ويقال إن هودا- ﵇ قد أرسله الله إلى عاد الأولى، أما عاد الثانية فهم قوم صالح، وبينهما زهاء مائة سنة.
وقوله- سبحانه-: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ... معطوف على قصة نوح التي سبق الحديث عنها.
أى: وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ليأمرهم بعبادة الله وحده، أرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هودا، فقال لهم ما قاله كل نبي لقومه: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.
ووصفه- سبحانه- بأنه أَخاهُمْ لأنه من قبيلتهم في النسب، أو لأنه أخوهم في الإنسانية وناداهم بقوله: يا قَوْمِ زيادة في التلطف معهم، استجلابا لقلوبهم، وترضية لنفوسهم، وجملة ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ في معنى العلة لما قبله.
أى: أنا آمركم بعبادة الله وحده، لأنه ليس هناك إله آخر يستحق العبادة سواه، فهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو الذي يحييكم ويميتكم.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ.
والافتراء: الكذب المتعمد الذي لا شبهة لصاحبه في النطق به.
أى: ما أنتم إلا متعمدون للكذب في جعلكم الألوهية لغير الله- تعالى-.
ثم بين لهم بعد ذلك أنه لا يريد منهم جزاء ولا شكورا في مقابل دعوته إياهم إلى الحق فقال: يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي....
وفطرني: أى خلقني وأبدعنى على غير مثال سابق، يقال: فطر الأمر. أى: ابتدأه وأنشأه. وفطر الله الخلق: أى خلقهم وأوجدهم. وأصل الفطر: الشق، ثم استعمل في الخلق والإنشاء مجازا.
والمعنى: ويا قوم لا أريد منكم على ما أدعوكم إليه أجرا منكم، وإنما أجرى تكفل به الله الذي خلقني بقدرته، فهو وحده الذي أطلب منه الأجر والعطاء.
ومقصده من هذا القول، إزالته ما عسى أن يكون قد حاك في نفوسهم، من أنه ما دعاهم إلى ما دعاهم إليه، إلا لأنه رجل يبتغى منهم الأجر الذي يجعله موسرا فيهم..
والهمزة في قوله أَفَلا تَعْقِلُونَ للاستفهام الإنكارى، وهي داخلة على محذوف.
أى: أتجهلون ما هو واضح من الأمور، فلا تعقلون أن أجر الناصحين المخلصين، إنما هو من الله- تعالى- رب العالمين ورازقهم.
ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم، وحذرهم من سوء عاقبة البطر والأشر
стр. 2942
فقال: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ.
والاستغفار: طلب المغفرة من الله- تعالى- وعدم المؤاخذة على الخطايا:
والتوبة: العزم على الإقلاع عن الذنب، مع الندم على ما حصل منه في الماضي.
أى: ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان، ثم عودوا إليه بالتوبة الصادقة النصوح.
وثم هنا للترتيب الرتبى، لأن الإقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك: مقدم على طلب المغفرة.
وجملة يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً جواب الأمر في قوله اسْتَغْفِرُوا.
والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر، تسمية للشيء باسم مصدره.
ومدرارا: مأخوذ من الدر أى: سيلان اللبن وكثرته. ثم استعير للمطر الغزير يقال:
درت السماء بالمطر تدر وتدر درا.. إذا كثر نزول المطر منها.
وهو حال من السماء، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث، باعتبار أن المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب.
والمعنى: أن هودا- ﵇ قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واستغفروه وتوبوا إليه..
فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله- تعالى- عليكم المطر غزيرا متتابعا في أوقات حاجتكم إليه لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم.
وجملة وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ معطوفة على ما قبلها.
أى: وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله- تعالى- عزا إلى عزكم، وشدة إلى شدتكم التي عرفتم بها، ووهبكم الأموال الطائلة، والذرية الكثيرة.
قال الآلوسى: «رغبهم- ﵇ بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة بالتناسل ... » «١» .
стр. 2943
ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال: وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ. والتولي:
هو الإعراض عن الشيء بإصرار وعناد.
أى: ولا تتولوا عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود وعناد.
وإلى هنا يكون هود- ﵇ قد وضح لقومه دعوته، ورغبهم في الاستجابة لها، وحذرهم من الإعراض عنها، وناداهم بلفظ- يا قوم- ثلاث مرات، توددا إليهم، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التي تجمعهم وإياه. لعل ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، فإن الرائد لا يكذب أهله.
ولكن قوم هود- ﵇ قابلوا كل ذلك بالتطاول عليه، والسخرية منه فقالوا:
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ...
والبينة: ما يتبين به الحق من الباطل. أى: قالوا له يا هود إنك لم تجئنا بحجة تقنعنا بأنك على الحق فيما تدعو إليه، وترضى نفوسنا وطباعنا وعاداتنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ.
أى: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك لنا الخالي عن الدليل: اتركوا عبادتها واجعلوا عبادتكم لله وحده.
ثم أكدوا إصرارهم على كفرهم بقولهم وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أى: بمستجيبين لك ومصدقين.
ثم أضافوا إلى إصرارهم هذا استخفافا به وبما يدعو إليه فقالوا: «إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ... » .
ومعنى اعتراك: أصابك ومسك. يقال عراه الأمر واعتراه أى أصابه، وأصله من قولهم:
عراه يعروه، أى: غشيه وأصابه. ومنه قول الشاعر:
وإنى لتعرونى لذكراك هزة ... أى: تصيبني.
أى: ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمتبعين، بل عليك أن تيأس يأسا تاما من استجابتنا لك، وحالتك التي نراها بأعيننا تجعلنا نقول لك: إن سبك لآلهتنا جعل بعضها- لا كلها- يتسلط عليك، ويوجه قدرته نحوك، فيصيبك بالجنون والهذيان والأمراض.
ولم يقولوا: «اعتراك آلهتنا بسوء» بل قالوا: بَعْضُ آلِهَتِنا تهديدا له وإشارة إلى
стр. 2944
أنه لو تصدت له جميع الآلهة لأهلكته إهلاكا.
وهكذا نراهم قد ردوا على نبيهم ومرشدهم بأربعة ردود، تدرجوا فيها من السيئ إلى الأسوأ، ومن القبيح إلى الأقبح.. مما يدل على توغلهم في الطغيان، وبلوغهم النهاية في العناد والكفر والجحود.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء..» .
أى: مسك بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين.
ثم قال. وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد.
وهذا الأخير دال على جهل مفرط، وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم ... » «١» .
والآن وبعد أن استمع هود- ﵇ إلى ردودهم القبيحة ماذا كان موقفه منهم؟
لقد كان موقفه منهم: موقف المتبرئ من شركهم، والمتحدى لطغيانهم والمعتمد على الله- تعالى- وحده في الانتصار عليهم، ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال:
قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.
أى: قال هود- ﵇ للطغاة من قومه بعزة وثقة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ الذي لا رب سواه على براءتي من عبادتكم لغيره.
وَاشْهَدُوا أنتم أيضا على أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ.
أى: على براءتي من كل عبادة تعبدونها لغير الله- تعالى- لأنها عبادة باطلة. يحتقرها العقلاء، ويتنزه عنها كل إنسان يحترم نفسه.
فأنت تراه في هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم، وبراءته من شركهم، واستخفافه
стр. 2945
بأصنامهم التي زعموا أن بعضها قد أصابه بسوء، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله- تعالى- وإشهادهم.
وذلك كما يقول الرجل لخصمه إذا لم يبال به: أشهد الله وأشهدك على أنى فعلت بك كذا وكذا، وقلت في حقك كذا وكذا ... فافعل أنت ما بدا لك!! ثم ينتقل من براءته من شركهم، إلى تحديهم بثقة واطمئنان فيقول: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ.
أى: لقد أعلنت أمامكم بكل قوة ووضوح أنى برىء من شرككم، وها أنذا في مواجهتكم، فانضموا إلى آلهتكم، وحاربونى بما شئتم من ألوان المحاربة والأذى بدون تريث أو إمهال، فإنى لن أكف عن الجهر بدعوتي، ولن أتراجع عن احتقار الباطل الذي أنتم عليه.
وهذا- كما يقول صاحب الكشاف- من أعظم الآيات، أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوس واحدة وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم.. «١» .
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذي دعاه إلى البراءة من شركهم، وإلى عدم المبالاة بهم فقال- كما حكى القرآن عنه- إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ....
أى: إنى فوضت أمرى إلى الله الذي هو ربي وربكم، ومالك أمرى وأمركم، والذي لا يقع في هذا الكون شيء الا بإرادته ومشيئته.
وفي قوله: رَبِّي وَرَبِّكُمْ مواجهة لهم بالحقيقة التي ينكرونها، لإفهامهم أن إنكارهم لا قيمة له، وأنه إنكار عن جحود وعناد.. فهو- سبحانه- ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه. وقوله ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها تصوير بديع لشمول قدرته- سبحانه- والأخذ: هو التناول للشيء عن طريق الغلبة والقهر.
والناصية: منبت الشعر في مقدم الرأس، ويطلق على الشعر النابت نفسه.
قال الإمام الرازي: واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان. أى أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته. وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون ... «٢» .
стр. 2946
والمعنى: إنى اعتمدت على الله ربي وربكم: ما من دابة تدب على وجه الأرض إلا والله- تعالى- مالكها وقاهر لها، وقادر عليها، ومتصرف فيها كما يتصرف المالك في ملكه.
وفي هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام، كما تناسب غلظة قوم هود وشدتهم. وصلابة أجسامهم وبنيتهم، وجفاف حسهم ومشاعرهم.. فكأنه- ﵇ يقول لهم: إنكم مهما بلغتم من القوة والبطش، فما أنتم الا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربي بناصيتها. ويقهرها بقوته قهرا يهلكها- إذا شاء ذلك- فكيف أخشى دوابا مثلكم مع توكلي على الله ربي وربكم؟! ثم يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله- تعالى- بوصف آخر يدل على عدالته وتنزهه عن الظلم فيقول: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أى: إن ربي قد اقتضت سنته أن يسلك في أحكامه طريق الحق والعدل وما دام الأمر كذلك فلن يسلطكم على لأنه- حاشاه- أن يسلط من كان متمسكا بالباطل، على من كان متمسكا بالحق.
واكتفى هنا بإضافة الرب إلى نفسه، للإشارة إلى أن لطفه- سبحانه- يشمل هودا وحده ولا يشملهم، لأنهم أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى.
ثم ختم هود- ﵇ رده على قومه، بتحذيرهم من سوء عاقبة إصرارهم على كفرهم فقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ....
أى: فإن تتولوا عن دعوتي، وتعرضوا عن الحق الذي جئتكم به من عند ربي، فتكون عاقبتكم خسرا، وأمركم فرطا.
أما أنا فقد أديت واجبى، وأبلغتكم ما أرسلت به إليكم من عند ربي بدون تكاسل أو تقصير. وقوله وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً وعيد لهم بإهلاكهم وإحلال غيرهم محلهم.
أى: وهو- سبحانه- سيهلككم بسبب إصراركم على كفركم في الوقت الذي يشاؤه، ويستخلف من بعدكم قوما آخرين سواكم، يرثون دياركم وأموالكم، ولن تضروا الله شيئا من الضرر بسبب إصراركم على كفركم، وإنما أنتم الذين تضرون أنفسكم بتعريضها للدمار في الدنيا، وللعذاب الدائم في الآخرة.
وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أى: إن ربي قائم على كل شيء بالحفظ والرقابة والهيمنة، وقد اقتضت سنته- سبحانه- أن يحفظ رسله وأولياءه، وأن يخذل أعداءه.
стр. 2947
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا بأسلوب بليغ حكيم، جانبا من الحوار الذي دار بين هود وقومه وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فماذا كانت نتيجة هذا الحوار والجدال؟
لقد كانت نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه، وإهلاك أعدائهم.
قال- تعالى- وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ. وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ.
والمراد بالأمر في قوله- سبحانه- وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا الأمر بنزول العذاب بهم.
أى: وحين جاء أمرنا بتحقيق وعيدنا في قوم هود، وبتنفيذ ما أردناه من إهلاكهم وتدميرهم نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ تنجية مصحوبة بِرَحْمَةٍ عظيمة كائنة مِنَّا بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.
وَنَجَّيْناهُمْ كذلك مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ أى: من عذاب ضخم شديد مضاعف ترك هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.
ووصف العذاب بأنه غليظ، بهذا التصوير المحسوس، يتناسب كل التناسب مع جو هذه القصة، ومع ما عرف عن قوم هود من ضخامة في الأجسام، ومن تفاخر بالقوة.
قال- تعالى- فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ... «١» .
وكان عذابهم كما جاء في آيات أخرى بالريح العقيم، ومن ذلك قوله- تعالى- وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ....
واسم الإشارة في قوله- سبحانه- وَتِلْكَ عادٌ ... يعود إلى القبيلة أو إلى آثارهم التي خلفوها من بعدهم. أى: وتلك هي قصة قبيلة عاد مع نبيها هود- ﵇ وتلك هي عاقبتها وكانت الإشارة للبعيد تحقيرا لهم، وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا، وبعدوا عن الأنظار والأفكار، وقد كانوا يقولون: من أشد منا قوة.
وقوله: جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... بيان لجرائمهم التي استحقوا بسببها العذاب الغليظ.
والجحد: الإنكار الشديد للحق الواضح.
стр. 2948
وآيات ربهم: الحجج والبراهين التي جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم.
والجبار: هو الشخص المتعالي المتعاظم على الناس، المترفع عن الاستجابة للحق.
والعنيد: المعاند الطاغي الذي يعرف الحق ولكنه لا يتبعه.
أى: وتلك هي قصة قبيلة عاد مع نبيها، كفروا بآيات ربهم الدالة على صدق أنبيائه، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم، واتبع سفلتهم وعوامهم أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند منهم، بدون تفكر أو تدبر.
وقال- سبحانه- وَعَصَوْا رُسُلَهُ مع أنهم قد عصوا رسولا واحدا هو هود- ﵇، للإشارة إلى أى معصيتهم لهذا الرسول كأنها معصية للرسل جميعا، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها وهي: عبادة الله- تعالى- وحده، والتقيد بأوامره ونواهيه.
والإشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا.
وقد وصفهم- سبحانه- في هذه الآية بثلاث صفات هي أعظم الصفات في القبح والشناعة: أولها: جحودهم لآيات ربهم. وثانيها: عصيانهم لرسله. وثالثها: اتباعهم أمر رؤسائهم الطغاة.
ثم ختم- سبحانه- قصتهم مع نبيهم في هذه السورة بقوله: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ.
والإتباع: اقتفاء أثر الشيء بحيث لا يفوته. يقال: أتبع فلان فلانا إذا اقتفى أثره لكي يدركه أو يسير على نهجه.
واللعنة: الطرد بإهانة وتحقير.
أى: أنهم هلكوا مشيعين ومتبوعين باللعن والطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة.
وقوله: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ، أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ تسجيل لحقيقة حالهم، ودعاء عليهم بدوام الهلاك، وتأكيد لسخط الله عليهم.
أى: ألا إن قوم عاد كفروا بنعم ربهم عليهم، ألا سحقا وبعدا لهم عن رحمة الله، جزاء جحودهم للحق، وإصرارهم على الكفر، واستحبابهم العمى على الهدى.
وتكرير حرف التنبيه «ألا» وإعادة لفظ «عاد» للمبالغة في تهويل حالهم وللحض على الاعتبار والاتعاظ بمآلهم.
هذا، ومن العبر البارزة في هذه القصة:
стр. 2949
١- أن الداعي إلى الله، عليه أن يذكر المدعوين بما يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، ويرغبهم في اتباع الحق، ببيان أن اتباعهم لهذا الحق سيؤدي إلى زيادة غناهم وقوتهم وأمنهم وسعادتهم.
وأن الانحراف عنه سيؤدي إلى فقرهم وضعفهم وهلاكهم.
انظر إلى قول هود- ﵇: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ.
٢- وأن الداعي إلى الله- تعالى- عند ما يخلص لله دعوته، ويعتمد عليه- سبحانه- في تبليغ رسالته، ويغار عليها كما يغار على عرضه أو أشد.
فإنه في هذه الحالة سيقف في وجه الطغاة المناوئين للحق، كالطود الأشم، دون مبالاة بتهديدهم ووعيدهم.. لأنه قد أوى إلى ركن شديد.
وهذه العبرة من أبرز العبر في قصة هود ﵇.
ألا تراه وهو رجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا طغاة، إذا بطشوا بطشوا جبارين، يدلون بقوتهم ويقولون في زهو وغرور: من أشد منا قوة.
ومع كل ذلك عند ما يتطاولون على عقيدته ويراهم قد أصروا على عصيانه.
يواجههم بقوله: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ...
أرأيت كيف واجه هود- ﵇ هؤلاء الغلاظ الشداد بالحق الذي يؤمن به دون مبالاة بوعيدهم أو تهديدهم..؟
وهكذا الإيمان بالحق عند ما يختلط بالقلب ... يجعل الإنسان يجهر به دون أن يخشى أحدا إلا الله- تعالى-.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن قصة صالح- ﵇ مع قومه، فقال- تعالى-
[سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٨]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)
стр. 2950
هذه قصة صالح- ﵇ مع قومه كما ذكرتها هذه السورة، وقد وردت هذه القصة في سور أخرى منها سورة الأعراف، والشعراء، والنمل، والقمر.
وصالح- ﵇ ينتهى نسبه إلى نوح- ﵇ فهو صالح بن عبيد بن آصف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود ... بن نوح.
وثمود: اسم للقبيلة التي منها صالح، سميت باسم جدها ثمود، وقيل سميت بذلك لقلة مائها، لأن الثمد هو الماء القليل.
стр. 2951
وكانت مساكنهم بالحجر- بكسر الحاء وسكون الجيم- وهو مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وموقعه الآن- تقريبا- المنطقة التي بين الحجاز وشرق الأردن، وما يزال المكان الذي كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح حتى اليوم.
وقبيلة صالح من القبائل العربية، وكانوا خلفاء لقوم هود- ﵇ فقد قال- سبحانه-: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً.. «١» .
وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله- تعالى- إليهم صالحا ليأمرهم بعبادة الله وحده.
وقوله: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ..
معطوف على ما قبله من قصتي نوح وهود- ﵉ أى: وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم في النسب والموطن صالحا- ﵇ فقال لهم تلك الكلمة التي قالها كل نبي لقومه: يا قوم اعبدوا الله وحده، فهو الإله الذي خلقكم ورزقكم، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك.
ثم ذكرهم بقدرة الله- تعالى- وبنعمه عليهم فقال: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها.
والإنشاء: الإيجاد والإحداث للشيء على غير مثال سابق.
واستعمركم من الإعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة. يقال: أعمر فلان فلانا في المكان واستعمره، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس والزرع.
أى: اعبدوا الله- تعالى- وحده، لأنه- سبحانه- هو الذي ابتدأ خلقكم من هذه الأرض، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذي جعلكم المعمرين لها، والساكنين فيها تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً....
قال- تعالى- في شأنهم.. أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ. وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. «٢» .
فأنت ترى أن صالحا- ﵇ قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ومن أفضاله عليهم، لكي يستميلهم إلى التفكر والتدبر، وإلى تصديقه فيما يدعوهم إليه.
والفاء في قوله فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ للتفريع على ما تقدم.
стр. 2952
أى: إذا كان الله- تعالى- هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم أن تخلصوا له العبادة، وأن تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب.
ثم تتوبوا إليه توبة صادقة: تجعلكم تندمون على ما كان منكم في الماضي من شرك وكفر، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله- تعالى- في المستقبل.
ثم فتح أمامهم باب الأمل في رحمة الله- تعالى- فقال: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
أى: إن ربي قريب الرحمة من المحسنين، مجيب لدعاء الداعين المخلصين، فاقبلوا على عبادته وطاعته، ولا تقنطوا من رحمة الله.
ثم حكى القرآن ما رد به قوم صالح عليه فقال: قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا....
أى: قال قوم صالح له بعد أن دعاهم لما يسعدهم: يا صالح لقد كنت فينا رجلا فاضلا نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك.. قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير.
فالإشارة في قوله قَبْلَ هذا إلى الكلام الذي خاطبهم به حين بعثه الله إليهم.
والاستفهام في قولهم أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا للتعجيب والإنكار.
أى: أجئتنا بدعوتك الجديدة لتنهانا عن عبادة الآلهة التي كان يعبدها آباؤنا من قبلنا؟
لا، إننا لن نستجيب لك، وإنما نحن قد وجدنا آباءنا على دين وإننا على آثارهم نسير.
ثم ختموا ردهم عليه بقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ.
ومريب: اسم فاعل من أراب. تقول: أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة أى: القلق والاضطراب.
أى: لن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وإننا لفي شك كبير، وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه.
فانظر كيف قابل هؤلاء السفهاء الدعوة إلى الحق بالتصميم على الباطل، ولكن صالحا- ﵇ لم ييأس بل يرد عليهم بأسلوب حكيم فيقول:
قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ، فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ.
أى قال صالح- ﵇ لقومه: يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة من ربي ومالك أمرى.
стр. 2953
وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً أى: وأعطانى من عنده لا من عند غيره رحمة عظيمة حيث اختارني لحمل رسالته. وتبليغ دعوته.
وجملة فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ جواب الشرط وهو قوله إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ.
أى: إذا كان الله- تعالى- قد منحني كل هذه النعم، وأمرنى بأن أبلغكم دعوته فمن ذا الذي يجيرني ويعصمني من غضبه، إذا أنا خالفت أمره أو قصرت في تبليغ دعوته، احتفاظا برجائكم في، ومسايرة لكم في باطلكم؟
لا، إننى سأستمر في تبليغ ما أرسلت به إليكم، ولن يمنعني عن ذلك ترغيبكم أو ترهيبكم.
وقوله فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ تصريح منه بأن ما عليه هو الحق الذي لا يقبل الشك أو الريب، وأن مخالفته توصل إلى الهلاك والخسران.
والتخسير: مصدر خسر، يقال خسر فلان فلانا إذا نسبه إلى الخسران. أى: فما تزيدونني بطاعتكم ومعصية ربي غير الوقوع في الخسران، وغير التعرض لعذاب الله وسخطه وحاشاى أن أخالف أمر ربي إرضاء لكم.
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه صالح- ﵇ من إيمان عميق بالله- تعالى-، ومن ثبات على دعوته ومن حرص على طاعته- سبحانه- ثم أرشد صالح- ﵇ إلى المعجزة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه فقال:
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً.. أى: معجزة، واضحة دالة على صدقى وفي إضافة الناقة إلى الله- تعالى- تعظيم لها وتشريف لحالها، وتنبيه على أنها ناقة مخصوصة ليست كغيرها من النوق التي تستعمل في الركوب والنحر وغيرهما. لأن الله- تعالى- قد جعلها معجزة لنبيه صالح- ﵇ ولم يجعلها كغيرها.
وقد ذكر بعض المفسرين من صفات هذه الناقة وخصائصها. ما لا يؤيده نقل صحيح، لذا أضربنا عن كل ذلك صفحا، ونكتفي بأن نقول: بأنها كانت ناقة ذات صفات خاصة مميزة، تجعل قوم صالح يعلمون عن طريق هذا التمييز لها عن غيرها أنها معجزة دالة على صدق نبيهم- ﵇ فيما يدعوهم إليه.
وقوله: فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ أمر لهم بعدم التعرض لها بسوء وتحذير لهم من نتائج مخالفة أمره.
стр. 2954
أى: اتركوا الناقة حرة طليقة تأكل في أرض الله الواسعة ومن رزقه الذي تكفل به لكل دابة، واحذروا أن تمسوها بشيء من السوء مهما كان قليلا، فإنكم لو فعلتم ذلك عرضتم أنفسكم لعذاب الله العاجل القريب.
والتعبير بقوله فَيَأْخُذَكُمْ بفاء التعقيب وبلفظ الأخذ، يفيد سرعة الأخذ وشدته، لأن أخذه- سبحانه- أليم شديد.
ولكن قوم صالح- ﵇ لم يستمعوا إلى تحذيره، بل قابلوه بالطغيان والعصيان، فَعَقَرُوها أى: فعقروا الناقة وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «١» .
والفاء معطوفة على محذوف: أى فخالفوا ما نهاهم عنه نبيهم فعقروها أى نحروها وأصل العقر: قطع عرقوب البعير، ثم استعمل في النحر لأن ناحر البعير يعقله ثم ينحره فقال لهم صالح- ﵇ بعد عقرها تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.
والتمتع: الانتفاع بالمتاع، وهو اسم لما يحتاج إليه الإنسان في هذه الحياة من مأكل ومشرب وغيرهما.
والمراد بدارهم: أماكن سكناهم التي يعيشون فيها.
أى: قال لهم نبيهم بعد نحرهم للناقة: عيشوا في بلدكم هذا، متمتعين بما فيه من نعم لمدة ثلاثة أيام: فقط، فهي آخر ما بقي لكم من متاع هذه الدنيا، ومن أيام حياتكم.
ذلِكَ الوعد بنزول العذاب بكم بعد هذه المدة القصيرة.
وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فيه لأنه صادر من الله- تعالى- الذي لا يخلف وعده.
وعبر عن قرب نزول العذاب بهم بالوعد على سبيل التهكم بهم.
قال الجمل: «مكذوب» يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول، وقد جاء منه ألفاظ نحو: المجلود والمعقول والمنشور والمغبون، ويجوز أن يكون اسم مفعول على بابه وفيه تأويلان: أحدهما: غير مكذوب فيه، ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة ومثله: يوم مشهود. والثاني: أنه جعل هو نفسه غير مكذوب، لأنه قد وفى به، وإذا وفي به فقد صدق» «٢» .
ولقد تحقق ما توعدهم به نبيهم، فقد حل بهم العذاب في الوقت الذي حدده لهم، قال
стр. 2955
- تعالى- فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أى: فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم في الوقت المحدد.
نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا أى برحمة عظيمة كائنة منا.
ونجيناهم أيضا مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أى: من خزي وذل ذلك اليوم الهائل الشديد الذي نزل فيه العذاب بالظالمين من قوم صالح- ﵇ فأبادهم.
فالتنوين في قوله يَوْمِئِذٍ عوض عن المضاف إليه المحذوف.
وقوله- سبحانه- إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ تسلية للرسول ﷺ وللمؤمنين عما أصابهم من أذى.
أى: إن ربك- أيها الرسول الكريم- هو القوى الذي لا يعجزه شيء، العزيز الذي لا يهون من يتولاه ويرعاه، فلا تبتئس عما أصابك من قومك، فربك قادر على أن يفعل بهم، ما فعله بالظالمين السابقين من أمثالهم.
ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ فقال:
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ.
والصيحة: الصوت المرتفع الشديد. يقال: صاح فلان إذا رفع صوته بقوة. وأصل ذلك تشقيق الصوت، من قولهم: انصاح الخشب والثوب، إذا انشق فسمع له صوت.
وجاثِمِينَ: من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإبل. يقال: جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم ... إذا وقع على صدره، ولزم مكانه فلم يبرحه.
ويغنوا فيها: أى يقيموا فيها. يقال: غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد.
أى: وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح- ﵇ عن طريق الصيحة الشديدة التي صيحت بهم بأمر الله- تعالى- فَأَصْبَحُوا بسببها فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ أى:
هلكى صرعى، ساقطين على وجوههم، بدون حركة ...
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أى: كأن هؤلاء القوم الظالمين لم يقيموا في ديارهم عمرا طويلا وهم في رخاء من عيشهم.
أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ أى: ألا إن هؤلاء الظالمين من قبيلة ثمود، كفروا نعمة ربهم وجحودها ألا بعدا وسحقا وهلاكا لهؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود.
وفي تكرار حرف التنبيه أَلا وتكرار لفظ ثَمُودَ تأكيد لطردهم من رحمة الله،
стр. 2956
وتسجيل لما ارتكبوه من منكرات.
وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح- ﵇ كما انطوت من قبلهم صحائف قوم نوح وهود- ﵉.
ومن أبرز العبر والعظات التي نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت في هذه السورة الكريمة: أن النفوس إذا انطمست، والعقول إذا انتكست، تعجب مما لا عجب فيه وتستنكر ما هو حق وصدق، وتسيء ظنها بالشخص الذي كان بالأمس القريب موضع رجائها وثقتها، لأنه أتاهم بما لم يألفوه ... حتى ولو كان ما أتاهم به فيه سعادتهم وهدايتهم ...
فصالح- ﵇ كان مرجوا في قومه قبل أن يكون نبيا، فلما صار نبيا وبلغهم ما أرسله الله به، خاب أملهم فيه، وساء ظنهم به، وجاهروه بالعداوة والعصيان ... مع أنه أتاهم بما يسعدهم ...
وصدق الله إذ يقول: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ «١» .
هذا، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول ﷺ قد مر على ديار ثمود وهو في طريقه إلى غزوة تبوك.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لئلا يصيبكم ما أصابهم. ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي.
ثم ساقت السورة الكريمة جانبا من قصة إبراهيم- ﵇ مع الملائكة، الذين جاءوه بالبشارة، فقال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
стр. 2957
هذه قصة إبراهيم- ﵇ مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق، وبإخباره بإهلاك قوم لوط- ﵇.
وقد وردت هذه القصة في سور أخرى منها سورة الحجر في قوله- تعالى-: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ... «١» .
ومنها سورة الذاريات في قوله- تعالى- هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ... «٢» .
والمراد بالرسل في قوله- سبحانه- وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى جماعة من الملائكة الذين أرسلهم الله- تعالى- لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق.
وقد اختلفت الروايات في عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وعن الضحاك أنهم كانوا تسعة، وعن السدى أنهم كانوا أحد عشر ملكا..
والحق أنه لم يرد في عددهم نقل صحيح يعتمد عليه، فلنفوض معرفة عددهم إلى الله- تعالى-.
стр. 2958
والبشرى: اسم للتبشير والبشارة وهي الخبر السار، فهي أخص من الخبر، وسميت بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجه أى: جلده.
وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها، وللرد على مشركي قريش وغيرهم ممن كان ينكر هذه القصة وأمثالها.
والباء في قوله- سبحانه- بِالْبُشْرى للمصاحبة والملابسة، أى: جاءوه مصاحبين وملتبسين بالبشرى.
وقوله: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم.
وسَلاماً منصوب بفعل محذوف. أى قالوا نسلم عليك سلاما.
وسَلامٌ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى قال أمرى سلام.
وقرأ حمزة والكسائي: قال سلم وهو اسم للمسالمة.
ثم بين- سبحانه- ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة والتكريم فقال:
فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.
و «ما» في قوله فَما لَبِثَ نافية، والفاء للتعقيب، واللبث في المكان معناه: عدم الانتقال عنه. والعجل: الصغير من البقر.
والحنيذ: السمين المشوى على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض. يقال: حنذ الشاة يحنذها حنذا أى: شواها بهذه الطريقة.
أى: فما أبطأ وما تأخر إبراهيم- ﵇ عن إكرامهم، بل بمجرد أن انتهى من رد التحية عليهم، أسرع إلى أهله فجاءهم بعجل حنيذ ...
وهذا الفعل منه- ﵇ يدل على سعة جوده، وعظيم سخائه، فإن من آداب الضيافة، تعجيل القرى للضيف..
قال أبو حيان: والأقرب في إعراب فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ ... أن تكون ما نافية، ولبث معناه تأخر وأبطأ وأَنْ جاءَ فاعل لبث والتقدير فما تأخر مجيئه ...
ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم، وأن جاء على إسقاط حرف الجر، أى فما تأخر في أن جاء بعجل حنيذ ... » «١» .
ثم بين- سبحانه- حال إبراهيم عند ما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال:
стр. 2959
فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً....
ومعنى نَكِرَهُمْ: نفر منهم، وكره تصرفهم. نقول: فلان نكر حال فلان- كعلم- وأنكره نكرا ونكورا ... إذا وجده على غير ما يعهده فيه، ويتوقعه منه.
وَأَوْجَسَ من الوجس وهو الصوت الخفى، والمراد به هنا: الإحساس الخفى بالخوف والفزع الذي يقع في النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها.
أى: فلما رأى إبراهيم- ﵇ ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذي قدمه لهم، نفر منهم، وأحس في نفسه من جهتهم خوفا ورعبا لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه- بدون سبب مقنع- يشعر بأن هذا الضيف ينوى شرا به ... والتقاليد في كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك.
ولذا قالت الملائكة لإبراهيم عند ما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ.
أى: لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر، وإنما نحن رسل من الله- تعالى- أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم.
وقد جاء في بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم، ففي سورة الحجر قال- تعالى-:
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ. قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ....
ثم حكى- سبحانه- ما حدث بعد ذلك فقال: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ.
والمراد بامرأته- كما يقول القرطبي- «سارة بنت هاران بن ناحور، بن شاروع، بن أرغو، بن فالغ، وهي بنت عم إبراهيم» «١» .
وقيامها كان لأجل قضاء مصالحها، أو لأجل خدمة الضيوف ... أو لغير ذلك من الأمور التي تحتاجها المرأة في بيتها.
والمراد بالضحك هنا حقيقته. أى: فضحكت سرورا وابتهاجا بسبب زوال الخوف عن إبراهيم، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، أو بهما معا ...
قال الشوكانى: والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب والسرور كما قاله الجمهور.
стр. 2960
وقال مجاهد وعكرمة: إنه الحيض، ومنه قول الشاعر:
وإنى لآتى العرس عند طهورها ... وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا
وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت «١» .
أى: وفي أعقاب قول الملائكة لإبراهيم لا تخف ... كانت امرأته قائمة لقضاء بعض حاجاتها، فلما سمعت ذلك «ضحكت» سرورا وفرحا لزوال خوفه فَبَشَّرْناها عقب ذلك بمولودها بِإِسْحاقَ كما بشرناها بأن إسحاق سيكون من نسله يَعْقُوبَ، فهي بشارة مضاعفة. إذ أنها تحمل في طياتها أنها ستعيش حتى ترى ابن ابنها ...
ولا شك أن المرأة عند ما تكون قد بلغت سن اليأس. ولم يكن لها ولد، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها، ويزداد عجبها، ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ.
وكلمة يا وَيْلَتى تستعمل في التحسر والتألم والتفجع عند نزول مكروه.
والمراد بها هنا: التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك، وهي كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له، ويتعجبن منه.
أى: قالت بدهشة وعجب عند ما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد: يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل، وَهذا بَعْلِي أى: زوجي إبراهيم «شيخا» كبيرا متقدما في السن.
قال الجمل: وهاتان الجملتان- وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً- في محل النصب على الحال من الضمير المستتر في أَأَلِدُ، وشيخا حال من بعلى، والعامل فيه اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل» «٢» .
وقوله- كما حكى القرآن عنها- إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ أى: إن هذا الذي بشرتموني به من حصول الولد لي في تلك السن المتقدمة لَشَيْءٌ عَجِيبٌ في مجرى العادة عند النساء وقد رد عليها الملائكة بقولهم: قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؟!! أى: أتستبعدين على قدرة الله- تعالى- أن يرزقك الولد وأنت وزوجك في هذه السن المتقدمة؟ لا إنه لا ينبغي لك أن تستبعدى ذلك، لأن قدرة الله لا يعجزها شيء. فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة.
стр. 2961
وقوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ حكاية لما قالته الملائكة لها، زيادة في سرورها وفي إدخال الطمأنينة على قلبها.
أى رحمة الله الواسعة، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم- ﵇.
قال صاحب الكشاف: وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها، لأنها كانت في بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهى سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده، مكان التعجب.
وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ.
أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فليس بمكان عجب. والكلام مستأنف علل به إنكار التعجب. كأنه قيل: «إياك والتعجب، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم» «١» .
وقوله- سبحانه- إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ تذييل بديع قصد به وجوب مداومتها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل.
أى إنه- سبحانه- حَمِيدٌ أى: مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده مَجِيدٌ أى: كريم واسع الإحسان، فليس بعيدا منه أن يعطى الولد للآباء بعد الكبر.
قال صاحب المنار ما ملخصه: وأصل المجد في اللغة أن تقع الإبل في أرض واسعة المرعى، كثيرة الخصب، يقال: مجدت الإبل تمجد من باب نصر- مجدا ومجادة، وأمجدها الراعي.
والمجد في البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم.
ووصف الله كتابه بالمجيد، كما وصف نفسه بذلك، لسعة هداية كتابه، وسعة كرمه وفضله على عباده ... » «٢» .
ثم حكى- سبحانه- ما كان من إبراهيم بعد أن سكن خوفه، واطمأن إلى ضيوفه فقال: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أى: الخوف والفزع، بسبب اطمئنانه إلى ضيوفه، وعلمه أنهم ليسوا من البشر.
وَجاءَتْهُ الْبُشْرى منهم بالولد، واتصال النسل، فازداد سرورا بهم.
стр. 2962
بعد كل ذلك، أخذ إبراهيم يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ أى: يجادل رسلنا ويحاورهم في شأن قوم لوط، وفي كيفية عقابهم، بعد أن أخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاكهم.
وأضاف- سبحانه- المجادلة إلى نفسه مع أنها كانت مع الملائكة، لأن نزولهم لإهلاك قوم لوط إنما كان بأمره- تعالى-، فمجادلة إبراهيم لهم هي مجادلة في تنفيذ أمره- تعالى-.
وقال- سبحانه- يُجادِلُنا مع أنها كانت في الماضي، لتصوير هذه الحالة في الذهن تصويرا حاضرا، حتى تزداد منه العبرة والعظة.
وهذه المجادلة التي كانت بين إبراهيم وبين الملائكة الذين أرسلوا لإهلاك قوم لوط، قد حكاها- سبحانه- في سورة العنكبوت في قوله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أى القرية التي يسكنها قوم لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ. قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الآيتان ٣١- ٣٢.
وهذا التفسير للمجادلة التي دارت بين إبراهيم والملائكة في عقاب قوم لوط هو الصحيح لأن خير تفسير للقرآن هو ما كان بالقرآن.
وما ورد من أقوال تخالف ذلك فلا يلتفت إليها، لعدم استنادها إلى النقل الصحيح.
وقوله- سبحانه- إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ بيان للدواعي التي حملت إبراهيم- ﵇ على مجادلة الملائكة في شأن إهلاك قوم لوط.
والحليم: هو الصبور على الأذى، الصفوح عن الجناية، المقابل لها بالإحسان.
والأواه: هو الذي يكثر التأوه من خشية الله.
قال الآلوسى: وأصل التأوه قوله: آه ونحوه مما يقوله المتوجع الحزين. وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «الخاشع المتضرع الكثير الدعاء» «١» .
والمنيب: السريع الرجوع إلى الله- تعالى- بالتوبة والاستغفار.
أى أن إبراهيم لصبور على الأذى، صفوح عن الجناية، كثير التضرع إلى الله، سريع الرجوع إليه في كل ما يحبه ويرضاه.
ولكن حلم إبراهيم وإنابته ... لم يرد قضاء الله العادل في شأن قوم لوط ولذا قالت الملائكة
стр. 2963
له- كما حكى القرآن عنهم-: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ.
أى: قالت الملائكة لإبراهيم: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال في أمر قوم لوط، وفي طلب إمهال عقوبتهم إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بإهلاكهم وَإِنَّهُمْ بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش آتِيهِمْ من ربهم عَذابٌ شديد غَيْرُ مَرْدُودٍ عنهم لا بسبب الجدال ولا بأى سبب سواه، فإن قضاء الله لا يرد عن القوم المجرمين. هذا، وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات فقال: قال بعض المفسرين: لهذه الآيات ثمرات وفوائد.
منها: أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة، وأن هلاك العاصي نعمة- أيضا- لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق لقوله فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وفسرت بهلاك قوم لوط، لقوله: قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ.
ومنها: استحباب نزول المبشر- بالكسر- على المبشر- بالفتح- لأن الملائكة أرسلهم الله- تعالى- لذلك.
ومنها: أنه يستحب للمبشر أن يتلقى البشارة بالشكر لله- تعالى- على ما بشر به. فقد حكى عن الأصم أنه قال: جاءوه في أرض يعمل فيها، فلما فرغ غرز مسحاته، وصلى ركعتين.
ومنها: أن السلام مشروع، وأنه ينبغي أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم سَلامٌ بالرفع وهو أدل على الثبات والدوام.
ومنها: مشروعية الضيافة، والمبادرة إليها، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها.
ومنها: استحباب خدمة الضيف ولو للمرأة، لقول مجاهد: وامرأته قائمة أى في خدمة أضياف إبراهيم ... وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق.
ومنها: جواز مراجعة الأجانب في القول، وأن صوتها ليس بعورة.
ومنها: أن امرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه ﷺ من أهل بيته «١» :
ومنها: - كما يقول الإمام ابن كثير- استدل على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر
стр. 2964
إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح إسحاق والحالة هذه، فتعين أن يكون الذبيح إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه: «١» ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما دار بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حوار وجدال فقال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
стр. 2965
- تلك هي قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإهلاك قومه ومع قومه المجرمين، كما حكتها سورة هود.
- وقد وردت هذه القصة في سور أخرى وبأساليب متنوعة، ومنها سورة الأعراف، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر..
قال الإمام ابن كثير: ولوط هو ابن هاران بن آزر، فهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله- تعالى-، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله، حتى صنع ذلك أهل سدوم- وهم قرية بوادي الأردن عليهم لعائن الله» «١» .
- وقد بدأ- سبحانه- القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا- ﵇ من ضيق وغم عند ما جاءته الرسل فقال: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ....
- أى: وحين جاء الملائكة إلى لوط- ﵇ بعد مفارقتهم لإبراهيم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشي أن يعتدى قومه عليهم، بعادتهم الشنيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم ...
قال ابن كثير ما ملخصه: «يخبر الله- تعالى- عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط- ﵇ بعد مفارقتهم لإبراهيم ... فأتوا لوطا- ﵇ وهو على ما قيل في أرض له. وقيل في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم ... » «٢» .
- وقوله: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً تصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذي حل بهم.
قال القرطبي: والذرع مصدر ذرع. وأصله: أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القيء أى غلبه.
أى: ضاق عن حبسه المكروه في نفسه.
стр. 2966
وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه ... » «١» .
- وذَرْعاً تمييز محول عن الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ: أى وقال لوط- ﵇ في ضجر وألم: هذا اليوم الذي جاءني فيه هؤلاء الضيوف، يوم «عصيب» أى: شديد هوله وكربه.
وأصل العصب: الشد والضغط، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء، أى: شد به.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعا. ثم يصدر تعبيرا عن المعاني يريح به نفسه» «٢» .
- ثم بين- سبحانه- ما كان من قوم لوط- ﵇ عند ما علموا بوجود هؤلاء الضيوف عنده فقال: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ....
- ويهرعون- بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول- أى: يدفع بعضهم بعضا بشدة، كأن سائقا يسوقهم إلى المكان الذي فيه لوط وضيوفه.
يقال: هرع الرجل وأهرع- بالبناء للمفعول فيهما- إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك.
قال الآلوسى: والعامة على قراءته مبنيا للمفعول، وقرأ جماعة يهرعون- بفتح الياء مع البناء للفاعل- من هرع- بفتح الهاء والراء- وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعضا «٣» .
أى: وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضا إلى بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجيء، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون السيئات الكثيرة، التي من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء.
وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذي جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله:
стр. 2967
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ للإشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة في نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا من أجل قضائها.
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى هياجهم وتدافعهم نحو داره فقال: قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ...
والمراد ببناته هنا: زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج، وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه.
قال ابن كثير: قوله- تعالى- قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ... يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال لهم في آية أخرى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ...
قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته ...
وقال سعيد بن جبير: يعنى نساؤهم، هن بناته وهو أب لهم ... «١» .
ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا: بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن ...
ويضعف هذا الرأى أن لوطا- ﵇ كان له بنتان أو ثلاثة- كما جاء في بعض الروايات- وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا، فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج ... ؟
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، وقد رجحه الإمام الرازي بأن قال ما ملخصه: «وهذا القول عندي هو المختار، ويدل عليه وجوه. منها: أنه قال هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وبناته اللاتي من صلبه لا تكفى للجمع العظيم، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل..
ومنها: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما: زنتا وزعورا، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ... » «٢» .
والمعنى: أن لوطا- ﵇ عند ما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، قال لهم: برجاء ورفق يا قَوْمِ هؤلاء نساؤكم اللائي بمنزلة بناتي ارجعوا إليهن فاقضوا شهوتكم معهن فهن أطهر لكم نفسيا وحسيا من التلوث
стр. 2968
برجس اللواط، وأفعل التفضيل هنا وهو أَطْهَرُ ليس على بابه، بل هو للمبالغة في الطهر.
قال القرطبي: وليس ألف أطهر للتفضيل، حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك الله أكبر- أى كبير- ... ولم يكابر الله- تعالى- أحد حتى يكون الله- تعالى- أكبر منه ... » «١» .
ثم أضاف إلى هذا الإرشاد لهم إرشادا آخر فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي....
قال الجمل: ولفظ الضيف في الأصل مصدر، ثم أطلق على الطارق ليلا إلى المضيف، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ واحد، وقد يثنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال:
«أضياف وضيوف ... » «٢» .
وتخزون: من الخزي وهو الإهانة والمذلة. يقال: خزي الرجل يخزى خزيا ... إذا وقع في بلية فذل بذلك.
أى: بعد أن أرشدهم إلى نسائهم، أمرهم بتقوى الله ومراقبته، فقال لهم: فاتقوا الله.
ولا تجعلوني مخزيا مفضوحا أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف.
ويبدو أن لوطا- ﵇ قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد بقي فيهم بقية من نخوة، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله:
أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة.
فيقف إلى جانبي، ويصرفكم عن ضيوفى؟
ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة. ولا فطرتهم الشاذة المنكوسة. بل ردوا عليه بقولهم:
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ.
أى: قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة: لقد علمت يا لوط علما لا شك معه، أننا لا رغبة لنا في النساء، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر، فالمراد بالحق هنا: الرغبة والشهوة.
стр. 2969
قال الشوكانى: قوله ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أى: ما لنا فيهن من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء. ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا في نكاحهن ... » «١» .
وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذي ألفوه، وهو إتيان الذكور دون النساء أى: وإنك لتعلم علما يقينيا الشيء الذي نريده فلماذا ترجعنا؟! وقولهم هذا الذي حكته الآية الكريمة عنهم، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية في الخبث والوقاحة وتبلد الشعور..
لذا رد عليهم لوط- ﵇ رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم، المتمنى لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم ... قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
والقوة: ما يتقوى به الإنسان على غيره.
وآوى: أى ألجأ وأنضوى تقول: أويت إلى فلان فأنا آوى إليه أويّا أى: انضممت إليه.
والركن في الأصل: القطعة من البيت أو الجبل، والمراد به هنا الشخص القوى الذي يلجأ إليه غيره لينتصر به ...
ولو شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: قال لوط- ﵇ بعد أن رأى من قومه الاستمرار في غيهم، ولم يقدر على دفعهم- على سبيل التفجع والتحسر: لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم.
ويجوز أن تكون لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب أى: ليت معى قوة أستطيع بمناصرتها لي دفع شركم.
وقوله أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ معطوف على ما قبله، أو ليتني أستطيع أن أجد شخصا قويا من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لي ...
قالوا: وإنما قال لوط- ﵇ ذلك لأنه كان غريبا عنهم، ولم يكن له نسب أو عشيرة فيهم.
وهنا- وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ- كشف له الملائكة عن حقيقتهم، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ أى: إنا رسل
стр. 2970
ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء في نفسك أو فينا.
روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط- ﵇ من الهم والكرب بسببهم قالوا له: يا لوط إن ركنك لشديد ... ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء، وإليه الإشارة بقوله- تعالى- في سورة القمر: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ.
وقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أى: فاخرج من هذه القرية مصحوبا بالمؤمنين من أهلك في جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء المجرمين.
قال القرطبي: قرئ «فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال- تعالى- وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وقال سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ... وقيل «فأسر» بالقطع تقال لمن سار من أول الليل.. وسرى لمن سار في آخره، ولا يقال في النهار إلا سار ... » «١» .
وقوله: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ ... معطوف على ما قبله وهو قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ....
أى: فأسر بأهلك في جزء من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه، اتقاء لرؤية العذاب، إِلَّا امْرَأَتَكَ يا لوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذي سينزل بهؤلاء المجرمين. فيهلكها معهم.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: قوله إِلَّا امْرَأَتَكَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
قال الواحدي: من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل، على معنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك ...
وأما الذين رفعوا فالتقدير: ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم.
روى عن قتادة أنه قال: إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت العذاب التفتت وقالت وا قوماه فأصابها حجر فأهلكها» «٢» .
стр. 2971
وقوله- سبحانه- إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ بشارة أخرى للوط- ﵇ الذي تمنى النصرة على قومه.
أى: إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدئ من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذي نحدثك فيه؟
قال- تعالى- في سورة الحجر: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ أى: وهم داخلون في وقت الشروق. فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق.
والجملة الكريمة إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ... كالتعليل للأمر بالإسراء بأهله بسرعة، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين.
والاستفهام في قوله- سبحانه- أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ للتقرير أى: بلى إنه لقريب.
قال الآلوسى: روى أنه- ﵇ سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له موعدهم الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا له أليس الصبح بقريب. ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين «١» .
ثم حكى- سبحانه- في نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
أى: «فلما أمرنا» بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها أى: جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها، بأن قلبناها عليهم، وهي عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم، فأتوا الذكران من العالمين وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم ...
وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ زيادة في عقوبتهم ولعنهم.
أى: جعلنا أعلى قراهم أسفلها، وأمطرنا عليها حجارة مِنْ سِجِّيلٍ أى: من حجر وطين مختلط، قد تجحر وتصلب مَنْضُودٍ أى: متتابع في النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض، من النضد وهو وضع الأشياء بعضها إلى بعض.
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ أى: معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو، ومعدة إعدادا خاصا لإهلاك هؤلاء القوم.
стр. 2972
وَما هِيَ أى تلك القرى المهلكة مِنَ الظَّالِمِينَ وهم مشركو مكة بِبَعِيدٍ أى: ببعيدة عنهم، بل هي قريبة منهم، ويمرون عليها في أسفارهم إلى الشام.
قال- تعالى- وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«١» .
أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط في وقت الصباح أى النهار، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا؟؟
ويجوز أن يكون الضمير في قوله وَما هِيَ يعود إلى الحجارة التي أهلك الله بها هؤلاء القوم.
أى: وما هي تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد، بل هي حاضرة مهيئة بقدرة الله- تعالى- لإهلاك الظالمين بها.
والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده، ولم يتبع ما جاء به الرسول ﷺ .
وهكذا كانت نهاية قوم لوط، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح- عليهم الصلاة والسلام- هذا ومن العبر والأحكام التي نأخذها من هذه الآيات الكريمة، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذي يدعو إليه، ولخذلان الباطل الذي ينهى عنه.
فلوط- ﵇ عند ما رأى من قومه الإصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم.
وقد علق الإمام ابن حزم على ما جاء في الحديث الشريف بشأن لوط- ﵇ فقال ما ملخصه:
وظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح من قوله ﷺ «رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد» إنما هو من باب الإنكار على لوط- ﵇ في قوله لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
والحق أنه لا تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن لوطا- ﵇ إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش. من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط- ﵇ أنه يأوى من ربه- تعالى- إلى أمنع قوة، وأشد ركن.
стр. 2973
ولا جناح على لوط- ﵇ في طلب قوة من الناس- فقد قال الله- تعالى- وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.
وقد طلب رسول الله ﷺ من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه، فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله؟!! تالله ما أنكر ذلك رسول الله ﷺ ، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد، يعنى من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بأنهم ملائكة ... «١» .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب- ﵇ وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله- تعالى- وحده بأسلوب بليغ حكيم، ولكنهم لم يستجيبوا له، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبلهم قال- تعالى-:
[سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٩٥]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
стр. 2974
تلك هي قصة شعيب- ﵇ كما حكتها هذه السورة الكريمة، وقد وردت هذه القصة في سور أخرى منها: سورتي الأعراف والشعراء..
стр. 2975
ومدين اسم للقبيلة التي تنتسب إلى مدين بن إبراهيم- ﵇.
وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى (معان) وتقع بين حدود الحجاز والشام.
وأهل مدين يسمون أيضا بأصحاب الأيكة.
والأيكة: منطقة مليئة بالشجر كانت مجاورة لقرية (معان) ، وكان يسكنها بعض الناس فأرسل الله شعيبا إليهم جميعا.
وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم، فهو أخوهم في النسب.
وكان النبي ﷺ إذا ذكر شعيب قال: (ذلك خطيب الأنبياء) لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته.
وكان قومه يعبدون الأصنام. ويطففون في الكيل والميزان ... فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن الخيانة وسوء الأخلاق.
ويرى بعض العلماء: أن شعيبا أرسل إلى أمتين: أهل مدين الذين أهلكوا بالصيحة وأصحاب الأيكة الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة، وأن الله- تعالى- لم يبعث نبيا مرتين سوى شعيب- ﵇.
ولكن المحققين من العلماء اختاروا أنهما أمة واحدة، فأهل مدين هم أصحاب الأيكة، أخذتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة- أى السحابة- وأن كل عذاب كان كالمقدمة للآخر.
هذا، وقوله- سبحانه- وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ... معطوف على ما سبقه من قصة صالح- ﵇ عطف القصة على القصة.
أى: وكما أرسلنا صالحا- ﵇ إلى ثمود، فقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبا- ﵇ فقال لهم مقالة كل نبي لقومه: يا قوم اعبدوا الله وحده، فإنكم لا إله لكم على الحقيقة سواه، فهو الذي خلقكم، وهو الذي رزقكم، وهو الذي إليه مرجعكم ...
ثم بعد أن أمرهم بإخلاص العبادة لله، نهاهم عن التطفيف في الكيل والميزان فقال:
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ.
والمكيال والميزان: اسمان للآلة التي يكال بها ويوزن.
ونقص الكيل والميزان يكون من وجهين: أحدهما أن يكون الاستنقاص من جهتهم إذا باعوا لغيرهم.
стр. 2976
وثانيهما: أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه، بأن يأخذوا منه أكثر من حقهم.
فكأنه- ﵇ يقول لهم: لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ولا عند الإعطاء، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم، ولا تأخذوا منه أكثر من حقكم إذا اشتريتم.
وإلى هذين الأمرين أشار قوله- تعالى- وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ....
ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ.
والخير: كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويسره.
ومحيط: أى شامل بحيث لا يستطيع أحد الإفلات منه. كما يحيط الظرف بالمظروف ...
أى: أخلصوا لله عبادتكم، والتزموا العدل في معاملاتكم، فإنى أراكم تملكون الوفير من المال، وتعيشون في رغد من العيش، وفي بسطة من الرزق، ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو الله- تعالى- وأن يستعملها استعمالا يرضيه، وأن يعطى كل ذي حق حقه.
وإنى- أيضا- أخاف عليكم إذا ما تماديتم في مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم عنه، عذاب يوم أهواله وآلامه شاملة لكل ظالم، بحيث لا يستطيع أن يهرب منها ...
قال الشوكانى: وصف- سبحانه- اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا» «١» .
فأنت ترى أن شعيبا- ﵇ بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم ... ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى قطعا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن في حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان لفقرنا، ثم أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم.
ثم واصل شعيب- ﵇ نصحه لقومه، فأمرهم بالوفاء بعد أن نهاهم عن
стр. 2977
النقص على سبيل التأكيد، وزيادة الترغيب في دعوته فقال: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ...
أى: ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم، ملتزمين في كل أحوالكم العدل والقسط.
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ... أى: ولا تنقصوهم شيئا من حقوقهم. يقال:
بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه. وهو يشمل النقص والعيب في كل شيء..
والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص، لكي تشمل غير المكيل والموزون كالمزروع والمعدود، والجيد والرديء ...
قال الجمل ما ملخصه: وقد كرر- سبحانه- نهيهم عن النقص والبخس وأمرهم بالوفاء ... لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح، وهو تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم، احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به والمنهي عنه، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل ... » «١» .
وقوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال نعم الله في غير ما خلقت له.
قال ابن جرير: «وأصل العثى شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. يقال عثى فلان في الأرض يعنى- كرضى يرضى- إذا تجاوز الحد في الإفساد ... » «٢» .
أى: ولا تسعوا في أرض الله بالفساد، وتقابلوا نعمه بالمعاصي، فتسلب عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام فقال: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ.
ولفظ بَقِيَّتُ اسم مصدر من الفعل: بقي، ضد: فنى. وإضافتها إلى الله- تعالى- إضافة تشريف وتيمن.
أى: ما يبقيه الله لكم من رزق حلال، ومن حال صالح، ومن ذكر حسن، ومن أمن وبركة في حياتكم ... بسبب التزامكم بالقسط في معاملاتكم، هو خير لكم من المال الكثير الذي تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم.
стр. 2978
وجملة «إن كنتم مؤمنين» معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإيمان.
أى: ما يبقيه الله لكم من الحلال ... هو خير لكم، إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله خيرا لكم، لأنها لا تكون إلا للمؤمنين، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا في دنياكم وآخرتكم.
وجملة «وما أنا عليكم بحفيظ» تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه من بلاغ.
أى: وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وأجازيكم بها الجزاء الذي تستحقونه. وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرنى ربي بتبليغه، وهو وحده- سبحانه- الذي سيتولى مجازاتكم.
وإلى هنا نجد شعيبا- ﵇ قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم في عقائدهم، وفي معاملاتهم، وفي صلاتهم بعضهم ببعض، وفي سلوكهم الشخصي، بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد ويهدى للتي هي أقوم..
فماذا كان رد قومه عليه؟
لقد كان ردهم عليه- كما حكاه القرآن الكريم- طافحا بالاستهزاء به، والسخرية منه، فقد قالوا له: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
أى: قال قوم شعيب له- على سبيل التهكم والاستهزاء-: يا شعيب أصلاتك- التي تزعم أن ربك كلفك بها والتي أنت تكثر منها- تأمرك أن نترك عبادة الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من شأنه ...
وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التي كان يفعلها، لأنه- ﵇ كان كثير الصلاة، وكانوا إذا رأوه يصلى سخروا منه.
وجملة «أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص الكيل والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام.
أى: أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام، وتأمرك أن نترك ما تعودنا فعله في أموالنا من التطفيف في الكيل والميزان ...
إن كانت صلاتك تأمرك بذلك، فهي في نظرنا صلاة باطلة، لا وزن لها عندنا، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك وهذيانك..
وجملة «إنك لأنت الحليم الرشيد» زيادة منهم في السخرية منه- ﵇ وفي
стр. 2979
التهكم عليه، فكأنهم- قبحهم الله- يقولون له: كيف تأمرنا بترك عبادة الأصنام، وبترك النقص في الكيل والميزان، مع علمك اليقيني بأن هذين الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا، ومع زعمك لنا بأنك أنت الحليم الذي يتأنى ويتروى في أحكامه، الرشيد الذي يرشد غيره إلى ما ينفعه؟
إن هذين الوصفين لا يليقان بك، مادمت تأمرنا بذلك، وإنما اللائق بك أضدادهما، أى الجهالة والسفه والعجلة في الأحكام.
قال صاحب الكشاف: وأرادوا بقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبض حجره، فيقال له:
لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل معناه: إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك. يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما اشتهرت به ... » «١» .
هكذا رد قوم شعيب عليه، وهو رد يحمل السخرية في كل مقطع من مقاطعه، ولكنها سخرية الشخص الذي انطمست بصيرته، وقبحت سريرته!! ومع كل هذه السفاهة ترى شعيبا- ﵇ وهو خطيب الأنبياء- يتغاضى عن سفاهاتهم، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم، كما يحس بقوة الحق الذي أتاهم به من عند ربه، فيرد عليهم بقوله: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ... والبينة: ما يتبين به الحق من الباطل، ويتميز به الهدى من الضلال.
أى: قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم: يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة، وبصيرة مستنيرة منحني إياها ربي ومالك أمرى.
وَرَزَقَنِي مِنْهُ- سبحانه-، رِزْقاً حَسَناً يتمثل في النبوة التي كرمني بها، وفي المال الحلال الذي بين يدي، وفي الحياة الطيبة التي أحياها.
وجواب الشرط محذوف والتقدير: أخبرونى إن كنت كذلك، هل يليق بي بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟ كلا إنه لا يليق بي ذلك، وإنما اللائق بي أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصير.
ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ....
أى: ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده، وبنهيى إياكم عن التطفيف والبخس، مجرد
стр. 2980
مخالفتكم ومنازعتكم ومعاكستكم، أو أن آمركم بشيء ثم لا أفعله، أو أنهاكم عنه ثم أفعله، من أجل تحقيق منفعة دنيوية..
كلا، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولي فعلى، وأختار لكم ما أختاره لنفسي.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه. وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت تقصده.
ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه ذهب إليه واردا، وهو ذهب عنه صادرا، ومنه قوله- سبحانه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعنى: ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم» «١» .
وقال الإمام ابن كثير، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود- رضى الله عنه- فقالت له: أأنت الذي تنهى عن الواصلة- أى التي تصل شعرها بشعر آخر-؟ قال:
نعم. فقالت: فلعله في بعض نسائك، فقال: ما حفظت إذا وصية العبد الصالح وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ «٢» .
ثم بين لهم أنه ما يريد لهم إلا الإصلاح فيقول: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ....
أى: ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلاحكم وسعادتكم، ومادمت أستطيع ذلك، وأقدر عليه، فلن أقصر في إسداء الهداية لكم.
ثم يفوض الأمور إلى الله- تعالى- فيقول: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
أى: وما توفيقي فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا بتأييد الله وعونه، فهو وحده الذي عليه أتوكل وأعتمد في كل شئونى، وهو وحده الذي إليه أرجع في كل أمورى.
ثم يواصل شعيب- ﵇ نصحه لقومه، فينتقل بهم إلى تذكيرهم بمصارع السابقين، محذرا إياهم من أن يكون مصيرهم كمصير الظالمين من قبلهم فيقول: ويا قَوْمِ