قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ هم عند أكثر المفسرين، مشركو مكة، الذين مكروا برسول الله ﷺ ، وراموا صد أصحابه عن الإيمان.
وقيل: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ... والمعول عليه ما عليه أكثر المفسرين، «١» .
والاستفهام في الآية الكريمة للتعجيب والتوبيخ.
والفاء للعطف على مقدر دل عليه المقام.
قال بعضهم ما ملخصه: كل ما جاء في القرآن الكريم، من همزة استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه. فالأظهر فيه، أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل عليه المقام. والتقدير هنا: أجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله لهم بالعقاب، فأمنوا مكره» «٢» .
والمراد بمكرهم هنا: سعيهم بالفساد بين المؤمنين، على سبيل الإخفاء والخداع.
والسيئات: صفة لمصدر محذوف، أى: مكروا المكرات السيئات. والمكرات- بفتح الكاف- جمع مكرة- بسكونها- وهي المرة من المكر.
ويجوز أن تكون كلمة السيئات مفعولا به بتضمين «مكروا» معنى: فعلوا.
والخسف: التغييب في الأرض، بحيث يصير المخسوف به في باطنها.
يقال: خسف الله بفلان الأرض، إذا أهلكه بتغييبه فيها.
ومنه قوله- تعالى-: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ.... «٣» .
والمعنى: أجهل الذين اجترحوا السيئات وعيدنا، فأمنوا عقابنا وتوهموا أنهم لن يصيبهم شيء من عذابنا، الذي من مظاهره خسف الأرض بهم كما خسفناها بقارون من قبلهم؟!!.
стр. 3467
إن جهلهم هذا لدليل على انطماس بصيرتهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
وقوله «أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون» بيان للون آخر من ألوان تهديدهم.
أى: في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض، وفي قدرتنا أيضا أن نرسل عليهم العذاب فجأة فيأتيهم من جهة لا يتوقعون مجيئه منها، ولا يترقبون الشر من ناحيتها.
وفي الجملة الكريمة إشارة إلى أن هذا العذاب الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون. عذاب لا يمكن دفعه أو الهروب منه، لأنه أتاهم بغتة، ومن جهة لا يترقبون الشر منها.
وشبيه بهذا قوله- سبحانه- فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ... «١» .
وقوله- سبحانه- أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ بيان لنوع ثالث من أنواع التهديدات التي هددهم الله- تعالى- بها.
والأخذ في الأصل: حوز الشيء وتحصيله، والمراد به هنا: القهر والإهلاك والتدمير ومنه قوله- تعالى- فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً وقوله- تعالى-: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
والتقلب: الحركة السريعة إقبالا وإدبارا، من أجل السعى في شئون الحياة من متاجرة ومعاملة وسفر وغير ذلك.
ومنه قوله- تعالى-: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ.
أى: في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض، وأن نرسل عليهم العذاب من حيث لا يشعرون، وفي قدرتنا كذلك أن نهلكهم وهم يتحركون في مناكب الأرض خلال سفرهم أو إقامتهم، فإنهم في جميع الأحوال لا يعجزنا أخذهم، ولا مهرب لهم مما نريده بهم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
قال بعض العلماء: والتخوف في اللغة يأتى مصدر تخوف القاصر، بمعنى خاف، ويأتى مصدر
стр. 3468
تخوف المتعدى بمعنى تنقص. وهذا الثاني لغة هذيل، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» «١» .
والمعنى على الأول: أو يأخذهم وهم في حالة خوف وتوقع لنزول العذاب بهم، كما نزل بالذين من قبلهم.
وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله: وقوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ. أى: أو يأخذهم الله- تعالى- في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالات الأخذ، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ... » «٢» .
والمعنى على الثاني: أو يأخذهم وهم في حالة تنقص في أنفسهم وأموالهم وأولادهم حتى يهلكوا، فيكون هلاكهم قد سبقه الفقر والقحط والمرض، وفي ذلك ما فيه من عذاب لهم، وحسرة عليهم.
قال القرطبي: وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب- رضى الله عنه على المنبر قال: أيها الناس ما تقولون في قول الله- : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ.
فسكت الناس.
فقال شيخ من بنى هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين. التخوف: التنقص.
فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد اكتنازه:
تخوّف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر: أيها الناس: عليكم بديوانكم شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم» «٣» .
وختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لبيان فضله- سبحانه- على عباده، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه.
стр. 3469
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرين من التمادي في كفرهم، وهددتهم:
بخسف الأرض بهم. أو بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، أو بإهلاكهم وهم في الأرض يكدحون، أو بأخذهم وهم للأخذ متوقعون.
وبعد أن خوف- سبحانه- الماكرين بما خوف، أتبع ذلك بما يدل على كمال قدرته وعظمته وجلاله، حيث خضعت جميع المخلوقات لذاته- سبحانه- فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)
قرأ جمهور القراء «أو لم يروا..» وقرأ حمزة والكسائي: «أو لم تروا» بالتاء، على الخطاب، على طريقة الالتفات.
وقوله «من شيء» بيان للإبهام الذي في «ما» الموصولة في قوله «إلى ما خلق الله» .
وقوله «يتفيأ» من التفيؤ، بمعنى الرجوع. يقال: فاء فلان يفيء إذا رجع وفاء الظل فيئا، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له. وتفيؤ الظلال: تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس، وبعد زوالها.
والظلال: جمع ظل، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور.
و «داخرون» من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع، يقال: دخر فلان يدخر دخورا، ودخر- بزنة فرح- يدخر دخرا، إذا انقاد لغيره وذل له.
والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات، ولم يروا ما خلق الله- تعالى- من الأشياء ذوات الظلال- كالجبال والأشجار وغيرها- وهي تتنقل ظلالها. من جانب إلى جانب، ومن جهة إلى جهة، باختلاف الأوقات وهي في كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله- تعالى- جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له.
стр. 3470
قال ابن كثير- ﵀: يخبر- تعالى- عن عظمته وجلاله، الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال- أى بكرة وعشيا-، فإنه ساجد بظله لله- تعالى- «١» .
والاستفهام في قوله- تعالى- أَوَلَمْ يَرَوْا.. للإنكار والتوبيخ، والرؤية بصرية.
أى: قد رأوا كل ذلك، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا، ولم يتعظوا بما شاهدوا.
والمراد بقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ جهتهما، وليس المراد التقييد بذلك، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإنسان وأحيانا يكون خلفه. وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام.
وأفرد اليمين، لأن المراد به جنس الجهة، كما يقال: المشرق، أى جهة المشرق، وجمع «الشمائل» - مفردة شمال-، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار تعدد أصحابها.
قال الشوكانى: قال الفراء: وحد اليمين، لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل، لأنه أراد كلها.
وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا في اللفظ، كقوله: «ويولون الدبر» ، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد، كما في قوله- تعالى- وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ. حال من «ظلاله» أى: حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله- تعالى-، وحال كون الجميع لا يمتنع عن أمر الله- تعالى-، بل الكل خاضع له- سبحانه- كل الخضوع.
وجاء قوله- تعالى-: وَهُمْ داخِرُونَ. بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء، تغليبا لهم على غيرهم ثم أتبع- سبحانه- هذه الآية الكريمة، بآيات أخرى مؤكدة لها، ومبينة أن كل المخلوقات لن تمتنع عن السجود لله- تعالى-، سواء أكانت لها ظلال أم لا، فقال- سبحانه-: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ، وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ...
стр. 3471
والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض، مشتقة من الدب بمعنى الحركة.
قال الجمل: قال العلماء، السجود على نوعين: سجود طاعة وعبادة كسجود المسلم لله- وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال فقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. يحتمل النوعين، لأن سجود كل شيء بحسبه، فسجود المسلمين والملائكة سجود طاعة وعبادة، وسجود غيرهم سجود خضوع وانقياد..» «١» .
وأوثرت «ما» الموصولة على من، تغليبا لغير العقلاء، لكثرتهم ولإرادة العموم.
وقوله: «من دابة» بيان لما في الأرض، إذ الدابة ما يدب على الأرض أو- كما يقول الآلوسى- بيان لما فيهما، بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء أكانت في أرض أم سماء..» «٢» .
وقوله «والملائكة» معطوف على «ما» في قوله «ما في السموات وما في الأرض» من باب عطف الخاص على العام.
وخصهم- سبحانه- بالذكر تشريفا لهم. ورفعا لمنزلتهم، وتعريضا بالمشركين الذين عبدوا الملائكة. أو قالوا هم بنات الله.
قوله «وهم لا يستكبرون» أى: والملائكة لا يستكبرون عن إخلاص العبادة له، وعن السجود لذاته- سبحانه- بل هم «عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» .
ثم وصفهم- سبحانه- بالخشية منه، وبالخوف من عقابه فقال: «يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون» .
أى: أن من صفات الملائكة، أنهم يخافون ربهم الذي هو من فوقهم بجلاله وقهره وعلوه- بلا تشبيه ولا تمثيل-، ويفعلون ما يؤمرون به من الطاعات، ومن كل ما يكلفهم به- سبحانه- دون أن تصدر منهم مخالفة.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد وصفت الله- تعالى- بما هو أهل له- سبحانه- من صفات القدرة والجلال والكبرياء، حتى يفيء الضالون إلى رشدهم، ويخلصوا العبادة لخالقهم- .
стр. 3472
وبعد أن بين- سبحانه- أن كل شيء في هذا الكون خاضع لقدرته، أتبع ذلك بالنهى عن الشرك، وبوجوب إخلاص العبادة له، فقال- تعالى-.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٥٥]
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- سبحانه- لما بين في الآيات الأولى، أن ما سوى الله- تعالى- سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجسام، منقاد وخاضع لجلاله- تعالى- وكبريائه- أتبعه في هذه الآية بالنهى عن الشرك، وببيان أن كل ما سواه واقع في ملكه وتحت تصرفه، وأنه غنى عن الكل، فقال- تعالى-: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ... «١» .
أى: وقال الله- تعالى- لعباده عن طريق رسله- عليهم الصلاة والسلام- لا تتخذوا شركاء معى في العبادة والطاعة، بل اجعلوهما لي وحدي، فأنا الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء.
قال الآلوسى: وقوله وَقالَ اللَّهُ.. معطوف على قوله- سبحانه- وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
وإظهار الفاعل، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر، للإيذان بأنه- تعالى- متعين الألوهية.
стр. 3473
والمنهي عنه هو الإشراك به، لا أن المنهي عنه هو مطلق اتخاذ إلهين..» «١» .
«اثنين» صفة للفظ إلهين أو مؤكد له. وخص هذا العدد بالذكر، لأنه الأقل، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى.
وقوله- سبحانه- إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بيان وتوكيد لما قبله، وهو مقول لقوله- سبحانه- وَقالَ اللَّهُ.
أى: وقال الله لا تتخذوا معى في العبادة إلها آخر، وقال- أيضا- إنما المستحق للعبادة إله واحد، والقصر في الجملة الكريمة من قصر الموصوف على الصفة، أى: الله وحده هو المختص بصفة الوحدانية.
وقد نهى- سبحانه- عن الشرك في آيات كثيرة، وأقام الأدلة على بطلانه ومن ذلك قوله- تعالى- ... وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً «٢» وقوله- سبحانه- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ «٣» .
والفاء في قوله «فإياى فارهبون» واقعة في جواب شرط مقدر و «إياى» مفعول به لفعل محذوف يقدر مؤخرا، يدل عليه قوله «فارهبون» .
والرهبة: الخوف المصحوب بالتحرز، وفعله رهب بزنة طرب.
والمعنى: إن رهبتم شيئا فإياى فارهبوا دون غيرى، لأنى أنا الذي لا يعجزنى شيء.
وفي الجملة الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب، للمبالغة في التخويف، إذ تخويف الحاضر أبلغ من تخويف الغائب، لا سيما بعد أن وصف- سبحانه- ذاته بما وصف من صفات القهر والغلبة والكبرياء.
وقدم المفعول وهو إياى لإفادة الحصر، وحذف متعلق الرهبة، للعموم.
أى: ارهبونى في جميع ما تأتون وما تذرون.
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على ألوان من المؤكدات للنهى عن الشرك، والأمر بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، تارة عن طريق التقرير «وقال الله..» وتارة عن طريق النهى الصريح، وتارة عن طريق القصر وتارة عن طريق التخصيص.
وذلك لكي يقلع الناس عن هذه الرذيلة النكراء، ويؤمنوا بالله الواحد القهار.
стр. 3474
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، ونفاذ إرادته، فقال- تعالى-: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلَهُ الدِّينُ واصِباً ...
والمراد بالدين هنا: الطاعة والخضوع بامتثال أمره واجتناب نهيه، وقد أتى الدين بمعنى الطاعة في كثير من كلام العرب، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
وأياما لنا غرا كراما ... عصينا الملك فيها أن ندينا
أى: عصيناه وامتنعنا عن طاعته وعن الخضوع له.
قوله «واصبا» من الوصوب بمعنى الدوام والثبات، يقال: وصب الشيء يصب- بكسر الصاد- وصوبا، إذا دام وثبت. ومنه قوله- تعالى- دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ «١» أى: دائم.
أى: ولله- تعالى- وحده ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا، لا شريك له في ذلك، ولا منازع له في أمره أو نهيه.. وله- أيضا- الطاعة الدائمة، والخضوع الباقي الثابت الذي لا يحول ولا يزول.
والآية الكريمة معطوفة على قوله «إنما هو إله واحد» .
والاستفهام في قوله «أفغير الله تتقون» للإنكار والتعجيب، والفاء للتعقيب، وهي معطوفة على محذوف، والتقدير، أفبعد أن علمتم أن الله- تعالى- له ما في السموات والأرض، وله الطاعة الدائمة.. تتقون غيره، أو ترهبون سواه؟
إن من يفعل ذلك لا يكون من جملة العقلاء، وإنما يكون من الضالين الجاهلين.
ثم بين- سبحانه- أن كل نعمة في هذا الكون، هو- سبحانه- مصدرها وموجدها، فقال: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...
أى: وكل نعمة عندكم كعافية في أبدانكم، ونماء في مالكم، وكثرة في أولادكم، وصلاح في بالكم.. فهي من الله- تعالى- وحده.
فالمراد بالنعمة هنا النعم الكثيرة التي أنعم بها- سبحانه- على الناس، لأنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معينة، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع- اعتمادا على القرينة- من أبلغ الأساليب الكلامية، و «ما» موصولة مبتدأ، متضمنة معنى الشرط.
وقوله «فمن الله» خبرها.
стр. 3475
وقوله «من نعمة» بيان لما اشتملت عليه «ما» من إبهام.
وقوله- سبحانه- ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ. ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ، إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بيان لطبيعة الإنسان، ولموقفه من خالقه- والضر: يشمل المرض والبلاء والفقر وكل ما يتضرر منه الإنسان.
وقوله «تجأرون» من الجؤار بمعنى- رفع الصوت بالاستغاثة وطلب العون، يقال: جأر فلان يجأر جأرا وجؤارا، إذا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث وأصله: صياح الوحش. ثم استعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
أى: كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من الله- تعالى- فكان من الواجب عليكم أن تشكروه على ذلك، ولكنكم لم تفعلوا، فإنكم إذا نزل بكم الضر، صحتم بالدعاء، ورفعتم أصواتكم بالتضرع، ليكشف عنكم ما حل بكم، فإذا ما كشف- سبحانه- عنكم الضر، سرعان ما يقع فريق منكم في الشرك الذي نهى الله- تعالى- عنه.
و «ثم» في هاتين الآيتين للتراخي الرتبى، لبيان الفرق الشاسع بين حالتهم الأولى وحالتهم الثانية.
والتعبير بالمس في قوله «ثم إذا مسكم الضر..» للإيماء بأنهم بمجرد أن ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا، جأروا إلى الله- تعالى- بالدعاء لكشفه.
وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله «فإليه تجأرون» لإفادة القصر، أى إليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل بكم من بلاء، لا إلى غيره لأنكم تعلمون أنه لا كاشف للضر إلا هو- سبحانه-.
و «إذا» الأولى في قوله «ثم إذا كشف..» شرطية والثانية وهي قوله «إذا فريق منكم..» فجائية، وهي جواب الأولى.
وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس، إلى جحود نعم الله- تعالى- بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل.
وقال- سبحانه- فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لتسجيل الشرك على هذا الفريق ولإنصاف غيره من المؤمنين الصادقين، الذين يشكرون الله- تعالى- في جميع الأحوال، ويواظبون على أداء ما كلفهم به في السراء والضراء.
وهذا المعنى الذي تضمنته هاتان الآيتان، قد جاء ما يشبهه في آيات كثيرة منها
стр. 3476
قوله- تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ «١» .
وقوله- سبحانه-: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ، أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ.. «٢» .
فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه، إذ الناس- إلا من عصم الله- يجأرون إلى الله- تعالى- بالدعاء عند الشدائد والمحن، وينسونه عند السراء والرخاء.
واللام في قوله «ليكفروا بما آتيناهم..» يصح أن تكون للتعليل، وأن تكون هي التي تسمى بلام العاقبة أو الصيرورة.
قال الشوكانى: «واللام في «ليكفروا بما آتيناهم..» لام كي. أى: لكي يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر، حتى لكأن هذا الكفر منهم الواقع في موقع الشكر الواجب عليهم، غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها غاية.
وقيل: اللام للعاقبة: يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا الكفر..» «٣» .
وقوله- سبحانه-: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تهديد ووعيد لهم على جحودهم لنعم الله- تعالى- والجملة الكريمة معمولة لقول محذوف.
أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- اعملوا ما شئتم وانتفعوا من متاع الدنيا كما أردتم فسوف تعلمون سوء عاقبتكم يوم القيامة.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك جانبا من عقائدهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة التي تمجها العقول السليمة، والأفكار القويمة، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)
стр. 3477
وقوله- سبحانه-: وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ.... معطوف على ما سبقه بحسب المعنى، لتسجيل رذائلهم، وتعداد جناياتهم.
وضمير الجمع في قوله «لما لا يعلمون» يصح أن يعود إلى الكفار، كالذي قبله في «ويجعلون» .
فيكون المعنى: إن هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون من إشراكهم بالله- تعالى- ومن التضرع إليه عند الضر ونسيانه عند الرخاء.. ولا يكتفون بذلك، بل ويجعلون للأصنام التي لا يعلمون منها ضرا ولا نفعا، نصيبا مما رزقناهم من الحرث والأنعام وغيرهما.
ويصح أن يعود ضمير الجمع في قوله «لما لا يعلمون» للأصنام، فيكون المعنى: ويجعلون للأصنام التي لا تعلم شيئا لأنها جماد لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر.. يجعلون لها نصيبا مما رزقناهم.
قال الآلوسى: قوله: لِما لا يَعْلَمُونَ أى لآلهتهم التي لا يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع، على أن «ما» موصولة، والعائد محذوف وضمير الجمع للكفار، أو لآلهتهم التي لا علم لها بشيء لأنها جماد. على أن «ما» موصوله- أيضا- عبارة عن الآلهة، وضمير «يعلمون» عائد عليها ومفعول «يعلمون» متروك لقصد العموم، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم..» «١» .
وقال- سبحانه- «نصيبا» بالتنكير، للايماء بأنه نصيب كبير وضعوه في غير موضعه ووصفه بأنه مما رزقهم- سبحانه- لتهويل جهلهم وظلمهم، حيث تركوا التقرب إلى الرازق
стр. 3478
الحقيقي- جل وعلا-، وتقربوا بجانب كبير مما رزقهم به- سبحانه- إلى جمادات لا تغنى عنهم شيئا.
وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهالتهم، فصلته آيات أخرى منها قوله- تعالى- في سورة الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ «١» .
وقوله- سبحانه- تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ تهديد ووعيد لهم على سوء أفعالهم. أى: أقسم بذاتى لتسألن- أيها المشركون- سؤال توبيخ وتأنيب في الآخرة، عما كنتم تفترونه من أكاذيب في الدنيا، ولأعاقبنكم العقاب الذي تستحقونه بسبب افترائكم وكفركم. وصدرت الجملة الكريمة بالقسم، لتأكيد الوعيد، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت الجملة الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ الغائب.
وقوله- سبحانه-: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة، وهو معطوف على ما قبله.
وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه- مع أنه سؤال تقريع وتأنيب- إلا أنه يدل على عدل الله- تعالى- مع هؤلاء الظالمين، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن سألهم، وبعد أن ثبت إجرامهم وفي ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين في أحكامهم.
وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا في بعض قبائل العرب، من أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قالوا: وكانت قبيلة خزاعة، وقبيلة كنانة تقولان بذلك في الجاهلية.
أى: أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم، بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى، وهي أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله- تعالى-، وأشركوها معه في العبادة.
قوله «سبحانه» مصدر نائب عن الفعل، وهو منصوب على المفعولية المطلقة، وهو في محل جملة معترضة، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة، التي حكاها الله- تعالى- عنهم، وهي «ويجعلون لله البنات» .
стр. 3479
أى: تنزه وتقدس الله- عن أن يكون له بنات أو بنين، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
والمراد بما يشتهونه في قوله- : وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ الذكور من الأولاد.
أى: أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم، ويجعلون لله- تعالى- البنات، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله- تعالى-: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ. وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «١» .
ثم صور- سبحانه- حالتهم عند ما يبشرون بولادة الأنثى، وحكى عاداتهم الجاهلية المنكرة فقال- تعالى-: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ...
قال الآلوسى: قوله «وإذا بشر أحدهم بالأنثى..» أى: أخبر بولادتها. وأصل البشارة الإخبار بما يسر. لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوؤهم حملت على مطلق الإخبار. وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة، بقطع النظر عن كونها أنثى..» «٢» .
وقوله «كظيم» من الكظم بمعنى الحبس. يقال: كظم فلان غيظه، إذا حبسه وهو ممتلئ به وفعله من باب ضرب.
والمعنى: وإذا أخبر أحد هؤلاء الذين يجعلون لله البنات، بولادة الأنثى دون الذكر، صار وجهه مسودا كئيبا كأن عليه غبرة، ترهقه قترة- أى تعلوه ظلمه وسواد-، وصار جسده ممتلئا بالحزن المكتوم، والغيظ المحبوس، وأصبح يتوارى ويتخفى عن أعين الناس خجلا وحياء، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ولم تلد له ذكرا.
وقوله- سبحانه-: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ تصوير بليغ لموقف ذلك الشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى.
فالضمير المنصوب في قوله «أيمسكه، ويدسه» يعود على المبشر به وهو الأنثى.
والهون بمعنى الهوان والذل.
стр. 3480
ويدسه من الدس بمعنى الإخفاء للشيء في غيره. والمراد به. دفن الأنثى حية في التراب حتى تموت، وهو المشار إليه في قوله- تعالى-: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
أى: أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى، يدور بذهنه أحد أمرين: إما أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل، وإما أن يدسها ويخفيها في التراب، بأن يدفنها فيه وهي حية حتى تموت.
والجار والمجرور في قوله «على هون» يصح أن يكون حالا من الفاعل وهو المشرك: أى أيمسك المبشر به مع رضاه- أى المشرك- بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا الإمساك.
ويصح أن يكون حالا من المفعول وهو الضمير المنصوب. أى أيمسك هذه الأنثى ويبقيها بقاء ذلة وهوان لها، بحيث لا يورثها شيئا من ماله، ولا يعاملها معاملة حسنة.
ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله «أيمسكه على هون» ليشمل حالة المشرك وحالة المبشر به وهو الأنثى.
وقوله- تعالى-: أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ. ذم لهم على صنيعهم السيئ، وعلى جهلهم الفاضح.
أى: بئس الحكم حكمهم، وبئس الفعل فعلهم، حيث نسبوا البنات إلى الله- تعالى-، وظلموهن ظلما شنيعا، حيث كرهوا وجودهن، وأقدموا على قتلهن بدون ذنب أو ما يشبه الذنب.
وصدر- سبحانه- هذا الحكم العادل عليهم بحرف «ألا» الاستفتاحية: لتأكيد هذا الحكم، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه، إنما هو جور عظيم، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح، وتفكيرهم السيئ.
أسند- سبحانه- الحكم إلى جميعهم، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم، لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح، هذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به.
ثم أتبع- سبحانه- هذا الذم لهم بذم آخر على سبيل التأكيد فقال- تعالى-:
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
والمثل: الحال والصفة العجيبة في الحسن والقبح.
والسوء: مصدر ساءه يسوءه سوءا، إذا عمل معه ما يكره، وإضافة المثل إلى السوء للبيان.
стр. 3481
والمراد بمثل السوء: أفعال المشركين القبيحة التي سبق الحديث عنها.
والمعنى للذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب.. صفة السوء، التي هي كالمثل في القبح، وهي وأدهم البنات، وجعلهم لآلهتهم. نصيبا مما رزقناهم، وقولهم:
الملائكة بنات الله، وفرحهم بولادة الذكور للاستظهار بهم.
فهذه الصفات تدل على غبائهم وجهلهم وقبح تفكيرهم.
أما الله- فله المثل الأعلى أى الصفة العليا، وهي أنها الواحد الأحد، المنزه عن الوالد والولد: والمبرأ من مشابهة الحوادث، والمستحق لكل صفات الكمال والجلال في الوحدانية، والقدرة والعلم.. وغير ذلك مما يليق به- سبحانه-.
وهو- «العزيز» في ملكه بحيث لا يغلبه غالب «الحكيم» في كل أفعاله وأقواله.
وبعد أن ساق- سبحانه- ما يدل على جهالات المشركين، وانطماس بصائرهم، وسوء تفكيرهم، أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر رحمته بخلقه وعن جانب من جرائم المشركين، وعن وظيفة القرآن الكريم، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦١ الى ٦٤]
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
و «لو» في قوله- تعالى-: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ.. حرف امتناع
стр. 3482
لامتناع. أى: حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه، لأجل امتناع وقوع شرطه، وقد امتنع هنا إهلاك الناس، لامتناع إرادة الله- تعالى- ذلك.
وقوله «يؤاخذ» مفاعلة من المؤاخذة بمعنى العقوبة، فالمفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد.
فمعنى آخذ الله- تعالى- الناس يؤاخذهم: أخذهم وعاقبهم بسبب ذنوبهم.
والأخذ بمعنى العقاب قد جاء في القرآن الكريم في آيات كثيرة: ومن ذلك قوله- تعالى- وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «١» .
والباء في «بظلمهم» للسببية، والظلم: مجاوزة الحدود التي شرعها الله- تعالى- وأعظمه الإشراك بالله- تعالى- كما قال- تعالى- إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
والمراد من المؤاخذة بسبب ظلمهم: تعجيل العقوبة لهم في الدنيا.
والضمير في قوله- سبحانه- «عليها» يعود على الأرض. وصح عود الضمير عليها مع أنه لم يسبق ذكر لها، لأن قوله «من دابة» يدل على ذلك لأنه من المعلوم، أن الدواب تدب على الأرض.
ونظيره قوله- تعالى- في آية أخرى ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أى: الشمس. فإنه وإن كان لم يجر لها ذكر إلا أن المقام يدل عليها.
ورجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إلا أن المقام يدل عليه كثير في كلام العرب، ومنه قول حاتم الطائي:
أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقوله: حشرجت وضاق بها، المقصود به الروح أو النفس، ولم يجر لها ذكر، إلا أن قوله: وضاق بها الصدر، يعين أن المراد بها النفس.
والمراد بالساعة في «لا يستأخرون عنه ساعة» مطلق الوقت الذي هو غاية في القلة.
والمعنى: ولو عاجل الله- تعالى- الناس بالعقوبة، بسبب ما اجترحوه من ظلم وآثام، لأهلكهم جميعا، وما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب عليها، ولكنه- سبحانه- فضلا منه وكرما، لا يعاجلهم بالعقوبة التي تستأصلهم بل يؤخرهم «إلى أجل مسمى» أى: إلى وقت معين محدد تنتهي عنده حياتهم، وهذا الوقت المحدد لا يعلمه إلا هو- سبحانه- «فإذا
стр. 3483
جاء أجلهم» . أى: فإذا حان الوقت المحدد لهلاكهم، فارقوا هذه الدنيا بدون أدنى تقديم أو تأخير عن هذا الوقت.
هذا، ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالناس هنا: الكفار خاصة، لأنهم هم الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى.
ويبدو لنا أن المراد بالناس هنا: العموم، لأن قوله «من دابة» يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة، ولأن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة «من» تكون نصا صريحا في العموم.
وإلى العموم أشار ابن كثير عند تفسيره للآية بقوله: يخبر الله- تعالى- عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أى: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بنى آدم. ولكن الرب- جل وعلا- يحلم ويستر وينظر..» «١» .
وقال القرطبي: فإن قيل: فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟
فالجواب: يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أراد الله- تعالى- بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم- وأعمالهم-، «٢» .
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله- تعالى-: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا «٣» .
وقوله- تعالى-: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ «٤» .
وقوله- تعالى-: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٥» .
ثم حكى- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال- تعالى- وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ...
стр. 3484
أى: أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بإنكارهم البعث وبجحود نعم الله- تعالى- بل أضافوا إلى ذلك أنهم يثبتون له- سبحانه وينسبون إليه كذبا وزورا- ما يكرهونه لأنفسهم، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في أموالهم أو في مناصبهم ومع ذلك يشركون مع الله- تعالى- في العبادة آلهة أخرى، ويكرهون أراذل الأموال، ومع ذلك يجعلون لله- تعالى- أراذل أموالهم. ويجعلون لأصنامهم أكرمها، ويكرهون البنات، ومع ذلك ينسبونهن إليه- سبحانه-. فالجملة الكريمة تنعى عليهم أنانيتهم، وسوء أدبهم مع خالقهم- وقوله- سبحانه- وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ... تصوير بليغ لما جبلوا عليه من كذب صريح، وبهتان واضح.
ومعنى: «تصف» تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل، حتى لكأنها تذكر أوصاف الشيء، وجملة «أن لهم الحسنى» بدل من «الكذب» .
والحسنى: تأنيث الأحسن، والمراد بها زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقا، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه، كما كان لهم في الدنيا ذلك، فقد روى أنهم قالوا: إن كان محمد ﷺ صادقا فيما يخبر عنه من أمر البعث، فلنا الجنة ...
والمعنى: أن هؤلاء المشركين يجعلون لله- تعالى- ما يكرهونه من الأولاد والأموال والشركاء، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقا واضحا صريحا إذ زعموا أنه إن كانت الآخرة حقا، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب..
وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم في آيات متعددة منها قوله- تعالى- وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ «١» .
وقوله- تعالى-: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ... «٢» .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه. جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته. كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر «٣» .
стр. 3485
وقال بعض العلماء: والتعبير القرآنى في قوله وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو كأنها صورة له، تحكيه وتصفه بذاتها، كما تقول: فلان قوامه يصف الرشاقة.. لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة، مفصح عنها.
كذلك قال- سبحانه- وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ... فهي بذاتها تعبير عن الكذب، لطول ما قالت الكذب، ولكثرة ما عبرت عنه، حتى صارت رمزا عليه، ودلالة له «١» .
وقوله- سبحانه-: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ تكذيب لهم فيما زعموه من أن لهم الحسنى، ووعيد لهم بإلقائهم في النار.
وكلمة «لا جرم» وردت في القرآن الكريم في خمسة مواضع، متلوة بأن واسمها وليس بعدها فعل. وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر. ومعناها بعد التركيب معنى حق وثبت. والجملة بعدها فاعل، أى: حق وثبت كونهم لهم النار وأنهم مفرطون فيها.
وقوله- سبحانه-: مُفْرَطُونَ قرأها الجمهور- بسكون الفاء وفتح الراء- بصيغة اسم المفعول من أفرطه بمعنى قدمه. يقال: أفرطته إلى كذا. أى: قدمته إليه.
قال القرطبي: والفارط الذي يتقدم غيره الى الماء. ومنه قول النبي ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض» أى: متقدمكم ... «٢» .
أو من أفرط إذا نسيه وتركه. تقول: أفرطت فلانا خلفي، إذا تركته ونسيته.
والمعنى: أن هؤلاء الذين يزعمون أن لهم الحسنى في الآخرة كذبوا في زعمهم، وفجروا في إفكهم، فإنهم ليس لهم شيء من ذلك، وإنما الأمر الثابت الذي لا شك فيه، أن لهم في الآخرة النار، وأنهم مفرطون فيها، مقدمون إليها بدون إمهال، ومتروكون فيها بدون اكتراث بهم، كما يترك الشيء الذي لا قيمة له. قال- تعالى-: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا «٣» .
وقرأ نافع «وأنهم مفرطون» - بسكون الفاء وكسر الراء- بصيغة اسم الفاعل. من أفرط اللازم بمعنى أسرف وتجاوز الحد. يقال: أفرط فلان في كذا، إذا تجاوز الحدود المشروعة.
стр. 3486
فيكون المعنى: لا جرم أن لهم النار، وأنهم مفرطون ومسرفون في الأقوال والأعمال التي جعلتهم حطبا لها، ووقودا لنيرانها كما قال- تعالى-: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ «١» .
ثم وجه- سبحانه- خطابا لنبيه ﷺ على سبيل التسلية والتثبيت، حيث بين له أن ما أصابه من مشركي قومه، قد فعل ما يشبهه المشركون السابقون مع أنبيائهم، فقال- تعالى-: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وقوله فَزَيَّنَ من التزيين وهو تصيير الشيء زينا، أى: حسنا والزينة: هي ما في الشيء من محاسن ترغب الناس فيه.
والمعنى: أقسم لك- أيها الرسول الكريم- بذاتى، لقد أرسلنا رسلا كثيرين إلى أمم كثيرة من قبلك، فكانت النتيجة أن استحوذ الشيطان على نفوس عامة هؤلاء المرسل إليهم، حيث زين لهم الأفعال القبيحة، وقبح لهم الأعمال الحسنة، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف المكذب لأقوالهم، المعرض عن إرشاداتهم، المحارب لدعوتهم.
وقوله- سبحانه-: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا.
قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: والمراد باليوم في قوله- تعالى-: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا- أى مدة أيام الدنيا- فيكون المعنى: فهو قرينهم في الدنيا. ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده. فيكون للحال الآتية. ويكون الولي بمعنى الناصر. والمراد نفى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا في الآخرة.
ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين: الأول أن يراد البعض الذي مضى، وهو الذي وقع فيه التزيين للأمم الماضية من الشيطان، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية.. الثاني: أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش أعمالهم، فيكون الضمير في «وليهم» لكفار قريش. فيكون المعنى: فهو ولى هؤلاء المشركين اليوم أى: معينهم على الكفر والمعاصي ولهم ولأمثالهم عذاب أليم في الآخرة» «٢» .
стр. 3487
ثم بين- سبحانه- أهم الوظائف التي من أجلها أنزل كتابه على نبيه محمد ﷺ فقال: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
أى: وما أنزلنا عليك- أيها الرسول الكريم- هذا القرآن، إلا من أجل أن تبين لمن أرسلت إليهم وجه الصواب فيما اختلفوا فيه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والحلال والحرام ... وبذلك يعرفون الحق من الباطل، والخير من الشر.
وسيقت هذه المعاني بأسلوب القصر، لقصد الإحاطة بأهم الغايات التي من أجلها أنزل الله- تعالى- كتابه على نبيه الكريم، ولترغيب السامعين في تقبل إرشادات هذا الكتاب بنفس منشرحة، وقلب متفتح.
وقوله وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ثناء آخر على هذا الكتاب الكريم.
أى: أنزلنا هذا الكتاب يا محمد، لتبين للناس عن طريقه وجه الحق فيما اختلفوا فيه من أمور الدين، وليكون هذا الكتاب هداية إلى الطريق القويم، ورحمة لقوم يؤمنون به، ويسيرون في كل أمورهم على هدى تعاليمه وإرشاداته وتشريعاته.
وقال- سبحانه-: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ للإشارة الى أن الظفر بما اشتمل عليه القرآن من خيرات، إنما هو لقوم قد توجهت نفوسهم إلى الإيمان به، وتفتحت قلوبهم لاستقبال هداياته.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا جانبا من مظاهر فضل الله- تعالى- على عباده، وردت على المشركين فيما زعموه من أن لهم في الآخرة العاقبة الحسنى، وسلت النبي ﷺ عما أصابه منهم من أذى، وبينت أهم الوظائف التي من أجلها أنزل الله- تعالى- كتابه.
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله- تعالى- على خلقه، ومن ذلك: نعمة إنزال الماء من السماء، ونعمة خلق الأنعام، ونعمة إيجاد النخيل والأعناب، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٥ الى ٦٧]
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)
стр. 3488
والمراد بالسماء في قوله- تعالى-: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: جهة العلو أو السحاب المنتشر في طبقات الجو العليا والذي تنزل منه الأمطار.
والمراد بإحياء الأرض: تحرك القوى النامية فيها، وإظهار ما أودعه الله- تعالى- فيها من نبات وأزهار، وثمرات، وغير ذلك مما تنبته الأرض.
والمراد بموتها: خلوها من ذلك، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها.
قال- تعالى-: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
أى: وكما أنزل الله- تعالى- كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون، أنزل- سبحانه- أيضا الماء من السماء على الأرض، فتحولت بسبب نزول هذا الماء المبارك الكثير عليها، من أرض جدباء خامدة، إلى أرض خضراء رابية.
ثم حرض- سبحانه- عباده على التدبر والشكر فقال- تعالى-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
أى: إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا وحدها، من انزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به من بعد موتها، لآية عظيمة، وعبرة جليلة، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا، «لقوم يسمعون» ما يتلى عليهم من كلام الله- تعالى- سماع تدبر واعتبار، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة.
فالمراد بالسمع: سمع القلوب والعقول، لا سمع الآذان فقط، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة للحق، لا قيمة له، ولا فائدة ترجى من ورائه.
ثم أرشد- سبحانه- إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته، وعظيم قدرته وعجيب صنعه، وسعة رحمته، حيث خلق للناس الأنعام، وسقاهم من ألبانها، فقال- تعالى-: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً....
والأنعام: تطلق على الإبل والبقر والغنم من الحيوان، ويدخل في الغنم المعز.
стр. 3489
والعبرة: مصدر بمعنى العبور، أى: التجاوز من محل إلى آخر، والمراد بها هنا: العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى اليقظة.
أى: وإن لكم- أيها الناس- في خلق الأنعام، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة، وعظة بليغة، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، ومداومة الشكر له على نعمه. فالتنكير في قوله لَعِبْرَةً للتفخيم والتهويل.
وقوله- تعالى-: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ استئناف بيانى، كأنه قيل: وما وجه العبرة في الأنعام؟ فكان الجواب: نسقيكم مما في بطونه.
قال الآلوسى: والضمير في «بطونه» يعود للأنعام، وهو اسم جمع، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه، ويجوز تأنيثه وجمعه باعتبار معناه ... » «١» .
وقوله- سبحانه-: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ بيان لموطن العبرة ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته ورحمته..
والفرث: الطعام المتبقى في أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث: التفتيت. يقال فرثت كبده. أى: فتتتها.
قال الجمل ما ملخصه: والفرث: الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش- بفتح الكاف وكسر الراء- فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا. وقوله لَبَناً مفعول ثان لنسقيكم، والأول هو الكاف» «٢» .
والخالص: النقي الصافي الخالي من الشوائب والأكدار. يقال خلص الشيء من التلف خلوصا- من باب قعد- إذا سلم منه.
والسائغ: اللذيذ الطعم، السهل المدخل الى الحلق. يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغا.
من باب قال- إذا سهل مدخله في الحلق.
أى: نسقيكم من بين الفرث والدم الذي اشتملت عليه بطون الأنعام، «لبنا» نافعا لأبدانكم «خالصا» من رائحة الفرث، ومن لون الدم، مع أنه موجود بينهما «سائغا للشاربين» بحيث يمر في الحلوق بسهولة ويسر، ويشعر شاربه بلذة وارتياح.
стр. 3490
وقدم- سبحانه- قوله: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ على قوله لَبَناً، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله- تعالى- ووحدانيته.
قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ أى: يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله- تعالى-، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله ... فسبحان الله ما أعظم قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمل. وسئل «شقيق» عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم.
ثم قال- ﵀: فإن قلت: أى فرق بين «من» الأولى والثانية؟.
قلت: الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونها ... والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ ...
وإنما قدم قوله: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم» «١» .
وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية: «ومن تدبر في بدائع صنع الله- تعالى- فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، وتسخير القوى المتصرفة فيها ... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه- سبحانه- وقدرته، وحكمته، وتناهى رأفته ورحمته:
حكم حارت البرية فيها ... وحقيق بأنها تحتار «٢»
والحق، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته، وعجيب صنعته، حيث استخرج- سبحانه- من بين فرث ودم في بطون الأنعام، لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله.. كلاما يقوى إيمان المؤمنين، ويدفع باطل الملحدين.
هذا، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله- تعالى- على خلقه.
قال القرطبي ما ملخصه: «روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ بلبن فشرب، ثم قال: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا
стр. 3491
خيرا منه، وإذا سقى لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن» .
ثم قال الإمام القرطبي: قال علماؤنا: فكيف لا يكون كذلك، وهو أول ما يغتذى به الإنسان، وتنمو به الأبدان، فهو قوت به قوام الأجسام، وقد جعله الله- تعالى- علامة لجبريل على هداية هذه الأمة، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال لي جبريل: اخترت الفطرة ... » «١» .
ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التي لا تحصى، وهي نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال- تعالى-: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً....
قال الجمل ما ملخصه: قوله- سبحانه-: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ.. خبر مقدم، ومن تبعيضية، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر، وقوله تَتَّخِذُونَ نعت لهذا المبتدأ المحذوف، أى: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا.
ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف، والتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أى: من عصيرهما، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً بيان وكشف عن كيفية الإسقاء.
والضمير في قوله مِنْهُ يعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر «٢» .
والسكر- بفتح السين والكاف- اسم من أسماء الخمر، يقال: سكر فلان- بوزن فرح- يسكر سكرا، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر- بفتح السين وكسر الكاف-.
وأما الرزق الحسن، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله- تعالى- من ثمارهما.
وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف.
قال الآلوسى ما ملخصه: والسكر: الخمر. قال الأخطل:.
стр. 3492
بئس الصّحاة وبئس الشّرب شربهم إذا جرى فيهم المزّاء والسّكر والمزاء: نوع من الأشربة. والسكر ما يسكر وهو الخمر.
وفسروا الرزق الحسن. بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك.
ثم قال: وتفسير «السّكر» بالخمر، هو المروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبى رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي.. والنخعي.. مع خلق آخرين.. «١» .
وعلى هذا التفسير الذي قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن، ويكون العطف للتغاير.
ومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل، أو للعصير غير المسكر، أو لما لا يسكر من الأنبذة، وقد بسط الإمام القرطبي القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه: قوله- تعالى- سَكَراً السكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر.
والمراد بالسكر: الخمر. وبالرزق الحسن: جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين.
وقد قيل إن السكر: الخل بلغة الحبشة. والرزق الحسن: الطعام. وقيل السكر: العصير الحلو الحلال، وسمى سكرا، لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم ...
وقال الحنفيون. المراد بقوله «سكرا» مالا يسكر من الأنبذة. والدليل عليه أن الله- سبحانه- امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز.
وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «حرم الله الخمر بعينها والسّكر من غيرها» «٢» .
وأصحاب هذا الرأى كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من باب عطف الشيء على مرادفه، كما في قوله- تعالى- لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وليس من باب العطف المقتضى للمغايرة، فالسكر عندهم ليس هو الخمر، وإنما هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر.
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول، لأن هذا التفسير
стр. 3493
هو المروي عن جمع من الصحابة ومن التابعين، ولأن الأصل في العطف أنه يقتضى المغايرة.
قال ابن العربي: أسد هذه الأقوال قول ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، والمراد بالسكر الخمر، فتكون هذه الآية منسوخة لأنها مكية باتفاق العلماء، وتحريم الخمر مدني «١» .
وقال صاحب تفسير آيات الأحكام بعد أن ذكر أدلة الأحناف ورد عليها: والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل، إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول، فقد قال الله- تعالى-: في شأن الخمر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ.. فهل انحصرت منافع السكر- على فرض أنه النبيذ- في الشرب؟ «٢» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أى: في ذلك الذي ذكرناه لكم من إخراج اللبن من بين فرث ودم، ومن اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، «لآية» باهرة، ودلالة واضحة، على قدرة الله- تعالى- ووحدانيته، «لقوم يعقلون» هذه التوجيهات الحكيمة، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره، هو المستحق للعبادة والطاعة «ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين» .
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل- أيضا- على وحدانيته وقدرته، عن طريق إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهي النحلة، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٨ الى ٦٩]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
стр. 3494
وقوله- سبحانه-: وَأَوْحى من الوحى، وهو هنا بمعنى الإلهام، وهو- كما يقول القرطبي- ما يخلقه الله- تعالى- في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر. ومنه قوله- تعالى-: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها، وترك ما يضرها، وتدبير معاشها.. «١» .
وقال صاحب الكشاف: والإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فتأنقها في صنعتها ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله- تعالى- أودعها علما بذلك وفطنها، كما أودع أولى العقول عقولهم.. «٢» .
والخطاب للرسول ﷺ ويشمل كل من يصلح للخطاب من الأمة الإسلامية.
والنحل: اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ويطلق على الذكر والأنثى، وسمى بذلك لأن الله- تعالى- نحله أى منحه العسل الذي يخرج منه.
وقوله- سبحانه-: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ بيان لما ألهمه الله النحل من أوامر. ولما كلفها به من أعمال.
و «أن» مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها لا محل له من الإعراب، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها في محل نصب على تقدير الجار. أى:
بأن اتخذى.
والمعنى: وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من فجوات الجبال بيوتا تسكن فيها، وكذلك من تجاويف الأشجار ومما يرفعه الناس ويعرشونه من السقوف وغيرها.
يقال: عرش الشيء يعرشه- بكسر الراء وضمها- إذا رفعه عن الأرض، ومنه العريش الذي صنع لرسول الله ﷺ يوم بدر لمشاهدة سير المعركة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى «من» في قوله أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ؟ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟.
قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش، ولا في كل مكان منها.
стр. 3495
وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله: «ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه الزمخشري في تبعيض «من» المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل، كأنه- تعالى- وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه، وإن حجر عليها في البيوت، وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع. ولهذا المعنى دخلت ثم في قوله ثُمَّ كُلِي ...
لتفاوت الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت، والإطلاق لها في تناول الثمرات، كما تقول:
راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شيء شئت. فتوسط ثم لتفاوت. الحجر والإطلاق فسبحان اللطيف الخبير» «١» .
وقوله: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا.. بيان للون آخر من الإلهامات التي ألهمها الله- تعالى- إياها.
والسبل: جمع سبيل. والمراد بها الطرق التي تسلكها النحلة في خروجها من بيتها وفي رجوعها إليه وأضاف- سبحانه- السبل إليه، لأنه هو خالقها وموجدها.
وذللا: جمع ذلول وهو الشيء الممهد المنقاد، وهو حال من السبل، أى: فاسلكي سبل ربك حال كونها ممهدة لك، لا عسر في سلوكها عليك، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك.
قالوا: ربما أجدب عليها ما حولها، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها.
وقيل إن «ذللا» حال من النحلة أى: ثم كلى من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك، حالة كونك منقادة لما يراد منك، مطيعة لما سخرك الله له من أمور تدل على قدرته وحكمته- سبحانه-.
وقوله- تعالى-: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ كلام مستأنف، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس، تعديدا للنعم، وتعجيبا لكل سامع، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته وعجيب صنعه في خلقه.
أى: يخرج من بطون النحل- بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها- شراب هو العسل، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها، وغير ذلك بما اقتضته حكمته- سبحانه-.
стр. 3496
والضمير في قوله- تعالى-: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ يعود على الشراب المستخرج من بطونها وهو العسل.
أى: في العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم.
وقيل: الضمير يعود إلى القرآن الكريم، والتقدير: فيما قصصنا عليكم في هذا القرآن الشفاء للناس.
وهذا القيل وإن كان صحيحا في ذاته، إلا أن السياق لا يدل عليه، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل، ولا وجه للعدول عن الظاهر، ومخالفة المرجع الواضح.
قال الإمام ابن كثير: والدليل على أن المراد بقوله فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ هو العسل، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبى سعيد الخدري- رضى الله عنه-، أن رجلا جاء إلى رسول الله- ﷺ فقال: إن أخى استطلق بطنه فقال: «اسقه عسلا» ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال:
«اذهب فاسقه عسلا» . فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. فقال رسول الله- ﷺ «صدق الله وكذب بطن أخيك. اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا فبرئ.
ثم ساق الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أوكية بنار، وأنهى أمتى عن الكي» .
وروى البخاري- أيضا- عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شيء من أدويتكم- أو يكون في شيء من أدويتكم- خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، توافق الداء، وما أحب أن أكتوى» «١» .
وقال صاحب فتح البيان: وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء، أو خاص ببعض الأمراض.
فقال طائفة: هو على العموم في كل حال ولكل أحد.
وقالت طائفة: أخرى: إن ذلك خاص ببعض الأمراض، ولا يقتضى العموم في كل علة
стр. 3497
وفي كل إنسان، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن فالقرآن مملوء منه، ولغة العربي يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص، والخاص بمعنى العام.
ومما يدل على هذا، أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان.
ومحققي أهل الأصول. وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض، أو أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم.
ثم قال: قلت: وحديث البخاري: أن أخى استطلق بطنه.. أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء، لأن قوله ﷺ «صدق الله» أى: أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا» «١» .
والذي نراه، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس، كما صرح بذلك القرآن الكريم، وكما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ .
وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله- تعالى- وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا في هذا المجال، إصرار النبي ﷺ على أن يقول للرجل الذي استطلق بطن أخيه أكثر من مرة، «اذهب فاسقه عسلا» .
وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد «٢» .
ثم ختم- سبحانه-: الآية الكريمة بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
أى: إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أمر النحل من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية، ومن سلوكها الطرق التي جعلها الله مذللة في ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها، ومن خروج العسل من بطونها ... إن في ذلك وغيره، لآية باهرة، وعبرة ظاهرة، ودلالة جلية، على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وحكمته، لقوم يحسنون التفكير فيما أخبرهم الله- تعالى- عنه، ويوقنون بأن لهذا الكون ربا واحدا لا إله الا هو تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع الله في خلقه، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، وكاستخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من بطون النحل.
стр. 3498
فهذه الأشربة قد أخرجها الله- تعالى- من أجساد مخالفة لها في شكلها، وقد ساقها- سبحانه- في آيات جمع بينها التناسق الباهر في عرض هذه النعم، مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله،.. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «١» .
وبعد هذا الحديث المتنوع عن عجائب خلق الله- تعالى- في الأنعام والأشجار والنحل..
ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر قدرته- تعالى- في خلق الإنسان، وفي التفاضل في الأرزاق، ومن نعمه على عباده في إيجاد الأزواج والبنين والحفدة.. فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٠ الى ٧٢]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)
قال الإمام الرازي- ﵀: لما ذكر- سبحانه- بعض عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، ومنها ما هو مذكور في هذه الآية:
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ- وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان. والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب: أولها: سن النشوء والنماء، وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة-، وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة- وهو من الأربعين إلى الستين- ورابعها: سن الانحطاط الكبير- وهو سن الشيخوخة- وهو من الستين إلى نهاية العمر-» «٢» .
стр. 3499
والمعنى: «والله» - تعالى- هو الذي «خلقكم» بقدرته، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.
«ثم» هو وحده الذي «يتوفاكم» وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم.
وقوله وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ.. معطوف على مقدر. أى: والله- تعالى- هو الذي خلقكم، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر..
والمراد بأرذل العمر: أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة، الذي تنقص فيه القوى، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها.
يقال: رذل الشيء يرذل- بضم الذال فيهما- رذالة.. إذا ذهب جيده وبقي رديئه.
وقوله: لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً تعليل للرد إلى أرذل العمر.
أى: فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس في هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكي يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته في عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما.
ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة. أى: ليصير أمره بعد العلم بالأشياء، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا.
ولقد استعاذ النبي ﷺ من أن يصل عمره إلى هذه السن، لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب. وقد يصير الإنسان فيها عالة على غيره. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ «١» .
قال الإمام ابن كثير: روى البخاري عند تفسير هذه الآية، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: «اللهم إنى أعوذ بك من البخل، والكسل، والهرم، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات» .
وقال زهير بن أبى سلمى في معلقته المشهورة:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم «٢»
стр. 3500
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه، وتمام قدرته، فقال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ أى: إن الله- تعالى- عليم بأحوال مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من تصرفاتهم «قدير» على تبديل الأمور كما تقتضي حكمته وإرادته.
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق، لأن الله- تعالى- القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال.. قادر- أيضا- على إحيائه بعد موته.
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإنسان، وتقلبه في أطوار عمره، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس في أرزاقهم، فقال- تعالى-: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ... فجعل منكم الغنى والفقير، والمالك والمملوك، والقوى والضعيف، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس، لحكمة هو يعلمها- سبحانه-.
ثم بين- سبحانه- موقف المفضلين في الرزق من غيرهم فقال: فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ...
أى: فليس الذين فضلهم الله- تعالى- في الرزق على غيرهم «برادي» أى: بمانحى وباذلى «رزقهم» الذي رزقهم الله إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين هم إخوة لهم في الإنسانية «فهم» أى الأغنياء الذين فضلوا في الرزق ومماليكهم وخدمهم «فيه» أى: في هذا الرزق «سواء» من حيث إنى أنا الرازق للجميع.
فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله- تعالى- للذين فضلوا على غيرهم في الرزق، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية: أى: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم، وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم. كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون» فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه، وإزاره إزاره من غير تفاوت «١» .
ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة. فيكون المعنى: لقد فضل الله- تعالى- بعضكم على بعض في الرزق- أيها
стр. 3501
الناس-، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم، أن الأغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم في الرزق، وإذا ردوا عليهم شيئا، فإنما هو شيء قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم.. مع أنى أنا الرازق للجميع.
وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية: «يبين- تعالى- للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فقال- تعالى- منكرا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى- بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم، كما قال- تعالى- في آية أخرى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... «١» .
وقال العوفى عن ابن عباس في هذه الآية يقول: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون معى عبيدي في سلطاني.. «٢» » .
وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة، لأن السورة الكريمة مكية، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله- ، ونبذ الإشراك والمشركين، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة لغير الله- تعالى-.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع، والفاء معطوفة على مقدر أى: أيشركون به- سبحانه- فيجحدون نعمه، وينكرونها، ويغمطونها حقها، مع أنه- تعالى- هو الذي وهبهم هذه النعم، وهو الذي منحهم ما منحهم من أرزاق؟!!.
ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم الله- تعالى- على الناس، فقال- تعالى-: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً.
أى: والله- تعالى- هو وحده الذي جعل لكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أى: من جنسكم ونوعكم أَزْواجاً لتسكنوا إليها، وتستأنسوا بها، فإن الجنس إلى الجنس آنس وأسكن.
قال- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ... «٣» .
стр. 3502
قال الإمام ابن كثير: يذكر- تعالى- نعمه على عبيده، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا، أى: من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور..» «١» .
وقوله- سبحانه-: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً بيان لنعمة أخرى من نعمه- تعالى- والحفدة، جمع حافد يقال، حفد فلان يحفد حفدا من باب ضرب إذا أسرع في خدمة غيره وطاعته. ومن دعاء القنوت: «وإليك نسعى ونحفد» أى: نسرع في طاعتك يا ربنا. والمراد بالحفدة: أبناء الأبناء. روى عن ابن عباس إنه قال: الحفيد ولد الابن والبنت، ذكرا كان أو أنثى. وقيل المراد بهم: الخدم والأعوان، وقيل المراد بهم: الأختان والأصهار أى: أزواج البنات وأقارب الزوجة..
قال الجمل بعد أن نقل جملة من أقوال المفسرين في ذلك: وكل هذه الأقوال متقاربة، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك. وبالجملة فالحفدة غير البنين، لأن الأصل في العطف المغايرة «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ بيان لنعمة ثالثة من النعم المذكورة في هذه الآية. أى: ورزقكم- سبحانه- من الطيبات التي تستلذونها وتشتهونها، وقد أحل لكم التمتع بها فضلا منه وكرما.
ثم ختم- تعالى- الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الغي على الرشد فقال- تعالى-:
أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ.
والباطل يشمل كل اعتقاد أو قول أو فعل يخالف الحق والرشاد والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والفاء معطوفة على مقدر. والمعنى: أيجحدون نعم الله- تعالى- فيؤمنون بالباطل، ويكفرون بكل ما سواه من الحق والهدى والرشاد.
وفي تقديم الباطل على الفعل «يؤمنون» إشارة إلى أنهم قد اختلط الباطل بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به، ولا ينقادون إلا له.
стр. 3503
والمراد بنعمة الله عموم النعم التي أنعم الله بها عليهم، والتي لا تعد ولا تحصى.
وفي تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل، إشعار بأن كفرهم بالنعم مستمر وإنكارهم لها لا ينقطع، لأنهم «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله» .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بعجائب خلقهم وبأطوار حياتهم، ويتفاوت أرزاقهم، وببعض نعم الله- تعالى- عليهم لعلهم عن طريق هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم، ويخلصون العبادة لخالقهم- سبحانه-، ويستعملون نعمه فيما خلقت له.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا من ألوان العقول المنحرفة عن الطريق الحق، كما ساقت مثلين للرب الخالق العظيم، وللمملوك العاجز الضعيف، لعل في ذلك عبرة لمن يعتبر، وهداية لمن يريد الصراط المستقيم، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٣ الى ٧٦]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
والمراد بقوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ..... كل معبود سوى الله- تعالى- من صنم أو وثن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.
والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الإنكاري، ومعطوفة عليه: وهو قوله
стр. 3504
- تعالى-: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ.
أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله- تعالى-، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل، ويكفرون بالحق، ويعبدون من دون الله- تعالى- أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أى شيء من الرزق فهي لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر..
و «ما» في قوله- تعالى- ما لا يَمْلِكُ.. كناية عن معبوداتهم الباطلة فهي مفردة لفظا، مجموعة معنى.
والتنكير في قوله- سبحانه- رِزْقاً للاشعار بقلته وتفاهته، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أى شيء من الرزق، حتى ولو كان تافها حقيرا.
وقوله: شَيْئاً منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ملكا، أى: شيئا من الملك.
والضمير في قوله وَلا يَسْتَطِيعُونَ يعود إلى ما وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام في إمكانها النفع والضر.
وجاءت جملة وَلا يَسْتَطِيعُونَ بعد قوله- تعالى- ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شيء فهي لا تملك شيئا، وليس في استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.
وقوله- سبحانه- فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ.. نهى منه- سبحانه- عن أن يشبه في ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى في صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التي وردت في هذه السورة والتي لم ينته الحديث عنها بعد.
والأمثال: جمع مثل، وهو النظير والشبيه لغيره، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه-، لمورده- وهو الذي ورد فيه أولا.
وتضرب الأمثال: لتوضيح الشيء الغريب، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس، وعرض ما هو غائب في صورة ما هو مشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس.
وقوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال لله- .
стр. 3505
أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوا لله- تعالى- الأمثال، كما يضرب بعضكم لبعض، فإن الله- تعالى- هو الذي يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك.
قال الزجاج: ورد أن المشركين كانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك «١» .
ثم وضح لهم- سبحانه- كيف تضرب الأمثال، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية الله- تعالى- وقدرته..
أما المثل الأول فيتجلى في قوله- : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ... أى: ذكر الله- تعالى- وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته- سبحانه- وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره، وهذا العبد لا يقدر على شيء من التصرفات حتى ولو كانت قليلة.
وقوله- سبحانه-: عَبْداً بدل من مَثَلًا و «مملوكا» صفة للعبد. ووصف- سبحانه- العبد بأنه مملوك، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر، لأن كليهما يشترك في كونه عبدا لله- تعالى-.
ووصفه أيضا- بأنه لا يقدر على شيء للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له في التصرف، لأنهما يقدران على بعض التصرفات.
هذا هو الجانب الأول من المثل، أما الجانب الثاني فيتجلى في قوله- تعالى-: وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً....
قال الآلوسى: و «من» في قوله وَمَنْ رَزَقْناهُ نكرة موصوفه، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة- أيضا-، وقيل: إنها موصولة، والأول اختيار الأكثرين أى: حرا رزقناه بطريق الملك، والالتفات إلى التكلم- في «رزقناه» - للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ... » «٢» .
أى: ذكر الله- تعالى- لكم لتتعظوا وتتفكروا، حال رجلين: أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شيء. والثاني حر مالك رزقه الله- تعالى- رزقا واسعا حلالا حسنا، «فهو» أى هذا