف لك فيها من وجوههما ما عسى أن يكون مستورا عنك، وهذه الآية هي قوله- تعالى- وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، وَغِيضَ الْماءُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ....
والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية.
أما النظر فيها من جهة علم البيان.. فتقول: إنه- عز سلطانه- لما أراد أن يبين معنى هو: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك: بنى الكلام على التشبيه، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه أن يعصى أمره.. وكأنهما عقلاء مميزون فقال:
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ...
ثم قال: ماءَكِ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتصال الماء بالأرض، باتصال الملك بالمالك.
ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإقلاع الذي هو ترك الفاعل للفعل.
وأما النظر فيها من حيث علم المعاني ... فذلك أنه اختير يا دون سائر أخواتها، لكونها أكثر في الاستعمال ... واختير لفظ «ابلعي» على «ابتلعى» لكونه أخصر. ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى. نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند استماعها، وجدت ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية: فألفاظها على ما ترى عربية، مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، بعيدة عن البشاعة.
ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت «١» .
стр. 2931
ثم ختم- سبحانه- قصة نوح مع قومه في هذه السورة، بتلك الضراعة التي تضرع بها نوح- ﵇ بشأن ولده، وبذلك الرد الحكيم الذي رد به الخالق- على نوح- ﵇، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله- تعالى-، وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه قال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)
والمراد بالنداء في قوله- سبحانه-: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ.. الدعاء والضراعة إلى الله- تعالى- والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها.
أى: وبعد أن تخلف ابن نوح ﵇ عن الركوب معه في السفينة، وقضى الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين.. تضرع نوح- ﵇ إلى ربه فقال في استعطاف ورجاء:
стр. 2932
يا رب! ان ابني «كنعان» مِنْ أَهْلِي فهو قطعة منى، فأسألك أن ترحمه برحمتك إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ أى: وإن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت- يا ربي- قد وعدتني بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم، لكني في هذا الموقف العصيب أطمع في عفوك عن ابني وفي رحمتك له.
وقوله: وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ أى: وأنت يا إلهى- لا راد لما تحكم به، ولا معقب لحكمك، وحكمك هو الحق والعدل، وهو المنزه عن الخطأ والمحاباة، لأنه صادر عن كمال العلم والحكمة.
واكتفى نوح- ﵇ بأن يقول: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي. وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدبا مع الله- تعالى- وحياء منه- سبحانه- واعتقادا منه بأنه- سبحانه- عليم بما يريده، وخبير بما يجول في نفسه.
وهذا لون من الأدب السامي، سلكه الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في مخاطبتهم لربهم- ومن أولى منهم بذلك؟!! ولعل نوحا- ﵇ عند ما تضرع إلى ربه- سبحانه- بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع، فكان حاله في ذلك كحال النبي ﷺ عند ما قال لعمه أبى طالب: «لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله- تعالى- ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى.. «١» .
وقال الشيخ القاسمى: وإنما قال نوح ذلك- أى: رب إن ابني من أهلى.. ألخ- لفهمه من الأهل ذوى القرابة الصورية، والرحمة النسبية، وغفل- لفرط التأسف على ابنه- عن استثنائه- تعالى- بقوله: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول، فاستعطف ربه بالاسترحام، وعرض بقوله وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف وعده «٢» .
وقوله- سبحانه- قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ.. رد من الله- تعالى- على نوح فيما طلبه منه.
أى: قال الله- تعالى- مجيبا لنوح- ﵇ فيما سأله إياه: يا نوح إن ابنك
стр. 2933
هذا لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية، وقد انقطعت بالكفر، فلا علاقة بين مسلم وكافر.
أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره.
فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده، وليس المراد نفى أن يكون من صلبه، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه، ومن قال بغير ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت إليه، لخلوه عن الدليل.
قال ابن كثير: وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلا أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زنية.
وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، ثم قال: وقوله:
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أى: الذين وعدتك بنجاتهم.
وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه فإن الله- تعالى- أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة «١» .
وجملة إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ تعليل لنفى الأهلية.
وقد قرأ الجمهور (عمل) بفتح الميم وتنوين اللام- على أنه مصدر مبالغة في ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام إنه ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه.
وقرأ الكسائي ويعقوب عَمَلٌ بوزن فرح بصيغة الفعل الماضي- أى: إنه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والعصيان، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه.
قال صاحب الكشاف وقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ تعليل لانتفاء كونه من أهله.
وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك «٢» .
وقال الفخر الرازي: هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب، فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه، ولكن لما انتفت قرابة الدين، لا جرم نفاه الله- تعالى- بأبلغ الألفاظ وهو: قوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ «٣» .
стр. 2934
والفاء في قوله: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.. للتفريع.
أى: ما دمت قد وقفت على حقيقة الحال، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على وجه اليقين، أصواب هو أم غير صواب، بل عليك أن تتثبت من صحة ما تطلبه، قبل أن تقدم على طلبه.
وجملة إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ تأكيد لما قبلها، ونهى له عن مثل هذا السؤال في المستقبل، بعد أن أعلمه بحقيقة حال ابنه.
أى: إنى أنهاك يا نوح عن أن تكون من القوم الجاهلين، الذين يسألون عن أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها.
وهنا بين الله- تعالى- أن نوحا- ﵇ قد تنبه إلى ما أرشده إليه ربه، فبادر بطلب العفو والصفح منه- سبحانه- فقال: قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ...
أى: قال نوح- ﵇ ملتمسا الصفح من ربه: رب إنى أستجير بك، وأحتمى بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن، ليس عندي علم صحيح بأنه جائز ولائق وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط منى من قول، وما صدر عنى من فعل.
وَتَرْحَمْنِي برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء.
أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك وحكمتك. ثم بشر- سبحانه- نبيه نوحا- ﵇ بقبول توبته فقال: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ...
والسلام: التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان، وأصله السلامة، والباء فيه للمصاحبة والبركات. جمع بركة وهي ثبوت الخير ونماؤه وزيادته، واشتقاقها من البرك، وهو صدر البعير. يقال: برك البعير إذا ألقى بركه أى صدره على الأرض وثبت. ومنه البركة لثبوت الماء فيها.
والأمم: جمع أمة، وهي الجماعة الكثيرة من الناس، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة، أو موطن واحد.
أى: قال الله- تعالى- مبشرا نوحا- ﵇ بقبول توبته: يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره، وبالخيرات النامية والنعم الثابتة عليك، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التي ستهبط معك، بعد أن أنجاكم الله- تعالى-
стр. 2935
بفضله ورحمته من العذاب، الذي حل بالكافرين من قومك.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قال يا نوح اهبط بسلام.. ولكن جاء التعبير بقيل، مسايرة للتعبيرات السابقة في أجزاء القصة، مثل قوله- سبحانه- وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ.. وقوله: وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وقوله اهْبِطْ بِسَلامٍ.. فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط في ضيافة الله ورعايته، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين، لما نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم.
والتعبير بقوله مِنَّا لزيادة التكريم، وتأكيد السلام. أى: انزل بسلام ناشئ من عندنا، وليس من عند غيرنا لأن كل سلام من غيرنا لا قيمة له بجانب سلامنا.
وقوله عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ متعلق بسلام وبركات.
وفي هذا إشارة إلى أنه- سبحانه- سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين، أمما كثيرة تكون محل كرامة الله وأمانه وبركاته.
وقوله- سبحانه- وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ كلام مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله.
أى: أن الأمم التي تكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين: قسم منهم له منا السلام، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح.
وقسم آخر سنمتعه في الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها، ثم يصيبه يوم القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا، وعصيانه لرسلنا.
فعلى كل عاقل أن يجتهد في أن يكون من القسم الأول، وأن يتجنب القسم الثاني.
ثم اختتم الله- تعالى- قصة نوح- ﵇ مع قومه في هذه السورة، بقوله:
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
واسم الإشارة تِلْكَ يعود إلى ما قصة الله- تعالى- من قصة نوح مع قومه في هذه السورة.
والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الهام. والغيب: مصدر غاب، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل.
أى: تلك القصة التي قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم، من أخبار الغيب الماضية، التي لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا.
стр. 2936
ونحن نُوحِيها إِلَيْكَ ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين.
وهذه القصة وأمثالها ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنت يا محمد، وما كان يعلمها قَوْمُكَ أيضا، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة، الخالية من الأساطير والأكاذيب.
مِنْ قَبْلِ هذا الوقت الذي أوحيناها إليك فيه.
وما دام الأمر كذلك فَاصْبِرْ صبرا جميلا على تبليغ رسالتك، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوح من قبل.
وجملة إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ تعليل للأمر بالصبر.
والعاقبة: الحالة التي تعقب حالة قبلها، وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كما في قوله- تعالى- وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى. وأل فيها للجنس، واللام في قوله لِلْمُتَّقِينَ للاختصاص.
أى: إن العاقبة الحسنة الطيبة في الدنيا والآخرة، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضى الله- تعالى-، وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى.
والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح- ﵇ قصد به الامتنان على النبي ﷺ والموعظة، والتسلية.
فالامتنان نراه في قوله- تعالى- ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا.
والموعظة نراها في قوله- سبحانه- فَاصْبِرْ.
والتسلية نراها في قوله- إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
وبعد، فهذه قصة نوح- ﵇ كما وردت في هذه السورة الكريمة، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التي نأخذها منها ما يأتى:
١- الدلالة على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-، فقد أخبرنا عن قصة نوح- ﵇ مع قومه، وعن غيرها من القصص، التي هي من أنباء الغيب، والتي لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله- .
٢- أن نوحا- ﵇ قد سلك في دعوته إلى الله- تعالى- أحسن الأساليب وأحكمها، فقد دعا قومه إلى عبادة الله- تعالى- وحده في الليل وفي النهار. وفي السر وفي العلانية، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه، ورغبهم في الإيمان بشتى ألوان الترغيب، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير، وصبر على أذاهم صبرا جميلا، ورد على سفاهاتهم
стр. 2937
وأقوالهم بمنطق سليم، أبطل به حججهم.. مما جعلهم يكفون عن مناقشته، ويلجئون إلى التحدي والتعنت.
وما أحوج الدعاة إلى الله- إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه.
٣- أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله، إلا إذا كان معه الإيمان والعمل الصالح، وأن الإيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة. كلها من المؤمنين الصالحين، مع أن المشاهد غير ذلك.
ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال- ما ملخصه- عند تفسيره لقوله- تعالى- قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ..: «وفي هذه الآية تسلية للآباء في فساد أبنائهم وإن كان الآباء صالحين» ، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم، فعلم بذلك مالك فقال: «الأدب أدب الله، لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله، لا خير الآباء والأمهات..» «١» .
٤- أن سؤال نوح- ﵇ ما سأله لابنه لم يكن- كما قال صاحب المنار معصية لله- تعالى- خالف فيها أمره أو نهيه، وإنما كان خطأ في اجتهاد رأى بنية صالحة.
وإنما عدها الله- تعالى- ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه، هبطت بضعفه البشرى، وما غرس في الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن، بما يصعدون به في معارج العرفان» «٢» .
٥- إن القرآن في إيراده للقصص والأخبار، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره، فيهمل القرآن الحديث عنه.
فمثلا في قصة نوح- ﵇ هنا، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التي قضاها نوح في صنع السفينة. ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها، ولا لتفاصيل الأنواع التي حملها معه في السفينة، ولا لبيان الفترة التي عاشها نوح ومن معه فيها.
ولا لبيان المكان الذي هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودي.. ولا لبيان
стр. 2938
الزمان الذي استغرقه الطوفان فوق الأرض.
وما ورد في ذلك من أقوال وأخبار، أكثرها من الإسرائيليات التي لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل.
ومن المسائل التي تكلم عنها كثير من العلماء، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان.
وقد أصدر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده- ﵀ فتوى في هذا الشأن، ملخصها كما يقول صاحب المنار: أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض.
وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعى، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا) «١» .
٦- أن سنة الله- تعالى- في خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهي أن العاقبة للمتقين، مهما طال الصراع بين الحق والباطل، وبين الأخيار والأشرار.
فلقد لبث نوح- ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى ... ولكن كانت النتيجة في النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم.
ولقد أفاض صاحب الظلال- ﵀ وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه:
«ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح، لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله- سبحانه-.
إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح- ﵇ تذكر بعض الروايات، أنهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما.
إن هذه الحفنة- وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل-، قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء ...
وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها.
وهذه هي عبرة الحادث الكونى العظيم.
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام، أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى
стр. 2939
إفراد الله- سبحانه- بالربوبية. كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى، وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه:
(أنى مغلوب فانتصر) .
إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة.. إن الجاهلية تملك قواها.. ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما يشاء وكيفما يشاء-، وأيسر هذه القوى يدمر قوى الجاهلية من حيث لا تحتسب!!.
والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا، ثم يتركوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعند ما يغلبون عليهم أن يلجئوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.
ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عبادة، فهم على هذا الانتظار مأجورون.. والعاقبة للمتقين» «١» .
ثم تابعت السورة الكريمة حديثها عن قصة هود- ﵇ مع قومه، بعد حديثها عن قصة نوح- ﵇ مع قومه، فقال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٦٠]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)
مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)
стр. 2940
تلك هي قصة هود- ﵇ مع قومه كما حكتها هذه السورة، وقد وردت قصته معهم في سور أخرى منها: سورة الأعراف، والشعراء، والأحقاف.
وينتهى نسب هود إلى نوح- ﵉ فهو- كما قال بعض المؤرخين-:
هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح) «١» .
وقومه هم قبيلة عاد- نسبة إلى أبيهم الذي كان يسمى بهذا الاسم-، وكانت مساكنهم بالأحقاف- جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل-، وهذا المكان يسمى الآن بالربع الخالي جنوب الجزيرة العربية.
وكان قوم هود- ﵇ يعبدون الأصنام، فأرسله الله إليهم لهدايتهم.
стр. 2941
ويقال إن هودا- ﵇ قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح، وبينهما زهاء مائة سنة.
وقوله- سبحانه-: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ... معطوف على قصة نوح التي سبق الحديث عنها.
أى: وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هودا، فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.
ووصفه- سبحانه- بأنه أَخاهُمْ لأنه من قبيلتهم في النسب، أو لأنه أخوهم في الإنسانية وناداهم بقوله: يا قَوْمِ زيادة في التلطف معهم، استجلابا لقلوبهم، وترضية لنفوسهم، وجملة ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ في معنى العلة لما قبله.
أى: أنا آمركم بعبادة الله وحده، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة سواه، فهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو الذي يحييكم ويميتكم.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ.
والافتراء: الكذب المتعمد الذي لا شبهة لصاحبه في النطق به.
أى: ما أنتم إلا متعمدون للكذب في جعلكم الألوهية لغير الله- تعالى-.
ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد منهم جزاء ولا شكورا في مقابل دعوته إياهم إلى الحق فقال: يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي....
وفطرني: أى خلقني وأبدعنى على غير مثال سابق، يقال: فطر الأمر. أى: ابتدأه وأنشأه. وفطر الله الخلق: أى خلقهم وأوجدهم. وأصل الفطر: الشق، ثم استعمل في الخلق والإنشاء مجازا.
والمعنى: ويا قوم لا أريد منكم على ما أدعوكم إليه أجرا منكم، وإنما أجرى تكفل به الله الذي خلقني بقدرته، فهو وحده الذي أطلب منه الأجر والعطاء.
ومقصده من هذا القول، إزالته ما عسى أن يكون قد حاك في نفوسهم، من أنه ما دعاهم إلى ما دعاهم إليه، إلا لأنه رجل يبتغى منهم الأجر الذي يجعله موسرا فيهم..
والهمزة في قوله أَفَلا تَعْقِلُونَ للاستفهام الإنكارى، وهي داخلة على محذوف.
أى: أتجهلون ما هو واضح من الأمور، فلا تعقلون أن أجر الناصحين المخلصين، إنما هو من الله- تعالى- رب العالمين ورازقهم.
ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم، وحذرهم من سوء عاقبة البطر والأشر
стр. 2942
فقال: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ.
والاستغفار: طلب المغفرة من الله- تعالى- وعدم المؤاخذة على الخطايا:
والتوبة: العزم على الإقلاع عن الذنب، مع الندم على ما حصل منه في الماضي.
أى: ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان، ثم عودوا إليه بالتوبة الصادقة النصوح.
وثم هنا للترتيب الرتبى، لأن الإقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك: مقدم على طلب المغفرة.
وجملة يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً جواب الأمر في قوله اسْتَغْفِرُوا.
والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر، تسمية للشيء باسم مصدره.
ومدرارا: مأخوذ من الدر أى: سيلان اللبن وكثرته. ثم استعير للمطر الغزير يقال:
درت السماء بالمطر تدر وتدر درا.. إذا كثر نزول المطر منها.
وهو حال من السماء، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث، باعتبار أن المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب.
والمعنى: أن هودا- ﵇ قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واستغفروه وتوبوا إليه..
فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله- تعالى- عليكم المطر غزيرا متتابعا في أوقات حاجتكم إليه لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم.
وجملة وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ معطوفة على ما قبلها.
أى: وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله- تعالى- عزا إلى عزكم، وشدة إلى شدتكم التي عرفتم بها، ووهبكم الأموال الطائلة، والذرية الكثيرة.
قال الآلوسى: «رغبهم- ﵇ بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة بالتناسل ... » «١» .
стр. 2943
ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال: وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ. والتولي:
هو الإعراض عن الشيء بإصرار وعناد.
أى: ولا تتولوا عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود وعناد.
وإلى هنا يكون هود- ﵇ قد وضح لقومه دعوته، ورغبهم في الاستجابة لها، وحذرهم من الإعراض عنها، وناداهم بلفظ- يا قوم- ثلاث مرات، توددا إليهم، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التي تجمعهم وإياه. لعل ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، فإن الرائد لا يكذب أهله.
ولكن قوم هود- ﵇ قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه، والسخرية منه فقالوا:
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ...
والبينة: ما يتبين به الحق من الباطل. أى: قالوا له يا هود إنك لم تجئنا بحجة تقنعنا بأنك على الحق فيما تدعو إليه، وترضى نفوسنا وطباعنا وعاداتنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ.
أى: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك لنا الخالي عن الدليل: اتركوا عبادتها واجعلوا عبادتكم لله وحده.
ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أى: بمستجيبين لك ومصدقين.
ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا: «إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ... » .
ومعنى اعتراك: أصابك ومسك. يقال عراه الأمر واعتراه أى أصابه، وأصله من قولهم:
عراه يعروه، أى: غشيه وأصابه. ومنه قول الشاعر:
وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... أى: تصيبني.
أى: ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمتبعين، بل عليك أن تيأس يأسا تاما من استجابتنا لك، وحالتك التي نراها بأعيننا تجعلنا نقول لك: إن سبك لآلهتنا جعل بعضها- لا كلها- يتسلط عليك، ويوجه قدرته نحوك، فيصيبك بالجنون والهذيان والأمراض.
ولم يقولوا: «اعتراك آلهتنا بسوء» بل قالوا: بَعْضُ آلِهَتِنا تهديدا له وإشارة إلى
стр. 2944
أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا.
وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود، تدرجوا فيها من السيئ إلى الأسوأ، ومن القبيح إلى الأقبح.. مما يدل على توغلهم في الطغيان، وبلوغهم النهاية في العناد والكفر والجحود.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء..» .
أى: مسك بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين.
ثم قال. وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد.
وهذا الأخير دال على جهل مفرط، وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم ... » «١» .
والآن وبعد أن استمع هود- ﵇ إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم؟
لقد كان موقفه منهم: موقف المتبرئ من شركهم، والمتحدى لطغيانهم والمعتمد على الله- تعالى- وحده في الانتصار عليهم، ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال:
قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
أى: قال هود- ﵇ للطغاة من قومه بعزة وثقة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ الذي لا رب سواه على براءتي من عبادتكم لغيره.
وَاشْهَدُوا أنتم أيضا على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ.
أى: على براءتي من كل عبادة تعبدونها لغير الله- تعالى- لأنها عبادة باطلة. يحتقرها العقلاء، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه.
فأنت تراه في هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم، وبراءته من شركهم، واستخفافه
стр. 2945
بأصنامهم التي زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله- تعالى- وإشهادهم.
وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به: أشهد الله وأشهدك على أنى فعلت بك كذا وكذا، وقلت في حقك كذا وكذا ... فافعل أنت ما بدا لك!! ثم ينتقل من براءته من شركهم، إلى تحديهم بثقة واطمئنان فيقول: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ.
أى: لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برىء من شرككم، وها أنذا في مواجهتكم، فانضموا إلى آلهتكم، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة والأذى بدون تريث أو إمهال، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتي، ولن أتراجع عن احتقار الباطل الذي أنتم عليه.
وهذا- كما يقول صاحب الكشاف- من أعظم الآيات، أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس واحدة وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم.. «١» .
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذي دعاه إلى البراءة من شركهم، وإلى عدم المبالاة بهم فقال- كما حكى القرآن عنه- إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ....
أى: إنى فوضت أمرى إلى الله الذي هو ربي وربكم، ومالك أمرى وأمركم، والذي لا يقع في هذا الكون شيء الا بإرادته ومشيئته.
وفي قوله: رَبِّي وَرَبِّكُمْ مواجهة لهم بالحقيقة التي ينكرونها، لإفهامهم أن إنكارهم لا قيمة له، وأنه إنكار عن جحود وعناد.. فهو- سبحانه- ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه. وقوله ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها تصوير بديع لشمول قدرته- سبحانه- والأخذ: هو التناول للشيء عن طريق الغلبة والقهر.
والناصية: منبت الشعر في مقدم الرأس، ويطلق على الشعر النابت نفسه.
قال الإمام الرازي: واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان. أى أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون ... «٢» .