وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ بيان لكمال علمه- تعالى- وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأنه- تعالى- لا تخفى عليه خافية.
أى: والله- تعالى- وحده، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال، وما تظهرونه منها، وهو محص عليكم ذلك، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
ثم وصف- سبحانه- الأوثان التي يعبدها المشركون من دونه، بثلاثة أوصاف. تجعلها بمعزل عن النفع، فضلا عن استحقاقها للعبادة، فقال- تعالى- وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ، وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
فوصفها- أولا- بالعجز التام، فقال- تعالى-: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ...
أى: وهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله- تعالى- لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت، بل هم يخلقون بأيديكم، فأنتم الذين تنحتون الأصنام. كما قال- سبحانه- حكاية عن إبراهيم- ﵇ الذي قال لقومه على سبيل التهكم بهم: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ «١» .
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم، أو هو مفتقر إلى من يوجده؟! وهذه الآية الكريمة أصرح في إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التي تقول:
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.. لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا، أما هذه الآية التي معنا فنفت عنهم ذلك، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله- ، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير، فهم أعجز من عبدتهم، وعليه فلا تكرار بين الآيتين.
وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهي قوله- تعالى- أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ.
أى: هؤلاء المعبودون من دون الله- تعالى-، هم أموات لا أثر للحياة فيهم، فهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما.
وجملة «غير أحياء» جيء بها لتأكيد موتهم، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت، حيث
стр. 3432
إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم، ولم يكونوا أحياء- كعابديهم- ثم ماتوا، بل هم أموات أصلا. أو جيء بها على سبيل التأسيس، لأن بعض مالا حياة فيه من المخلوقات، قد تدركه الحياة فيما بعد، كالنطفة التي يخلق الله- تعالى- منها حياة، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة، وهذا أتم في نقصها، وفي جهالة عابديها.
وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهي قوله- تعالى-: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
ولفظ «أيان» ظرف زمان متضمن معنى متى.
وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق، وعدم إحساسهم بشيء.
أى: أن من صفات هذه المعبودات الباطلة، أنها لا تدرى متى يبعثها الله- تعالى- لتكون وقودا للنار.
وبعضهم يجعل الضمير في «يشعرون» يعود على الأصنام، وفي «يبعثون» يعود على العابدين لها، فيكون المعنى: وما تدرى هذه الأصنام التي تعبد من دون الله- تعالى- متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة.
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله: «وما يشعرون أيان يبعثون» الضمير في «يشعرون» للآلهة وفي «يبعثون» للكفار الذين يعبدون الأصنام.
والمعنى: وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة. فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله- سبحانه-.
ويجوز أن يكون الضمير في الفعلين للآلهة. أى: وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث. ويدل على ذلك قوله تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. «١» .
وبعد أن أبطل- سبحانه- عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقي الحكيم، صرح بأنه لا معبود بحق سواه، فقال: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له، لا في ذاته ولا في صفاته:
فأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا له شركاء.
стр. 3433
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى، فقال- تعالى-: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ.
أى: فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق، جاحدة لنعم الله، منصرفة عن وحدانية الله- تعالى- وعن الأدلة الدالة عليها، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون، لا يستمعون إلى موعظة واعظ، ولا إلى إرشاد مرشد. ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان- الجحود والاستكبار-، حالفه البوار والخسران، وآثر سبيل الغي على سبيل الرشد.
والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «فالذين لا يؤمنون بالآخرة..» دون التصريح بذواتهم، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة، وللإيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة، هو أساس خيبتهم، وخسرانهم وجحودهم ...
وعبر بالجملة الاسمية في قوله «قلوبهم منكرة وهم مستكبرون» للدلالة على تأصل صفتي الجحود والاستكبار في قلوبهم، وعلى أن الإنكار للحق سمة من سماتهم التي لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها، وعلى أن التعالي والغرور لا ينفك عنهم، وأنهم ممن قال- سبحانه- فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ «١» . أى: صاغرين أذلاء.
ثم بين- سبحانه- سوء مصيرهم، فقال: لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ.
وكلمة «لا جرم» وردت في القرآن في خمسة مواضع، وفي كل موضع كانت متلوة بأن واسمها، وليس بعدها فعل.
وجمهور النحاة على أنها مركبة من «لا» و «جرم» تركيب خمسة عشر ومعناها بعد التركيب معنى الفعل: حق وثبت، والجملة بعدها فاعل.
قال الخليل: لا جرم، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا، يقال: فعلوا ذلك، فيقال:
لا جرم سيندمون.
стр. 3434
وقال الفراء: «لا جرم» كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزله حقا فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك.
والمعنى: حق وثبت أن الله- تعالى- يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما يعلنونه من أقوال وأفعال، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات، لأنه- سبحانه- لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق، المغرورين بأموالهم وأولادهم، الجاحدين لنعم الله وآلائه.
قال القرطبي: قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه، إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله.
وفي الحديث الصحيح: «إن المتكبرين يحشرون أمثال الذرّ يوم القيامة، يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم» أو كما قال ﷺ : «تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها، وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها» «١» .
وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة، على وحدانية الله، وقدرته، وعلى بطلان عبادة غيره.. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين، وردت عليها بما يدحضها، وببيان سوء عاقبتهم، وعاقبة أشباههم من قبلهم، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٩]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
стр. 3435
وقوله- سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم.
والأساطير: جمع أسطورة، كأعاجيب وأعجوبة، وأحاديث وأحدوثة.
والمراد بها: الأكاذيب والترهات التي لا أصل لها، والتي كانت مبثوثة في كتب الأولين.
والمعنى: وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شيء أنزل ربكم على نبيه محمد ﷺ .
قالوا له على سبيل الجحود للحق: لم ينزل عليه شيء، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه محمد ﷺ على أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه.
روى ابن أبى حاتم عن السدى قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا ﷺ رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاءه يريده ردوه عنه.
فخرج ناس في كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد ﷺ ووصل إليهم، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرفه نسبه، ثم يقول للوافد: أنا أخبرك عن محمد ﷺ إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد
стр. 3436
ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له، فيرجع الوافد. فذلك قوله- تعالى- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال: بئس الوافد لقومي أنا، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم- من مكة- رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتى قومي ببيان أمره. فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم: ماذا يقول محمد ﷺ ؟ فيقولون: خيرا..» «١» .
وعبر- سبحانه- بالفعل «قيل» المبنى للمجهول، للإشارة إلى أن هذا القول الذي تفوه به عتاة الكافرين، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم، لكي يصدوه عن الدخول في الإسلام. وجملة «ماذا أنزل ربكم» نائب فاعل لقيل.
وقولهم- كما حكى القرآن عنهم- «أساطير الأولين» خبر لمبتدأ محذوف.
أى: قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه: أساطير الأولين.
ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا، ورد عليه بما يدحضه في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٢» .
ثم بين- سبحانه- عاقبة كفرهم، ونطقهم بالباطل، فقال- تعالى-: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ....
واللام في قوله- «ليحملوا» هي التي تسمى بلام العاقبة، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة.
والأوزار جمع وزر- بكسر الواو وسكون الزاى- بمعنى الشيء الثقيل.
المراد بها الذنوب والآثام التي يثقل حملها على صاحبها يوم القيامة، كما قال- تعالى-:
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ «٣» .
والمعنى: قالوا ذلك في القرآن الكريم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة.
стр. 3437
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله «ليحملوا» متعلق- بقالوا- كما هو الظاهر.. واللام للعاقبة، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم.
وعن ابن عطية: أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا، أى: قدر صدور ذلك منهم ليحملوا ... «١» .
وقال- سبحانه- كامِلَةً لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شيء من ذنوبهم، بل سيعاقبون عليها جميعا دون أن ينقص منها شيء.
قال الفخر الرازي: وهذا يدل على أن الله- تعالى- قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى.. «٢» .
وقال بعض العلماء: «ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل- وساءت أحمالا وأثقالا-، فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، وهي تثقل القلوب، كما تثقل الأحمال العواتق، وهي تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها، بل هي أدهى وأنكى» «٣» .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجها، وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء زاده فزعا، وكلما تخوف من شيء زاده خوفا. فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول له وما تعرفني؟
فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا. طأطئ إلى أركبك، فطالما ركبتني في الدنيا، فيركبه، وهو قوله- تعالى- لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ.. «٤» .
وقوله: «ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم» بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم.
أى: أن أولئك المستكبرين، قالوا في القرآن إنه أساطير الأولين، فكانت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا في ضلالهم.
قال ابن كثير: أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم،
стр. 3438
واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» .
كما قال- تعالى-: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ «١» .
فهذه الآية وأمثالها، لا تعارض بينها وبين قوله- تعالى- وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» .
لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل تسببوا في إضلال غيرهم، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ، الذي هو فعل من أفعالهم القبيحة.
وقوله «بغير علم» في موضع الحال من الضمير المنصوب في قوله «يضلونهم» .
أى: يضلون ناسا لا علم عندهم، فهم كالأنعام بل هم أضل، وفي ذلك ما فيه من مدح أهل العلم والتفكير، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر، يستطيعون إضلال من لا علم عنده، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم.
قالوا: واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث، وأن يميز بين الحق والباطل، ولا يعذر بسبب جهله.
وقيل: إن قوله «بغير علم» في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله «يضلونهم» .
أى: هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإضلال لغيرهم.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. قال الجمل:
و «ساء» فعل ماض لإنشاء الذم بمعنى بئس، و «ما» تمييز بمعنى شيئا، أو فاعل بساء، و «يزرون» صفة لما والعائد محذوف، أو «ما» اسم موصول، وقوله «يزرون» صلة الموصول، والعائد محذوف أى: يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف» «٣» .
والتقدير: بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم وافتتحت
стр. 3439
الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح «ألا» للاهتمام بما تضمنه التحذير، حتى يقلعوا عن كفرهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويحترسوا عن الوقوع في الباطل من القول.
ثم سلى الله- تعالى- نبيه والمؤمنين، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين قالوا في القرآن: إنه أساطير الأولين، سيحيق بهم مكرهم السيئ، كما حاق بالذين من قبلهم.
فقال- تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
وقوله- سبحانه- «مكر» من المكر، وهو التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلته، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل، ومحمود إن تحرى به الخير والحق.
والمراد به هنا النوع الأول.
والمراد بالذين من قبلهم: الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة، كقوم نوح وهود وصالح.
وقوله: «فأتى الله بنيانهم..» أى: أهلكهم، كما في قوله- تعالى- ... فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.. «١» .
ويقال: أتى فلان من مأمنه أى: نزل به الهلاك من جهة أمنه. وأتى عليه الدهر. أى:
أهلكه وأفناه. ومنه الأتوّ. وهو الموت والبلاء.
يقال: أتى على فلان أتوّ، أى موت أو بلاء يصيبه.
والقواعد: جمع قاعدة. وهي أساس البناء، وبها يكون ثباته واستقراره.
والمعنى: لا تهتم- أيها الرسول الكريم- بما يقوله المستكبرون من قومك في شأن القرآن الكريم لكي يصرفوا الناس عن الدخول في الإسلام، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم، فكانت عاقبة مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد، بأن اجتث هذا البنيان من أصله واقتلعه من أساسه «فخر عليهم السقف من فوقهم» أى: فسقط عليهم سقف بنيانهم فأهلكهم «وأتاهم العذاب» المبير المدمر «من حيث لا يشعرون» ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة، بل كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك.
فالآية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز، كيف أن هؤلاء الماكرين، قد حصنوا أنفسهم بالبناء المحكم المتين، ليتقوا ما يؤذيهم، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت وتساقطت على
стр. 3440
رءوسهم، أمام قوة الله- تعالى- التي لا ترد، فإذا بالبناء الذي بنوه ليحتموا به، قد صار مقبرة لهم.
وصدق الله إذ يقول: وَمَكَرُوا مَكْراً، وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
«١» .
وقال- سبحانه-: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ مع أن السقف لا يكون إلا من فوق، لتأكيد الكلام وتقويته.
وقال القرطبي: قال ابن الأعرابى: وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول:
خر علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: «من فوقهم» ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب، فقال: «من فوقهم» أى: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا..» «٢» .
هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل، الفخر الرازي.
فقد قال: وفي قوله- سبحانه- فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ قولان:
الأول: أن هذا محض التمثيل.
والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله، فجعل الله- تعالى- حالهم في تلك الحيل، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين، فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم، ونظيره قولهم: من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه.
- ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم، صار سبب استئصالهم وفنائهم.
الثاني: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أن الله- تعالى- أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته.
والأول أقرب إلى المعنى «٣» .
ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته، الإمام ابن جرير فقد قال- بعد أن سرد بعض الأقوال-: وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك، تساقطت
стр. 3441
عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله، فانكفأت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف.
وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل» «١» .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير- ﵀ أولى بالقبول، لأنه مادام اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة، فلا داعي لصرفه عن ذلك.
وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذي أنزله الله- تعالى- بالظالمين، ومن ذلك قوله- تعالى-: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً. وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «٢» .
ثم بين- سبحانه- مصيرهم في الآخرة، بعد أن بين عاقبة مكرهم في الدنيا فقال- تعالى-: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ، وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ...
أى: هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين في الدنيا، أما مصيرهم في الآخرة فإن الله- تعالى- يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين شركائى في العبادة والطاعة، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، قائلين لهم: إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى في العبادة.
وجيء بثم المفيدة للترتيب النسبي، للإشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزي الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار في الدنيا.
والاستفهام في قوله «أين شركائى..» للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التي كانوا يعبدونها في الدنيا، فإنهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب في الآخرة، فان الأصنام ستشفع لنا.
أى: أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزي وذلة وعذاب مهين؟! وأضاف- سبحانه- الشركاء إليه، لزيادة توبيخهم، لأنهم في هذا اليوم العظيم، يعلمون
стр. 3442
علم اليقين أنه لا شركاء له- سبحانه- وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ «١» .
قال الجمل ما ملخصه: وقوله: «تشاقون» من المشاقة وهي عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه.
وقرأ نافع «تشاقون» بكسر النون خفيفه، وقرأ الباقون بفتح النون، ومفعوله محذوف.
أى: تشاقون المؤمنين، أو تشاقون الله، بدليل القراءة الأولى ... » «٢» .
ثم حكى- سبحانه- ما يقوله أولو العلم في هذا الموقف الهائل الشديد فقال- تعالى-: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ.
والمراد بالذين أوتوا العلم، كل من اهتدى إلى الحق في الدنيا وأخلص لله- تعالى- العبادة والطاعة.
أى: قال الذين هداهم الله- تعالى- إلى صراطه المستقيم، في هذا اليوم العصيب، إن الخزي الكامل، في هذا اليوم، والسوء الذي ليس بعده سوء، على هؤلاء الكافرين، أصحاب القلوب المنكرة للحق، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب.
وجيء بجمله «قال الذين أوتوا العلم..» غير معطوفة على ما قبلها، لأنها واقعة موقع الجواب لقوله- سبحانه- «أين شركائى ... » وللتنبيه على أن الذين أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون، وعجزوا عن الإجابة.
وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله- تعالى-، وتوبيخهم لهم على كفرهم، واستكبارهم عن الاستماع إلى كلمة الحق.
وقال- سبحانه-: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ... بلفظ الماضي، مع أن هذا القول سيكون في الآخرة، للإشارة إلى تحقق وقوعه، وأنه كائن لا محالة.
ثم صور- سبحانه- أحوال هؤلاء الكافرين ساعة انتزاع أرواحهم من أجسادهم وساعة وقوفهم للحساب، فقال- تعالى-: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ.......
قال الآلوسى: وفي الموصول أوجه الإعراب الثلاثة: الجر على أنه صفة للكافرين،
стр. 3443
أو بدل منه، أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم. وجوز بعضهم كونه مرتفعا بالابتداء، وجملة «فألقوا» خبره..» «١» .
والمراد بالملائكة: عزرائيل ومن معه من الملائكة.
والمراد بظلمهم لأنفسهم: إشراكهم مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة.
أى: إن أشد أنواع الخزي والعذاب يوم القيامة على الكافرين، الذين تنتزع الملائكة أرواحهم من أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن يتوبوا منهما، أو يقلعوا عنهما. وقوله: «ظالمي أنفسهم» حال من مفعول تتوفاهم.
وفي وصف هؤلاء الكافرين بكونهم «ظالمي أنفسهم» إشعار إلى أن الملائكة تنتزع أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة، ويشهد لذلك قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ... «٢» .
وقوله «فألقوا السلم» بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع في الآخرة، بعد أن كانوا مغترين متجبرين في الدنيا.
وأصل الإلقاء يكون في الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإظهار كمال الخضوع والطاعة، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه، بدون أية مقاومة أو حركة.
والمراد بالسلم: الاستسلام والاستكانة. أى: أنهم عند ما عاينوا الموت، وتجلت لهم الحقائق يوم القيامة، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا، وقالوا: ما كنا في الدنيا نعمل عملا سيئا، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم.
وقد حكى الله- تعالى- عنهم في آيات أخرى ما يشبه هذا القول، ومن ذلك قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
وقوله- سبحانه- بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تكذيب لهم في دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ «بلى» لإبطال ما نفوه.
أى: بلى كنتم تعملون السوء، لأن الله- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم،
стр. 3444
وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من الملائكة بأمر الله- تعالى- وقد يكون من قبله- سبحانه-.
وقوله- سبحانه-: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ... بيان لما انتهى إليه أمرهم من عذاب مهين.
وأبواب جهنم قد ذكر- سبحانه- عددها في قوله- تعالى-: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ «١» .
أى: فادخلوا- أيها الكافرون- من أبواب جهنم، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا «فلبئس مثوى المتكبرين» أى فلبئس مقام المتعاظمين عن الإيمان بالله جهنم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة. قد بينت بأسلوب مؤثر، مصير المستكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق.
وبعد أن بين- سبحانه- أقوال المستكبرين، وأحوالهم، وسوء عاقبتهم أتبع ذلك ببيان أحوال المتقين، وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
стр. 3445
فقوله- سبحانه-: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً.. بيان لما رد به المؤمنون الصادقون، على من سألهم عما أنزله الله- تعالى- على نبيه محمد ﷺ وهو معطوف على ما قبله، للمقابلة بين ما قاله المتقون، وما قاله المستكبرون.
ووصفهم بالتقوى، للاشعار بأن صيانتهم لأنفسهم عن ارتكاب ما نهى الله- تعالى- عنه، وخوفهم منه- سبحانه- ومراقبتهم له، كل ذلك حملهم على أن يقولوا هذا القول السديد. وكلمة «خيرا» مفعول لفعل محذوف أى: أنزل خيرا. أى: رحمة وبركة ونورا وهداية، إذ لفظ «خيرا» من الألفاظ الجامعة لكل فضيلة.
قال صاحب الكشاف: فان قلت لم نصب هذا ورفع الأول؟.
قلت: فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال، فقالوا خيرا. أى أنزل خيرا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء «١» .
وقوله- سبحانه-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ جملة مستأنفة لبيان ما وعدهم به- تعالى- على أعمالهم الصالحة من أجر وثواب.
أى: هذه سنتنا في خلقنا أننا نجازي الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن الكريم، دون أن نضيع من أعمالهم شيئا.
وقوله «حسنة» صفة لموصوف محذوف أى: مجازاة حسنة بسبب أعمالهم الصالحة.
كما قال- تعالى- في آية اخرى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» .
ثم بين- سبحانه- جزاءهم في الآخرة فقال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ. والمراد بدار الآخرة: الجنة ونعيمها.
و «خير» صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف، كما قال ابن مالك:
وغالبا أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر
стр. 3446
ونعم: فعل ماض لإنشاء المدح، وهو ضد بئس.
والمعنى: ولدار الآخرة وما فيها من عطاء غير مقطوع، خير لهؤلاء المتقين مما أعطيناهم في الدنيا، ولنعم دارهم هذه الدار. قال- تعالى-: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى «١» .
ووصفها- سبحانه- بالآخرة، لأنها آخر المنازل، فلا انتقال عنها إلى دار أخرى، كما قال- تعالى-: خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا.
والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: ولنعم دار المتقين، دار الآخرة.
ثم وصف- سبحانه- ما أعده لهم من نعيم فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
والعدن: الإقامة الدائمة: يقال: عدن فلان ببلد كذا، إذا توطن فيه وأقام دون أن يبرحه أى: لهؤلاء المتقين: جنات دائمة باقية، يدخلونها بسرور وحبور، تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار.
«لهم فيها ما يشاءون» مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين «كذلك يجزى الله المتقين» أى:
مثل هذا الجزاء الحسن، يجزى الله- تعالى- عباده المتقين، الذين جنبوا أنفسهم مالا يرضيه.
ثم حكى- سبحانه- ما تحييهم به الملائكة فقال: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...
أى: هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة، أى: تقبض أرواحهم، حال كونهم «طيبين» أى: مطهرين من دنس الشرك والفسوق والعصيان.
«يقولون» أى الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم، «سلام عليكم» أى: أمان عليكم من كل شر ومكروه.
«ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون» أى: بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
стр. 3447
الْمَلائِكَةُ، أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «١» .
هذا، ولا تعارض بين قوله تعالى- تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وبين قوله في آية أخرى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وبين قوله في آية ثالثة اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها.
لأن إسناد التوفي إلى ذاته- تعالى-، باعتبار أن أحدا لا يموت إلا بمشيئته- تعالى-، وإسناده إلى ملك الموت باعتباره هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده إلى الملائكة باعتبارهم أعوانا له، ولا تعارض- أيضا- بين قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وبين ما جاء في الحديث الصحيح: «لن يدخل أحدا عمله الجنة..» .
لأن الأعمال الصالحة إنما هي أسباب عادية لدخول الجنة، أما السبب الحقيقي فهو فضل الله- تعالى- ورحمته، حيث قبل هذه الأعمال، وكافأ أصحابها عليها.
وبعد أن بينت السورة الكريمة جانبا من أقوال المتقين، وبشرتهم بما يسرهم ويشرح صدورهم، عادت مرة أخرى لتهديد الكافرين، لعلهم يزدجرون أو يتذكرون، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)
والاستفهام في قوله- سبحانه-لْ يَنْظُرُونَ..
إنكارى في معنى النفي.
«ينظرون» هنا بمعنى ينتظرون، من الإنظار بمعنى الإمهال، والضمير المرفوع يعود إلى أولئك المتكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، كما جاء في الآيات السابقة.
أى: ما ينتظر أولئك المتكبرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، إلا أن تأتيهم الملائكة لنزع
стр. 3448
أرواحهم من أجسادهم، أو يأتى أمر ربك- أيها الرسول الكريم- بإهلاكهم، أو بإنزال العذاب بهم من حيث لا يشعرون.
وليس المراد من الجملة الكريمة، أنهم ينتظرون ذلك على سبيل الحقيقة، لأن إصرارهم على الكفر جعلهم يستهينون بهذا التهديد وإنما المراد أنهم حين أصروا على الكفر مع ظهور البراهين على بطلانه، صار حالهم كحال المترقب لنزول أحد الأمرين: قبض الملائكة لأرواحهم، أو نزول العذاب بهم.
فالجملة الكريمة تهديد لهم في تماديهم في الكفر، وتحريض لهم على الإيمان قبل فوات الأوان.
قال الجمل: و «أو» في قوله «أو يأتى أمر ربك» مانعة خلو، فإن كلا من الموت والعذاب يأتيهم وإن اختلف الوقت، وإنما عبر بأو دون الواو، للاشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم ... » «١» .
وقوله- سبحانه-: ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
. تسلية للرسول ﷺ عما أصابه منهم من أذى.
أى: مثل هذا الفعل الشنيع الذي صدر عن الكافرين من قومك- يا محمد- فعل الذين من قبلهم من أقوام الرسل السابقين، كقوم نوح وقوم هود، وقوم صالح، فإنهم قد آذوا رسلهم. كما آذاك قومك.
وقد أنزلنا بهم ما يستحقون من عقاب دنيوى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وقوله- سبحانه- ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
. بيان لعدالة الله- تعالى- وأنه- سبحانه- لا يظلم الناس شيئا.
أى: وما ظلمهم الله حين أنزل بهم عقابه: ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم بترديهم في الكفر، وإصرارهم عليه، ومحاربتهم لمن جاء لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
وقوله- سبحانه-: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ معطوف على قوله ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وما بينهما اعتراض.
وحاق: بمعنى أحاط، من الحيق بمعنى الإحاطة، وبابه باع، يقال: حاق يحيق، وخص في الاستعمال بإحاطة الشر، ومنه قوله- تعالى-: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
стр. 3449
أى: هكذا تمادى أسلافهم في الكفر والجحود، فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، وأحاط بهم العذاب من كل جانب، بسبب كفرهم وسخريتهم بالرسل وبما أخبروهم به من حساب وثواب وعقاب في الآخرة، وسيقال لهؤلاء المجرمين يوم القيامة وهم يردون النار: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ «١» .
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين، قد هددتا الكافرين ودعتهما إلى الدخول في الحق، وحذرتاهم من انتهاج نهج الظالمين من قبلهم.
ثم حكى- سبحانه- بعض أقاويلهم الباطلة، ومعاذيرهم الفاسدة، ورد عليهم بما يدحضها ويدمغها، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٥ الى ٣٧]
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)
إن هذه الآيات الكريمة، تعالج شبهة من الشبهات القديمة الحديثة.
قديمة، لأن كثيرا من مجادلى الرسل- عليهم الصلاة والسلام- جادلوا بها.
وحديثة، لأنها كثيرا ما تراود الذين يتمسكون بالأوهام، إرضاء لنزواتهم وشهواتهم.
إنهم جميعا يقولون عند ارتكابهم للقبائح والمنكرات: هذا أمر الله وهذا قضاؤه، وتلك
стр. 3450
مشيئته وإرادته، ولو شاء الله عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها ومادام الله- تعالى- قد قضى علينا بها فما ذنبنا؟ ولماذا يعاقبنا عليها مادام قد شاءها لنا؟
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى هذه الشبهة بأسلوبه الخاص فيقول: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ....
أى: وقال الذين أشركوا، مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة، لنبيهم ﷺ :
لو شاء الله- تعالى- لنا عبادته وحده لعبدناه نحن وآباؤنا الذين هم قدوتنا.
ولو شاء لنا ولآبائنا- أيضا- ألا نحرم شيئا مما حرمناه من البحائر والسوائب وغيرهما، لتمت مشيئته، ولما حرمنا شيئا لم يأذن به- سبحانه-.
ولكنه- لم يشأ ذلك، بل شاء لنا أن نشرك معه في العبادة هذه الأصنام، وأن نحرم بعض الأنعام، وقد رضى لنا ذلك، فلماذا تطالبنا يا محمد ﷺ بتغيير مشيئة الله، وتدعونا إلى الدخول في دين الإسلام والذي لم يشأ لنا الله- تعالى- الدخول فيه؟
هذه حجتهم، ولا شك أنها حجة داحضة، لأنهم يحيلون شركهم وفسوقهم على مشيئة الله- تعالى- مع أن مشيئته- تعالى- لم يطلع عليها أحد من خلقه حتى يقولوا ما قالوا.
وإنما الذي أطلعنا عليه- سبحانه- أنه أرسل رسوله ﷺ لهدايتنا، ومنحنا العقول التي نميز بها بين الحق والباطل، فمن أطاع الرسول ﷺ سعد وفاز، ومن أعرض عن هدايته خسر وخاب، قال- تعالى-: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً «١» .
وقال- سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.. «٢» .
ولقد حكى- سبحانه- شبهة المشركين هذه في آيات أخرى ورد عليها، ومن ذلك قوله- تعالى- وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «٣» .
وقوله- سبحانه-: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ
стр. 3451
فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ.. «١» .
هذا، وقد قلنا عند تفسيرنا لهذه الآيات ما ملخصه: ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا، فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة الله.
نقول لهم: نحن معكم في أنه لا يقع في ملكه- سبحانه- إلا ما يشاؤه. فالطائع تحت المشيئة، والعاصي تحت المشيئة، ولكن هذه المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو معصية، وقضاء الله هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون وليس العلم صفة تأثير وجبر.
ولقد شاء- سبحانه- أن يجعل في طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر، ووهبهم العقل ليهتدوا به، وأرسل إليهم الرسل لينمو فيهم استعدادهم، وسن لهم شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما يدعون، كي لا يتركهم لعقولهم وحدها.
وإذا فمشيئة الله متحققة حسب سنته التي ارتضاها، سواء اتخذ العبد طريقه إلى الهدى أم إلى الضلال، وهو مؤاخذ إن ضل، ومأجور إذا اهتدى، غير أن سنة الله اقتضت أن من يفتح عينيه يبصر النور، ومن يغمضهما لا يراه.
كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى، ومن يحجب قلبه عنها يضل. سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.
وإذا فزعم الزاعمين بأن الله شاء هذا، على معنى أنه أجبرهم عليه، فهم لا يستطيعون عنه فكاكا، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير الصحيح..» «٢» .
وقوله- سبحانه-: ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
تسلية لرسول الله ﷺ عما قاله هؤلاء المشركون من كذب، وما نطقوا به من باطل.
واسم الإشارة «كذلك» يعود إلى إشراكهم وتحريمهم لما أحله الله- تعالى- أى: مثل ذلك الفعل الشنيع الذي فعله قومك معك يا محمد، فعل أشباههم السابقون مع أنبيائهم الذين أرسلهم الله- تعالى- لهدايتهم، فلا تبتئس- أيها الرسول الكريم- مما فعله معك مشركو قومك. فإننا لولا وجودك فيهم، لأنزلنا بهم ما أنزلنا على سابقيهم من عذاب.
стр. 3452
والاستفهام في قوله- تعالى-: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. إنكارى في معنى النفي. والبلاغ: اسم مصدر بمعنى الإبلاغ. والمبين: الواضح الصريح.
أى: ما على الرسل الكرام الذين أرسلهم الله- تعالى- لإرشاد أقوامهم إلى الصراط المستقيم إلا الإبلاغ الواضح، المظهر لأحكام الله، المميز بين الحق والباطل، أما إجبار الناس على الدخول في الحق فليس من وظيفتهم.
قال- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «١» .
وقال- تعالى-: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- أن من رحمته بعباده، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...
والطاغوت: اسم لكل معبود من دون الله- تعالى-، كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة، مأخوذ من طغا يطغى طغوا.. إذا جاوز الحد في الضلال.
أى: ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نبعث في كل أمة، من الأمم السالفة «رسولا» من رسلنا الكرام، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير، وليقولوا «أن اعبدوا الله» - تعالى- وحده، «واجتنبوا» عبادة «الطاغوت» الذي يضل ولا يهدى.
وأكد- سبحانه- الجملة باللام وقد، للرد على ما زعمه المشركون من أن الله- تعالى- لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره، وأنه- سبحانه- راض لتحريمهم لما أحله.
حيث بين لهم- أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده، ولتجنب عبادة أحد سواه. و «أن» في قوله «أن اعبدوا..» تفسيرية، لأن البعث يتضمن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ.
ثم بين- سبحانه- موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال- تعالى-: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ...
стр. 3453
أى: بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها فمن هؤلاء الأبناء من هداهم الله- تعالى- إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. بأن وفقهم إليه، لانشراح صدورهم له، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة، لاستحبابه العمى على الهدى.
وأسند- سبحانه- هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه، مع أنه أمر جميعهم- على ألسنة رسله- بالدخول في طريق الهدى، للرد على المشركين الذين أحالوا شركهم وفسوقهم على مشيئة الله، إذ أن الله- تعالى- قد بين للناس جميعا طرق الخير وطرق الشر، فمنهم من استجاب للأولى، ومنهم من انحدر إلى الثانية، وكلاهما لم يقسره الله- تعالى- قسرا على الهدى أو الضلال.
فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك، واتباعهم الرسل، وضلال الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم.
وعبر- سبحانه- في جانب الضالين بقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم- سبحانه- إليه، بل ظلوا ثابتين مصممين على البقاء في طريق الضلالة، فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «١» .
وقوله- سبحانه-: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
تحريض لهم على التأمل في آثار المكذبين، لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم، ويعودون إلى صوابهم، ويدركون سنة من سنن الله في خلقه، وهي أن العاقبة الطيبة للمتقين، والعاقبة السيئة للكافرين.
والفاء في قوله «فسيروا ... » للتفريع، وقد جيء بها للإشعار بوجوب المبادرة إلى التأمل والاعتبار.
أى: إن كنتم في شك مما أخبرناكم به، فسارعوا إلى السير في الأرض، لتروا بأعينكم آثار المجرمين، الذين كذبوا الرسل وأسندوا شركهم إلى مشيئة الله. لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب الله، فدمرهم تدميرا وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«٢» .
ثم أخبر الله- تعالى- رسوله ﷺ بأن حرصه على هداية المصرين على ضلالهم، لن يغير من واقع أمرهم شيئا، فقال- تعالى- إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ...
стр. 3454
والفعل المضارع «تحرص» بكسر الراء، ماضيه «حرص» بفتحها كضرب يضرب.
والحرص: شدة الرغبة في الحصول على الشيء، والاستئثار به.
وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ تعليل لجواب الشرط المحذوف، والتقدير:
إن تحرص- أيها الرسول الكريم- على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم لن ينفعهم حرصك. فإن الله- تعالى- قد اقتضت حكمته أن لا يهدى من يخلق فيه الضلالة بسبب سوء اختياره، وفساد استعداده.
وفي الجملة الكريمة إشارة إلى ما جبل عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، فإنه مع ما لقيه من مشركي قومه من أذى وعناد وتكذيب ... كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك، أو علة للجواب المحذوف، أى: إن تحرص على هداهم لن ينفع حرصك شيئا، فإن الله لا يهدى من يضل.
والمراد بالموصول: كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإشعار بعلة الحكم.
ومعنى الآية: أنه- سبحانه- لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره. و «من» على هذا. مفعول «يهدى» وضمير الفاعل في «يضل» لله- تعالى- والعائد محذوف، أى من يضله.
وقرأ غير واحد من السبعة «فإن الله لا يهدى..» بضم الياء وفتح الدال- على البناء للمفعول.
و «من» على هذا نائب فاعل، والعائد وضمير الفاعل كما مر..» «١» .
والمعنى على هذه القراءة: إن تحرص على هداهم- يا محمد- لن ينفعهم حرصك، فإن من أضله الله- تعالى- لا يهديه أحد.
وقوله: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ تذييل مؤكد لما قبله.
أى: وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب الله- تعالى- إن نزل بهم،
стр. 3455
أو يصرفهم عن سبيل الغي الذي آثروه على سبيل الرشد.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.. «١»
وقوله- تعالى-: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك مقولة أخرى من مقولاتهم الباطلة، التي أكدوها بالأيمان المغلظة، ورد عليها بما يدمغها، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
قوله- سبحانه-: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ... معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا..
للإيذان بأنهم قد جمعوا بين إنكار التوحيد وإنكار البعث بعد الموت.
والقسم: الحلف: وسمى الحلف قسما، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب والجهد- بفتح الجيم- المشقة. يقال جهد فلان دابته وأجهدها، إذا حمل عليها فوق طاقتها. وجهد الرجل في كذا، إذا جد فيه وبالغ، وبابه قطع.
والمراد بقوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق،
стр. 3456
على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، لأنهم يزعمون أن إعادة الميت إلى الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة، أمر مستحيل.
وقد أكدوا زعمهم هذا بالقسم، للتدليل على أنهم متثبتون مما يقولونه. ومتيقنون من صحة ما يدعونه، من أنه لا يبعث الله من يموت.
قال القرطبي. قوله- تعالى- وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ.. هذا تعجيب من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت.
ووجه العجب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث الأموات.
وقال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه، وكان في بعض كلامه: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فأقسم المشرك بالله: لا يبعث الله من يموت، فنزلت الآية.
وفي البخاري عن أبى هريرة عن النبي ﷺ «قال الله- تعالى- كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدني كما بدأنى، وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» «١» .
وقوله- سبحانه-: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ تكذيب لهم فيما زعموه من أن الله- تعالى- لا يبعث من يموت، ورد عليهم فيما قالوه بغير علم.
و «بلى» حرف يؤتى به لإبطال النفي في الخبر والاستفهام.
أى: بلى سيبعث الله- تعالى- الأموات يوم القيامة، وقد وعد بذلك وعدا صدقا لا خلف فيه ولا تبديل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة لجهلهم بكمال قدرة الله- تعالى- وعموم علمه، ونفاذ إرادته، وسمو حكمته.
قال الجمل: وقوله: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد، أى: وعد ذلك وعدا، وحق حقا. وقيل: حقا نعتا لوعدا، والتقدير، بلى يبعثهم وعد بذلك وعدا حقا» «٢» .
وجيء بقوله «عليه» لتأكيد هذا الوعد، تفضلا منه- سبحانه- وكرما.
стр. 3457
والمراد بالحق هنا: الصدق الذي لا يتخلف، والثابت الذي لا يتبدل.
أى: وعدا صادقا ثابتا لا يقبل الخلف، لأن البعث من مقتضيات حكمته- سبحانه-.
والمراد بأكثر الناس: المشركون ومن كان على شاكلتهم في إنكار البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.
وفي التنصيص على أكثر الناس، مدح للأقلية منهم، الذين آمنوا بالبعث وبالآخرة وما فيها من حساب، وهم المؤمنون الصادقون.
هذا، وقد حكى- سبحانه- مزاعم المشركين ورد عليها في آيات كثيرة ومن ذلك قوله- تعالى-: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ.. «١» .
وقوله- تعالى-: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- الحكمة من بعث الناس يوم القيامة، فقال- تعالى-: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ.
واللام في قوله «ليبين لهم..» وفي قوله «وليعلم..» متعلقة بما دل عليه حرف «بلى» وهو يبعثهم. أى: بلى يبعث الله- تعالى- الموتى، ليظهر لهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره، وليعلم الذين كفروا علم مشاهدة ومعاينة، أنهم كانوا كاذبين في قسمهم أن الله- تعالى- لا يبعث من يموت، وفي غير ذلك من أقوالهم الباطلة.
وفي إظهار الحق، وفي بيان كذبهم يوم البعث، حسرة وندامة لهم، حيث ظهر لهم ما أنكروه في الدنيا، وما كانوا يستهزئون به، عند ما كان الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يدعونهم إلى نبذ الشرك، وإلى إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده.
فالآية الكريمة قد بينت حكمتين لبعث الناس للحساب يوم القيامة، الأولى إظهار ما اختلفوا فيه في شأن البعث وغيره مما جاءتهم به الرسل. والثانية: إظهار كذب الكافرين الذين أنكروا البعث واستهزءوا بمن دعاهم إلى الإيمان به.
стр. 3458
وقوله- سبحانه-: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ استئناف لتأكيد قدرة الله- تعالى- النافذة، وشمولها لكل شيء من بعث وغيره، وذلك لأن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه- سبحانه- لا يبعث الموتى، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم، أتبع ذلك ببيان أن قدرته- تعالى- لا يتعاصى عليها شيء، ولا يحول دون نفاذها حائل.
قال الإمام ابن كثير: «أخبر- سبحانه- عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له «كن فيكون» . والمراد من ذلك إذا أراد كونه، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء، قال- تعالى-: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ «١» وقال- سبحانه- ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ «٢» .
وقال- سبحانه- في هذه الآية إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أى:
يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن قال الشاعر:
إذا ما أراد الله أمرا فإنما ... يقول له «كن» قولة فيكون
أى: أنه- تعالى- لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه- سبحانه- لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء..» «٣» .
وقال بعض العلماء: وعبر- تعالى- عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء، لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل، فلا تنافى الآية إطلاق الشيء- على خصوص الموجود دون المعدوم، لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء- وأنه يقول كن فيكون-، كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه.
أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع كتسمية العصير خمرا في قوله إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً.. نظرا لما يؤول إليه..» «٤» .
وقوله «فيكون» قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أى: فهو يكون.
وقرأ ابن عامر والكسائي «فيكون» بالنصب عطفا على قوله «أن نقول له..» .
стр. 3459
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت جانبا من أقوال المشركين، وردت عليها بما يبطلها، ويزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم.
وبعد أن عرضت السورة الكريمة لأقاويل المشركين وردت عليها.. أتبعت ذلك بذكر جانب من الثواب العظيم الذي أعده الله- تعالى- للمؤمنين الصادقين، الذين فارقوا الدار والأهل والخلان، من أجل إعلاء كلمة الله- تعالى-، فقال- سبحانه-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا.. هؤلاء أصحاب محمد ﷺ . ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله- تعالى- المدينة فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. وعن ابن عباس: هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة، بعد أن ظلمهم المشركون، «١» .
والذي نراه أن الآية الكريمة تشمل هؤلاء، وتشمل غيرهم ممن هاجر من بلده إلى غيرها، رجاء ثواب الله، وخدمة لدينه.
والمهاجرة في الأصل تطلق على المفارقة والمتاركة للديار وغيرها، واستعملت شرعا في المهاجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، أو من دار الكفر إلى غيرها لنشر دعوة الإسلام.
وقوله «لنبوئنهم» من التبوؤ بمعنى الإحلال والإسكان والإنزال يقال بوأ فلان فلانا منزلا، إذا أسكنه فيه، وهيأه له.
«وحسنة» صفة لموصوف محذوف أى: لنبوئنهم تبوئة حسنة، أو دارا حسنة.
والمراد بهذه الحسنة ما يشمل نزولهم في المدينة، ونصرهم على أعدائهم، وإبدال خوفهم أمنا.
стр. 3460
قال القرطبي في المراد بالحسنة هنا ستة أقوال: نزول المدينة قاله ابن عباس والحسن..
الثاني: الرزق الحسن. قاله مجاهد. الثالث: النصر على عدوهم، قاله الضحاك، الرابع:
لسان صدق، حكاه ابن جريج. الخامس: ما استولوا عليه من البلاد.. السادس: ما بقي لهم في الدنيا من ثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف.
ثم قال: وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل الله- تعالى-» «١» .
والمعنى: والذين هاجروا في سبيل الله، وفارقوا قومهم وأوطانهم وأموالهم وأولادهم.. من أجل إعلاء كلمته، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين وظلمهم وطغيانهم.
هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا، لنسكننهم في الدنيا مساكن حسنة يرضونها، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم، ولننصرنهم على أعدائهم نصرا مؤزرا.
وقوله «في الله» أى: في سبيله، ومن أجل نصرة دينه. فحرف «في» مستعمل للتعليل، كما في قوله ﷺ : «دخلت امرأة النار في هرة حبستها ... » .
والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو للمهاجرين من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل نصرة الحق، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد في الأرض.
وأسند فعل «ظلموا» إلى المجهول، لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون.
وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم، إلا بعد أن أصابهم ظلم أعدائهم لهم، كتعذيبهم إياهم، وتضييقهم عليهم، إلى غير ذلك من صنوف الأذى.
وأكد- سبحانه- الجزاء الحسن الذي وعدهم به باللام وبنون التوكيد «لنبوئنهم..» ،
زيادة في إدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم، وجبرا لكل ما اشتملت عليه الهجرة من مصاعب وآلام وأضرار.
إذ الحسنة- كما قلنا- تشمل كل حسن أعطاه الله- تعالى- للمهاجرين في هذه الدنيا.
أما في الآخرة فأجرهم أعظم، وثوابهم أجزل، كما قال- تعالى-: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
والضمير في قوله «لو كانوا يعلمون» يعود على أعدائهم الظالمين.
أى: ولثواب الله- تعالى- لهم في الآخرة على هجرتهم من أجل إعلاء كلمته، أكبر
стр. 3461
وأعظم، ولو كان أعداؤهم الظالمون يعلمون ذلك لدخلوا في دين الإسلام، ولأقلعوا عن ظلمهم لهؤلاء المهاجرين.
وكأن جملة «لو كانوا يعلمون» جوابا عن سؤال تقديره: كيف لم يقتد بهم من بقي على الكفر مع هذا الثواب الذي أعده الله لهؤلاء المهاجرين؟
فكان الجواب: لو كان هؤلاء الكافرون يعلمون ذلك لأقلعوا عن كفرهم.
ويصح أن يكون الضمير يعود على المهاجرين، فيكون المعنى: لو كانوا يعلمون علم مشاهدة ومعاينة ما أعده الله لهم، لما حزنوا على مفارقة الأوطان والأولاد والأموال، ولازدادوا حبا وشوقا واجتهادا في المهاجرة.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب، أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول له «خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية «١» .
وجوز بعضهم أن يكون الضمير يعود للمتخلفين عن الهجرة أى: لو علم هؤلاء المتخلفون عن الهجرة، ما أعده- سبحانه- من أجر للمهاجرين، لما تخلفوا عن ذلك.
وعلى أية حال فلا مانع من أن يكون الضمير يعود على كل من يتأتى له العلم، بهذا الثواب الجزيل لهؤلاء المهاجرين في سبيل الله- تعالى-.
ثم وصف- سبحانه- هؤلاء المهاجرين بوصفين كريمين فقال: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أى: هذا الأجر العظيم لهؤلاء المهاجرين الذين صبروا على ما أصابهم من عدوان وظلم، وفوضوا أمرهم إلى خالقهم، فاعتمدوا عليه وحده، ولم يعتمدوا على أحد سواه.
وصفتا الصبر والتوكل على الله. إذا دخلا في قلب، حملاه على اعتناق كل فضيلة، واجتناب كل رذيلة.
وعبر عن صفة الصبر بصيغة الماضي للدلالة على أن صبرهم قد آذن بالانتهاء لانقضاء أسبابه وهو ظلم أعدائهم لهم، لأن الله- تعالى- قد جعل لهم مخرجا بالهجرة، وذلك بشارة لهم.
وعبر عن صفة التوكل بصيغة المضارع للإشارة إلى أن هذه الصفة ديدنهم في كل وقت،
стр. 3462
فهم متوكلون عليه- سبحانه- وحده في السراء والضراء، وفي العسر واليسر، وفي المنشط والمكره.
والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين، يراهما قد غرستا في النفوس محبة هذا الدين، والاستهانة بكل ألم أو ضر أو مصيبة في سبيل إعلاء كلمته، والرغبة فيما عند الله- تعالى- من أجر وثواب.
ثم رد- سبحانه- على المشركين الذين أنكروا أن يكون الرسول ﷺ من البشر، فبين- سبحانه- أن الرسل السابقين الذين لا ينكر المشركون نبوتهم كانوا من البشر، فقال- تعالى-.
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
قال الإمام ابن كثير: عن ابن عباس- رضى الله عنهما-: لما بعث الله- تعالى- محمدا ﷺ رسولا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ.. «١»
وقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ.. «٢» .
أى: وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم- لهداية الناس وإرشادهم إلى الحق إلا رجالا مثلك، وقد أوحينا إليهم بما يبلغونه إلى أقوامهم، من نصائح وتوجيهات وعبادات وتشريعات، وقد لقى هؤلاء الرسل من أقوامهم، مثل ما لقيت من قومك من أذى وتكذيب وتعنت في الأسئلة.
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية النبي ﷺ والرد على المشركين فيما أثاروه حوله ﷺ من شبهات.
стр. 3463
وقد حكى القرآن في مواطن عدة إنكار المشركين لبشرية الرسل ورد عليهم بما يخرسهم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى.. «١» .
وقوله- تعالى-: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا، أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا «٢» .
وقوله- تعالى- ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا، فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ «٣» .
والمراد بأهل الذكر في قوله «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» علماء أهل الكتاب أى: لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ومكان، فإن كنتم في شك من ذلك- أيها المكذبون- فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة.
وهذه الجملة الكريمة معترضة بين قوله- تعالى- وَما أَرْسَلْنا.. وبين قوله بعد ذلك: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ.. للمبادرة إلى توبيخ المشركين وإبطال شبهتهم، لأنه قد احتج عليهم، بمن كانوا يذهبون إليهم لسؤالهم عن الرسول ﷺ .
وفي قوله- تعالى- إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إيماء إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جيء في الشرط بحرف «إن» المفيد للشك.
وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف، دل عليه ما قبله. أى: إن كنتم لا تعلمون، فاسألوا أهل الذكر. وقيل المراد بأهل الذكر هنا: المسلمون مطلقا، لأن الذكر هو القرآن، وأهله هم المسلمون.
ونحن لا ننكر أن الذكر يطلق على القرآن الكريم، كما في قوله- تعالى- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ إلا أن المراد بأهل الذكر هنا: علماء أهل الكتاب، لأن المشركين كانوا يستفسرون منهم عن أحوال النبي ﷺ ، أكثر من استفسارهم من المسلمين.
стр. 3464
قال الآلوسى ما ملخصه قوله- تعالى-: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ.. أى: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قاله: ابن عباس والحسن والسدى وغيرهم.
وقال أبو حيان في البحر: والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب، لأنهم الذين لا يتهمون عند المشركين في إخبارهم بأن الرسل كانوا رجالا، فإخبارهم بذلك حجة عليهم. والمراد كسر حجتهم وإلزامهم، وإلا فالحق واضح في نفسه لا يحتاج إلى إخبار هؤلاء..» «١» .
قالوا: وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم، وعلى أن الرسل جميعا كانوا من الرجال ولم يكن من بينهم امرأة قط.
والجار والمجرور في قوله: «بالبينات والزبر» .... متعلق بقوله «وما أرسلنا..» وداخل تحت حكم الاستثناء مع «رجالا» .
والمراد بالبينات: الحجج والمعجزات الدالة على صدق الرسل.
والزبر: جمع زبور بمعنى مزبور أى مكتوب. يقال: زبرت الكتاب.. من باب نصر وضرب- أى: كتبته كتابة عظيمة.
أى: وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم- إلا رجالا مؤيدين بالمعجزات الواضحات، وبالكتب العظيمة المشتملة على التشريعات الحكيمة والآداب الحميدة، والعقائد السليمة، التي تسعد الناس في دينهم وفي دنياهم.
وقوله- سبحانه-: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. بيان للحكم التي من أجلها أنزل الله- تعالى- القرآن على النبي ﷺ .
أى: وأنزلنا إليك- أيها الرسول الكريم- القرآن، لتعرف الناس بحقائق وأسرار ما أنزل لهدايتهم في هذا القرآن من تشريعات وآداب وأحكام ومواعظ ولعلهم بهذا التعريف والتبيين يتفكرون فيما أرشدتهم إليه، ويعملون بهديك ويقتدون بك في أقوالك وأفعالك، وبذلك يفوزون ويسعدون.
فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على حكمتين من الحكم التي أنزل الله- تعالى- من أجلها القرآن على النبي ﷺ .
أما الحكمة الأولى: فهي تفسير ما اشتمل عليه هذا القرآن من آيات خفى معناها على
стр. 3465
أتباعه، بأن يوضح لهم ﷺ ما أجمله القرآن الكريم من أحكام أو يؤكد لهم ﷺ هذه الأحكام.
ففي الحديث الشريف عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله- ﷺ أنه قال:
«ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ... » .
وأما الحكمة الثانية: فهي التفكر في آيات هذا القرآن، والاتعاظ بها، والعمل بمقتضاها، قال- تعالى-: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ. وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
والمراد بالناس في قوله- تعالى- لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ العموم، ويدخل فيهم المعاصرون لنزول القرآن الكريم دخولا أوليا.
وأسند- سبحانه- التبيين إلى النبي ﷺ لأنه هو المبلغ عن الله- تعالى- ما أمره بتبليغه.
قال الجمل: قوله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...
يعنى: أنزلنا إليك- يا محمد- الذكر الذي هو القرآن، وإنما سماه ذكرا، لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين، «لتبين للناس ما نزل إليهم» يعنى ما أجمل إليك من أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة، والمبين لذلك المجمل هو رسول الله ﷺ ، ولهذا قال بعضهم: متى وقع تعارض بين القرآن والحديث، وجب تقديم الحديث، لأن القرآن مجمل والحديث مبين، بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل» «١» .
وبعد أن ردت السورة الكريمة على ما أثاره المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية، أتبعت ذلك بتهديدهم من سوء عاقبة ما هم فيه من كفر وعصيان وعناد، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٥ الى ٤٧]
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)
стр. 3466
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ هم عند أكثر المفسرين، مشركو مكة، الذين مكروا برسول الله ﷺ ، وراموا صد أصحابه عن الإيمان.
وقيل: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ... والمعول عليه ما عليه أكثر المفسرين، «١» .
والاستفهام في الآية الكريمة للتعجيب والتوبيخ.
والفاء للعطف على مقدر دل عليه المقام.
قال بعضهم ما ملخصه: كل ما جاء في القرآن الكريم، من همزة استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه. فالأظهر فيه، أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل عليه المقام. والتقدير هنا: أجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله لهم بالعقاب، فأمنوا مكره» «٢» .
والمراد بمكرهم هنا: سعيهم بالفساد بين المؤمنين، على سبيل الإخفاء والخداع.
والسيئات: صفة لمصدر محذوف، أى: مكروا المكرات السيئات. والمكرات- بفتح الكاف- جمع مكرة- بسكونها- وهي المرة من المكر.
ويجوز أن تكون كلمة السيئات مفعولا به بتضمين «مكروا» معنى: فعلوا.
والخسف: التغييب في الأرض، بحيث يصير المخسوف به في باطنها.
يقال: خسف الله بفلان الأرض، إذا أهلكه بتغييبه فيها.
ومنه قوله- تعالى-: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ.... «٣» .
والمعنى: أجهل الذين اجترحوا السيئات وعيدنا، فأمنوا عقابنا وتوهموا أنهم لن يصيبهم شيء من عذابنا، الذي من مظاهره خسف الأرض بهم كما خسفناها بقارون من قبلهم؟!!.
стр. 3467
إن جهلهم هذا لدليل على انطماس بصيرتهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
وقوله «أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون» بيان للون آخر من ألوان تهديدهم.
أى: في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض، وفي قدرتنا أيضا أن نرسل عليهم العذاب فجأة فيأتيهم من جهة لا يتوقعون مجيئه منها، ولا يترقبون الشر من ناحيتها.
وفي الجملة الكريمة إشارة إلى أن هذا العذاب الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون. عذاب لا يمكن دفعه أو الهروب منه، لأنه أتاهم بغتة، ومن جهة لا يترقبون الشر منها.
وشبيه بهذا قوله- سبحانه- فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ... «١» .
وقوله- سبحانه- أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ بيان لنوع ثالث من أنواع التهديدات التي هددهم الله- تعالى- بها.
والأخذ في الأصل: حوز الشيء وتحصيله، والمراد به هنا: القهر والإهلاك والتدمير ومنه قوله- تعالى- فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً وقوله- تعالى-: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
والتقلب: الحركة السريعة إقبالا وإدبارا، من أجل السعى في شئون الحياة من متاجرة ومعاملة وسفر وغير ذلك.
ومنه قوله- تعالى-: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ.
أى: في قدرتنا أن نخسف بهم الأرض، وأن نرسل عليهم العذاب من حيث لا يشعرون، وفي قدرتنا كذلك أن نهلكهم وهم يتحركون في مناكب الأرض خلال سفرهم أو إقامتهم، فإنهم في جميع الأحوال لا يعجزنا أخذهم، ولا مهرب لهم مما نريده بهم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
قال بعض العلماء: والتخوف في اللغة يأتى مصدر تخوف القاصر، بمعنى خاف، ويأتى مصدر
стр. 3468
تخوف المتعدى بمعنى تنقص. وهذا الثاني لغة هذيل، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» «١» .
والمعنى على الأول: أو يأخذهم وهم في حالة خوف وتوقع لنزول العذاب بهم، كما نزل بالذين من قبلهم.
وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله: وقوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ. أى: أو يأخذهم الله- تعالى- في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالات الأخذ، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ... » «٢» .
والمعنى على الثاني: أو يأخذهم وهم في حالة تنقص في أنفسهم وأموالهم وأولادهم حتى يهلكوا، فيكون هلاكهم قد سبقه الفقر والقحط والمرض، وفي ذلك ما فيه من عذاب لهم، وحسرة عليهم.
قال القرطبي: وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب- رضى الله عنه على المنبر قال: أيها الناس ما تقولون في قول الله- : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ.
فسكت الناس.
فقال شيخ من بنى هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين. التخوف: التنقص.
فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد اكتنازه:
تخوّف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر: أيها الناس: عليكم بديوانكم شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم» «٣» .
وختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لبيان فضله- سبحانه- على عباده، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه.
стр. 3469
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرين من التمادي في كفرهم، وهددتهم:
بخسف الأرض بهم. أو بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون، أو بإهلاكهم وهم في الأرض يكدحون، أو بأخذهم وهم للأخذ متوقعون.
وبعد أن خوف- سبحانه- الماكرين بما خوف، أتبع ذلك بما يدل على كمال قدرته وعظمته وجلاله، حيث خضعت جميع المخلوقات لذاته- سبحانه- فقال- تعالى-:
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)
قرأ جمهور القراء «أو لم يروا..» وقرأ حمزة والكسائي: «أو لم تروا» بالتاء، على الخطاب، على طريقة الالتفات.
وقوله «من شيء» بيان للإبهام الذي في «ما» الموصولة في قوله «إلى ما خلق الله» .
وقوله «يتفيأ» من التفيؤ، بمعنى الرجوع. يقال: فاء فلان يفيء إذا رجع وفاء الظل فيئا، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له. وتفيؤ الظلال: تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس، وبعد زوالها.
والظلال: جمع ظل، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور.
و «داخرون» من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع، يقال: دخر فلان يدخر دخورا، ودخر- بزنة فرح- يدخر دخرا، إذا انقاد لغيره وذل له.
والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات، ولم يروا ما خلق الله- تعالى- من الأشياء ذوات الظلال- كالجبال والأشجار وغيرها- وهي تتنقل ظلالها. من جانب إلى جانب، ومن جهة إلى جهة، باختلاف الأوقات وهي في كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله- تعالى- جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له.
стр. 3470
قال ابن كثير- ﵀: يخبر- تعالى- عن عظمته وجلاله، الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال- أى بكرة وعشيا-، فإنه ساجد بظله لله- تعالى- «١» .
والاستفهام في قوله- تعالى- أَوَلَمْ يَرَوْا.. للإنكار والتوبيخ، والرؤية بصرية.
أى: قد رأوا كل ذلك، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا، ولم يتعظوا بما شاهدوا.
والمراد بقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ جهتهما، وليس المراد التقييد بذلك، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإنسان وأحيانا يكون خلفه. وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام.
وأفرد اليمين، لأن المراد به جنس الجهة، كما يقال: المشرق، أى جهة المشرق، وجمع «الشمائل» - مفردة شمال-، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار تعدد أصحابها.
قال الشوكانى: قال الفراء: وحد اليمين، لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل، لأنه أراد كلها.
وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا في اللفظ، كقوله: «ويولون الدبر» ، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد، كما في قوله- تعالى- وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ. حال من «ظلاله» أى: حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله- تعالى-، وحال كون الجميع لا يمتنع عن أمر الله- تعالى-، بل الكل خاضع له- سبحانه- كل الخضوع.
وجاء قوله- تعالى-: وَهُمْ داخِرُونَ. بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء، تغليبا لهم على غيرهم ثم أتبع- سبحانه- هذه الآية الكريمة، بآيات أخرى مؤكدة لها، ومبينة أن كل المخلوقات لن تمتنع عن السجود لله- تعالى-، سواء أكانت لها ظلال أم لا، فقال- سبحانه-: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ، وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ...