العلماء- الشجاعة التي تجعلهم يجهرون بكلمة الحق في وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب، والتأويل الباطل.
قال الإمام الرازي: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره- ﵇ وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية.
ثم قال الإمام الرازي: والآية وإن نزلت في أهل الكتاب لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» «١» .
والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التي بشرت بالنبي ﷺ .
ومِنَ في قوله: مِنَ الْكِتابِ بمعنى في أى: يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة النبي ﷺ ونعته ووقت بعثته.
وقيل للبيان، وهي حال من العائد على الموصول والتقدير: أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل.
وقوله: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا معطوف على يكتمون.
أى: يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبي ﷺ ويأخذون من سفلتهم في مقابل ذلك عرضا قليلا من أعراض الدنيا.
والضمير في قوله: بِهِ يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذي يدل عليه الفعل يَكْتُمُونَ أو إلى الكتاب.
ووصف هذا الثمن الذي يأخذونه في مقابل كتمانهم بالقلة، لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبا.
وقوله- تعالى-: أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وما عطف عليه، بيان للعذاب المهين الذي أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم بدنياهم.
أى: أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار كما قال- تعالى- في حق أكلة مال اليتامى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.
وفي هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل
стр. 352
المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة الألم، ما يترب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار يقع عند ما تمتلئ منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإحراق بالنار.
وجيء باسم الإشارة في أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات.
وخص- سبحانه- بالذكر الأكل في بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم.
وقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى: لا يكلمهم كلاما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله- لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. أو أن نفى تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث.
وقوله: وَلا يُزَكِّيهِمْ أى: ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال: زكاه الله، أى: طهره وأصلحه.
وتستعمل التزكية بمعنى الثناء، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه، فيكون معنى وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثنى عليهم- سبحانه- ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب.
فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شيء قليل من حطام الدنيا، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم.
ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذي ينالهم فقال- تعالى- وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أى. موجع مؤلم.
قال الآلوسى: وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه لما ذكر- سبحانه- اشتراءهم بذلك- الثمن القليل- وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولا في الخبر بقوله: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمنا
стр. 353
قليلا، أنهم شهود زور وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله ﷺ وآلموه فقوبلوا بقوله- سبحانه-: وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» .
ثم بين- سبحانه- ما هم عليه من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ.
الاشتراء: استبدال السلعة بالثمن. والمعنى: أولئك الذين تقدم الحديث عنهم وهم الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم باعوا الهدى والإيمان ليأخذوا في مقابلهما الكفر والضلال، وباعوا ما يوصلهم إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا في مقابل ذلك عذابه ونقمته، فما أخسرها من صفقة، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض الدنيا الفانية، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم.
وقوله- تعالى-: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ معناه: فما أدومهم على عمل المعاصي التي تؤدى بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارهم على عملها يجلبون النار إليهم جلبا. ويقصدون إليها قصدا بدون مبالاة أو تفكر.
والمراد من التعجب في هذه الآية وأشباهها، الإعلام بحالهم وأنه ينبغي أن يتعجب منها كل أحد، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملة التعجب من صبر أولئك الكفار على النار، والتعجب انفعال- يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه وهو غير جائز في حقه- تعالى- لأنه لا يخفى عليه شيء، ومن هنا قال العلماء: إن فعل التعجب في كلام الله المراد منه التعجيب، أى: جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل، وهو هنا صبرهم على النار، فيكون المقصود تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما يلقى بهم في النار، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم.
وشبيه بهذا الأسلوب في التعجب- كما أشار صاحب الكشاف- أن تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من صبره، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على القيد والسجن، والمقصود بذلك تحذيره من التمادي فيما يوجب غضب ذلك السلطان.
قال الجمل ما ملخصه وما في قوله فَما أَصْبَرَهُمْ- وفي مثل هذا التركيب- فيها أوجه:
أحدها: وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة وأن معناها التعجب فإذا قلت. ما أحسن زيدا، فمعناه: شيء صير زيدا حسنا.
стр. 354
والثاني: وإليه ذهب الفراء: أنها استفهامية صحبها معنى التعجب، نحو: «كيف تكفرون بالله» .
والثالث: ويعزى للاخفش: أنها موصولة.
والرابع ويعزى له أيضا: أنها نكرة موصوفة وهي على هذه الأقوال الأربعة في محل رفع بالابتداء وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها، وعلى قولي الأخفش يكون الخبر محذوفا «١» .
ثم بين- سبحانه- أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم، هو ارتكابهم لما نهى الله عنه عن قصد وسوء نية فقال: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ.
أى: ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة ببيان الحق الذي من جملته التبشير ببعثة النبي محمد ﷺ فكتموا هم هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف والتأويل إيثارا لمطامع دنيوية على هدى الله الذي هو أساس كل سعادة.
فاسم الإشارة ذلِكَ يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل النار، وعدم تكليم الله إياهم، وعدم تزكيتهم.. إلخ.
والباء في قوله: بِأَنَّ للسببية، والمراد بالكتاب: التوراة.
ثم ختم- سبحانه- الحديث عن هؤلاء الكاتمين للحق بقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.
اختلفوا: خالف بعضهم بعضا، وأصله من اختلاف الطريق، تقول اختلفوا في الطريق.
أى: جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من جهة أو جهات أخرى. ثم استعمل في الاختلاف في المذاهب والاعتقاد.
والكتاب: التوراة، أو التوراة والإنجيل، إذ يصح أن يراد جنس الكتاب والمقام يقتضى صرفه إلى هذين الكتابين، وقد أبعد في التأويل من قال بأن المراد به القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما في كتبهم من بشارات بالرسول ﷺ واختلافهم في الكتاب من مظاهره: إيمانهم ببعضه وكفرهم بالبعض الآخر، وتحريفه عن مواضعه وتأويله على غير ما يراد منه.
والشقاق: الخلاف، كأن كل واحد من المختلفين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر،
стр. 355
وإذا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق، يقال: قال فلان قولا بعيدا، أى بعيدا من الصواب.
والمعنى: ذلك العذاب الأليم حل بأولئك الأشقياء بسبب كتمانهم لما أنزله الله في كتابه من الحق، وإن الذين اختلفوا في شأن ما أنزله الله في كتبه فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها- لفي بعد شديد عن الحق والصواب:
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت ألوانا من العقوبات الأليمة التي توعد الله بها كل من يكتم أمرا نهى الله عن كتمانه، لكي يقلع كل من يتأنى له الخطاب عن هذه الرذيلة وفاء للعهد الذي أخذه الله على الناس بصفة عامة، وعلى أولى العلم بصفة خاصة.
ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر، ووجوه الخير، تهدى المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٧]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
الْبِرَّ: اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد إلى خالقه- .
قال الراغب: «البر- بفتح الباء- خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر- بكسر الباء- بمعنى التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله- تعالى- تارة نحو: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ وإلى العبد تارة فيقال: بر العبد ربه، أى توسع في طاعته فالبر من الله
стр. 356
الثواب، ومن العبد الطاعة» «١» .
وتولية الوجوه قبل الشيء معناه: التوجه إليه بجعل الوجه متجها إلى جهته فلفظ «قيل» بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية.
والْمَشْرِقِ: الجهة التي تشرق منها الشمس، والمغرب: الجهة التي تغرب فيها.
قال الإمام الرازي: اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص. فقال بعضهم: أراد بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال- تعالى- ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم: بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام وقال بعضهم: بل هو خطاب للكل، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الفرض الأكبر في الدين، فبعثهم الله- تعالى- بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقا وغربا، وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه، فكأنه- تعالى- قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هو هذه الخصال التي عدها» «٢» .
وهذا القول الثالث- الذي يرى أصحابه أن الخطاب للكل، والذي قال عنه الإمام الرازي: هذا أشبه بالظاهر- هذا القول، هو الذي تسكن إليه النفس لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس في كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذي يعنيه الإسلام، وإنما البر الكامل يتأنى في استجابة الإنسان لتلك الخصال الشريفة التي اشتملت عليها الآية، تلك الخصال التي تجعل المستمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى صلة طيبة بغيرهم، - كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة-.
والمعنى: ليس البر- الذي هو كل طاعة يتقرب بها الإنسان إلى خالقه- في تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب، وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدى إلى السعادة والفلاح- يكون في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفي انفاق المال في وجوه الخير، وفي اتباع ما ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة.
هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم لَيْسَ الْبِرَّ بنصب البر على أنه خبر ليس، واسمها
стр. 357
قوله- تعالى-: أَنْ تُوَلُّوا أى: ليس توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله.
وقرأ الباقون لَيْسَ الْبِرَّ برفع البر على أنه اسم ليس، وخبرها قوله- تعالى-: أَنْ تُوَلُّوا أى ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب.
قال الطبرسي: وكلا المذهبين حسن، لأن كل واحد من اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبرا كما تتكافأ النكرتان «١» .
وقوله- تعالى-: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ إلخ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.
ولكِنَّ حرف استدراك، البر: اسمها. وقوله مَنْ آمَنَ وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله الْبِرَّ والخبر في المعنى لفظ مقدر مضاف إلى من آمن، يفهم من سياق الجملة، والمعنى مع ملاحظة المقدر: ولكن البر بر من آمن بالله.
وهذا اللون من الإيجاز الذي حذف فيه المضاف معهود في كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون السخاء حاتم، والشعر زهير. أى: السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير.
وقيل: إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل، كما يقال: ماء غور أى: غائر، ورجل صوم أى: صائم.
وقيل: إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر. أى: ولكن ذا البر من آمن بالله.
وقد ابتدأت الآية حديثها عن خصال البر بالإيمان بالله، لأنه أساس كل بر. وأصل كل خير، والإيمان بالله: هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد، الذي لا تعنو الوجوه إلا له، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه، ومتى رسخ هذا الإيمان في النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التي أرادها الله- تعالى- لبنى آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها نبراس الهداية والسداد في كل نواحي الحياة.
ثم ذكرت الإيمان باليوم الآخر، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان.
والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس في النفوس محبة الخير، والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام.
ولقد تحدث القرآن عن الإيمان بالله واليوم الآخر في عشرات الآيات، وأقام الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى أنه هو صاحب الكمال المطلق، كما أقام
стр. 358
الحجج والبراهين على أن البعث حق وضرب الأمثال لذلك، وسفه عقول المنكرين له.
ثم ذكرت الإيمان بالملائكة والملائكة: أجسام لطيفة نورانية، قادرون على التشكل في صورة حسنة مختلفة، وصفهم القرآن بأنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.
ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإيمان، أن الله وسطهم في إبلاغ وحيه لأنبيائه، وبين ذلك في كتابه، وتحدث الصادق المصدوق ﷺ عنهم في كثير من أحاديثه، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا الوجه الذي جاءت به الشريعة فقد أنكر الوحى، إذ الإيمان بهم أصل للإيمان بالوحي، فيلزم من إنكارهم إنكار الوحى، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة.
ثم ذكرت الآية الإيمان بالكتاب. والمراد به القرآن لأنه المقصود بالدعوة، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله، فما وافقه منها كان حقا وما خالفه كان باطلا.
والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه، لأنه هو الذي أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
ثم ذكرت الإيمان بالنبيين، أى: التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله- تعالى- لتلقى هدايته وكتبه وتبليغها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة.
والنبيون الذين يجب الإيمان بهم: كل من ثبتت نبوته عن طريق القرآن الكريم أو الحديث الصحيح، وكل من أنكر نبوة نبي قد ثبتت نبوته فقد خرج عن طريق الإيمان.
ولقد قام الدليل القاطع على أن محمدا ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين، وكل من ادعى غير ذلك فهو من الضالين المضلين.
وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التي ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق به الإنسان، لكي يكون ذا عقيدة سليمة، تصل به إلى الفلاح والسعادة.
ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة فقالت. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ، ذَوِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى، وَالْمَساكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ، وَفِي الرِّقابِ.
وهذه الجملة معطوفة على قوله- تعالى-: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ.
والضمير في قوله عَلى حُبِّهِ يعود إلى المال، أى: أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حالة كونه محبا له راغبا فيه. لأن الإعطاء والبذل في هذه الحالة يدل على قوة الإيمان، وصفاء الوجدان، ويسمو بصاحبه إلى أعلا الدرجات. قال- تعالى-: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
وقد بين النبي ﷺ أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة، لأن الإنسان في هذه الحالة
стр. 359
يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبى هريرة- ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، أى الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا وكذا وقد كان لفلان.
وقيل الضمير يعود إلى الله- أى: يعطون المال على حب الله وطلبا لمرضاته.
وقيل يعود إلى الإيتاء الذي دل عليه قوله- تعالى- وَآتَى الْمالَ فكأنه قال: يعطى ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.
والمراد بذوي القربى: أقرباء المعطى للمال. والمعنى: وأعطى المال مع محبته لهذا المال لأقاربه المحتاجين لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم، ولذلك جاء ذكرهم في الآية مقدما على بقية الأصناف التي تستحق العطف والإحسان.
روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» .
وَالْيَتامى: جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ الحلم. وهؤلاء اليتامى في حاجة إلى الإحسان إليهم بعد ذوى القربى متى كانوا محتاجين، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجتهم.
وَالْمَساكِينَ جمع مسكين، وهو من لا يملك شيئا من المال، أو يملك ما لا يكفى حاجاته وهذا النوع من الناس في حاجة إلى العناية والرعاية لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة وجوههم بالسؤال. وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» .
وَابْنَ السَّبِيلِ: هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك- كما قال الآلوسى- لملازمته السبيل- أى الطريق- في السفر، أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبدا يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف «١» إلى عطنه» «٢» .
وهذا النوع من الناس في حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول إلى بلده، وفي
стр. 360
هذا تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة.
وَالسَّائِلِينَ: جمع سائل، وهو الطالب للإحسان والمعروف. ويحمل حاله على أنه في حاجة إلى المعاونة، لأن السؤال علامة الحاجة غالبا.
والرقاب: جمع رقبة وهي في الأصل العنق، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء.
وقوله: وَفِي الرِّقابِ متعلق بآتى، أى: آتى المال على حبه في تخليص الأسرى من أيدى العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم. وهذه الأصناف الستة التي ذكرت في تلك الآية الكريمة وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.. إلخ.
ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة.
والذي يراجع القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من الحث على الإنفاق عليهم، وبذل العون في مساعدتهم- وأيضا- هناك عشرات الأحاديث في الحض على مد يد العون إلى ذوى القرابة والمعسرين، وذلك لأن المجتمعات تحيا وتنهض بالتراحم، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابر بين أبنائها.
ثم ذكرت الآية ألوانا أخرى من البر تدل على قوة الإيمان وحسن الخلق فقالت: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وإقامة الصلاة أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على الوجه الشرعي الذي أمر الله به، والمراد بالزكاة هنا، الزكاة المفروضة على الوجه الذي فصلته السنة المطهرة. وإيتاؤها: يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهم ممن ذكرهم الله في قوله- تعالى-: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
وفي ذكر الزكاة المفروضة بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوي القربى واليتامى.. إلخ دليل على أن في الأموال حقوقا لذوي الحاجات سوى الزكاة، وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من أبناء الأمة حد الضرورة، يجب على الأغنياء منها أن يسعوا في سدها ولو مما زاد على قدر الزكاة.
والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة، ولا يمدون يد المساعدة لسد حاجة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين، ودفع ضرورة البائسين، ليسوا على البر الذي يريده الله من عباده المتقين.
стр. 361
ومسألة «هل في المال حق سوى الزكاة» من المسائل التي تناولها بعض العلماء بالشرح والتفصيل «١» .
وقوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا معطوف على قوله مَنْ آمَنَ فإنه في قوة قولك، ومن أوفوا بعهدهم، وأوثرت صيغة اسم الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء.
الوفاء بالعهد يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله من الإذعان لكل ما جاء به الدين، ويشمل ما يعاهد به الناس بعضهم بعضا مما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا.
والموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا بروا في أيمانهم، وإذا قالوا صدقوا في قولهم، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانة، وقد وعدهم الله على ذلك بأجزل الثواب، وأعلى الدرجات.
وفي قوله- تعالى-: إِذا عاهَدُوا إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت حصول العهد.
ثم ختم- سبحانه- خصال البر بقوله: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
البأساء من البؤس، وهي ما يصيب الناس في الأموال كالفقر والاحتياج. يقال: بئس يبأس بؤسا وبأسا أى اشتدت حاجته.
والضراء من الضر، وهي ما يصيبهم في أنفسهم كالأمراض والأسقام يقال: ضره وأضره وضاره وضرا، ضد نفع: والألف في البأساء والضراء للتأنيث.
وحين البأس، أى: ووقت القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته، يقال: بؤس ببؤس بأسا فهو بئيس، أى: شجاع شديد.
وقوله: وَالصَّابِرِينَ معطوف في المعنى على مَنْ آمَنَ كقوله وَالْمُوفُونَ إلا أنه جاء منصوبا على المدح بتقدير- أخص أو أمدح- وغير سبكه عما قبله، تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على غيره من الفضائل حتى لكأنه ليس من جنس ما سبقه من فضائل، وهذا الأسلوب يسمى عند علماء اللغة العربية بالقطع، وهو أبلغ من الإتباع. ولا ريب في أن صفة الصبر على الشدائد والآلام وحين القتال في سبيل الله، جديرة بأنه ينبه لمزيد فضلها، إذ هي أصل لكثير من المكارم كالعفاف عما في أيدى الناس، والتسليم للقضاء الذي لا مرد له، والإقدام الذي يحمى به الدين وتسلّم به النفوس والأموال والأعراض:
وليس الصبر هو الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل وإنما الصبر جهاد
стр. 362
ومحاولة للتغلب على المصاعب، ومع الاحتفاظ برباطة الجأش والثقة بحسن العاقبة.
وقد خصت الآية ثلاث حالات بالصبر لأن هذه الحالات هي أبرز الأشياء التي يظهر فيها هلع الهالعين وجزع الجازعين، كما يتميز فيها أصحاب النفوس القوية المطمئنة من غيرهم.
وجاءت كلمة «حين» في قوله: وَحِينَ الْبَأْسِ مشيرة إلى أن مزية الصبر في القتال إنما تظهر حين يلتقى الجمعان، وتدور رحى الحرب، لأن بعض الناس قد يكون قويا في بدنه، وقد يحشر نفسه في زمرة الأبطال المقاتلين، ولكنه عند ما يرى الأعناق تتساقط من حوله تخور قواه، ويلوذ بالقرار، أو يستسلم للعدو. وفي هذه الحالة تسلب عنه صفة الصابرين حين البأس.
وتحق عليه صفة الضعفاء الجبناء.
وقد جاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد، وذلك لأن الصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض.
ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين لهذه الخصال بقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
أولئك اسم إشارة للجمع، وقد أشير به إلى من تقدم ذكرهم من الجامعين لخصال البر.
والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف به الأعمال الواقعة على الوجه الذي يرضى الله- تعالى-.
والمتقون من الاتقاء وهو الحذر، ويطلق المتقى في كلام الشارع على الإنسان الذي صان نفسه عن كل ما يغضب الله، وامتثل لأوامره ونواهيه.
أى: أولئك الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون في إيمانهم وفي كل أحوالهم، وأولئك هم المتقون لعذاب الله- تعالى- بسبب امتثالهم لأوامره، واجتنابهم لما نهى عنه.
واسم الإشارة أُولئِكَ جيء به لإحضارهم في أذهان المخاطبين وهم متصفون بتلك المناقب الجليلة.
وفي تكرير الإشارة زيادة تنويه بشأنهم وفضلهم. وجاء الإخبار عنهم بأنهم الصادقون المتقون، لتشيرهم بأنهم قد بلغوا بإحرازهم لتلك الخصال السابقة الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر المتنيرة، والنفوس المتقيمة، والقلوب السليمة، وهي مقام الصدق والتقوى الذي يرتفع بصاحبه إلى السعادة في الدنيا، والنعيم الدائم في الآخرة.
هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعا من أنواع البر الذي يهدى إلى الحياة
стр. 363
السعيدة في الدنيا، وإلى رضا الله- تعالى- في الآخرة، وذلك لأنها قد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير: بر في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخلق.
أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله- تعالى-: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ.
فقد جمعت في هذه الجملة الكريمة ما لا يتم الإيمان إلا بتحققه.
وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح في قوله- تعالى-: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ.
ولا شك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم، ويكون مظهرا من أفضل مظاهر العمل الصالح الذي يرضى الله- تعالى-.
وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة في قوله- تعالى-: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل. أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. والوفاء بالعهود، والتذرع بالصبر- يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق وكمال الاستقامة.
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق، وتربط بين الجميع برباط واحد لا ينفصم، ونضع على هذا كله عنوانا واحدا «البر» وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى.
فلله هذا الاستقراء البديع، وذلك التوجيه السديد، الذي يشهد أن هذا القرآن من عند الله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
وبعد أن بين- سبحانه- أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى في الإيمان بالله واليوم الآخر..
وفي بذل المال في وجوه الخير، وفي المحافظة على فرائضه- سبحانه- وفي غير ذلك من أنواع الطاعات التي ذكرتها الآية السابقة بعد كل ذلك شرع- سبحانه- في بيان بعض الأحكام العملية الجليلة التي لا يستغنى عنها الناس في حياتهم، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ الدماء لماله من منزلة ذات شأن في إصلاح العالم- فقال- تعالى-:
стр. 364
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
كُتِبَ من الكتب، وهو في الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وتعورف في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأطلق على المضموم في اللفظ وإن لم يكتب بالخط، ومنه الكتابة، ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب والفرض لأن الشأن فيما وجب ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب، ومنه «كتب عليكم الصيام» أى: فرض عليكم.
والْقِصاصُ: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح. وهو- كما قال القرطبي- مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، ومنه فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً وقيل: القص القطع. يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به. يقال أقص الحاكم فلانا من فلان به فأمثله فامتثل منه، أى:
اقتص منه» «١» .
فمادة القصاص تدل على التساوي والتماثل والتتبع.
والقتلى جمع قتيل، والقتيل من يقتله غيره من الناس.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب القتلى. بأن تقتلوا القاتل عقوبة له على جريمته مع مراعاة المساواة التي قررها الشارع الحكيم، فلا يجوز لكم أن تقتلوا غير القاتل، كما لا يجوز لكم أن تسرفوا في القتل بأن تقتلوا القاتل وغيره من أقاربه.
فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساو للمقتول فيقتل به. وقد بين العلماء أن القصاص يفرض عند القتل الواقع على وجه التعمد والتعدي، وعند مطالبة أولياء القتيل بالقود- أى القصاص- من القاتل.
стр. 365
ولفظ «في» في قوله- تعالى-: فِي الْقَتْلى للسببية، أى: فرض عليكم القصاص بسبب القتلى. كما في قوله ﷺ «دخلت امرأة النار في هرة» أى بسببها.
وصدرت الآية بخطاب الَّذِينَ آمَنُوا، تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص الذي شرعه الخبير بنفوس خلقه، لأن من شأن الإيمان الصادق أن يحمل صاحبه على تنفيذ شريعة الله التي شرعها لإقامة الأمان والاطمئنان بين الناس، ولسد أبواب الفتن التي تحل عرا الألفة والمودة بينهم.
وقد وجه- سبحانه- الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود من حق الحاكم لإشعارهم بأن عليهم جانبا من التبعة إذا أهمل الحكام تنفيذ هذه العقوبات التي شرعها الله.
وإذا لم يقيموها بالطريقة التي بينتها شريعته، ولإشعارهم كذلك بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على تنفيذ الحدود بالعدل. وذلك بتسليم الجاني إلى المكلفين بحفظ الأمن، وأداء الشهادة عليه بالحق والعدل، وغير ذلك من وجوه المساعدة.
وقوله- تعالى-: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة، ومفادها أنه لا يقتل في مقابل المقتول سوى قاتله، لأن قتل غير الجاني ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة في الأرض وفساد كبير.
وقد يفهم من مقابلة الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى أنه لا يقتل صنف بصنف آخر، وهذا الفهم غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل منذ عهد رسول الله ﷺ على قتل الرجل بالمرأة.
قال القرطبي: «أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل» «١» .
والخلاف في قتل الحر بالعبد. فبعض العلماء يرى قتل الحر بالعبد، وبعضهم لا يرى ذلك، ولكل فريق أدلته التي يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه.
والغرض الذي سيقت من أجله الآية الكريمة، إنما هو وجوب تنفيذ القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ما كان شائعا في الجاهلية من أن القبيلة القوية كانت إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصا لا ترضى حتى تقتل في مقابله من الضعيفة أشخاصا. وإذا قتلت منها عبدا تقتل في مقابله حرا أو أحرارا، وإذا قتلت منها أنثى قتلت في نظيرها رجلا أو أكثر. فيترتب على
стр. 366
ذلك ان ينتشر القتل، ويشيع الفساد، وقد حكى لنا التاريخ كثيرا مما فعله الجاهليون في هذا الشأن.
قال الإمام البيضاوي عند تفسيره لهذه الآية: كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية. وهي لا تدل على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم» «١» .
ثم أورد- سبحانه- بعد إيجابه للقصاص العادل- حكما يفتح باب التراضي، بين القاتل وأولياء المقتول، بأن أباح لهم أن يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ويأخذوا في مقابل ذلك الدية، فقال- تعالى-: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.
عفى: من العفو وهو الإسقاط. والعفو عن المعصية، وترك العقاب عليها. والذي عفى له هو القاتل، وأَخِيهِ الذي عفا هو ولى المقتول. والمراد بلفظ شَيْءٌ القصاص، وهو نائب فاعل عُفِيَ.
والمعنى: أن القاتل عمدا إذا أسقط عنه أخوه ولى دم القتيل القصاص، راضيا أن يأخذ منه الدية بدل القصاص، فمن الواجب على ولى الدم أن يتبع طريق العدل في أخذ الدية من القاتل بحيث لا يطالبه بأكثر من حقه، ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق الحسنى، بحيث لا يماطله ولا يبخسه حقه.
فقوله- تعالى-: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وصية منه- سبحانه- لولى الدم أن يكون رفيقا في مطالبته القاتل بدفع الدية.
وقوله: وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ وصية منه- سبحانه- للقاتل بأن يدفع الدية لولى الدم بدون تسويف أو مماطلة.
وفي هذه الوصايا تحقيق لصفاء القلوب، وشفاء لما في الصدور من آلام، وتقوية لروابط الأخوة الإنسانية بين البشر.
وبعضهم فسر العفو بالعطاء فيكون المعنى: فمن اعطى له وهو ولى المقتول من أخيه وهو القاتل شيئا وهو الدية، فعلى ولى المقتول اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان.
وسمى القرآن الكريم القاتل أخا لولى المقتول، تذكيرا بالأخوة الإنسانية والدينية، حتى يهز
стр. 367
عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: عفى يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ؟ قلت: يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال- تعالى-: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ وقال: عَفَا اللَّهُ عَنْها. فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معا قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل: فمن عفى عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية «١» .
وجاء التعبير بلفظ شيء منكرا لإفادة التقليل. أى: فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئا من العفو والتجاوز ولو أقل قليل، تم العفو وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية، وذلك بأن يعفو بعض أولياء الدم، لأن القصاص لا يتجزأ.
وفي ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى الدم، في العفو وفي قبول الدية، إذ العفو أقرب إلى صفاء القلوب، وتجميع النفوس على الإخاء والتعاطف والتسامح. وفيه- أيضا- إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية من التعيير من قبول أخذ الصلح في قتل العمد، وعدهم ذلك لونا من بيع دم المقتول بثمن بخس. قال بعضهم يحرض قومه على الثأر.
فلا تأخذوا عقلا من القوم إننى ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
وقال شاعر آخر يذكر قوما لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم:
فلو أن حيا يقبل المال فدية ... لسقنا لهم سيبا من المال مفعما
ولكن أبى قوم أصيب أخوهم ... رضا العار فاختاروا على اللبن الدما
ثم بين- سبحانه- أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ.
أى: ذلك الذي شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى القتيل إذا رضى طائعا مختارا، أردنا منه التخفيف عليكم إذ في الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من القتل قصاصا، وفيها كذلك نفع لولى القتيل، إذ هذا المال الذي أخذه نظير عفوه يستطيع أن ينتفع به في كثير من مطالب حياته.
وبهذا نرى أن الإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة. إذ جعل القصاص حقا لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم في ذلك منازع وهذا عين الإنصاف والعدل.
стр. 368
وجعل الدية عوضا عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم، وهذا عين الرحمة واليسر.
وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها إذ العدالة هي التي تكسر شره النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصا عادلا.
والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتوادد بعد التعادي، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. فلله هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته.
ثم ختم- سبحانه- الآية بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده، ويتجاوز تشريعه الحكيم فقال: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.
أى: فمن تجاوز حدوده بعد هذا التشريع الحكيم الذي شرعناه بأن قتل القاتل بعد قبول الدية منه، أو بأن قتل غير من يستحق القتل فله عذاب شديد الألم من الله- تعالى- لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول يدل على نكث العهد، ورقة الدين، وانحطاط الخلق.
ثم بين- سبحانه- الحكمة في مشروعية القصاص توطينا للنفوس على الانقياد له، وتقوية لعزم الحكام على إقامته فقال- تعالى-: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أى: ولكم في مشروعية القصاص حياة عظيمة، فالتنوين للتعظيم.
قال صاحب الكشاف، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى قبيلة بكر بن وائل. وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أى حياة، أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلّم صاحبه من القتل وسلّم هو من القود فكان القصاص سبب حياة نفسين «١» .
هذا وقد نقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم في هذا الشأن: «قتل البعض إحياء للجميع، وأكثروا القتل ليقل القتل» وأجمعوا على أن أبلغ الأقوال التي عبروا بها عن هذا المعنى قولهم «القتل أنفى للقتل» وقد أجمع أولو العلم على أن قوله- تعالى-: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أبلغ من هذه العبارة التي نطق بها حكماء العرب، بمقدار ما بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء العرب من وجوه كثيرة من أهمها:
стр. 369
١- أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل على وجه التساوي، أما العبارة العربية فقد جعلت سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلما، فيكون سببا للفناء لا للحياة، وتصحيح هذه العبارة أن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما.
٢- أن الآية جاءت خالية من التكرار اللفظي، فعبرت عن القتل الذي هو سبب الحياة بالقصاص. والعبارة كرر فيها لفظ القتل فمسها بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية.
٣- أن الآية جعلت القصاص سببا للحياة التي تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية جعلت القتل سببا لنفى القتل الذي تترتب عليه الحياة.
٤- الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان له.
٥- أن تنكير حياة في الآية يفيد تعظيما، فيدل على أن في القصاص حياة متطاولة كما في قوله- تعالى-: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ولا كذلك المثل. فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
٦- تعريف الْقِصاصُ بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل- وغير ذلك، والمثل لا يشمل ذلك.
٧- أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى أقل حروفا من المثل.
هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل، وهناك وجوه أخرى ذكرها العلماء في كتبهم «١» .
وفي قوله: يا أُولِي الْأَلْبابِ تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص.
والْأَلْبابِ: جمع لب وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام، أو العقل الذكي الذي يستبين الحقائق بسرعة وفطنة، ويستخرج لطائف المعاني من مكانها ببراعة وحسن تصرف.
وخص النداء بأولى الألباب مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم لأنهم الذين يتدبرون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة ويقدرون حكم التشريع قدرها.
وفي هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع في تثبيت دعائم الأمن، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة، ولا يزال الناس يشاهدون في كل عصر ما يثيره القتل في صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت بهم في تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد.
стр. 370
وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ زيادة في إقناع نفوسهم بأمر القصاص، أى: شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا القتل حذرا من القصاص، ولتعيشوا آمنين مطمئنين، ومتوادين متحابين.
وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدتا إلى ما يحمى النفوس، ويحقن الدماء، ويردع المعتدين عن الاعتداء، ويغرس بين الناس معاني التسامح والإخاء، ويقيم حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن القضاء.
وبعد أن بين- سبحانه- ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية، ليرشد الناس إلى ما ينبغي أن تكون عليه، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من وصايا جائرة فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
وقوله- تعالى-: كُتِبَ عَلَيْكُمْ قد استفاض في عرف الشرع بمعنى وجب عليكم.
و «حضور الموت» يقع عند معاينة الإنسان للموت ولعجزه في هذا الوقت عن الإيصاء فسر بحضور أسبابه، وظهور أماراته، من نحو العلل المخوفة والهرم البالغ. وقد شاع عند العرب استعمال السبب كناية عن المسبب، ومن ذلك قول شاعرهم:
يا أيها الراكب المزجى مطيته ... سائل بنى أسد ما هذه الصوت «١»
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إنى أنا الموت
стр. 371
والخير: المال، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير، لأن مقام الوصية يشعر بذلك، ولم يرد نص من الشارع في تقدير ما يسمى مالا كثيرا، وإنما وردت آثار من بعض الصحابة والتابعين في تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر إلى ما يسمى بحسب العرف مالا كثيرا فقال بعضهم:
من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وقال بعضهم: من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم. والحق أن هذا التقدير يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف.
ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة في المال قليلة وكثيرة.
قال القرطبي: والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت، وخصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصي يكون الموصى والموصى إليه. وأصله من وصى مخففا. وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل وأرض واصية: متصلة النبات. وأوصيت له بشيء. وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية والوصاية- بالفتح وبالكسر- وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضا «١» .
والمعنى: كتب عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت: من مرض ثقيل، أو شيخوخة مضعفة، وكان عنده مال كثير قد جمعه عن طريق حلال، أن يوصى بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذي لا مضارة فيه بين الأقارب، والوصية على هذا الوجه تعتبر حقا واجبا على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية من الله طريفا لهم.
فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص، وفصل القرآن الحديث عن الوصية عن سابقه للإشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية.
وقد جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة، لتغيير ما كان من عادات بعض أهل الجاهلية، فإنهم كانوا كثيرا مانعون القريب من الإرث توهما منهم أنه يتمنى موت قريبة ليرثه، وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدى ذلك إلى التباغض والتحاسد، وربما فضلوا- أيضا- الوصية لغير الأقارب للفخر والتباهي، فشرع الإسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع التحاسد والتعادي.
قال الجمل: وكتب فعل ماض مبنى للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله- تعالى- وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الوصية، أى: كتب عليكم الوصية، وجاز تذكير الفعل لكون القائم
стр. 372
مقام الفاعل مؤنثا مجازيا ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعة.
والثاني: أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله: «الوصية» للوالدين، أى: كتب هو، أى الإيصاء.
والثالث: أنه الجار والمجرور. وهذا يتجه على رأى الأخفش والكوفيين وعليه فيكون قوله:
عَلَيْكُمْ في محل رفع، ويكون في محل النصب على القولين الأولين وجواب كل من إِذا وإِنْ محذوف. أى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا فليوص «١» .
والباء في قوله: بِالْمَعْرُوفِ للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من الوصية.
والمراد بالمعروف هنا العدل الذي جاءت به الشريعة، بأن لا يتجاوز بالوصية الثلث، وأن لا يوصى للأغنياء ويترك الفقراء أو يوصى للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقرا ومسكنة.
وقوله: حَقًّا مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه كُتِبَ وعامله إما كُتِبَ أو فعل محذوف تقديره حق أى: حق ذلك حقا.
وقوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ صفة له. أى حقا كائنا على المتقين.
وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضا به، لأن ما كان من شأن المتقى فهو أمر نفيس جدير أن يتأسى به الناس، ومن أهمله فقد حرم من الدخول في زمرتهم، وخسر بذلك خسارة عظيمة.
قال بعض العلماء: وقد وردت هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين، والمعروف عند الأمة منذ عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدان لهما نصيب مفروض في المواريث ومقتضاه عدم صحة الوصية لهما؟
ويزيح هذا الأشكال من طريق التفسير أن فريقا من أهل العلم وهم جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه النسخ أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية فقامت مقامها في الوصية للوارث ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف وهو قوله ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» .
وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصح نسخه للقرآن بنفسه، فقد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا في العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر في الرواية واعتمدوا عليه في بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء في الميراث مقام آية إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ في الوصية للوارث. وروى البخاري في صحيحه
стр. 373
عن ابن عباس- ﵁ قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث «لا وصية لوارث» لاستفاضته بين الأمة وتلقيهم له بالقبول، فقرروا العمل به وأبطلوا الوصية لوارث ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة وتأولوها على وجوه منها أن المراد من قوله: لِلْوالِدَيْنِ الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإرث كالكفر والاسترقاق، وقد كانوا حديثي عهد بالإسلام يسلّم الرجل ولا يسلّم أبواه وقد أوصى الله بالإحسان إليهما» «١» .
ثم توعد- سبحانه- من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال- تعالى-: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ.
بدله: غيره. وتغيير الوصية يتأتى بالزيادة في الموصى به أو النقص منه أو كتمانه، أو غير ذلك من وجوه التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى.
سمعه: أى علمه وتحققه، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله. والضمائر البارزة في «بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه» عائدة على القول أو على الكلام الذي يقوله الموصى والذي دل عليه لفظ الوصية أو على الإيصاء المفهوم من الوصية، وهو الإيصاء أو القول الواقع على الوجه الذي شرعه الله.
والمعنى: فمن غير الإيصاء الذي أوصى به المتوفى عن وجهه، بعد ما علمه وتحققه منه، فإنما إثم ذلك التغيير في الإيصاء يقع على عاتق هذا المبدل، لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة، وخالف شريعة الله، ولن يلحق الموصى شيئا من الإثم لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما يريدها الله- تعالى-.
وقد ختمت الآية بقوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ للإشعار بالوعيد الشديد الذي توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه، لأن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء من حيل الناس الباطلة، فهو- سبحانه سميع لوصية الموصى، عليم بما يقع فيها من تبديل وتحريف.
ثم استثنى- سبحانه- حالة يجوز فيها التغيير فقال، «فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه» .
стр. 374
خاف: من الخوف، وهو في الأصل حالة تعترى النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله على سبيل الظن أو على سبيل العلم.
والجنف: الميل والجور. يقال: جنف في وصيته وأجنف، مال وجار، فهو جنف وأجنف.
وقيل: أجنف مختص بالوصية وجنف في مطلق الميل عن الحق. ويقال: جنف وجنف عن طريقه جنفا وجنوفا.
والإثم: العمل الذي يبغضه الله. يقال: أثم فهو آثم وأثيم.
قال بعضهم: والمراد بالجنف هنا: الميل عن الحق في الوصية خطأ، بقرينة مقابلته بالإثم وهو الميل عن الحق فيها عمدا.
هذا، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة في الوصي يرى أن الموصى قد حاد في وصيته عن حدود العدل، فللوصي حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة مع ما شرعه الله، وهو في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير الباطل بالحق وعلى هذا الرأى يكون المعنى: أن الوصي إذا رأى في الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمدا وأصلح بين الموصى لهم يردهم إلى الوجه المشروع فلا إثم عليه في التغيير في الوصية. والضمير في قوله: بَيْنَهُمْ عائد على الموصى لهم.
ويرى آخرون أن هذه الآية واردة في شأن كل من يبغى الإصلاح من الناس، بأن يرى الموصى يوصى، فظهر له- أى هذا المصلح- أن الموصى قد جانب العدل والصواب في وصيته، فيأخذ في الإصلاح، بأن يرشده بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة العدل التي أمر بها الله، ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف بين الموصى والموصى لهم.
وعلى هذا الرأى يكون المعنى: إن خرج الموصى في وصيته عن حدود العدالة، ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس، وتوقع أن شرا سيترتب على هذه الوصية التي فيها جور، أو شاهد نزاعا بين الموصى لهم بسبب ذلك، فلا إثم على هذا المصلح في أن يصلح بين الموصى والموصى لهم، وأن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل والحق. وعليه فيكون الضمير في قوله: بَيْنَهُمْ يعود على الموصى والموصى لهم.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن سياق الآية يؤيده، إذ هي بمنزلة الاستثناء من قوله- تعالى-: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ.. وهذا إنما يكون بعد موت الموصى لا في حياته.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل أتى به- سبحانه- للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه، فإن من يغفر الذنوب ويرحم المذنبين تكون مغفرته ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإصلاح ولو اعتمد على ظن غالب أو أخطأ وجه الصواب فيما أتى من أعمال.
стр. 375
وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكما آخر من أحكامها السامية، يتعلق بالوصية في الأموال، وفي هذا الحكم دعوة إلى التراحم والتكافل، وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء وبين الأقارب بعضهم مع بعض.
وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن الوصية أتبعتهما بالحديث عن عبادة عظيمة من العبادات التي جعلها الله- تعالى- ركنا من أركان الإسلام وهي صوم رمضان، فقال- سبحانه-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٣ الى ١٨٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو في اللغة: الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله- تعالى- مخبرا عن مريم: إِنِّي
стр. 376
نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
أى: سكوتا عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب.
وتقول العرب: صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.
أما الصيام في عرف الشرع فهو- كما يقول الآلوسى- إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة.
وقد فرض الله- تعالى- على المسلمين صيام شهر رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة، وعده النبي ﷺ أحد أركان الإسلام الخمسة، فقد روى البخاري- بسنده- عن ابن عمر- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.
وأل في الصيام للعهد الذهني، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش والجاهلية» .
والتشبيه في قوله- تعالى-: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته. أى: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله ﷺ يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية.
وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال: كتب الله- صوم شهر رمضان على كل أمة.
وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضي أبو بكر بن العربي: المقطوع به أن التشبيه في الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.
ولفظ «كما» في قوله- تعالى-: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في موضع نصب على المصدر، أى: فرض عليكم الصيام فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم.
ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها- سبحانه- لأتباع النبي ﷺ ولأتباع الرسل الذين سبقوه في الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها، ودوام صلاحها.
كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين لأن الشيء الشاق تخف مشقته على الإنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.
والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا
стр. 377
مقصرين في أدائها، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضي منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ جملة تعليلية جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه- سبحانه- يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها، ويكفى أن الرسول ﷺ قد قال في شأن الصوم: «الصوم جنة» «١» أى:
وقاية. إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي، ووقاية من عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في تناول بعض الأطعمة والأشربة.
وقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أى: معينات بالعد أو قليلات، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا.
والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء.
قالوا: وتقريره أنه- تعالى- قال أولا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره «٢» .
وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة- أيضا- تهوينا لأمره على المكلفين، وإشعارا لهم بأن الله- تعالى- ما فرض عليهم إلا ما هو في وسعهم وقدرتهم.
وقيل: إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهي الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافا إليها يوم عاشوراء. ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان.
والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول، لأنه- كما قال الإمام الرازي- لا وجه لحمله على غيره، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها.
стр. 378
وقوله: أَيَّاماً منصوب على الظرفية، أو بفعل مضمر مقدر أى: صوموا أياما. وقوله:
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ زيادة بيان ليسر شريعة الإسلام بعد أن أخبرهم- سبحانه- بأن الصوم المفروض عليهم إنما هو أيام معدودات، وتعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال.
والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، بأن يصاب بانحراف في جسده يجعله في حالة وجع أو اضطراب بدني.
قال القرطبي: وللمريض حالتان:
إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبا.
الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر.. فالفطر مباح في كل مرض إلا المرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام «١» .
وقوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ قال الآلوسى معناه: أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر. واستدل بإطلاق السفر على أن السفر القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار. وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وبما يلزمه العسر غالبا وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع» «٢» .
والعدة فعلة من العد، وهي بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون ومنه عدة المرأة.
والمعنى: لقد فرضنا عليكم الصوم أيها المؤمنون، وجعلناه كما الشأن في كل ما شرعناه متسما باليسر لا بالعسر، ومن مظاهر ذلك أننا فرضنا عليكم صوم أيام معدودات وهي أيام شهر رمضان، ولم نفرض عليكم صوم الدهر. وأننا شرعنا لمن كان مريضا مرضا يضره الصوم أو يعسر معه، أو كان على سفر يشق عليه معه الصوم، شرعنا له أن يفطر وأن يصوم بدل الأيام التي أفطرها أياما آخر مساوية لها في العدد.
قال الإمام الرازي: قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، إذ أنه بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه ما ذكرناه من أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانيا بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم وهو أنه سبب لحصول التقوى فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم بين ثالثا أنه مختص بأيام معدودة فإنه لو جعله أبدا أو أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين
стр. 379
رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامسا: إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون. فهو- سبحانه- راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرا» «١» .
هذا، وقد نص الفقهاء على أن الإفطار مشروع على سبيل الرخصة للمريض والمسافر، وهما بالخيار في ذلك إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا: الصوم أفضل لمن قوى عليه.
والذي نراه أن الله- تعالى- قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج. والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته وينتفى حيث تنتفى.
وعلى المسلّم أن يقدر حال نفسه، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله- تعالى-: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه واستفتاء قلبه.
والثابت عن رسول الله ﷺ أنه صام في السفر وأفطر، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر. فقد روى البخاري ومسلّم عن أبى الدرداء- ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ «وفي إحدى روايتي مسلّم- في شهر رمضان-، في يوم حار، حتى ليضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحه» .
وروى الإمام مسلّم في صحيحه عن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري فسألته عن الصوم في السفر فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله ﷺ إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر.
وروى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وهناك مسألة أخرى تعرض لها الفقهاء بالحديث وهي مسألة قضاء الأيام التي أفطرها
стр. 380
المريض أو المسافر هل يقضيها متتابعة أو متفرقة وهل يقضيها على الفور أو على التراخي؟
وجمهور الفقهاء على أن للمفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر أن يقضى ما أفطره متتابعا أو متفرقا لأن قوله- تعالى-: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. دل على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ- كما قال القرطبي- مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.
وله كذلك أن يقضى ما عليه على الفور أو على التراخي على حسب ما يتيسر له. ففي الصحيحين عن عائشة- ﵂ قالت: يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ وهذا نص وزيادة بيان للآية» .
ويرى داود الظاهري أن على المفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر أن يشرع في قضاء ما أفطره في اليوم الثاني من شوال المعاقب له، وأن يتابع أيام القضاء.
والمعتمد بين العلماء هو قول الجمهور لقوة أدلته التي سبق بيانها.
وقوله- تعالى-: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ بيان لحكم آخر من أحكام الشريعة فيما يتعلق بصوم رمضان يتجلى فيه تيسير الله على عباده فيما شرع لهم من عبادات.
ومعنى يُطِيقُونَهُ يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، والوسع اسم للقدرة على الشيء على جهة السهولة.
قال الراغب: والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، ومنه رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أى ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: «لا تحملنا ما لا قدرة لنا به» «١» .
والعرب لا تقول فلان أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر. فلا يقال- مثلا- فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد، وإنما يقال: هو يطيق حمل قنطارين من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة.
وللعلماء أقوال في المراد بقوله- تعالى-: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ أشهرها:
١- إن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله- تعالى- بين الصوم وبين الفداء، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإقطار والفدية، ثم نسخ ذلك وأوجب الله عليهم الصوم.
ويشهد لهذا القول ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية
стр. 381
«وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها.
وفي رواية للإمام مسلّم من طريق آخر عن سلمة- أيضا- قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
٢- ويرى بعض العلماء أن قوله- تعالى-: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ إلخ، ليس بمنسوخ بل هو محكم، وأنه نزل في شأن الشيخ الكبير الهرم، والمرأة العجوز، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطرا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا.
وأصحاب هذا الرأى يستدلون بما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية:
ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليها أن يطعما مكان كل يوم مسكينا» .
٣- وهناك رأى ثالث لبعض العلماء يرى أصحابه أن قوله- تعالى- وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ليس بمنسوخ- أيضا- بل هو محكم، وأن معنى الآية عندهم: وعلى الذين يطيقونه، أى: يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا. (بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك) .
ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز- كما فعل أصحاب الرأى الثاني- وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ومن في حكمها ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة.
وأصحاب هذا الرأى يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية، إذا أن الوسع اسم للقدرة على الشيء على جهة السهولة، والطاقة اسم للقدرة عليه مع الشدة والمشقة- كما سبق أن بينا-، كما يستدلون- أيضا- على ما ذهبوا إليه بقراءة يُطِيقُونَهُ- بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية- أى يتجشمونه، ويتكلفونه بمشقة وتعب، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأى بناء على أن منطوق الآية يؤيده.
كما انتصر بعضهم للرأى الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة تسانده وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس، كما انتصر بعضهم للرأى الثاني الذي روى عن ابن عباس.
وهناك أقوال أخرى في الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها.
стр. 382
وقوله: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ حض من الله- تعالى- لعباده على الإكثار من عمل الخير.
والتطوع: السعى في أن يكون الإنسان فاعلا للطاعة باختياره بدون إكراه والخير: مصدر خار إذا حسن وشرف، وهو منصوب لتضمين تطوع معنى أتى، أو على أنه صفة لمصدر محذوف أى تطوعا خيرا.
والمعنى: فمن تطوع خيرا بأن زاد على القدر المفروض في الفدية، أو أطعم أكثر من مسكين، أو جمع بين الإطعام والصوم، فتطوعه سيكون خيرا عند الله- سبحانه- لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وقوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ترغيب في الصوم وتحبيب فيه. أى: وأن تصوموا أيها المطيقون للصوم، أو أيها المكلفون جميعا خير لكم من كل شيء سواه، إن كنتم تعلمون فوائد الصوم في حياتكم، وحسن جزائه في آخرتكم.
روى النسائي وابن خزيمة عن أبى أمامه ﵁ قال: قلت يا رسول الله مرني بعمل قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له- أى لا يعادل ثوابه بشيء- فقلت يا رسول الله مرني بعمل، فقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. فقلت: يا رسول الله مرني بعمل أدخل به الجنة. فقال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له» «١» .
وقوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذي يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه.
قال الإمام ابن كثير: يمدح- تعالى- شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، فقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان «٢» .
والشَّهْرَ مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد، ومنه يقال: شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم: وسمى الهلال
стр. 383
شهرا لشهرته وبيانه، وبه سمى الشهر شهرا.
ورَمَضانَ اسم لهذا الشهر الذي فرض علينا صيامه، وهو مأخوذ- كما قال القرطبي- من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء: شدة الحر، ومنه الحديث: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» - أى صلاة الضحى- قيل: إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك. وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى: يحرقها بالأعمال الصالحة» «١» .
وقوله: شَهْرُ رَمَضانَ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي شهر رمضان أى: الأيام المعدودات، وقوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ صفة للشهر.
ويجوز أن يكون قوله شَهْرُ مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبره قوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وصح وجود الفاء في الخبر لكون المبتدأ موصوفا بالموصول الذي هو شبه بالشرط. وقرئ بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف. أى: صوموا شهر رمضان.
و «القرآن» هو كلام الله المعجز المنزل على محمد ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.
والمراد بإنزال القرآن في شهر رمضان ابتداء إنزاله فيه، وكان ذلك في ليلة القدر. بدليل قوله- تعالى- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أى بدأنا إنزال القرآن في هذه الليلة المباركة، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبي ﷺ ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة.
وقيل المراد بذلك، أنزل في فضله القرآن، قالوا: ومثله أن يقال: أنزل الله في أبى بكر الصديق كذا آية، يريدون أنزل في فضله.
وقيل المراد أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها.
قال الآلوسى: وقوله- تعالى-: هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل. أى: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإلهية والأحكام العملية، كما يشعر بذلك جعله بينات منها، فهو هاد بواسطة أمرين، مختص وغير مختص، فالهدى ليس مكررا، وقيل: مكرر تنويها
стр. 384
وتعظيما لأمره وتأكيدا لمعنى الهداية كما تقول: عالم نحرير» «١» .
وقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يصح أن يكون شهد بمعنى حضر. كما يقال:
فلان شهد بدرا، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ أى: حضرها، فيكون المعنى: فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه، فليصمه لأن صيامه ركن من أركان الدين، وعليه يكون لفظ «الشهر» منصوب على الظرفية.
ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله- تعالى-: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
فيكون المعنى: فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه.
وعليه يكون لفظ «الشهر» منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف ومِنَ موصولة أو شرطية وهو الأظهر ومِنْكُمُ في محل نصب على الحال من الضمير في شهد فيتعلق بمحذوف أى: كائنا منكم. والضمير في «منكم» يعود على الذين آمنوا، أى كل من حضر منكم الشهر فليصمه و (أل) في الشهر للعهد.
وأعيد ذكر الرخصة في قوله- تعالى- ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير، أنه قد صار متحتما بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة، وفي ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له- تعالى- وقوله- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بيان لحكمة الرخصة.
أى: شرع لكم- سبحانه- الفطر في حالتي المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة. ولا يريد بكم العسر والمشقة. قال- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً وقال- تعالى-: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» .
وقوله- تعالى-: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ معطوف على قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ إلى قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
والمعنى: شرع لكم- سبحانه- ما شرع من أحكام الصيام، ورخص لكم الفطر في حالتي
стр. 385
المرض والسفر، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامه كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم في هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه في أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه- سبحانه- أى تحمدوه وتعظموه، فهو وحده الذي هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التي فيها صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه، وعلى استعمال نعمه فيما خلقت له فهو- سبحانه- الرءوف الرحيم بعباده، إذ شرع لهم ما فيه اليسر لا ما فيه العسر.
وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله- تعالى- ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات، وفي عيدي الفطر والأضحى يكون تكبير الله- تعالى- هو مظهرهما الأعظم.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم، وحكمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده في هذه الفريضة، وقد ذكرت أن المسلّم له بشأن هذه الفريضة حالة من حالات ثلاث:
الحالة الأولى: إذا كان المسلّم في شهر رمضان كله أو بعضه مريضا بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه، أو مسافرا تتوفر فيه شروط الفطر، فله أن يفطر وأن يقضى بعد رمضان الأيام التي أفطرها بدليل قوله- تعالى-: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
الحالة الثانية: إذا كان المسلّم في شهر رمضان مريضا بمرض مزمن لا يرجى شفاؤه والصوم فيه مشقة عليه، أو كان شيخا كبيرا أو امرأة عجوزا ولا يستطيعان الصوم، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكينا، لأن هذه الاعذار لا يرجى زوالها، ولا ينتظر أن يكون المبتلى بعذر منها بعد رمضان خيرا منه في رمضان، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء، بدليل قوله- تعالى-: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ.
الحالة الثالثة: إذا كان المسلّم في شهر رمضان سليما مقيما وليس عنده عذر يمنعه من الصوم، فقد أوجب الله عليه أداء هذه الفريضة بقوله- تعالى-: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ويحرم عليه أن يفطر، وإن أفطر لغير عذر شرعي كان من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ففي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه- أى لم يجزه- صوم الدهر كله وإن صامه» «١» .
стр. 386
أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعي.
والأحاديث في الترغيب في صوم شهر رمضان، وفي الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة.
ثم بين- سبحانه- أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه- لا يرد لهم طلبا ولا يخيب لهم رجاء فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
قال الإمام البيضاوي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام: واعلم أنه- تعالى- لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه» وروى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما أخرجه بن جرير وابن أبى حاتم أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أقريب ربنا فنناجيه- أى: ندعوه سرا- أم بعيد فنناديه؟ فسكت رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية «١» .
ومنها ما رواه ابن مردويه- بسنده- عن الحسن قال: سأل بعض الصحابة رسول الله ﷺ أين ربنا؟ فأنزل الله- تعالى- هذه الآية «٢» .
والمعنى: وإذا سألك عبادي يا محمد عن قربى وبعدي فقل لهم: إنى قريب منهم بعلمي ورحمتي وقدرتي وإجابتى لسؤالهم. قال- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ:
وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ﷺ : ايها الناس أربعوا على أنفسكم- أى ارفقوا بها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» «٣» .
стр. 387
فقوله- تعالى-: فَإِنِّي قَرِيبٌ تمثيل لكمال علمه- تعالى- بأفعال عباده وأقوالهم، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم إذ القرب المكاني محال على الله- تعالى-.
وفي الآية الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب النبي ﷺ بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته في سائر عبادتهم من الإخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال.
ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى، نحو وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً بل تولى- سبحانه- جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوى الحاجات.
والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الحديث عنهم، ولأن سياق الآيات في بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص بالمؤمنين، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم.
وقوله- تعالى-: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب وتحقيق له، ووعد للداعي بالإجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم، ونفس صافية، وجوارح خاشعة، ولقد ساق لنا القرآن في آيات كثيرة أمثلة لعباد الله الذين توجهوا إليه بالسؤال، فأجاب الله سؤالهم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وقوله- تعالى-: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ وقوله- تعالى-: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ.
وورد في الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله- تعالى- بما فيه خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه- سبحانه- نفس ما طلبه، لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده.
روى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلّم يدعو الله- بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» .
وقوله- تعالى-: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ توجيه منه- سبحانه- إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإجابة.
والاستجابة: هي الإجابة بعناية واستعداد، والسين والتاء للمبالغة.
стр. 388
والرشد: الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا يقال: رشد ورشد يرشد ويرشد رشدا، أى اهتدى.
والمعنى: لقد وعدتكم يا عبادي بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري، وأن تقفوا عند حدودي، وأن تثبتوا على إيمانكم بي، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم- سبحانه- بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة، لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة.
قال الحافظ ابن كثير: وفي ذكره- تعالى- هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا ترد دعوتهم:
الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» «١» .
هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ذلك مما يتعلق به قد بسطناه في غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء «٢» .
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام الصيام، وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال- تعالى-:
стр. 389
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
روى بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد.
ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد وابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب- ﵁ من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت «١» .
ومنها ما رواه البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي. وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ «٢» .
وجمهور المفسرين- كما يقول الإمام الرازي- على أن هذه الآية من قبيل النسخ، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا في أول فرضية الصيام من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد.
стр. 390
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هي إرشاد إلى ما شرعه الله- تعالى- لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن جواز الأكل والشرب، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظنا منهم أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه.
وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخاري عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله- تعالى- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ «١» . فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما داموا قد ناموا بعد فطرهم لأن الله- تعالى- رءوف رحيم بهم، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم.
وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله- تعالى- بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام.
والمراد بليلة الصيام: الليلة التي يصبح فيها الإنسان صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان، فالإضافة لأدنى ملابسة.
قال الجمل وقوله: لَيْلَةَ الصِّيامِ منصوب على الظرف، وفي الناصب له ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس بشيء، لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت.
الثاني: أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره: أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام.
الثالث: أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع في الظرف والمجرورات «٢» » .
والرفث في الأصل: الفحش من القول، وكلام النساء حين الجماع، كنى به عن المباشرة للزومه لها غالبا. يقال رفث في كلامه- كنصر وفرح وكرم- وأرفث، إذا أفحش فيه. والمراد به في الآية الجماع والمباشرة.
وعدى بإلى- مع أن المستعمل الشائع أن يقال: رفث بالمرأة- لتضمنه معنى الإفضاء كما في قوله- تعالى-: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ.