والمنكرات، فحق عليهم العقاب الذي يستحقونه بسبب هذه السيئات.
ثم بين- سبحانه- أن رحمته بعباده تقتضي عدم ظلمه لهم فقال: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.
والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإشراك بالله- تعالى- وغيره من الوقوع في المعاصي والمنكرات.
والباء في بِظُلْمٍ للملابسة، والتنوين فيه للإشعار بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله- تعالى- عنه على أبلغ وجه، وإن كانت أفعاله- لا ظلم فيها أيا كانت هذه الأفعال.
والمعنى: وما كان من شأن ربك- أيها الرسول الكريم- أن يهلك أهل قرية من القرى إهلاكا متلبسا بظلم منه لها، والحال أن أهلها قوم مصلحون، لأن ذلك الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من الرحمة والعدل.
قال- تعالى- كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ... وقال- تعالى- وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
وقال- تعالى- وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ.
ومنهم من فسر الظلم هنا بالشرك، وجعل الباء للسببية، فيكون المعنى: ليس من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب كفرهم وحده، مع صلاحهم في تعاطى الحقوق فيما بينهم، وإنما يهلكهم عند ما يضمون إلى الكفر الإفساد في الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان.
وقد ساق ابن جرير- ﵀ القولين دون أن يرجح بينهما فقال: القول في تأويل قوله- تعالى- وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.
يقول- تعالى- ذكره: وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها والتي قص عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلما، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيهم..
وقد قيل معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله: وذلك قوله بظلم يعنى بشرك، وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا» «١» .
стр. 3012
والذي نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن حمل الظلم هنا على الشرك تخصيص بدون مخصص، حيث لم يرد عن رسول الله ﷺ حديث صحيح يخصصه بذلك، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقي الذي يتناول الشرك وغيره.
ثم أخبر- سبحانه- بأن قدرته لا يعجزها شيء فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً.
والأمة: القوم المجتمعون على أمر واحد يقتدى فيه بعضهم ببعض، وهذا اللفظ مأخوذ من «أم» بمعنى قصد، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده في مختلف شئونه.
ولو شرطية امتناعية، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير:
ولو شاء ربك- أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه- أن يجعل الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم، ولكنه- سبحانه- لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً....
وقوله- سبحانه- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى....
وقوله وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس.
أى: ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين في شأن الدين الحق، فمنهم من دخل فيه وآمن به، ومنهم من أعرض عنه، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر، فإنهم لم يختلفوا، بل اتفقوا على الإيمان بالدين الحق فعصمهم الله- تعالى- من الاختلاف المذموم.
قال الإمام ابن كثير: وقوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذي أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي ﷺ الأمى خاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ونصروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن، من طرق يشد بعضها بعضا: إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة. وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هم يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابى» «١» .
стр. 3013
واسم الإشارة في قوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعود على المصدر المفهوم من مختلفين قال الآلوسى: فكأنه قيل: وللاختلاف خلق الناس، على معنى لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة وفريق في السعير خلقهم.
واللام لام العاقبة والصيرورة، لأن حكمة خلقهم ليس هذا، لقوله- سبحانه- وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ولأنهم لو خلقهم له- أى للاختلاف- لم يعذبهم على ارتكاب الباطل ... » «١» .
ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذكور، فيكون التقدير: إلا من رحم ربك ولرحمته- سبحانه- خلق الناس.
وصح تذكير اسم الإشارة مع عودته إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقى.
ومنهم من جعل الإشارة إلى مجموع الاختلاف والرحمة، لأنه لا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أى بين الفارض والبكر.
فيكون المعنى: «وللاختلاف والرحمة خلقهم» أى أنه- سبحانه- خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف.
وقد رجح الإمام القرطبي هذا الوجه فقال: قوله «ولذلك خلقهم» قال الحسن ومقاتل وعطاء:
الإشارة إلى الاختلاف، أى: وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك:
الإشارة إلى الرحمة: أى: ولرحمته خلقهم.
وقيل: الإشارة إلى الاختلاف والرحمة، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين، كما في قوله- تعالى- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً.
وهذا أحسن الأقوال- إن شاء الله- لأنه يعم. أى: ولما ذكر خلقهم.. أى: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. أى خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة ... » «٢» .
والمراد بكلمة ربك في قوله- سبحانه- وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قضاؤه النافذ، وإرادته التي لا تتخلف، وحكمه الأزلى.
стр. 3014
أى: وتمت كلمة ربك، ونفذ قضاؤه، وثبت حكمه الذي أكده وأقسم عليه بقوله: لأملأن جهنم من عصاة الجن، ومن عصاة الإنس أجمعين، لأنه من المعروف أن الوعيد إنما هو للعصاة والمذنبين وليس للمؤمنين الصادقين.
قال الآلوسى: وفي معنى ذلك ما قيل من أن المراد بالجنة والناس أتباع إبليس لقوله- تعالى- في سورة الأعراف وفي سورة ص لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ فاللازم دخول جميع تابعيه في جهنم، والقرآن يفسر بعضه بعضا ... » «١» .
ثم بين- سبحانه- أهم الفوائد التي تعود على الرسول ﷺ من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ....
والتنوين في قوله وَكُلًّا للعوض عن المضاف إليه. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام:
أى: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك- أيها الرسول الكريم- ونخبرك عنه. فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس.
وقوله- سبحانه- وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة، وعظات بليغة.
أى وجاءك- أيها الرسول الكريم- في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن الكريم: الحق الثابت المطابق للواقع، والعظات الحكيمة، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به.
وأما الذين في قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم، وماتوا وهم كافرون.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بالسير في طريق الحق بدون مبالاة بتهديد أعدائه فقال: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ والأمر في هذه الآية الكريمة للتهديد.
ومكانتكم: مصدر مكن- بزنة كرم- مكانة، إذا تمكن من الأمر أبلغ التمكن.
أى: وقل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين الذين يضعون العقبات في طريق
стр. 3015
دعوتك، قل لهم اعملوا ما تستطيعون عمله من الكيد لي ولدعوتى، فإنى وأصحابى مستمرون على السير في طريق الحق الذي هدانا الله إليه، بدون التفات إلى كيدكم وقل لهم- أيضا-: انتظروا ما يأتى به الله من عقاب، فإنا منتظرون معكم ذلك.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
أى: ولله- تعالى- وحده علم جميع ما غاب عن الحواس في السموات والأرض، وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة، وهداية وضلال، وصحة ومرض، ونصر وهزيمة.
وما دام الأمر كذلك فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أى: فأخلص له العبادة، واجعل توكلك عليه وحده.
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
أما بعد: فهذا تفسير لسورة هود- ﵇ أسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المدينة المنورة- صباح الخميس ٥ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠١ هـ الموافق ٩ من أبريل سنة ١٩٨١ م.
محمد سيد طنطاوى
стр. 3016
تفسير سورة يوسف
стр. 3017
تعريف بسورة يوسف- ﵇ -
١- سورة يوسف- ﵇ هي السورة الثانية عشرة في ترتيب المصحف، فقد سبقها في الترتيب سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس وهود..
أما ترتيبها في النزول، فكانت السورة الثالثة والخمسين، وكان نزولها بعد سورة هود- ﵇.
وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية.
وجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر، لأنها مشتملة على قصته- ﵇ مع إخوته، ومع امرأة العزيز، ومع ملك مصر في ذلك الوقت..
ولم يذكر اسم يوسف- ﵇ في غير هذه السورة سوى مرتين: إحداهما في سورة الأنعام في قوله- تعالى- وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا، وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ ... الآية ٨٤.
والثانية في سورة غافر في قوله- تعالى- وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ...
الآية ٣٤.
والقول الصحيح أن سورة يوسف جميعها مكية، ولا التفات إلى قول من قال بأن فيها آيات مدنية، لأن هذا القول لا دليل عليه.
قال الآلوسى: سورة يوسف مكية كلها على المعتمد، وروى عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: هي مكية إلا ثلاث آيات من أولها. واستثنى بعضهم رابعة وهي قوله- تعالى-:
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ.
٢- وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه، وما اعتمدناه- كغيرنا- من أنها كلها مكية- هو الثابت عن الحبر أى عن ابن عباس» «١» .
стр. 3018
٣- وقد ورد في سبب نزولها روايات متعددة، منها ما روى عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه على أصحابه زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا فنزلت سورة يوسف ... » «١» .
٤- طبيعة الفترة التي نزلت فيها هذه السورة: قلنا إن سورة يوسف كان نزولها بعد سورة هود، وسبق أن بينا عند تفسيرنا لسورة هود، أن هذه السورة الكريمة كان نزولها- على الراجح- في الفترة التي أعقبت حادث الإسراء والمعراج..
ويبدو أن سورة يوسف- أيضا- كان نزولها في هذه الفترة، التي تعتبر من أشق الفترات في حياة النبي ﷺ إذ تعرض خلالها للكثير من أذى المشركين، بعد أن فقد ﷺ في هذه الفترة عمه أبا طالب، وزوجه السيدة خديجة- رضى الله عنها.
ونزول سورة يوسف في هذه الفترة، كان من أعظم المسليات التي واسى الله- تعالى- بها نبيه ﷺ فقد أخبره عما دار بين يوسف وإخوته، وعما تعرض له هذا النبي الكريم من مصائب وأذى ...
ولا شك أن في قصة يوسف وما يشبهها، تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من قومه.
٥- والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها قد اشتملت على أوضح الدلائل، وأنصع البراهين، التي تشهد بأن هذا القرآن من عند الله ...
فقد قصت علينا قصة يوسف- ﵇ مع إخوته ومع غيرهم بأسلوب مشوق حكيم، يهدى النفوس، ويشرح الصدور، ويكشف عن الخفايا التي لا يعلمها أحد إلا الله- تعالى-، ويصور أحوال النفس الإنسانية تصويرا بديعا معجزا ...
كما يراها قد ساقت ما ساقت من حكم وأحكام، وعبر وعظات، بأسلوب يمتاز بحسن التقسيم، وجمال العرض، حتى إننا لنستطيع أن نقسم أهم الموضوعات التي تحدثت عنها إلى عشرة أقسام.
(أ) أما القسم الأول «٢» منها، فنراها تتحدث فيه عن جانب من فضائل القرآن الكريم، وعن رؤيا يوسف- ﵇ وعن نصيحة أبيه له بعد أن قصها عليه ...
стр. 3019
قال- تعالى- الر. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
(ب) وفي القسم الثاني «١» منها نراها تحدثنا عن مكر إخوة يوسف به، وحسدهم له، وتآمرهم على الانتقام منه وإجماعهم على أن يلقوا به في الجب، وتنفيذهم لذلك بعد خداعهم لأبيهم، وزعمهم له بأنهم سيحافظون على أخيهم يوسف ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البديع المعجز فيقول: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ. يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
إلى أن يقول- سبحانه-: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.
(ج) ثم نراها في القسم الثالث «٢» منها تحدثنا عن انتشال السيارة ليوسف من الجب، وعن بيعهم له بثمن بخس دراهم معدودة، وعن وصية من اشتراه لامرأته بإكرام مثواه، وعن محنته مع تلك المرأة التي راودته عن نفسه وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ وعن خروجه من هذه المحنة بريئا، نقى العرض، طاهر الذيل ... بعد أن شهد ببراءته شاهد من أهلها.
قال- تعالى-: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ، قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ، وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً....
إلى أن يقول- سبحانه-: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ....
стр. 3020
ثم يختم- سبحانه- هذا القسم من السورة بحكاية ما قاله الزوج لامرأته وليوسف، بعد أن تبين له صدق يوسف وكذب امرأته فيقول: فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.
(د) ثم تحدثنا السورة بعد ذلك في القسم الرابع «١» منها عن شيوع خبر امرأة العزيز مع فتاها، وعما فعلته تلك المرأة مع من أشاع هذا الخبر، وعن لجوء يوسف- ﵇ الى ربه يستجير به من كيد هؤلاء النسوة ...
قال- تعالى- حاكيا هذا المشهد بأسلوب معجز: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ، قَدْ شَغَفَها حُبًّا، إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
(هـ) ثم تحدثنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم «٢» الخامس منها، عن يوسف السجين المظلوم، وكيف أنه لم يمنعه السجن من دعوة رفاقه فيه إلى وحدانية الله، وإلى إخلاص العبادة له- سبحانه- ...
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
(و) ثم تحدثنا السورة الكريمة في القسم «٣» السادس منها عن الرؤيا المفزعة التي رآها ملك مصر في ذلك الوقت، وكيف أن حاشيته عجزت عن تفسيرها، ولكن يوسف الصديق فسرها تفسيرا صحيحا أعجب الملك، وحمله على دعوته للالتقاء به، إلا أن يوسف- ﵇
стр. 3021
أبى الالتقاء به إلا بعد أن يحقق الملك في قضيته بنفسه، ويعلن براءته على رءوس الأشهاد ...
وبعد أن استجاب الملك لطلب يوسف، وثبتت براءته- ﵇ حضر معززا مكرما وقال للملك بعزة وإباء: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى هذا المشهد بأسلوبها الزاخر بالمحاورات والمفاجآت، فتقول: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ....
وينتهى هذا المشهد ببيان سنة من سنن الله- تعالى- التي لا تتخلف، والتي تتمثل في حسن عاقبة المؤمنين حيث يقول- سبحانه-: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ.
(ز) ثم تنتقل السورة الكريمة في القسم السابع «١» منها إلى الحديث عن اللقاء الأول الذي تم بين يوسف وإخوته، بعد أن حضروا من بلادهم بفلسطين إلى مصر يلتمسون الزاد والطعام ... وكيف أنه عرفهم دون أن يعرفوه.. وكيف أنه- ﵇ طلب منهم بعد أن أكرمهم أن يحضروا إليه من بلادهم ومعهم أخوهم من أبيهم- وهو شقيقه «بنيامين» .
وكيف أن أباهم وافق على إرسال «بنيامين» معهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق لكي يحافظوا عليه..
استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى كل ذلك فتقول: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ، أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ
стр. 3022
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ....
(ح) ثم حدثتنا السورة الكريمة في القسم الثامن «١» منها عن اللقاء الثاني الذي تم بين يوسف وإخوته، بعد أن حضروا إليه في هذه المرة ومعهم «بنيامين» شقيق يوسف، وكيف قام يوسف بالتعرف عليه، ثم كيف احتجزه عنده بحيلة دبرها بإلهام من الله- تعالى- وكيف رد على إخوته الذين طلبوا منه أن يأخذ أحدهم مكان «بنيامين» ...
وماذا قال «يعقوب» ﵇ بعد أن عاد إليه أبناؤه، وليس معهم «بنيامين» .
استمع الى السورة الكريمة وهي تحكى كل هذه المشاهد والأحداث فتقول:
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ، كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ....
وينتهى هذا القسم بقول يعقوب- ﵇ لأبنائه بعد أن عادوا إليه وليس معهم أخوهم بنيامين: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ. قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.
(ط) ثم حدثتنا السورة الكريمة بعد ذلك في القسم التاسع «٢» منها عن اللقاء الثالث والأخير بين يوسف وإخوته، فحكت لنا أن يوسف- ﵇ كشف لإخوته عن نفسه في هذا اللقاء. وأمرهم بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه أبيه ... كما أمرهم أن يعودوا إليه ومعهم جميع أهلهم.
стр. 3023
كما حكت لنا لقاء يوسف بأبويه، وإكرامه لهما، وشكره لله- تعالى- على ما وهبه من نعم..
قال- تعالى- حاكيا ما دار بين يوسف وإخوته، وبين يوسف وأبيه في هذا اللقاء:
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً. وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ...
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
ثم ختم- سبحانه- قصة يوسف بهذا الدعاء الذي حكاه- سبحانه- عنه في قوله:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
(ى) أما القسم العاشر «١» والأخير من السورة الكريمة، فقد كان تعقيبا على ما جاء في تلك القصة من حكم وأحكام، ومن عبر وعظات، ومن آداب وهدايات ...
وقد بين- سبحانه- في هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله، وما يشهد بصدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه..
كما بين- سبحانه- وظيفة الرسول ﷺ وموقف المشركين من دعوته وأنه ﷺ ليس بدعا من الرسل وأن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين.
قال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ....
ثم يختتم- سبحانه- هذه السورة الكريمة بقوله: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
стр. 3024
٦- هذا عرض مجمل لأهم الموضوعات التي اشتملت عليها سورة يوسف- ﵇ ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى:
(أ) إبراز الحقائق والهدايات، بأسلوب المحاورات والمجادلات والمناقشات ... ومن مظاهر ذلك:
المحاورات التي دارت حول إخوة يوسف في شأن الانتقام منه، والتي منها قوله- تعالى-: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
والمحاورات التي دارت بينهم وبين أبيهم في شأن اصطحابهم ليوسف، والتي منها قوله- تعالى-: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ.
والمحاورات التي دارت بين يوسف وإخوته، بعد أن عرفهم وهم له منكرون، وبعد أن ترددوا عليه ثلاث مرات للحصول على حاجتهم من الزاد ... والتي منها قوله- تعالى-:
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وهكذا نجد السورة الكريمة زاخرة بأسلوب المحاورات والمناقشات والمجادلات. تارة بين يوسف وإخوته، وتارة بين إخوته فيما بينهم، وتارة بينهم وبين أبيهم، وتارة بين يوسف وامرأة العزيز، وتارة بينه وبين ملك مصر في ذلك الوقت.
وهذه المحاورات التي حفلت بها السورة الكريمة، قد أكسبتها لونا من العرض المشوق، الذي يجعل القارئ لها يتعجل حفظ كل موضوع من موضوعاتها، ليصل الى الموضوع الذي يليه.
وهذا الأسلوب في عرض الحقائق من أسمى الأساليب التي تعين القارئ على حفظ القرآن الكريم، وعلى تدبر معانيه، وعلى الانتفاع بهداياته..
стр. 3025
(ب) إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها.. أما تفاصيل هذه الأحداث. فتركت معرفتها لفهم القارئ وفطنته، وسلامة تفكيره، وحسن تدبره لكلام الله- تعالى-..
وهذا اللون من العرض للأحداث، يسمى في عرف البلغاء، بأسلوب الإيجاز بالحذف والقارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها على رأس السور القرآنية التي كثر فيها هذا الأسلوب البليغ.
فمثلا قوله- تعالى-: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ... معطوف على كلام محذوف يفهم من السياق.
والتقدير: وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وانصرفوا لشئونهم «جاءوا على قميصه بدم كذب» لكي يخدعوا أباهم، فلما أخبروه بأن الذئب قد أكله قال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ....
وكذلك قوله- تعالى-: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... مترتب على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات.
والتقدير: وبعد أن سمع ما قالته النسوة بشأنه عند ما دخل عليهن بأمر من امرأة العزيز، وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ.
بعد أن سمع يوسف كل ذلك، وتيقن من مكرهن به، لجأ إلى ربه مستجيرا به من كيدهن فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ....
وأيضا قوله- تعالى-: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ.... يعتبر من بديع أسلوب الإيجاز بالحذف، إذ تقدير الكلام:
وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك، وقالوا له: إن رؤياك أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، قال الذي نجا منهما، أى: من صاحبي يوسف في السجن وهو الساقي وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أى وتذكر بعد نسيان طويل أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده تفسير هذه الرؤيا تفسيرا صحيحا- وهو يوسف- فاستجابوا له وأرسلوه إلى يوسف، فذهب إليه في السجن، فلما دخل عليه قال له: يا يوسف يا أيها الصديق، أفتنا في سبع بقرات سمان ... إلخ.
وهذا الأسلوب الذي زخرت به السورة الكريمة، وهو أسلوب الإيجاز بالحذف، من شأنه
стр. 3026
أنه ينشط العقول، ويبعثها على التأمل والتدبر فيما تقرؤه، ويعينها على الاتعاظ والاعتبار..
وهو أسلوب أيضا تقتضيه هذه السورة الكريمة، لأنها تتحدث عن قصة نبي من أنبياء الله- تعالى-. والحديث عن ذلك يستلزم إبراز جوهر الأحداث ولبابها، لا إبراز تفاصيلها وما لا فائدة من ذكره.
فاشتمال السورة الكريمة على هذا الأسلوب البليغ، هو من باب رعاية الكلام لمقتضى الحال، وهو أصل البلاغة وركنها الركين.
(ج) السورة الكريمة اهتمت اهتماما واضحا بشرح أحوال النفس البشرية وتحليل ما يصدر عنها في حال رضاها وغضبها، وفي حال صلاحها وانحرافها، وفي حال غناها وفقرها، وفي حال عسرها ويسرها، وفي حال صفائها وحقدها..
وقد حدثتنا عن الشخصيات التي وردت فيها حديثا صادقا أمينا، كشفت لنا فيه عن جوانب متعددة من أخلاقهم، وسلوكهم، وميولهم، وأفكارهم ... وأعطت كل واحد منهم حقه في الحديث عنه.
(ا) فيوسف- ﵇ وهو الشخصية الرئيسية في القصة- حدثتنا عنه حديثا مستفيضا نستطيع من خلاله، أن نرى له- ﵇ مناقب ومزايا متنوعة من أهمها ما يأتى:
١- امتلاكه لنفسه ولشهوته مهما كانت المغريات، بسبب خوفه لمقام ربه، ونهيه لنفسه عن الهوى ...
ولا أدل على ذلك من قوله- تعالى-: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ...
قال الشيخ القاسمى: قال الإمام ابن القيم ما ملخصه: «لقد كانت دواعي متعددة تدعو يوسف إلى الاستجابة لطلب امرأة العزيز منها: ما ركبه الله في طبع الرجل من ميله إلى المرأة ...
ومنها: أنه كان شابا غير متزوج.. ومنها: أنها كانت ذات منصب وجمال.. وأنها كانت غير آبية ولا ممتنعة ... بل هي التي طلبت وأرادت وبذلت الجهد..
ومنها: أنه كان في دارها وتحت سلطانها.. فلا يخشى أن تنم عليه..
ومنها: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن ...
ومنها: أنها توعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما تأمره به..
ومنها: أن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يجعله يفرق بينه وبينها ...
стр. 3027
ومع كل هذه الدواعي، فقد آثر يوسف مرضاة الله ومراقبته، وحمله خوفه من خالقه على أن يختار السجن على ارتكاب ما يغضبه ... » «١» .
٢- صبره الجميل على المحن والبلايا، ولجوؤه إلى ربه ليستجير به من كيد امرأة العزيز وصواحبها: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ...
٣- نشره للدين الحق، ودعوته لعبادة الله وحده، حتى وهو بين جدران السجن، فهو القائل لمن معه في السجن: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ، أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ....
٤- حسن تدبيره للأمور، وتوصله إلى ما يريده بأحكم الأساليب، وحرصه الشديد على إنقاذ الأمة مما يضرها ويعرضها للهلاك، قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ...
٥- عزة نفسه، وسمو خلقه، فقد أبى أن يذهب لمقابلة الملك إلا بعد إعلان براءته وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ...
٦- تحدثه بنعمة الله، ومعرفته لنفسه قدرها، وطلبه المنصب الذي يناسبه، ويثق بقدرته على القيام بحقوقه قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
٧- ذكاؤه وفطنته، فقد تعرف على إخوته مع طول فراقه لهم: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ....
٨- عفوه وصفحه عمن أساء إليه قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ...
٩- وفاؤه لأسرته ولعشيرته اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ.
١٠- شكر الله- تعالى- على نعمه ومننه رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
стр. 3028
هذا جانب من حديث السورة الكريمة عن يوسف- ﵇، وهو حديث يدل على أنه كان في الذروة العليا من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم..
(د) وتحدثت السورة الكريمة عن يعقوب- ﵇ فذكرت من بين ما ذكرت عنه، صفات الصبر الجميل، والأمل في رحمة الله مهما اشتدت الخطوب، والحرص على سلامة أبنائه من كل ما يؤذيهم حتى ولو أساءوا إليه، والنظر إلى الأمور بعين تختلف عن عيون أبنائه، والحكم عليها بحكم يختلف عن أحكامهم ...
يدل على ذلك قوله- تعالى- وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ.
وقوله- تعالى-: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً....
وقوله- تعالى-: وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ....
وقوله- تعالى-: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
(هـ) وتحدثت عن إخوة يوسف حديثا مستفيضا، تبدو فيه غيرتهم من يوسف، وحسدهم له، وتآمرهم على حياته، وحقدهم عليه حتى وهو بعيد عنهم ... ثم ندمهم في النهاية على ما فرط منهم في حقه بعد أن مكن الله له في الأرض ...
نرى ذلك في مثل قوله- تعالى-: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ...
وفي قوله: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ.
وفي قوله- سبحانه-: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ....
وفي قوله- تعالى-: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ.
(و) وتحدثت عن امرأة العزيز حديثا يكشف عن حال المرأة عند ما تحب.. وكيف أنها في سبيل الحصول على رغبتها تحطم كل الموانع النفسية والاجتماعية ... وتستخدم كل الوسائل التي تظن أنها ستوصلها إلى مرادها. حتى ولو كانت هذه الوسائل تخالف ما عرف عن المرأة من أنها حريصة على أن تكون مطلوبة من الرجل لا طالبة له..
стр. 3029
(ز) وتحدثت عن العزيز حديثا قصيرا يناسب حجمه وسلوكه وتبلد شعوره، فهو مع إيقانه بخطإ امرأته لم يزد على أن قال ليوسف ولها يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.
(ح) وتحدثت عن ملك مصر في ذلك الوقت ... وعن البيئة التي وصل الحال بها أن تزج بيوسف البريء في السجن، إرضاء لشهوات النفوس الجامحة ...
قال- تعالى-: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
وهكذا نجد السورة الكريمة تحدثنا عن نماذج من البشر، فتصف كل نموذج بما يناسبه من صفات، بصدق وأمانة، وتحكم عليه بالحكم الذي يناسبه.
قال صاحب الظلال ما ملخصه: والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكي واضحا في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وإيحاءاتها، بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة ...
ففي الوقت الذي كان الرسول ﷺ يعانى من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش- منذ عام الحزن- كان الله- تعالى- يقص عليه قصة أخ له كريم هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهو يعانى صنوفا من المحن والابتلاءات..
محنة كيد الإخوة، ومحنة الجب، ومحنة الرق، ومحنة كيد امرأة العزيز، ومحنة السجن، ثم محنة الرخاء والجاه والسلطان..
فلا عجب أن تكون هذه السورة بما احتوته من قصة ذلك النبي الكريم، ومن التعقيبات عليها بعد ذلك ... تسلية للرسول ﷺ ولأصحابه عما أصابهم من أعدائهم، وتسرية لقلوبهم وتطمينا لنفوسهم.
ولكأن الله- تعالى- يقول لنبيه ﷺ : كما أخرج يوسف من حضن أبيه ليواجه هذه الابتلاءات كلها، ثم لينتهى بعد ذلك إلى النصر والتمكين..
كذلك أنت يا محمد ستخرج من بلدك مكة مهاجرا ... ثم تعود إليها في الوقت الذي يشاؤه الله ظافرا منتصرا «١» .
стр. 3030
وبعد: فهذا تعريف لسورة يوسف، رأينا أن نسوقه قبل البدء في تفسيرها، لعله يعين على فهم ما اشتملت عليه من حكم وأحكام. ومن عبر وعظات..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم د. محمد سيد طنطاوى
стр. 3031
«التفسير» قال الله تعالى:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
افتتحت سورة يوسف- ﵇ ببعض الحروف المقطعة. وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء في هذه الحروف في سورة البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود.
وقلنا ما ملخصه: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم.
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله- تعالى-: هاكم
стр. 3032
القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم.. فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك.
ومما يشهد لصحة هذا الرأى: أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تراها تتحدث- صراحة أو ضمنا- عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله- تعالى- وعن كونه معجزة للرسول ﷺ ففي مطلع سورة البقرة: الم، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ....
وفي مطلع سورة آل عمران: الم، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ...
وفي أول سورة الأعراف: المص. كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ...
وفي أول سورة يونس: الر. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ. أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ....
وفي أول سورة هود: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ....
وهكذا نجد أن معظم الآيات التي تلى الحروف المقطعة، منها ما يتحدث عن أن هذا الكتاب من عند الله- سبحانه- ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله- تعالى-، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول ﷺ في دعوته..
وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله، وأنه المعجزة الخالدة للرسول ﷺ .
ثم قال- تعالى-: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ.
و «تلك» اسم إشارة، المشار إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرج فيها آيات السورة التي معنا.
والكتاب: مصدر كتب كالكتب. وأصل الكتب ضم أديم الى آخر بالخياطة. واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والمراد به القرآن الكريم.
والمبين: أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر.
стр. 3033
والمعنى: تلك الآيات التي نتلوها عليك- أيها الرسول الكريم- في هذه السورة وفي غيرها، هي آيات الكتاب الظاهر أمره، الواضح إعجازه، بحيث لا تشتبه على العقلاء حقائقه، ولا تلتبس عليهم هداياته.
وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب الكريم، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها، لأن الإشارة إلى بعضها كالإشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإنزال، ولأن الله- تعالى- قد وعد رسوله ﷺ بنزول القرآن عليه، كما في قوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ووعد الله- تعالى- لا يتخلف.
ثم بين- سبحانه- الحكمة من إنزاله بلسان عربي مبين فقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أى: إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد ﷺ بلسان عربي مبين، لعلكم أيها المكلفون بالإيمان به، تعقلون معانيه، وتفهمون ألفاظه، وتنتفعون بهداياته، وتدركون أنه ليس من كلام البشر، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو الله- .
فالضمير في «أنزلناه» يعود إلى الكتاب، وقرآنا حال من هذا الضمير أو بدلا منه.
والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه، للرد على أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله.
وجملة لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف مفعول «تعقلون» للإشارة إلى أن نزوله بهذه الطريقة، يترتب عليه حصول تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات، وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وفي أشرف شهور السنة، فكمل له الشرف من كل الوجوه» «١» .
وقال الجمل: «واختلف العلماء هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء غير عربي.
قال أبو عبيدة: من قال بأن في القرآن شيء غير عربي فقد أعظم على الله القول. واحتج بهذه الآية.
стр. 3034
وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربي مثل: سجيل، والمشكاة، واليم، وإستبرق ونحو ذلك.
وهذا هو الصحيح المختار، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب- إن شاء الله-.
ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم، وصارت لهم لغة، فظهر بهذا البيان صحة القولين، وأمكن الجمع بينهما» «١» .
ثم بين- سبحانه- أن هذا القرآن مشتمل على أحسن القصص وأحكمها وأصدقها فقال- تعالى-: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: «القصص: اتباع الخبر بعضه بعضا، وأصله في اللغة المتابعة قال- تعالى- وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ.. أى اتبعى أثره. وقال- تعالى-:
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أى: اتباعا. وإنما سميت الحكاية قصصا، لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا، كما يقال: «تلا فلان القرآن، أى قرأه آية فآية» «٢» .
والمعنى: نحن نقص عليك- أيها الرسول الكريم «أحسن القصص» أى: أحسن أنواع البيان، وأوفاه بالغرض الذي سيق من أجله.
وإنما كان قصص القرآن أحسن القصص، لاشتماله على أصدق الأخبار، وأبلغ الأساليب، وأجمعها للحكم والعبر والعظات.
والباء في قوله بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ للسببية متعلقة بنقص، وما مصدرية.
أى: نقص عليك أحسن القصص، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو في الذروة العليا في بلاغته وتأثيره في النفوس.
وجملة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ في موضع الحال من كاف الخطاب في إِلَيْكَ و «وإن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف.
стр. 3035
والضمير في قوله مِنْ قَبْلِهِ يعود إلى الإيحاء المفهوم من قوله أَوْحَيْنا.
والمعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب ما أوحيناه إليك من هذا القرآن.
والحال أنك كنت قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن، من الغافلين عن تفاصيل هذا القصص، وعن دقائق أخباره وأحداثه، شأنك في ذلك شأن قومك الأميين.
قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
ثم حكى- سبحانه- قصة يوسف- ﵇ كمثال لأحسن القصص فقال- تعالى- إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ.
وإِذْ ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر.
ويوسف: اسم أعجمى، مشتق- كما يقول الآلوسى- من الأسف، وسمى به لأسف أبيه عليه. وأبوه: هو يعقب بن إسحاق بن إبراهيم. وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر- رضى الله عنهما- أن رسول الله- ﷺ قال: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقوله: يا أَبَتِ أصله يا أبى، فحذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث، ونقلت إليها كسرة الباء، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث.
والمعنى: اذكر- أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب- وقت أن قال يوسف لأبيه، يا أبت إنى رأيت في منامي أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً تسجد لي، ورأيت كذلك الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لي ساجِدِينَ.
ولم يدرج الشمس والقمر في الكواكب مع أنهما منها، لإظهار مزيتهما ورفعا لشأنهما، وجملة رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها.
وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء في الضمير المختص بها، لوصفها بوصفهم حيث إن السجود من صفات العقلاء، والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته.
قال ابن كثير: «وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه.
روى هذا عن ابن عباس، والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن زيد، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل بعد ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش،
стр. 3036
وهو سريره. وإخوته بين يديه ... وخروا له سجدا وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، قد جعلها ربي حقا ... » «١» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قص عليه رؤياه فقال: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وقوله يا بُنَيَّ تصغير ابن. والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفقة عليه، والتلطيف معه.
وقوله رُؤْياكَ من الرؤيا التي هي مصدر رأى العلمية الدالة على ما وقع للإنسان في نومه، أما رأى البصرية فيقال في مصدرها الرؤية.
وقوله «فيكيدوا لك..» من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإضرار والفعل كاد يتعدى بنفسه، فيقال: كاده يكيده كيدا، إذا احتال لإهلاكه. ولتضمنه معنى احتال عدى باللام.
والمعنى: قال يعقوب لابنه يوسف- ﵉ بشفقة ورحمة، بعد أن سمع منه ما رآه في منامه: «يا بنى» لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا لإهلاكك احتيالا خفيا، لا قدرة لك على مقاومته أو دفعه..
وإنما قال له ذلك، لأن هذه الرؤيا تدل على أن الله- تعالى- سيعطى يوسف من فضله عطاء عظيما. ويهبه منصبا جليلا، ومن شأن صاحب النعمة أن يكون محسودا من كثير من الناس، فخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له، إذا ما قص عليهم رؤياه، ومن عدوانهم عليه.
والتنوين في قوله «كيدا» للتعظيم والتهويل، زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم.
وجملة «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» واقعة موقع التعليل للنهى عن قص الرؤيا على إخوته، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذي يغريهم بالكيد له إذا ما قص عليهم ما رآه، وهو بذلك لا يثير في نفسه الكراهة لإخوته.
أى: لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك، فيحتالوا للإضرار بك حسدا منهم لك، وهذا الحسد يغرسه الشيطان في نفوس الناس، لتتولد بينهم العداوة والبغضاء، فيفرح هو بذلك، إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له الشيطان.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها:
стр. 3037
أنه يجوز للإنسان في بعض الأوقات أن يخفى بعض النعم التي أنعم الله بها عليه، خشية حسد الحاسدين، أو عدوان المعتدين.
وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض عباده الذين زكت نفوسهم فيكشف لهم عما يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه. ومن الأحاديث التي وردت في فضل الرؤيا الصالحة ما رواه البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح..» .
وفي حديث آخر: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» .
وفي حديث ثالث: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة للرجل الصالح، يراها أو ترى له» «١» .
كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء.
قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: «والظاهر أن القوم- أى إخوة يوسف- كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيد هذا أنهم لم يكونوا أنبياء «٢» .
وهذا ما عليه الأكثرون سلفا وخلفا. أما السلف فإنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه قال بنبوتهم.
وأما الخلف فكثير منهم نفى عنهم أن يكونوا أنبياء، وعلى رأى من قال بذلك الإمام ابن تيمية، في مؤلف له خاص بهذه المسألة، وقد قال فيه:
الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار، أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء، وليس في القرآن ولا في السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء ... » .
ثم حكى- سبحانه- ما توقعه يعقوب لابنه يوسف من خير وبركة فقال:
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ، كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
والكاف في قوله وَكَذلِكَ حرف تشبيه بمعنى مثل، وهي داخلة على كلام محذوف.
стр. 3038
وقوله يَجْتَبِيكَ من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار، مأخوذ من جبيت الشيء إذا اخترته لما فيه من النفع والخير.
وتَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ معناه تفسيرها تفسيرا صحيحا، إذ التأويل مأخوذ من الأول بمعنى الرجوع، وهو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه.
والأحاديث جمع تكسير مفردة حديث، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها والتحدث بها.
والمعنى: وكما اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة، فإنه- سبحانه- يجتبيك ويختارك لأمور عظام في مستقبل الأيام، حيث يهبك من صدق الحسّ، ونفاذ البصيرة، ما يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما، وتعبر الرؤى تعبيرا صحيحا صادقا.
«ويتم نعمته عليك» بالنبوة والرسالة والملك والرياسة «وعلى آل يعقوب» وهم إخوته وذريتهم، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه.
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ أى: من قبل هذه الرؤيا أو من قبل هذا الوقت.
وقوله «إبراهيم وإسحاق» بيان لأبويه.
أى: يتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل، وهما إبراهيم وإسحاق بأن وهبهما- سبحانه- النبوة والرسالة.
وعبر عنهما بأنهما أبوان ليوسف، مع أن إبراهيم جد أبيه، وإسحاق جده، للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء ﵈، وللمبالغة في إدخال السرور على قلبه، ولأن هذا الاستعمال مألوف في لغة العرب، فقد كان أهل مكة يقولون للنبي ﷺ يا ابن عبد المطلب، وأثر عنه ﷺ أنه قال: أنا النبي لا كذب- أنا ابن عبد المطلب. وجملة «إن ربك عليم حكيم» مستأنفة لتأكيد ما سبقها من كلام.
أى: إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته، وبمن هو أهل لنعمه وكرامته، حكيم في صنعه وتصرفاته.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن القرآن الكريم، وساقت بأسلوب حكيم ما قاله يعقوب لابنه يوسف- ﵉ بعد أن قص ما رآه في المنام.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه، وحالتهم وهم يجادلون أباهم في شأنه. وحالتهم وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد أن نفذوها وعادوا
стр. 3039
إلى أبيهم ليلا يتباكون فقال- تعالى-:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ١٥]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)
وقوله- سبحانه-: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ شروع في حكاية قصة يوسف مع إخوته، بعد أن بين- سبحانه- صفة القرآن الكريم، وبعد أن أخبر عما رآه يوسف في منامه، وما قاله أبوه له.
وإخوة يوسف هم: رأوبين، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، ويساكر، وزبولون، ودان، ونفتالى، وجاد، وأشير، وبنيامين.
стр. 3040
والآيات: جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على قدرة الله- تعالى- ووجوب إخلاص العبادة له.
والمعنى: لقد كان في قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات عظيمة، ودلائل تدل على قدرة الله القاهرة، وحكمته الباهرة، وعلى ما للصبر وحسن الطوية من عواقب الخير والنصر، وعلى ما للحسد والبغي من شرور وخذلان.
وقوله: «للسائلين» أى: لمن يتوقع منهم السؤال، بقصد الانتفاع بما ساقه القرآن الكريم من مواعظ وأحكام.
أى: لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته، آيات عظيمة، لكل من سأل عن قصتهم، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام، تشهد بصدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه.
وهذا الافتتاح لتلك القصة، كفيل بتحريك الانتباه لما يلقى بعد ذلك منها، ومن تفصيل لأحداثها، وبيان لما جرى فيها.
وقوله- سبحانه-: إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ...
بيان لما قاله إخوة يوسف فيما بينهم، قبل أن ينفذوا جريمتهم.
و «إذ» ظرف متعلق بالفعل «كان» في قوله- سبحانه- قبل ذلك: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ...
واللام في قوله لَيُوسُفُ لتأكيد أن زيادة محبة أبيهم ليوسف وأخيه، أمر ثابت، لا يقبل التردد أو التشكك.
والمراد بأخيه: أخوه من أبيه وأمه وهو «بنيامين» وكان أصغر من يوسف- ﵇ أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط.
ولم يذكروه باسمه، للإشعار بأن محبة يعقوب له، من أسبابها كونه شقيقا ليوسف، ولذا كان حسدهم ليوسف أشد.
وجملة «ونحن عصبة» حالية. والعصبة كلمة تطلق على ما بين العشرة إلى الأربعين من الرجال، وهي مأخوذة من العصب بمعنى الشد، لأن كلا من أفرادها يشد الآخر ويقويه ويعضده، أو لأن الأمور تعصب بهم. أى تشتد وتقوى.
أى: قال إخوة يوسف وهم يتشاورون في المكر به: ليوسف وأخوه «بنيامين» أحب إلى قلب
стр. 3041
أبينا منا، مع أننا نحن جماعة من الرجال الأقوياء الذين عندهم القدرة على خدمته ومنفعته والدفاع عنه دون يوسف وأخيه.
وقولهم- كما حكى القرآن عنهم-: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ تذييل قصدوا به درء الخطأ عن أنفسهم فيما يفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيه الذي فرق بينهم- في زعمهم- في المعاملة.
والمراد بالضلال هنا: عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء في موضعها الصحيح، وليس المراد به الضلال في العقيدة والدين.
أى: إن أبانا لفي خطأ ظاهر، حيث فضل في المحبة صبيين صغيرين على مجموعة من الرجال الأشداء النافعين له القادرين على خدمته.
قال القرطبي: لم يريدوا بقولهم إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ الضلال في الدين إذ لو أرادوه لكانوا كفارا، بل أرادوا: إن أبانا لفي ذهاب عن وجه التدبير في إيثاره اثنين على عشرة، مع استوائهم في الانتساب إليه» «١» .
وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس في محله، لأن يعقوب- ﵇ كان عنده من أسباب التفضيل ليوسف عليهم ما ليس عندهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: يروى أن يعقوب- ﵇ كان يوسف أحب إليه لما يرى فيه من المناقب الحميدة، فلما رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة.
وقال بعضهم: إن زيادة حبه ليوسف وأخيه، صغرهما، وموت أمهما، وقد قيل لإحدى الأمهات: أى بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يشفى.
ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة لمثل ذلك وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر ... » «٢» .
ثم أخبر- سبحانه- عما اقترحوه للقضاء على يوسف فقال- تعالى-: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ.
ولفظ «اطرحوه» مأخوذ من الطرح، ومعناه رمى الشيء وإلقاؤه بعيدا، ولفظ «أرضا» منصوب على نزع الخافض، والتنوين فيه للإبهام. أى: أرضا مجهولة.
стр. 3042
والمعنى: لقد بالغ أبونا في تفضيل يوسف وأخيه علينا، مع أننا أولى بذلك منهما وما دام هو مصرا على ذلك، فالحل أن تقتلوا يوسف، أو أن تلقوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت فيها غريبا.
قال الآلوسى: «وحاصل المعنى: اقتلوه أو غربوه، فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين، فإن الغربة كربة أية كربة، ولله- تعالى- در القائل:
حسنوا القول وقالوا غربة ... إنما الغربة للأحرار ذبح
وجملة «يخل لكم وجه أبيكم» جواب الأمر.
والخلو: معناه الفراغ. يقال خلا المكان يخلو خلوا وخلاء، إذا لم يكن به أحد.
والمعنى: اقتلوا يوسف أو اقذفوا به في أرض بعيدة مجهولة حتى يموت، فإنكم إن فعلتم ذلك، خلصت لكم محبة أبيكم دون أن يشارككم فيها أحد، فيقبل عليكم بكليته، ويكون كل توجهه إليكم وحدكم، بعد أن كان كل توجهه إلى يوسف.
قال صاحب الكشاف: «يخل لكم وجه أبيكم» أى: يقبل عليكم إقبالة واحدة، لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها، وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل عليه بوجهه ... » «١» .
وقوله: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ معطوف على جواب الأمر.
أى: وتكونوا من بعد الفراغ من أمر يوسف بسبب قتله أو طرحه في أرض بعيدة، قوما صالحين في دينكم، بأن تتوبوا إلى الله بعد ذلك فيقبل الله توبتكم، وصالحين في دنياكم بعد أن خلت من المنغصات التي كان يثيرها وجود يوسف بينكم.
وهكذا النفوس عند ما تسيطر عليها الأحقاد، وتقوى فيها رذيلة الحسد، تفقد تقديرها الصحيح للأمور، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه، وتصور الصغائر في صورة الكبائر، والكبائر في صورة الصغائر.
فإخوة يوسف هنا، يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم، يستحق إزهاق روح الأخ.
وفي الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة شيء هين، في الإمكان أن يعودوا بعده قوما صالحين أمام خالقهم، وأمام أبيهم، وأمام أنفسهم.
стр. 3043
وقوله- سبحانه- قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بيان للرأى الذي اقترحه أحدهم، واستقر عليه أمرهم.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة «في غيابة الجب» بالإفراد- وقرأ أهل المدينة «في غيابات الجب» - بالجمع-.
وكل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر غيابة- قال الشاعر:
فإن أنا يوما غيبتني غيابتى ... فسيروا بسيرى في العشيرة والأهل
والجب: الركية- أى الحفرة- التي لم تطو- أى لم تبن بالحجارة- فإذا طويت فهي بئر. وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا. وجمع الجب جببة وجباب وأجباب.
وجمع بين الغيابة والجب، لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم من الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين ... » «١» .
والسيارة: جمع سيار، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون في السير ليصلوا إلى مقصودهم.
والمعنى: قال قائل من إخوة يوسف أفزعه ما هم مقدمون عليه بشأن أخيهم الصغير:
لا تقتلوا يوسف، لأن قتله جرم عظيم، وبدلا من ذلك، ألقوه في قعر الجب حيث يغيب خبره، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم.
ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل «يهوذا» .
والفائدة في وصفه بأنه منهم، الإخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه في أرض بعيدة حتى يدركه الموت.
وأتى باسم يوسف دون ضميره. لاستدرار عطفهم عليه، وشفقتهم به، واستعظام أمر قتله.
وجواب الشرط في قوله «إن كنتم فاعلين» محذوف لدلالة «وألقوه» عليه.
стр. 3044
والمعنى: إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب، فألقوه في غيابة الجب، ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا.
وفي هذه الجملة من هذا القائل، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ، حيث فوض الأمر إليهم، تعظيما لهم، وحذرا من سوء ظنهم به، فكان أمثلهم رأيا، وأقربهم إلى التقوى.
قالوا: وفي هذا الرأى عبرة في الاقتصاد عند الانتقام، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون إفراط، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم. وهذا الإبعاد يتم عن طريق إلقائه في غيابة الجب.
ثم حكى- سبحانه- محاولاتهم مع أبيهم، ليأذن لهم بخروج يوسف معهم فقال:
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
أى: قال إخوة يوسف لأبيهم- محاولين استرضاءه لاستصحاب يوسف معهم-: يا أبانا «مالك لا تأمنا على يوسف» أى: أى شيء جعلك لا تأمنا على أخينا يوسف في خروجه معنا، والحال أننا له ناصحون، فهو أخونا ونحن لا نريد له إلا الخير الخالص، والود الصادق.
وفي ندائهم له بلفظ «يا أبانا» استمالة لقلبه، وتحريك لعطفه، حتى يعدل عن تصميمه على عدم خروج يوسف معهم.
والاستفهام في قولهم «مالك لا تأمنا..» للتعجيب من عدم ائتمانهم عليه مع أنهم إخوته، وهو يوحى بأنهم بذلوا محاولات قبل ذلك في اصطحابه معهم ولكنها جميعا باءت بالفشل.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ...
والرتع والرتوع هو الاتساع في الملاذ والتنعم في العيش، يقال: رتع الإنسان في النعمة إذا أكل ما يطيب له ورتعت الدابة إذا أكلت حتى شبعت، وفعله كمنع والمراد باللعب هنا الاستجمام ورفع السآمة، كالتسابق عن طريق العدو، وما يشبه ذلك من ألوان الرياضة المباحة.
أى: أرسله معنا غدا ليتسع في أكل الفواكه ونحوها، وليدفع السآمة عن نفسه عن طريق القفز والجري والتسابق معنا.
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. كل الحفظ من أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء.
стр. 3045
وقد أكدوا هذه الجملة والتي قبلها وهي قوله «وإنا له لناصحون» بألوان من المؤكدات، لكي يستطيعوا الحصول على مقصودهم في اصطحاب يوسف معهم.
وهو أسلوب يبدو فيه التحايل الشديد على أبيهم، لإقناعه بما يريدون تنفيذه وتحقيقه من مآرب سيئة.
ثم أخبر- سبحانه- عما رد به عليهم أبوهم فقال: قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ.
والحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب.
والخوف: فزع النفس من مكروه يتوقع حصوله.
والذئب: حيوان معروف بعدوانه على الضعاف من الإنسان ومن الحيوان، وأل فيه للجنس، والمراد به أى فرد من أفراد الذئاب.
أى: قال يعقوب لأبنائه ردا على إلحاحهم في طلب يوسف للذهاب معهم يا أبنائى إننى ليحزنني حزنا شديدا فراق يوسف لي، وفضلا عن ذلك فإننى أخشى إذا أخذتموه معكم في رحلتكم أن يأكله الذئب، وأنتم عنه غافلون، بسبب اشتغالكم بشئون أنفسكم، وقلة اهتمامكم برعايته وحفظه.
قالوا: وخص الذئب بالذكر من بين سائر الحيوانات، ليشعرهم بأن خوفه عليه مما هو أعظم من الذئب توحشا وافتراسا أشد وأولى.
أو خصه بالذكر لأن الأرض التي عرفوا بالنزول فيها كانت كثيرة الذئاب.
وقوله- سبحانه-: قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ رد مؤكد من إخوة يوسف على تخوف أبيهم وتردده في إرساله معهم. إذ اللام في قوله: «لئن» موطئة للقسم، وجواب القسم قوله: «إنا إذا لخاسرون» .
أى: قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه، وإزالة الحزن والخوف عن نفسه: يا أبانا والله لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا، ونحن عصابة من الرجال الأقوياء الحريصين على سلامته، إنا إذا في هذه الحالة لخاسرون خسارة عظيمة، نستحق بسببها عدم الصلاح لأى شيء نافع.
وأخيرا استسلم الأب، لإلحاح أبنائه الكبار، ليتحقق قدر الله الذي قدره على يوسف.
ولتسير قصة حياته في الطريق الذي شاء الله تعالى- له أن تسير فيه.
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ
стр. 3046
الْجُبِّ. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
أى: فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم، وذهبوا به في الغد إلى حيث يريدون، وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به في قعر الجب، فعلوا به ما فعلوا من الأذى، ونفذوا ما يريدون تنفيذه بدون رحمة أو شفقة.
فالفاء في قوله فلما: للتفريع على كلام مقدر، وجواب «لما» محذوف، دل عليه السياق.
وفعل «أجمع» يتعدى إلى المفعول بنفسه، ومعناه العزم والتصميم على الشيء، تقول:
أجمعت المسير أى: عزمت عزما قويا عليه.
وقوله «أن يجعلوه» مفعول أجمعوا.
قال الآلوسى: «والروايات في كيفية إلقائه في الجب، وما قاله لإخوته عند إلقائه وما قالوه له كثيرة، وقد تضمنت ما يلين له الصخر، لكن ليس فيها ما له سند يعول عليه» «١» .
والضمير في قوله، وأوحينا إليه يعود على يوسف- ﵇.
أى: وأوحينا إليه عند إلقائه في الجب عن طريق الإلهام القلبي، أو عن طريق جبريل- ﵇ أو عن طريق الرؤيا الصالحة. لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أى: لتخبرنهم في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى- في مستقبل الأيام، بما فعلوه معك في صغرك من إلقائك في الجب، ومن إنجاء الله- تعالى- لك، فالمراد بأمرهم هذا: إيذاؤهم له وإلقاؤهم إياه في قعر الجب، ولم يصرح- سبحانه- به، لشدة شناعته.
وجملة «وهم لا يشعرون» حالية، أى: والحال أنهم لا يحسون ولا يشعرون في ذلك الوقت الذي تخبرهم فيه بأمرهم هذا، بأنك أنت يوسف. لاعتقادهم أنك قد هلكت ولطول المدة التي حصل فيها الفراق بينك وبينهم، ولتباين حالك وحالهم في ذلك الوقت، فأنت ستكون الأمين على خزائن الأرض، وهم سيقدمون عليك فقراء يطلبون عونك ورفدك.
وقد تحقق كل ذلك- كما يأتى- عند تفسير قوله تعالى-: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ...
وكان هذا الإيحاء- على الراجح- قبل أن يبلغ سن الحلم، وقبل أن يكون نبيا.
وكان المقصود منه، إدخال الطمأنينة على قلبه، وتبشيره بما يصير إليه أمره من عز وغنى وسلطان.
стр. 3047
قالوا: وكان هذا الجب الذي ألقى فيه يوسف على بعد ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب- ﵇ بفلسطين.
ثم حكى- سبحانه- أقوالهم لأبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم وعادوا إليه ليلا يبكون فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٦ الى ١٨]
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)
فقوله: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ.
والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس، وبدء حلول الظلام والمراد بالبكاء هنا: البكاء المصطنع للتمويه والخداع لأبيهم، حتى يقنعوه- في زعمهم- أنهم لم يقصروا في حق أخيهم.
أى: وجاءوا أباهم بعد أن أقبل الليل بظلامه يتباكون، متظاهرين بالحزن والأسى لما حدث ليوسف، وفي الأمثال: «دموع الفاجر بيديه» .
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أى: نتسابق عن طريق الرمي بالسهام، أو على الخيل، أو على الأقدام. يقال: فلان وفلان استبقا أى: تسابقا حتى ينظر أيهما يسبق الآخر.
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا أى: عند الأشياء التي نتمتع بها وننتفع في رحلتنا، كالثياب والأطعمة وما يشبه ذلك.
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ في تلك الفترة التي تركناه فيها عند متاعنا.
والمراد: قتله الذئب، ثم أكله دون أن يبقى منه شيئا ندفنه.
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ أى: وما أنت بمصدق لنا فيما أخبرناك به من أن
стр. 3048
يوسف قد أكله الذئب، حتى ولو كنا صادقين في ذلك، لسوء ظنك بنا، وشدة محبتك له.
وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم، وبمخادعتهم له، ويكاد المريب أن يقول خذوني- كما يقولون-.
ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكي وبهذا القول، بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن في قوله: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... أى: بدم ذي كذب، فهو مصدر بتقدير مضافه، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة، حتى لكأنه الكذب بعينه، والمصدر هنا بمعنى المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، أى: بدم مكذوب.
والمعنى: وبعد أن ألقوا بيوسف في الجب، واحتفظوا بقميصه معهم، ووضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف، وإنما من جسم شيء آخر قد يكون ظبيا وقد يكون خلافه.
وقال- سبحانه- عَلى قَمِيصِهِ للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص وضعا متكلفا مصطنعا، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه، لظهر التمزق والتخريق في القميص، ولتغلغل الدم في قطعة منه.
ولقد أدرك يعقوب- ﵇ من قسمات وجوههم، ومن دلائل حالهم، ومن نداء قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له، ولذا جابههم بقوله: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً....
والتسويل: التسهيل والتزيين. يقال: سولت لفلان نفسه هذا الفعل أى زينته وحسنته له، وصورته له في صورة الشيء الحسن مع أنه قبيح.
أى: قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا: قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هي التي زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا، ستكشف الأيام عنه بإذن ربي ومشيئته.
ونكر الأمر في قوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف، كالقتل، أو التغريب، أو البيع في الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به.
وفي هذا التنكير والإبهام- أيضا- ما فيه من التهويل والتشنيع لما اقترفوه في حق أخيهم.
стр. 3049
وقوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أى: فصبرى صبر جميل، وهو الذي لا شكوى فيه لأحد سوى الله- تعالى- ولا رجاء معه إلا منه- سبحانه-.
ثم أضاف إلى ذلك قوله: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أى: والله- تعالى- هو الذي أستعين به على احتمال ما تصفون من أن ابني يوسف قد أكله الذئب.
أو المعنى: والله- تعالى- وحده هو المطلوب عونه على إظهار حقيقة ما تصفون، وإثبات كونه كذبا، وأن يوسف ما زال حيا، وأنه- سبحانه- سيجمعنى به في الوقت الذي يشاؤه.
قال الآلوسى: «أخرج ابن ابى حاتم وأبو الشيخ عن قتادة: أن إخوة يوسف- بعد أن ألقوا به في الجب- أخذوا ظبيا فذبحوه، ولطخوا بدمه قميصه، ولما جاءوا به إلى أبيهم جعل يقلبه ويقول: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا الذئب!! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه ... » «١» .
وقال القرطبي: «استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل الفقه كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب- ﵇ قد استدل على كذب أبنائه بصحة القميص، وهكذا يجب على الحاكم أن يلحظ الأمارات والعلامات ... » «٢» .
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه: «وفي الآية من الفوائد: أن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود وبمن يراعيه ... وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة، لم يصدق، وأن من طلب مراده بمعصية الله- تعالى- فضحه الله- ، وأن القدر كائن، وأن الحذر لا ينجى منه ... » «٣» .
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ، وتصويرها المؤثر، ما تآمر به إخوة يوسف عليه، وما اقترحوه لتنفيذ مكرهم، وما قاله لهم أوسطهم عقلا ورأيا، وما تحايلوا به على أبيهم لكي يصلوا إلى مآربهم، وما رد به عليهم أبوهم، وما قالوه له بعد أن نفذوا جريمتهم في أخيهم. بأن ألقوا به في الجب ...
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، لتقص علينا مرحلة أخرى من مراحل حياة يوسف- ﵇ حيث حدثتنا عن انتشاله من الجب، وعن بيعه بثمن بخس وعن وصية الذي اشتراه لامرأته، وعن مظاهر رعاية الله- تعالى- له فقال- سبحانه-:
стр. 3050
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
فقوله- سبحانه-: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ، فَأَدْلى دَلْوَهُ ... شروع في الحديث عما جرى ليوسف من أحداث بعد أن ألقى به إخوته في الجب.
والسيارة: جماعة المسافرين، وكانوا- كما قيل- متجهين من بلاد الشام إلى مصر.
والوارد: هو الذي يرد الماء ليستقى للناس الذين معه. ويقع هذا اللفظ على الفرد والجماعة. فيقال لكل من يرد الماء وارد، كما يقال للماء مورود.
وقوله فَأَدْلى من الإدلاء بمعنى إرسال الدلو في البئر لأخذ الماء.
والدلو: إناء معروف يوضع فيه الماء.
وفي الآية الكريمة كلام محذوف دل عليه المقام، والتقدير:
وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وتركوه وانصرفوا لشأنهم، جاءت إلى ذلك المكان قافلة من المسافرين، فأرسلوا واردهم ليبحث لهم عن ماء ليستقوا، فوجد جبا، فأدلى دلوه فيه، فتعلق به يوسف، فلما خرج ورآه فرح به وقال: يا بشرى هذا غلام.