أى: لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعي.
والأحاديث في الترغيب في صوم شهر رمضان، وفي الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة.
ثم بين- سبحانه- أن العباد إذا حافظوا على فرائضه، واستجابوا لأوامره، وابتعدوا عن نواهيه، فإنه- لا يرد لهم طلبا ولا يخيب لهم رجاء فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
قال الإمام البيضاوي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام: واعلم أنه- تعالى- لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه» وروى المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما أخرجه بن جرير وابن أبى حاتم أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أقريب ربنا فنناجيه- أى: ندعوه سرا- أم بعيد فنناديه؟ فسكت رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية «١» .
ومنها ما رواه ابن مردويه- بسنده- عن الحسن قال: سأل بعض الصحابة رسول الله ﷺ أين ربنا؟ فأنزل الله- تعالى- هذه الآية «٢» .
والمعنى: وإذا سألك عبادي يا محمد عن قربى وبعدي فقل لهم: إنى قريب منهم بعلمي ورحمتي وقدرتي وإجابتى لسؤالهم. قال- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ:
وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ﷺ : ايها الناس أربعوا على أنفسكم- أى ارفقوا بها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» «٣» .
стр. 387
فقوله- تعالى-: فَإِنِّي قَرِيبٌ تمثيل لكمال علمه- تعالى- بأفعال عباده وأقوالهم، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم إذ القرب المكاني محال على الله- تعالى-.
وفي الآية الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب النبي ﷺ بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته في سائر عبادتهم من الإخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال.
ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى، نحو وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً بل تولى- سبحانه- جوابهم بنفسه إشعارا بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوى الحاجات.
والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الحديث عنهم، ولأن سياق الآيات في بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص بالمؤمنين، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم.
وقوله- تعالى-: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب وتحقيق له، ووعد للداعي بالإجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم، ونفس صافية، وجوارح خاشعة، ولقد ساق لنا القرآن في آيات كثيرة أمثلة لعباد الله الذين توجهوا إليه بالسؤال، فأجاب الله سؤالهم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وقوله- تعالى-: وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ وقوله- تعالى-: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ.
وورد في الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله- تعالى- بما فيه خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه- سبحانه- نفس ما طلبه، لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده.
روى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلّم يدعو الله- بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» .
وقوله- تعالى-: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ توجيه منه- سبحانه- إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإجابة.
والاستجابة: هي الإجابة بعناية واستعداد، والسين والتاء للمبالغة.
стр. 388
والرشد: الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا يقال: رشد ورشد يرشد ويرشد رشدا، أى اهتدى.
والمعنى: لقد وعدتكم يا عبادي بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري، وأن تقفوا عند حدودي، وأن تثبتوا على إيمانكم بي، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم- سبحانه- بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة، لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة.
قال الحافظ ابن كثير: وفي ذكره- تعالى- هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا ترد دعوتهم:
الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» «١» .
هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ذلك مما يتعلق به قد بسطناه في غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء «٢» .
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام الصيام، وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال- تعالى-:
стр. 389
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
روى بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد.
ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد وابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب- ﵁ من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره فنزلت «١» .
ومنها ما رواه البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي. وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ «٢» .
وجمهور المفسرين- كما يقول الإمام الرازي- على أن هذه الآية من قبيل النسخ، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا في أول فرضية الصيام من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد.
стр. 390
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هي إرشاد إلى ما شرعه الله- تعالى- لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن جواز الأكل والشرب، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظنا منهم أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه.
وأصحاب هذا الرأى يستشهدون لذلك بما رواه البخاري عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله- تعالى- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ «١» . فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما داموا قد ناموا بعد فطرهم لأن الله- تعالى- رءوف رحيم بهم، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم.
وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله- تعالى- بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام.
والمراد بليلة الصيام: الليلة التي يصبح فيها الإنسان صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان، فالإضافة لأدنى ملابسة.
قال الجمل وقوله: لَيْلَةَ الصِّيامِ منصوب على الظرف، وفي الناصب له ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس بشيء، لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت.
الثاني: أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره: أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام.
الثالث: أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع في الظرف والمجرورات «٢» » .
والرفث في الأصل: الفحش من القول، وكلام النساء حين الجماع، كنى به عن المباشرة للزومه لها غالبا. يقال رفث في كلامه- كنصر وفرح وكرم- وأرفث، إذا أفحش فيه. والمراد به في الآية الجماع والمباشرة.
وعدى بإلى- مع أن المستعمل الشائع أن يقال: رفث بالمرأة- لتضمنه معنى الإفضاء كما في قوله- تعالى-: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ.
стр. 391
والمعنى: أحل الله لكم في ليالي صومكم الإفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن وقوله- تعالى- هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ وارد مورد المقتضى لإباحة مباشرة النساء في ليالي الصيام، ذلك أن كلا من الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت العرب تسمى المرأة لباسا، وهذه حال تقوى معها الدواعي إلى المباشرة، فمن رفقه- تعالى- بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام.
قال الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء.
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما موقع قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن» «١» .
وفي هذا التعبير القرآنى ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه.
وقوله- تعالى-: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ جملة معترضة بين قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ وبين قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلخ. وقد جيء بها لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم، ورحمته إياهم.
وقوله: تَخْتانُونَ قال الراغب: الاختيان مراودة الخيانة، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحرى الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله- تعالى-: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «٢» .
والمعنى: علم الله- تعالى- أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا، وعلى الأكل بعد النوم، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل إن بعضكم قد فعل ذلك، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أى:
محا أثر ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك.
وجملة فَتابَ عَلَيْكُمْ معطوفة على محذوف، والتقدير: فتبتم فتاب عليكم.
والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار فقال:
وقوله- تعالى-: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أى: تتنقصونها بعض ما أحل الله
стр. 392
لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى التخون أى: النقص من الشيء أو معناه: تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التي هي مخالفة مقتضى الأدلة ولم يقل تختانون الله كما قال في آية أخرى «لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم» للإشعار بأن الله- تعالى- لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانا أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ «١» .
وقوله- تعالى-: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الأمر فيه للإباحة وهو مرتب على قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ.
ولفظ فَالْآنَ يطلق حقيقة على الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر وهو المراد هنا.
وبَاشِرُوهُنَّ من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها القرآن عن الجماع الذي يستلزمها.
وقوله- تعالى-: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ تأكيد لما قبله. والابتغاء الطلب والمعنى:
لقد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام.
وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده الله- تعالى- من بقاء النوع الإنسانى، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا.
وقوله- تعالى-: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ معطوف على باشروهن.
والمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره.
والمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل.
стр. 393
والمعنى: لقد أبحنا لكم مباشرة النساء في ليالي الصوم، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا في هذه الليالى حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل.
قال الإمام الرازي: وَالْفَجْرِ مصدر قولك: فجرت الماء أفجره فجرا، وفجرته تفجيرا، قال الأزهرى: الفجر أصله الشق، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح.
وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله: مِنَ الْفَجْرِ قد تأخر نزوله عن الجمل السابقة له. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد قال أنزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها، فأنزل الله بعده مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه يعنى الليل والنهار.
ورويا أيضا عن عدى بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا يتبين لي، فعمدت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» ونزل قوله- تعالى-: مِنَ الْفَجْرِ.
وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخيطين: الأبيض والأسود لأن أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود.
وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ.. إشعار بأنه لا يكفى إلا التبين الواضح لا مجرد التوهم، فقد روى الإمام مسلّم في صحيحة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر- أو قال- حتى ينفجر الفجر» .
وقوله: مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني، ويجوز أن تكون «من» للتبعيض، أى: من بعض الفجر.
وقوله- تعالى-: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ بيان لانتهاء وقت الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته. أى: ابدءوا صومكم من طلوع الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس، إذ الليل لبس بوقت الصيام.
قال الإمام الرازي: كلمة إِلى لانتهاء الغاية، فظاهر الآية: أن الصوم ينتهى عند دخول الليل، وذلك لأن غاية الشيء مقطعة ومنتهاه وإنما يكون مقطعا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك.
وقد تجيء هذه الكلمة لا للانتهاء كما في قوله- تعالى-: إِلَى الْمَرافِقِ إلا أن ذلك على
стр. 394
خلاف الدليل، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار فيكون الليل خارجا عن حكم النهار، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه» .
وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» .
وكان من عادته ﷺ تعجيل الفطر، فقد روى الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية ومن عمل الرسول ﷺ وقوله، أن من واصل الإمساك عن المفطرات في الليل فلا ثواب له على هذا الإمساك، لأنه لم يقع في الوقت الذي رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعد هذا المواصل فاعلا لمحظور، فلا بد للصائم من تناول شيء من المفطرات بعد غروب الشمس ولو قليلا من الماء. فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلّى على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء، والوصال- بمعنى أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطرا في الليل الفاصل بينهما- وردت في النهى عنه أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله. قال:
لست كأحد منكم إنى أطعم وأسقى. أو قال: إنى أظل يطعمنى ربي ويسقيني» .
وروى الإمام أحمد عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» .
وقوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ استثناء من عموم إباحة المباشرة، وذلك لأنه لما أطلق في الجملة السابقة الإذن في مباشرة النساء ليلة الصيام بقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ كان هذا الإطلاق مظنة لأن يؤخذ منه أن المعتكف كالصائم في أنه يجوز له أن يباشر زوجته ليلا لا نهارا، فبين- سبحانه- بهذه الجملة أن المعتكف يحرم عليه أن يباشر النساء في الليل والنهار.
قال القرطبي: والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشيء إذا لازمة مقبلا عليه. قال الشاعر:
وظل بنات الليل حولي عكفا ... عكوف البواكي بينهن صريع
ولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم وهو في عرف
стр. 395
الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص.
وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه.
وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا في المسجد واختلفوا في المراد بالمساجد في قوله- تعالى-:
فِي الْمَساجِدِ فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس، وقال آخرون لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة، وقال آخرون الاعتكاف في كل مسجد جائز «١» .
والمشار إليه في قوله- تعالى-: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها الأحكام التي سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإباحة.
والحدود جمع حد، وهو في اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر. ومنه سمى الحديد حديدا لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن.
وسميت الأحكام التي شرعها الله حدودا لأنها تحجز بين الحق والباطل.
أى: تلك الأحكام التي شرعناها لكم من إيجاب الصوم، وتحريم الأكل والشرب والجماع في نهاره، وإباحة ذلك في ليله، هي حدود الله التي لا يحل لكم مخالفتها أو مجاوزتها.
وعبر- سبحانه- عن النهى عن مخالفة تلك الأحكام بقوله: فَلا تَقْرَبُوها مبالغة في التحذير من مخالفتها، لأن النهى عن القرب من الشيء نهى عن إتيانه بالأولى والآية ترشد بقولها فَلا تَقْرَبُوها إلى اجتناب ما فيه شبهة كما ترشد إلى ترك الأشياء التي تقضى في غالب أمرها إلى الوقوع في حرام.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل فَلا تَقْرَبُوها مع قوله: فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه. لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل لئلا يدانى الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله ﷺ : «إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد
стр. 396
بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصا، لقوله- تعالى-: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وهي حدود لا تقرب» «١» .
ثم ختم- سبحانه- هذه الآية الكريمة بقوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
أى: مثل ذلك البيان الجامع الذي بين الله به حدوده التي أمركم بالتزامها ونهاكم عن مخالفتها، يبين لكم آياته، أى: أدلته وحججه لكي تصونوا أنفسكم عما يؤدى بكم إلى العقوبة، وتكونوا ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم، ببيان مظاهر رفق الله بعباده، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم، بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب، والإباحة والتحريم، وغير ذلك من أنواع الهداية والإرشاد إلى ما يسعد الناس في دينهم ودنياهم.
وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام، وما يتعلق به من أحكام، أردف ذلك بالنهى عن أكل الحرام، لأنه يؤدى إلى عدم قبول العبادات من صيام واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
والخطاب في الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة في كل زمان ومكان.
والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق، وعبر عنه بالأكل، لأن الأكل أهم وسائل الحياة، وفيه تصرف الأموال غالبا.
والباطل في اللغة: الزائل الذاهب، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا. أى ذهب ضياعا وخسرا. وجمع الباطل أباطيل. ويقال: بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو.
والمراد هنا: كل ما لم يبح الشرع أخذه من المال وإن طابت به النفس، كالربا والميسر وثمن الخمر، والرشوة، وشاهد الزور، والسرقة، والغصب، ونحو ذلك مما حرمه الله- تعالى-.
والباء للسببية، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله، وكذلك قوله: بَيْنَكُمْ.
стр. 397
والمعنى: لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولى عليه بغير حق، متذرعا بالأسباب الباطلة، والحيل الزائفة، وما إلى ذلك من وجوه التعدي والظلم.
وفي قوله- تعالى-: أَمْوالَكُمْ- مع أن أكل المال يتناول مال الإنسان ومال غيره- في هذا القول إشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وتنبيه إلى أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لما لك أنت، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهى، وبيان لحكمة الحكم، إذ استحلال الإنسان لمال غيره يجرئ هذا الغير على استحلال مال ذلك الإنسان المتعدى، وإذا فشا هذا السلوك في أمة من الأمم أدى بها إلى الضعف والتعادي والتباغض.
فما أحكم هذا التعبير، وما أجمل هذا التصوير.
وقوله: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بيان لصورة أخرى قبيحة من صور أكل أموال الناس بالباطل وقوله: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ معطوف على لا تَأْكُلُوا.
والإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر للاستسقاء. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء ومنه أدلى فلان بحجته، أى: أرسلها ليصل إلى مراده.
والمراد بالإدلاء هنا: الدفع والإلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الوصول إلى أمر معين.
والحكام: جمع حاكم، وهو الذي يتصدى للفصل بين الناس في خصوماتهم وقضاياهم.
والفريق: القطعة المعزولة من جملة الشيء، ومنه قيل للقطعة من الغنم تشذ عن معظمها فريق.
والإثم: الفعل الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب. وجمعه آثام.
والمعنى: لا يأخذ بعضكم أموال بعض- أيها المسلمون- ولا يستولى عليها بغير حق، ولا تدلوا بها إلى الحكام، أى ولا تلقوا أمرها والتحاكم فيها إلى القضاة لا من أجل الوصول إلى الحق، وإنما من أجل أن تأخذوا عن طريق التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإثم الذي يؤدى إلى عقابكم، حال كونكم تعلمون أنكم على باطل، ولا شك أن إتيان الباطل مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به.
فعلى هذا الوجه يكون المراد بالإدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم ليقضوا فيها، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالبة.
وهناك وجه آخر تحتمله الآية احتمالا قريبا، وبه قال كثير من العلماء وهو أن المراد بالإدلاء
стр. 398
بالأموال إلى الحكام، إلقاؤها إليهم على سبيل الرشوة ليصلوا من وراء ذلك إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل، وعليه يكون المعنى.
لا يأخذ بعضكم أموال بعض أيها المسلمون، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة، لتتوصلوا بأحكامهم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق. ولا غرابة في أن يعنى القرآن في سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة فإنها المعول الذي يهدم صرح العدل من أساسه وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها وكرامتها، وتصير تلك المجالس موطنا للظلم لا للعدل.
وخص القرآن الكريم هذه الصورة بالنهى- وهي صورة الإدلاء بالأموال إلى الحكام- مع أنه قد ذكر ما يشملها بقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ لأنها على وجهى تفسيرها شديدة الشناعة، جامعة لمنكرات كثيرة، كالظلم، والتباغض والرشوة، والغصب وغير ذلك.
والحق، أن هذه الآية الكريمة أصل من الأصول التي يقوم عليها إصلاح المعاملات، وقد أخذ العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة إرشاء الحكام ليقضوا للراشى بمال غيره، وقد لعن النبي ﷺ الجميع في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والراءش» وهو الواسطة الذي يمشى بينهما.
كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يحل في الواقع حراما، ولا يحرم حلالا، والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان عن أم سلمة- رضى الله عنها- عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر.
وإنه ليأتينى الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه قد صدق، فأقضى له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلّم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها» .
قال الإمام ابن كثير: فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما ولا يحرم حلالا، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره. ولهذا قال- تعالى- في آخر الآية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. أى تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم» «١» .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأهلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال في الأشهر الحرم وبمواقيت الحج فقال- تعالى-:
стр. 399
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
ورد في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى العالية قال:
«بلغنا أن بعض الناس قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة فنزلت» .
والأهلة: جمع الهلال، وهو الكوكب الذي يبزغ في أول كل شهر، ويسمى هلالا لثلاث ليال أو لسبع ليال من ظهوره، ثم يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن يعود من الشهر الثاني.
قال بعضهم: وهو مشتق من استهل الصبى إذا بكى وصاح حين يولد، ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمى بذلك لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير، ولهذا يقال أهل الهلال واستهل «١» .
والمواقيت: جمع ميقات بمعنى الوقت، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال وقيل: الميقات منتهى الوقت.
والمعنى: يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة، قل لهم- يا محمد- إن الله- تعالى- قد خلقها لتكون معالم يوقت ويحدد بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعدة نسائهم، ومدد حملهن، ومدة الرضاع، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم.
قال- تعالى-: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وخص الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى كالصوم والزكاة للتنبيه على أن الحج مقصور وقت أدائه على الزمن الذي عينه الله- تعالى- وأنه لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل، إذ كانوا ينقلون ما شاؤوا من الأشهر الحرم الأربعة التي من جملتها
стр. 400
ذو الحجة إلى شهر آخر غير حرام، وهو النسيء المشار إليه بقوله- تعالى-: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ.
وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها، لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة أو العامة أينما كانوا، بخلاف الأشهر الشمسية. فإن معرفتها تنبنى على النظر في حركات الفلك وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الفلك.
هذا، ومن الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا: يا رسول الله. ما بال الهلال يبدو- أو يطلع- دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد؟ فنزلت.
وعلى هذه الرواية يكون الجواب بقوله- تعالى-: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ من قبيل أسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بغير ما يتطلبه سؤاله، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها له على أن ذلك الغير هو الأولى بالسؤال لأنه هو المهم بالنسبة له.
فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان، فأجيبوا ببيان الحكمة من خلقها، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق بحالكم وهو ما أجبتكم عليه، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة، وأنتم لستم في حاجة إلى معرفة ذلك في هذا الوقت.
ولعلماء البلاغة كلام جيد في مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم، فقد قال السكاكي ما ملخصه: «ولهذا النوع- أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر- أساليب متفننة، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب، أو السائل بغير ما يتطلب، كما قال- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ الآية. قالوا في السؤال. ما بال الهلال يبدو دقيقا.. ألخ فأجيبوا بما ترى. وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور، وهل ألان شكيمة «الحجاج الثقفي» لذلك الرجل الخارجي، وسل سخيمته، حتى آثر أن يحسن على أن يسيء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله «لأحملنك على الأدهم» فقال الخارجي متغابيا: مثل الأمير بحمل على الأدهم الأشهب. مبرزا وعيده في معرض الوعد، متوصلا أن يريه بألطف وجه: أن رجلا مثله جدير
стр. 401
بأن يعد لا أن يوعد» .
وقوله- تعالى-: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة كانوا يفعلونها في الجاهلية، وهي أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه في ظهور بيوتهم.
أخرج البخاري عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء- ﵁ يقول: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها.
فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت: وَلَيْسَ الْبِرُّ إلخ.
والمعنى: وليس من البر ما كنتم تفعلونه في الجاهلية من دخولكم البيوت من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم، ولكن البر الحق الجامع لخصال الخير يكون في تقوى الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، وإذا ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم من حجكم.
وفي الأمر بإتيان البيوت من أبوابها إشعار بأن إتيانها من ظهورها باسم الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له في الدين من شاهد فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وفي الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبي ﷺ عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة، ولا تتوقف معرفته على الوحى، فهذا السائل في سؤاله مثله كمثل من يدخل البيت من ظهره لا من بابه.
قال بعضهم: وذلك لأن العلم على ضربين: علم دنيوى يتعلق بأمر المعاش- كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات النجوم ومعرفة المعادن والنبات، وقد جعل الله لنا سبيلا إلى معرفة ذلك على غير لسان نبيه ﷺ .
وعلم شرعي يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه إلا من الصادق المصدوق ﷺ .
فلما جاءوا يسألون النبي ﷺ عما أمكنهم معرفته من غير جهته أجابهم. ثم بين لهم أن البر في التقوى وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين» «١» .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت. ما وجه اتصال قوله- تعالى-: وَلَيْسَ الْبِرُّ إلخ بما
стр. 402
قبله؟ قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: إن كل ما يفعله الله- تعالى- لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم في الحج. ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى:
ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أى: باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب» «١» .
وقوله- تعالى-: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أمر بالتقوى التي تتضمن القيام بجميع الواجبات واجتناب البدع والمنكرات. أى: افعلوا ما أمركم الله به، واجتنبوا ما نهاكم عنه، لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة. وبذلك تكون الآية الكريمة قد رددت عقول الناس إلى النظر والتأمل في سنن الله وفي خلفه على النحو الذي ينشئ التقوى في النفوس، ويوجه إلى العمل الصالح الذي يرضى الله- تعالى-.
وبعد أن أمر- سبحانه- المؤمنين بطاعته وتقواه، وحضهم على الجهاد في سبيله إذ هو من أجل مظاهرها، وبصرهم بحكمته وآدابه فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
стр. 403
قال ابن كثير: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العاليه في قوله- تعالى- وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة «١» .
ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت في الأذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا. فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال، لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرما في الجاهلية. فقد أخرج الواحدي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ صده المشركون عن البيت الحرام- ثم صالحوه فرضي على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ألا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام فأنزل الله- تعالى الآيات «٢» .
والقتال والمقاتلة: محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر.
قال أبو حيان: وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ السبيل هو الطريق. واستعير لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية والدنيوية، فشبه بالطريق الموصل الإنسان إلى ما يقصده، وهذا من استعارة الأجرام للمعاني ويتعلق فِي سَبِيلِ اللَّهِ بقوله: وَقاتِلُوا وهو
стр. 404
ظرف مجازى، لأنه لما وقع القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه، وهو على حذف مضاف والتقدير في نصرة دين الله «١» .
والمراد بالقتال في سبيل الله: الجهاد من أجل إعلاء كلمته حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيما، وأحرارا في الدعوة إليه وإقامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب.
أى: قاتلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه أعداءكم الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ومناجزتكم وتحققتم منهم سوء النية، وفساد الطوية.
فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين وإغراء لهم على قتال أعدائهم بدون تردد أو تهيب، وإرشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق، لا من أجل المطامع أو الشهوات.
فقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى موسى- ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه- أى: ليتحدث الناس بشجاعته وليظهر بينهم- أى ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله- ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» والأحاديث في الدعوة إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته كثيرة متعددة.
وقوله وَلا تَعْتَدُوا نهى عن الاعتداء بشتى صوره ويدخل فيه دخولا أوليا الاعتداء في القتال.
والاعتداء: مجاوزة الحد فيما أمر الله به أو نهى عنه.
أى: قاتلوا في سبيل الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم، كنسائهم، وصبيانهم ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد والأعمى والمجنون. وقد وردت في النهى عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتالهم إلا من قامت الشواهد على أن له أثرا من رأى أو عمل في الحرب، يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين.
قال ابن كثير: ولهذا جاء في صحيح مسلّم عن بريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض المغازي مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان» «٢» .
стр. 405
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ كالتعليل لما قبله في النهى عن مجاوزة ما حده الله- تعالى- في قتال المخالفين.
ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته- تعالى- من أثرها الرعاية والإنعام. وإذا نفى الله- تعالى- محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم لعقوبته.
وقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ الضمير المنصوب فيه يعود على قوله: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ في الآية السابقة.
وثَقِفْتُمُوهُمْ: أدركتموهم وظفرتم بهم. يقال: ثقف الشيء إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه. قال الشاعر:
فإما تثقفونى فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود.
ويقال- أيضا- رجل ثقف: إذا كأن محكما لما يتناوله من الأمور.
والمعنى: عليكم أيها المسلمون أن تقتلوا هؤلاء الذين إذنا لكم بقتالهم حيث وجدتموهم وظفرتم بهم، فأنهم قد بادءوكم بالعدوان، وتمنوا لكم كل شر وسوء.
وقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ معطوف على ما قبله.
وحيث ظرف مكان. والمكان الذي أخرجوهم منه هو مكة، فإن المشركين من قريش قد أنزلوا بالمسلمين الأولين من صنوف الأذى ما جعلهم يتركون مكة ويهاجرون إلى بلاد الحبشة أولا. ثم إلى المدينة المنورة ثانيا.
أى: اقتلوا هؤلاء الذين قاتلوكم في أى مكان لقيتموهم فيه، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة.
وفي هذا تهديد للمشركين، وإغراء للمسلمين بهم، ووعد بفتح مكة وقد أنجز الله- تعالى- وعده ففتح المسلمون مكة في السنة الثامنة من الهجرة.
وقوله- تعالى-: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. دفع لما قد يقع من بعض المسلمين من استعظام قتل المشركين في مكة.
والفتنة في الأصل: مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزائف منهم ثم استعملت في الابتلاء والامتحان والصرف عن الشيء، وأكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر.
ويبدو أن المراد منها هنا ما كان يفعله المشركون مع المسلمين من التعذيب والصد عن الدين، والإخراج من الوطن، وغير ذلك من صنوف الأذى.
стр. 406
والمعنى: لا تقصروا في قتل المشركين الذين يقاتلونكم، والذين أخرجوكم من دياركم، فإن فتنتهم لكم بالإيذاء والتعذيب والصد عن الدين، أشد ضررا من قتلكم لهم في أى مكان وجدوا به.
وبعضهم فسر الفتنة هنا بالشرك، أو بالرجوع إلى الكفر، أو بعذاب الآخرة، وقد بين ذلك صاحب الكشاف بقوله. وقوله: «والفتنة أشد من القتل» أى: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت: قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت، ومنه قول القاتل:
القتل بحد السيف أهون موقعا ... على النفس من قتل بحد فراق
وقيل: الْفِتْنَةُ عذاب الآخرة قال- تعالى- ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين. فقيل:
والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم» «١» .
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد أذنت للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم القتال دفعا لشرهم أينما وجدوا.
ثم ساقت الآية جملة أخرى نهت فيها المؤمنين عن قتال المشركين عند المسجد الحرام مراعاة لحرمته. ما دام المشركون لم يفاتحوهم بالقتال عنده، أما إذا فاتحوهم بالقتال فيه، فقد أصبح من حق المؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يقاتلوا أعداءهم. وهذه الجملة هي قوله- تعالى-: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
أى: لا تقاتلوا أيها المؤمنون أعداءكم عند المسجد الحرام احتراما له حتى يبدأ المشركون قتالكم عنده فإن بدءوكم بالقتال فيه فلا حرج عليكم في قتلهم عنده، لأن المنتهك لحرمة المسجد الحرام إنما هو البادئ بالقتال فيه وهم المشركون، ولستم أنتم أيها المؤمنون لأن موقفكم إنما هو موقف المدافع عن نفسه.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد حفظت للمسجد الحرام حرمته وهيبته ومكانته السامية لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، إلا أنها أذنت للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم إذا
стр. 407
ما هاجمهم المشركون عنده أو فيه.
قال ابن كثير ما ملخصه: وقد دلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم إذا بدءوا بالقتال فيه دفعا لصولتهم، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ «١» .
وقال ﷺ لخالد بن الوليد ومن معه يوم الفتح: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافونى على الصفا.. فما عرض لهم أحد إلا أناموه وأصيب من المشركين نحو اثنى عشر رجلا» «٢» .
ولم يقل- سبحانه- فإن قاتلوكم فقاتلوهم، وإنما قال فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ تبشيرا للمؤمنين بالغلبة عليهم، وإشعارا بأن هؤلاء المشركين من الخذلان والضعف بحالة أمر الله المؤمنين معها بقتلهم لا بقتالهم فهم لضعفهم لا يحتاجون من المؤمنين إلا إلى القتل.
وقوله: كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ تذييل لما قبله. واسم الإشارة ذلك يعود إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا.
والجزاء: ما يقع في مقابلة الإحسان أو الإساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به المسيء. والمراد به في الآية العقاب.
أى: مثل هذا الجزاء العادل من القتل والردع يجازى الله الكافرين الذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم.
ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الانتهاء: أصله مطاوع نهى. يقال: نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن الشيء، لأن النهى هو طلب ترك الشيء.
أى: فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه.
ونظير هذه الآية قوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «٣» وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين،
стр. 408
فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله على القتال فحسب.
وقوله- تعالى-: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ معطوف على جملة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ والضمير «هم» يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم.
والمراد من الْفِتْنَةُ الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم وتعذيبهم.
قال الآلوسى: ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف. لقوله- سبحانه-: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ.
وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» .
والدين في اللغة: العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله- تعالى- سواء أكان ما تعبد به صحيحا أم باطلا.
والمراد هنا: الدين الصحيح الذي شرعه الله لعباده على لسان نبيهم محمد ﷺ ليتوصلوا به إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل.
والمعنى: قاتلوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق، وحتى يكون الدين الظاهر في الأرض هو الدين الذي شرعه الله- تعالى- على لسان نبيه محمد ﷺ .
وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار بين المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين غزوة قادها النبي ﷺ بنفسه، وفي أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل. وقبل أن يلتحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزيرة العرب هو دين الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ .
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ والعدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين.
والفاء في قوله فَإِنِ انْتَهَوْا للتعقيب. وقوله: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قائم مقام جواب الشرط، لأنه علة الجواب المحذوف.
والمعنى: فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه، وأذعنوا لتعاليم الإسلام، فكفوا عن
стр. 409
قتالهم، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن ظلمهم.
ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه.
قال الإمام الرازي: أما قوله- تعالى-: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ففيه وجهان:
الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أى: فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال- تعالى-: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
فإن قيل: لم سمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله- تعالى-: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
الثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم «١» .
وقوله- تعالى-: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ بيان للحكمة في إباحة القتال في الأشهر الحرم، وإيذان بأن مراعاة حرمة الشهر الحرام إنما هي واجبة في حق من يصون حرمته، أما من هتكها فقد صار بسبب انتهاكه لحرمة الشهر الحرام محلا للقصاص والمعاقبة في الشهر وفي غيره.
وسمى الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه، والتعريف فيه- على الراجح- للجنس فهو يشمل الأشهر الحرم جميعها وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
قال- تعالى-: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ «٢» .
قال القرطبي: نزلت في عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده- سبحانه- أنه سيدخله فدخله في ذي القعدة سنة سبع وقضى نسكه ونزلت هذه الآية «٣» والمعنى: هذا الشهر الحرام الذي تؤدون فيه عمرة القضاء، بذلك الشهر الحرام الذي صدكم المشركون فيه عن دخول المسجد الحرام، فإذا بدءوا بانتهاك حرمته بقتالكم فيه، فلا
стр. 410
تبالوا أن تقاتلوهم فيه دفاعا عن أنفسكم، إذ هم البادئون بهتك حرمته.
وقوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك.
والقصاص: المساواة. أى، وكل حرمة يجرى فيها القصاص. فمن هتك أية حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة.
والمراد: أن المشركين إذا أقدموا على مقاتلتكم- أيها المؤمنون- في الحرم أو في الشهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضا على سبيل القصاص والمجازاة بالمثل، حتى لا يتخذوا الأشهر الحرم ذريعة للغدر والإضرار بكم.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى بقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.
أى: فمن اعتدى عليكم وظلمكم فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثل ما اعتدى عليكم بدون حيف أو تجاوز للحد الذي أباحه الله لكم.
وسمى جزاء الاعتداء اعتداء على سبيل المشاكلة.
قال الآلوسى: واستدل الشافعى بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد أو خنق أو حرق أو تجويع أو تغريق. حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح. واستدل بها أيضا على أن من غصب شيئا وأتلفه لزمه رد مثله، ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة- كما في ذوات الأمثال- وقد يكون من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالأمر بالتقوى والخشية منه فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
أى: اتقوا الله وراقبوه في الانتصار لأنفسكم، وترك الاعتداء فيما لم يرخص لكم فيه، واعلموا أن الله مع الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه بالنصر والرعاية والتأييد.
ثم أمر الله- تعالى- المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته، ونصرة دينه، فقال:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
قال الإمام الرازي: الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا يقال في المضيع:
إنه منفق. فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به طريق الدين، لأن السبيل هو الطريق،
стр. 411
وسبيل الله هو دينه، فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء أكان إنفاقا في حج أو في صلة رحم أو غير ذلك، إلا أن الأقرب في هذه الآية- وقد تقدم ذكر الجهاد- أنه يراد به الإنفاق في الجهاد، وقوله فِي سَبِيلِ اللَّهِ كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال «١» .
وتُلْقُوا من الإلقاء وهو طرح الشيء من اليد.
قال الجمل: والباء في قوله: بِأَيْدِيكُمْ تحتمل وجهين:
أحدهما: أنها زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه، قال- تعالى-: فَأَلْقى عَصاهُ.
والثاني: أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة كقوله: أفضيت بجنبي إلى الأرض أى: طرحته على الأرض» «٢» .
والمراد بالأيدى: الأنفس، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، لأن أكثر ظهور أفعال النفس تكون عن طريق اليد.
والتهلكة: الهلاك والموت. أو كل شيء تصير عاقبته إليه. مصدر هلك يهلك هلكا وهلاكا وتهلكة.
والجملة الكريمة معطوفة على جملة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.. ألخ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان أوفر منهم عدة وعددا، كلفهم بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله لأن هذا الإنفاق من أقوى الوسائل التي توصل إلى النصر.
والمعنى: عليكم، أيها المؤمنون- أن تقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم، وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالكم، ولا تلقوا أنفسكم فيما فيه هلاككم في دين أو دنيا، بسبب ترككم الجهاد وبخلكم عن الإنفاق فيه مع القدرة على ذلك.
ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبى عمران قال: كنا بمدينة الروم القسطنطينية- فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم. فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل
стр. 412
رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة!! فقام أبو أيوب الأنصارى فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا- دون رسول الله ﷺ إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله- تعالى- على نبيه يرد علينا ما قلناه وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو.
قال الراوي: فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يبذلوا أموالهم في الجهاد في سبيل الله بصفة خاصة، وفي كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة، لأن عدم البذل في سبيل الخير يؤدى إلى ضعف الأمة واضملالها.
ثم ختم- سبحانه- الآية بالترغيب في الإحسان فقال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أى: أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها، لأنه- سبحانه- يحب المحسنين في كل شئونهم، ويثيبهم على ذلك بما يسعدهم في دينهم ودنياهم.
هذا، وتأمل معى- أيها القارئ الكريم- في هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم منهاج وأعدله في شأن الحرب والسلّم.
إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدءوهم بالقتال، وأن يقتلوهم حيث وجدوهم. ويخرجوهم من حيث أخرجوهم، كما تأمرهم أن يبذلوا أموالهم في سبيل الله بدون إمساك أو بخل، وهذا من أقوى أنواع الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله.
ولكنها في الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء، وتنهاهم عن القتال في الأشهر الحرم وفي الأماكن المقدسة إلا إذا قاتلهم المشركون فيها، كما تنهاهم عن قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعي السلّم متى كف المعتدون عن العدوان، واحترموا كلمة الإسلام.
وبذلك نرى أن القتال في الإسلام ليس من أجل الغنائم، أو الاستغلال أو الاستعباد، أو التباهي.. كلا ليس لأجل شيء من هذا، وإنما هو من أجل الدفاع عن الحق وأهله، حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، وبهذا تسعد الإنسانية، وتنال ما تصبو إليه من عزة وفلاح.
стр. 413
وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال في سبيل الله، وبيان أحكامه بالنسبة للأشهر الحرم وللبيت الحرام، ساق القرآن في بضع آيات جملة من الأحكام والآداب التي تتعلق بفريضة الحج، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإسلامية من الخارج، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم في مكان واحد ليشهدوا منافع لهم، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. استمع إلى سورة البقرة وهي تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٦]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه، وسنحاول- بعون الله- أن نبين ما اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى الإيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام.
والحج في اللغة: القصد يقال حج فلان الشيء: إذا قصده مرة بعد أخرى.
وفي الشرع: القصد لزيارة بيت الله الحرام في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة الإسلامية.
والعمرة في اللغة: الزيارة، مأخوذة من العمارة التي هي ضد الخراب ثم أطلقت على الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان.
стр. 414
وفي الشرع: زيارة بيت الله الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبي ﷺ أركانها وشروطها وكيفيتها.
وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإسلام، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، فجاءت شريعة الإسلام فوضعت لهما أفضل الأحكام، وأسمى الآداب، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يسيروا في أدائهما على الطريقة التي سار عليها فقال: «خذوا عنى مناسككم» .
قال ابن كثير: «وقد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر. وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته» «١» .
وقد اختلف العلماء في المقصود من الإتمام في قوله- تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما: إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى: أقيموا الحج والعمرة لله: أى أدوهما وائتوا بهما. فالأمر في «أتموا» منصب على الإنشاء والأداء. فهو كقوله- تعالى-: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وأصحاب هذا الرأى يرون أن العمرة واجبه كالحج، لأن الله- تعالى- أمر بهما معا، ولأن الرسول ﷺ قال: «تابعوا بين الحج والعمرة..» .
وإلى هذا الرأى اتجه سعيد بن جبير، وعطاء، وسفيان الثوري، والشافعية.
ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية- أن المراد بإتمامهما: الإتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله- تعالى- وأن على المسلّم إذا شرع فيهما أو في أحدهما أن يتمه ويأتى به كاملا، كما فعل النبي ﷺ وأصحابه في عمرة القضاء.
فيكون المعنى: ائتوا بالحج والعمرة كاملى الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله- تعالى-.
فالأمر على هذا الرأى منصب على الإتمام لا على أصل الأداء.
وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس في الآية ما يفيد الوجوب، بل فيها ما يفيد وجوب الإتمام إن شرع فيهما أو في أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله- تعالى-: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وأيضا، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل في ثنايا أفعال الحج وأركانه، ولذلك ورد في الحديث
стр. 415
الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» إلى غير ذلك من الأدلة التي ساقها كل فريق لتدعيم رأيه.
ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف، انتصر كثير من العلماء فيه للرأى القائل بأنها ليست فرضا كالحج، بل هي سنة.
وقد كانت فرضية الحج في السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا في السنة التاسعة عند ما أرسل النبي ﷺ أبا بكر أميرا على الحج، وكان ذلك تمهيدا لحجه ﷺ سنة عشر.
وقد أمر- سبحانه- بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الحوائج، وحضور الأسواق، دون أن يكون لله- تعالى- فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد، فأمر- سبحانه- المسلمين أن ينزهوا عباداتهم- وخصوصا الحج- عن الأقوال السيئة، والأفعال القبيحة، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإخلاص والطاعة له- سبحانه-.
وبعد أن أمر الله- تعالى- عباده بأن يتموا الحج والعمرة له، أردف ذلك ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ والإحصار والحصر في اللغة: بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما يشبه ذلك. قال- تعالى- في شأن قتال المشركين: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ «١» أى: ضيقوا عليهم المنافذ. ويقال للذي لا يبوح بسره: حصر لأنه حبس نفسه عن البوح بسره.
ويرى بعض علماء اللغة أن الإحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص، بل بسبب أمر خارجى كالعدو ونحوه.
الْهَدْيِ: - بتخفيف الياء وتشديدها- مصدر بمعنى المفعول، أى: المهدى والمراد به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقرة والشاة ليذبح تقربا إلى الله- تعالى-.
واسْتَيْسَرَ هنا بمعنى يسر وتيسر أى: ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب.
والمعنى: أتموا- أيها المؤمنون- الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك، فإن أُحْصِرْتُمْ
стр. 416
أى، منعتم بعد الإحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أو مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى.
وبعض العلماء- كالشافعية والمالكية- يرون أن المراد بالإحصار في الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية، أما إذا كان الإحصار بسبب مرض، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعا، ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه، ولا يتحلل بالذبح، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإحصار بسبب العدو. أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع، وعلى من أحصر أن يقضى الحج أو العمرة فيما بعد.
وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإسلام تلك المبادئ التي تتوخى في كل شئونها التيسير لا التعسير، والرفق لا التشديد قال- تعالى-: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ «١» وقال- تعالى-: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٢» .
ثم قال- تعالى-: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإحرام، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك. والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: يا رسول الله وللمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: يا رسول الله وللمقصرين. قال: وللمقصرين» «٣» . أما بالنسبة للنساء فيكفى التقصير.
والمحل: اسم لزمان الحلول أو مكانه. يقال: بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه، كما يقال: بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به.
قال الآلوسى: وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية.
والمعنى: أتموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه، وهو الحرم.
стр. 417
وهذا رأى الأحناف، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام، فهو اسم مكان، لأن الله- تعالى- قد قال في آية أخرى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ «١» ، وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح.
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي حدث فيه الإحصار، ودليلهم أن الرسول ﷺ قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحديبية وهي ليست من الحرم، وذلك عند ما منعه المشركون من دخول مكة.
وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله ﷺ كما يقول الآلوسى- «٢» كان في طريق الحديبية بأسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم.
وعلى رأى جمهور الفقهاء يكون المعنى: ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تذبحوا الهدى في الموضع الذي أحصرتم فيه، فإذا تم الذبح فاحلقوا وتحللوا. والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذكور.
ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقا مع السنة النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير، ولا شك أن ذبحهم لهديهم في مكان إحصارهم أيسر لهم، وحملوا قوله- تعالى-: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ على أنه خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند الإحصار فقد بينه النبي ﷺ بذبحه لهديه في الحديبية وهي ليست من الحرم عند المحققين.
قال الإمام الرازي: ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقد قال الشافعى وغيره:
المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة: إنه اسم للمكان «٣» .
وبعد أن بين- سبحانه- أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمرا على إحرامه، أردف ذلك ببيان بعض الحالات التي يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على إحرامه فقال- تعالى-: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.
أى: فمن كان منكم- أيها المحرمون- مريضا بمرض يضطر معه إلى الحلق، أو كان به أذى
стр. 418
من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
وقوله: فَفِدْيَةٌ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: فعليه فدية، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير: فحلق فعليه فدية.
والفدية: هي العوض عن الشيء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها.
وعبر- سبحانه- هنا بالفدية دون الكفارة، لأن الذي به مرض أو أذى من رأسه لم يرتكب ذنبا أو إثما حتى يكفر عنه.
قال القرطبي: والنسك: جمع نسيكه، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله- تعالى- وتكون من الإبل والبقر والغنم- ويجمع- أيضا- على نسائك. والنسك: العبادة في الأصل، ومنه قوله- تعالى-: وَأَرِنا مَناسِكَنا أى: متعبداتنا. وقيل: أصل النسك في اللغة الغسل ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النسك سبائك الفضة التي خلصت من الخبث، كل سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام» «١» .
وقوله- تعالى-: مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ بيان لجنس الفدية.
وقد بين النبي ﷺ مقدار هذه الفدية، فقد روى الشيخان عن كعب بن عجرة الأنصارى قال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهى فقال: ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا ... أما تجد شاة؟ قلت: لا!! قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت فىّ خاصة وهي لكم عامة.
فقد بين النبي ﷺ مقدار الفدية في هذا الحديث، وعامة العلماء يرون أن المحرم لعذر كهذا يخير في هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على المساكين.
قال ابن كثير: ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل، ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال: أما تجد شاه؟ فكل حسن في مقامه» «٢» .
وبعد أن بين- سبحانه كيفية التحلل عند الإحصار، وكيفية التحلل الجزئى من بعض
стр. 419
المحرمات عند المرض، عقب ذلك ببيان كيفية التحلل في حالة الأمن فقال: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ.
وقوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ الأمن ضد الخوف. أى: فإذا زال خوفكم وثبت أمنكم والجملة معطوفة على قوله أُحْصِرْتُمْ وجيء بإذا لأن فعل الشرط وهو أَمِنْتُمْ مرغوب فيه.
وقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ جواب إذا. والتمتع في اللغة- كما قال الإمام الرازي- التلذذ.
يقال: تمتع بالشيء إذا تلذذ به. والمتاع كل شيء يتمتع به، وأصله من قولهم: حبل ماتع، أى: طويل. وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به «١» .
والمراد بالتمتع في الآية المعنى الشرعي بأن يجمع المسلم بين العمرة والحج في عام واحد في أشهر لحج، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج.
وسمى هذا النوع من الإحرام تمتعا، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد.
لأنه يحرم بالعمرة أولا ويقوم بمناسكها وتلك متعة روحية وبعد الانتهاء من أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ويمس الطيب حتى يحرم بالحج وتلك متعة بدنية.
وهناك نوعان آخران من الإحرام.
أحدهما: الإفراد ومعناه: أن يحرم بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة، وإنما يأتى بها في وقت آخر.
وثانيهما: القران ومعناه: أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد، بأن يبقى على إحرامه ويأتى بمناسك الحج والعمرة بالإحرام نفسه.
والمعنى: فإذا ثبت أمنكم- أيها المسلمون- عند أدائكم للحج والعمرة، فمن تمتع منكم بالعمرة إلى الحج، بأن أحرم بها في أشهر الحج، ثم بعد الانتهاء من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه، وباشر أهله إن كانوا معه، وانتظر متحللا وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من ليس محرما إلى وقت الإحرام بالحج، فعليه في هذه الحالة أن يذبح ما تيسر له من الهدى من غنم أو بقر أو إبل ليكون هذا الذبح شكرا لله حيث وفقه- سبحانه- للجمع بين النسكين مع التمتع بينهما بأفعال المتحلل، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه.
стр. 420
وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ... معطوف على فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ ... لأن فَمَنْ تَمَتَّعَ مع جوابه وهو فَمَا اسْتَيْسَرَ ... مقدر فيه معنى فمن تمتع واجدا الهدى، فعطف عليه فمن لم يجد أى الهدى.
وقد جعل- سبحانه- الصيام بدلا عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة وزيادة في الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين:
إحداهما: - وهي الأقل- تكون في وقت الحج، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه.
وثانيتهما: - وهي الأكثر- تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر وتذهب مشقة السفر فيصوم سبعة أيام.
وبعض الفقهاء يرى جواز الصيام عند الأخذ في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج، ويرجح الوجه الأول ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر وفيه: «فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» «١» .
والإشارة في قوله- تعالى-: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ إلى الثلاثة والسبعة. ومميز العدد محذوف أى: أيام. والجملة مؤكدة لما أفاده قوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو، أو أن السبعة كناية عن مطلق كثرة العدد، وبذلك يتقرر الحكم نصا، ويتبين أن الذي يحل محل النسك إنما هو العشرة الكاملة وليس بعضها.
ووصف العشرة بأنها كاملة، للتنويه بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال الحج، وأن الحاج إذا نسى بعضها لا يكون حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله- تعالى- به.
وقوله: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الإشارة فيه تعود إلى التمتع المفهوم من قوله- تعالى-: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.. إلخ.
أى: ذلك التمتع الذي يتمتع فيه المحرم بين النسكين، إنما هو للشخص الذي ليس أهله من المقيمين في مكة وما حولها، لأن المقيمين في مكة وما حولها يفردون ولا يجمعون، إذ العمرة في إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة.
وقد شرع- سبحانه- التمتع ليكون تيسيرا ورفقا للمقيمين بعيدا عن مكة هذا رأى الأحناف.
стр. 421
ويرى الشافعية: أن أهل مكة وما حولها يقرنون ويتمتعون كغيرهم من أهل الآفاق، وأن اسم الإشارة في الجملة الكريمة يعود إلى النسك وما يقوم مقامه من الصوم لأنه أقرب مذكور.
وعلى رأيهم يكون المعنى: ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم يتيسر له الهدى إنما هو على سكان الآفاق، لا على سكان مكة وما حولها، لأن سكان مكة وما حولها قد أحرموا لتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شيء.
والمراد بحاضرى المسجد الحرام: أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل الميقات عند الحنفية. وقال المالكية: هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعية: هم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة. ولكل أدلته المفصلة في كتب الفقه.
ثم ختم- سبحانه- الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
أى: واتقوا الله في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن لم يخشه ولم يلتزم حدوده.
وفي هذا الأمر بالتقوى في ختام هذه الآية التي تحدثت عن الحج إشعار بأن هذه الفريضة ليست العبرة فيها بما تعمله الجوارح وإنما العبرة بما تتركه في القلوب من توبة صادقة، وصيانة للنفس عن اقتراف المحارم.
وفي قوله: وَاعْلَمُوا اهتمام بالخبر، وتحقيق لمضمونه، وترهيب من العقاب مع الترغيب بالثواب، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون بالثواب والعقاب.
هذا، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام التي تتعلق بالحج والعمرة، والمتدبر في هذه الأحكام يراها قد امتازت بأحكم ضروب التوجيه، وأيسر أنواع التكليف.
ثم بين- سبحانه- وقت الحج وما يجب على المسلّم عند أدائه لهذه الفريضة من آداب فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٧ الى ٢٠٣]
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١)
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)
стр. 422
وقوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ.
أى: وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته، للإشعار بأن هذه الأشهر لكونها تؤدى فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديسا وبركة منها، حتى لكأن هذه الأشهر هي الفريضة نفسها.
стр. 423
قال القرطبي ما ملخصه: وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة. وقيل هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال:
إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب دما على من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة لأنه وقع في أشهر الحج، ومن قال بأن وقت الحج ينقضي بالعشرة الأولى من ذي الحجة يوجب الدم عليه لتأخيره عن وقته. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر ينزل منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه في ساعة منها» «١» .
وعبر- سبحانه- عن هذه الأشهر بأنها معلومات، لأن العرب كانوا يعرفون أشهر الحج من كل عام منذ عهد إبراهيم- ﵇ وقد جاء الإسلام مقررا لما عرفوه. أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها، وهو يتضمن بطلان النسيء الذي كان يفعله الجاهليون تبعا لأهوائهم.
وقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ بيان لما يحب أن يتحلى به المسلّم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة.
قال الإمام الرازي: ومعنى فَرَضَ في اللغة ألزم وأوجب. يقال: فرضت عليك كذا، أى أوجبته. وأصل معنى الفرض في اللغة الحز الذي يقع فيه الوتر، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم ... » «٢» .
والرفث في الأصل: الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه.
قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدى.
والفسوق: الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي، ومن ذلك السباب وفعل محظورات الإحرام، وغير ذلك مما نهى الله عنه، والجدال على وزن فعال من المجادلة وهي مشتقة من الجدل وهو الفتل ومنه: زمام مجدول.
وقيل: هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة.
والمراد النهى عن المماراة والمنازعة التي تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب.
стр. 424
والمعنى: أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه وأن يبتعد عن كل قول أو فعل يكون خارجا عن آداب الإسلام، ومؤديا إلى التنازع بين الرفقاء والإخوان، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن، فعليهم أن يجتمعوا على طاعته، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.
روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» .
قال الآلوسى: وقال- سبحانه- فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ بالإظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى الإضمار، لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، وللإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله- تعالى- من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثار النفي للمبالغة في النهى، والدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه منهيا عنه مطلقا فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح «١» » .
والضمير في قوله: فِيهِنَّ للأشهر، لأنه جمع لغير العاقل فيجري على التأنيث.
وجملة فَلا رَفَثَ.. إلخ في محل جزم جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى فَلا رَفَثَ من ضمير يعود على «من» ، لأن التقدير فلا يرفث.
ويجوز أن تكون جملة فَلا رَفَثَ.. وما عطف عليها في محل رفع خبر لمن على أنها موصولة.
وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لأن الإحرام به في غير أشهره يكون شروعا في العبادة في غير وقتها فلا تصح ويرى الأحناف والحنابلة، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه مع الكراهة: والإمام مالك لا يرى كراهة في ذلك.
ويبدو أن رأى الشافعية هنا أرجح، لأن قوله- تعالى-: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ..
يشهد لهم، فقد جعل- سبحانه- هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفا لها.
وقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ حض على فعل الخير عقيب النهى عن فعل الشر.
أى: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصا في تلك
стр. 425
الأزمنة والأمكنة المفضلة، والله- تعالى- لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو- سبحانه- سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء.
ثم قال- تعالى-: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
قال الإمام الرازي: في هذه الجملة الكريمة قولان:
أحدهما: أن المراد وتزودوا من التقوى- أى الأعمال الصالحة- والدليل عليه قوله بعد ذلك فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمال.. إلخ. والسفر من الدنيا لا بد له أيضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم.. قال الأعشى مقررا هذا المعنى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموا الناس وغصبوهم فأمرهم الله- تعالى- أن يتزودوا بالمال والطعام الذي يغنيهم عن سؤال الناس «١» .
والذي نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهي تدعو الناس إلى أن يتزودوا بالزاد المعنوي النفسي الذي يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والإكثار من العمل الصالح وفي الوقت نفسه هي تأمرهم- أيضا- بأن يتزودوا بالزاد المادي الحقيقي الذي يغنيهم عن سؤال الناس، ويصون لهم ماء وجوههم.
وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو استعمال شائع مستساغ عند كثير من العلماء.
ثم ختم- سبحانه- الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإخلاص فقال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ والألباب: جمع لب وهو العقل واللب من كل شيء: هو الخالص منه. وسمى به العقل، لأنه أشرف ما في الإنسان.
أى: أخلصوا لي يا أصحاب العقول السليمة، والمدارك الواعية، لأنكم لما كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت، وإعراضكم عنها أقبح. ورحم الله القائل: