بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه.
أما بعد: فقد سبق لي- بحمد الله وتوفيقه- أن قمت بتفسير سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر.
وها أنا ذا أقدم للقارئ الكريم تفسير سورة «النحل» ، وقد حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وإرشادات حكيمة، ومجادلات بالتي هي أحسن.
وقد مهدت لتفسيرها بكلمة، بينت فيها زمان نزولها، وعدد آياتها. وسبب تسميتها بهذا الاسم، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لعباده، وشفيعا لنا يوم نلقاه- سبحانه-.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المؤلف د. محمد سيد طنطاوى
стр. 3398
تعريف بسورة النحل
١- سورة النحل هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور:
الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر.
أما في ترتيب النزول، فكان ترتيبها التاسعة والستين، وكان نزولها بعد سورة الكهف «١» .
٢- وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية.
٣- وسميت بسورة النحل، لقوله- تعالى- فيها وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ... «٢» .
وتسمى- أيضا- بسورة النعم، لأن الله- تعالى- عدد فيها أنواعا من النعم التي أنعم بها على عباده.
٤- وسورة النحل من السور المكية: أى التي كان نزولها قبل الهجرة النبوية الشريفة.
قال القرطبي: «وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده. وقيل: هي مكية إلا قوله- تعالى- وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.. الآية. نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد..» «٣» .
وقال الآلوسى: وأطلق جمع القول بأنها مكية، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس، وابن الزبير- رضى الله عنهم- وأخرجه النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها، فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف النبي- ﷺ من غزوة أحد «٤» .
والذي تطمئن إليه النفس، أن سورة النحل كلها مكية، وذلك لأن الروايات التي ذكروها
стр. 3399
في سبب نزول قوله- تعالى-، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.. إلخ السورة، فيها مقال. فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها، أن بعضها مرسل وفيه مبهم، وبعضها في إسناده ضعف.. «١» .
٥- (أ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر، نراها في مطلعها تؤكد أن يوم القيامة حق، وأنه آت لا ريب فيه، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله الخالق لكل شيء.
قال- تعالى-: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ.
(ب) تم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته، عن طريق خلق السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان، وعن طريق إنزال الماء من السماء، وتسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم.. وغير ذلك من النعم التي لا تحصى.
استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكى جانبا من هذه النعم فتقول: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
ثم تقول: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
(ج) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكى جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم، وتصور استسلامهم لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب، فتقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.
إلى أن تقول: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ، بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
стр. 3400
(د) وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترهيب بالترغيب، وفي عقده المقارنات بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشر المتقين بحسن العاقبة.
جاء قوله- تعالى-: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ.
(هـ) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين حول مسألتين من أخطر المسائل، وهما مسألة الهداية والإضلال، ومسألة البعث بعد الموت بعد أن حكت ما قالوه في شأن القرآن الكريم.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها فيقول: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ.
(و) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله، الماكرين للسيئات، بأسلوب يستثير النفوس ويبعث الرعب في القلوب، وتدعوهم إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض، لعل هذا التفكر يكون سببا في هدايتهم، وتخبرهم بأن الله- تعالى- هو الذي نهاهم عن الشرك، وهو الذي أمرهم بإخلاص العبادة له.
استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البديع فيقول: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
(ز) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين، ومن سوء تفكيرهم،
стр. 3401
حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويشكروا الله- تعالى- على توفيقه إياهم إلى الدخول في الإسلام.
لقد ذكرت السورة الكريمة ألوانا متعددة من جهالات الكافرين، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ، تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ.
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ، وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ.
(ح) هكذا تصور سورة النحل ما كان عليه المشركون من غباء وغفلة وسوء تفكير، ثم تعود- سورة النعم- مرة أخرى إلى الحديث عن نعم الله- تعالى- على عباده، فتتحدث عن نعمة الكتاب، وعن نعمة الماء، وعن نعمة الأنعام، وعن نعمة الثمار والفواكه، وعن نعمة العسل المتخذ من بطون النحل وعن نعمة التفاضل في الأرزاق، وعن نعمة الأزواج والبنين والحفدة.
قال- تعالى-: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ.
إلى أن يقول- سبحانه-: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ.
(ط) ثم تسوق السورة الكريمة مثلين مشتملين على الفرق الشاسع، بين المؤمن والكافر، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة، فتقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً، هَلْ يَسْتَوُونَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(ى) وبعد إيراد هذين المثلين البليغين، تعود سورة النعم إلى الحديث عن أنواع أخرى من نعم الله على خلقه، لكي يشكروه عليها، ويستعملوها فيما خلقت له فتتحدث عن نعمة إخراج الإنسان من بطن أمه، وعن نعمة البيوت التي هي محل سكن الإنسان، وعن نعمة الظلال، وعن نعمة الجبال، وعن نعمة الثياب.
стр. 3402
قال- تعالى-: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ، وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها، أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً، وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ، كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.
(ك) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عند ما يرون العذاب، وتحكى ما يقولون عند ما يرون شركاءهم، وتقرر أن الله يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وأن الرسول- ﷺ سيكون شهيدا على من بعث إليهم.
بعد كل ذلك تسوق السورة الكريمة عددا من الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق والناهية عن منكراتها فتقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
(ل) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب، وعلى الأوامر والنواهي. تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن وعن الشبهات التي أثارها المشركون حوله مع الرد عليها بما يدحضها، وعن حكم من تلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فتقول: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
ثم تقول: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
ثم تقول: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
(م) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال، فتسوق مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بالنعم فلم يقابلوها بالشكر، فانتقم الله- تعالى- منهم. كما تسوق جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم الله فيما خلقت له.
استمع إلى قوله- تعالى-: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.
ثم إلى قوله- تعالى-: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
стр. 3403
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
(ن) وأخيرا تختتم السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لأحكم الأساليب وأكملها وأجملها وأ نجمعها في الدعوة إلى الله- تعالى- وفي معاملة الناس فتقول: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
٦- وبعد، فهذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة، ومنه نرى:
(أ) عنايتها الفائقة بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى صدق رسوله محمد ﷺ في دعوته، وعلى أن يوم القيامة حق، وعلى أن القرآن من عند الله- .
(ب) كما نرى تفصيلها القول في بيان آلاء الله- تعالى- على خلقه، وقد سبحت السورة في هذا الجانب سبحا عظيما، فذكّرت الإنسان بنعمة خلقه، وبنعمة تسخير الأنعام والشمس، والقمر، والنجوم، والماء، والجبال، والأشجار.. كل ذلك وغيره لمنفعته ومصلحته.
(ج) كما نلمس اهتمامها بضرب الأمثال للمؤمن والكافر، والشاكر والجاحد والإله الحق والآلهة الباطلة.. وذلك لأن في ضرب الأمثال تقريبا للبعيد وتوضيحا للخفى، بأسلوب من شأنه أن يكون أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس وأدعى إلى التدبر والتفكر.
(د) كما ندرك حرصها على إيراد أقوال المشركين وشبههم! ثم الرد عليها بطريقة تقنع العقول، وترضى العواطف، بأن الإسلام هو الدين الحق، وبذلك يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم.
(هـ) كما نحس- عند قراءتها- بعنايتها بتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وأمهات الفضائل، كالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والوفاء، والصبر، والشكر ... وبنهيهم عن الرذائل كالغدر والجحود، ونقض العهود، والاستكبار، والظلم.
وأخيرا فإن المتأمل في هذه السورة- أيضا- يراها حافلة بأسلوب الترغيب والترهيب، والتبشير والإنذار، والوعد والوعيد.
стр. 3404
الوعيد للكافرين بسوء المصير إذا ما لجوا في ضلالهم وطغيانهم كما في قوله- تعالى-:
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ.
والوعد للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدارين، كما في قوله- تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والآن فلنبدأ في التفسير التحليلى لسورة النعم، ونسأل الله- تعالى- أن يرزقنا التوفيق والسداد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
افتتحت السورة الكريمة، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث، وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب، ويستبعدون نصر الله- تعالى- لأوليائه، فقال- تعالى-: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ والفعل «أتى» هنا، بمعنى قرب ودنا بدليل «فلا تستعجلوه» ، لأن المنهي عن الاستعجال يقتضى أن الأمر الذي استعجل حصوله لم يحدث بعد.
والمراد بأمر الله: ما اقتضته سنته وحكمته- سبحانه- من إثابة المؤمنين ونصرهم، وتعذيب الكافرين ودحرهم.
والفاء في قوله «فلا تستعجلوه» للتفريع. والاستعجال: طلب حصول الشيء قبل وقته.
والضمير المنصوب في «تستعجلوه» يعود على «أمر الله» ، لأنه هو المتحدث عنه، أو على «الله» - تعالى-، فلا تستعجلوا الله فيما قضاه وقدره.
والمعنى: قرب ودنا مجيء أمر الله- تعالى- وهو إكرام المؤمنين بالنصر والثواب، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب، فلا تستعجلوا- أيها المشركون- هذا الأمر، فإنه آت لا ريب فيه، ولكن في الوقت الذي يحدده الله تعالى- ويشاؤه.
وعبر عن قرب إتيان أمر الله- تعالى- بالفعل الماضي «أتى» للإشعار بتحقق هذا الإتيان، وللتنويه بصدق المخبر به، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب، قد صار في حكم الواقع فعلا. وفي إبهام أمر الله، إشارة إلى تهويله وتعظيمه، لإضافته إلى من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
قوله «فلا تستعجلوه» زيادة في الإنذار والتهديد، أى: فلا جدوى من استعجالكم، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا.
والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون قيام الساعة، ويستعجلون نزول العذاب بهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات:
منها قوله- تعالى-: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ «١» .
ومنها قوله- سبحانه-: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «٢» .
стр. 3407
وقال بعض العلماء: و «يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين، لأن عذاب الله- تعالى- وإن كان الكافرون يستعجلونه، تهكما به، لظنهم أنه غير آت، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه، ويحبون تعجيله للكافرين» «١» .
وقوله: «سبحانه وتعالى عما يشركون» جملة مستأنفة، قصد بها إبطال إشراكهم، وزيادة توبيخهم وتهديدهم:
أى: تنزه الله- تعالى- وتعاظم بذاته وصفاته، عن إشراك المشركين، المؤدى بهم إلى الأقوال الفاسدة، والأفعال السيئة، والعاقبة الوخيمة. والعذاب المهين. وقوله:
«يشركون» : قراءة الجمهور، وفيها التفات من الخطاب في قوله «فلا تستعجلوه» إلى الغيبة، تحقيرا لشأن المشركين، وحطا من درجتهم عن رتبة الخطاب، وحكاية لشنائعهم التي يتبرأ منها العقلاء.
وقرأ حمزة والكسائي «تشركون» تبعا لقوله- تعالى- فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وعلى قراءتهما لا التفات في الآية.
ثم بين- سبحانه- لونا من ألوان قدرته، ورحمته بعباده، حيث أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فقال تعالى-: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ...
والمراد بالملائكة هنا: جبريل- ﵇ ومن معه من حفظة الوحى. أو المراد بهم جبريل خاصة، ولا مانع من ذلك، لأن الواحد قد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسا عظيما.
والمراد بالروح: كلام الله- تعالى- ووحيه الذي ينزل به جبريل، ليبلغه إلى من أمره الله بتبليغه إياه.
وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحى في آيات منها قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ... «٢» .
والمعنى: ينزل- سبحانه- الملائكة بكلامه ووحيه، على من يشاء إنزالهم إليه من عباده المصطفين الأخبار.
стр. 3408
وأطلق- سبحانه- على وحيه اسم الروح، على سبيل التشبيه، ووجه الشبه: أن بسببهما تكون الحياة الحقة.
فكما أن بالروح تحيا الأبدان والأجساد، فكذلك بالوحي تحيا القلوب والنفوس وتؤدى رسالتها في هذه الحياة.
وفي قوله- سبحانه-: «من أمره» إشارة إلى أن نزول الملائكة بالوحي، لا يكون إلا بسبب أمر الله لهم بذلك، كما قال- تعالى- حكاية عنهم: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا «١» .
وقوله: «على من يشاء من عباده» رد على مطالب المشركين المتعنتة، والتي من بينها ما حكاه الله تعالى- عنهم في قوله: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ... «٢» .
فالآية الكريمة تبين أن نزول الملائكة بالوحي، إنما هو على من يختاره الله- تعالى- لنزول الوحى عليه، لا على من يختارونه هم، وأن النبوة هبة من الله- تعالى- لمن يصطفيه من عباده. قال- تعالى-: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «٣» .
وقوله: «أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» بيان للمقصود من نزول الملائكة بالوحي على الأنبياء.
أى: أنزل- سبحانه- ملائكته بوحيه على أنبيائه، لكي ينذر هؤلاء الأنبياء الناس، ويخوفوهم من سوء عاقبة الإشراك بالله، ويدعوهم إلى أن يخلصوا العبادة لله- تعالى- وحده، ويبينوا لهم أن الألوهية لا يصح أن تكون لغيره- سبحانه-.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: أَنْ أَنْذِرُوا بدل من «الروح» على أن «أن» هي التي من شأنها أن تنصب المضارع، وصلت بالأمر كما وصلت به في قولهم: كتبت إليه بأن قم.
وجوز بعضهم كون «أن» هنا مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، وذلك لما في «ينزل
стр. 3409
الملائكة بالوحي، من معنى القول، كأنه قيل: يقول- سبحانه- بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا ... » «١» .
واقتصر هنا على الإنذار الذي هو بمعنى التخويف، لأن الحديث مع المشركين، الذين استعجلوا العذاب، واتخذوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى.
والفاء في قوله «فاتقون» فصيجة: أى، إذا كان الأمر كذلك، من أن الألوهية لا تكون لغير الله، فعليكم أن تتقوا عقوبتي لمن خالف أمرى، وعبد غيرى.
قال الجمل: «وفي قوله «فاتقون» تنبيه على الأحكام الفرعية بعد التنبيه على الأحكام العلمية بقوله، «أنه لا إله إلا أنا» ، فقد جمعت الآية بين الأحكام الأصلية والفرعية» «٢» .
وبعد أن بين- سبحانه- أنه منزه عن أن يكون له شريك، وأنه قد أنزل الملائكة بوحيه على من يشاء من عباده، وأنه لا إله يستحق العبادة سواه.
بعد كل ذلك، بين الأدلة الدالة على قدرته ووحدانيته، بأسلوب بديع، جمع فيه بين دلالة المخلوق على الخالق، ودلالة النعمة على منعمها، ووبخ المشركين على شركهم، تارة عن طريق خلقه وحده- سبحانه- للسموات والأرض، وتارة عن طريق خلقه للإنسان، وتارة عن طريق خلقه للحيوان وللنبات، ولغير ذلك من المخلوقات التي لا تحصى.
قال- تعالى-: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
والباء في قوله «بالحق» للملابسة. والحق: ضد الباطل، وهو هنا بمعنى الحكمة والجد الذي لا هزل فيه ولا عبث معه، كما قال- تعالى-: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ... «٣» .
أى: خلق- سبحانه- بقدرته النافذة السموات وما أظلت، والأرض وما أقلت، خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة، وبالجدية التي لا يحوم حولها لهو أو عبث.
وقوله: «تعالى عما يشركون» تنزيه وتقدير لذاته وصفاته، عما قاله المشركون في شأنه- من أن له ولدا أو شريكا.
قال- تعالى-: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما
стр. 3410
خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ «١» .
وقد صدر- سبحانه- هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته، بخلق السموات والأرض، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما، ولأنهما حاويتان لما لا يحصى من مخلوقاته- سبحانه-.
قال- تعالى-: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ «٢» .
ثم ساق- سبحانه- دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق الإنسان فقال:
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ.
والمراد بالإنسان هنا جنس الإنسان.
وأصل النطفة: الماء الصافي. أو الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة، وجمعها: نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا قطرت، أى سال منها الماء وتقاطر.
والمراد بالنطفة هنا: المنى الذي هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة.
والخصيم: الكثير الخصام لغيره، فهو صيغة مبالغة. يقال: خصم الرجل يخصم- من باب تعب- إذا أحكم الخصومة، فهو خصم وخصيم.
والمبين. المظهر للحجة، المفصح عما يريده بألوان من طريق البيان.
أى: خلق- سبحانه- الإنسان. من منىّ يمنى، أو من ماء مهين خلقا عجيبا في أطوار مختلفة، لا يجهلها عاقل، ثم أخرجه بقدرته من بطن أمه إلى ضياء الدنيا، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل.
حتى إذا ما وصل هذا الإنسان إلى تلك المرحلة التي يجب معها الشكر لله- تعالى- الذي رباه ورعاه، إذا به ينسى خالقه، ويجحد نعمه، وينكر شريعته، ويكذب رسله ويخاصم ويجادل بلسان فصيح من بعثه الله- تعالى- لهدايته وإرشاده، ويقول- كما حكى القرآن عنه-: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ...
وإذا في قوله- سبحانه- فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. هي التي تسمى بإذا الفجائية التي يؤتى بها لمعنى ترتب الشيء، على غير ما يظن أن يترتب عليه.
стр. 3411
وجيء بها هنا لزيادة التعجيب من حال الإنسان، لأنه كان المنتظر منه بعد أن خلقه الله- تعالى- بقدرته، ورباه برحمته ورعايته، أن يشكر خالقه على ذلك، وأن يخلص العبادة له، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا منه، بل فعل ما يناقض ذلك من الإشراك والمجادلة في أمر البعث وغيره.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله- تعالى-: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا «١» .
وقوله- تعالى-: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ، وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً «٢» .
وبعد أن بين- سبحانه- ما يدل على وحدانيته وقدرته عن طريق خلقه للسموات وللأرض وللإنسان، أتبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن طريق خلق الحيوان فقال- تعالى-: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها، لَكُمْ فِيها دِفْءٌ، وَمَنافِعُ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ.
والأنعام: جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وقد تطلق على الإبل خاصة،.
وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان في قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ، أو هو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور بعده. أى: وخلق الأنعام خلقها.
والدفء: السخونة. ويقابله شدة البرد، يقال: دفئ الرجل- من باب طرب- فهو دفأ- كتعب- ودفآن، إذا لبس ما يدفئه، ويبعد عنه البرد.
والمراد بالدفء هنا: ما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها لهذا الغرض.
وعطف «منافع» على «دفء» من باب عطف العام على الخاص، إذ المنافع تشمل ما يستدفأ به منها وغيره.
وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع، للعناية به وللتنويه بأهميته في حياة الناس.
أى: ومن مظاهر نعم الله- تعالى- عليكم- أيها الناس-، أن الله- تعالى- خلق الأنعام، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به، من الثياب المأخوذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع متعددة، حيث تتخذون من ألبانها شرابا سائغا للشاربين، ومن لحومها أكلا نافعا للآكلين.
стр. 3412
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها، وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ «١» .
وقوله- سبحانه-: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ بيان لنوع آخر من أنواع منافع الحيوان للإنسان.
قال أبو حيان في البحر والجمال مصدر جمل- بضم الميم-، يقال رجل جميل وامرأة جميلة وجملاء، قال الشاعر:
فهي جملاء كبدر طالع ... بذت الخلق جميعا بالجمال
والجمال يكون في الصورة بحسن التركيب، بحيث يدركه البصر فتتعلق به النفس.
ويكون في الأخلاق، باشتمالها على الصفات المحمودة، كالعلم والعفة والحلم.
ويكون في الأفعال، بوجودها ملائمة لمصالح الخلق. وجلب المنفعة لهم وصرف الشر عنهم..» «٢» .
وجمال الأنعام من النوع الأول، ومن جمالها- أيضا- كثرتها ودلالتها على أن صاحبها من أهل السعة واليسار.
وقوله «تريحون» من الإراحة، يقال: أراح فلان ماشيته إراحة، إذا ردها إلى المراح، وهو منزلها الذي تأوى إليه، وتبيت فيه.
و «تسرحون» من السروح، وهو الخروج بها غدوة من حظائرها إلى مسارحها ومراعيها.
يقال: سرحت الماشية أسرحها سرحا وسروحا، إذا أخرجتها إلى المرعى.
ومفعول الفعلين «تريحون وتسرحون» محذوف للعلم به.
والمعنى: ولكم- أيها الناس- في هذه الأنعام جمال وزينة، حين تردونها بالعشي من مسارحها إلى معاطنها التي تأوى إليها، وحين تخرجونها بالغداة من معاطنها إلى مسارحها ومراعيها.
وخص- سبحانه- هذين الوقتين بالذكر، لأنهما الوقتان اللذان تتراءى الأنعام فيهما، وتتجاوب أصواتها ذهابا وجيئة، ويعظم أصحابها في أعين الناظرين إليها.
стр. 3413
وقدم- سبحانه- الإراحة على التسريح، لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج، حيث تقبل من مسارحها وقد امتلأت بطونها، وحفلت ضروعها، وازدانت مشيتها.
وقال- سبحانه-: حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. بالفعل المضارع، لإفادة التجديد والتكرار، وفي ذلك ما يزيد السرور بها، ويحمل على شكر الله- تعالى- على وافر نعمه.
قال صاحب الكشاف: «منّ الله بالتجمل بها، كما منّ بالانتفاع بها لأنه من أغراض أصحاب المواشي. بل هو من معاظمها لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي، وسرحوها بالغداة فزينت إراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، آنست أهلها، وفرحت أربابها. وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس.
فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح- مع تأخر الإراحة في الوجود؟.
قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها» «١» .
ثم بين- سبحانه- منفعة ثالثة من منافع الأنعام، التي سخرها الله- تعالى- للإنسان فقال: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
والضمير في قوله «وتحمل» يعود إلى الإبل خاصة، لأنها هي التي يحمل عليها.
والأثقال: جمع ثقل. وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره.
والمراد بالبلد جنسه ولأن الارتحال قد يكون إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما.
والشق- بالكسر- المشقة: ومن كل شيء نصفه، والباء للملابسة. أى: إلا بمشقة شديدة، كأن نفوسكم قد ذهب نصفها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة التي لم تستخدموا فيها الأنعام.
قال القرطبي: وشق الأنفس: مشقتها وغاية جهدها. وقراءة العامة بكسر الشين.
قال المهدوى: وكسر الشين وفتحها في «شق» متقاربان. وهما بمعنى المشقة.
وقرأ أبو جعفر «إلا بشق الأنفس» - بفتح الشين- وهما لغتان مثل رق ورق.
والشق- أيضا- بالكسر- النصف. وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى. أى: لم
стр. 3414
تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة وذهاب شق منها ... » «١» .
والمعنى: ومن فوائد هذه الأنعام- أيضا- أنها تحمل أمتعتكم وأثقالكم من بلد إلى بلد آخر بعيد، هذا البلد الآخر البعيد. لم تكونوا واصلين إليه بدونها، إلا بعد تعب شديد، وجهد مضن، وكلفة يذهب معها نصف قوتكم.
والتنكير في «بلد» لإفادة معنى البعد، لأن بلوغ المسافر إليه بمشقة، هو من شأن البلد البعيد، الذي يصعب الوصول إليه بدون راحلة.
وجملة «لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس» التي هي صفة لبلد، تشير إلى هذا المعنى.
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ «٣» .
وجملة «إن ربكم لرءوف رحيم» تعليل لخلقه- سبحانه- الأنعام لخدمة الإنسان.
أى: خلق لكم هذه الأنعام لأنه رءوف رحيم بكم، حيث لم يترككم تحملون أثقالكم بأنفسكم، وتقطعون المسافات الطويلة على أرجلكم، بل أوجد هذه الأنعام لمنافعكم ومصالحكم. ثم ذكر- سبحانه- أنواعا أخرى من الحيوان المنتفع به، فقال- تعالى-:
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.
قال الجمل: «الخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو فرس. وسميت خيلا لاختيالها في مشيها. والبغال جمع بغل: وهو المتولد بين الخيل والحمير..» «٤» .
واللام في قوله «لتركبوها» للتعليل.
ولفظ «وزينة» مفعول لأجله، معطوف على محل «لتركبوها» .
والزينة: اسم لما يتزين به الإنسان.
قال القرطبي: «هذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا، إلا أن الله تعالى- أذن به
стр. 3415
لعباده، ففي الحديث الشريف: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير» خرجه البرقاني وابن ماجة في السنن ... » «١» .
والمعنى: ومن مظاهر فضله عليكم، ورحمته بكم، أنه خلق لمنفعتكم- أيضا- الخيل والبغال والحمير، لتركبوها في غزوكم وتنقلاتكم، ولتكون زينة لكم في أفراحكم ومسراتكم.
وأتى- سبحانه- باللام في «لتركبوها» دون ما بعدها، للإشارة إلى أن الركوب هو المقصود الأصلى بالنسبة لهذه الدواب، أما التزين بها فهو أمر تابع للركوب ومتفرع منه.
قال صاحب الظلال: وفي الخيل والبغال والحمير، تلبية للضرورة في الركوب، وتلبية لحاسة الجمال في الزينة.
وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال- المتمثل في الزينة- عنصر له قيمة في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب، بل تلبية الأشواق الزائدة عن الضرورات. تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنسانى المرتفع على ميل الحيوان، وحاجة الحيوان» «٢» .
وقال بعض العلماء: وقد استدل بهذه الآية، القائلون بتحريم لحوم الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب والزينة يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها.
وأجاب المجوزون لأكلها، بأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها- وهو الركوب والزينة- لا ينافي غيره.
وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها ما في الصحيحين وغيرهما، من حديث أسماء قالت نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا فأكلناه.
وثبت- أيضا- في الصحيحين من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل «٣» .
وقد بسط الإمام القرطبي القول في هذه المسألة، ورجح حل أكل لحوم الخيل، وساق الأدلة والأحاديث في ذلك ثم قال: «وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص، فإنما هو دعوى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، «٤» .
стр. 3416
ويعجبني في هذا المقام قول الإمام البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب.
ولما كان نص الآية يقتضى أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه، ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم، وردت السنة النبوية بإباحة لحوم الخيل، وبتحريم لحوم البغال والحمير فوجب الأخذ بما جاء في السنة التي هي بيان للكتاب «١» .
هذا وقد ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على عظيم قدرته، وسعة علمه، فقال وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.
أى: ويخلق- سبحانه- في الحال والاستقبال، مالا تعلمونه- أيها الناس- من أنواع المخلوقات المختلفة سوى هذه الدواب، كالسفن التي تمخر عباب الماء، والطائرات التي تشق أجواز الفضاء، والسيارات التي تنهب الأرض نهبا لسرعتها، وغير ذلك من أنواع المخلوقات التي لا يعلمها سواه- سبحانه- والتي أوجدها لمنفعتكم ومصلحتكم.
وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن من عند الله- تعالى- فقد أوجد- سبحانه- العقول البشرية، التي ألهمها صنع الكثير من المخترعات النافعة في البر وفي البحر وفي الجو، والتي لم يكن للناس معرفة بها عند نزول القرآن الكريم.
وتشير- أيضا- إلى مزيد فضل الله- تعالى- على الناس، حيث أخبرهم بأنه سيخلق لهم في مستقبل الأيام من وسائل الركوب وغيرها، ما فيه منفعة لهم، سوى هذه الدواب التي ذكرها.
فعليهم أن يستعملوا هذه الوسائل في طاعة الله- تعالى- لا في معصيته وعليهم أن يتقبلوا هذه الوسائل، وأن يفتحوا عقولهم لكل ما هو نافع.
ورحم الله صاحب الظلال، فقد قال عند تفسيره الآية ما ملخصه: يعقب الله- تعالى- على خلق الأنعام والخيل والبغال والحمير بقوله وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ليظل المجال مفتوحا في التصور البشرى، لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والركوب والزينة.
стр. 3417
وحتى لا يقول بعض الناس: إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير، فلا نستخدم سواها، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها.
ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان، وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان: والقرآن يهيئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر، «ويخلق مالا تعلمون» «١» .
وبعد أن بين- سبحانه- دلائل وحدانيته وقدرته، عن طريق خلق السموات والأرض والإنسان والدواب.. أتبع ذلك ببيان أنه- كفيل بالإرشاد إلى الطريق المستقيم لمن يتجه إليه فقال- تعالى-: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَمِنْها جائِرٌ، وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.
والقصد: الاستقامة. والسبيل: الطريق والقصد منه: هو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. يقال: سبيل قصد وقاصد، أى: مستقيم. قال الشاعر:
ومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل، ومنه ذو دخل
قال الجمل ما ملخصه: «وعلى الله» أى: تفضلا «قصد السبيل» على تقدير مضاف، أى: وعلى الله بيان قصد السبيل. وهو بيان طريق الهدى من الضلالة، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والقصد مصدر يوصف به. يقال: سبيل قصد وقاصد أى: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. والمراد بالسبيل: جنسه..» «٢» .
والضمير في قوله «ومنها جائر» يعود إلى السبيل. والجائر: المائل عن الاستقامة، المنحرف عن الجادة وهو صفة لموصوف محذوف. أى: ومنها سبيل جائر.
أى: وعلى الله- تعالى- وحده، تفضلا منه وكرما، بيان الطريق المستقيم وهو طريق الحق، الذي يوصل من سلكه إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الطريق الحق: هو الذي جاء به محمد ﷺ .
ومن الطريق ما هو حائد عن الاستقامة، وهو كل طريق يخالف ما جاء به خاتم الرسل، ﷺ من عقائد وشرائع وآداب.
стр. 3418
قال- تعالى-: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.. «١» .
فالمراد بالطريق القصد: الطريق الموصل إلى الإسلام، والمراد بالطريق الجائر: الطريق الموصل إلى غيره من ملل الكفر والضلال.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة، ببيان أن الهداية والإضلال بقدرته ومشيئته، فقال- تعالى-: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.
أى: ولو شاء- سبحانه- هدايتكم- أيها الناس- إلى الطريق المستقيم، لهداكم جميعا، ولكنه- لم يشأ ذلك، بل اقتضت حكمته أن يخلق الناس، مستعدين للهدى والضلال، وأن يترك لهم اختيار أحد الطريقين فكان منهم من استحب العمى على الهدى، وكان منهم من سلك الطريق المستقيم. وسيجازى- سبحانه- الذين أساءوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
قال تعالى-: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً «٢» .
وقال- سبحانه-: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً.. «٣» .
وبعد أن بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على عباده عن طريق خلق الأنعام وغيرها من البهائم، التي لهم فيها منافع، أتبع ذلك ببيان نعمه عليهم في إنزال المطر، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١١]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)
стр. 3419
والمراد بالسماء: السحاب المرتفع في طبقات الجو، حيث ينزل منه الماء بقدرة الله- تعالى- والشراب: اسم للمشروب الذي يشربه الإنسان والحيوان وغيرهما.
والشجر: يطلق على النبات ذي الساق الصلبة على سبيل الحقيقة، ويطلق على العشب والكلأ على سبيل المجاز، وهو المراد هنا، لأنه هو الذي ترعاه الأنعام.
والضمير في قوله- سبحانه- وَمِنْهُ شَجَرٌ يعود على الماء، باعتباره السبب في وجود الشجر.
قال الآلوسى: قوله- سبحانه- «ومنه شجر» أى: نبات مطلقا سواء أكان له ساق أم لا، كما نقل عن الزجاج، وهو حقيقة في الأول، ومن استعماله في الثاني قول الراجز:
نعلفها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها اللحم ضرر
فإنه قيل: الشجر فيه بمعنى الكلأ، لأنه الذي يعلف..» «١» .
وقوله: «تسيمون» من الإسامة، بمعنى إطلاق الإبل وغيرها للسوم، أى الرعي.
يقال: أسام فلان إبله للرعي أسامة، إذا أخرجها إلى المرعى. وسامت هي تسوم سوما، إذا رعت حيث شاءت وأصل السوم: الإبعاد في المرعى.
والمعنى: هو- سبحانه- وحده وليس غيره: الذي غمركم بنعمه، حيث أنزل لكم من السحاب ماء كثيرا، هذا الماء الكثير المنزل بقدر معلوم، منه تأخذون ما تشربونه وما تنتفعون في حوائجكم الأخرى، وبسببه تخرج المراعى التي ترعون فيها دوابكم.
فالآية الكريمة دليل آخر من الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وبديع خلقه، حيث أنزل- سبحانه- المطر من السماء، ولو شاء لأمسكه، أو لأنزله غير صالح للشراب.
قال- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ «٢» .
وأتى- سبحانه- بلفظ «في» المفيدة للظرفية، في قوله- تعالى- فِيهِ تُسِيمُونَ للإشارة إلى أن الرعي في هذا الشجر، قد يكون عن طريق أكل الدواب منه، وقد يكون عن طريق أكل ما تحته من الأعشاب.
وقوله- سبحانه-: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.. تفصيل لأهم منافع الماء.
стр. 3420
أى: يخرج لكم من الأرض، بسبب الماء الذي أنزله عليها من السماء «الزرع» الذي هو أصل أغذيتكم، وعماد معاشكم، كالقمح والشعير وغيرهما «والزيتون» الذي تستعملونه إداما في أغذيتكم «والنخيل والأعناب» اللذين فيهما الكثير من الفوائد، ومن التلذذ عند أكل ثمارهما.
وأخرج لكم- أيضا- بسبب هذا الماء «من كل الثمرات» التي تشتهونها وتنتفعون بها، والتي تختلف في أنواعها، وفي مذاقها، وفي روائحها، وفي ألوانها، مع أن الماء الذي سقيت به واحد، والأرض التي نبتت فيها متجاورة.
ولا شك أن في هذا الإنبات بتلك الطريقة، أكبر دليل على قدرة الله- تعالى-. لأنه لا يقدر على ذلك سواء- سبحانه-.
وأسند- سبحانه- الإنبات إليه فقال: «ينبت لكم به ... » لأنه الفاعل الحقيقي لهذا الإنبات والإخراج للزروع من الأرض: أما غيره- سبحانه- فيلقى الحب في الأرض، ويرجو الثمار والإنبات منه- .
قال- تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ «١» .
وقال- سبحانه-: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «٢» .
وقال- : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ «٣» .
وختم- سبحانه- الآية بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ للحض على التفكر والتأمل في عظيم قدرته- سبحانه- حتى يصل المتأمل إلى إخلاص العبادة له- .
أى: إن في ذلك المذكور، من إنزال الماء من السماء، وإنبات الزروع والثمار بسببه، لآية
стр. 3421
باهرة، ودلالة عظيمة، على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، لقوم يحسنون التفكير، ويجيدون التأمل في خلقه، أما الذين لا يحسنون التفكير والتأمل، فهم كالأنعام بل هم أضل.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقال- سبحانه-: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لأن من تفكر في أن الحبة والنواة، تقع في الأرض، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أسفلها، فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض، وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة في الوقوع ...
من تفكر في ذلك علم أن من هذه آثاره وأفعاله، لا يمكن أن يشبهه غيره في صفة من صفات الكمال، فضلا عن أن يشاركه في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة.
وحيث كان الاستدلال بما ذكر، مشتملا على أمر خفى محتاج إلى التفكر والتدبر لمن له نظر سديد، ختم- سبحانه- الآية بالتفكر «١» .
ثم ساق- سبحانه- دلائل أخرى مما خلق لنفع الإنسان، تدل على وحدانيته وقدرته، فقال- تعالى:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)
وقوله «سخر» من التسخير بمعنى التذليل والتكليف، يقال. سخر فلان فلانا تسخيرا، إذا كلفه عملا بلا أجرة، والمراد به هنا: الإعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به أى: ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته، أنه «سخر لكم الليل والنهار» يتعاقبان فيكم لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا الرزق بالنهار.
وأنه- سبحانه- سخر لكم «الشمس والقمر» يدأبان في سيرهما بدون كلل أو
стр. 3422
اضطراب، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت، كما قال- تعالى-:
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «١» .
وأنه- سبحانه- أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه، لكي تهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء: الليل والنهار ... إلخ بالنصب على المفعولية لفعل «سخر» كما قرأ الجمهور. أيضا. «مسخرات» بالنصب على الحالية.
وقرأ ابن عامر: «والشمس والقمر والنجوم» بالرفع على الابتداء، وقرأ- أيضا قوله- «مسخرات، بالرفع على أنه خبر عنها.
وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات، على أنهما مبتدأ وخبر: أما بقية الأسماء السابقة فقرأها بالنصب.
وقوله «بأمره» متعلق بمسخرات. والمراد بأمره: إرادته ومشيئته وتدبيره، الجاري على هذا الكون وفق حكمته وإذنه.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
أى: إن في ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم ومصلحتكم- يا بنى آدم- لآيات بينات، ودلائل واضحات، على وجوب العبادة لله- تعالى- وحده، لقوم يعقلون نعم الله- تعالى-، ويستدلون بها على وحدانيته- سبحانه- وقدرته.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ. أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ.. معطوف على ما قبله من النعم وأصل الذرأ: الخلق بالتناسل والتوالد عن طريق الحمل والتفريخ.
قال القرطبي: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا، أى خلقهم، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين، والجمع الذراري، ويقال: أنمى الله ذرأك وذروك أى: ذريتك.
стр. 3423
والمعنى: وسخر لكم- أيضا- ما أوجده في الأرض من أجل منفعتكم من عجائب الأمور، ومختلف الأشياء، من حيوان ونبات، ومعادن مختلفة الألوان والأجناس والخواص.
ولا شك أن في اختلاف الألوان والمناظر والهيئات وغير ذلك، فيه الدلالة الواضحة على قدرة الله- تعالى- وعلى أنه الخالق لكل شيء.
قال- تعالى- وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ... «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أى: إن في ذلك الذي بيناه لكم، لآية واضحة على قدرة الله- تعالى- لقوم يعتبرون، ويتذكرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، ويخلصون له العبادة.
وبعد أن ذكر- سبحانه- جملة من نعمه التي أوجدها لعباده في البر، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه للبحر، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : آية ١٤]
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
ففي هذه الآية الكريمة بين- سبحانه- أربع نعم على عباده في تسخير البحر لهم.
أما النعمة الأولى فتتجلى في قوله- تعالى- وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا.
والطري: ضد اليابس، والمصدر الطراوة، وفعله طرو بوزن خشن وقرب.
أى: وهو- سبحانه- وحده الذي ذلل لكم البحر، بحيث مكنكم من الانتفاع به، وأقدركم على الركوب عليه، وعلى الغوص فيه، وعلى الصيد منه، لتأكلوا من أسماكه لحما.
طريا غضا شهيا.
стр. 3424
ووصف- سبحانه- لحم أسماكه بالطراوة، لأن أكله في هذه الحالة أكثر فائدة، وألذ مذاقا، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل.
وقال بعض العلماء: وفي وصفه بالطراوة، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفته ما يضر استعماله وما ينفع، وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته- تعالى- في خلقه الحلو الطري في الماء المر الذي لا يشرب.
وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء، وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ : «ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا» .
فالمراد من ميتة البحر في الحديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما لفظه البحر لا ما مات فيه من غير آفة «١» .
وقوله «وتستخرجوا منه حليه تلبسونها» نعمة ثانية من نعم الله- تعالى- للإنسان في تسخير البحر له.
والحلية- بالكسر- اسم لما يتحلى به الناس. وجمعها حلى وحلى- بضم الحاء وكسرها- يقال: تحلت المرأة إذا لبست الحلي، أى: ومن فوائد تسخير البحر لكم أنه سبحانه أقدركم على الغوص فيه، لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما.
قال- تعالى- مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» .
والتعبير بقوله- سبحانه- تستخرجوا..» يشير إلى كثرة الإخراج فالسين والتاء للتأكيد، مثل استجاب بمعنى أجاب. كما يشير إلى أن من الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما في البحر من كنوز وألا يتركوا ذلك لأعدائهم.
وأسند- سبحانه- لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور فقال: «تلبسونها» على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء في معظم الأحيان.
стр. 3425
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله «تلبسونها» أى: تلبسها نساؤكم، وأسند الفعل إلى ضمير الرجال، لاختلاطهم بهم، وكونهم متبوعين، أو لأنهم سبب لتزينهن، فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال، فكأن ذلك زينتهم ولباسهم.
قال القرطبي: «امتن، الله- تعالى- على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله- تعالى- على الرجال الذهب والحرير، ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: قال رسول ﷺ :
«لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .
وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتما من ذهب..، فاتخذ الناس مثله، فرمى به وقال: «لا ألبسه أبدا» . ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتم الفضة ... » «١» .
وقوله- سبحانه-: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ نعمة ثالثة من نعمه- تعالى- في تسخير البحر للناس وأصل المخر: الشق. يقال: مخر الماء الأرض إذا شقها. ويقال مخرت السفينة تمخر، وتمخر، مخرا، ومخورا، إذا جرت في الماء وأخذت تشقه بمقدمتها.
أى: وترى- أيها العاقل- بعينيك السفن وهي تشق البحر بسرعة، متجهة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى آخر، لا تحرسها إلا رعاية الله تعالى وقدرته، كما قال- سبحانه-:
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ «٢» .
والتعبير بقوله: «وترى..» لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية البصرية، وهي حالة تدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده. حيث سخر لهم السفن لتجرى في البحر بأمره.
ثم بين- سبحانه- النعمة الرابعة من نعم تسخير البحر للناس فقال تعالى: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ والابتغاء: الطلب للشيء عن رغبة ومحبة.
أى: وسخر لكم البحر- أيضا- لتستخرجوا منه الحلية، ولتطلبوا فضل الله تعالى
стр. 3426
ورزقه، عن طريق التجارات والأسفار على ظهر البحر من مكان إلى آخر. سعيا وراء الربح.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بحض الناس على شكره على نعمه فقال وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أى: ولعلكم تشكرون الله- تعالى- على آلائه، حيث سخر لكم البحر، وجعله وسيلة من وسائل منفعتكم ومعاشكم.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فوائد الجبال والأنهار والسبل والنجوم، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)
ولفظ: «رواسى» جمع راس من الرسو- بفتح الراء وسكون السين- بمعنى الثبات والتمكن في المكان، يقال رسا الشيء يرسو إذا ثبت. وهو صفة لموصوف محذوف. أى:
جبالا رواسى.
و «تميد» أى تضطرب وتميل. يقال: ماد الشيء يميد ميدا، إذا تحرك، ومادت الأغصان إذا تمايلت أى: وألقى- سبحانه- في الأرض جبالا ثوابت لكي تقر وتثبت ولا تضطرب.
فقوله «أن تميد بكم» تعليل لإلقاء الجبال في الأرض.
قال القرطبي: وروى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتضطرب، فخلق الجبال عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال. قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال نعم، الحديد. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال نعم النار. قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم الماء، قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال نعم الريح.
قالوا يا رب: فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال نعم، ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله» «١» .
стр. 3427
هذا، ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله- تعالى-: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ..» «١» .
وقوله- تعالى-: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً. وَالْجِبالَ أَوْتاداً «٢» .
ثم بين- سبحانه- نعما أخرى لما ألقاه في الأرض فقال: وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. أى: وجعل في الأرض «أنهارا» تجرى من مكان إلى آخر، فهي تنبع في مواضع. وتصب في مواضع أخرى، وفيها نفع عظيم للجميع، إذ منها يشرب الناس والدواب والأنعام والنبات.
وجعل فيها كذلك طرقا ممهدة، يسير فيها السائرون من مكان إلى آخر. «لعلكم تهتدون» بتلك السبل إلى المكان الذي تريدون الوصول إليه. بدون تحير أو ضلال.
وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى-: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً. لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً «٣» .
والمراد بالعلامات في قوله- تعالى-: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ الأمارات والمعالم التي يضعها الناس على الطرق بإلهام من الله- تعالى- للاهتداء بها عند السفر.
والمراد بالنجم: الجنس، فيشمل كل نجم يهتدى به المسافر.
أى ومن مظاهر نعمه- أيضا-، أنه- سبحانه- جعل في الأرض معالم وأمارات من جبال كبار، وآكام صغار، وغير ذلك، ليهتدى بها المسافرون في سفرهم، وتكون عونا لهم على الوصول إلى غايتهم، وبمواقع النجوم هم يهتدون في ظلمات البر والبحر، إلى الأماكن التي يبغون الوصول إليها.
والضمير «هم» في قوله وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ يشمل كل سالك في ظلمات البر والبحر، ويدخل فيه دخولا أوليا أهل مكة، لأنهم كانوا كثيرى الأسفار للتجارة، كما كانوا معروفين بالاهتداء في سيرهم بمواقع النجوم.
стр. 3428
وقدم- سبحانه- المتعلق وهو «وبالنجم» للاهتمام به، إذ أن الاهتداء بالنجوم، أمر هام في حياة المسافرين ولا سيما الذين يسافرون في البحر.
وعدل- سبحانه- عن الخطاب إلى الغيبة في قوله «هم يهتدون» على سبيل الالتفات، ليزداد الكلام طلاوة وانتباها إلى ما اشتمل عليه.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «١» .
وإلى هنا نرى السورة الكريمة، التي هي سورة النعم، قد حدثتنا في بضع عشرة آية. عن ألوان متنوعة من نعم الله- تعالى- على عباده.
حدثتنا عن نعمة الروح الذي يحيى القلوب الميتة وينقذها من الكفر والضلال.
وحدثتنا عن نعمة خلق الإنسان، وخلق السموات والأرض.
وحدثتنا عن نعمة خلق الأنعام، والخيل والبغال والحمير.
وحدثتنا عن نعمة إنزال الماء من السماء، وما يترتب على هذه النعمة من فوائد ومنافع.
وحدثتنا عن نعمة تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لمصلحة الإنسان.
وحدثتنا عن نعمة تسخير البحر وتذليله للانتفاع بخيراته.
وحدثتنا عن كل ذلك وغيره. لكي يخلص الإنسان عبادته لخالقه، ولكي يطيعه حق الطاعة، ويشكره عليها، ويستعملها فيما خلقت له.
وبعد أن حدثتنا السورة عن كل ذلك، ساقت لنا جملة من صفات الله- تعالى- ووبخت المشركين على شركهم، وأبطلته بأبلغ أسلوب، ودعتهم إلى الدخول في الدين الحق، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٧ الى ٢٣]
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)
стр. 3429
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.. للإنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله- تعالى- أى: أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبة، والمخلوقات البديعة، التي بينا لكم بعضها، وهو الله- كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإطلاق، بل هو مخلوق، كتلك الأصنام والأوثان وغيرها، التي أشركتموها في العبادة مع الله- تعالى-؟
إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم- أيها المشركون- وعلى انطماس بصيرتكم، وقبح تفكيركم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام، فلماذا جيء بمن الذي هو لأولى العلم؟.
قلت: فيه أوجه: أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم.
الثاني: المشاكلة بينه وبين من يخلق.
الثالث: أن يكون المعنى: أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده. كقوله- تعالى- أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها.. يعنى أن الآلهة- التي عبدوها- حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة، لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا.
فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله- تعالى-: فكان من حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟
стр. 3430
قلت حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له، وسووا بينه، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.. «١» .
وقوله- سبحانه-: أَفَلا تَذَكَّرُونَ زيادة في توبيخهم وفي التهكم بهم.
أى: أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم في العبادة بين من يخلق ومن لا يخلق، والحال أن هذه التسوية لا يقول بها عاقل، لأن من تفكر أدنى تفكر، وتأمل أقل تأمل، عرف وتيقن أنه لا يصح التسوية في العبادة بين الخالق والمخلوق، فهلا فكرتم قليلا في أمركم، لكي تفيئوا إلى رشدكم، فتخلصوا العبادة لله الخلاق العليم.
ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمه على سبيل الإجمال، بعد أن فصل جانبا منها في الآيات السابقة فقال- تعالى- وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها.
والمراد بالنعمة هنا جنسها، الذي يشمل كل نعمه، لأن لفظ العدد والإحصاء قرينة على ذلك، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع اعتمادا على القرينة- من أبلغ الأساليب الكلامية.
أى: وإن تعدوا نعمة الله- تعالى- التي أنعمها عليكم، في أنفسكم، وفيما سخره لكم لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ولتنوعها.
وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم، وأخلصوا له العبادة والطاعة.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ استئناف قصد به فتح باب الأمل أمامهم لكي يتداركوا ما فرط منهم من جحود وتقصير في حقه- سبحانه-.
أى: إن الله- تعالى- لغفور لعباده على ما فرط منهم متى تابوا إليه توبة نصوحا، رحيم بهم، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم. بل منحهم نعمه مع تقصيرهم في شكره- تعالى.
قال ابن كثير- ﵀ قوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير» «٢» .
стр. 3431
وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ بيان لكمال علمه- تعالى- وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأنه- تعالى- لا تخفى عليه خافية.
أى: والله- تعالى- وحده، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال، وما تظهرونه منها، وهو محص عليكم ذلك، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
ثم وصف- سبحانه- الأوثان التي يعبدها المشركون من دونه، بثلاثة أوصاف. تجعلها بمعزل عن النفع، فضلا عن استحقاقها للعبادة، فقال- تعالى- وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ، وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
فوصفها- أولا- بالعجز التام، فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ...
أى: وهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله- تعالى- لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت، بل هم يخلقون بأيديكم، فأنتم الذين تنحتون الأصنام. كما قال- سبحانه- حكاية عن إبراهيم- ﵇ الذي قال لقومه على سبيل التهكم بهم: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ «١» .
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم، أو هو مفتقر إلى من يوجده؟! وهذه الآية الكريمة أصرح في إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التي تقول:
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.. لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا، أما هذه الآية التي معنا فنفت عنهم ذلك، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله- ، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير، فهم أعجز من عبدتهم، وعليه فلا تكرار بين الآيتين.
وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهي قوله- تعالى- أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ.
أى: هؤلاء المعبودون من دون الله- تعالى-، هم أموات لا أثر للحياة فيهم، فهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما.
وجملة «غير أحياء» جيء بها لتأكيد موتهم، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت، حيث
стр. 3432
إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم، ولم يكونوا أحياء- كعابديهم- ثم ماتوا، بل هم أموات أصلا. أو جيء بها على سبيل التأسيس، لأن بعض مالا حياة فيه من المخلوقات، قد تدركه الحياة فيما بعد، كالنطفة التي يخلق الله- تعالى- منها حياة، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة، وهذا أتم في نقصها، وفي جهالة عابديها.
وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهي قوله- تعالى-: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
ولفظ «أيان» ظرف زمان متضمن معنى متى.
وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق، وعدم إحساسهم بشيء.
أى: أن من صفات هذه المعبودات الباطلة، أنها لا تدرى متى يبعثها الله- تعالى- لتكون وقودا للنار.
وبعضهم يجعل الضمير في «يشعرون» يعود على الأصنام، وفي «يبعثون» يعود على العابدين لها، فيكون المعنى: وما تدرى هذه الأصنام التي تعبد من دون الله- تعالى- متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة.
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله: «وما يشعرون أيان يبعثون» الضمير في «يشعرون» للآلهة وفي «يبعثون» للكفار الذين يعبدون الأصنام.
والمعنى: وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة. فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله- سبحانه-.
ويجوز أن يكون الضمير في الفعلين للآلهة. أى: وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث. ويدل على ذلك قوله تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. «١» .
وبعد أن أبطل- سبحانه- عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقي الحكيم، صرح بأنه لا معبود بحق سواه، فقال: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له، لا في ذاته ولا في صفاته:
فأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا له شركاء.
стр. 3433
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى، فقال- تعالى-: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ.
أى: فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق، جاحدة لنعم الله، منصرفة عن وحدانية الله- تعالى- وعن الأدلة الدالة عليها، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون، لا يستمعون إلى موعظة واعظ، ولا إلى إرشاد مرشد. ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان- الجحود والاستكبار-، حالفه البوار والخسران، وآثر سبيل الغي على سبيل الرشد.
والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «فالذين لا يؤمنون بالآخرة..» دون التصريح بذواتهم، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة، وللإيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة، هو أساس خيبتهم، وخسرانهم وجحودهم ...
وعبر بالجملة الاسمية في قوله «قلوبهم منكرة وهم مستكبرون» للدلالة على تأصل صفتي الجحود والاستكبار في قلوبهم، وعلى أن الإنكار للحق سمة من سماتهم التي لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها، وعلى أن التعالي والغرور لا ينفك عنهم، وأنهم ممن قال- سبحانه- فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ «١» . أى: صاغرين أذلاء.
ثم بين- سبحانه- سوء مصيرهم، فقال: لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.
وكلمة «لا جرم» وردت في القرآن في خمسة مواضع، وفي كل موضع كانت متلوة بأن واسمها، وليس بعدها فعل.
وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر ومعناها بعد التركيب معنى الفعل: حق وثبت، والجملة بعدها فاعل.
قال الخليل: لا جرم، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا، يقال: فعلوا ذلك، فيقال:
لا جرم سيندمون.
стр. 3434
وقال الفراء: «لا جرم» كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزله حقا فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك.
والمعنى: حق وثبت أن الله- تعالى- يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما يعلنونه من أقوال وأفعال، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات، لأنه- سبحانه- لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق، المغرورين بأموالهم وأولادهم، الجاحدين لنعم الله وآلائه.
قال القرطبي: قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه، إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله.
وفي الحديث الصحيح: «إن المتكبرين يحشرون أمثال الذرّ يوم القيامة، يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم» أو كما قال ﷺ : «تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها، وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها» «١» .
وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة، على وحدانية الله، وقدرته، وعلى بطلان عبادة غيره.. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين، وردت عليها بما يدحضها، وببيان سوء عاقبتهم، وعاقبة أشباههم من قبلهم، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
стр. 3435
وقوله- سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم.
والأساطير: جمع أسطورة، كأعاجيب وأعجوبة، وأحاديث وأحدوثة.
والمراد بها: الأكاذيب والترهات التي لا أصل لها، والتي كانت مبثوثة في كتب الأولين.
والمعنى: وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شيء أنزل ربكم على نبيه محمد ﷺ .
قالوا له على سبيل الجحود للحق: لم ينزل عليه شيء، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه محمد ﷺ على أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه.
روى ابن أبى حاتم عن السدى قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا ﷺ رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاءه يريده ردوه عنه.
فخرج ناس في كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد ﷺ ووصل إليهم، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرفه نسبه، ثم يقول للوافد: أنا أخبرك عن محمد ﷺ إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد