وقوله- تعالى-: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ....
هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة بإبرازها وبتركيز الحديث عنها، وهناك موضوعات أخرى عنيت السورة بتفصيل الحديث عنها، ويراها المتدبر لآياتها ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 3222
التفسير قال الله تعالى:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
سورة إبراهيم- ﵇ من السور القرآنية التي افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله- تعالى-: الر.
وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء في هذه الحروف عند تفسيرنا لسور: آل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد.
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
стр. 3223
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعاندين والمعارضين في أن القرآن من عند الله. هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله.
قال- تعالى-: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» .
وقوله كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ تنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان للغرض السامي الذي أنزله الله- تعالى- من أجله.
والظلمات: جمع ظلمة، والمراد بها: الكفر والضلال، والمراد بالنور: الإيمان والهداية.
والباء في بِإِذْنِ رَبِّهِمْ للسببية، والجار والمجرور متعلق بقوله لِتُخْرِجَ.
والصراط: الجادة والطريق، من سرط الشيء إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك، لأنه يبتلع المارين فيه، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش.
والمعنى: هذا كتاب جليل الشأن، عظيم القدر، أنزلناه إليك يا محمد، لكي تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال، إلى نور الإيمان والعلم والهداية، وهذا الإخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره.
وقوله إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بدل من قوله إِلَى النُّورِ.
أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله الْعَزِيزِ أى: الذي يغلب ولا يغلب الْحَمِيدِ أى: المحمود بكل لسان.
وأسند- سبحانه- الإخراج إلى النبي ﷺ باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التي تنقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات- كما يقول الإمام الرازي-، لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية، وشبه الإيمان بالنور، لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته» «٢» .
وفي جمع «الظلمات» وإفراد «النور» إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة، وأما الإيمان
стр. 3224
فطريق واحد.
وقوله- سبحانه-: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة- الله- تعالى- ومشيئته، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط، أما الهداية فمن الله وحده.
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر قدرته فقال: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ....
أى: الله- تعالى- وحده هو الذي له ما في السموات وما في الأرض ملكا وملكا وخلقا لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع.
ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز الحميد.
وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.
وجملة «وويل للكافرين من عذاب شديد» تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه.
ولفظ «ويل» مصدر لا يعرف له فعل من لفظه مثل «ويح» وجاء مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة، أى: الله- تعالى- هو الذي له ما في السموات وما في الأرض، وويل للكافرين بما أنزلناه إليك- أيها الرسول الكريم- من عذاب شديد سينزل بهم، فيجعلهم يستغيثون دون أن يجدوا من يغيثهم.
ثم وصف- سبحانه- هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة، التي أردتهم وأهلكتهم فقال- تعالى-: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَبْغُونَها عِوَجاً....
ويستحبون: بمعنى يحبون، فالسين والتاء للتأكيد، أى: يختارون ويؤثرون ولذا عداه بعلى. أى: يختارون شهوات الحياة الدنيا. ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات ...
«ويصدون» من الصد، وهو صرف الغير عن الشيء ومنعه منه يقال: صد فلان فلانا عن فعل الشيء، إذا منعه من فعله.
وسبيل الله: طريقه الموصلة إليه وهو ملة الإسلام.
ويبغون من البغاء- بضم الباء- بمعنى الطلب. يقال: بغيت لفلان كذا، إذا طلبته له، وبغيت الشيء أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته.
стр. 3225
والعوج- بكسر العين وفتحها- مصدر عوج- كتعب. إلا أن بعضهم يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال والعقائد، وأن مفتوحها يكون في المرئيات كالأجساد والمحسوسات.
أى: أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها، ولا يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل في طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها، ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم، مع أنها أقوم طريق، وأعدل سبيل. والضمير المنصوب في قوله «يبغونها» يعود إلى سبيل الله. أى يبغون لها العوج، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، كما في قوله وَإِذا كالُوهُمْ ... أى: كالوا لهم.
وقوله عِوَجاً مفعول به ليبغون.
وبعضهم جعل الضمير المنصوب في «يبغونها» ، وهو الهاء هو المفعول، وجعل «عوجا» حال من سبيل الله أى: ويريدونها أن تكون في حال اعوجاج واضطراب. وقوله: أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ بيان الحكم العادل الذي أصدره- سبحانه- عليهم.
أى: أولئك الموصوفون بما ذكر في ضلال بعيد عن الحق.
والإشارة بأولئك الدالة على البعد، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال، وأبشع الرذائل.
وعبر بفي الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف.
قال الآلوسى: وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى، حيث أسند فيها الى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده ...
ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به، بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده، وسبب بعده ضلاله، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلانا عصيانه، والإسناد مجازى وفيه المبالغة المذكورة أيضا. «١» .
ثم بين- سبحانه- منة أخرى من مننه على عباده فقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ....
قال الإمام الرازي ما ملخصه: «اعلم أنه- تعالى- لما ذكر في أول السورة
стр. 3226
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... كان هذا إنعاما على الرسول، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر ...
ثم ذكر في هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين:
أما بالنسبة إلى الرسول، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة ...
وأما بالنسبة لعامة الخلق، فلأنه- سبحانه- ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم ... » «١»
والباء في قوله «بلسان» للملابسة، والمراد باللسان: اللغة التي يتخاطب بها الرسول مع قومه ...
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم- رسولا من الرسل إلى قوم من الأقوام، إلا وكانت لغته كلغتهم، لكي يتيسر لهم أن يفهموا عند ما يريد أن يبلغهم إياه من الأوامر والنواهي ...
قال ابن كثير: «هذا من لطفه- تعالى- بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإمام أحمد.
حدثنا وكيع، عن عمر بن أبى ذر قال: قال مجاهد: عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يبعث الله- نبيا إلا بلغة قومه» «٢» .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث الى الناس جميعا، وهم على ألسنة مختلفة. فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة- أيضا- قلت:
لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد. فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول ﷺ لأنهم أقرب إليه.
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من
стр. 3227
التنازع والاختلاف ... » «١» وقال الشوكانى: ما ملخصه: «وقد قيل في هذه الآية إشكال، لأن النبي ﷺ أرسل إلى الناس جميعا، ولغاتهم متباينة ...
وأجيب: بأنه ﷺ وإن كان مرسلا إلى الثقلين، لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم.
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم، لكان ذلك مظنة للاختلاف، وفتحا لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعى من المعاني في لسانها مالا يعرفه غيرها.
وربما كان ذلك- أيضا- مفضيا إلى التحريف والتصحيف، بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون» «٢» .
وجملة «فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء» مستأنفة.
أى: فيضل الله من يشاء إضلاله، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه.
ويهدى من يشاء هدايته، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه.
«وهو» سبحانه «العزيز» الذي لا يغلبه غالب «الحكيم» في كل أفعاله وتصرفاته.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: وتفريع قوله «فيضل الله من يشاء ... إلخ» على مجموع جملة «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» ، ولذلك جاء فعل «يضل» مرفوعا غير منصوب، إذ ليس عطفا على فعل «ليبين» لأن الإضلال لا يكون معلولا للتبيين ولكنه مفرع على الإرسال المعلل بالتبيين.
والمعنى: أن الإرسال بلسان قومه لعلة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم» «٣» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم، ووظيفة الرسول ﷺ كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا في كفرهم وغيهم، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله- تعالى- ولطفه بعباده، وفضله عليهم.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، أن رسالة موسى- ﵇ كانت أيضا لإخراج
стр. 3228
قومه من الظلمات إلى النور، ولتذكيرهم بنعم خالقهم عليهم، وبغناه عنهم، فقال تعالى:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٥ الى ٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما بين أنه أرسل محمدا ﷺ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم، وكيفية معاملة أقوامهم معهم.
تصبيرا له ﷺ على أذى قومه، وبدأ- سبحانه- بقصة موسى فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... «١» .
وموسى- ﵇ هو ابن عمران، بن يصهر، بن ماهيث ... وينتهى نسبه إلى لاوى بن يعقوب ﵇.
стр. 3229
وكانت ولادة موسى- ﵇ في حوالى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
والمراد بالآيات في قوله: بِآياتِنا الآيات التسع التي أيده الله تعالى بها قال تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ... «١» .
وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والجدب- أى في بواديهم، والنقص من الثمرات- أى في مزارعهم.
قال- تعالى-: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ «٢» .
وقال- تعالى-: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ «٣» .
وقال- تعالى-: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ «٤» .
ومنهم من يرى أنه يصح أن يراد بالآيات هنا آيات التوراة التي أعطاها الله- تعالى- لموسى- ﵇.
قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أى: ملتبسا بها.
وهي كما أخرج ابن جرير وغيره، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير، الآيات التسع التي أجراها الله على يده- ﵇ وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة» «٥» .
ويبدو لنا أنه لا مانع من حمل الآيات هنا على ما يشمل الآيات التسع، وآيات التوراة، فالكل كان لتأييد موسى- ﵇ في دعوته.
و «أن» في قوله أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ تفسيرية بمعنى أى: لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه.
والمراد بقومه: من أرسل لهدايتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وهم: بنو إسرائيل وفرعون وأتباعه.
وقيل: المراد بقومه: بنو إسرائيل خاصة، ولا نرى وجها لهذا التخصيص، لأن رسالة
стр. 3230
موسى- ﵇ كانت لهم ولفرعون وقومه.
والمعنى: وكما أرسلناك يا محمد لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، أرسلنا من قبلك أخاك موسى إلى قومه لكي يخرجهم- أيضا- من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. فالغاية التي من أجلها أرسلت- أيها الرسول الكريم- هي الغاية التي من أجلها أرسل كل نبي قبلك، وهي دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- وخص- سبحانه- موسى بالذكر من بين سائر الرسل. لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة الاسلامية.
وأكد- سبحانه- الإخبار عن إرسال موسى بلام القسم وحرف التحقيق قد، لتنزيل المنكرين لرسالة النبي ﷺ منزلة من ينكر رسالة موسى- ﵇ وقوله- تعالى-: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ معطوف على قوله أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ.
والتذكير: إزالة نسيان الشيء، وعدى بالباء لتضمينه معنى الإنذار والوعظ: أى ذكرهم تذكير عظة بأيام الله.
ومن المفسرين من يرى أن المراد بأيام الله: نعمه وآلاؤه.
قال ابن كثير: قوله: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أى: بأياديه ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى» «١» .
ومنهم من يرى أن المراد بها، نقمه وبأساؤه.
قال صاحب الكشاف: قوله: «وذكرهم بأيام الله» أى: وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم، كما وقع على قوم نوح وعاد وثمود، ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، وهو الظاهر» «٢» .
ومنهم من يرى أن المراد بها ما يشمل أيام النعمة، وأيام النقمة.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: «أما قوله «وذكرهم بأيام الله» فاعلم أنه- تعالى- أمر موسى في هذا المقام بشيئين، أحدهما: أن يخرجهم من الظلمات إلى النور. والثاني: أن يذكرهم بأيام الله.
ويعبر عن الأيام بالوقائع العظيمة التي وقعت فيها ... وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ.
стр. 3231
فالمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد، أن يذكرهم بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل ... والترهيب والوعيد. أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه، ممن كذب الرسل من الأمم السالفة ...
ثم قال: واعلم أن أيام الله في حق موسى- ﵇ منها ما كان أيام المحنة والبلاء، وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون، ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى عليهم ... » «١» .
وقال الآلوسى: «قوله: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أى: بنعمائه وبلائه، كما روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- واختاره الطبري، لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتى من الكلام» «٢» .
وما ذهب إليه الإمامان الرازي والآلوسي، هو الذي تسكن إليه النفس، لأن الأيام كلها وإن كانت لله، إلا أن المراد بها هنا أيام معينة، وهي التي برزت فيها السراء أو الضراء بروزا ظاهرا، كانت له آثاره على الناس الذين عاشوا في تلك الأيام.
وبنو إسرائيل- على سبيل المثال- مرت عليهم في تاريخهم الطويل، أيام غمروا فيها بالنعم، وأيام أصيبوا فيها بالنقم.
فالمعنى: ذكر يا موسى قومك بنعم الله لمن آمن وشكر، وبنقمه على من جحد وكفر، لعل هذا التذكير يجعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويتبعونك فيما تدعوهم إليه.
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعود على التذكير بأيام الله.
والصبار: الكثير الصبر على البلاء، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه الشرع فعلا أو تركا. يقال: صبره عن كذا يصبره إذا حبسه.
والشكور: الكثير الشكر لله- تعالى- على نعمه، والشكر: عرفان الإحسان ونشره والتحدث به، وأصله من شكرت الناقة- كفرح- إذا امتلأ ضرعها باللبن، ومنه أشكر الضرع إذا امتلأ باللبن.
أى: إن في ذلك التذكير بنعم الله ونقمه، لآيات واضحات، ودلائل بينات على وحدانية
стр. 3232
الله- تعالى- وقدرته وعلمه، وحكمته، لكل إنسان كثير الصبر على البلاء، وكثير الشكر على النعماء.
وتخصيص الآيات بالصبار والشكور لأنهما هما المنتفعان بها وبما تدل عليه من دلائل على وحدانية الله وقدرته، لا لأنها خافية على غيرهما، فإن الدلائل على ذلك واضحة لجميع الناس.
وجمع- سبحانه- بينهما، للإشارة إلى أن المؤمن الصادق لا يخلو حاله عن هذين الأمرين ففي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له» «١» .
وقدم- سبحانه- صفة الصبر على صفة الشكر، لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر، أو لأن الصبر من قبيل الترك، والتخلية مقدمة على التحلية.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن موسى- ﵇ قد امتثل أمر ربه فقال:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ، وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ...
و «إذ» ظرف لما مضى من الزمان، وهو متعلق بمحذوف تقديره اذكر.
والمراد بقوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنن التي امتن الله بها عليكم، وقوموا بحقوقها، وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم. فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها.
«آل فرعون» حاشيته وخاصته من قومه. وفرعون: لقب لملك مصر في ذلك الوقت، كما يقال لملك الروم قيصر ...
ويسومونكم من السوم وهو مطلق الذهاب أو الذهاب في ابتغاء الشيء، يقال: سامت الإبل فهي سائمة. أى: ذهبت في المرعى، وسام السلعة: إذا طلبها وابتغاها.
وسامه خسفا، إذا أذله واحتقره وكلفه فوق طاقته.
وسُوءَ الْعَذابِ أشده. والسوء- بالضم- كل ما يدخل الحزن والغم على نفس الإنسان. وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف فيقال السوأى.
стр. 3233
وقوله وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ من الاستحياء بمعنى الاستبقاء، يقال: استحيا فلان فلانا أى: استبقاه وأصله طلب له الحياة والبقاء.
والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم- أو أيها المخاطب وقت أن قال موسى- ﵇ لقومه على سبيل الإرشاد والتوجيه إلى الخير: يا قوم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أى: داوموا على شكر الله، فقد أسبغ عليكم نعما كثيرة من أبرزها أنه- سبحانه- أنجاكم من آل فرعون الذين كانوا يصبون عليكم أشد العذاب وأفظعه، وكانوا يذبحون أبناءكم الصغار، ويستبقون نساءكم ...
وجعل- سبحانه- النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا في إذاقتهم سوء العذاب.
وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل، لأن هذا الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء عليهن، واستعمالهن في الخدمة بالاسترقاق، فبقاؤهن بعد فقد الذكور بقاء ذليل، وعذاب أليم، تأباه النفوس الكريمة.
قال الآلوسى: قوله: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أى: ويبقونهن في الحياة مع الذل. ولذلك عد من جملة البلاء، أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية في ذاته كما قيل:
ومن أعظم الرزء فيما أرى ... بقاء البنات وموت البنينا «١»
وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا: الأطفال الصغار، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث إن فرعون وآله، كانوا يستعملونهم في الأعمال الشاقة والحقيرة، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال، لما قامت أم موسى بإلقائه في البحر وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح.
وقال- سبحانه- هنا يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ لأن المقصود هنا تعداد المحن التي حلت ببني إسرائيل، فكان المراد بجملة يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ نوعا منه، وكان المراد بجملة وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ نوعا آخر منه، لذا وجب العطف، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى، وإنما هي تمثل نوعا آخر من العذاب الذي حل ببني إسرائيل.
بخلاف قوله- تعالى- في سورة البقرة يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
стр. 3234
بدون واو العطف. لأن الجملة الثانية بيان وتفسير للجملة الأولى. فيكون المراد من سوء العذاب في سورة البقرة تذبيح الأبناء واستحياء النساء.
واسم الإشارة في قوله: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يعود إلى المذكور من النعم والنقم، والبلاء: الامتحان والاختبار، ويكون في الخير والشر. قال- تعالى- وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً.
أى: وفي ذلكم العذاب وفي النجاة منه امتحان عظيم لكم من ربكم بالسراء لتشكروا وبالضراء لتصبروا، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدى بكم إلى الشقاء والهوان.
ثم حكى- سبحانه- أن موسى- ﵇ قد أرشد قومه إلى سنة من سنن الله التي لا تتخلف فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ...
وقوله: «تأذن» بمعنى آذن أى أعلم، يقال: آذن الأمر وبالأمر أى: أعلمه، إلا أن صيغة التفعل تفيد المبالغة في الإعلام، فيكون معنى «تأذن» : أعلم إعلاما واضحا بليغا لا التباس معه ولا شبهة.
واللام في قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ موطئة للقسم. وحقيقة الشكر: الاعتراف بنعم الله- تعالى- واستعمالها في مواضعها التي أرشدت الشريعة إليها.
وقوله: «لأزيدنكم» ساد مسد جوابي القسم والشرط.
والمراد بالكفر في قوله: «ولئن كفرتم» كفر النعمة وجحودها، وعدم نسبتها إلى واهبها الحقيقي وهو الله- تعالى- كما قال قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي وعدم استعمالها فيما خلقت له، إلى غير ذلك من وجوه الانحراف بها عن الحق.
وجملة: إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ دليل على الجواب المحذوف لقوله وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إذ التقدير: ولئن كفرتم لأعذبنكم، إن عذابي لشديد.
قال الجمل: «وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد، لأن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد» «١» .
والمعنى: واذكر أيها المخاطب وقت أن قال موسى لقومه: يا قوم إن ربكم قد أعلمكم إعلاما واضحا بليغا مؤكدا بأنكم إن شكرتموه على نعمه، زادكم من عطائه وخيره ومننه، وإن
стр. 3235
جحدتم نعمه وغمطتموها واستعملتموها في غير ما يرضيه، محقها من بين أيديكم، فإنه- سبحانه- عذابه شديد، وعقابه أليم.
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الموجبة للشكر، والمحذرة من الجحود فقال:
وقد جاء في الحديث الشريف: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» .
وروى الإمام أحمد عن أنس قال: أتى النبي ﷺ سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها- أو وحش بها أى: رماها- قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقال السائل: سبحان الله!! تمرة من رسول الله ﷺ فقال للجارية: اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها «١» .
ثم بين- سبحانه- أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم، لأن الله- تعالى- غنى عن العالمين فقال- تعالى-: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ.
أى: وقال موسى- ﵇ لقومه: إن تجحدوا نعم الله أنتم ومن في الأرض جميعا من الخلائق، فلن تضروا الله شيئا، وإنما ضرر ذلك يعود على الجاحد لنعمه، والمنحرف عن طريقه، فإن الله- تعالى- لغنى عن شكركم وشكرهم، مستحق للحمد من جميع المخلوقين طوعا وكرها.
ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى- ﵇ إنما قال لقومه ذلك، بعد أن شاهد منهم علامات الإصرار على الكفر والفساد، وترجح لديه أنهم قوم لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب، ولمس منهم أنهم يمنون عليه أو على الله- تعالى- بطاعاتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن الإدلال بإيمانهم، والمن بطاعتهم.
فالغرض الذي سيقت له الآية إنما هو بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإيمان إنما تعود على الطائعين الشاكرين المؤمنين، وأن مضرة الجحود والكفران إنما تعود على الجاحدين الكافرين.
أما الله- تعالى- فلن تنفعه طاعة المطيع، ولن تضره معصية العاصي.
ففي الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبى ذر الغفاري، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه- أنه قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا.
стр. 3236
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا.
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» «١» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد زخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة، التي ساقها الله- تعالى- على لسان موسى- ﵇ وهو يعظ قومه، ويذكرهم بأيام الله، وبسننه في خلقه، وبغناه عنهم ...
ثم حكى- سبحانه- جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم، ومن المحاورات التي دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال- تعالى-:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٩ الى ١٢]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
стр. 3237
وقوله- سبحانه-: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ....
يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى- ﵇ فيكون المعنى:
أن موسى- ﵇ بعد أن ذكر قومه بأيام الله- تعالى-، وبنعمه عليهم، وبسننه- سبحانه- في خلقه ...
بعد كل ذلك شرع في تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم، فقال لهم- كما حكى القرآن عنه-: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ....
ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف، والخطاب فيه لأمة الرسول ﷺ فيكون المعنى: أن الله- تعالى- بعد أن بين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله ﷺ لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين- سبحانه- أن له ما في السموات وما في الأرض، وهدد الكافرين بالعذاب الشديد، وحكى ما قاله موسى لقومه ...
بعد كل ذلك وجه- سبحانه- الخطاب إلى مشركي مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ....
قال الفخر الرازي ما ملخصه: «يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، والمقصود منه أنه- ﵇ كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم.
ويجوز أن يكون مخاطبة من الله- تعالى- على لسان موسى لقومه، يذكرهم أمر القرون الأولى. والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل على
стр. 3238
التقديرين، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول ﷺ «١» .
ومع أننا نؤيد الإمام الرازي في أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأى الثاني، لأن قوم الرسول ﷺ هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى، ولأن الإمام ابن كثير- ﵀ يرى أنه لم يرد ذكر في التوراة لقوم عاد وثمود، فقد قال:
قال ابن جرير: «هذا من تمام قول موسى لقومه ... وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله- تعالى- لهذه الأمة، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم، فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان في التوراة «٢» .
والاستفهام في قوله أَلَمْ يَأْتِكُمْ ... للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذي كان مشهورا بينهم، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب، ومساكنهم في بلادهم، وهم يمرون على ديار قوم صالح في أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة. والمراد بالذين من بعدهم: أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود، كقوم إبراهيم وقم لوط وغيرهم.
وقوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أى: لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى.
وقوله وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مبتدأ، وقوله لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ خبره، والجملة اعتراض بين المفسر- بفتح السين- وهو نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وتفسيره وهو جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ.
والمعنى: لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله- تعالى- وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذي جاء لسعادتكم، لكي تنجوا من العذاب الأليم الذي حل بالظالمين من قبلكم.
وجملة جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ مستأنفة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟
стр. 3239
فكان الجواب: جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات، وبالمعجزات الظاهرات، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
وقوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ....
بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم.
والضمائر في «ردوا» و «أيديهم» و «أفواههم» تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات. وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون في معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال:
منها: أن الكفار وضعوا أناملهم في أفواههم فعضوها غيظا وبغضا مما جاء به الرسل، وقالوا لهم بغضب وضجر: إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات، فاغربوا عن وجوهنا، واتركونا وشأننا.
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإمام ابن جرير، فقد قال: «وقوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ... اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه ... روى ذلك عن ابن مسعود وغيره.
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى: وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظا على الرسل، كما وصف الله به إخوانهم من المنافقين فقال:
وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه «١» .
ومنها: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها، وقالوا للرسل على سبيل التحدي والتكذيب. «إنا كفرنا بما أرسلتم به» أى: لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه.
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإمام الآلوسى، فقد صدر الأقوال التي ذكرها به، فقال ما ملخصه: قوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أى: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به، وقالوا لهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أى: على زعمكم، وهي البينات التي
стр. 3240
أظهروها حجة على صحة رسالتهم، ومرادهم بالكفر بها: الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم ...
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال: والذي يطابق المقام، وتشهد له البلاغة: هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى، لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار، حيث جمعوا في الإنكارين: الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب ... » «١» .
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا.
وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال: «وهذا التركيب لا أعهد مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن: ومعنى فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ.
يحتمل عدة وجوه أنهاها في الكشاف إلى سبعة، وفي بعضها بعد، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل «٢» .
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، لم يردوا عليهم، بل تركوهم إهمالا لشأنهم.
وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه: «وقال أبو عبيدة- ونعم ما قال- هو ضرب مثل. أى: لم يؤمنوا ولم يجيبوا. والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت:
قد رد يده في فيه. وهكذا قال الأخفش، واعترض على ذلك القتيبي فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول: رد يده في فيه، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدى حنقا وغيظا ...
فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب ... «٣» .
وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق في أن الآية الكريمة، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب ...
إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإمام ابن جرير، لأنه أظهر الأقوال في معناها، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب، ومنها قول الشاعر:
стр. 3241
ترون في فيه غش الحسو ... د حتى يعض على الأكفا
يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه «١» .
وقوله- سبحانه- وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ معطوف على قوله إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ.
ومريب: اسم فاعل من أراب. تقول: أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، فمعنى مريب: موقع في الريبة أى: في القلق والاضطراب.
أى: قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات.
وإنا لفي شك كبير موقع في الريبة مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحدانية الله، وبإخلاص العبادة له ...
قال الجمل ما ملخصه: «فإن قيل: إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل.
ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم فكيف ذلك؟
فالجواب: كأنهم قالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإن لم نكن كذلك، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم.
أو يقال: المراد بقولهم «إنا كفرنا بما أرسلتم به» أى بالمعجزات والبينات، وبقولهم:
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ وهو الإيمان والتوحيد.
أو يقال: إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت ... «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما رد به الرسل على المكذبين من أقوامهم فقال: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى....
والاستفهام في قوله أَفِي اللَّهِ شَكٌّ للتوبيخ والإنكار، ومحل الإنكار هو وقوع الشك في وجود الله- تعالى- وفي وحدانيته.
وقوله فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الفطر بمعنى الخلق والإبداع من غير سبق مثال وأصله: الشق وفصل شيء عن شيء، ومنه فطر ناب البعير أى: طلع وظهر، واستعمل في
стр. 3242
الإيجاد والإبداع والخلق لاقتضائه التركيب الذي سبيله الشق والتأليف، أو لما فيه من الإخراج من العدم إلى الوجود.
والمعنى: قال الرسل لأقوامهم على سبيل الإنكار والتعجب من أقوالهم الباطلة: أفي وجود الله- تعالى- وفي وجوب إخلاص العبادة له شك، مع أنه- سبحانه- هو فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى خالقهما ومبدعهما ومبدع ما فيهما على أحكم نظام، وعلى غير مثال سابق ... وهو- سبحانه- فضلا منه وكرما «يدعوكم» إلى الإيمان بما جئناكم به من لدنه «ليغفر لكم» بسبب هذا الإيمان «من ذنوبكم ويؤخركم» في هذه الدنيا «إلى أجل مسمى» أى: إلى وقت معلوم عنده تنتهي بانتهائه أعماركم، دون أن يعاجلكم خلال حياتكم بعذاب الاستئصال «رحمة بكم» وأملا في هدايتكم.
فأنت ترى أن الرسل الكرام قد أنكروا على أقوامهم أن يصل بهم انطماس البصيرة إلى الدرجة التي تجعلهم ينكرون وجود الله مع أن الفطر شاهدة بوجوده، وينكرون وحدانيته مع أنه وحده الخالق لكل شيء، ويشركون معه في العبادة آلهة أخرى، مع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع.
وجملة فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جيء بها كدليل على نفى الشك في وجوده- سبحانه- وفي وجوب إخلاص العبادة له، لأن وجودهما على هذا النسق البديع يدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقا قادرا حكيما، لاستحالة صدور تلك المخلوقات من غير فاعل مختار.
وجملة «يدعوكم ... » حال من اسم الجلالة، واللام في قوله «ليغفر لكم من ذنوبكم» متعلقة بالدعاء.
أى: يدعوكم إلى الإيمان بنا لكي يغفر لكم.
قال الشوكانى ما ملخصه: «ومن» في قوله «من ذنوبكم» قال أبو عبيدة: إنها زائدة، ووجه ذلك قوله- تعالى- في موضع آخر: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وقال سيبويه:
هي للتبعيض، ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع، وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران الذنوب لأمة محمد ﷺ غفران جميعها لغيرهم ...
وقيل هي للبدل، أى: لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ... «١» .
وقال الجمل: «ويحتمل أن يضمن «ويغفر» معنى يخلص أى: يخلصكم من ذنوبكم،
стр. 3243
ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب، وهو أولى من دعوى زيادتها» «١» .
وقوله- سبحانه- قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حكاية لرد آخر من الردود السيئة التي قابل بها المكذبون رسلهم.
أى: قال الظالمون لرسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ما أنتم إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة والمأكل والمشرب، تريدون بما جئتمونا به أن تصرفونا وتمنعونا عن عبادة الآلهة التي ورثنا عبادتها عن آبائنا ... فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أى بحجة ظاهرة تدل على صدقكم وتتسلط هذه الحجة بقوتها على نفوسنا وتجذبها إلى اليقين، من السلاطة وهي التمكن من القهر.
وكأن هؤلاء الظالمين بقولهم هذا، يرون أن الرسل لا يصح أن يكونوا من البشر، وإنما يكونون من الملائكة.
وكأن ما أتاهم به الرسل من حجج باهرة تدل على صدقهم، ليس كافيا في زعم هؤلاء المكذبين للإيمان بهم، بل عليهم أن يأتوهم بحجج محسوسة أخرى، وهكذا الجحود العقلي، والانطماس النفسي يحمل أصحابه على قلب الحقائق، وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية.
وهنا يحكى القرآن أن الرسل- ﵈ قد قابلوا هذا السفه من أقوالهم بالمنطق الحكيم، وبالأسلوب المهذب فيقول: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ...
أى: قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإرشاد والتنبيه: نحن نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم، ولكن هذه المماثلة بيننا وبينكم في البشرية، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التي لا تحصى.
فأنت ترى أن الرسل- ﵈ قد سلموا للمكذبين دعواهم المماثلة في البشرية، في أول الأمر، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم، بأن أفهموهم بطريق الاستدراك، أن المشاركة في الجنس لا تمنع التفاضل، فالبشر كلهم عباد الله، ولكنه- سبحانه- يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم..
فالمقصود بالاستدراك دفع ما توهمه المكذبون، من كون المماثلة في البشرية تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة.
стр. 3244
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ مجاراة لأول مقالتهم إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كما تقولون، وهذا كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعا في الموافقة، ثم كروا على قولهم بالإبطال فقالوا: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
أى: إنما اختصنا الله- تعالى- بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته- جل وعلا-. وفيه دليل على أن الرسالة عطائية، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئته- تعالى- ولا يخفى ما في العدول عن «ولكن الله منّ علينا» ، إلى ما في النظم الجليل منهم- ﵈ «١» .
وقوله- سبحانه-: وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ حكاية لرد الرسل على قول المكذبين لهم فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
أى: وقال الرسل للمكذبين من أقوامهم- أيضا-: وما صح وما استقام لنا نحن الرسل أن نأتيكم- أيها الضالون- بحجة من الحجج، أو بخارق من الخوارق التي تقترحونها علينا، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإتيان بما اقترحتم، فنحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه.
ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضي في دعوتهم فقالوا- كما حكى القرآن عنهم- وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
والتوكل على الله معناه: الاعتماد عليه، وتفويض الأمور إليه، مع مباشرة الأسباب التي أمر- سبحانه- بمباشرتها.
أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه، فليتوكل المؤمنون، الصادقون، دون أن يعبئوا بعنادكم ولجاجكم، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين.
فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا، بدليل قولهم بعد ذلك- كما حكى القرآن عنهم- وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا.
أى: وما عذرنا إن تركنا التوكل على الله- تعالى- والحال أنه- قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، فقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، وهي طريق إخلاص العبادة له والاعتماد عليه وحده في كل شئوننا.
стр. 3245
فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم في تفويض أمورهم إلى الله، وإلى رعاية الله- تعالى- حيث هداهم إلى طريق النجاة والسعادة.
ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم، فقالوا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا.
أى: والله لنصبرن صبرا جميلا في حاضرنا ومستقبلنا- كما صبرنا في ماضينا- على إيذائكم لنا. والذي من مظاهره: عصيانكم لأقوالنا، ونفوركم من نصحنا، واستهزاؤكم بنا، ومحاربتكم لنا..
ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات في وجه الباطل فقالوا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه، فليثبت المتوكلون على توكلهم. وليفوضوا أمورهم إلى خالقهم، فهو القاهر فوق عباده، وهو الذي لا يعجزه شيء.
وتقديم الجار والمجرور في الجملة الكريمة وفيما يشبهها مؤذن بالحصر، وأن هؤلاء الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله- تعالى-.
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة، قد حكت لنا بأسلوب مؤثر حكيم، جانبا من المحاورات التي دارت بين الرسل وبين مكذبيهم، وبينت لنا كيف دافع الرسل عن عقيدتهم، وكيف ردوا على الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، التي واجههم بها المكذبون، وكيف أعلنوا في قوة وعزم وإصرار ثباتهم في وجوه أعدائهم، ومقابلتهم الأذى بالصبر الذي لا جزع معه، مهما صنع الأعداء في طريقهم من عقبات، ومهما أثاروا من أباطيل وشبهات ...
ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التي دارت بين الرسل وبين أعدائهم، وجانبا مما وعد الله به رسله- ﵈ وجانبا من العذاب الذي أعده للظالمين فقال- تعالى-:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٧]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
стр. 3246
فقوله- سبحانه-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ... حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة، وبالمنطق الحكيم.
واللام في «لنخرجنكم» هي الموطئة للقسم. و «أو» للتخيير بين الأمرين.
أى: وقال الذين عتوا في الكفر- على سبيل التهديد- لرسلهم، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخرجنكم- أيها الرسل- من أرضنا، أو لتعودن في ديننا وملتنا.
قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما حكى عن الأنبياء- ﵈ أنهم قد اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا للأنبياء والله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا» .
والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.
والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين. وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة «١» .
والتعبير بقوله- سبحانه- أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها، فإن العود معناه: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته. وهذا محال، فإن الأنبياء معصومون- حتى قبل النبوة- عن ارتكاب الكبائر، فضلا عن الشرك.
وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها:
أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون، الذين
стр. 3247
كانوا قبل الإيمان بالرسل على دين أقوامهم، فكأنهم يقولون لهؤلاء الأتباع: لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب.
ومنها: أن العود هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيرا ما يرد «عاد» بمعنى صار، فيعمل عمل كان، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل يستدعى الانتقال من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفة، فيكون المعنى: لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفارا مثلنا.
ومنها: أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم، لسكوتهم قبل البعثة عن الإنكار عليهم، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه.
وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب- ﵇ له لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ... «١» .
وقول قوم لوط له أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... بشارة عظيمة من الله- تعالى- لرسله، ووعد لهم بالنصر على أعدائهم..
أى: فأوحى الله- تعالى- إلى الرسل- بعد أن قال لهم الكافرون- ما قالوا-:
أبشروا أيها الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ الذين هددوكم بالإخراج من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ- أيها الرسل- الْأَرْضَ أى أرضهم مِنْ بَعْدِهِمْ أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: «وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا مفعول له» .
وقوله لَنُهْلِكَنَّ على إضمار القول، أى: قائلا لنهلكن، ويحتمل أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه، وقوله لَنُهْلِكَنَّ مفعوله ...
وخص- سبحانه- الظالمين من الذين كفروا، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون، فالتوعد لإهلاك من خلص للظلم» «٣» .
стр. 3248
وأكد- سبحانه- إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم، بلام القسم ونون التوكيد ...
زيادة في إدخال السرور على نفوس الرسل، وفي تثبيت قلوبهم على الحق، وردا على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم.
قال صاحب الكشاف: «والمراد بالأرض في قوله وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرض الظالمين وديارهم، ونحوه: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ ...
وعن النبي ﷺ : «من آذى جاره ورثه الله داره» .
ثم قال: ولقد عاينت هذا في مدة قريبة، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها، ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون، فذكرت قول رسول الله ﷺ وحدثتهم به، وسجدنا شكرا لله» «١» .
واسم الإشارة في قوله- سبحانه- ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم.
أى: ذلك الذي قضيت به كائن لمن خاف قيامي عليه، ومراقبتى له، ومكان وقوفه بين يدي للحساب، وخاف وعيدي بالعذاب لمن عصاني.
قال الجمل: «ومقامي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم- وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم، أى ذلك لمن خافني- الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل.
قال الفراء: مقامي مصدر مضاف لفاعله: أى قيامي عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان، قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدي للحساب» «٢» .
وقوله- سبحانه- وَاسْتَفْتَحُوا من الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى: طلب النصر من الله- تعالى- على الأعداء. والسين والتاء للطلب.
ومنه قوله- تعالى- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ.. وقوله- تعالى- وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا....
أو يكون وَاسْتَفْتَحُوا من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء، أى: واستحكموا الله
стр. 3249
- تعالى- وطلبوا منه القضاء والحكم، ومنه قوله- تعالى- رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
والجملة الكريمة معطوفة على فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، والضمير يعود إلى الرسل.
والمعنى: والتمس الرسل من خالقهم- أن ينصرهم على أعدائه وأعدائهم، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين.
قالوا: ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وَاسْتَفْتَحُوا- بكسر التاء- أمرا للرسل.
ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين: الرسل ومكذبيهم. أى: أن كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر.
وقوله وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ بيان لنتيجة الاستفتاح. والجبار: الإنسان المتكبر المغرور المتعالي على غيره، المدعى لمنزلة أو لشيء ليس من حقه.
والعنيد: مأخوذ من العند- بفتح النون- بمعنى الميل. يقال: عند فلان عن الطريق- كنصر وضرب وكرم- عنودا، إذا مال عنها. وعند فلان عن الحق، إذا خالفه.
والجملة الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير: واستفتحوا فنصر الله- تعالى- رسله على أعدائهم، وخاب وخسر، كل متكبر متجبر معاند للحق.
قال ابن كثير: قوله: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أى: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال- تعالى- أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ
«١» .
وفي الحديث: «يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادى الخلائق فتقول: إنى وكلت بكل جبار عنيد ... » «٢» .
وقال- سبحانه- وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ولم يقل وخاب الذين كفروا كما هو مقتضى الظاهر من السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة معاندين للحق، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته الخيبة والخسران.
وقوله مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ صفة لجبار عنيد.
стр. 3250
والمراد بقوله: مِنْ وَرائِهِ أى: من أمامه، أو من بعد هلاكه.
أى: من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم، تنتظر ليحل بها، بسبب كفره وظلمه.
قال صاحب أضواء البيان: قوله مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ... الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر، ومنه قوله- تعالى- وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أى: وكان أمامهم ملك.. ومنه قول الشاعر:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
أى: والفلاة أماميا.
وقال بعضهم: قوله مِنْ وَرائِهِ أى من بعد هلاكه، ومنه قول النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
أى: وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الحق «١» .
وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها.
وجملة «ويسقى من ماء صديد» معطوفة على مقدر، أى: من ورائه جهنم يلقى فيها مذءوما مدحورا، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة، هو الصديد، أى ما يسيل من أجساد أهل النار من دم مختلط بقيح، واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته. وهو بدل أو عطف بيان من ماء.
وقوله يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ... بيان لحالة هذا الجبار العنيد عند تعاطيه الصديد.
والتجرع: تكلف الجرع وهو بلع الماء، وفعله- كسمع ومنع-.
ويسيغه: من السوغ وهو انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول. يقال: ساغ الشراب سوغا وسواغا، إذا كان سهل المدخل.
أى: يتكلف بلع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه، ولا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة. بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة» .
وقوله وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ معطوف على قوله يَتَجَرَّعُهُ لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه.
стр. 3251
أى: وتأتيه الأسباب المؤدية للموت والهلاك من كل جهة من الجهات، ومن كل موضع من مواضع بدنه، وما هو بميت فيستريح من هذا الشقاء والعذاب، ومن وراء كل ذلك عذاب غليظ أى: شاق شديد لا يقل في ألمه عما هو فيه من نكال.
وشبيه بهذه الجملة قوله- تعالى- وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ «١» .
وقوله- تعالى- وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى «٢» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق تصويرا مؤثرا، تهتز له النفس، وتوجل منه القلوب.
ثم ضرب- سبحانه- مثلا لأعمال الكافرين في حبوطها وذهابها يوم القيامة، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه في هذا اليوم العصيب، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين في هذا اليوم فقال- تعالى-:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٨ الى ٢٣]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)
стр. 3252
قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة، بين في هذه الآية وهي قوله- تعالى- مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ.... أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة، لا ينتفعون بشيء منها. وعند هذا يظهر كمال خسرانهم، لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا» «١» .
والمثل: النظير والشبيه. ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه بمورده، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة، ثم استعير للصفة، أو الحال، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة.
والمراد بأعمال الذين كفروا في الآية الكريمة: ما كانوا يقومون به في الدنيا من أعمال حسنة
стр. 3253
كإطعام الطعام، ومساعدة المحتاجين، وإكرام الضيف، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة.
والرماد: ما يتبقى من الشيء بعد احتراق أصله، كالمتبقى من الخشب أو الحطب بعد احتراقهما.
والعاصف: من العصف وهو اشتداد الريح، وقوة هبوبها.
قال الجمل: وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... فيه أوجه للإعراب: أحدها وهو مذهب سيبويه: أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ ... مستأنفة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم..؟ فقيل: كيت وكيت.
والثاني: أن يكون «مثل» مبتدأ و «أعمالهم» مبتدأ ثان، و «كرماد» خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول ... » «١» .
والمعنى: حال أعمال الذين كفروا في حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشيء منها في الآخرة، كحال الرماد المكدس الذي أتت عليه الرياح العاصفة، فمحقته وبددته، ومزقته تمزيقا لا يرجى معه اجتماع.
فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون في الدنيا من أعمال البر والخير.
ووجه الشبه: الضياع والتفرق وعدم الانتفاع في كل، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا، فكذلك أعمال الكافرين في الآخرة تصير هباء منثورا، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإيمان وإخلاص العبادة لله- تعالى-.
ووصف- سبحانه- اليوم بأنه عاصف- مع أن العصف شدة الريح- للمبالغة في وصف زمانها- وهو اليوم- بذلك، كما يقال: يوم حار ويوم بارد، مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما.
وقوله- سبحانه- لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ بيان للمقصود من التشبيه، وهو أن هؤلاء الكافرين، لا يقدرون يوم القيامة، على الانتفاع بشيء مما فعلوه في الدنيا من أفعال البر والخير، لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثوابا، أو تخفف عنهم عذابا.
قال الآلوسى: «وفي الصحيح عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: يا رسول
стр. 3254
الله. إن ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المسكين، هل ذلك نافعه؟ قال:
«لا ينفعه لأنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» «١» .
وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «هذا مثل ضربه الله- تعالى- لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها ...
كما قال- تعالى- وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «٢» .
وكما قال- تعالى-ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
«٣» .
واسم الإشارة في قوله ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم، وذهاب أثرها.
أى: ذلك الحبوط لأعمالهم، وعدم انتفاعهم بشيء منها، هو الضلال البعيد.
أى: البالغ أقصى نهايته، والذي ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين.
ووصف- سبحانه- الضلال بالبعد، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه، ولا يرجى الخلاص منه.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، بعض مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ «٤» .
والخطاب في قوله أَلَمْ تَرَ ... لكل من يصلح له بدون تعيين. والاستفهام للتقرير.
والرؤية مستعملة في العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل في ملكوت السموات والأرض.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى- أَلَمْ تَرَ ... هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك، فيكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في هذا الباب، بأن شبه من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه
стр. 3255
لا ينبغي أن يخفى عليه، وأنه ينبغي أن يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه، كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب ... » «١» .
والمعنى ألم تعلم- أيها العاقل- أن الله- تعالى- خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. أى: خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث، وبالوجه الصحيح الذي تقتضيه إرادته، وهو- سبحانه- إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أى- يهلككم أيها الناس وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ سواكم، لأن القادر على خلق السموات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة، يكون على خلق غيرهما أقدر، كما قال- تعالى- لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ... «٢» .
وقوله- سبحانه- وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. أى: إن يشأ- سبحانه- يهلككم- أيها الناس- ويأت بمخلوقين آخرين غيركم، وما ذلك الإذهاب بكم، والإتيان بغيركم بمتعذر على الله، أو بمتعاص عليه، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء، ولا يحول دون نفاذ قدرته حائل.
وشبيه بهذا قوله- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ «٣» .
وقوله- تعالى-: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «٤» .
وقوله- تعالى-: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً «٥» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك جانبا من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين، بين الأتباع والمتبوعين ... فقال- تعالى-: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً، فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ....
وقوله وَبَرَزُوا من البروز بمعنى الظهور، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع، الذي يظهر فيه الناس بدون استتار. أى: وخرج الكافرون جميعا من قبورهم يوم القيامة،
стр. 3256
وظهروا ظهورا لا خفاء معه، لكي يحاسبهم- سبحانه- على أعمالهم في الدنيا.
وقال- سبحانه- وَبَرَزُوا بلفظ الفعل الماضي مع أن الحديث عن يوم القيامة، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج، وأنه كائن لا محالة.
وعبر- سبحانه- بهذا التعبير، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا، لأنهم كانوا في الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله- .
ثم بين- سبحانه- ما يقوله الضعفاء للمستكبرين في هذا الموقف العصيب فقال:
فَقالَ الضُّعَفاءُ وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير، ونعمة حرية الإرادة، فهانوا وذلوا..
قال هؤلاء الضعفاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغي والضلال.
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ- أيها السادة- تَبَعاً جمع تابع كخادم وخدم.
أى: إنا كنا في الدنيا تابعين لكم، ومنقادين لأمركم، في تكذيب الرسل، وفي كل ما تريدونه منا.
والاستفهام في قوله- سبحانه- فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ للتقريع والتفجع.
ومغنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة.
قال الشوكانى: «يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع» «١» .
أى: فهل أنتم- أيها المستكبرون- دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا، حتى ولو كان هذا الشيء المدفوع قليلا؟ إن كان في إمكانكم ذلك فأظهروه لنا، فقد كنتم في الدنيا سادتنا وكبراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فرق بين «من» في «من عذاب الله» وبينه في «من شيء» ؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء
стр. 3257
الذي هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء، هو بعض عذاب الله؟ أى: بعض بعض عذاب الله» «١» .
ثم حكى- سبحانه- رد المستكبرين على المستضعفين فقال: قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ...
أى: قال المستكبرون- بضيق وتحسر- في ردهم على المستضعفين: لو هدانا الله- تعالى- إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم «لهديناكم» إليه، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
والجزع: حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله.
يقال: جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا.
والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ومحيصا، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار.
أى: مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب، والصبر على ذلك، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم.
فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهي أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم في الدنيا، كما تحكى رد المستكبرين عليهم، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء، والتسليم بالواقع الأليم الذي لا محيص لهم عنه.
قال الإمام ابن كثير: «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله- تعالى-، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة، فقال- تعالى-:
стр. 3258
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ... والمراد بالشيطان هنا: إبليس- لعنه الله-.
قال الفخر الرازي: «وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد فيتناول الواحد، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى. ولا سيما وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم، يقول الكافر: قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا، ما هو إلا إبليس، فهو الذي أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول..» «١» .
والمراد بقوله- سبحانه- لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أى: حين تم الحساب، وعرف أهل الجنة ثوابهم، وعرف أهل النار مصيرهم، كل فريق في المكان الذي أعده الله تعالى له.
والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين في هذا اليوم. تحذير المؤمنين من وسوسته وإغوائه، حتى ينجوا من العذاب الذي يحل بأتباعه يوم القيامة.
والمراد بالحق في قوله إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ: الصدق والوفاء بما وعدكم به على ألسنة رسله.
والمراد بالإخلاف في قوله وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ الكذب والغدر وعدم الوفاء بما مناهم به، من أمانى باطلة.
قال- تعالى-: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً «٢» . وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله- تعالى- وعدكم الوعد الحق الذي لا نقض له، وهو أن الجزاء حق، والبعث حق، والجنة حق، والنار حق، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب.. فأخلفتكم ما وعدتكم به، وظهر كذبى فيما قلته لكم. ثم أضاف إلى ذلك قوله- كما حكى القرآن عنه-: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ...
والسلطان: اسم مصدر بمعنى التسلط والقهر والغلبة.
أى: وما كان لي فيما وعدتكم به من تسلط عليكم، أو إجبار لكم، لكني دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية، فانقدتم لدعوتى واستجبتم لوسوستى عن طواعية واختيار.
فالاستثناء في قوله «إلا أن دعوتكم» استثناء منقطع، لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل.
стр. 3259
قال الجمل: «وفي هذا الاستثناء وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منقطع، لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة، والثاني: أنه متصل لأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه. فهو نوع من التسلط» «١» .
وقوله فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ زيادة في تأنيبهم وفي حسراتهم على انقيادهم له.
أى: فلا تلوموني بسبب وعودي إياكم. ولوموا أنفسكم، لأنكم تقبلتم هذه الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل، وأعرضتم عن الحق الواضح الذي جاءكم من عند ربكم، ومالك أمركم.
ثم ينفض يده منهم، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السيئ فيقول: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ. أى: ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من عذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه من عذاب- أيضا- فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات..
قال القرطبي ما ملخصه: «والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ هو المغيث لغيره ... قال أمية بن أبى الصلت:
ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخ ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر
ويقال: صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة..
ومنه: استصرخني فلان فأصرخته، أى استغاث بي فأغثته.. «٢» .
وجملة «إنى كفرت بما أشركتمون من قبل..» مستأنفة، لإظهار المزيد من التنصل والتبري من كل علاقة بينه وبينهم.
و «ما» في قوله «بما أشركتمون» الظاهر أنها مصدرية..
قال الآلوسى ما ملخصه: «وأراد بقوله إِنِّي كَفَرْتُ أى: إنى كفرت اليوم «بما أشركتمون من قبل» .
أى: من قبل هذا اليوم، يعنى في الدنيا و «ما» مصدرية و «من قبل» متعلق بأشركتمون.
والمعنى: إنى كفرت بإشراككم إياى لله- تعالى- في الطاعة، لأنهم كانوا يطيعون
стр. 3260
الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله- تعالى-، ومن أفعال الشر..
ومراد اللعين: أنه إن كان إشراككم لي مع الله- تعالى-، هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم ... فإنى متبرئ من هذا الشرك، فلم يبق بيني وبينكم علاقة ... فالكلام محمول على إنشاء التبري منهم يوم القيامة..
ثم قال: وجوز غير واحد أن تكون «ما» موصولة بمعنى من، والعائد محذوف، و «من قبل» متعلق بكفرت. أى: إنى كفرت من قبل- حين أبيت السجود لآدم- بالذي أشركتمونيه. أى: جعلتموني شريكا له في الطاعة وهو الله- ...
والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره، وبسبق خطيئته فلا يمكنه أن يقدم لهم عونا أو نصرا ... «١» .
وجملة «إن الظالمين لهم عذاب أليم» في موقع التعليل لما تقدم، والظاهر أنها ابتداء كلام من جهته- تعالى-: لبيان سوء عاقبة الظالمين.
ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس- الذي حكاه القرآن عنه-، ويكون الغرض منها قطع أطماعهم في الإغاثة أو النصر، وتنبيه المؤمنين في كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته.
قال الشيخ الشوكانى- ﵀ ما ملخصه: «لقد قام الشيطان للكافرين في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا: أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله- تعالى- وأنه أخلفهم ما وعدهم به ...
ثم أوضح لهم ثانيا: بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل، لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره.
ثم أوضح لهم ثالثا: بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء.
ثم نعى عليهم رابعا: ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل.
ثم أوضح لهم خامسا: بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ... بل هو مثلهم في الوقوع في البلية..