← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ثم بين- سبحانه- نماذج لمن شملتهم رحمته لإيمانهم وعملهم الصالح، ولمن شملتهم نقمته لكفرهم وعملهم الطالح، ومن هذه النماذج تبشيره لإبراهيم- وهو شيخ كبير- بغلام عليم، وإنجاؤه لوطا ومن آمن معه من العذاب المهين، وإهلاكه المجرمين من قومه.. قال- تعالى-: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٩ الى ٦٠] نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) والخطاب في قوله- تعالى-: نَبِّئْ عِبادِي.. للرسول ﷺ والنبأ: الخبر العظيم. والمراد «بعبادي» : المؤمنون منهم، والإضافة للتشريف. أى: أخبر- أيها الرسول الكريم- عبادي المؤمنين أنى أنا الله- تعالى- الكثير المغفرة لذنوبهم، الواسع الرحمة لمسيئهم، وأخبرهم- أيضا- أن عذابي هو العذاب الشديد

стр. 3362

الإيلام، فعليهم أن يقدموا القول الطيب، والعمل الصالح، لكي يظفروا بمغفرتى ورحمتي، وينجو من عذابي ونقمتي. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد جمع في هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب، وبين الرحمة والانتقام، وبين الوعد والوعيد، لبيان سنته- سبحانه- في خلقه، ولكي يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، ولا يقصر في أداء ما كلفه- سبحانه- به. وقدم- سبحانه- نبأ الغفران والرحمة، على نبأ العذاب والانتقام، جريا على الأصل الذي ارتضته مشيئته، وهو أن رحمته سبقت غضبه، ومغفرته سبقت انتقامه. والضمير «أنا» و «هو» في الآيتين الكريمتين، للفصل: لإفادة تأكيد الخبر. قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي الآيتين لطائف: إحداها: أنه أضاف- سبحانه- العباد إلى نفسه بقوله عِبادِي وهذا تشريف عظيم لهم ... وثانيها. أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله أَنِّي وثانيها قوله أَنَا، وثالثها. إدخال حرف الألف واللام على قوله الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولما ذكر العذاب لم يقل: إنى أنا المعذب، بل قال وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ. وثالثها: أنه أمر رسوله ﷺ أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهده على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. ورابعها: أنه لما قال نَبِّئْ عِبادِي كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتى، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع. فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله- تعالى-» «١» . وقال الآلوسى: وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إن الله- تعالى- خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذي عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله- تعالى- من العذاب، لم يأمن من النار» .

стр. 3363

وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال في الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله- تعالى- لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه» «١» . وقوله- سبحانه- وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ... معطوف على قوله قبل ذلك نَبِّئْ عِبادِي.... قال الجمل: وأصل الضيف: الميل، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه. والضيف من مال إليك نزولا بك، وصارت الضيافة متعارفة في القرى وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في غالب كلامهم. وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف ... «٢» . والمراد بضيف إبراهيم هنا: الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفا في صورة بشرية، وبشروه بغلام عليم، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإهلاكهم ... ثم فصل- سبحانه- ما دار بين إبراهيم وضيوفه فقال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً ... والظرف «إذ» منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر. أى: ونبئهم- أيضا- أيها الرسول الكريم- عن ضيف إبراهيم، وقت أن دخلوا عليه، فقالوا له على سبيل الدعاء أو التحية سَلاماً أى: سلمت سلاما. أو سلمنا سلاما. فلفظ «سلاما» منصوب بفعل محذوف. وقوله- سبحانه- قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ بيان لما رد به إبراهيم- ﵇ على الملائكة. و «وجلون» جمع وجل، والوجل: اضطراب يعترى النفس لتوقع حدوث مكروه. يقال: وجل الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف. أى: قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه وبادروه بالتحية إنا منكم خائفون. وقال «إنا منكم ... » بصيغة الجمع، لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو، واعترى أهله معه.

стр. 3364

وكان من أسباب خوفه منهم، أنهم دخلوا عليه بدون إذن، وفي غير وقت الزيارة وبدون معرفة سابقة لهم، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذي قدمه إليهم.. هذا، وقد ذكر- سبحانه- في سورة الذاريات أنه رد ﵈ فقال- تعالى- هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ «١» . كما بين- سبحانه- في سورة هود أن من أسباب خوفه منهم، عدم أكلهم من طعامه. قال- تعالى-: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ... «٢» . أى خاف إبراهيم لما رأى أيدى الضيف لا تصل إلى طعامه. ثم حكى- سبحانه- ما قالته الملائكة لإدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال- تعالى-: قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. أى: قالت الملائكة لإبراهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور على قلبه: لا تخف منا يا إبراهيم، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذي علم كثير بشريعة الله- تعالى- وبأوامره ونواهيه، وهو إسحاق- ﵇. وجملة «إنا نبشرك..» مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل. وقد حكى- سبحانه- هنا أن البشارة كانت له، وفي سورة هود أن البشارة كانت لامرأته، ومعنى ذلك أنها كانت لهما معا، إما في وقت واحد، وإما في وقتين متقاربين بأن بشروه هو أولا، ثم جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضا، ويشهد لذلك قوله- تعالى- وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ... «٣» . ثم حكى- سبحانه- ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم، فقال- تعالى- قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ. والاستفهام للتعجب. كأنه عجب من أن يرزقه الله- تعالى- بغلام عليم بعد أن مسه الكبر، وبلغ سن الشيخوخة. و «على» بمعنى مع، والمس: اتصال شيء بآخر على وجه الإحساس والإصابة.

стр. 3365

أى: قال إبراهيم للملائكة، بعد أن بشروه بالولد، أبشرتمونى بذلك مع أن الكبر قد أصابنى، والشيخوخة قد اعترتني فبأى شيء عجيب قد بشرتموني. وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله- تعالى- ونفاذ أمره، حيث وهبه هذا الغلام في تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته، والتي جرت العادة أن لا يكون معها إنجاب الأولاد. وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم في قوله- تعالى- قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ.. «١» . قال الإمام الرازي ما ملخصه: والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة ... وهناك جواب آخر، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره، ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى، طلبا للالتذاذ بسماعها ... » «٢» . وقوله- سبحانه- قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ. أى: قال الملائكة لإبراهيم لزيادة اطمئنانه، ولتأكيد بشارته بالغلام العليم: يا إبراهيم إنا بشرناك بالأمر المحقق الوقوع، وباليقين الذي لا خلف معه، وهو أن الله- تعالى- سيهبك الولد مع تقدم سنك وسن زوجك، فلا تكن من الآيسين من رحمة الله- تعالى- فإن قدرته- لا يعجزها شيء. وهنا دفع إبراهيم- ﵇ عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله. فقال على سبيل الإنكار والنفي وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ أى: أنا ليس بي قنوط أو يأس من رحمة الله، لأنه لا ييأس من رحمة الله- تعالى- إلا القوم الضالون عن طريق الحق والصواب، الذين لا يعرفون سعة رحمته- تعالى- ونفاذ قدرته، ولكن هذه البشارة العظيمة- مع تقدم سنى وسن زوجي- هي التي جعلتني- من شدة الفرح والسرور- أعجب من كمال قدرة الله- تعالى-، ومن جزيل عطائه، ومن سابغ مننه، حيث رزقني الولد في هذه السن التي جرت العادة بأن لا يكون معها إنجاب أو ولادة.

стр. 3366

ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة، بعد أن اطمأن إليهم، فقال: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ. والخطب: مصدر خطب يخطب، ومنه قولهم: هذا خطب يسير، وخطب جلل، وجمعه خطوب، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ويخطب له. أى: قال إبراهيم- ﵇ للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن سبب مجيئهم: فما شأنكم الخطير الذي من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة. وكأنه قد فهم أن مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة، بل من وراء البشارة أمر آخر جاءوا من أجله. وهنا بادره الملائكة بقولهم- كما حكى القرآن عنهم- قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. أى: قالوا له إنا أرسلنا- بأمر الله- تعالى- إلى قوم شأنهم الإجرام، ودأبهم الفجور، والمراد بهم قوم لوط- ﵇ وكانوا يسكنون مدينة «سدوم» بمنطقة وادي الأردن وقوله إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل الملائكة لإهلاكهم. والمراد بآل لوط: أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه. ولم يشاركوا قومهم في كفرهم وشذوذهم. أى: إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: قوله- تعالى- إِلَّا آلَ لُوطٍ استثناء متصل أم منقطع؟ قلت: لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعا، لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثناء من الضمير في مُجْرِمِينَ فيكون متصلا، كأنه قيل: قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال: فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت: نعم، وذلك أن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا ... كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم.

стр. 3367

وأما في المتصل، فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء، وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأول» «١» ... وقوله- سبحانه- إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ استثناء من الضمير في لَمُنَجُّوهُمْ، إخراجا لها من التنجية. أى: إلا امرأة لوط- ﵇ فليست ممن سننجيه، بل هي ممن سنهلكه مع القوم المجرمين. ومعنى (قدرنا) : قضينا وحكمنا. والغابر: الباقي. يقال غبر الشيء غبورا إذا بقي وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضرع. وقد يستعمل في الماضي فيكون هذا اللفظ من الأضداد. ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا ... مع أنه فعل الله- تعالى- لما لهم من الزلفى عنده- سبحانه-، ولأنهم ما أرسلوا لإهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره. قال الآلوسى ما ملخصه: والظاهر أن قوله- تعالى- إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا ... من كلام الملائكة، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم- وهو فعل الله- سبحانه- لما لهم من القرب والاختصاص، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان: أمرنا بكذا.. والآمر في الحقيقة هو السلطان. وقيل- ولا يخفى بعده-: هو من كلام الله- تعالى- فلا يحتاج إلى تأويل، وكذا لا يحتاج إلى تأويل إذا أريد بالتقدير العلم. قال بعض العلماء: وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء، لأنه- تعالى- استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ «٢» . وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم، ما دار بين إبراهيم وبين

стр. 3368

الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم، وإخباره بإهلاك القوم المجرمين، وهم قوم لوط- ﵇.. ثم حكت السورة بعد ذلك ما دار بينهم وبين لوط- ﵇ بعد أن جاءوا إليه، وما دار بين لوط- ﵇ وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات، وما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها.. فقال- تعالى-: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦١ الى ٧٤] فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) قال الآلوسى: وقوله- تعالى-: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ شروع في بيان إهلاك المجرمين، وتنجية آل لوط. ووضع الظاهر موضع الضمير، للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق

стр. 3369

ما أرسلوا به من ذلك «١» . والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يفهم من السياق، والتقدير: وخرج الملائكة من عند إبراهيم- بعد أن بشروه بغلامه، وبعد أن أخبروه بوجهتهم- فاتجهوا إلى المدينة التي يسكنها لوط- ﵇ وقومه. فلما دخلوا عليه قال لهم: «إنكم قوم منكرون» . أى: إنكم قوم غير معروفين لي، لأنى لم يسبق لي أن رأيتكم، ولا أدرى من أى الأقوام أنتم، ولا أعرف الغرض الذي من أجله أتيتم، وإن نفسي ليساورها الخوف والقلق من وجودكم عندي ... ويبدو أن لوطا- ﵇ قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس، لأنه يعرف شذوذ المجرمين من قومه، ويخشى أن يعلموا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه الجميلة عنده، فيعتدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم ... وقد صرح القرآن الكريم بهذا الضيق النفسي، الذي اعترى لوطا بسبب وجود هؤلاء الضيوف عنده، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً، وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ «٢» . وقال- سبحانه-: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ مع أن المجيء كان للوط- ﵇ والخطاب كان معه، تشريفا وتكريما للمؤمنين من قوم لوط، فكأنهم كانوا حاضرين ومشاهدين لوجود الملائكة بينهم، ولما دار بينهم وبين لوط- ﵇. وقوله- سبحانه-: قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ. حكاية لما رد به الملائكة على لوط، لكي يزيلوا ضيقه بهم، وكراهيته لوجودهم عنده. وقوله يَمْتَرُونَ من الامتراء، وهو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق. وهو- كما يقول الإمام الفخر الرازي- مأخوذ من قول العرب: مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء، كاللبن الذي يجتذب عند الحلب. يقال: قد مارى فلان فلانا، إذا جادله كأنه يستخرج غضبه» «٣» .

стр. 3370

أى: قال الملائكة للوط لإدخال الطمأنينة على نفسه: يا لوط نحن ما جئنا لإزعاجك أو إساءتك، وإنما جئناك بأمر كان المجرمون من قومك، يشكون في وقوعه، وهو العذاب الذي كنت تحذرهم منه إذا ما استمروا في كفرهم وفجورهم ... وإنا ما أتيناك إلا بالأمر الثابت المحقق الذي لا مرية فيه ولا تردد، وهو إهلاك هؤلاء المجرمين من قومك، وإنا لصادقون في كل ما قلناه لك، وأخبرناك به، فكن آمنا مطمئنا. فالإضراب في قوله قالُوا بَلْ جِئْناكَ ... إنما هو لإزالة ما وقر في قلب لوط- ﵇ تجاه الملائكة من وساوس وهواجس. فكأنهم قالوا له: نحن ما جئناك بشيء تكرهه أو تخافه.. وإنما جئناك بما يسرك ويشفى غليلك من هؤلاء القوم المنكوسين. وعبر عن العذاب بقوله بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ زيادة في إدخال الأنس على نفسه وتحقيقا لوقوع العذاب بهم. وقوله وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ تأكيد على تأكيد. وهذه التأكيدات المتعددة والمتنوعة تشعر بأن لوطا- ﵇ كان في غاية الهم والكرب لمجيء الملائكة إليه بهذه الصورة التي تغرى المجرمين بهم دون أن يملك حمايتهم أو الدفاع عنهم. لذا كانت هذه التأكيدات من الملائكة له في أسمى درجات البلاغة، حتى يزول خوفه، ويزداد اطمئنانه إليهم، قبل أن يخبروه بما أمرهم الله- تعالى- بإخباره به، وهو قوله- تعالى- فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ. قال القرطبي: قوله فَأَسْرِ.. قرئ فاسر وقرئ فأسر، بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال- تعالى- وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ.. وقال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ... وقيل: فأسر تقال لمن سار من أول الليل.. وسرى لمن سار في آخره، ولا يقال في النهار إلا سار» «١» .

стр. 3371

وقوله بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ.. أى: بجزء من الليل. والمراد به الجزء الأخير منه. أى: قال الملائكة للوط- ﵇ بعد أن أزالوا خوفه منه: يا لوط إنا نأمرك- بإذن الله تعالى- أن تخرج من هذه المدينة التي تسكنها مع قومك وأن يخرج معك أتباعك المؤمنون، وليكن خروجكم في الجزء الأخير من الليل. وقوله وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أى: وكن وراءهم لتطلع عليهم وعلى أحوالهم. قال الإمام ابن كثير: يذكر الله- تعالى- عن الملائكة أنهم أمروا لوطا أن يسرى بأهله بعد مضى جانب من الليل، وأن يكون لوط- ﵇ يمشى وراءهم ليكون أحفظ لهم. وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشى في الغزاة يزجى الضعيف، ويحمل المنقطع «١» . وقوله وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أى: ولا يلتفت منكم أحد أيها المؤمنون- خلفه، حتى لا يرى العذاب المروع النازل بالمجرمين. وإنما أمرهم- سبحانه- بعدم الالتفات إلى الخلف، لأن من عادة التارك لوطنه، أن يلتفت إليه عند مغادرته، كأنه يودعه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت: قد بعث الله الهلاك على قوم لوط، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله، وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به. ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا له، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة، ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم، كالذي يتحسر على مفارقة وطنه ... أو جعل النهى عن الالتفات، كناية عن مواصلة السير، وترك التواني والتوقف، لأن من يتلفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة» «٢» .

стр. 3372

وقوله وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ إرشاد من الملائكة للوط- ﵇ إلى الجهة التي أمره الله- تعالى- بالتوجه إليها. أى: وامضوا في سيركم إلى الجهة التي أمركم الله- تعالى- بالسير إليها، مبتعدين عن ديار القوم المجرمين، تصحبكم رعاية الله وحمايته. قيل: أمروا بالتوجه إلى بلاد الشام، وقيل إلى الأردن، وقيل إلى مصر. ولم يرد حديث صحيح يحدد الجهة التي أمروا بالتوجه إليها، ولكن الذي نعتقده أنهم ذهبوا بأمر الله- تعالى- إلى مكان آخر، أهله لم يعملوا ما كان يعمله العادون من قوم لوط- ﵇. وقوله- سبحانه- وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ بيان لجانب آخر من جوانب الرعاية والتكريم للوط- ﵇. وعدى «قضينا» بإلى، لتضمنه معنى أوحينا. والمراد بذلك الأمر: إهلاك الكافرين من قوم لوط- ﵇. وجملة أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ مفسرة ومبينة لذلك الأمر. وعبر عن عذابهم وإهلاكهم بالإبهام أولا. ثم بالتفسير والتوضيح ثانيا، للإشعار بأنه عذاب هائل شديد. ودابرهم: أى آخرهم الذي يدبرهم. يقال: فلان دبر القوم يدبرهم دبورا إذا كان آخرهم في المجيء. والمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب استئصالا. وقوله مُصْبِحِينَ أى: داخلين في الصباح، مأخوذ من أصبح التامة، وصيغة أفعل تأتى للدخول في الشيء، نحو أنجد وأتهم، أى دخل في بلاد نجد وفي بلاد تهامة، وهو حال من اسم الإشارة هؤلاء، والعامل فيه معنى الإضافة. والمعنى: وقضينا الأمر بإبادتهم، وأوحينا إلى نبينا لوط- ﵇ أن آخر هؤلاء المجرمين مقطوع ومستأصل ومهلك مع دخول وقت الصباح. وفي هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن العذاب سيمحقهم جميعا، بحيث لا يبقى منهم أحدا، لا من كبيرهم ولا من صغيرهم، ولا من أولهم ولا من آخرهم. ثم حكى- سبحانه- ما حدث من القوم المجرمين، بعد أن تسامعوا بأن في بيت لوط

стр. 3373

- ﵇ شبانا فيهم جمال ووضاءة فقال- تعالى- وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ. والمراد بأهل المدينة: أهل مدينة سدوم التي كان يسكنها لوط وقومه. ويستبشرون: أى يبشر بعضهم بعضا بأن هناك شبانا في بيت لوط- ﵇، من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور. وهذا التعبير الذي صورته الآية الكريمة، يدل دلالة واضحة على أن القوم قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء ... إنهم لا يأتون لارتكاب المنكر فردا أو أفرادا، وإنما يأتون جميعا- أهل المدينة- وفي فرح وسرور، وفي الجهر والعلانية، لا في السر والخفاء ... ولأى غرض يأتون؟ إنهم يأتون لارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين. وهكذا النفوس عند ما ترتكس وتنتكس، تصل في مجاهرتها بإتيان الفواحش، إلى ما لم تصل إليه بعض الحيوانات ... ويقف لوط- ﵇ أمام شذوذ قومه مغيظا مكروبا، يحاول أن يدفع عن ضيفه شرورهم، كما يحاول أن يحرك فيهم ذرة من الآدمية فيقول لهم: إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ. وتفضحون: من الفضح والفضيحة. يقال فضح فلان فلانا فضحا وفضيحة، إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه. أى: قال لوط- ﵇ لمن جاءوا يهرعون إليه من قومه لارتكاب الفاحشة مع ضيوفه: يا قوم إن هؤلاء الموجودين عندي ضيوفى الذين يلزمني حمايتهم، فابتعدوا عن دارى وعودوا إلى دياركم، ولا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فأهون في نظرهم، لعجزى عن حمايتهم، وأنتم تعلمون أن كرامة الضيف جزء من كرامة مضيفه ... وعبر لوط- ﵇ عن الملائكة بالضيف لأنه لم يكن قد علم أنهم ملائكة ولأنهم قد جاءوا إليه في هيئة الآدميين. ثم أضاف لوط- ﵇ إلى رجاء قومه رجاء آخر، حيث ذكرهم بتقوى الله فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ. أى: واتقوا الله وصونوا أنفسكم عن عذابه وغضبه، ولا تخزون مع ضيفي، وتذلونى وتهينونى أمامهم.

стр. 3374

يقال: خزي الرجل يخزى خزيا وخزي، إذا وقع في مصيبة فذل لذلك. ولكن هذه النصائح الحكيمة من لوط- ﵇ لقومه، لم تجد أذنا صاغية، بل قابلوها بسوء الأدب معه، وبالتطاول عليه، شأن الطغاة الفجرة قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ. والاستفهام للإنكار. والواو للعطف على محذوف، والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله- تعالى- والمراد بالعالمين هنا: الرجال الذين كانوا يأتون معهم الفاحشة من دون النساء. أى: قال قوم لوط له بوقاحة وسوء أدب. أو لم يسبق لنا يا لوط أننا نهيناك عن أن تحول بيننا وبين من نريد ارتكاب الفاحشة معه من الرجال، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ساغ لك بعد هذا النهى أن تمنعنا عما نريده من ضيوفك وأنت تعلم ما نريده منهم؟ ولكن لوطا- ﵇ مع شناعة قولهم هذا، لم ييأس من محاولة منعهم عما يريدونه من ضيوفه، فأخذ يرشدهم إلى ما تدعو إليه الفطرة السليمة فقال: هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ. والمراد ببناته هنا: زوجاتهم ونساؤهم اللائي يصلحن للزواج. وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أب لأمته من حيث الشفقة والرعاية وحسن التربية. قال ابن كثير ما ملخصه: يرشد لوطا- ﵇ قومه إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال- تعالى- في آية أخرى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ «١» . وقيل المراد ببناته هنا: بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن. ويضعف هذا الرأى أن لوطا- ﵇ كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء في بعض الروايات، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا، كما يرشد إليه قوله- تعالى- وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج بهن؟ قال الإمام الرازي في ترجيح الرأى الأول ما ملخصه: «وهذا القول عندي هو المختار، ويدل عليه وجوه منها: أنه قال هؤلاء بناتي.. وبناته اللاتي من صلبه لا تكفى هذا الجمع العظيم، أما نساء أمته ففيهم كفاية للكل، ومنها: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما:

стр. 3375

«زنتا وزاعورا» وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة» «١» . والمعنى: أن لوطا- ﵇ لما رأى هيجان قومه، وإصرارهم على ارتكاب الفاحشة مع ضيوفه، قال لهم على سبيل الإرشاد إلى ما يشبع الفطرة السليمة: يا قوم هؤلاء نساؤكم اللائي هن بمنزلة بناتي، فاقضوا معهن شهوتكم إن كنتم فاعلين لما أرشدكم إليه من توجيهات وآداب. وعبر بإن في قوله إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لشكه في استجابتهم لما يدعوهم إليه فكأنه يقول لهم: إن كنتم فاعلين لما أطلبه منكم، وما أظنكم تفعلونه لانتكاس فطرتكم، وانقلاب أمزجتكم.. وجواب الشرط محذوف، أى: إن كنتم فاعلين ما أرشدكم إليه فهو خير لكم. وقوله- سبحانه-: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يرى جمهور المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط- ﵇ مع قومه، لبيان أن الموعظة لا تجدى مع القوم الغاوين، ولتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من سفهاء قومه. فالخطاب فيه للنبي ﷺ واللام في «لعمرك» لام القسم، والمقسم به حياته ﷺ والعمر- بفتح العين- لغة في العمر- بضمها، ومعناهما: مدة حياة الإنسان وبقائه في هذه الدنيا، إلا أنهم ألزموا مفتوح العين في القسم، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمي أو يمينى. والسكرة: ذهاب العقل، مأخوذة من السكر- بفتح السين وإسكان الكاف- وهو السد والإغلاق. وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإزالتهما الرشد والهداية عن عقل الإنسان ويَعْمَهُونَ من العمه بمعنى التحير والتردد في الأمر. وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر. يقال: عمه فلان- كفرح- عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه- كركع- والمعنى: بحق حياتك- أيها الرسول الكريم- إن هؤلاء المكذبين لك، لفي غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون، شأنهم في ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح، وغيرهم من المتكبرين في الأرض بغير الحق..

стр. 3376

قال الآلوسى: وقوله لَعَمْرُكَ قسم من الله- تعالى- بعمر نبينا ﷺ على ما عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقي في الدلائل، وأبو نعيم وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: ما خلق الله- تعالى- وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله- تعالى- أقسم بحياة أحد غيره، قال- تعالى-: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط- ﵇، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول، أى. قالت الملائكة للوط- ﵇ لعمرك.. وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدا له وقرينة عليه..» «١» . ثم ختم- سبحانه- القصة ببيان النهاية الأليمة لهؤلاء المفسدين من قوم لوط فقال- تعالى- فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. والصيحة: من الصياح وهو الصوت الشديد. يقال: صاح فلان إذا رفع صوته بشدة. وأصل ذلك تشقيق الصوت من قولهم: انصاح الخشب أو الثوب، إذا انشق فسمع منه صوت. قالوا: وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة. مُشْرِقِينَ: اسم فاعل من أشرقوا إذا دخلوا في وقت شروق الشمس، أى: أن الله- تعالى- بعد أن أخبر لوطا- ﵇ بإهلاك قومه، وأمره عن طريق الملائكة- بالخروج ومعه المؤمنون من هذه المدينة.. جاءت الصيحة الهائلة من السماء فأهلكتهم جميعا وهم داخلون في وقت شروق الشمس. وقال- سبحانه- قبل ذلك: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وقال هنا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ للإشارة إلى أن ابتداء عذابهم كان عند الصباح وانتهاءه باستئصال شأفتهم كان مع وقت الشروق. والضمير في قوله عالِيَها سافِلَها يعود إلى المدينة التي كان يسكنها المجرمون من قوم لوط. أى: فجعلنا بقدرتنا عالى هذه المدينة سافلها، بأن قلبناها قلبا كاملا وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أى على هؤلاء المجرمين من قوم لوط حِجارَةً كائنة مِنْ سِجِّيلٍ أى من طين متحجر. فهلكوا جميعا.

стр. 3377

وهكذا أخذ الله- تعالى- هؤلاء المجرمين أخذ عزيز مقتدر، حيث أهلكهم بهذه العقوبة التي تتناسب مع جريمتهم، فهم قلبوا الأوضاع، فأتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها، فانتقم الله- تعالى- منهم بهذه العقوبة التي جعلت أعلى مساكنهم أسفلها. ثم ساقت السورة الكريمة بعض العبر والعظات التي يهتدى بها العقلاء من قصتي إبراهيم ولوط- ﵉ كما ساقت بعد ذلك جانبا من قصتي شعيب وصالح- ﵉ فقال- تعالى-: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٥ الى ٨٤] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) فاسم الإشارة في قوله- سبحانه- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ يعود إلى ما تضمنته القصة السابقة من عبر وعظات. والآيات جمع آية، والمراد بها هنا الأدلة والعلامات الدالة على ما يوصل إلى الحق والهداية. والمتوسمون: جمع المتوسم، وهو المتأمل في الأسباب وعواقبها، وفي المقدمات ونتائجها.. قال القرطبي ما ملخصه: التوسم تفعل من الوسم، وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيره. يقال: توسمت في فلان الخير، إذا رأيت ميسم ذلك فيه، ومنه قول عبد الله ابن رواحة للنبي ﷺ . إنى توسمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أنى ثابت البصر

стр. 3378

وأصل التوسم: التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره.. وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر، وتطهير القلب من أدناس المعاصي. والمراد بالمتوسمين: المتفرسين، أو المتفكرين، أو المعتبرين، أو المتبصرين.. والمعنى متقارب..» «١» . والمعنى: إن في ذلك الذي سقناه في قصتي إبراهيم ولوط- ﵉ لأدلة واضحة على حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الغاوين، لمن كان ذا فكر سليم، وبصيرة نافذة تتأمل في حقائق الأشياء، وتتعرف على ما يوصلها إلى الهداية والطريق القويم. قال بعض العلماء عند تفسيره لهذه الآية: هذه الآية أصل في الفراسة. أخرج الترمذي من حديث أبى سعيد مرفوعا: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ ﷺ هذه الآية ... وقد أجاد الكلام في الفراسة، الراغب الأصفهاني في كتابه «الذريعة» حيث قال في الباب السابع: وأما الفراسة فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله، على أخلاقه وفضائله ورذائله ... وقد نبه- سبحانه- على صدقها بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وبقوله تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً «٢» . وبقوله وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ «٣» . ولفظها مأخوذ من قولهم «فرس السبع الشاه» فكأن الفراسة اختلاس المعارف «٤» . وفي هذه الآية الكريمة تعريض لمن تمر عليهم العبر والعظات. والأدلة الدالة على وحدانية الله- تعالى-، وكمال قدرته ... فلا يعتبرون ولا يتعظون ولا يتفكرون فيها، لانطماس بصيرتهم، واستيلاء الأهواء والشهوات على نفوسهم، كما قال- تعالى- وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ

стр. 3379

فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ، إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ «١» . والضمير في قوله- سبحانه- وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ يعود إلى المدينة أو القرى التي كان يسكنها قوم لوط- ﵇. أى: وإن هذه المساكن التي كان يسكنها هؤلاء المجرمون، لبطريق ثابت واضح يسلكه الناس، ويراه كل مجتاز له وهو في سفره من الحجاز إلى الشام، كما قال- تعالى- وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ «٢» . والمقصود تذكير كفار قريش وغيرهم بعاقبة الظالمين، حتى يقلعوا عن كفرهم وجحودهم، وحتى يعتبروا ويتعظوا، ويدخلوا مع الداخلين في دين الإسلام. وقوله- سبحانه-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ تذييل قصد به التعميم بعد التخصيص، لأن اسم الإشارة هنا يعود إلى جميع ما تقدم من قصتي إبراهيم ولوط- ﵉ وإلى ما انضم إليهما من التذكير بآثار الأقوام المهلكين. أى: إن فيما ذكرناه فيما سبق من أدلة واضحة على حسن عاقبة المتقين، وسوء نهاية الظالمين، لعبرة واضحة، وحكمة بالغة، للمؤمنين الصادقين. وخصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالأدلة والعظات، وللتنبيه على أن التفرس في الأمور لمعرفة أسبابها ونتائجها من صفاتهم وحدهم. وجمع الآيات قبل ذلك في قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وأفردها هنا فقال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ للأشعار بأن المؤمنين الصادقين تكفى لهدايتهم، ولزيادة إيمانهم، آية واحدة من الآيات. الدالة على أن دين الإسلام هو الدين الحق، وفي ذلك ما فيه من الثناء عليهم، والمدح لهم، بصدق الإيمان، وسلامة اليقين ... ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة أصحاب الأيكة لزيادة العظات والعبر، فقال- تعالى-: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ وإِنْ هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف. وأصحاب الأيكة، هم قوم شعيب- ﵇، والأيك الشجر الكثير الملتف واحدته أيكة- كتمر وتمره-.

стр. 3380

والمراد بها البقعة الكثيرة الأشجار التي كانت فيها مساكنهم، قرب مدين قرية شعيب- ﵇. وجمهور العلماء على أن أهل مدين وأصحاب الأيكة قبيلة واحدة، وأرسل الله- تعالى- إليهم جميعا شعيبا- ﵇ لأمرهم بإخلاص العبادة لله- تعالى-، ونهيهم عن تطفيف الكبل والميزان، وعن قطع الطريق ... وكانوا جميعا يسكنون في المنطقة التي تسمى بمعّان، على حدود الحجاز والشام، أو أن بعضهم كان يسكن الحاضرة وهم أهل مدين، والبعض الآخر كان يسكن في البوادي المجاورة لها والمليئة بالأشجار. وقيل: إن شعيبا- ﵇ أرسل إلى أمتين: أهل مدين، وأصحاب الأيكة، وهذه خصوصية له- ﵇. وعلى أية حال فالعلماء متفقون على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب- ﵇. والإمام: الطريق الواضح المعالم. وسمى الطريق إماما لأن المسافر يأتم به، ويهتدى بمسالكه، حتى يصل إلى الموضع الذي يريده. والمعنى: وإن الشأن والحال أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين متجاوزين لكل حد، فاقتضت عدالتنا أن ننتقم منهم، بسبب كفرهم وفجورهم. وَإِنَّهُما أى مساكن قوم لوط، ومساكن قوم شعيب لَبِإِمامٍ مُبِينٍ أى: لبطريق واضح يأتم به أهل مكة في سفرهم من بلادهم إلى بلاد الشام. قال ابن كثير: وقد كانوا- أى أصحاب الأيكة- قريبا من قوم لوط، بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في إنذاره لهم وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «١» . ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم بجانب من قصة صالح- ﵇ مع قومه. فقال- تعالى- وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ... وأصحاب الحجر: هم ثمود قوم صالح- ﵇. والحجر: واد بين الشام والمدينة المنورة، كان قوم صالح يسكنونه. والحجر في الأصل:

стр. 3381

كل مكان أحاطت به الحجارة، أو كل مكان محجور أى ممنوع من الناس بسبب اختصاص بعضهم به. وما زال هذا المكان يعرف إلى الآن باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف بالسورة الكريمة. وقال- سبحانه-: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولهم- ﵇، لأن تكذيب رسول واحد، تكذيب لجميع الرسل، حيث إن رسالتهم واحدة، وهي الأمر بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، والنهى عن الرذائل والمفاسد. ثم بين- سبحانه- مظاهر هذا التكذيب لرسولهم- ﵇ فقال: وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. أى: وأعطينا قوم صالح- ﵇ آياتنا الدالة على صدقه وعلى أنه رسول من عندنا، والتي من بينها الناقة التي أخرجها الله- تعالى- لهم ببركة دعاء نبيهم فَكانُوا عَنْها أى عن هذه الآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا مُعْرِضِينَ لا يلتفتون إليها، ولا يفكرون فيها، ولهذا عقروا الناقة وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر حضارتهم وتحصنهم في بيوتهم المنحوتة في الجبال فقال- تعالى- وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ. وينحتون: من النحت وهو برى الحجر من وسطه أو جوانبه، لإعداده للبناء أو للسكن أى: وكانوا لقوتهم وغناهم يتخذون لأنفسهم بيوتا في بطون الجبال وهم آمنون مطمئنون، أو يقطعون الصخر منها ليتخذوه بيوتا لهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ «١» ، أى: حاذقين في نحتها. وقوله- تعالى- وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً «٢» . قال ابن كثير: ذكر- تعالى- أنهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ أى: من

стр. 3382

غير خوف ولا احتياج إليها، بل بطرا وعبثا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر، الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه- أى غطاها بثوبه- وأسرع دابته، وقال لأصحابه: «لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم» «١» . ولكن ماذا كانت نتيجة هذه القوة الغاشمة، والثراء الذي ليس معه شكر لله- تعالى- والإصرار على الكفر والتكذيب لرسل الله- تعالى-، والإعراض عن الحق ... ؟ لقد بين القرآن عاقبة ذلك فقال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ. فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ. أى: فكانت نتيجة تكذيب أصحاب الحجر لرسولهم صالح- ﵇ أن أهلكهم الله- تعالى- وهم داخلون في وقت الصباح، عن طريق الصيحة الهائلة، التي جعلتهم في ديارهم جاثمين، دون أن يغنى عنهم شيئا ما كانوا يكسبونه من جمع الأموال، وما كانوا يصنعونه من نحت البيوت في الجبال. وهكذا نرى أن كل وقاية ضائعة، وكل أمان ذاهب، وكل تحصن زائل أمام عذاب الله المسلط على أعدائه المجرمين. وهكذا تنتهي تلك الحلقات المتصلة من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم والتي تتفق جميعها في بيان سنة من سنن الله- تعالى- في خلقه، وهي أن النجاة والسعادة والنصر للمؤمنين، والهلاك والشقاء والهزيمة للمكذبين. ثم ختمت السورة الكريمة ببيان كمال قدرة الله- تعالى-، وببيان جانب من النعم التي منحها- سبحانه- لنبيه ﷺ ، وبتهديد المشركين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين جعلوا مع الله إلها آخر، وبتسليته ﷺ عما لحقه منهم من أذى، فقال- تعالى-: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٥ الى ٩٩] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)

стр. 3383

فقوله- سبحانه- وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ توجيه للناس إلى التأمل في مظاهر قدرة الله- تعالى-، وإلى الحق الأكبر الذي قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين- سبحانه- قبل ذلك، سنته التي لا تتخلف، وهي أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير للمكذبين. والحق: هو الأمر الثابت الذي تقتضيه عدالة الله- تعالى- وحكمته. والباء فيه للملابسة. أى: وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، وبالعدل الذي لا يخالطه جور وبالحكمة التي تتنزه عن العبث، وتأبى استمرار الفساد، واستبقاء ضعف الحق أمام الباطل.

стр. 3384

والمراد بالساعة في قوله- تعالى-: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ساعة البعث والحساب والثواب والعقاب في الآخرة. أى: وإن ساعة إعطاء كل ذي حق حقه، ومعاقبة كل ذي باطل على باطله، لآتية لا ريب فيها، فمن فاته أخذ حقه في الدنيا فسيأخذه وافيا غير منقوص في الآخرة، ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ما هو أشد وأخزى منها في يوم الحساب. فالجملة الكريمة انتقال من تهديد المجرمين بعذاب الدنيا، إلى تهديدهم بعذاب الآخرة، والمقصود من ذلك تسليته ﷺ عما أصابه من المكذبين من أذى. وأكد- سبحانه- هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية لا محالة، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ... وجملة فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ تفريع على ما قبلها. والصفح الجميل: ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتكبه بدون معاتبة. أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك أيها الرسول الكريم- من أن هذا الكون قد خلقناه بالحق، ومن أن الساعة آتية لا ريب فيها ... فاصفح عن هؤلاء المكذبين لك صفحا جميلا، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم الله بينك وبينهم. وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته ﷺ وتكريمه، لأنه- سبحانه- أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذي يصفح عن غيره، أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير- فكأنه- سبحانه- يقول له: اصفح عنهم فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: ... فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٢» . وقوله- سبحانه- إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ تعليل للأمر بالصفح الجميل عنهم. والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، للدلالة على كثرة خلقه، وشمول علمه.

стр. 3385

أى: إِنَّ رَبَّكَ أيها الرسول الكريم، الذي رباك برعايته وعنايته، واختارك لحمل رسالته هُوَ- سبحانه- الْخَلَّاقُ لك ولهم ولكل شيء في هذا الوجود. الْعَلِيمُ بأحوالك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات. وقد علم- سبحانه- أن الصفح عنهم في هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم، فحقيق بك- أيها الرسول الكريم- أن تطيعه- سبحانه-، وأن تكل الأمور إليه. ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ فقد نرتب على هذا الصفح: النصر للنبي ﷺ وللمؤمنين، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا في الإسلام بعد نزول هذه الآية، وصاروا قوة للدعوة الإسلامية بعد أن كانوا حربا عليها، وتحقق- أيضا- قوله ﷺ : «لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله- » . ثم أتبع- سبحانه- هذه التسلية والبشارة للرسول ﷺ ، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها، ليزيده اطمئنانا وثقة بوعد الله- تعالى- فقال: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. والمراد بالسبع المثاني: صورة الفاتحة. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات، ولأنها تثنى أى تكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة. قال صاحب الكشاف: والمثاني من التثنية وهي التكرير للشيء، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ما هو ثناء على الله- تعالى- ... » «١» . والمعنى: ولقد أعطيناك- أيها الرسول الكريم- سورة الفاتحة التي هي سبع آيات، والتي تعاد قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة، وأعطيناك- أيضا- القرآن العظيم الذي يهدى للطريق التي هي أقوم. وأوثر فعل آتَيْناكَ بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك لأن الإعطاء أظهر في الإكرام والإنعام. وقوله وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ معطوف على سَبْعاً من باب عطف الكل على الجزء، اعتناء بهذا الجزء. ووصف- سبحانه- القرآن بأنه عظيم، تنويها بشأنه، وإعلاء لقدره.

стр. 3386

ومما يدل على أن المراد بالسبع المثاني سورة الفاتحة ما أخرجه البخاري بسنده عن أبى سعيد بن المعلى قال: مربى النبي ﷺ وأنا أصلى، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت أصلى. فقال: ألم يقل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ. ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ ثم ذهب النبي ﷺ ليخرج، فذكرته فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . وروى البخاري- أيضا- عن أبى هريرة قال: قال النبي ﷺ : «أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم» . هذا، وهناك أقوال أخرى في المقصود بالسبع المثاني، ذكرها بعض المفسرين فقال: اختلف العلماء في السبع المثاني: فقيل الفاتحة. قاله على بن أبى طالب، وأبو هريرة، والربيع بن أنس، وأبو العالية، والحسن وغيرهم. وروى عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة من حديث أبى بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ... وقال ابن عباس: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معا ... وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من السبع الطوال شيء إذ ذاك. وقيل: المثاني القرآن كله، قال الله- تعالى- كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ. هذا قول الضحاك وطاوس، وقاله ابن عباس. وقيل له: مثاني، لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه.. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإنذار.. ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبي ﷺ وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل، كان الوقوف عنده «١» . والذي نراه، أن المقصود بالسبع المثاني هنا: سورة الفاتحة، لثبوت النص الصحيح بذلك عن رسول الله ﷺ ، ومتى ثبت النص الصحيح عنه ﷺ في شيء فلا كلام لأحد معه أو بعده ﷺ .

стр. 3387

ثم نهى الله- تعالى- المسلمين في شخص نبيهم ﷺ عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال- تعالى-: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ... قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟ قلت: يقول الله- تعالى- لرسوله ﷺ : قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة، وهي القرآن العظيم، فعليك أن تستغني به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ... قال أبو بكر الصديق من أوتى القرآن، فرأى أن أحدا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيما، وعظم صغيرا» «١» . وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح، قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبى رافع صاحب النبي ﷺ قال: أضاف النبي ﷺ ضيفا، ولم يكن عنده ﷺ شيء يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب. قال اليهودي: لا إلا برهن. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: أما والله إنى لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفنى أو باعني لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. «لا تمدن عينيك» كأنه- سبحانه- يعزيه عن الدنيا» «٢» . وقوله- سبحانه- تَمُدَّنَّ من المد، وأصله الزيادة. واستعير هنا للتطلع إلى ما عند الغير برغبة وتمن وإعجاب. يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان، إذا اشتهاه وتمناه وأراده. والمراد بالأزواج: الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من زخارف الدنيا. والمعنى: لا تحفل- أيها الرسول الكريم- ولا تطمح ببصرك طموح الراغب في ذلك المتاع الزائل، الذي متع الله- تعالى- به أصنافا من المشركين فإن ما بين أيديهم منه شيء سينتهي عما قريب، وقد آتاهم الله- تعالى- إياه على سبيل الاستدراج والإملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم. قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه. ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهي صورة طريفة حين يتخيلها المتخيل..

стр. 3388

والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول ﷺ بذلك المتاع الذي آتاه الله- تعالى- لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة استجمال، أو نظرة تمن» «١» . وقال- سبحانه- هنا لا تَمُدَّنَّ ... بدون واو العطف، وقال في سورة طه وَلا تَمُدَّنَّ ... بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافا بيانيا، جوابا لما يختلج في نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإملاء والعطاء الدنيوي لبعض الكافرين. ولأن الجملة السابقة عليها وهي قوله وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ... كانت بمنزلة التمهيد لها، والإجمال لمضمونها. أما في سورة طه، فجملة وَلا تَمُدَّنَّ ... معطوفة على ما سبقها من طلب وهو قوله- تعالى- فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى. وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً ... «٢» . وقوله- سبحانه- وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ نهى له ﷺ عن الاهتمام بالمصير السيئ الذي ينتظر أعداءه. أى: ولا تحزن- أيها الرسول الكريم- لكفر من كفر من قومك، أو لموتهم على ذلك، أو لأعراضهم عن الحق الذي جئتهم به، فإن القلوب بأيدينا نصرفها كيف نشاء، أما أنت فعليك البلاغ. وقوله- سبحانه- وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بيان لما يجب عليه نحو أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه. وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف. أى: وكن متواضعا مع أتباعك المؤمنين، رءوفا بهم، عطوفا عليهم. قال الشوكانى: وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ... وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ، فجعل ذلك وصفا لتواضع الإنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه «٣» . وقوله- سبحانه-: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ معطوف على ما قبله.

стр. 3389

أى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- على مصير الكافرين، وتواضع لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعا ما قاله كل نبي قبلك لقومه: إنى أنا المنذر لكم من عذاب الله إذا ما بقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم. فالنذير هنا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح. وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى رأيت الجيش بعيني، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق» «١» . ثم هدد- سبحانه- الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف لا تليق به فقال- تعالى-: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ.. والكاف في قوله كَما للتشبيه، وما موصوله أو مصدرية وهي المشبه به أما المشبه فهو الإيتاء المأخوذ من قوله- تعالى- وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي. ولفظ «المقتسمين» افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشيء وجعله أقساما.. والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر. أو المراد بهم- كما قال ابن كثير: «المقتسمين» أى المتحالفين، أى الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم ... » «٢» . ولفظ «عضين» جمع عضة- بزنة عزة-، وهي الجزء والقطعة من الشيء. تقول: عضيت الشيء تعضية، أى: فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة. قال القرطبي ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشيء تعضية أى فرقته، وكل فرقة عضة. قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.

стр. 3390

والعضة والعضين في لغة قريش السحر. وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة ... وفي الحديث: لعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة أى الساحرة والمستسحرة.. وقيل: هو من العضة، وهي التميمة. والعضيهة: البهتان.. يقال: أعضهت يا فلان أى: جئت بالبهتان» «١» . والمعنى: ولقد آتيناك- أيها الرسول الكريم- السبع المثاني والقرآن العظيم، مثل ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين، أى الذين قسموا كتابهم أقساما، فأظهروا قسما وأخفوا آخر، والذين جعلوا- أيضا- القرآن أقساما، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالبعض الآخر.. فجعله الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ بيان وتوضيح للمقتسمين. ومنهم من يرى أن قوله- تعالى- كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ... متعلق بقوله- تعالى- قبل ذلك، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ، فيكون المشبه الإنذار بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة. وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركي قريش، قسموا أنفسهم أقساما لصرف الناس عن الإيمان بالنبي ﷺ . والمعنى: وقل- أيها الرسول الكريم- إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب المقتسمين ... وقد فصل الإمام الآلوسى القول عند تفسيره لهاتين الآيتين فقال ما ملخصه: قوله- تعالى- كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ... متعلق بقوله- تعالى- وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً ... على أن يكون في موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف أى: آتيناك سبعا من المثاني إيتاء كما أنزلنا، وهو في معنى: أنزلنا عليك ذلك إنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أى قسموه إلى حق وباطل.. وقيل: هو متعلق بقوله- تعالى-: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ.. وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة، أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة، لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر..

стр. 3391

أى: وقل إنى أنا النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلناه على المقتسمين. وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا- أى يقتلوه ليلا- فأهلكهم الله ... ثم قال- ﵀: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله كَما أَنْزَلْنا.. متعلق بقوله- تعالى- وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً ... وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين، وأن الموصول مع صلته، صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ... والمعنى: لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على أهلهما ... «١» . ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم- كما قال ابن كثير- وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير، فقد قال- ﵀ بعد سرده للأقوال في ذلك ما ملخصه: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله- تعالى- أمر نبيه ﷺ أن يعلم قومه الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم ... وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين: أهل الكتابين.. وجائز أن يكون عنى بذلك: المشركين من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعرا، وسماه بعضهم كهانة ... وجائز أن يكون عنى به الفريقين ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمين على صالح من قومه. لأنه ليس في التنزيل ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا في فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتابا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، كان داخلا في هذا التهديد والوعيد ... «٢» . ثم أكد- سبحانه- هذا التهديد والوعيد فقال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.

стр. 3392

والفاء هنا متفرعة على ما سبق تأكيده في قوله وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ... إذ في هذا اليوم يكون سؤالهم. والواو للقسم، أى: فوحق ربك- أيها الرسول الكريم- الذي خلقك فسواك فعدلك، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعا، سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، عما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال قبيحة: وعما كانوا يقولونه من أقوال فاسدة، ثم لننزلن بهم جميعا العقوبة المناسبة لهم. فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول ﷺ وتأكيد التهديد للمشركين. ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ بأن يمضى في طريقه، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين، فقد كفاه- سبحانه- شرهم فقال- تعالى-: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. وقوله فَاصْدَعْ.. من الصدع بمعنى الإظهار والإعلان. ومنه قولهم: انصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره. ويقال: صدع فلان بحجته، إذا تكلم بها جهارا. أى: فاجهر- أيها الرسول الكريم- بدعوتك، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم. قال عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية. فخرج هو وأصحابه، وقوله إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث ﷺ يدعو الناس إلى الإسلام سرا ثلاث سنين أو أكثر. وقوله كَفَيْناكَ.. من الكفاية. تقول: كفيت فلانا المؤنة إذا توليتها عنه، ولم تحوجه إليها. وتقول: كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره. والمراد بالمستهزئين: أكابر المشركين في الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول ﷺ أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأرحناك منهم، بإهلاكهم. وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم، وهم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطل، والعاص بن وائل: وقد أهلكهم الله جميعا بمكة، وكان هلاكهم العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبي ﷺ . قال الإمام الرازي: واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين، وفي أسمائهم، وفي كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شيء منها.

стр. 3393

والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورئاسة، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة، مع مثل رسول الله ﷺ في علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله- تعالى- أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم» «١» . ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المستهزئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر فقال: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ في عباداتهم وفي عقيدتهم. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ما يترتب على ذلك في الآخرة من عذاب شديد لهم، بعد أن أهلكناهم في الدنيا وقطعنا دابرهم. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتسلية أخرى له ﷺ ، وبإرشاده إلى ما يزيل همه. ويشرح صدره، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. وضيق الصدر: كناية عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان. أى: ولقد نعلم- أيها الرسول الكريم- أن أقوال المشركين الباطلة فيك وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك. وقال- سبحانه- وَلَقَدْ نَعْلَمُ.. بلام القسم وحرف التحقيق، لتأكيد الخبر، وإظهار مزيد الاهتمام والعناية بالمخبر عنه ﷺ في الحال والاستقبال. والفاء في قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... واقعة في جواب شرط. والتسبيح لله- تعالى- معناه: تنزيهه- عن كل ما لا يليق به. والتحميد له- تعالى- معناه: الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال. أى: إن ضاق صدرك- أيها الرسول الكريم- بسبب أقوال المشركين القبيحة، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد، بأن تكثر من قول سبحان الله، والحمد لله. قال بعض العلماء: فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال لأن الكمال يكون بأمرين: أحدهما: التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، هذا معنى التسبيح. والثاني: التحلي بالفضائل، والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد.

стр. 3394

فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ... » «١» . والمراد بالسجود في قوله- تعالى- وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ الصلاة. وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأهمّيّة هذا الجزء وفضله، ففي صحيح مسلم عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» . ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر دليل على أن هذه العبادات، بسببها يزول المكروه بإذنه- تعالى-، وتنقشع الهموم ... ولذا كان ﷺ إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة. وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث نعيم بن عمار- رضى الله عنه- أنه سمع النبي ﷺ يقول: قال الله- تعالى-: «يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره» . فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله- تعالى- بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات. والمراد بالأمر بالعبادة في قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ المداومة عليها وعدم التقصير فيها. والمراد باليقين: الموت، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق. أى: ودم- أيها الرسول الكريم- على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا، حتى يأتيك الموت الذي لا مفر من مجيئه في الوقت الذي يريده الله- تعالى-. ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله- تعالى- حكاية عن المجرمين: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أى: الموت. ويدل على ذلك أيضا ما رواه البخاري عن أم العلاء أن رسول الله ﷺ لما دخل على

стр. 3395

عثمان بن مظعون وقد مات، قالت: قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك أن الله قد أكرمه ... أما هو فقد جاءه اليقين- أى الموت- وإنى لأرجو له الخير» «١» . قال الإمام ابن كثير: ويستدل بهذه الآية الكريمة، على أن العبادة كالصلاة ونحوها، واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلى بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . ويستدل بها أيضا على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل ... » «٢» . وبعد: فهذه سورة الحجر، وهذا تفسير لها. نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. محمد طنطاوى المدينة المنورة في ٦ من جمادى الثانية سنة ١٤٠٢

стр. 3396

تفسير سورة النّحل

стр. 3397

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه. أما بعد: فقد سبق لي- بحمد الله وتوفيقه- أن قمت بتفسير سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر. وها أنا ذا أقدم للقارئ الكريم تفسير سورة «النحل» ، وقد حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وإرشادات حكيمة، ومجادلات بالتي هي أحسن. وقد مهدت لتفسيرها بكلمة، بينت فيها زمان نزولها، وعدد آياتها. وسبب تسميتها بهذا الاسم، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لعباده، وشفيعا لنا يوم نلقاه- سبحانه-. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المؤلف د. محمد سيد طنطاوى

стр. 3398

تعريف بسورة النحل ١- سورة النحل هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر. أما في ترتيب النزول، فكان ترتيبها التاسعة والستين، وكان نزولها بعد سورة الكهف «١» . ٢- وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية. ٣- وسميت بسورة النحل، لقوله- تعالى- فيها وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ... «٢» . وتسمى- أيضا- بسورة النعم، لأن الله- تعالى- عدد فيها أنواعا من النعم التي أنعم بها على عباده. ٤- وسورة النحل من السور المكية: أى التي كان نزولها قبل الهجرة النبوية الشريفة. قال القرطبي: «وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية إلا قوله- تعالى- وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.. الآية. نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد..» «٣» . وقال الآلوسى: وأطلق جمع القول بأنها مكية، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس، وابن الزبير- رضى الله عنهم- وأخرجه النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها، فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف النبي- ﷺ من غزوة أحد «٤» . والذي تطمئن إليه النفس، أن سورة النحل كلها مكية، وذلك لأن الروايات التي ذكروها

стр. 3399

في سبب نزول قوله- تعالى-، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.. إلخ السورة، فيها مقال. فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها، أن بعضها مرسل وفيه مبهم، وبعضها في إسناده ضعف.. «١» . ٥- (أ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر، نراها في مطلعها تؤكد أن يوم القيامة حق، وأنه آت لا ريب فيه، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله الخالق لكل شيء. قال- تعالى-: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. (ب) تم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته، عن طريق خلق السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان، وعن طريق إنزال الماء من السماء، وتسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم.. وغير ذلك من النعم التي لا تحصى. استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكى جانبا من هذه النعم فتقول: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. ثم تقول: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (ج) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكى جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم، وتصور استسلامهم لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب، فتقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. إلى أن تقول: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ، بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.

стр. 3400

(د) وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترهيب بالترغيب، وفي عقده المقارنات بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشر المتقين بحسن العاقبة. جاء قوله- تعالى-: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ. (هـ) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين حول مسألتين من أخطر المسائل، وهما مسألة الهداية والإضلال، ومسألة البعث بعد الموت بعد أن حكت ما قالوه في شأن القرآن الكريم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها فيقول: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ. (و) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله، الماكرين للسيئات، بأسلوب يستثير النفوس ويبعث الرعب في القلوب، وتدعوهم إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض، لعل هذا التفكر يكون سببا في هدايتهم، وتخبرهم بأن الله- تعالى- هو الذي نهاهم عن الشرك، وهو الذي أمرهم بإخلاص العبادة له. استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البديع فيقول: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. (ز) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين، ومن سوء تفكيرهم،
следующие страницы →