← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وثانيهما: أن يكون الاستنقاص من جهة غيرهم إذا اشتروا منه، بأن يأخذوا منه أكثر من حقهم. فكأنه- ﵇ يقول لهم: لا تنقصوا المكيال والميزان لا عند الأخذ ولا عند الإعطاء، فلا تعطوا غيركم أقل من حقه إذا بعتم، ولا تأخذوا منه أكثر من حقكم إذا اشتريتم. وإلى هذين الأمرين أشار قوله- تعالى- وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.... ثم بين لهم الأسباب التي دعته إلى أمرهم ونهيهم فقال: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. والخير: كلمة جامعة لكل ما يرضى الإنسان ويغنيه ويسره. ومحيط: أى شامل بحيث لا يستطيع أحد الإفلات منه. كما يحيط الظرف بالمظروف ... أى: أخلصوا لله عبادتكم، والتزموا العدل في معاملاتكم، فإنى أراكم تملكون الوفير من المال، وتعيشون في رغد من العيش، وفي بسطة من الرزق، ومن كان كذلك فمن الواجب عليه أن يقابل هذه النعم بالشكر لواهبها وهو الله- تعالى- وأن يستعملها استعمالا يرضيه، وأن يعطى كل ذي حق حقه. وإنى- أيضا- أخاف عليكم إذا ما تماديتم في مخالفة ما آمركم به وما أنهاكم عنه، عذاب يوم أهواله وآلامه شاملة لكل ظالم، بحيث لا يستطيع أن يهرب منها ... قال الشوكانى: وصف- سبحانه- اليوم بالإحاطة، والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم، أنهم لا يشذ منهم أحد عنه، ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا» «١» . فأنت ترى أن شعيبا- ﵇ بعد أن أمرهم بما يصلح عقيدتهم ونهاهم عما يفسد معاملاتهم وأخلاقهم ... ذكرهم بما هم فيه من نعمة وغنى قطعا لعذرهم حتى لا يقولوا له نحن في حاجة إلى تطفيف المكيال والميزان لفقرنا، ثم أخبرهم بأنه ما حمله على هذا النصح لهم إلا خوفه عليهم. ثم واصل شعيب- ﵇ نصحه لقومه، فأمرهم بالوفاء بعد أن نهاهم عن

стр. 2977

النقص على سبيل التأكيد، وزيادة الترغيب في دعوته فقال: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ... أى: ويا قوم أوفوا عند معاملاتكم أدوات كيلكم وأدوات وزنكم، ملتزمين في كل أحوالكم العدل والقسط. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ... أى: ولا تنقصوهم شيئا من حقوقهم. يقال: بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه وانتقصه. وهو يشمل النقص والعيب في كل شيء.. والجملة الكريمة تعميم بعد تخصيص، لكي تشمل غير المكيل والموزون كالمزروع والمعدود، والجيد والرديء ... قال الجمل ما ملخصه: وقد كرر- سبحانه- نهيهم عن النقص والبخس وأمرهم بالوفاء ... لأن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح، وهو تطفيف الكيل والميزان ومنع الناس حقوقهم، احتيج في المنع منه إلى المبالغة في التأكيد، ولا شك أن التكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالمأمور به والمنهي عنه، فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر والمنع من ذلك الفعل ... » «١» . وقوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال نعم الله في غير ما خلقت له. قال ابن جرير: «وأصل العثى شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. يقال عثى فلان في الأرض يعنى- كرضى يرضى- إذا تجاوز الحد في الإفساد ... » «٢» . أى: ولا تسعوا في أرض الله بالفساد، وتقابلوا نعمه بالمعاصي، فتسلب عنكم ثم أرشدهم إلى أن ما عند الله خير وأبقى مما يجمعونه عن الطريق الحرام فقال: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. ولفظ بَقِيَّتُ اسم مصدر من الفعل: بقي، ضد: فنى. وإضافتها إلى الله- تعالى- إضافة تشريف وتيمن. أى: ما يبقيه الله لكم من رزق حلال، ومن حال صالح، ومن ذكر حسن، ومن أمن وبركة في حياتكم ... بسبب التزامكم بالقسط في معاملاتكم، هو خير لكم من المال الكثير الذي تجمعونه عن طريق بخس الناس أشياءهم.

стр. 2978

وجملة «إن كنتم مؤمنين» معترضة لبيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإيمان. أى: ما يبقيه الله لكم من الحلال ... هو خير لكم، إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم، أما إذا لم تكونوا كذلك فلن تكون بقية الله خيرا لكم، لأنها لا تكون إلا للمؤمنين، فاستجيبوا لنصيحتى لتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وجملة «وما أنا عليكم بحفيظ» تحذير لهم من مخالفته بعد أن أدى ما عليه من بلاغ. أى: وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ لكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وأجازيكم بها الجزاء الذي تستحقونه. وإنما أنا ناصح ومبلغ ما أمرنى ربي بتبليغه، وهو وحده- سبحانه- الذي سيتولى مجازاتكم. وإلى هنا نجد شعيبا- ﵇ قد أرشد قومه إلى ما يصلحهم في عقائدهم، وفي معاملاتهم، وفي صلاتهم بعضهم ببعض، وفي سلوكهم الشخصي، بأسلوب حكيم جامع لكل ما يسعد ويهدى للتي هي أقوم.. فماذا كان رد قومه عليه؟ لقد كان ردهم عليه- كما حكاه القرآن الكريم- طافحا بالاستهزاء به، والسخرية منه، فقد قالوا له: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ. أى: قال قوم شعيب له- على سبيل التهكم والاستهزاء-: يا شعيب أصلاتك- التي تزعم أن ربك كلفك بها والتي أنت تكثر منها- تأمرك أن نترك عبادة الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من شأنه ... وأسندوا الأمر إلى الصلاة من بين سائر العبادات التي كان يفعلها، لأنه- ﵇ كان كثير الصلاة، وكانوا إذا رأوه يصلى سخروا منه. وجملة «أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» إنكار منهم لترك ما تعودوه من نقص الكيل والميزان بعد إنكارهم لترك عبادة الأصنام. أى: أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأصنام، وتأمرك أن نترك ما تعودنا فعله في أموالنا من التطفيف في الكيل والميزان ... إن كانت صلاتك تأمرك بذلك، فهي في نظرنا صلاة باطلة، لا وزن لها عندنا، بل نحن نراها لونا من ألوان جنونك وهذيانك.. وجملة «إنك لأنت الحليم الرشيد» زيادة منهم في السخرية منه- ﵇ وفي

стр. 2979

التهكم عليه، فكأنهم- قبحهم الله- يقولون له: كيف تأمرنا بترك عبادة الأصنام، وبترك النقص في الكيل والميزان، مع علمك اليقيني بأن هذين الأمرين قد بنينا عليهما حياتنا، ومع زعمك لنا بأنك أنت الحليم الذي يتأنى ويتروى في أحكامه، الرشيد الذي يرشد غيره إلى ما ينفعه؟ إن هذين الوصفين لا يليقان بك، مادمت تأمرنا بذلك، وإنما اللائق بك أضدادهما، أى الجهالة والسفه والعجلة في الأحكام. قال صاحب الكشاف: وأرادوا بقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبض حجره، فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل معناه: إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك. يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك وما اشتهرت به ... » «١» . هكذا رد قوم شعيب عليه، وهو رد يحمل السخرية في كل مقطع من مقاطعه، ولكنها سخرية الشخص الذي انطمست بصيرته، وقبحت سريرته!! ومع كل هذه السفاهة ترى شعيبا- ﵇ وهو خطيب الأنبياء- يتغاضى عن سفاهاتهم، لأنه يحس بقصورهم وجهلهم، كما يحس بقوة الحق الذي أتاهم به من عند ربه، فيرد عليهم بقوله: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ... والبينة: ما يتبين به الحق من الباطل، ويتميز به الهدى من الضلال. أى: قال شعيب لقومه بأسلوب مهذب حكيم: يا قوم أخبرونى إن كنت على حجة واضحة، وبصيرة مستنيرة منحني إياها ربي ومالك أمرى. وَرَزَقَنِي مِنْهُ- سبحانه-، رِزْقاً حَسَناً يتمثل في النبوة التي كرمني بها، وفي المال الحلال الذي بين يدي، وفي الحياة الطيبة التي أحياها. وجواب الشرط محذوف والتقدير: أخبرونى إن كنت كذلك، هل يليق بي بعد ذلك أن أخالف أمره مسايرة لأهوائكم؟ كلا إنه لا يليق بي ذلك، وإنما اللائق بي أن أبلغ جميع ما أمرنى بتبليغه دون خوف أو تقصير. ثم يكشف لهم عن أخلاقه وسلوكه معهم فيقول: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ.... أى: ما أريد بأمرى لكم بعبادة الله وحده، وبنهيى إياكم عن التطفيف والبخس، مجرد

стр. 2980

مخالفتكم ومنازعتكم ومعاكستكم، أو أن آمركم بشيء ثم لا أفعله، أو أنهاكم عنه ثم أفعله، من أجل تحقيق منفعة دنيوية.. كلا، كلا إنى لا أريد شيئا من ذلك وإنما أنا إنسان يطابق قولي فعلى، وأختار لكم ما أختاره لنفسي. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه. وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت تقصده. ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه ذهب إليه واردا، وهو ذهب عنه صادرا، ومنه قوله- سبحانه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعنى: ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم» «١» . وقال الإمام ابن كثير، وعن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود- رضى الله عنه- فقالت له: أأنت الذي تنهى عن الواصلة- أى التي تصل شعرها بشعر آخر-؟ قال: نعم. فقالت: فلعله في بعض نسائك، فقال: ما حفظت إذا وصية العبد الصالح وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ «٢» . ثم بين لهم أنه ما يريد لهم إلا الإصلاح فيقول: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ.... أى: ما أريد بما أنصحكم به إلا إصلاحكم وسعادتكم، ومادمت أستطيع ذلك، وأقدر عليه، فلن أقصر في إسداء الهداية لكم. ثم يفوض الأمور إلى الله- تعالى- فيقول: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. أى: وما توفيقي فيما أدعوكم إليه من خير أو أنهاكم عنه من شر إلا بتأييد الله وعونه، فهو وحده الذي عليه أتوكل وأعتمد في كل شئونى، وهو وحده الذي إليه أرجع في كل أمورى. ثم يواصل شعيب- ﵇ نصحه لقومه، فينتقل بهم إلى تذكيرهم بمصارع السابقين، محذرا إياهم من أن يكون مصيرهم كمصير الظالمين من قبلهم فيقول: ويا قَوْمِ

стр. 2981

لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ، أَوْ قَوْمَ هُودٍ، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ.... ومعنى لا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحملنكم، مأخوذ من جرمه على كذا، إذا حمله عليه. أو بمعنى لا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب، غير أنه لا يكون إلا في كسب ما لا خير فيه، ومنه الجريمة، وهي اقتراف الجرم والذنب. وأصل الجرم: قطع الثمرة من الشجرة، وأطلق على الكسب، لأن الكاسب لشيء ينقطع له. وقوله شِقاقِي من الشقاق بمعنى الخلاف والعداوة، كأن كل واحد من المتعاديين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر، والشق: الجانب. والمعنى، ويا قوم لا تحملنكم عداوتكم لي، على افتراء الكذب على، وعلى التمادي في عصياني ومحاربتى. فإن ذلك سيؤدي بكم إلى أن يصيبكم العذاب الذي أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح. وقوله: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ: تذكير لهم بأقرب المهلكين إليهم. أى: إذا كنتم لم تتعظوا بما أصاب قوم نوح من غرق، وبما أصاب قوم هود من ريح دمرتهم، وبما أصاب قوم صالح من صيحة أهلكتهم، فاتعظوا بما أصاب قوم لوط من عذاب جعل أعلى مساكنهم أسفلها، وهم ليسوا بعيدين عنكم لا في الزمان ولا في المكان. والمراد بالبعد- في قوله: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ- بعد الزمن والمكان والنسب. فزمن لوط- ﵇ غير بعيد من زمن شعيب- ﵇. وديار قوم لوط قريبة من ديار قوم شعيب، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة بجوار معان مما يلي الحجاز، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت. وكان مدين بن إبراهيم- ﵉ وهو جد قبيلة شعيب، المسماة باسمه، متزوجا بابنة لوط» . ثم فتح لهم بعد ذلك باب الأمل في رحمة الله، إن هم تابوا إليه- سبحانه- وأنابوا فقال: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ. أى: واستغفروا ربكم من كل ما فرط منكم من ذنوب ثم توبوا إليه توبة صادقة نصوحا: إِنَّ رَبِّي ومالك أمرى رَحِيمٌ أى: واسع الرحمة لمن تاب إليه، وَدُودٌ أى: كثير الود والمحبة لمن أطاعه. وهكذا نجد شعيبا- ﵇ وهو خطيب الأنبياء- يلون لقومه النصح، وينوع

стр. 2982

لهم المواعظ، ويطوف بهم في مجالات الترغيب والترهيب.. ولكن القوم كانوا قد بلغوا من الفساد نهايته، ومن الجهل أقصاه ... فقد ردوا على هذه النصائح الغالية بقولهم: قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ.... أى: قال قوم شعيب له على سبيل التحدي والتكذيب: يا شعيب إننا لا نفهم الكثير من قولك، لأنه قول لم نألفه ولم تتقبله نفوسنا، ولقد أطلت في دعوتنا إلى عبادة الله وترك النقص في الكيل والميزان حتى مللنا دعوتك وسئمناها، وصارت ثقيلة على مسامعنا، وخافية على عقولنا ... فمرادهم بهذه الجملة الاستهانة به، والصدود عنه، كما يقول الرجل لمن لا يعبأ بحديثه: لا أدرى ما تقوله، ولا أفهم ما تتفوه به من ألفاظ. قال أبو السعود ما ملخصه: والفقه: معرفة غرض المتكلم من كلامه، أى: ما نفهم مرادك وإنما قالوا ذلك بعد أن سمعوا منه دلائل الحق البين على أحسن وجه وأبلغه، وضاقت عليهم الحيل، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا ... كما هو ديدن المفحم المحجوج، يقابل النصائح البينات بالسب والإبراق والإرعاد ... إذ جعلوا كلامه المشتمل على الحكم من قبيل ما لا يفهم معناه....» «١» . ثم قالوا له- ثانيا- وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً أى: لا قوة لك إلى جانب قوتنا، ولا قدرة عندك على مقاومتنا إن أردنا قتلك أو طردك من قريتنا. ثم قالوا له.. ثالثا- وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ورهط الرجل: قومه وعشيرته الأقربون. ومنه الراهط لجحر اليربوع، لأنه يحتمي فيه ... ولفظ (الرهط) اسم جمع يطلق غالبا على العصابة دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة. أى: ولولا عشيرتك التي هي على ملتنا وشريعتنا لرجمناك بالحجارة حتى تموت، ولكن مجاملتنا لعشيرتك التي كفرت بك هي التي جعلتنا نبقى عليك. ثم قالوا له- رابعا- وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ أى: وما أنت علينا بمكرم أو محبوب أو قوى حتى نمتنع عن رجمك، بل أنت فينا الضعيف المكروه ... وهنا نجد شعيبا- ﵇ ينتقل في أسلوب مخاطبته لهم من اللين إلى الشدة، ومن

стр. 2983

التلطف إلى الإنكار، دفاعا عن جلال ربه- سبحانه- فيقول لهم: قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ.... أى: أرهطي وعشيرتي الأقربون، الذين من أجلهم لم ترجمونى، أعز وأكرم عندكم من الله- تعالى- الذي هو خالقكم ورازقكم ومميتكم ومحييكم ... وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أى: وجعلتم أوامره ونواهيه التي جئتكم بها من لدنه- سبحانه- كالشىء المنبوذ المهمل الملقى من وراء الظهر بسبب كفركم وطغيانكم إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أى: إن ربي قد أحاط علمه بأقوالكم وأعمالكم السيئة، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من عذاب مهين. ثم زاد في توبيخهم وتهديدهم فقال وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ والمكانة مصدر مكن ككرم، يقال مكن فلان من الشيء مكانه، إذا تمكن منه أبلغ تمكن، والأمر في قوله اعْمَلُوا للتهديد والوعيد. أى: اعملوا كل ما في إمكانكم عمله معى، وابذلوا في تهديدى ووعيدي ما شئتم، فإن ذلك لن يضيرنى، وكيف يضيرنى وأنا المتوكل على الله المعتمد على عونه ورعايته ... ؟. وإنى سأقابل عملكم السيئ هذا بعمل آخر حسن من جانبي، وهو الدعوة إلى وحدانية الله- تعالى- وإلى مكارم الأخلاق. وقوله سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ ... استئناف مؤكد لتهديده لهم. أى: اعملوا ما شئتم وأنا سأعمل ما شئت فإنكم بعد ذلك سوف تعلمون من منا الذي ينزل به عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه، ومن منا الذي هو كاذب في قوله وعمله. وَارْتَقِبُوا عاقبة تكذيبكم للحق إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ أى: إنى معكم منتظر ومراقب لما يفعله الله- تعالى- بكم. وبذلك نرى شعيبا- ﵇ في هاتين الآيتين، قد استعمل مع قومه أسلوبا آخر في المخاطبة، يمتاز بالشدة عليهم والتهديد لهم، لا غضبا لنفسه، وإنما لأجل حرمات الله- تعالى-، والدفاع عن دينه. ولم يطل انتظار شعيب- ﵇ ومراقبته لما يحدث لقومه، بل جاء عقاب الله- تعالى- لهم بسرعة وحسم، بعد أن لجوا في طغيانهم، وقد حكى- سبحانه- ذلك فقال:

стр. 2984

وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ... أى: وحين جاء أمرنا بعذابهم، وحل أوان هذا العذاب، نجينا نبينا شعيبا ونجينا الذين آمنوا به وصدقوه، حالة كونهم مصحوبين برحمة عظيمة كائنة منا لا من غيرنا. وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا من قومه الصَّيْحَةُ التي زلزلتهم وأهلكتهم فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ التي كانوا يسكنونها. جاثِمِينَ أى: هامدين ميتين لا تحس لهم حركة، ولا تسمع لهم ركزا ... من الجثوم وهو للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، يقال، جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أى: كأن هؤلاء الهلكى من قوم شعيب، لم يعيشوا في ديارهم قبل ذلك عيشة ملؤها الرغد والرخاء والأمان ... يقال: غنى فلان بالمكان، إذا أقام به وعاش فيه في نعمة ورغد ... أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ أى: ألا هلاكا مصحوبا بالخزي واللعنة والطرد من رحمة الله لقبيلة مدين، كما هلكت من قبلهم قبيلة ثمود. وهكذا طويت صفحة أخرى من صفحات الظالمين وهم قوم شعيب ... ﵇ كما طويت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح ولوط- ﵈. هذا، ومن أهم العبر والعظات التي تتجلى واضحة في قصة شعيب مع قومه كما جاءت في هذه السورة الكريمة: أن الداعي إلى الله لكي ينجح في دعوته، عليه أن ينوع خطابه للمدعوين، بحيث يشتمل توجيهه على الترغيب والترهيب، وعلى الأسباب وما تؤدى إليه من نتائج، وعلى ما يقنع العقل ويقنع العاطفة ... ففي هذه القصة نجد شعيبا- ﵇ يبدأ دعوته بأمر قومه بعبادة الله- تعالى-، ثم ينهاهم عن أبرز الرذائل التي كانت منتشرة وهي نقص المكيال والميزان، ثم يبين لهم الأسباب التي حملته على ذلك: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. ثم ينهاهم نهيا عاما عن الإفساد في الأرض وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. ثم يرشدهم إلى أن الرزق الحلال مع الإيمان والاستقامة، خير لهم من التشبع بزينة الحياة الدنيا بدون تمييز بين ما هو صالح وما هو طالح: وبقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين..» .

стр. 2985

ثم يذكرهم بأنه لا يأمرهم إلا بما يأمر به نفسه، ولا ينهاهم إلا عما ينهاهم عنه وأنه ليس ممن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ... ثم يذكرهم بمصارع السابقين، ويحذرهم من أن يسلكوا مسلكهم، لأنهم لو فعلوا ذلك لهلكوا كما هلك الذين من قبلهم: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ.... ثم يفتح لهم باب الأمل في عفو الله عنهم متى استغفروه وتابوا إليه: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ. ثم تراه يثور عليهم عند ما يراهم يتجاوزون حدودهم بالنسبة لله- تعالى- وللحق الذي جاءهم به من عنده- سبحانه-: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا، إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ... وهكذا نجد شعيبا- ﵇ وهو خطيب الأنبياء كما وصفه الرسول ﷺ يرشد قومه إلى ما يصلحهم ويسعدهم بأسلوب حكيم، جامع لكل ألوان التأثير، والتوجيه السديد. وليت الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان يتعلمون من قصة شعيب.. ﵇ مع قومه أسلوب الدعوة إلى الله- تعالى. ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، بالإشارة إلى قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه، فقال- تعالى-: [سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ٩٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

стр. 2986

وموسى- ﵇ هو ابن عمران، من نسل «لاوى» بن يعقوب. ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأن بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني. والمراد بالآيات: الآيات التسع المشار إليها في قوله- تعالى- «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... » «١» . وهي: العصا، واليد البيضاء، والسنون العجاف، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. والسلطان المبين: الحجة الواضحة، والبرهان الظاهر على صدقه، وسمى ذلك سلطانا لأن صاحب الحجة والبرهان على ما يدعى، يقهر ويغلب من لا حجة ولا برهان معه، كما يقهر السلطان غيره. والمعنى: ولقد أرسلنا نبينا موسى- ﵇ بمعجزاتنا الدالة على صدقه، وبحجته القوية الواضحة، الشاهدة على أنه رسول من عندنا، إلى فرعون وملئه الذين هم خاصته، وسادات قومه وكبراؤهم ... وخصهم بالذكر مع فرعون، لأنهم هم الذين كانوا ينفذون أوامره، ويعاونونه على فساده والضمير في قوله فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ يعود إلى الملأ. أى: فاتبعوا أمره في كل ما قرره من كفر، وفي كل ما أشار به من فساد. وفي هذه الجملة الكريمة- كما يقول الزمخشري- تجهيل لهم، حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتى إلا من شيطان مارد، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته.

стр. 2987

وقال- سبحانه- فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ولم يقل فاتبعوا أمره، للتشهير به، والإعلان عن ذمه الذي صرح به في قوله- سبحانه- وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. والرشيد بزنة- فعيل- من الفعل رشد من باب نصر وفتح: هو الشخص المتصف بإصابة الرأى، وجودة التفكير، وأضيف الرشد إلى الأمر على سبيل المجاز، مبالغة في اشتمال أمر فرعون على ما يناقض الرشد والسداد، ويطابق الغي والفساد. أى: ما شأن فرعون وأمره بذي رشد وهدى، بل هو محض الغي والضلال، فكان من الواجب على ملئه أن ينبذوه ويهملوه، بدل أن يطيعوه ويتبعوه ... ثم بين- سبحانه- سوء مصيره ومصير أتباعه فقال: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ. ويقدم- كينصر- بمعنى يتقدم مأخوذ من الفعل قدم- بفتح الدال- تقول: قدم الرجل يقدم قدما وقدوما بمعنى: تقدم، ومنه قادمة الرحل بمعنى مقدمته. وقوله فَأَوْرَدَهُمُ من الإيراد وهو جعل الشيء واردا إلى المكان- وداخلا فيه. والورد- بكسر الواو- يطلق على الماء الذي يرد إليه الإنسان والحيوان للشرب. والمعنى: يتقدم فرعون قومه يوم القيامة إلى جهنم، كما كان يتقدمهم في الكفر في الدنيا، فأوردهم النار، أى: فدخلها وأدخلهم معه فيها. وعبر بالماضي مع أن ذلك سيكون يوم القيامة لتحقيق الوقوع وتأكده، وقد صرح القرآن بأنهم سيدخلون النار بمجرد موتهم فقال- تعالى-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «١» . وقوله وبئس الورد المورود، أى: وبئس الورد الذي يردونه النار، لان الورد- الذي هو النصيب المقدر للإنسان من الماء- إنما يذهب إليه قاصده لتسكين عطشه، وإرواء ظمئه، وهؤلاء إنما يذهبون إلى النار التي هي الضد من ذلك. ثم صرح- سبحانه- بلعتهم في الدارين فقال: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ... أى: إن اللعنة والفضيحة لحقت بهم واتبعتهم في الدنيا وفي الأخرى، كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ «٢» .

стр. 2988

وجملة بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ مستأنفة لإنشاء ذم اللعنة، والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ذكر اللعنة، أى بئس الرفد هي. الرفد العطاء والعون يقال رفد فلان فلانا يرفده رفدا أى أعطاه وأعانه على قضاء مصالحه، أى: بئس العطاء المعطى لهم تلك اللعنة المضاعفة التي لا بستهم في الدنيا والآخرة. وسميت اللعنة رفدا على سبيل التهكم بهم، كما في قول القائل: تحية بينهم ضرب وجيع. فكأنه- سبحانه- يقول: هذه اللعنة هي العطاء المعطى من فرعون لأتباعه الذين كانوا من خلفه كقطيع الأغنام الذي يسير خلف قائده بدون تفكر أو تدبر ... وبئس العطاء عطاؤه لهم ... وإلى هنا تكون هذه السورة الكريمة قد حدثتنا عن قصة نوح مع قومه، وعن قصة هود مع قومه، وعن قصة صالح مع قومه، وعن قصة إبراهيم مع الملائكة، وعن قصة لوط مع قومه ومع الملائكة، وعن قصة شعيب مع قومه، وعن قصة موسى مع فرعون وملئه. ويلاحظ أن السورة الكريمة قد ساقت لنا تلك القصص حسب ترتيبها التاريخى والزمنى، لأهداف من أهمها: ١- إبراز وحدة العقيدة في دعوة الأنبياء جميعا، فكل نبي قد قال لقومه: اعبدوا الله مالكم من إله غيره ... ثم يسوق لهم الأدلة على صدقه فيما بلغه عن ربه. ٢- إبراز أن الناس في كل زمان ومكان فيهم الأخيار الذين يتبعون الرسل، وفيهم الأشرار الذين يحاربون الحق ... ٣- بيان العاقبة الحسنة التي انتهى إليها المؤمنون بسبب إيمانهم وصدقهم وعملهم الصالح ... والعاقبة السيئة التي انتهى إليها الكافرون بسبب كفرهم وإعراضهم عن الحق ... قال- تعالى- فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» . ثم ساقت السورة بعد ذلك حتى نهايتها آيات كريمة اشتملت على تعليقات وتعقيبات

стр. 2989

متنوعة، وهذه التعليقات والتعقيبات قوية الصلة بما سبقها من آيات ... وكان التعقيب الأول يهدف إلى بيان أن هذه القرى المهلكة التي منها ما هو قائم ومنها ما هو حصيد، ما ظلم الله- تعالى- أهلها، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم بعصيانهم الرسل، وإصرارهم على الكفر والعناد، قال- تعالى-: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) أى: ذلك الذي قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- في هذه السورة الكريمة، وهو جزء مِنْ أَنْباءِ الْقُرى المهلكة. ونحن نقصه عليك، في هذا القرآن عن طريق وحينا الصادق، ليعتبر به الناس، وليعلموا أن هذا القرآن المشتمل على هذا القصص الذي لا علم لهم به من عند الله. وافتتح- سبحانه- الكلام باسم الإشارة المفيد للبعد، للتنويه بشأن هذه الأنباء التي سبق الحديث عنها، وللإشعار بأنها أنباء هامة فيها الكثير من العظات والعبر لقوم يعقلون. والضمير في قوله: منها قائم وحصيد، يعود إلى تلك القرى المهلكة، والجملة مستأنفة للتحريض على النظر والاعتبار، فكأن سائلا سأل ما حال هذه القرى المهلكة أباقية آثارها أم عفى عليها الزمن؟ فكان الجواب: منها قائم وحصيد. أى: من هذه القرى المهلكة ما آثارها قائمة يراها الناظر إليها، كآثار قوم ثمود. ومنها ما أثارها عفت وزالت وانطمست وصارت كالزرع المحصود الذي استؤصل بقطعه، فلم تبق منه باقية، كديار قوم نوح.

стр. 2990

ففي هذه الجملة الكريمة تشبيه بليغ، حيث شبه- سبحانه- القرى التي بعض آثارها ما يزال باقيا بالزرع القائم على ساقه، وشبه ما زال منها واندثر بالزرع المحصود. وحصيد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه، أى منها قائم ومنها حصيد. وقوله- سبحانه- وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:.. بيان لمظاهر عدله في قضائه وأحكامه. والضمير المنصوب في ظَلَمْناهُمْ يعود إلى أهل هذه القرى، لأنهم هم المقصودون بالحديث. أى: وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، بسبب إصرارهم على الكفر، وجحودهم للحق، واستهزائهم بالرسل الذين جاءوا لهدايتهم ... ثم بين- سبحانه- موقف آلهتهم المخزى منهم فقال: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ... أى: أن هؤلاء المهلكين عند ما نزل بهم العذاب، لم تنفعهم أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شيئا من النفع ... بل هي لم تنفع نفسها فقد اندثرت معهم كما اندثروا. والفاء في قوله- سبحانه- فَما أَغْنَتْ للتفريع على ظلمهم لأنفسهم، لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام، وعلى دفاعها عنهم ... من مظاهر جهلهم وغبائهم وظلمهم لأنفسهم. ومِنْ في قوله: مِنْ شَيْءٍ لتأكيد انتفاء النفع والإغناء: أى: لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا من الإغناء ولم تنفعهم لا في قليل ولا كثير ... وجملة وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ تأكيد لنفى النفع، وإثبات للضر والخسران. والتتبيب: مصدر تب بمعنى خسر، وتبب فلان فلانا إذا أوقعه في الخسران. ومنه قوله- تعالى- تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ أى: هلكتا وخسرتا كما قد هلك وخسر هو. أى: وما زادتهم أصنامهم التي كانوا يعتمدون عليها في دفع الضر سوى الخسران والهلاك. قال الإمام الرازي: والمعنى: أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار، ثم إنه- تعالى- أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده، وهو أن ذلك الاعتقاد

стр. 2991

زالت عنهم به منافع الدنيا والآخرة، وجلب لهم مضارهما، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران» «١» . ثم بين- سبحانه- سنته في عقاب الظالمين في كل زمان ومكان فقال: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ.... والكاف في وَكَذلِكَ بمعنى مثل، والمراد بالقرى: أهلها الظالمون. والأخذ: هو العقاب المباغت السريع: يقال أخذ فلان الموت، إذا نزل به بسرعة وقوة. أى: ومثل ذلك الأخذ والإهلاك للظالمين السابقين، يكون أخذ ربك وعقابه لكل ظالم يأتى بعدهم وينهج نهجهم. وجملة، وهي ظالمة، في موضع الحال من القرى، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن عقابهم كان بسبب ظلمهم، وفي ذلك ما فيه من التحذير لكل ظالم لا يبادر بالإقلاع عن ظلمه قبل فوات الأوان. والمراد بالظلم ما يشمل الكفر وغيره من الجرائم والمعاصي التي نهى الله عنها، كالكذب وشهادة الزور، وأكل أموال الناس بالباطل. وقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ زيادة في التحذير من الوقوع في الظلم. أى: إن أخذه- سبحانه- للظالمين عظيم إيلامه، شديد وقعه، لا هوادة فيه، ولا مخلص منه. روى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «٢» . ثم بين- سبحانه- أن ما ساقه في هذا القرآن عن أحوال السابقين فيه العبرة لمن اعتبر، وفيه العظة لمن خاف عذاب الآخرة الذي ينقسم الناس فيه إلى شقي وسعيد، فقال- تعالى-:

стр. 2992

[سورة هود (١١) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٧] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) أى إِنَّ فِي ذلِكَ القصص الذي قصصناه عليك- يا محمد- والمشتمل على بيان سنة الله التي لا تتخلف في إهلاك الظالمين. لَآيَةً أى: لعبرة عظيمة، وعظة بليغة، وحجة واضحة. لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ لأنه هو المنتفع بالعبر والعظات لصدق إيمانه، وصفاء نفسه، وإيقانه بأن هناك في الآخرة ثوابا وعقابا، وحسابا على الأعمال الدنيوية.. أما الذي ينكر الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب، فإنه لا يعتبر بما أصاب الظالمين من عذاب دنيوى دمرهم تدميرا، بل ينسب ذلك إلى أسباب طبيعة أو فلكية أو غيرهما، لا علاقة لها بكفرهم وظلمهم وطغيانهم ... «لأن الخائف من عذاب الآخرة، عند ما يرى ما حل بالمجرمين في الدنيا من عقاب، يزداد إيمانا على إيمانه، وتصديقا على تصديقه، بأن الله- تعالى- قادر على أن يعذبهم في الآخرة عذابا أشد وأبقى من عذاب الدنيا ... ثم بين- سبحانه- أن يوم القيامة آت لا ريب فيه فقال: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. واسم الإشارة في الموضعين، يعود إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر عذاب الآخرة قبل ذلك، واللام في قوله- سبحانه- مَجْمُوعٌ لَهُ لام العلة. أى: ذلك اليوم وهو يوم القيامة، يوم يجمع الناس فيه لأجل محاسبتهم ومجازاتهم على

стр. 2993

أعمالهم، ويشهده جميع الخلائق الذين يؤمرون بشهوده، دون أن يغيب منهم أحد قال صاحب الكشاف: والنَّاسُ رفع باسم المفعول الذي هو مَجْمُوعٌ كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس. فإن قلت: لأى فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه يوم لا بد من أن يكون ميعادا مضروبا لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت- أيضا- لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه. ونظيره قول المهدد: إنك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ... والمراد بالمشهود: الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور ... والغرض من ذلك، وصف هذا اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام، بأنه اليوم الذي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد ... » «١» . ثم قال- تعالى- وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. والأجل في اللغة: الوقت المضروب لانتهاء مدة معينة، فأجل الإنسان: هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. والمعدود: أصله المحسوب، والمراد به هنا: المحدد بمدة معينة لا يزيد عليها ولا يتأخر عنها. أى: أننا لا نؤخر هذا اليوم إلا لوقت محدد معلوم لنا، فإذا ما جاء موعد هذا الوقت، حل هذا اليوم الهائل الشديد وهو يوم القيامة، الذي اقتضت حكمتنا عدم إطلاع أحد على موعده. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من أهوال هذا اليوم، ومن أحوال الناس فيه فقال: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. والشقي: صفة مشبهة من الفعل شقي، وهو الشخص المتلبس بالشقاوة. والشقاء: أى سوء الحال- بسبب إيثاره الضلالة على الهداية، والباطل على الحق ...

стр. 2994

والسعيد: هو الشخص المتلبس بالسعادة، وبالأحوال الحسنة بسبب إيمانه وعمله الصالح. والمعنى: حين يأتى هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا تتكلم فيه نفس بأى كلام إلا بإذن الله- تعالى- ويكون الناس فيه منقسمين إلى قسمين: قسم شقي معذب بسبب كفره، وسوء عمله، وتفريطه في حقوق الله ... وقسم سعيد منعم بسبب إيمانه: وعمله الصالح ... فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التي تنفى الكلام عن كل نفس إلا بإذن الله وبين قوله- تعالى- يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها.... فالجواب: أن في يوم القيامة مواقف متعددة، ففي بعضها يجادل الناس عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام إلا بإذن الله، وفي بعضها يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ... وفي هذه الآية الكريمة إبطال لما زعمه المشركون من أن أصنامهم ستدافع عنهم، وستشفع لهم يوم القيامة. قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى- يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ... أى: يوم يأتى هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله- تعالى- كما قال- سبحانه- يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً «١» . وقال- سبحانه- وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً «٢» . - في الصحيحين عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: - «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» «٣» . ثم فصل- سبحانه- أحوال الأشقياء والسعداء فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. قال الآلوسي: قال الراغب: الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه مأخوذ من زفر فلان إذا حمل حملا بمشقة فتردد فيه نفسه، ومنه قيل للإماء الحاملات الماء: زوافر.

стр. 2995

والشهيق. رد النفس إلى الصدر بصعوبة وعناء. والمراد بهما: الدلالة على شدة كربهم وغمهم، وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة، واستبد به الضيق حتى صار في كرب شديد «١» . والمعنى: فأما الذين كان نصيبهم الشقاء في الآخرة، بسبب كفرهم واقترافهم للمعاصي في الدنيا، فمصيرهم إلى الاستقرار في النار، لهم فيها من ضيق الأنفاس. وحرج الصدور، وشدة الكروب ما يجعلهم يفضلون الموت على ما هم فيه من هم وغم. وخص- سبحانه- من بين أحوالهم الأليمة حالة الزفير والشهيق تنفيرا من الأسباب التي توصل إلى النار، وتبشيعا لتلك الحالة التي فيها ما فيها من سوء المنظر، وتعاسة الحال ... ثم أكد- سبحانه- خلودهم في النار فقال: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ.... أى أن الأشقياء لهم في النار العذاب الأليم، وهم ماكثون فيها مكث بقاء وخلود لا يبرحونها مدة دوام السموات التي تظلهم، والأرض التي تقلهم فهو في معنى قوله- تعالى- خالِدِينَ فِيها أَبَداً. قال الآلوسى ما ملخصه: والمقصود من هذا التعبير: التأبيد ونفى الانقطاع على منهاج قول العرب لا أفعل كذا، ما لاح كوكب، وما أضاء الفجر، وما اختلف الليل والنهار ... إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم ... وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها. وجوز أن يحمل ذلك على التعليق، ويراد بالسموات والأرض، سماوات الآخرة وأرضها، وهما دائمتان أبدا ... ) «٢» . أما قوله- سبحانه- إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ فقد ذكر العلماء في المقصود به أقوالا متعددة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة عشر قولا من أشهرها: أن هذا الاستثناء في معنى الشرط فكأنه- سبحانه- يقول: ١- خالدين فيها خلودا أبديا إن شاء ربك ذلك إذ كل شيء خاضع لمشيئة ربك وإرادته ... وعليه يكون المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور

стр. 2996

إليه- سبحانه- وإعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وليس المقصود من هذا الاستثناء وأمثاله نفى خلودهم في النار لأنه لا يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة ولأنه قد أخبرنا- سبحانه- في كتابه بخلود الكافرين خلودا أبديا في النار. قال- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً «١» . وشبيه بهذا الاستثناء ما حكاه- سبحانه- عن نبيه شعيب- ﵇ في قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ. قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها، وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ... «٢» . فشعيب- ﵇ مع ثقته المطلقة في أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر، نراه يفوض الأمر إلى مشيئة الله تأدبا معه- سبحانه.. فيقول: وما يكون لنا أن نعود فيها- أى ملة الكفر- إلا أن يشاء ربنا شيئا غير ذلك وهذا من الأدب العالي في مخاطبة الأنبياء لخالقهم- . وقد ذكر كثير من المفسرين هذا القول ضمن الأقوال في معنى الآية، وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه، ومن هذا البعض صاحب المنار، وصاحب محاسن التأويل ... أما صاحب المنار فقد قال: قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أى: أن هذا الخلود الدائم هو المعد لهم في الآخرة ... إلا ما شاء ربك من تغيير في هذا النظام في طور آخر، فهو إنما وضع بمشيئته، وسيبقى في قبضة مشيئته، وقد عهد مثل هذا الاستثناء في سياق الأحكام القطعية للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئة الله- تعالى ... فقط، لا لإفادة عدم عمومها ... » «٣» . وأما صاحب محاسن التأويل فقد قال: فإن قلت: ما معنى الاستثناء بالمشيئة، وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من غير استثناء؟. فالجواب: أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن، للدلالة على الثبوت والاستمرار.

стр. 2997

والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة، إنما كانت كذلك بمشيئة الله- تعالى- لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء- تعالى- أن يغيرها لفعل. وابن كثير قد أشار إلى ذلك بقوله: يعنى أن دوامهم فيها ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته- تعالى-» «١» . ٢- أن الاستثناء هنا خاص بالعصاة من المؤمنين. ومن العلماء الذين رجحوا هذا القول الإمامان: ابن جرير وابن كثير. أما ابن جرير فقد قال ما ملخصه بعد أن سرد الأقوال في ذلك: «وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا، إلا ما شاء تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة- أى العصاة من المؤمنين ... » «٢» . وأما ابن كثير فقد وضح ما اختاره ابن جرير ورجحه فقال ما ملخصه: وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة ... نقل كثيرا منها الإمام ابن جرير، واختار: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتى رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله- ﷺ ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة» «٣» . وقد ذكر الشيخ الشوكانى هذا القول ضمن أحد عشر قولا فقال ما ملخصه: وقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ: قد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء على أقوال منها: (أ) أنه من قوله فَفِي النَّارِ كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك ... (ب) أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وإنهم يخرجون بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من

стр. 2998

خالدين، وتكون ما بمعنى من، وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم. (ج) أن الاستثناء من الزفير والشهيق، أى لهم فيها زفير وشهيق إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق ... » «١» . ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح الآراء، ويشهد لهذا قوله- تعالى- بعد ذلك: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أى فهو إن شاء غير ذلك فعله، وإن شاء ذلك فعله، ما شاء من الأفعال كان وما لم يشاء لم يكن. وجاء- سبحانه- بصيغة المبالغة فَعَّالٌ للإشارة إلى أنه- سبحانه- لا يتعاصى عليه فعل من الأفعال بأى وجه من الوجوه. ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة السعداء فقال: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا أى في الآخرة بسبب إيمانهم وتقواهم في الدنيا، فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. أى: عطاء منه- سبحانه- لهم غير مقطوع عنهم، يقال: جذ الشيء يجذه جذا، أى: كسره وقطعه، ومنه الجذاذ- بضم الجيم- لما تكسر من الشيء كما في قوله- تعالى- حكاية عما فعله إبراهيم- ﵇ بالأصنام فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ ... وبذلك نرى أن هذه الآيات قد فصلت أحوال السعداء والأشقياء، تفصيلا يدعو العقلاء إلى أن يسلكوا طريق السعداء، وأن يتجنبوا طريق الأشقياء. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك من الآيات ما فيه تسلية للنبي ﷺ عما أصابه من قومه من أذى، وما فيه تثبيت لقلوب المؤمنين، وما فيه إرشاد لهم إلى ما يقربهم من الخير، ويبعدهم عن الشر فقال- تعالى-: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٨ الى ١١٥] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)

стр. 2999

قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول ﷺ أحوال الكفار من قومه فقال: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ... والمعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن حرف النون إذا وقع على طرف الكلام، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة، فلا جرم أسقطوه..» «١» . والمرية بكسر الميم- الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين. والمعنى: لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين وبينا لك مصير السعداء والأشقياء ... ومادام الأمر كذلك، فلا تك في شك من أن عبادة هؤلاء المشركين

стр. 3000

لأصنامهم إنما هي تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل، وهذه العبادة لغير الله- تعالى- ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم. والخطاب وإن كان للرسول ﷺ على سبيل التسلية والتثبيت، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب. وهذا الأسلوب كثيرا ما يكون أوقع في النفس، وأشد تأثيرا في القلب، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله- تعالى- لرسوله ﷺ إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التي لا تحتاج إلى جدال مع أحد، ومن جادل فيها فإنما يجادل في الحق الواضح بدافع الحسد والعناد، لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه الله- تعالى- لرسوله ﷺ . وجملة ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ مستأنفة، لبيان أن الخلف قد ساروا في الجهالة والجحود على طريقة السلف. وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع، مع أنها كانت في الماضي بقرينة مِنْ قَبْلُ. للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين بدون تفكر أو تدبر. والمضاف إليه في قوله مِنْ قَبْلُ محذوف، والتقدير: من قبلهم. وقوله وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ تذييل قصد به تأكيد العقاب الذي ينزل بهم في الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله. وموفوهم من التوفية، وهي إعطاء الشيء كاملا بدون نقص. والمراد بالنصيب هنا: المقدار المعد لهم من العذاب، وسماه نصيبا على سبيل التهكم بهم. أى: وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم في عبادة غير الله، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شيء منه، كما ساروا هم على طريقة سلفهم في الضلال دون أن يغيروا شيئا منها ... ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا: ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنيوية والأخروية. قال صاحب المنار: أى، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شيء، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبرّ الوالدين وصلة الأرحام ... إلا ويوفيهم الله جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق، وكشف الضر جزاء تاما، لا ينقصه شيء يجزون عليه في الآخرة ... » «١» .

стр. 3001

ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن سياق الآية الكريمة يؤيده إذ الكلام فيها في شأن جزاء الذين ساروا على نهج آبائهم في الضلال، وليس في بيان الجزاء العام في الدنيا والآخرة. ثم بين- سبحانه- أن اختلاف الناس في الحق موجود قبل بعثة النبي ﷺ فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ... أى: كما اختلف قومك- أيها الرسول الكريم- في شأن القرآن الكريم فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين، فقد اختلف قوم موسى من قبلك في شأن التوراة التي أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم، إذ منهم من آمن بها ومنهم من كفر ... ومادام الأمر كذلك، فلا تحزن- أيها الرسول الكريم- لاختلاف قومك في شأن القرآن الكريم، فإن هذا الاختلاف شأن الناس في كل زمان ومكان والمصيبة إذا عمت خفت. فالجملة الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من مشركي قومه. وجاء الفعل فَاخْتُلِفَ بصيغة المبنى للمجهول، لأن ذكر فاعل الاختلاف لا يتعلق به غرض، وإنما الذي يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا الاختلاف من كفر وضلال. ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.... والمراد بالكلمة التي سبقت: تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، وعدم إهلاكهم بعذاب الاستئصال في الدنيا. قال الشوكانى: قوله- سبحانه- وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ... أى: لولا أن الله- تعالى- قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أى: بين قومك، أو بين قوم موسى، فيما كانوا فيه مختلفين، فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك. وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له ﷺ » «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ. والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة.

стр. 3002

أى: وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب. وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق. وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله وَإِنَّهُمْ إلى قوم موسى، وفي قوله مِنْهُ إلى كتابهم التوراة. وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي ﷺ والثاني إلى القرآن الكريم. والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر في معنى الآية، لأن الكلام في موسى- ﵇ وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول. وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول ﷺ كانوا في شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة. فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول ﷺ عما قاله بعض المشركين في شأن القرآن الكريم. ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب، الشاكين في صدقه، سوف يجمعهم الله- تعالى- مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال- تعالى- وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. وقد وردت في هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة «١» منها: قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد، إن ولما، وقد قيل في تخريجها: إن لفظ، كُلًّا، اسم إِنَّ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، واللام في، لَمَّا، هي الداخلة في خبر إِنَّ وما بعد اللام هو حرف «من» الذي هو من حروف الجر، و «ما» موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل، فيكون تقدير الكلام: وإن كلا «لمن ما» ، فقلبت النون ميما للإدعام فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت واحدة منها للتخفيف، فصارت «لما» والجار والمجرور خبر إِنَّ، واللام في لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، جواب قسم مضمر، والجملة صلة أو صفة لَمَّا. والتقدير: وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك

стр. 3003

ليوفينهم- سبحانه- جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد، إنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء منها. وفي الآية الكريمة توكيدات متنوعة، حتى لا يشك في نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل، وحتى لا يشك أحد- أيضا- في أن ما عليه المشركون هو الباطل الذي لا يعرفه الحق، وأنه الكفر الذي تلقاه الخلف عن السلف. وكان مقتضى حال الدعوة الإسلامية في تلك الفترة التي نزلت فيها هذه السورة- وهي فترة ما بعد حادث الإسراء والمعراج وقبل الهجرة- يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين، وتوهينا للشرك والمشركين. قال الإمام الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه- تعالى- لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات: أولها: كلمة «إن» وهي للتأكيد، وثانيها كلمة «كل» وهي أيضا للتأكيد، وثالثها: اللام الداخلة على خبر «إن» وهي تفيد التأكيد- أيضا-، ورابعها حرف «ما» إذا جعلناه على قول الفراء موصولا، وخامسها: القسم المضمر فإن تقدير الكلام: وإن جميعهم والله ليوفينهم: وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم، وسابعها: النون المؤكدة في قوله «ليوفينهم» . فجميع هذه المؤكدات السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق ... » «١» . ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ وأتباعه بالتزام الصراط المستقيم فقال- سبحانه-: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهي. والاستقامة- كما يقول القرطبي- هي الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال ... » «٢» . والطغيان: مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء، أى ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة. والمعنى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- حال السعداء وحال الأشقياء، وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله.

стр. 3004

وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق، وداوموا على ذلك كما أمركم الله، بدون إفراط أو تفريط، واحذروا ان تتجاوزوا حدود الاعتدال في كل أقوالكم وأعمالكم. ووجه- سبحانه- الأمر بالاستقامة إلى النبي ﷺ تنويها بشأنه، وليبنى عليه قوله- كَما أُمِرْتَ، فيشير بذلك إلى أنه- ﵊ هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله- تعالى-. وقد جمع قوله- تعالى- فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أصول الإصلاح الديني وفروعه، كما جمع قوله- تعالى- «ولا تطغوا» أصول النهى عن المفاسد وفروعه، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: يأمر الله- تعالى- رسوله وعباده المؤمنين في هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة، لأن ذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء، وينهاهم عن الطغيان وهو البغي، لأنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك» . وقال الآلوسى: والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق. أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال، لما نزلت هذه الآية قال ﷺ شمروا شمروا، وما رؤي بعد ضاحكا» . وعن ابن عباس قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية أشد من هذه الآية ولا أشق» «١» . وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» «٢» . وجملة إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تعليل للأمر بالاستقامة وللنهى عن الطغيان. أى: الزموا المنهج القويم، وابتعدوا عن الطغيان، لأنه- سبحانه- مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر، العليم بظواهرها وبواطنها، وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. ثم نهى- سبحانه- بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.

стр. 3005

والركون إلى الشيء: الميل إليه. يقال ركن فلان إلى فلان، إذا مال إليه بقلبه، واعتمد عليه في قضاء مصالحه. والمراد بالذين ظلموا هنا: ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير، ويستحلون من محارم الله. والمعنى: واحذروا- أيها المؤمنون- أن تميلوا إلى الظالمين، أو تسكنوا إليهم لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم. وإضعاف جانب الحق والعدل. قال بعض العلماء: ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع حرمة الميل القلبي إليه. وقوله فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم، والاعتماد عليهم، والرضا بأفعالهم. وقوله وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ في موضع الحال من ضمير فَتَمَسَّكُمُ. أى: والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل بكم، بسبب ركونكم إلى الذين ظلموا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم. وثم في قوله ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ للتراخي الرتبى. أى ثم لا تجدون بعد ذلك من ينصركم بأى حال من الأحوال، لأن الظالمين ما لهم من أنصار. قال بعض العلماء: الآية أبلغ ما يتصور في النهى عن الظلم، والتهديد عليه، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون حال من ينغمس في حمأته؟!! ثم قال: وقد وسع العلماء في ذلك وشددوا، والحق أن الحالات تختلف، والأعمال بالنيات. والتفصيل أولى. فإن كانت المخالطة لدفع منكر، أو للاستعانة على إحقاق الحق، أو الخير. فلا حرج في ذلك. وإن كانت لإيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا..» «١» . ثم أرشد- سبحانه- عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم الركون إلى الظالمين، فقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ.

стр. 3006

والمراد بإقامتها الإتيان بها في أوقاتها كاملة الأركان والخشوع والإخلاص لله رب العالمين. والمراد بالصلاة هنا: الصلاة المفروضة. قال القرطبي: لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية، المراد بها الصلوات المفروضة. وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإسلام، وإليها يفزع في النوائب، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» «١» . وطرفي النهار: أى أول النهار وآخره، لأن طرف الشيء منتهاه من أوله أو من آخره. والنهار: يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب الشمس. سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أى يبرز كما يبرز النهر. والصلاة التي تكون في هذين الوقتين، تشمل صلاة الغداة وهي صلاة الصبح، وصلاة العشى وهي صلاة الظهر والعصر، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب. وقيل الصلاة التي تكون في هذين الوقتين هي صلاة الصبح والمغرب. وقوله وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ معطوف على طرفي النهار. والزلف جمع زلفة كغرف وغرفة- والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار، إذ الإزلاف معناه القرب ومنه قوله- تعالى- وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ... أى: قربت منهم. وتقول أزلفنى فلان منه: أى قربني. فمعنى وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على صلاتي المغرب والعشاء قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ يعنى صلاة المغرب والعشاء. قال رسول الله ﷺ «هما زلفتا الليل: المغرب والعشاء» . ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضا في قول» «٢» . وجملة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة،

стр. 3007

وأكدت بحرف إِنَّ للاهتمام وتحقيق الخبر، والحسنات صفة لموصوف محذوف، وكذلك السيئات. والمعنى: إن الأعمال الحسنة- كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والاستغفار ... يذهبن الأعمال السيئات، أى يذهبن المؤاخذة عليها، ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة. والمراد بالسيئات هنا صغار الذنوب، لقوله- تعالى- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً «١» . ولقوله- تعالى- الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ... «٢» ، ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة. وقوله ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ أى: ذلك الذي أمرناك به من وجوب إقامة الصلاة، ومن الاستقامة على أمر الله ... فيه التذكرة النافعة، لمن كان شأنه التذكر والاعتبار، لا الإعراض والعناد. وهذه الآية الكريمة من الآيات التي قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية، وقد ذكرنا في التمهيد بين بدى السورة، أن سورة هود ترجح أنها كلها مكية، وليس فيها آيات مدنية. ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية النبي ﷺ ولإرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على الاستقامة، وعدم الركون إلى الظالمين. ولأن بعض الروايات التي وردت في شأنها لم تذكر أنها نزلت في المدينة، بل ذكرت أن الرسول ﷺ تلاها على السائل، ومن هذه الروايات ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير- وهذا لفظه- عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنى وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أنى لم أجامعها، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله ﷺ شيئا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه الرسول ﷺ بصره ثم قال: ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ... الآية، فقال معاذ- وفي رواية عمر- يا رسول الله، أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة» «٣» .

стр. 3008

والروايات التي ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية، في الإمكان أن تؤول أن المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل، ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر. هذا، ثم ختم- سبحانه- هذه التوجيهات الحكيمة بقوله وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. أى: واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق التكاليف التي كلفكم الله- تعالى- بها، فإنه- سبحانه- لا يضيع أجر من أحسن عملا، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب. قال الآلوسى: ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي ﷺ وإن كانت عامة في المعنى، والمناهي جمعت للأمة، للدلالة على عظم منزلة الرسول ﷺ عند ربه «١» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله- تعالى- في خلقه، وعلى الحكم التي من أجلها ساق الله- تعالى- تلك القصص في كتابه فقال- تعالى-: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١٢٣] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)

стр. 3009

وقوله- تعالى- فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ... إرشاد إلى أن الأمم إذا خلت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حلت بها المصائب والنكبات.. ولولا: حرف تحضيض بمعنى هلا. والمقصود بالتحضيض هنا تحذير المعاصرين للنبي ﷺ ومن يأتى بعدهم من الوقوع فيما وقع فيه أهل القرون الماضية من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى لا يصيب اللاحقين ما أصاب السابقين. والقرون: جمع قرن، والمراد به الأمة من الناس الذين يجمعهم زمان واحد، والراجح أن القرن مائة عام. وأُولُوا بَقِيَّةٍ أى: أصحاب مناقب حميدة، وخصال كريمة، وعقول راجحة ... وأصل البقية: ما يصطفيه الإنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها، ومنه قولهم: فلان من بقية القوم، أى: من خيارهم وأهل الفضل فيهم، قال الشاعر: إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم ... فما على بذنب منكم فوت وفي الأمثال: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. والفساد في الأرض: يشمل ما يكون فيها من المعاصي واختلال الأحوال وارتكاب المنكرات والبعد عن الصراط المستقيم. والمعنى: فهلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من قبلكم، رجال أصحاب خصال كريمة، وعقول سليمة، تجعلهم هذه الخصال وتلك العقول ينهون أنفسهم وغيرهم عن الإفساد

стр. 3010

في الأرض، وعن انتهاك الحرمات؟. كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد في الأرض، إلا عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم ونهيهم عن الفساد في الأرض. وفي هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما فيه، لأن الله- تعالى- بين أن عذاب الاستئصال الذي حل بالظالمين السابقين، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد في الأرض. قال الشوكانى: والاستثناء في قوله إِلَّا قَلِيلًا ... منقطع، أى: لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، وقيل: هو متصل، لأن في حرف التحضيض معنى النفي، فكأنه قال: ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا قليلا ممن أنجينا منهم، ومن في قوله مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ بيانية، لأنه لم ينج إلا الناهون» «١» . وقال ابن كثير: ولهذا أمر الله- تعالى- هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون، وفي الحديث: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» ولهذا قال: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ... «٢» . وقوله: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ ... إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإفساد في الأرض، قد استمروا على فجورهم وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير، وإلى سبيل الصلاح. وأترفوا من الترف ومعناه التقلب في نعم الله- تعالى- مع ترك شكره- سبحانه- عليها. والمترف: هو الشخص الذي أبطرته النعمة، فانغمس في الشهوات والمعاصي، وأعرض عن الأعمال الصالحة ... والجملة الكريمة معطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام، والمعنى: أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا من استثنى، قد استمروا في طغيانهم، واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنيء والشهوات العاجلة، فكفروا النعمة، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم، وكانوا قوما مجرمين، أى مصرين على ارتكاب الجرائم

стр. 3011

والمنكرات، فحق عليهم العقاب الذي يستحقونه بسبب هذه السيئات. ثم بين- سبحانه- أن رحمته بعباده تقتضي عدم ظلمه لهم فقال: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ. والمراد بالظلم هنا ما يشمل الإشراك بالله- تعالى- وغيره من الوقوع في المعاصي والمنكرات. والباء في بِظُلْمٍ للملابسة، والتنوين فيه للإشعار بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم يتنزه الله- تعالى- عنه على أبلغ وجه، وإن كانت أفعاله- لا ظلم فيها أيا كانت هذه الأفعال. والمعنى: وما كان من شأن ربك- أيها الرسول الكريم- أن يهلك أهل قرية من القرى إهلاكا متلبسا بظلم منه لها، والحال أن أهلها قوم مصلحون، لأن ذلك الإهلاك مع تلك الحال يتنافى مع ما كتبه على نفسه من الرحمة والعدل. قال- تعالى- كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ... وقال- تعالى- وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً. وقال- تعالى- وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ. ومنهم من فسر الظلم هنا بالشرك، وجعل الباء للسببية، فيكون المعنى: ليس من شأن ربك أن يهلك أهل قرية من القرى بسبب كفرهم وحده، مع صلاحهم في تعاطى الحقوق فيما بينهم، وإنما يهلكهم عند ما يضمون إلى الكفر الإفساد في الأرض كما أهلك قوم شعيب لشركهم وإنقاصهم المكيال والميزان. وقد ساق ابن جرير- ﵀ القولين دون أن يرجح بينهما فقال: القول في تأويل قوله- تعالى- وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ. يقول- تعالى- ذكره: وما كان ربك يا محمد ليهلك القرى التي أهلكها والتي قص عليك نبأها ظلما وأهلها مصلحون في أعمالهم غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربهم ظلما، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيهم.. وقد قيل معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله: وذلك قوله بظلم يعنى بشرك، وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا» «١» .

стр. 3012

والذي نراه أن القول الأول أقرب إلى الصواب، لأن حمل الظلم هنا على الشرك تخصيص بدون مخصص، حيث لم يرد عن رسول الله ﷺ حديث صحيح يخصصه بذلك، فوجب حمل الظلم على معناه الحقيقي الذي يتناول الشرك وغيره. ثم أخبر- سبحانه- بأن قدرته لا يعجزها شيء فقال: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً. والأمة: القوم المجتمعون على أمر واحد يقتدى فيه بعضهم ببعض، وهذا اللفظ مأخوذ من «أم» بمعنى قصد، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده في مختلف شئونه. ولو شرطية امتناعية، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير: ولو شاء ربك- أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه- أن يجعل الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم، ولكنه- سبحانه- لم يشأ ذلك، ليتميز الخبيث من الطيب، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً.... وقوله- سبحانه- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى.... وقوله وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس. أى: ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين في شأن الدين الحق، فمنهم من دخل فيه وآمن به، ومنهم من أعرض عنه، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر، فإنهم لم يختلفوا، بل اتفقوا على الإيمان بالدين الحق فعصمهم الله- تعالى- من الاختلاف المذموم. قال الإمام ابن كثير: وقوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين الذي أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي ﷺ الأمى خاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ونصروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن، من طرق يشد بعضها بعضا: إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة. وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة. قالوا: ومن هم يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابى» «١» .

стр. 3013

واسم الإشارة في قوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعود على المصدر المفهوم من مختلفين قال الآلوسى: فكأنه قيل: وللاختلاف خلق الناس، على معنى لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة وفريق في السعير خلقهم. واللام لام العاقبة والصيرورة، لأن حكمة خلقهم ليس هذا، لقوله- سبحانه- وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ولأنهم لو خلقهم له- أى للاختلاف- لم يعذبهم على ارتكاب الباطل ... » «١» . ومنهم من جعل الإشارة إلى الرحمة لأنها أقرب مذكور، فيكون التقدير: إلا من رحم ربك ولرحمته- سبحانه- خلق الناس. وصح تذكير اسم الإشارة مع عودته إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقى. ومنهم من جعل الإشارة إلى مجموع الاختلاف والرحمة، لأنه لا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أى بين الفارض والبكر. فيكون المعنى: «وللاختلاف والرحمة خلقهم» أى أنه- سبحانه- خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. وقد رجح الإمام القرطبي هذا الوجه فقال: قوله «ولذلك خلقهم» قال الحسن ومقاتل وعطاء: الإشارة إلى الاختلاف، أى: وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإشارة إلى الرحمة: أى: ولرحمته خلقهم. وقيل: الإشارة إلى الاختلاف والرحمة، وقد يشار بذلك إلى شيئين متضادين، كما في قوله- تعالى- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. وهذا أحسن الأقوال- إن شاء الله- لأنه يعم. أى: ولما ذكر خلقهم.. أى: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. أى خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة ... » «٢» . والمراد بكلمة ربك في قوله- سبحانه- وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قضاؤه النافذ، وإرادته التي لا تتخلف، وحكمه الأزلى.

стр. 3014

أى: وتمت كلمة ربك، ونفذ قضاؤه، وثبت حكمه الذي أكده وأقسم عليه بقوله: لأملأن جهنم من عصاة الجن، ومن عصاة الإنس أجمعين، لأنه من المعروف أن الوعيد إنما هو للعصاة والمذنبين وليس للمؤمنين الصادقين. قال الآلوسى: وفي معنى ذلك ما قيل من أن المراد بالجنة والناس أتباع إبليس لقوله- تعالى- في سورة الأعراف وفي سورة ص لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ فاللازم دخول جميع تابعيه في جهنم، والقرآن يفسر بعضه بعضا ... » «١» . ثم بين- سبحانه- أهم الفوائد التي تعود على الرسول ﷺ من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ.... والتنوين في قوله وَكُلًّا للعوض عن المضاف إليه. والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام: أى: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك- أيها الرسول الكريم- ونخبرك عنه. فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس. وقوله- سبحانه- وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة، وعظات بليغة. أى وجاءك- أيها الرسول الكريم- في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن الكريم: الحق الثابت المطابق للواقع، والعظات الحكيمة، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به. وأما الذين في قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم، وماتوا وهم كافرون. ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بالسير في طريق الحق بدون مبالاة بتهديد أعدائه فقال: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ والأمر في هذه الآية الكريمة للتهديد. ومكانتكم: مصدر مكن- بزنة كرم- مكانة، إذا تمكن من الأمر أبلغ التمكن. أى: وقل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين الذين يضعون العقبات في طريق

стр. 3015

دعوتك، قل لهم اعملوا ما تستطيعون عمله من الكيد لي ولدعوتى، فإنى وأصحابى مستمرون على السير في طريق الحق الذي هدانا الله إليه، بدون التفات إلى كيدكم وقل لهم- أيضا-: انتظروا ما يأتى به الله من عقاب، فإنا منتظرون معكم ذلك. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة فقال: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أى: ولله- تعالى- وحده علم جميع ما غاب عن الحواس في السموات والأرض، وإليه وحده يرجع الأمر كله من إحياء وإماتة، وهداية وضلال، وصحة ومرض، ونصر وهزيمة. وما دام الأمر كذلك فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أى: فأخلص له العبادة، واجعل توكلك عليه وحده. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل هو مطلع وبصير بأعمال عباده جميعا، لا يعزب عنه مثقال ذرة منها، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. أما بعد: فهذا تفسير لسورة هود- ﵇ أسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المدينة المنورة- صباح الخميس ٥ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠١ هـ الموافق ٩ من أبريل سنة ١٩٨١ م. محمد سيد طنطاوى
следующие страницы →