وظهروا ظهورا لا خفاء معه، لكي يحاسبهم- سبحانه- على أعمالهم في الدنيا.
وقال- سبحانه- وَبَرَزُوا بلفظ الفعل الماضي مع أن الحديث عن يوم القيامة، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج، وأنه كائن لا محالة.
وعبر- سبحانه- بهذا التعبير، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا، لأنهم كانوا في الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله- .
ثم بين- سبحانه- ما يقوله الضعفاء للمستكبرين في هذا الموقف العصيب فقال:
فَقالَ الضُّعَفاءُ وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير، ونعمة حرية الإرادة، فهانوا وذلوا..
قال هؤلاء الضعفاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغي والضلال.
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ- أيها السادة- تَبَعاً جمع تابع كخادم وخدم.
أى: إنا كنا في الدنيا تابعين لكم، ومنقادين لأمركم، في تكذيب الرسل، وفي كل ما تريدونه منا.
والاستفهام في قوله- سبحانه- فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ للتقريع والتفجع.
ومغنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة.
قال الشوكانى: «يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع» «١» .
أى: فهل أنتم- أيها المستكبرون- دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا، حتى ولو كان هذا الشيء المدفوع قليلا؟ إن كان في إمكانكم ذلك فأظهروه لنا، فقد كنتم في الدنيا سادتنا وكبراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فرق بين «من» في «من عذاب الله» وبينه في «من شيء» ؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء
стр. 3257
الذي هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء، هو بعض عذاب الله؟ أى: بعض بعض عذاب الله» «١» .
ثم حكى- سبحانه- رد المستكبرين على المستضعفين فقال: قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ...
أى: قال المستكبرون- بضيق وتحسر- في ردهم على المستضعفين: لو هدانا الله- تعالى- إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم «لهديناكم» إليه، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
والجزع: حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله.
يقال: جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا.
والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ومحيصا، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار.
أى: مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب، والصبر على ذلك، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم.
فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهي أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم في الدنيا، كما تحكى رد المستكبرين عليهم، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء، والتسليم بالواقع الأليم الذي لا محيص لهم عنه.
قال الإمام ابن كثير: «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله- تعالى-، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة، فقال- تعالى-:
стр. 3258
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ، إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ... والمراد بالشيطان هنا: إبليس- لعنه الله-.
قال الفخر الرازي: «وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد فيتناول الواحد، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى. ولا سيما وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم، يقول الكافر: قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا، ما هو إلا إبليس، فهو الذي أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول..» «١» .
والمراد بقوله- سبحانه- لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أى: حين تم الحساب، وعرف أهل الجنة ثوابهم، وعرف أهل النار مصيرهم، كل فريق في المكان الذي أعده الله تعالى له.
والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين في هذا اليوم. تحذير المؤمنين من وسوسته وإغوائه، حتى ينجوا من العذاب الذي يحل بأتباعه يوم القيامة.
والمراد بالحق في قوله إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ: الصدق والوفاء بما وعدكم به على ألسنة رسله.
والمراد بالإخلاف في قوله وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ الكذب والغدر وعدم الوفاء بما مناهم به، من أمانى باطلة.
قال- تعالى-: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً «٢» . وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله- تعالى- وعدكم الوعد الحق الذي لا نقض له، وهو أن الجزاء حق، والبعث حق، والجنة حق، والنار حق، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب.. فأخلفتكم ما وعدتكم به، وظهر كذبى فيما قلته لكم. ثم أضاف إلى ذلك قوله- كما حكى القرآن عنه-: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ...
والسلطان: اسم مصدر بمعنى التسلط والقهر والغلبة.
أى: وما كان لي فيما وعدتكم به من تسلط عليكم، أو إجبار لكم، لكني دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية، فانقدتم لدعوتى واستجبتم لوسوستى عن طواعية واختيار.
فالاستثناء في قوله «إلا أن دعوتكم» استثناء منقطع، لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل.
стр. 3259
قال الجمل: «وفي هذا الاستثناء وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منقطع، لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة، والثاني: أنه متصل لأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه. فهو نوع من التسلط» «١» .
وقوله فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ زيادة في تأنيبهم وفي حسراتهم على انقيادهم له.
أى: فلا تلوموني بسبب وعودي إياكم. ولوموا أنفسكم، لأنكم تقبلتم هذه الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل، وأعرضتم عن الحق الواضح الذي جاءكم من عند ربكم، ومالك أمركم.
ثم ينفض يده منهم، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السيئ فيقول: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ. أى: ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من عذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه من عذاب- أيضا- فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات..
قال القرطبي ما ملخصه: «والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ هو المغيث لغيره ... قال أمية بن أبى الصلت:
ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخ ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر
ويقال: صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة..
ومنه: استصرخني فلان فأصرخته، أى استغاث بي فأغثته.. «٢» .
وجملة «إنى كفرت بما أشركتمون من قبل..» مستأنفة، لإظهار المزيد من التنصل والتبري من كل علاقة بينه وبينهم.
و «ما» في قوله «بما أشركتمون» الظاهر أنها مصدرية..
قال الآلوسى ما ملخصه: «وأراد بقوله إِنِّي كَفَرْتُ أى: إنى كفرت اليوم «بما أشركتمون من قبل» .
أى: من قبل هذا اليوم، يعنى في الدنيا و «ما» مصدرية و «من قبل» متعلق بأشركتمون.
والمعنى: إنى كفرت بإشراككم إياى لله- تعالى- في الطاعة، لأنهم كانوا يطيعون
стр. 3260
الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله- تعالى-، ومن أفعال الشر..
ومراد اللعين: أنه إن كان إشراككم لي مع الله- تعالى-، هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم ... فإنى متبرئ من هذا الشرك، فلم يبق بيني وبينكم علاقة ... فالكلام محمول على إنشاء التبري منهم يوم القيامة..
ثم قال: وجوز غير واحد أن تكون «ما» موصولة بمعنى من، والعائد محذوف، و «من قبل» متعلق بكفرت. أى: إنى كفرت من قبل- حين أبيت السجود لآدم- بالذي أشركتمونيه. أى: جعلتموني شريكا له في الطاعة وهو الله- ...
والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره، وبسبق خطيئته فلا يمكنه أن يقدم لهم عونا أو نصرا ... «١» .
وجملة «إن الظالمين لهم عذاب أليم» في موقع التعليل لما تقدم، والظاهر أنها ابتداء كلام من جهته- تعالى-: لبيان سوء عاقبة الظالمين.
ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس- الذي حكاه القرآن عنه-، ويكون الغرض منها قطع أطماعهم في الإغاثة أو النصر، وتنبيه المؤمنين في كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته.
قال الشيخ الشوكانى- ﵀ ما ملخصه: «لقد قام الشيطان للكافرين في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا: أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله- تعالى- وأنه أخلفهم ما وعدهم به ...
ثم أوضح لهم ثانيا: بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل، لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره.
ثم أوضح لهم ثالثا: بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء.
ثم نعى عليهم رابعا: ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل.
ثم أوضح لهم خامسا: بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ... بل هو مثلهم في الوقوع في البلية..
стр. 3261
ثم صرح لهم سادسا: بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، وهو إشراكه مع الله- تعالى- فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم المصائب.
وإذا كانت جملة «إن الظالمين لهم عذاب أليم» من تتمة كلامه- كما ذهب إليه البعض- فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به، فيكون قد أثبت لهم الظلم، وذكر لهم جزاءه» «١» .
وبعد هذا الحديث عن سوء عاقبة الكافرين.. بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين من ثواب جزيل، وأجر عظيم فقال- تعالى-:
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.
أى: وأدخل الله- تعالى- في هذا اليوم، وهو يوم القيامة، الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحة، أدخلهم- سبحانه- جنات تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا لا موت معه ولا تعب.
وجاء التعبير بصيغة الماضي لتحقيق الوقوع، وتعجيل البشارة، وقوله، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أى: بإرادته- سبحانه- وتوفيقه وهدايته لهم.
وقوله تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أى: تحيتهم في الجنة سلام لهم من خالقهم- ومن الملائكة، ومن بعضهم لبعض.
كما قال- تعالى-: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ «٢» .
وكما قال- تعالى-: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ.. «٣» .
وكما قال- سبحانه-: وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً «٤» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين كفروا، وسوء أحوالهم يوم القيامة، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
стр. 3262
وبعد أن بين- سبحانه- حال السعداء والأشقياء يوم القيامة، أتبع ذلك بضرب مثل لهما زيادة في التوضيح والتقرير فقال- تعالى-:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
والخطاب في قوله أَلَمْ تَرَ ... للرسول ﷺ أو لكل من يصلح للخطاب، والاستفهام للتقرير، والرؤية مستعملة في العلم الناشئ عن التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ ... هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن ليس كذلك، فيكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهر في ذلك حتى أجرى مجرى المثل في ذلك، بأن شبه من لم ير الشيء بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه، ثم أجرى الكلام معه كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب» «١» .
والمثل: يطلق على القول السائر المعروف للماثلة مضربه لمورده.
стр. 3263
وقوله مَثَلًا انتصب على أنه مفعول به لضرب، وقوله كَلِمَةً بدل منه أو عطف بيان.
والمراد بالكلمة الطيبة: كلمة الإسلام، وما يترتب عليها من عمل صالح، وقول طيب.
قال الآلوسى ما ملخصه: «والمراد بالشجرة الطيبة- المشبه بها- النخلة عند الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد..
وأخرج عبد الرزاق والترمذي وغيرهما عن شعيب بن الحجاب قال: كنا عند أنس، فأتينا بطبق عليه رطب، فقال أنس لأبى العالية: كل يا أبا العالية، فإن هذا من الشجرة التي ذكرها الله- تعالى- في كتابه أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ....
وأخرج الترمذي- أيضا- والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ بقناع من بسر- أى بطبق من تمر لم ينضج بعد فقال: «مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ... قال: هي النخلة» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند.
وأخرج ابن حرير وابن ابى حاتم أنها شجرة في الجنة، وقيل كل شجرة مثمرة كالنخلة، وكشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك ثم قال:
وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغي العدول عنه» «١» .
وكأن الإمام الآلوسى بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبة النخلة، لتصريح الآثار بذلك.
وقد رجح ابن جرير- أيضا- أن المراد بها النخلة فقال ما ملخصه: «واختلفوا في المراد بالشجرة الطيبة، فقال بعضهم: هي النخلة ... وقال آخرون: هي شجرة في الجنة ...
وأولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال هي النخلة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ في ذلك..» «٢» .
والمعنى: ألم تر- أيها المخاطب- كيف اختار الله- تعالى- مثلا، ووضعه في موضعه اللائق به، والمناسب له، وهذا المثل لكلمتى الإيمان والكفر، حيث شبه- سبحانه-
стр. 3264
الكلمة الطيبة وهي كلمة الإسلام، بالشجرة الطيبة، أى النافعة في جميع أحوالها، وهي النخلة.
ثم وصف- سبحانه- هذه الشجرة بصفات حسنة فقال: أَصْلُها ثابِتٌ.
أى: ضارب بعروقه في باطن الأرض فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان.
وَفَرْعُها أى: أعلاها وما امتد منها من أغصان، مشتق من الافتراع بمعنى الاعتلاء فِي السَّماءِ أى: في جهة السماء من حيث العلو والارتفاع، وهذا مما يزيد الشجرة جمالا وحسن منظر.
والمراد بالأكل في قوله- تعالى- تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.. المأكول، وهو الثمر الناتج عنها.
والمراد بالحين: الوقت الذي حدده الله- تعالى- للانتفاع بثمارها من غير تعيين بزمن معين من صباح أو مساء..
قال الشوكانى ما ملخصه: «قوله تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ كل وقت بِإِذْنِ رَبِّها بإرادته ومشيئته» .
وقيل: المراد بكونها تؤتى أكلها كل حين: أى كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف. وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين.
وقيل: كل غدوة وعشية، وقيل: كل شهر..
وهذه الأقوال متقاربة. لأن الحين عند جمهور أهل اللغة بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره «١» .
وبهذا نرى أن الله- تعالى- قد وصف هذه الشجرة بأربع صفات، أولها: أنها طيبة، وثانيها: أن أصلها ثابت، وثالثها: أن فرعها في السماء، ورابعها: أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها.
وهذه الأوصاف تدل على فخامة شأنها، وجمال منظرها، وطيب ثمرها، ودوام نفعها كما تدل على أن المشبه وهو الكلمة الطيبة، مطابق في هذه الأوصاف للمشبه به وهو الشجرة الطيبة.
وقوله- سبحانه- وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بيان للحكمة التي
стр. 3265
من أجلها سيقت الأمثال، وهي التذكر والتفكير والاعتبار. أى: ويضرب الله- تعالى- الأمثال للناس رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويتذكروا ما أمرهم- سبحانه- بتذكره إذ ضرب الأمثال تقريب للبعيد، وتقرير للقريب، وتصوير للمعاني المعقولة بالصور المحسوسة.
وبعد أن بين- سبحانه- مثال كلمة الإيمان، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كلمة الكفر.
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أى قبيحة لا نفع فيها، ولا خير يرجى منها.
اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أى: اقتلعت جثتها وهيئتها من فوق الأرض، لقرب عروقها وجذورها من سطحها.
يقال: اجتثثت الشيء اجتثاثا، إذا اقتلعته واستأصلته، وهو افتعال من لفظ الجثة وهي ذات الشيء.
وقوله: ما لَها مِنْ قَرارٍ تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشيء بسهولة، سببه عدم وجود أصل له.
أى: ليس لها استقرار وثبات على الأرض، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.
والمراد بهذه الشجرة الخبيثة: شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال:
«ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي الحنظلة ... » «١» .
وقيل: شجرة الثوم، وقيل: شجرة الشوك ... وقيل كل شجر لا يطيب له ثمر، وفي رواية عن ابن عباس أنها شجرة لم تخلق على الأرض ...
وقال: ابن عطية: الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك الأوصاف التي وصفها الله بها.
وقوله سبحانه-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ بيان لفضل الله- تعالى- على هؤلاء المؤمنين، ولحسن عاقبتهم..
والمراد بالحياة الدنيا: مدة حياتهم في هذه الدنيا.
والمراد بالآخرة: ما يشمل سؤالهم في القبر وسؤالهم في مواقف القيامة.
والمعنى: يثبت الله- تعالى- الذين آمنوا بالقول الثابت أى: الصادق الذي لا شك فيه،
стр. 3266
في الحياة الدنيا، بأن يجعلهم متمسكين بالحق، ثابتين عليه دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب.
ويثبتهم أيضا بعد مماتهم، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم في القبر وعند سؤالهم في مواقف يوم القيامة.
قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله- تعالى- يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أى: الذي ثبت عندهم وتمكن في قلوبهم، وهو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة..
«في الحياة الدنيا» أى يثبتهم بالبقاء على ذلك مدة حياتهم، فلا يزالون عند الفتنة ... «وفي الآخرة» أى بعد الموت وذلك في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة، وفي مواقف القيامة، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك، ولا تدهشهم الأهوال..» «١» .
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث التي وردت في سؤال القبر، منها قوله: قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرنى علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» «٢» .
وقوله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ بيان لسوء عاقبة أصحاب المثل الثاني وهم الكافرون.
أى: ويخلق فيهم الضلال عن الحق بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان.
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ فعله، عن تثبيت من يريد تثبيته، وإضلال من يريد إضلاله، حسبما تقتضيه إرادته وحكمته، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك مصير الجاحدين الذين قابلوا نعم الله بالكنود والجحود، وأمر المؤمنين بأداء ما كلفهم به- سبحانه- من عبادات وقربات، وساق لهم ألوانا من الآلاء التي تفضل بها على عباده، فقال- تعالى-:
стр. 3267
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٨ الى ٣٤]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
وقوله- سبحانه- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً.. الخطاب فيه للنبي ﷺ أو لكل من يصلح للخطاب.
والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة.
وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشيء في غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر.
ونعمة الله التي بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول ﷺ الذي أرسله الله- تعالى- لإخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم- أى أهل مكة- بأن جعلهم في
стр. 3268
حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته.. ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «قوله: بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا.
وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد ﷺ فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر، قد ذهبت النعمة عنهم، وبقي الكفر طوقا في أعناقهم..» «١» .
وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «قال البخاري قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً.. حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة.
ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله- تعالى- بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار ... » «٢» .
وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير- رحمهما الله- هو الذي تطمئن إليه النفس، لأن مشركي مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة.
وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات في أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرا، بنو أمية وبنو مخزوم.. ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح» «٣» .
وقوله وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ معطوف على «بدلوا» لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم في الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك.
والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع بوارا، إذا كسد، إذ الكاسد في حكم الهالك.
стр. 3269
والمعنى: ألم تر- أيها العاقل- إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود، وكانوا سببا في إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.
وقوله- سبحانه- جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ بيان لدار بوارهم وهلاكهم أى:
جهنم يصلون حرها وسعيرها، وبئس القرار قرارهم فيها.
فقوله «جهنم» عطف بيان لدار البوار، وقوله «يصلونها» في محل نصب حال من «جهنم» يقال: صلى فلان النار- من باب تعب- إذا ذاق حرها، وتقول: صليت اللحم أصليه- من باب رمى- إذا شويته.
والمخصوص بالذم محذوف. أى: بئس القرار هي أى: جهنم.
وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.
ثم بين- سبحانه- لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة فقال وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ...
والأنداد: جمع ند وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه.
وأصله من ند البعير يند- بكسر النون- ندا- بالفتح- إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.
وقوله «ليضلوا» قرأ الجمهور- بضم الياء- من أضل غيره إذا جعله ضالا.
أى: أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة الله بالجحود، وإحلال قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا لله- تعالى- أمثالا ونظراء، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذي هو إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ليضلوا» - بفتح الياء- أى: ليستمروا في ضلالهم، فإنهم حين جعلهم الأنداد لله- تعالى- كانوا ضالين، وجهلوا ذلك فاستمروا في ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب.
قال صاحب الكشاف: قرئ «ليضلوا» بفتح الياء وضمها. فإن قلت: الضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام؟
قلت: لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك، جئتك لتكرمنى نتيجة المجيء، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب» «١» .
стр. 3270
وقوله- سبحانه- قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أمر منه- لنبيه ﷺ بأن يهددهم بهذا المصير الأليم.
والتمتع بالشيء: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة.
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله «قل تمتعوا» بما أنتم فيه من الشهوات، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم «فإن مصيركم إلى النار» أى: مرجعكم إليها ليس إلا.
ولما كان هذا حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه. جعل- سبحانه- الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار.
فجملة «فإن مصيركم إلى النار» تعليل للأمر بالتمتع، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره.
ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل: قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار.
والأول أولى والنظم القرآنى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة السلطان: اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف» «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ «٢» .
وقوله- تعالى-: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ «٣» .
وقوله- تعالى- لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ «٤» .
وبعد هذا الأمر من الله- تعالى- لنبيه- ﷺ بتهديد الكافرين، وجه- سبحانه- أمرا آخر له ﷺ طلب منه فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار في التزود من العمل الصالح فقال- تعالى-: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ.
стр. 3271
قال الجمل: «قوله «قل لعبادي ... إلخ» مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه، أى:
قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا- وقوله: يقيموا وينفقوا مجزومان في جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا ... يقيموا وينفقوا.
ويجوز أن يكون قوله «يقيموا وينفقوا» مجزومين بلام الأمر المقدرة.
أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا ... » «١» .
والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها في أوقاتها المحددة لها، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ومع إخلاص النية عند أدائها لله- تعالى-.
والمراد بالإنفاق: ما يشمل جميع وجوه الإنفاق الواجبة والمستحبة.
والمراد بقوله «سرا وعلانية» ما يتناول عموم الأحوال في الحرص على بذل المال في وجوهه المشروعة.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لعبادي المخلصين، الذين آمنوا إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإنفاق مما رزقناهم في جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم في السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضي ذلك، وأن يجعلوها في العلن إذا كانت المنفعة في ذلك.
والإضافة في قوله «لعبادي» للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين.
ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ للإيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما.
ومفعول «ينفقوا» محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم.
وعبر- سبحانه- بمن المفيدة للتبعيض في قوله مِمَّا رَزَقْناهُمْ للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون في إنفاقهم عن الإسراف والتبذير، عملا بقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً «٢» .
وهذا التعبير- أيضا- يشعر بأن هذا المال الذي بين أيدى عباده- سبحانه- ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر، بأن ينفقوا جزءا منها في وجوه الخير.
стр. 3272
وقوله سِرًّا وَعَلانِيَةً منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على المصدر أى:
إنفاق سر وإنفاق علانية.
وقدم- سبحانه- إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين في معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه أستر للمتصدق عليه.
وقوله- سبحانه- مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإنفاق في وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء.
ولفظ «خلال» مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال.
أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإنفاق مما رزقهم- سبحانه-، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا تقبل فيه المعاوضات، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذي يقبل وينفع في هذا اليوم هو العمل الصالح الذي قدمه المسلم في دنياه.
فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقام الصلاة وعلى الإنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذي تنتهي فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات.
كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين، من أعظم القربات التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه- سبحانه- والتي تكون سببا في رفع الدرجات يوم القيامة.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» .
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ألوانا من نعمه التي تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتي تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال- تعالى- اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ....
أى: الله- تعالى- وحده هو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق.
وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما في ذلك من تربية المهابة، ومن لفت أنظار
стр. 3273
المشركين إلى ما هم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه.
وجاء الخبر بصيغة الموصول، لأن الصلة معلومة الثبوت له- سبحانه- والمشركون لا ينازعون في ذلك، كما قال- تعالى- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ..
وقوله وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ.. بيان للون آخر من ألوان نعمه على خلقه.
والمراد بالسماء هنا: السحاب، أو جهة العلو.
أى: وأنزل- سبحانه- من المزن أو السحاب «ماء» كثيرا هو المطر، «فأخرج به» أى بذلك الماء «من الثمرات» المتعددة الأنواع والأصناف «رزقا لكم» تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.
ثم حكى- سبحانه- ألوانا أخرى من نعمه فقال: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.
وقوله «سخر» من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف في الشيء والانتفاع به.
والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل لفظه في الواحد والجمع، والظاهر أن المراد به هنا الجمع لقوله- سبحانه- «لتجرى» بتاء التأنيث.
أى: «وسخر لكم» - سبحانه- السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم صنعها، وأقدركم على استعمالها «لتجرى في البحر» إلى حيث تريدون «بأمره» وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئتكم، إذ لو شاء- سبحانه- لقلبها بكم.
«وسخر لكم الأنهار» بأن جعلها معدة لانتفاعكم، إذ منها تشربون، ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تريدون.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ أى: دائمين في إصلاح ما يصلحان من الأبدان والنبات وغيرهما أو دائمين في مدارهما المقدر لهما بدون اضطراب أو اختلال. ولا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا.
وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأب فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.
стр. 3274
و «وسخر لكم الليل والنهار» بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما في أعقاب الآخر، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم.
فالليل تنتفعون به في راحتكم ومنامكم ... والنهار تنتفعون به في معاشكم وطلب رزقكم قال- تعالى- وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً.
تم ختم- سبحانه- هذه النعم بقوله وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ....
أى: وأعطاكم- فضلا عما تقدم من النعم- بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته التي لا تعلمونها كما قال- تعالى- وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ «١» .
قال الجمل ما ملخصه «قوله وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أى: كل نوع أو كل صنف سألتموه أى: شأنكم أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل.
وفي «من» قولان: أحدهما أنها زائدة في المفعول الثاني، أى: آتاكم كل ما سألتموه.
والثاني أن تكون تبعيضية أى: وآتاكم بعض جميع ما سألتموه وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه، وهو رأى سيبويه..» «٢» .
وجملة «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» مؤكدة لمضمون ما قبلها.
أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد، لن تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم، وخفاء بعضه عليكم.
والإحصاء: ضبط العدد وتحديده، مأخوذ من الحصا وهو صغار الحجارة لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ.
قال ابن كثير: «يخبر- سبحانه- عن عجز العباد من تعداد نعمه فضلا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب- ﵀: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لك الحمد غير مكفى- أى لم يكفه غيره بل هو- سبحانه- يكفى غيره- ولا مودع- أى متروك حمده-،
стр. 3275
ولا مستغنى عنه ربنا- أى هو الذي يحتاج إليه الخلق ... » «١» .
والمراد بالإنسان في قوله إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ نوع معين منه وهو الكافر كما في قوله- تعالى- وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا.
أى: إن الإنسان الكافر لشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله- تعالى-، ولشديد الجحود والكفران لنعمه- .
ويرى بعضهم أن المراد بالإنسان هنا الجنس.
قال الشوكانى: قوله- سبحانه-: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ أى لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان. وقال الزجاج: إن الإنسان هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما في قوله- تعالى- وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «كفار» أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد لها، غير شاكر لله عليها كما ينبغي ويجب عليه» «٢» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبي ﷺ بأن يحض المؤمنين الصادقين على الاستزادة من إقامة الصلاة ومن الإنفاق في سبيل الله.
ثم ساقت عشر نعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله- تعالى- وعلمه وقدرته، وهذه النعم هي خلق السموات والأرض، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وتسخير الفلك في البحار، وتسخير الأنهار، وتسخير الشمس والقمر دائبين، وتسخير الليل والنهار.
ثم ختمت ببيان أنه- سبحانه- قد أعطى الناس- فضلا عن كل ذلك- جميع ما يحتاجون إليه في مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته ولكن الناس- إلا من عصم الله- لا يقابلون نعمه- سبحانه- بما تستحقه من شكر، لشدة ظلمهم وكثرة جحودهم.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك بعض الدعوات التي تضرع بها إبراهيم- ﵇ إلى ربه، وهي دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن صلته به، ورجائه في فضله.. فقال- تعالى-:
стр. 3276
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٥ الى ٤١]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)
هذه بعض الدعوات التي ابتهل بها إبراهيم- ﵇ إلى ربه، وقد تقبلها الله- تعالى- منه قبولا حسنا.
وفي هذه الدعوات تنبيه لمشركي مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم- ﵇ في إيمانه وشكره لخالقه- سبحانه-.
стр. 3277
و «إذ» ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.
و «رب» منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.
والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله- تعالى-.
والمعنى: واذكر- أيها العاقل- وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.
وقدم إبراهيم- ﵇ في دعائه نعمة الأمن على غيرها- لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المتغصات والمزعجات.
قال الإمام الرازي: «سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإقبال على الرعي والأكل والشرب.
ولو أنها ربطت- وهي سليمة- في موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.
وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد، «١» .
وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «يذكر الله- تعالى- في هذا المقام- محتجا على مشركي مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم- بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله- تعالى- وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. وقال- تعالى- إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ... «٢» .
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فرق بين قوله- تعالى- في سورة البقرة رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ... «٣» .
وبين قوله هنا رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ... ؟.
стр. 3278
قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا..» «١» .
وقوله- سبحانه- وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم- ﵇ إلى خالقه- سبحانه-.
وقوله «واجنبنى» بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته في جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.
والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أوهم من تناسل معهم.
والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذي كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر ونحوه لكي يعبدوه من دون الله.
والمعنى: أسألك يا ربي أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمني وتعصم ذريتي من بعدي من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.
وقد بين- سبحانه- في آيات أخرى، أنه قد أجابه في بعض ذريته دون بعض.
ومن ذلك قوله- تعالى- سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ «٢» .
وقوله: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ... تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.
أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمني وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا في إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.
وأسند الإضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا في إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشيء إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.
وقوله- سبحانه- فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيان لموقفه- ﵇ من المهتدين والضالين.
стр. 3279
أى: فمن تبعني من الناس في ديني وعقيدتي، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل ديني وهو دين الإسلام، ومن عصاني ولم يقبل الدخول في الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت- سبحانك- لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.
فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامي، والخلق العالي، الذي كان يتحلى به إبراهيم- ﵇ في مخاطبته لربه- حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع في العذاب الأليم.
وشبيه بهذه الآية ما حكاه- سبحانه- عن عيسى- ﵇ في قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» .
هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم- ﵇ «ومن عصاني فإنك غفور رحيم» كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا مادون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك..» «٢» .
نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنما المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله- تعالى- إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.
ثم حكى- سبحانه- دعاء آخر من تلك الأدعية التي تضرع بها إبراهيم إليه- تعالى- فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ...
و «من» في قوله «من ذريتي» للتبعيض.
والوادي: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادي مكة المكرمة.
والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتي وهو ابني إسماعيل ومن يولد له، بواد غير ذي زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذي حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذي جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.
وقوله رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ بيان للباعث الذي دفعه لإسكان بعض ذريته في هذا المكان الطيب.
стр. 3280
أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإقامة الصلاة في جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.
فاللام في قوله «ليقيموا» للتعليل وهي متعلقة بأسكنت.
وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.
قال القرطبي: «تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى «ربنا ليقيموا الصلاة» أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.
وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي ﷺ ؟
فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد الرسول ﷺ بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدى هذا بمائة صلاة» .
وقد روى عن ابن عمر عن النبي ﷺ حديث ابن الزبير» «١» .
وقوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله- تعالى-، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.
والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.
والمراد بالناس في قوله «من الناس» المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه- سبحانه- بحج بيته.
وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى- بفتح الواو- يهوى- بكسرها- إذا أسرع في السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.
والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.
أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتي في جوار بيتك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة في جوار بيتك من
стр. 3281
الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة في طاعتك وعبادتك.
وقال- سبحانه- فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «وقد أجاب الله- تعالى- دعوة إبراهيم- ﵇ فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا، وفي أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع- وهي اجتماع البواكير من الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم» «١» .
هذا، وقد ساق الإمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته في هذا المكان فقال ما ملخصه: «وهذا الإسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها- لإبراهيم ﵇ فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة في قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم- ﵇ هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر، فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس.
قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت:
إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.
وانطلق إبراهيم- ﵇ حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت- وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية- ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.. الآية.
ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت
стр. 3282
وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط- أى يتلوى ويتمرغ- من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله- تعالى- يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله- تعالى- لن يضيع أهله.
ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائرا عائفا- أى يتردد على الماء ولا يمضى- فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل- ﵇ زوجوه امرأة منهم» «١» .
ثم حكى- سبحانه- دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ، وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.
أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شيء من الأشياء، سواء أكان هذا الشيء في الأرض أم في السماء أم في غيرهما.
وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه- سبحانه- محيط بكل ما في هذا الكون.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله إبراهيم- ﵇ في مقام شكره لله على نعمه فقال- تعالى-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ.
стр. 3283
والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه- سبحانه- إذ هو الخالق لكل شيء.
وعلى في قوله «على الكبر» للاستعلاء المجازى وهي بمعنى مع. أى: وهب لي مع الكبر الذي لا تحصل معه في الغالب ولادة.
وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا-، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.
قال الفخر الرازي: «اعلم أن القرآن يدل على أنه- تعالى- إنما أعطى إبراهيم- ﵇ هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة.
وإنما ذكر قوله «على الكبر لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة في هذه السن المتقدمة كانت آية لإبراهيم» «١» .
وجملة «إن ربي لسميع الدعاء» تعليل لجملة «وهب لي على الكبر» أى: وهب لي على الكبر هذين الولدين، لأنه- سبحانه- سمع دعائي وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبني.
فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز في إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه. وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربي يسمع دعائي ويجيبه.
ثم ختم إبراهيم- ﵇ تلك الدعوات الطيبات التي تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه في قوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ.
أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتي من يقتدى بي في ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائي ولا تخيبني في مطلوب أسألك إياه.
كما أسألك- يا إلهى- أن تغفر لي ذنوبي، وأن تغفر لوالدي وللمؤمنين، يوم يقوم الناس
стр. 3284
للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال- تعالى- وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «١» .
أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.
وبعد أن حكى- سبحانه- تلك الدعوات الطيبات التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتي تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.
بعد كل ذلك حكى- سبحانه- أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم في ذلك اليوم الشديد، ورده- تعالى- عليهم، والأسباب التي أدت إلى خسرانهم ... فقال- تعالى-:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٢ الى ٥٢]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)
стр. 3285
قال الإمام القرطبي: «قوله- تعالى- وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ... هذا تسلية للنبي ﷺ بعد أن عجبه من أفعال المشركين، ومخالفتهم دين إبراهيم، أى: اصبر كما صبر إبراهيم، وأعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم، بل سنة الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مهران: هذا وعيد للظالم. وتعزية للمظلوم» «١» .
والخطاب في «ولا تحسين» ، يجوز أن يكون للنبي ﷺ لقصد زيادة تثبيته على الحق، ودوامه على ذلك، ويجوز أن يكون لكل من يصلح للخطاب.
والغفلة: سهو يعترى الإنسان بسبب قلة تيقظه وانتباهه، ولا شك أن ذلك محال في حق الله- تعالى-، لذا وجب حمل المعنى على أن المراد بالغفلة هنا: ترك عقاب المجرمين.
والمراد بالظالمين: كل من انحرفوا عن طريق الحق، واتبعوا طريق الباطل، ويدخل فيهم دخولا أوليا مشركو مكة، الذين أبوا الدخول في الإسلام الذي جاءهم به النبي ﷺ .
стр. 3286
وقوله إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ استئناف وقع تعليلا للنهى السابق.
وقوله «تشخص» من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك يقال شخص بصر فلان- من باب خضع- فهو شاخص، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع.
والمعنى: ولا تحسبن- أيها الرسول الكريم- أن الله تعالى- تارك عقاب هؤلاء الظالمين، الذين كذبوك في دعوتك، كلا لن يترك الله- تعالى- عقابهم، وإنما يؤخره ليوم هائل شديد، هو يوم القيامة الذي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه.
ثم بين- سبحانه- بعض أحوال هؤلاء الظالمين في هذا اليوم العظيم فقال- تعالى-:
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ.
والإهطاع السير السريع. يقال: أهطع فلان في مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا أسرع في سيره بذلة واضطراب.
و «مقنعي رؤوسهم» أى رافعيها، يقال: أهطع فلان رأسه، إذا نصبه ورفعه دون أن يلتفت يمينا أو شمالا. وقيل، إقناع الرءوس طأطأتها وانتكاسها.
الأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب.
والمعنى: أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم في هذا اليوم مسرعين إلى الداعي بذلة واستكانة، كإسراع الأسير الخائف، رافعي رءوسهم إلى السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء.
«لا يرتد إليهم طرفهم» أى: لا تتحرك أجفان عيونهم، بل تبقى مفتوحة بدون حراك لهول ما يشاهدونه في هذا اليوم العصيب.
«وأفئدتهم هواء» أى: وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم، بحيث لا تعى شيئا من شدة الفزع والدهشة، ومنه قولهم في شأن الأحمق والجبان قلبهما هواء، أى لا رأى فيه ولا قوة.
وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه في معنى فارغة أو خالية.
قال- تعالى- وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً ... أى خاليا من كل شيء إلا من التفكير في شأن مصير ابنها موسى- ﵇.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هؤلاء الظالمين في هاتين الآيتين بجملة من الصفات الدالة على فزعهم وحيرتهم.
وصفهم أولا بشخوص الأبصار، ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعي في ذلة وانكسار،
стр. 3287
ووصفهم ثالثا برفع رءوسهم في حيرة واضطراب، ووصفهم رابعا: بانفتاح عيونهم دون أن تطرف من شدة الوجل، ووصفهم خامسا بخلو قلوبهم من إدراك أى شيء بسبب ما اعتراهم من دهشة ورعب.
وقوله- سبحانه-: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ من باب التشبيه البليغ الذي حذفت فيه الأداة، والتقدير: وقلوبهم كالهواء في الخلو من الإدراك من شدة الهول.
ثم أمر الله تعالى- رسوله ﷺ أن يحذر الناس من أهوال هذا اليوم، وأن يقدموا العمل الصالح الذي ينفعهم فقال- تعالى- وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ....
والإنذار: التخويف من ارتكاب شيء تسوء عاقبته.
والمراد بالناس: جميعهم، وقيل المراد بهم الكفار. ويبدو أن الأول أرجح لأن الإنذار يكون للمؤمن كما يكون للكافر، إلا أن المؤمن يستجيب للنصح فينجو من العقاب، والكافر لا يستجيب فيحل عليه العذاب.
والمعنى: وخوف- أيها الرسول الكريم- الناس من أهوال يوم القيامة، ومرهم بأن يستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح، من قبل أن يحل عذابه بالظالمين منهم فيقولون: يا ربنا أعدنا إلى الحياة مرة أخرى، وأخر أعمارنا وحسابنا إلى وقت قريب، حتى نستطيع فيه أن نستجيب لدعوتك التي تأمرنا بإخلاص العبادة لك، وأن نتبع رسلك في كل ما أمرونا به ونتدارك ما فرطنا فيه من أعمال الدنيا.
قال الجمل: «وقوله: «يوم يأتيهم العذاب ... » مفعول ثان لأنذر على حذف المضاف، أى: أنذرهم أهواله وعظائمه، فهو مفعول به لا مفعول فيه، إذ لا إنذار في ذلك اليوم، وإنما الإنذار يقع في الدنيا..» «١» .
وإنما اقتصر- سبحانه- على ذكر إتيان العذاب في هذا اليوم. مع كون الثواب يحصل فيه- أيضا- لأن المقام مقام تهديد وزجر، فكان من المناسب ذكر أهواله وشدائده.
وجمع لفظ الرسل فقال: «نجب دعوتك ونتبع الرسل» للإشارة إلى أن الرسل جميعا قد جاءوا برسالة واحدة في جوهرها وأصولها، وهي إخلاص العبادة لله- تعالى-، والدعوة إلى مكارم الأخلاق.
стр. 3288
وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة ومنها قوله- تعالى- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «١» .
وقوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ» «٢» .
وجملة «أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال» مقول لقول محذوف.
والزوال: الانتقال من مكان إلى آخر، أو من حال إلى حال، والمراد به هنا: انتقالهم من قبورهم إلى الحساب يوم القيامة.
والمعنى: أن هؤلاء الظالمين عند ما يقولون يا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل.
يقال لهم من قبل الله والملائكة على سبيل التوبيخ والتبكيت: أو لم تكونوا- أيها الظالمون- تقسمون بالأيمان المغلظة في الدنيا، بأنكم بعد موتكم ستبقون في قبوركم إلى أن تبلى أجسادكم، وأنه ليس بعد ذلك من بعث ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب.
قال- تعالى- وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ «٣» .
فالجملة الكريمة تحكى رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب، حتى يزدادوا حزنا على حزنهم، وحسرة على حسرتهم.
وجملة «مالكم من زوال» جواب القسم.
وقوله- سبحانه-: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... معطوف على «أقسمتم..» .
والمراد بالسكنى: الحلول في أماكن الظالمين لوقت يكفى للاتعاظ والاعتبار وكفار قريش كانوا يمرون بديار قوم ثمود في رحلتهم إلى الشام، وكانوا يحطون رحالهم هناك، كما كانوا يمرون على ديار قوم عاد في رحلتهم إلى اليمن.
والمعنى: لقد أقسمتم- أيها الضالون- بأنكم ما لكم من انتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وحللتم في مساكن القوم الظالمين.
стр. 3289
«وتبين لكم» عن طريق المشاهدة وتواتر الأخبار.
«كيف فعلنا بهم» من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وفسوقهم.
«وضربنا لكم الأمثال» بما فعلوه وبما فعلناه بهم، عن طريق كتابنا، وعلى لسان رسولنا محمد ﷺ .
وكان من الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا إلى رشدكم، وتدخلوا في الإسلام، ولكنكم كنتم قوما فاسقين، سائرين على نهج هؤلاء المهلكين في الكفر والفجور، فاليوم ذوقوا العذاب بسبب جحودكم للحق في الدنيا.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «أى: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم.
قال- تعالى- حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم في الكفر والجحود فقال:
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ.
والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضماره، مع إظهار ما يخالف ذلك. وانتصب «مكرهم» الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا، لبيان النوع، والإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله.
أى: أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا، بل أضافوا إلى ذلك أنهم مكروا بالرسول ﷺ مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق، وإحقاق الباطل، والذي كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول ﷺ .
وقوله وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أى: وفي علم الله- تعالى- الذي لا يغيب عنه شيء مكرهم، وسيجازيهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين.
وقوله- تعالى- وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ قرأ الجمهور «لتزول» - بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها. بأن مضمرة وجوبا، و «إن» في قوله وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ نافية بمعنى ما.
والمعنى: ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذي اشتهروا به، وفي علم الله- تعالى- مكرهم، وما كان مكرهم- مهما عظم واشتد- لتنتقل منه الجبال من أماكنها، لأنه
стр. 3290
لم يتجاوز مكر أمثالهم ممن دمرناهم تدميرا.
وعلى هذه القراءة يكون المقصود بهذه الجملة الكريمة، الاستخفاف بهم وبمكرهم، وبيان أن ما يضمرونه من سوء ليس خافيا على الله- تعالى- ولن يزلزل المؤمنين في عقيدتهم، لأن إيمانهم كالجبال الرواسي في ثباته ورسوخه.
وقرأ «الكسائي» «لتزول» - بفتح اللام على أنها لام الابتداء، ورفع الفعل بعدها- و «إن» مخففة من الثقيلة.
فيكون المعنى: وقد مكروا مكرهم، وعند الله مكرهم، وإن مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها، لو كان لها أن تزول أو تنقلع.
وعلى هذه القراءة يكون المراد بهذه الجملة الكريمة التعظيم والتهويل من شأن مكرهم، وأنه أمر شنيع أو شديد في بابه، كما في قوله- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ. وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا.. «١» .
وقوله- سبحانه-: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ.. تفريع على ما تقدم من قوله- تعالى- وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ.. وتأكيد لتسلية الرسول ﷺ ولتثبيت يقينه.
وقوله «مخلف» اسم فاعل من الإخلاف، بمعنى عدم الوفاء بالوعد وهو مفعول ثان لتحسب والمراد بالوعد هنا: ما وعد الله- تعالى- به أنبياءه ورسله من نصره إياهم، ومن جعل العاقبة لهم.
قال- تعالى- إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «٢» .
وقال- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «٣» .
والمعنى: لقد وعدناك- أيها الرسول الكريم- بعذاب الظالمين، وأخبرناك بجانب من العذاب الذي يحل بهم يوم القيامة، وما دام الأمر كذلك فاثبت على الحق أنت وأتباعك، وثق بأن الله- تعالى- لن يخلف ما وعدك به من نصر على أعدائك.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول الثاني
стр. 3291
لمخلف- وهو: وعده- على المفعول الأول- وهو رسله-؟
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه- سبحانه- لا يخلف الوعد أصلا، كقوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ.
ثم قال «رسله» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه مع رسله الذين هم خيرته وصفوته من خلقه..» «١» .
ويرى صاحب الانتصاف أن تقدم المفعول الثاني هنا، إنما هو للإيذان بالعناية به، لأن الآية في سياق الإنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم الله- تعالى- به على ألسنة رسله، فكان المهم في هذه الحال تقديم ذكر الوعيد على غيره «٢» .
وقوله- سبحانه- إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ تعليل للنهى عن الحسبان المذكور.
والعزيز: الغالب على كل شيء.
أى: إن الله- تعالى- غالب على كل شيء، وذو انتقام شديد من أعدائه لأنهم تحت قدرته، ومادام الأمر كذلك فإخلاف الوعد منتف في حقه- تعالى-.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك بعض العلامات التي تدل على قرب قيام الساعة فقال- تعالى-: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
والظرف «يوم» متعلق بمحذوف تقديره اذكر.
وقوله «تبدل» من التبديل بمعنى التغيير، وهذا التغيير والتبديل لهما قد يكون في ذواتهما كما في قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.. «٣» .
وقد يكون في صفاتهما كقولك «بدلت الحلقة خاتما» وقد يكون فيهما معا وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال: «وقال الإمام أحمد، حدثنا محمد بن عدى، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ... قالت: قلت:
أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط.
وفي رواية أنه ﷺ قال لها: «لقد سألتنى عن شيء ما سألنى عنه أحد من أمتى،
стр. 3292
ذاك أن الناس- يومئذ يكونون- على جسر جهنم» «١» .
والمعنى: اذكر- أيها العاقل- لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم المعهود بعالم آخر جديد، يأتى به الله- تعالى- على حسب إرادته ومشيئته ويوم يخرج الخلائق جميعا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم، وليجازوا على أعمالهم. من الله- تعالى- الواحد الأحد، الذي قهر كل شيء وغلبه، ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب.
وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله- تعالى- للرد على المشركين الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى يشركونها معه في العبادة، ويتوهمون أن هذه الآلهة سوف تدافع عنهم يوم القيامة.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما يحل بالمجرمين يوم القيامة من عذاب عنيف مهين يناسب إجرامهم وكفرهم فقال: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.
وقوله «مقرنين» جمع مقرن، وهو من جمع مع غيره في قرن ووثاق واحد يربطان به.
والأصفاد: جمع صفد- بفتح الفاء- وهو القيد الذي يوضع في الرجل، أو الغل- بضم الغين- الذي تضم به اليد والرجل إلى العنق.
والسرابيل: جمع سربال وهو القميص.
والقطران: مادة حارة نتنة شديدة الاشتعال تصلى بها جلود الإبل الجربى، ليزول الجرب منها. أى: وترى- أيها العاقل- المجرمين في هذا اليوم العسير عليهم «مقرنين في الأصفاد» أى: قد قرن بعضهم مع بعض، وضم كل قرين إلى من يشبهه في الكفر وفي الفسوق وفي العصيان، وقد قيدوا جميعا بالأصفاد والقيود والأغلال.
قال- تعالى- احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ.. «٢» .
أى: وأمثالهم من العصاة، فعابد الصنم يكون مع عابد الصنم، وشارب الخمر مع شارب الخمر. ويصح أن يكون اقترانهم مع الشياطين كما قال- تعالى- فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا «٣» .
هذا عن مشهد المجرمين وهم مقرنون في الأصفاد، وهو مشهد مهين مذل ولكنه ليس كافيا
стр. 3293
في عقابهم، بل يضاف إليه أن ملابسهم من قطران، ليجتمع لهم لذعته، وقبح لونه، ونتن ريحه، وسرعة اشتعاله، وفوق كل ذلك فإن وجوههم تعلوها وتحيط بها النار التي تستعر بأجسادهم المسربلة بالقطران.
وخص- سبحانه الوجوه بغشيان النار لها، لكونها أعز موضع في البدن وأشرفه.
وقوله- سبحانه- لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ... متعلق بمحذوف، والتقدير:
فعل ما فعل- سبحانه- من إثابة المؤمنين، ومعاقبة المجرمين، ليجازى كل نفس بما تستحقه من خير أو شر، دون أن يظلم ربك أحدا.
وقوله إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أى: إنه- سبحانه- سريع المحاسبة لعباده، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، بل جميع الخلق بالنسبة لقدرته كالنفس الواحدة.
قال- تعالى- ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.. «١» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى- هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
واسم الإشارة «هذا» يعود إلى ما أنزله الله- تعالى- من قرآن في هذه السورة وفي غيرها. و «بلاغ» مصدر بمعنى التبليغ.
والإنذار: التخويف من سوء عاقبة ارتكاب الشرور والآثام.
والألباب: جمع لب وهو الخالص من كل شيء، والمراد بها العقول.
أى: هذا القرآن الكريم الذي أنزلناه عليك يا محمد، فيه التبليغ الكافي لهداية الناس، وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق والعصيان، وفيه ما يجعلهم يعلمون عن طريق توجيهاته وهداياته ودلائله، أن الله- تعالى- واحد لا شريك له، وفيه ما يجعل أصحاب العقول السليمة يتعظون ويعتبرون، فيترتب على ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وخص- سبحانه- بالتذكر أولى الألباب، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية القرآن الكريم، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل.
وقد رتب- سبحانه- في هذه الآية الكريمة، وسائل الدعوة إلى الحق ترتيبا عقليا حكيما، فبدأ بالصفة العامة وهي التبليغ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من إنذار وتخويف، ثم ثلث بما ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله- تعالى-، ثم ختم بالثناء على أصحاب العقول السليمة
стр. 3294
الذين ينتفعون بما يسمعون وبما يبصرون.
قال الإمام الرازي: «هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان، ولا منقبة له، إلا بسبب عقله، لأنه- تعالى- بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث الرسل، لتذكير أولى الألباب ... » «١» .
وبعد: فهذه سورة إبراهيم- ﵇ وهذا تفسير لها.
أسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وشفيعا لنا يوم نلقاه- تعالى-.
كما أسأله- أن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه الكريم، ونافعة لعباده والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، د. محمد سيد طنطاوى
стр. 3295
فهرس إجمالى لتفسير سورة يونس- ﵇ -
رقم الآية/ الآية المفسرة/ رقم الصفحة المقدمة والتمهيد ٥- ٧ ١ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ١٢ ٢ أكان للناس عجبا ١٥ ٣ إن ربكم الله الذي خلق ٢٠ ٤ إليه مرجعكم جميعا ٢٣ ٥ هو الذي جعل الشمس ضياء ٢٥ ٦ إن في اختلاف الليل والنهار ٢٧ ٧ إن الذين لا يرجون لقاءنا ٢٨ ٨ أولئك مأواهم النار ٢٩ ٩ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ٢٩ ١٠ دعواهم فيها سبحانك ٣٠ ١١ ولو يعجل الله للناس الشر ٣٢ ١٢ وإذا مس الإنسان ٣٥ ١٣ ولقد أهلكنا القرون ٣٧ ١٤ ثم جعلناكم خلائف ٣٨ ١٥ وإذا تتلى عليهم ٣٩ ١٦ قل لو شاء الله ٤٠ ١٧ فمن أظلم ممن افترى ٤٢ ١٨ ويعبدون من دون الله ٤٢ ١٩ وما كان الناس إلا أمة ٤٤ ٢٠ ويقولون لولا أنزل ٤٦ ٢١ وإذا أذقنا الناس ٤٧ ٢٢ هو الذي يسيركم في البر والبحر ٤٩