← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وقوله- سبحانه- لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ صفة لموصوف محذوف، أى يهدى الناس إلى الطريقة أو الملة التي هي أقوم. قال صاحب الكشاف: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أى: للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها، أو للملة أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف، لما في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه «١» . والمعنى: إن هذا القرآن الكريم، الذي أنزله الله- تعالى- عليك يا محمد ﷺ ، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم- في جميع شئونهم الدينية والدنيوية- إلى الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، وهي ملة الإسلام. فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء. قال صاحب الظلال ما ملخصه: إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية، ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق. ويهدى للتي هي أقوم، في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله. ويهدى للتي هي أقوم في عالم العبادة، بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل، ولا تسهل حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال. ويهدى للتي هي أقوم، في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادا وأزواجا وحكومات وشعوبا، ودولا وأجناسا. ويهدى للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل.. «٢» . وقوله- سبحانه-: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً صفة ثانية من صفات القرآن الكريم. أى: أن هذا القرآن بجانب هدايته للتي هي أقوم، فهو- أيضا- يبشر المؤمنين الذين

стр. 3607

يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم- : أجرا كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه، وهو الله رب العالمين. وقوله- سبحانه-: وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً بيان لسوء عاقبة الذين لا يستجيبون لهداية القرآن الكريم، وهو معطوف على قوله- تعالى-: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً. أى: أن هذا القرآن يبشر المؤمنين بالأجر الكبير، ويبشر- على سبيل التهكم- الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب بالعذاب الأليم. قال الآلوسى ما ملخصه: وتخصيص الآخرة بالذكر من بين سائر ما لم يؤمن به الكفرة، لكونها أعظم ما أمروا بالإيمان به، ولمراعاة التناسب بين أعمالهم وجزائها، الذي أنبأ عنه قوله- تعالى-: أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً وهو عذاب جهنم. أى: أعددنا وهيأنا لهم، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة عذابا أليما. والآية معطوفة على قوله أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً فيكون إعداد العذاب الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين، ومصيبة العدو سرور يبشر به، فكأنه قيل: يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم.. «١» . ثم بين- سبحانه- بعض الأحوال التي قد يقدم الإنسان فيها على طلب ما يضره بسبب عجلته واندفاعه فقال- تعالى-:. [سورة الإسراء (١٧) : آية ١١] وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) والمراد بالإنسان هنا: الجنس وليس واحدا معينا. قال الآلوسى: وقوله: دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أى: دعاء كدعائه بالخير، فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية «٢» . والمعنى: ويدعو الإنسان حال غضبه وضجره، على نفسه، أو على غيره، بِالشَّرِّ كأن يقول: «اللهم أهلكنى، أو أهلك فلانا..» .

стр. 3608

دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أى: يدعو بالشر على نفسه أو على غيره، كدعائه بالخير، كأن يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين. قال ابن كثير: يخبر- تعالى- عن عجلة الإنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده، أو ماله، بِالشَّرِّ أى: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال- تعالى-:. وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ... وفي الحديث: «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها» «١» . وقيل المراد بالإنسان هنا: الكافر، أو الفاسق الذي يدعو الله- تعالى- بالشر، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما يشبه ذلك. وقد أشار القرطبي إلى هذا الوجه بقوله: «وقيل نزلت في النضر بن الحارث، كان يدعو ويقول- كما حكى القرآن عنه-: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. وقيل: هو أن يدعو في طلب المحظور، كما يدعو في طلب المباح. كما في قول الشاعر: أطوف بالبيت فيمن يطوف ... وأرفع من مئزرى المسبل واسجل بالليل حتى الصباح ... وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل «٢» ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأنه المأثور عن بعض الصحابة والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب الله من غيرهم. قال ابن جرير- ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: عن ابن عباس قال في قوله- تعالى-: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ.. يعنى قول الإنسان اللهم العنه واغضب عليه، فلو يعجل له الله ذلك كما يعجل له الخير لهلك ... وقال قتادة: يدعو على ماله فيلعن ماله، ويدعو على ولده، ولو استجاب الله له لأهلكه. وقال مجاهد: ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ولا يحب أن يجاب «٣» .

стр. 3609

وقوله- تعالى-: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا بيان للسبب الذي حمل الإنسان على أن يدعو بالشر كما يدعو بالخير. والعجول من العجل- بفتح العين والجيم- وهو الإسراع في طلب الشيء قبل وقته. يقال: عجل- بزنة تعب- يعجل فهو عجلان، إذا أسرع. أى: وكان الإنسان متسرعا في طلب كل ما يقع في قلبه، ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر، ولا يتأمل تأمل المتدبر. وشبيه بهذه الجملة قوله- تعالى-: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ «١» . ثم ساق- سبحانه- ما يدل على كمال قدرته، وسعة رحمته بعباده، ومجازاتهم على أعمالهم يوم القيامة فقال- تعالى-:. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٢ الى ١٥] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)

стр. 3610

قال أبو حيان: قوله- تعالى- وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ.. لما ذكر- سبحانه- القرآن وأنه هاد إلى الطريقة المستقيمة، ذكر ما أنعم به مما لم يمكن الانتفاع إلا به، وما دل على توحيده من عجائب العالم العلوي. وأيضا لما ذكر عجلة الإنسان، وانتقاله من حال إلى حال ذكر أن كل هذا العالم كذلك في الانتقال لا يثبت على حال، فنور عقب ظلمة وبالعكس، وازدياد نور وانتقاص آخر «١» . والمراد بالآيتين هنا: العلامتان الواضحتان، الدالتان على قدرة الله- تعالى- ووحدانيته. وقوله: فَمَحَوْنا من المحو بمعنى إزالة أثر الشيء، يقال: محا فلان الشيء محوا- من باب قتل- إذا أزال أثره. وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهات: أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه، أن المراد بالآيتين: نفس الليل والنهار، وأن الكلام ليس فيه حذف. فيكون المعنى: وجعلنا الليل والنهار- بهيئاتهما الثابتة، وتعاقبهما الدائم، واختلافهما طولا وقصرا- آيتين كونيتين كبيرتين، دالتين على أن لهما صانعا قادرا، حكيما، هو الله رب العالمين. وقوله- سبحانه- فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أى: فجعلنا الآية التي هي الليل. ممحوة الضوء، مظلمة الهيئة، مختفية فيها الأشياء، ساكنة فيها الحركات. وقوله- تعالى-: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أى: وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة، تبصر فيها الأشياء وترى بوضوح وجلاء. وعلى هذا الاتجاه، تكون إضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه، مع اختلاف اللفظ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى، كما في قوله- تعالى- شَهْرُ رَمَضانَ فرمضان هو نفس الشهر. وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن الكلام على حذف مضاف، وأن المراد بالآيتين: الشمس والقمر، فيكون المعنى: وجعلنا نيرى الليل والنهار- وهما الشمس والقمر- آيتين دالتين على قدرة الله- تعالى- ووحدانيته، فمحونا آية الليل- وهي القمر-، بأن أزلنا عنه شعاعه وضياءه، ولم نجعله كالشمس في ذلك، وجعلنا آية النهار- وهي الشمس- مبصرة، أى: ذات شعاع وضياء يبصر في ضوئها الشيء على حقيقته.

стр. 3611

وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين دون أن يرجح بينهما فقال: قوله- تعالى-: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ.. فيه وجهان: أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أى: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. والثاني: أن يراد: وجعلنا نيرى الليل والنار آيتين، يريد الشمس والقمر ... أى: فمحونا آية الليل التي هي القمر، حيث لم نخلق له شعاعا كشعاع الشمس تبصر به الأشياء، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء «١» . والذي نراه: أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ولأنه لا يحتاج إلى تقدير، وما كان كذلك أولى مما يحتاج إلى تقدير، ولأن الليل والنهار هما بذاتهما من أظهر العلامات والأدلة على قدرة الله- تعالى- ووحدانيته. وهناك عشرات الآيات القرآنية في هذا المعنى، ومن ذلك قوله- تعالى- وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ «٢» . وقوله- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ... «٣» . وقال- تعالى-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ «٤» إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي أوردها الله- تعالى- في هذا المعنى. وقوله- سبحانه-: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بيان لمظهر من مظاهر حكمته- تعالى- ورحمته بعباده. والجملة الكريمة متعلقة بما قبلها، وهو قوله- سبحانه-: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أى: جعلنا النهار مضيئا، لتطلبوا فيه ما تحتاجونه من أمور معاشكم، ومن الأرزاق التي قسمها الله بينكم. قال الآلوسى ما ملخصه: وفي التعبير عن الرزق بالفضل، وعن الكسب بالابتغاء: دلالة على أنه ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب، وإنما الإعطاء من الله- تعالى-

стр. 3612

بطريق التفضل.. «١» . وشبيه بهذه الجملة الكريمة قوله- تعالى-: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. فقوله- تعالى-: لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعود إلى الليل. وقوله- تعالى-: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعود على النهار. ثم بين- سبحانه- حكمة أخرى ونعمة أخرى لجعله الليل والنهار على هذه الهيئة فقال: وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ. أى: وجعلنا الليل والنهار على هذه الصفة من التعاقب والاختلاف في الطول والقصر لتعرفوا عن طريق ذلك عدد الأيام والشهور والأعوام، التي لا تستغنون عن معرفتها في شئون حياتكم، ولتعرفوا- أيضا- الحساب المتعلق بها في معاملاتكم، وبيعكم وشرائكم، وأخذكم وعطائكم، وصلاتكم، وصيامكم، وزكاتكم، وحجكم، وأعيادكم.. وغير ذلك مما تتوقف معرفته على تقلب الليل والنهار. وولوج أحدهما في الآخر. ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. والتفصيل: من الفصل بمعنى القطع. والمراد به هنا: الإبانة التامة للشيء بحيث يظهر ظهورا لا خفاء معه ولا التباس. ولفظ كُلَّ منصوب على الاشتغال بفعل يفسره ما بعده. أى: وفصلنا كل شيء تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم، تفصيلا، واضحا جليا، لا خفاء معه ولا التباس، فقد أقمنا هذا الكون على التدبير المحكم، وعلى الصنع المتقن، وليس على المصادفات التي لا تخضع لنظام أو ترتيب. ثم ساق- سبحانه- صورة من صور هذا التفصيل المحكم في كل شيء فقال- تعالى-: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ. والمراد بطائره: عمله الصادر عنه باختياره وكسبه، حسبما قدره الله- تعالى- عليه من خير وشر. أى: وألزمنا كل إنسان مكلف عمله الناتج عنه، إلزاما لا فكاك له منه، ولا قدرة له على مفارقته.

стр. 3613

وعبر- سبحانه- عن عمل الإنسان بطائره، لأن العرب كانوا- كما يقول الآلوسى- يتفاءلون بالطير، فإذا سافروا ومر بهم الطير زجروه، فإن مر بهم سانحا- أى من جهة الشمال إلى اليمين- تيمنوا وتفاءلوا، وإن مر بارحا، أى: من جهة اليمين الى الشمال تشاءموا، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير استعارة تصريحية، لما يشبههما من قدر الله- تعالى- وعمل العبد، لأنه سبب للخير والشر «١» . وقوله- سبحانه-: فِي عُنُقِهِ تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط بين الإنسان وعمله. وخص- سبحانه- العنق بالذكر من بين سائر الأعضاء، لأن اللزوم فيه أشد، ولأنه العضو الذي تارة يكون عليه ما يزينه كالقلادة وما يشبهها، وتارة يكون فيه ما يشينه كالغل والقيد وما يشبههما. قال الامام ابن كثير: وطائره: هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ومجاهد، وغير واحد- من خير أو شر، يلزم به ويجازى عليه: كما قال- تعالى-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. وكما قال- تعالى-: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره: ويكتب عليه ليلا ونهارا، صباحا ومساء «٢» . وقوله- سبحانه-: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً بيان لحاله في الآخرة بعد بيان حاله في الدنيا. والمراد بالكتاب هنا صحائف أعماله التي سجلت عليه في الدنيا. أى: ألزمنا كل إنسان مكلف عمله الصادر عنه في الدنيا، وجعلناه مسئولا عنه دون غيره. أما في الآخرة فسنخرج له ما عمله من خير أو شر «في كتاب يلقاه منشورا» أى: مفتوحا بحيث يستطيع قراءته، ومكشوفا بحيث لا يملك إخفاء شيء منه، أو تجاهله، أو المغالطة فيه. كتاب ظهرت فيه الخبايا والأسرار ظهورا يغنى عن الشهود والجدال. كتاب مشتمل على كل صغيرة وكبيرة من أعمال الإنسان، كما قال- تعالى-: وَنَضَعُ

стр. 3614

الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «١» . ثم بين- سبحانه- ما يخاطب به الإنسان بعد أن فتح كتابه أمامه، فقال- تعالى- اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً. أى: ويقال له بعد أن وجد كتابه منشورا أمامه، اقرأ كتابك هذا، وما اشتمل عليه من أعمال صدرت عنك في الدنيا، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. أى: محاسبا، كجليس بمعنى مجالس، أو حاسبا وعادّا كصريم بمعنى صارم يقال حسب فلان على فلان قوله، إذا عده عليه. ولفظ كَفى هنا لازم، ويطرد في هذه الحالة جر فاعله بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية و «حسيبا» تمييز، وعليك متعلق به. وتارة يأتى لفظ «كفى» متعديا، كما في قوله- تعالى-: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ. ثم ساق- سبحانه- قاعدة كلية، لتحمل كل إنسان نتيجة عمله، فقال- تعالى-: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. والفعل تَزِرُ من الوزر بمعنى الإثم والحمل والثقل. يقال: وزر يزر وزرا، أى: أثم، أو حمل حملا ثقيلا، ومنه سمى الوزير، لأنه يحمل أعباء تدبير شئون الدولة. أى: من اهتدى إلى الطريق المستقيم، وقدم في حياته العمل الصالح فثمرة هدايته راجعة إلى نفسه، ومن ضل عن الطريق القويم، وفسق عن أمر ربه فوبال ضلاله راجع إليه وحده، ولا تحمل نفس آثمة، إثم نفس أخرى، وإنما تسأل كل نفس عن آثامها فحسب. وقد تكرر هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» . وقوله- تعالى-: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى.. «٣» .

стр. 3615

ولا يتنافى هذا مع قوله- تعالى-: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ.. «١» . وقوله- تعالى-: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.. «٢» . لأن المقصود في هاتين الآيتين وأشباههما، أن دعاة الكفر والفسوق والعصيان، يحملون ذنوبهم يوم القيامة، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب من كانوا هم سببا في ضلالهم، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها- كما جاء في الحديث الصحيح- فهم يحملون آثام أنفسهم، والآثام التي كانوا سببا في ارتكاب غيرهم لها. كذلك لا يتنافى قوله- تعالى-: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى مع ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما من «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه..» . لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته، أو أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ويشقون الجيوب، ويلطمون الخدود.. فتعذيبه بسبب تفريطه، وعدم تنفيذه لقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.. «٣» . وقوله- تعالى-: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده- ورأفته بهم، وكرمه معهم. قال الآلوسى: قوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا بيان للعناية الربانية إثر بيان آثار الهداية والضلالة بأصحابها، وعدم حرمان المهتدى من ثمرات هدايته. وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها. أى: وما صح وما استقام منا، بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم البالغة.. أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا، على فعل شيء أو ترك شيء أصليا كان أو فرعيا، حتى نبعث إليه رَسُولًا يهدى إلى الحق، ويردع عن الضلال، ويقيم الحجج، ويمهد الشرائع.. «٤» . وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم، تشبه هذه الآية، في بيان أن الله- تعالى-

стр. 3616

لا يعذب أحدا من خلقه، حتى يبعث إليه رسولا يبشره وينذره، فيعصى ذلك الرسول، ويستمر في كفره وضلاله بعد التبشير والإنذار. ومن هذه الآيات قوله- تعالى-: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً «١» . وقوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى «٢» . وقوله- تعالى-: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ.. «٣» . قال ابن كثير عند تفسيره لقوله- تعالى-: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا: هذا إخبار عن عدله- تعالى- وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسول إليه، كما قال- تعالى-: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ... إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله- تعالى- لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه.. «٤» . هذا، وما ذهب إليه الإمام ابن كثير، والإمام الآلوسى، من أن الله- تعالى- اقتضت رحمته وعدالته، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، عن طريق إرسال الرسل، هو الذي نعتقده، وتطمئن إليه نفوسنا، لأنه هو الظاهر من معاني الآيات الكريمة، ولأنه هو المناسب لرحمة الله- تعالى- التي وسعت كل شيء. وهناك من يرى أن من مات على الكفر فهو في النار، ولو لم يرسل الله- تعالى- إليه رسولا، واستدلوا بأدلة لا مجال لذكرها هنا «٥» . ثم ساق- سبحانه- سنة من سننه في إهلاك الأمم، وفي حال الذين يريدون العاجلة، وحال الذين يريدون الآجلة، فقال- تعالى-:

стр. 3617

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٦ الى ٢٢] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) قال أبو حيان- ﵀: لما ذكر- تعالى- في الآية السابقة، أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، بين بعد ذلك علة إهلاكهم، وهي مخالفة أمر الرسول ﷺ ، والتمادي على الفساد- فقال، سبحانه-: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها.. «١» . وقوله- سبحانه-: أَمَرْنا من الأمر الذي هو ضد النهى، والمأمور به هو الإيمان والعمل الصالح، والشكر لله رب العالمين، وحذف لظهوره والعلم به. وقوله مُتْرَفِيها جمع مترف، وهو المتنعم الذي لا يمنع من تنعمه، بل يترك يفعل ما يشاء. يقال: ترف فلان- كفرح- أى: تنعم، وفلان أترفته النعمة، أى: أطغته وأبطرته لأنه لم يستعملها في وجوهها المشروعة.

стр. 3618

والمراد بهم، أصحاب الجاه والغنى والسلطان، الذين أحاطت بهم النعم من كل جانب، ولكنهم استعملوها في الفسوق والعصيان، لا في الخير والإحسان. والمعنى: وإذا قرب وقت إرادتنا إهلاك أهل قرية، أمرنا مترفيها، وأهل الغنى والسلطان فيها بالإيمان والعمل الصالح، والمداومة على طاعتنا وشكرنا، فلم يستجيبوا لأمرنا، بل فسقوا فيها، وعاثوا في الأرض فسادا. وهذا الأمر إنما هو على لسان الرسول المبعوث إلى أهل تلك القرية، وعلى ألسنة المصلحين المتبعين لهذا الرسول والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقال- سبحانه-: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ... مع أن الهلاك لأهلها، للإشارة إلى أن هذا الهلاك لن يصيب أهلها فقط، بل سيصيبهم ويصيب معهم مساكنهم وأموالهم وكل ما احتوته تلك القرية، بحيث تصير هي وسكانها أثرا بعد عين. وخص مترفيها بالذكر مع أن الأمر بالطاعة للجميع، لأن هؤلاء المترفين هم الأئمة والقادة، فإذا ما استجابوا للأمر استجاب غيرهم تبعا لهم في معظم الأحيان، ولأنهم في أعم الأحوال هم الأسرع إلى ارتكاب ما نهى الله عنه، وإلى الانغماس في المتع والشهوات. والحكمة من هذا الأمر، هو الإعذار والإنذار، والتخويف والوعيد. كما قال- تعالى-: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.. «١» . وهذا التفسير للآية الكريمة، سار عليه جمهور المفسرين. ولصاحب الكشاف رأى يخالف ذلك، فهو يرى أن الأمر في الآية الكريمة مجاز عن إمدادهم بالنعم الكثيرة التي أبطرتهم. قال- ﵀: قوله- تعالى-: وَإِذا أَرَدْنا وإذا دنا وقت إهلاك قوم، ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم فَفَسَقُوا أى: أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقى أن يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على

стр. 3619

الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة، على المعصية، فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم.. «١» . ومن المفسرين من يرى أن قوله- تعالى-: أَمَرْنا بمعنى كثّرنا- بتشديد الثاء- وقرئ أَمَرْنا بتشديد الميم، أى: كثرنا مترفيها وجعلناهم أمراء مسلطين.. ولكن هذه القراءة. وقراءة آمرنا بمعنى «كثرنا» أيضا، ليستا من القراءات السبعة أو العشرة، وإنما هما من القراءات الشاذة. قال الإمام ابن جرير: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأ «أمرنا» بقصر الألف وتخفيف الميم- لإجماع الحجة من القراء بتصويبها دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة، فأولى التأويلات به تأويل من تأوله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها. فحق عليهم القول، لأن الأغلب من معنى أَمَرْنا الأمر الذي هو خلاف النهى دون غيره. وتوجيه معاني كلام الله- جل ثناؤه- إلى الأشهر الأعرف من معانيه، أولى ما وجد إليه سبيل من غيره.. «٢» . ويبدو لنا أن الرأى الأول الذي سار عليه جمهور المفسرين، وعلى رأسهم الإمام ابن جرير، أولى بالقبول، لأسباب منها: ان القرآن الكريم يؤيده في كثير من آياته، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ.. «٣» . فقوله- تعالى-: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ دليل واضح على أن قوله- سبحانه-: أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها.. معناه: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وليس معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا لأنه- سبحانه- لا يأمر لا بالفسق ولا بالفحشاء. ومنها: أن الأسلوب العربي السليم يؤيده لأنك إذا قلت: أمرته فعصاني كان المعنى المتبادر والظاهر من هذه الجملة، أمرته بالطاعة فعصاني، وليس معناه. أمرته بالعصيان فعصاني. ومنها: أن حمل الكلام على الحقيقة- كما سار جمهور المفسرين- أولى من حمله على المجاز- كما ذهب صاحب الكشاف-.

стр. 3620

وقوله- سبحانه-: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً بيان لما نزل بهذه القرية وأهلها من عذاب محاها من الوجود، إذ التدمير هو الإهلاك مع طمس الأثر، وهدم البناء. أى: أمرنا مترفيها بطاعتنا وشكرنا، فعصوا أمرنا وفسقوا فيها، فثبت وتحقق عليها عذابنا، فأهلكناها إهلاكا استأصل شأفتها، وأزال آثارها. وأكد- سبحانه- فعل التدمير بمصدره، للمبالغة في إبراز شدة الهلاك الواقع على تلك القرية الظالم أهلها. قال الآلوسى ما ملخصه: والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه، وإهلاك جميعهم، لصدور الفسق منهم جميعا، فإن غير المترف يتبع المترف عادة ... وقيل: هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال- تعالى-: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.... وقد صح عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت: قلت، يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث «١» . ثم بين- سبحانه- أن هذه القرية لم تكن بدعا في نزول العذاب بها، بل هناك قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها- سبحانه- أخذ عزيز مقتدر، فقال- تعالى-: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ.... وكَمْ هنا خبرية أى: أن معناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب مفعول به لجملة أَهْلَكْنا و «من» في قوله- تعالى-: مِنَ الْقُرُونِ بيان للفظ كَمْ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما «من» في قوله- تعالى-: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فهي لابتداء الغاية. والقرون: جمع قرن، ويطلق على القوم المقترنين في زمان واحد. والمشهور أن مدته مائة سنة. أى: أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها، وعصيانهم لأمرنا، ليست هي القرية الوحيدة التي نزل بها عذابنا، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من بعد زمن نوح- ﵇ كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الكفر على الإيمان والغي على الرشد.

стр. 3621

وخص نوح- ﵇ بالذكر، لأنه أول رسول كذبه قومه وآذوه وسخروا منه.. فأهلكهم الله- تعالى- بالطوفان. قال ابن كثير: ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بالتهديد الشديد لمن يخالف أمره فقال- تعالى-: وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. أى: وكفى بربك- أيها الرسول الكريم- إحاطة واطلاعا وعلما بما يقدمه الناس من خير أو شر، فإنه- سبحانه- يعلم السر وأخفى. والآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول ﷺ فهي- أيضا- تهديد للمشركين، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على كفرهم، ومعاداتهم للحق، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول ﷺ فسيكونون محلا لغضب الله- تعالى- وسخطه، ولنزول عذابه الذي أهلك به أمثالهم في الشرك والكفر والجحود. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها «٢» . وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٣» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك مصير الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة، فقال- تعالى-: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ. والمراد بالعاجلة: دار الدنيا، وهي صفة لموصوف محذوف أى: الدار العاجلة التي ينتهى كل شيء فيها بسرعة وعجلة. أى: من كان يريد بقوله وعمله وسعيه، زينة الدار العاجلة وشهواتها فحسب، دون التفات إلى ثواب الدار الآخرة، عَجَّلْنا لَهُ فِيها أى: عجلنا لذلك الإنسان في هذه الدنيا، ما نَشاءُ تعجيله له من زينتها ومتعها..

стр. 3622

وهذا العطاء العاجل المقيد بمشيئتنا ليس لكل الناس، وإنما هو لِمَنْ نُرِيدُ عطاءه منهم، بمقتضى حكمتنا وإرادتنا. فأنت ترى أنه- سبحانه- قد قيد العطاء لمن يريد العاجلة بمشيئته وإرادته. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: «من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد. فقيد الأمر تقييدين: أحدهما: تقييد المعجل بمشيئته، والثاني: تقييد المعجل له بإرادته. وهكذا الحال، ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموا فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة وأما المؤمن التقى فقد اختار مراده، وهو غنى الآخرة فما يبالى أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت. فإن أوتى فبها شكر، وإن لم يؤت صبر، فربما كان الفقر خيرا له، وأعون على مراده. وقوله لِمَنْ نُرِيدُ بدل من لَهُ وهو بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى من وهو في معنى الكثرة «١» ومفعول نريد محذوف. أى: لمن نريد عطاءه. وقوله: ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً بيان لسوء مصير هذا المريد للعاجلة في الآخرة. ويَصْلاها أى: يلقى فيها ويذوق حرها وسعيرها: يقال: صليت الشاة: شويتها. وصلى فلان بالنار- من باب تعب- إذا وجد حرها. ومَذْمُوماً من الذم الذي هو ضد المدح. ومَدْحُوراً من الدحور بمعنى الطرد واللعن. يقال: دحره دحرا ودحورا، إذا طرده وأبعده. أى: من كان يريد بسعيه الدنيا وزينتها أعطيناه منها ما نشاء إعطاءه له، أما في الآخرة فقد جعلنا له جهنم يدخلها، ويصلى حرها ولهيبها، حالة كونه «مذموما» أى مبغوضا بسبب سوء صنيعه، «مدحورا» أى: مطرودا ومبعدا من رحمة الله- تعالى-. قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي لفظ هذه الآية فوائد: منها: أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة فقوله: ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها إشارة إلى المضرة العظيمة. وقوله مَذْمُوماً إشارة إلى الإهانة

стр. 3623

والذم. وقوله مَدْحُوراً إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله- تعالى-. وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص.. «١» . وقوله- سبحانه-: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً بيان لحسن عاقبة المؤمنين الصادقين بعد بيان سوء عاقبة المؤثرين لمتع الدنيا وشهواتها. أى: ومن أراد بقوله وعمله ثواب الدار الآخرة، وما فيها من عطاء غير مقطوع، وسعى لهذه الدار سعيها الذي يوصله إلى مرضاة الله- تعالى- حالة كونه مؤمنا بالله- تعالى- وبكل ما يجب الإيمان به، فَأُولئِكَ الذي فعلوا ذلك، كانَ سَعْيُهُمْ للدار الآخرة سعيا مَشْكُوراً: من الله- تعالى-، حيث يقبله- سبحانه- منهم، ويكافئهم عليه بما يستحقون من ثواب لا يعلم مقداره إلا هو- سبحانه- وعبر- بالسعي عن أعمالهم الصالحة، للإشعار بجدهم وحرصهم على أداء ما يرضيه- تعالى- بدون إبطاء أو تأخير، إذ السعى يطلق على المشي الذي تصاحبه السرعة. وأشار- سبحانه- إليهم بأولئك، للإشعار بعلو درجاتهم وسمو مراتبهم. قال بعض العلماء ما ملخصه: وفي الآية الدليل الواضح على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله- تعالى- لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. ولذا قال- سبحانه-: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... وقد أوضح- سبحانه- هذا في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.... ومفهوم هذه الآية وأمثالها، أن غير المؤمن إذا قدم عملا صالحا في الدنيا لا ينفعه في الآخرة لفقد شرط الإيمان، قال- تعالى-: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها» «٢» .

стр. 3624

ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته، وسعة عطائه فقال: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ولفظ «كلا» هنا مفعول به للفعل نمد، والتنوين عوض عن المضاف إليه. أى: نمد كل واحد من الفريقين. وقوله نُمِدُّ من الإمداد بمعنى الزيادة. يقال: أمد القائد الجيش بالجند، إذا زاده وقواه. والمراد باسم الإشارة الأول «هؤلاء» : المؤثرون للعاجلة، والمراد بالثاني الراغبون في ثواب الآخرة. والمعنى: كلا من الفريقين نمده من فضلنا وإحساننا فنعطى ما نريد إعطاءه لمن يريد العاجلة ولمن يريد الآجلة دون أن ينقص مما عندنا شيء، ودون أن يخرج عن مشيئتنا شيء. وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ أيها الرسول الكريم مَحْظُوراً أى: ممنوعا لا عن المؤمن ولا عن الكافر، ولا في الدنيا ولا في الآخرة. من الحظر بمعنى المنع يقال: حظره يحظره- من باب قتل- فهو محظور، أى: ممنوع. ثم أمر- سبحانه- عباده بالنظر والتأمل في أحوال خلقه، ليزدادوا عظة وعبرة، فقال: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. أى: انظر- أيها العاقل- نظر تأمل وتدبر واعتبار في أحوال الناس، لترى عن طريق المشاهدة كيف فضل الله- تعالى- بعض الناس على بعض في هذه الحياة، فهذا غنى وذاك فقير، وهذا قوى وذاك ضعيف، وهذا ذكى وذاك خامل، وهذا مالك وذاك مملوك.. إلى غير ذلك من الأحوال التي تدل على تفاوت الناس في هذه الدنيا، على حسب ما تقتضيه إرادة الله- تعالى- وحكمته، ومشيئته. أما في الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا في الدرجات والمنازل، مما كانوا عليه في الدنيا. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وقوله: وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أى: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلا ونعيمها وسرورها. ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلا

стр. 3625

ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء» «١» . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله- تعالى- في إهلاك الأمم، وأنه- تعالى- ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره، وعصت رسله، كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة الله- تعالى-، وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل، وأن الفريقين لا ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله- تعالى- لهم، وأن عطاءه للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا، وأن حكمته- سبحانه- قد اقتضت تفضيل بعض الناس على بعض في الدنيا والآخرة، وصدق- حيث يقول: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. قال الإمام الرازي ما ملخصه: بعد أن بين- سبحانه- أن الناس فريقان: فريق يريد بعمله الدنيا فقط، وفريق يريد بعمله طاعة الله، ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة: أولها: إرادة الآخرة، وثانيها: أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة، وثالثها: أن يكون مؤمنا. لا جرم فصل في هذه الآيات تلك المجملات: فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان ... ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال ... «٢» . والخطاب في قوله- تعالى-: لا تَجْعَلْ ... لكل من يصلح له. والقعود في قوله «فتقعد» قيل بمعنى المكث: كما يقول القائل: فلان قاعد في أسوأ حال، أى: ماكث في أسوأ حال، سواء أكان قاعدا أم غير قاعد. وقيل بمعنى العجز، لأن العرب تقول: فلان ما أقعده عن المكارم، أى: ما أعجزه عنها، وقيل هو بمعنى الصيرورة، من قولهم: فلان شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أى: صارت. والذي تطمئن إليه النفس أن القعود على حقيقته، لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا نادما على ما فرط منه. وقوله- سبحانه-: مَخْذُولًا من الخذلان، وهو ترك النصرة عند الحاجة إليها. يقال: خذل فلان صديقه، أى: امتنع عن نصره وعونه مع حاجته الشديدة إليهما. والمعنى: لا تجعل- أيها المخاطب- مع الله- تعالى- إلها آخر في عبادتك أو خضوعك، فتقعد جامعا على نفسك مصيبتين:

стр. 3626

مصيبة الذم من الله- تعالى- ومن أوليائه، لأنك تركت عبادة من له الخلق والأمر، وعبدت ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. ومصيبة الخذلان، بحيث لا تجد من يعينك أو ينصرك، في ساعة أنت أحوج ما تكون فيها إلى العون والنصر. وجاء الخطاب في قوله- تعالى-: لا تَجْعَلْ عاما، لكي يشعر كل فرد يصلح للخطاب أن هذا النهى موجه إليه، وصادر إلى شخصه. لأن سلامة الاعتقاد مسألة شخصية، مسئول عنها كل فرد بذاته وسيحمل وحده تبعة انحرافه عن طريق الحق يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وقوله فَتَقْعُدَ منصوب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهى. وقوله مَذْمُوماً مَخْذُولًا حالان من الفاعل. وفي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لحال الإنسان المشرك، وقد حط به الذم والخذلان، فقعد مهموما مستكينا عاجزا عن تحصيل الخيرات، ومن السعى في تحصيلها. قال الآلوسى: وفي الآية الكريمة إشعار بأن الموحد جامع بين المدح والنصرة «١» . ثم ساق- سبحانه- بضع عشرة آية، تناولت مجموعة من التكاليف تزيد على عشرين أمرا ونهيا. وهذه التكاليف قد افتتحت بالنهى عن الإشراك بالله- تعالى- وبالأمر بالإحسان إلى الوالدين قال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥)

стр. 3627

وبعد أن ذكر- سبحانه- الأساس في قبول الأعمال، وهو إخلاص العبادة له- وحده، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإيمان الحق وشعائره فقال- تعالى- وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ... قال القرطبي ما ملخصه: قَضى أى: أمر وألزم وأوجب ... والقضاء يستعمل في اللغة على وجوه، فالقضاء بمعنى الأمر، كما في هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يعنى خلقهن، والقضاء بمعنى الحكم، كقوله- تعالى-: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ يعنى: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ من الشيء، كقوله قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أى فرغ منه. والقضاء بمعنى الارادة. كقوله- تعالى-: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.. «٢» . والمعنى: لقد نهى ربك عن الإشراك به نهيا قاطعا، وأمر أمرا محكما لا يحتمل النسخ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه، إذ هو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شيء إلا بإذنه- سبحانه-. فالجملة الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة لله، بعد النهى عن الإشراك به في قوله- تعالى-: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ... وقد جاء هذا الأمر بلفظ قَضى زيادة في التأكيد، لأن هذا اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعي الذي لا رجعة فيه، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على النفي والاستثناء- وهما أعلا مراتب القصر- يزيد هذا الأمر تأكيدا وتوثيقا. ثم أتبع- سبحانه- الأمر بوحدانيته، بالأمر بالإحسان إلى الوالدين فقال: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. أى: وقضى- أيضا- بأن تحسنوا- أيها المخاطبون- إلى الوالدين إحسانا كاملا لا يشوبه سوء أو مكروه.

стр. 3628

وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص العبادة لله، في آيات كثيرة. منها قوله- تعالى-: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.. «١» . وقوله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.. «٢» . ولعل السر في ذلك هو الإشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى لوجوب الإحسان إلى الوالدين، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود الإنسان في هذه الحياة، وهما اللذان لقيا ما لقيا من متاعب من أجل راحة أولادهما، فيجب أن يقابل ما فعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل. قال بعض العلماء: وقد جاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب، وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإنسان عن أن تظن به الإساءة إلى الوالدين، وكأن الإساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع منه حتى يحتاج إلى النهى عنها.. «٣» . ثم فصل- سبحانه- مظاهر هذا الإحسان فقال: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، وَلا تَنْهَرْهُما، وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ... وإِمَّا حرف مركب من «إن» الشرطية، ومن «ما» المزيدة عليها للتأكيد، وقوله: أَحَدُهُما فاعل يبلغن. وقرأ حمزة والكسائي إما يبلغان فيكون قوله أَحَدُهُما بدل من ألف الاثنين في يبلغان. وقوله فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ جواب الشرط. قال الآلوسى: وأُفٍّ اسم صوت ينبئ عن التضجر، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر.. وفيه نحو من أربعين لغة. والوارد من ذلك في القراءات سبع ثلاث متواترة، وأربعة شاذة. فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وهو للتنكير: فالمعنى: فلا تقل أتضجر تضجرا ما.

стр. 3629

وقرأ ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر بدون تنوين.. «١» . وقوله وَلا تَنْهَرْهُما من النهر بمعنى الزجر، يقال نهر فلان فلانا إذا زجره بغلظة. والمعنى: كن- أيها المخاطب- محسنا إحسانا تاما بأبويك. فإذا ما بلغ عِنْدَكَ أى: في رعايتك وكفالتك أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما سن الكبر والضعف فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ أى: قولا يدل على التضجر منهما والاستثقال لأى تصرف من تصرفاتهما. قال البيضاوي: والنهى عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى، وقيل عرفا كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير- فإن هذا القول يدل على أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيرا «٢» . وقوله وَلا تَنْهَرْهُما أى: ولا تزجرهما عما يتعاطيانه من الأفعال التي لا تعجبك. فالمراد من النهى الأول: المنع من إظهار التضجر منهما مطلقا. والمراد من النهى الثاني: المنع من إظهار المخالفة لهما على سبيل الرد والتكذيب والتغليظ في القول. والتعبير بقوله: عِنْدَكَ يشير إلى أن الوالدين قد صارا في كنف الابن وتحت رعايته، بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن أصبح مسئولا عنهما، بعد أن كانا هما مسئولين عنه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى عِنْدَكَ قلت هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلّا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما كانا يتوليانه منه في حالة الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطاءة الخلق، ولين الجانب، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما، أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلا عما يزيد عليه «٣» . والتقييد بحالة الكبر في قوله- تعالى-: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ جرى مجرى الغالب، إذ أنهما يحتاجان إلى الرعاية في حالة الكبر، أكثر من احتياجهما إلى ذلك في حالة قوتهما وشبابهما، وإلا فالإحسان إليهما، والعناية بشأنهما. واجب على الأبناء سواء كان الآباء في سن الكبر أم في سن الشباب أم في غيرهما.

стр. 3630

وقوله- سبحانه-: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أمر بالكلام الطيب معهما. بعد النهى عن الكلام الذي يدل على الضجر والقلق من فعلهما. أى: وقل لهما بدل التأفيف والزجر، قولا كريما حسنا، يقتضيه حسن الأدب معهما، والاحترام لهما والعطف عليهما. وقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.. زيادة في تبجيلهما والتلطف معهما في القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها. أى: وبجانب القول الكريم الذي يجب أن تقوله لهما، عليك أن تكون متواضعا معهما، متلطفا في معاشرتهما، لا ترفع فيهما عينا، ولا ترفض لهما قولا، مع الرحمة التامة بهما، والشفقة التي لا نهاية لها عليهما. قال الإمام الرازي ما ملخصه: وقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ المقصود منه المبالغة في التواضع. وذكر القفال في تقريره وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية. فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه. فصار خفض الجناح كناية عن التواضع «١» . وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية، أى: اخفض لهما جناحك الذليل ومِنَ في قوله مِنَ الرَّحْمَةِ ابتدائية. أى تواضع لهما تواضعا ناشئا من فرط رحمتك عليهما. قال الآلوسى: وإنما احتاجا إلى ذلك، لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما، واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة، كما قال الشاعر: يا من أتى يسألنى عن فاقتي ... ما حال من يسأل من سائله؟ ما ذلة السلطان إلا إذا ... أصبح محتاجا إلى عامله وقوله: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً تذكير للإنسان بحال ضعفه وطفولته، وحاجته إلى الرعاية والحنان. أى: وقل في الدعاء لهما: يا رب ارحمهما برحمتك الواسعة، واشملهما بمغفرتك الغامرة،

стр. 3631

جزاء ما بذلا من رعاية لي في صغرى، فأنت القادر على مثوبتهما ومكافأتهما. قال الجمل: والكاف في قوله كَما رَبَّيانِي.. فيها قولان: أحدهما أنها نعت لمصدر محذوف. أى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لي، والثاني أنها للتعليل. أى: ارحمهما لأجل تربيتهما لي، كما في قوله وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ «١» . ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات التي سمت بمنزلة الوالدين، بما يدل على كمال علمه، وعلى التحذير من عقابه، فقال- تعالى-: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً. والأوابون: جمع أواب. وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى الله- تعالى- يقال: آب فلان يئوب إذا رجع. قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأواب هو التائب من الذنب، الراجع عن معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل: آب فلان من سفره إلى منزله، كما قال الشاعر: وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يؤوب «٢» أى: ربكم- أيها الناس- أعلم بما في نفوسكم، وضمائركم، سواء أكان خيرا أو شرا، وسواء كنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإساءة إليهما، ومع ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين- أى: قاصدين الصلاح والبر بهما، والرجوع عما فرط منكم في حقهما أو في حق غيرهما- فالله- تعالى- يقبل توبتكم، فإنه- سبحانه- بفضله وكرمه كان للأوابين- أى الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم- غفورا لذنوبهم. فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون في حقوق أبويه، وفي كل حق أوجبه الله عليه، ووعد لمن رجع إليه- سبحانه- بالتوبة الصادقة. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإحسان إلى الوالدين، بأسلوب يستجيش عواطف البر والرحمة في قلوب الأبناء، ويبعثهم على احترامهما ورعايتهما والتواضع لهما، وتحذيرهم من الإساءة إليهما، ويفتح باب التوبة أمام من قصر في حقهما أو حق غيرهما.

стр. 3632

وقد كرر القرآن هذا الأمر للأبناء بالإحسان إلى الآباء، ولم يفعل ذلك مع الآباء. وذلك لأن الحياة- كما يقول بعض العلماء- وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوى إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة، إلى الحياة المولية إلى الجيل الذاهب. ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات. إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر، كذلك يمتص الأولاد، كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية- إن أمهلهما الأجل- وهما مع ذلك سعيدان. فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام. إلى الزوجات والذرية ... وهكذا تندفع الحياة. ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف. وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين، في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله «١» . هذا، وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات، كثيرا من الأحاديث والآثار التي توجه الأبناء إلى رعاية الآباء، واحترامهم، والعطف عليهم، والرحمة بهم، والاهتمام بشئونهم. قال الإمام ابن كثير: وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: أن رسول الله ﷺ لما صعد المنبر قال: آمين. آمين. آمين. فقالوا: يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: أتانى جبريل فقال: يا محمد، رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين فقلت آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين. فقلت آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قل: آمين، فقلت: آمين» .

стр. 3633

وعن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول الله- ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي على من بر أبوى شيء بعد موتهما أبر هما به؟ قال: «نعم: خصال أربع. الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما» «١» . وقال القرطبي: أمر الله- سبحانه- بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك. كما قرن شكرهما بشكره، فقال: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. وقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وفي صحيح البخاري عن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ : أى الأعمال أحب إلى الله- تعالى-؟. قال: «الصلاة على وقتها. قلت: ثم أى؟ قال: «بر الوالدين» ، قلت ثم أى: قال: الجهاد في سبيل الله» ... ثم قال القرطبي- ﵀: ومن عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه. ما لم يكن ذلك الأمر معصية، ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما. ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمى وهي مشركة فاستفتيت النبي ﷺ فقلت: إن أمى قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ - أى وهي راغبة في برى وصلتي، أو وهي راغبة عن الإسلام كارهة له- قال: «نعم صلى أمك» . ثم قال القرطبي: ومن الإحسان إليهما والبر بهما، إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما. فعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» . قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. ثم قال: ومن تمام برهما: صلة أهل ودهما، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت

стр. 3634

رسول الله ﷺ يقول: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى» . وكان ﷺ يهدى لصديقات خديجة برّا بها ووفاء لها وهي زوجته، فما ظنك بالوالدين «١» . وبعد أن بين- سبحانه- ما يجب على الإنسان نحو خالقه- ونحو والديه، أتبع ذلك ببيان ما يجب على هذا الإنسان نحو أقاربه، ونحو المسكين وابن السبيل، ونحو ماله الذي هو نعمة من نعم الله عليه. فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٦ الى ٣٠] وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) قال أبو حيان في البحر: «لما أمر الله- تعالى- ببر الوالدين، أمر بصلة القرابة. قال الحسن: نزلت في قرابة النبي ﷺ . والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ... وألحق هنا ما يتعين له من صلة الرحم، وسد الخلة، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه. قال نحوه: ابن عباس وعكرمة والحسن وغيرهم» «٢» . والمراد بذوي القربى: من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا. والمسكين: هو من لا يملك شيئا من المال، أو يملك مالا يسد حاجته، وهذا النوع من

стр. 3635

الناس في حاجة إلى العناية والرعاية، لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال. وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» . وابن السبيل: هو المسافر المنقطع عن ماله سمى بذلك- كما يقول الآلوسى- لملازمته السبيل- أى: الطريق- في السفر. أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته» «١» . وهذا النوع من الناس- أيضا- في حاجة الى المساعدة والمعاونة، حتى يستطيع الوصول إلى بلده. وفي هذا الأمر تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة. والمعنى: وأعط- أيها العاقل- ذوى قرباك حقوقهم الثابتة لهم من البر، وصلة الرحم، والمعاونة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والوقوف إلى جانبهم في السراء والضراء، ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف. وأعط- كذلك- المسكين وابن السبيل حقوقهما التي شرعها الله- تعالى- لهما، من الإحسان إليهما، ومعاونتهما على ما يسد حاجتهما. وقدم- سبحانه- الأقارب على غيرهم، لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم. روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم، عن سليمان بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» . وقوله- سبحانه-: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً نهى عن وضع المال في غير موضعه الذي شرعه الله- تعالى- مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه في الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه، ثم استعير لتضييع المال في غير وجوهه. قال صاحب الكشاف: التبذير تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الإسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في

стр. 3636

أشعارها، فأمر الله- تعالى- بالنفقة في وجوهها، مما يقرب منه ويزلف.. «١» . وقال ابن كثير: وقوله وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً: لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطا، كما قال- تعالى-: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. وقال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق. وكذا قال ابن عباس. وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا. ولو أنفق مدا في غير حقه كان تبذيرا «٢» . وقوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ، وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً تعليل للنهى عن التبذير، وتنفير منه بأبلغ أسلوب. والمراد بأخوة الشياطين: المماثلة لهم في الصفات السيئة، والسلوك القبيح. قال الإمام الرازي: والمراد من هذه الأخوة، التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخا له، فيقولون: فلان أخو الكرم والجود. وأخو السفر، إذا كان مواظبا على هذه الأعمال «٣» . أى: كن- أيها العاقل- متوسطا في نفقتك، ولا تبذر تبذيرا. لأن المبذرين يماثلون ويشابهون الشياطين في صفاتهم القبيحة، وكان الشيطان في كل وقت وفي كل حال جحودا لنعم ربه، لا يشكره عليها، بل يضعها في غير ما خلقت له هذه النعم. وفي تشبيه المبذر بالشيطان في سلوكه السيئ، وفي عصيانه لربه، إشعار بأن صفة التبذير من أقبح الصفات التي يجب على العاقل أن يبتعد عنها، حتى لا يكون مماثلا للشيطان الجاحد لنعم ربه. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله في حال عدم قدرته على تقديم العون للأقارب والمحتاجين، فقال- تعالى-: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً. ولفظ إِمَّا مركب من «إن» الشرطية، ومن «ما» المزيدة. أى: إن تعرض عنهم.

стр. 3637

وقوله تُعْرِضَنَّ من الإعراض، بمعنى صرف الوجه عن السائل حياء منه وبسبب عدم القدرة على تلبية طلبه. وقوله: ابْتِغاءَ مفعول لأجله منصوب بتعرضن، وهو من باب وضع المسبب موضع السبب. لأن الأصل: وإما تعرضن عنهم لإعسارك. والمراد بالرحمة: انتظار الحصول على الرزق، وحلول الفرج بعد الضيق. والميسور: اسم مفعول من يسر الأمر- بالبناء للمفعول- مثل سعد الرجل، ومعناه: السهل اللين. والمعنى: وإما تعرضن- أيها المخاطب- عن ذي قرابتك وعن المسكين وابن السبيل، بسبب إعسارك وانتظارك لرزق يأتيك من الله- فقل لهم في هذه الحالة قولا لينا رفيقا يدل على اهتمامك بشأنهم، ويدخل السرور على نفوسهم، كأن تقول لهم مثلا-: ليس عندي اليوم ما أقدمه لكم، وإن يرزقني الله بشيء فسأجعل لكم نصيبا منه. قال القرطبي ما ملخصه: وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، أى لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض، وعائق يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله- تعالى- فتح باب الخير، لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أى لينا لطيفا.. ولقد أحسن من قال: إلّا تكن ورق يوما أجود بها ... للسائلين فإنى لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالى وإما حسن مردود «١» ثم أرشد- سبحانه- عباده إلى أفضل الطرق لإنفاق أموالهم والتصرف فيها، فقال- تعالى-: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. وقوله مَغْلُولَةً من الغل- بضم الغين- وأصله الطوق الذي يجعل في العنق وتربط به اليد، كما يربط المذنب والأسير: وهو كناية عن البخل والتقتير. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط. ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة. حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطى عطاء قط، ولا

стр. 3638

يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان للبخل والجود.. «١» . وقوله: مَحْسُوراً من الحسور بمعنى الانقطاع عن الشيء، والعجز عن الحصول عليه. يقال: فلان حسره السير، إذا أثر فيه أثرا بليغا جعله يعجز عن اللحاق برفقائه. ويقال: بعير محسور. أى: ذهبت قوته وأصابه الكلل والإعياء. فصار لا يستطيع النهوض بما يوضع عليه من أحمال. والمقصود من الآية الكريمة: الأمر بالتوسط والاعتدال في الإنفاق والنهى عن البخل والإسراف. فقد شبه- سبحانه- مال البخيل، بحال من يده مربوطة إلى عنقه ربطا محكما بالقيود والسلاسل، فصار لا يستطيع تحريكها أو التصرف بها. وشبه حال المسرف والمبذر، بحال من مد يده وبسطها بسطا كبيرا، بحيث أصبحت لا تمسك شيئا يوضع فيها سواء أكان قليلا أم كثيرا. والمعنى: كن- أيها الإنسان- متوسطا في كل أمورك، ومعتدلا في إنفاق أموالك بحيث لا تكون بخيلا ولا مسرفا، فان الإسراف والبخل يؤديان بك إلى أن تصير ملوما. أى: مذموما من الخلق والخالق، محسورا، أى: مغموما منقطعا عن الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع مالك، واحتياجك إلى غيرك. قال الآلوسى ما ملخصه: فالآية الكريمة تحض على التوسط، وذلك هو الجود الممدوح، فخير الأمور أوساطها. وأخرجه أحمد وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد» . وأخرجه البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» . وفي رواية عن أنس مرفوعا: «التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين» وكما يقال: حسن التدبير مع الكفاف، خير من الغنى مع الإسراف «٢» .

стр. 3639

ثم بين- سبحانه- أن مرجع الأمور كلها اليه، فهو المعطى وهو المانع، فقال- تعالى-: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. أى: إن ربك- أيها الإنسان- العاقل- يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء أن يبسطه له ويمسك الرزق ويضيقه ويقدره على من يشاء من خلقه. إذ كل شيء في هذا الكون يسير على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته، وهو- سبحانه- العليم ببواطن الناس وبظواهرهم، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، ولا يعطى أو يمنع، إلا لحكمة هو يعلمها. قال- تعالى-: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حضت على إيتاء ذوى القربى والمساكين وابن السبيل حقوقهم. وعلى الاعتدال في إنفاق المال، ونهت عن الشح والتبذير، وأسندت العطاء والمنع إلى الله- تعالى- الخبير البصير بالظواهر والبواطن. ثم يسوق- سبحانه- جملة من النواهي التي يؤدى الوقوع فيها إلى فساد أحوال الأفراد والجماعات، وإلى شيوع الفاحشة في الأمم، مما يؤدى إلى اضمحلالها وذهاب ريحها، فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣١ الى ٣٩] وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩)

стр. 3640

وقوله- سبحانه-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... نهى عن قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده- سبحانه-، يبسطها لمن يشاء، ويضيقها على من يشاء. والإملاق: الفقر. يقال: أملق الرجل إذا افتقر قال الشاعر:. وإنى على الإملاق يا قوم ماجد ... أعد لأضيافى الشواء المصهبا قال الآلوسى: وظاهر اللفظ النهى عن جميع أنواع قتل الأولاد، ذكورا كانوا أو إناثا مخافة الفقر والفاقة. لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن، فنهى في الآية عن ذلك، فيكون المراد بالأولاد البنات، وبالقتل الوأد.. «١» . أى: ولا تقتلوا- أيها الآباء- أولادكم خشية فقر متوقع، فنحن قد تكفلنا برزقهم ورزقكم، وأرزاق غيركم من مخلوقاتنا التي لا تحصى. قال- تعالى-: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ... ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم، فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر المتوقع في المستقبل، مع أن الله- تعالى- هو الرازق لهم ولكم في كل زمان ومكان.

стр. 3641

وقد ورد النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة، وورد في سورة الأنعام بصيغة أخرى، هي قوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وليست أحدهما تكرارا للأخرى وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. فهنا يقول- سبحانه-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ لأن النهى موجه بالأصالة إلى الموسرين الذين يقتلون أولادهم لا من أجل فقر كائن فيهم، وإنما من أجل فقر هم يتوهمون حصوله في المستقبل بسبب الأولاد، لذا قال- سبحانه- نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر، في زعم آبائهم- لكي يمتنع الآباء عن هذا التوقع ولكي يضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. وقال- سبحانه- هناك مِنْ إِمْلاقٍ لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء المعسرين: أى لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم- أيها الآباء-، فقد يجعل الله بعد عسر يسرا. ولذا قال- سبحانه-: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فجعل الرزق للآباء ابتداء. لكي يطمئنهم- سبحانه- على أنه هو الكفيل برزقهم وبرزق أولادهم. وفي كلتا الحالتين، القرآن الكريم ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس في نفوس الآباء الثقة بالله- تعالى- والاعتماد عليه. وجمله نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ تعليل للنهى عن قتل الأولاد، بإبطال موجبه- في زعمهم- وهو الفقر. أى: نحن نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أنتم معهم، وما دام الأمر كذلك فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء: وهي قتل الأولاد، لأن الأولاد، قطعة من أبيهم، والشأن- حتى في الحيوان الأعجم- أنه يضحى من أجل أولاده ويحميهم، ويتحمل الصعاب في سبيلهم. وقوله إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً تعليل آخر للنهى عن قتل الأولاد جيء به على سبيل التأكيد. والخطء: هو الإثم- وزنا ومعنى-، مصدر خطئ خطئا كأثم إثما من باب علم. أى: أن قتل الأولاد كان عند الله- تعالى- إثما كبيرا فاحشا، يؤدى إلى التعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة: والحق أن المجتمع الذي يبيح قتل الأولاد، خوفا من الفقر أو العار، لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية والتشاؤم والأوهام، لأن أفراده يظنون أن الله

стр. 3642

يخلق خلقا لا يدبر لهم رزقهم، ويعتدون على روح بريئة طاهرة، تخوفا من فقر أو عار مترقب، وذلك هو الضلال المبين. ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: إن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر، فهو سوء ظن بالله. وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعى في تخريب العالم. فالأول: ضد التعظيم لأمر الله- تعالى- والثاني: ضد الشفقة على خلقه، وكلاهما مذموم «١» . ولقد أمر النبي ﷺ برعاية الأبناء، وحذر من الاعتداء عليهم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أى؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أى؟ قال: أن تزنى بحليلة جارك «٢» . وبعد أن نهى- سبحانه- عن قتل الأولاد المؤدى إلى إفناء النسل، أتبع ذلك بالنهى عن فاحشة الزنا المؤدية إلى اختلاط الأنساب: فقال- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. والزنا: وطء المرأة بدون عقد شرعي يجيز للرجل وطأها. والفاحشة: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش الشيء، فحشا، كقبح قبحا- وزنا ومعنى-، ويقال أفحش الرجل، إذا أتى الفحش بضم الفاء وسكون الحاء-، وهو القبيح من القول أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقا على الزنا. وتعليق النهى بقربانها، للمبالغة في الزجر عنها، لأن قربانها قد يؤدى إلى الوقوع فيها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وهذا لون حكيم من ألوان إصلاح النفوس، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من الشيء، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى. فكأنه- سبحانه- يقول: كونوا- أيها المسلمون بعيدين عن كل المقدمات التي تفضى إلى فاحشة الزنا كمخالطة النساء، والخلوة بهن، والنظر إليهن ... فإن ذلك يفتح الطريق إلى الوقوع فيها.

стр. 3643

قال بعض العلماء: وكثيرا ما يتعلق النهى في القرآن بالقربان من الشيء، وضابطه بالاستقراء: أن كل منهى عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه، وتدفع إليه الأهواء، جاء النهى فيه عن القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل في النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ... وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ... أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها، ولا اقتضاء الشهوات لها، فإن الغالب فيها، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... وقوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... فهذه وإن كانت فواحش، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية، يميل إليها الإنسان بشهوته. بل هي في نظر العقل على المقابل من ذلك، يجد الإنسان في نفسه مرارة ارتكابها، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها، أو في حكم الكاره.. «١» . وقوله: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا تعليل للنهى عن الاقتراب منه، أى: ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته، لأنه كان- وما زال- في شرع الله، وفي نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله- تعالى- وسخطه. ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التي تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة في الأفراد والمجتمعات، وما وجدت في أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا. ولقد تحدث الإمام الرازي عن تلك المفاسد التي تترتب على الزنا فقال ما ملخصه: الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد، أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية، أهو منه أو من غيره ... وثانيا: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة، لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل.

стр. 3644

وثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا، استقذرها كل طبع سليم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة، ولا يتم السكن والازدواج.. ورابعها: أنه إذا فتح باب الزنا، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان، وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته.. وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا ... فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح «١» . ولقد سد الإسلام جميع المنافذ التي تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة، وسلك لذلك وسائل من أهمها: ١- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء إلا في حدود الضرورة الشرعية، ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» . وروى الشيخان- أيضا- عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو- بفتح الحاء وسكون الميم- وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال ﷺ : «الحمو الموت» «٢» . أى: دخوله قد يؤدى إلى الموت. ٢- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. ووجوب غض البصر. قال- تعالى-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... وقال- سبحانه-: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.. «٣» . وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام ... والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» «٤» .

стр. 3645

٣- وجوب التستر والاحتشام للمرأة فإن التبرج والسفور يغرى الرجال بالنساء، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ.. «١» . ٤- الحض على الزواج، وتيسير وسائله، والبعد عن التغالى في نفقاته، وتخفيف مؤنه وتكاليفه.. فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإنسان، ويجعله يقضى شهوته في الحلال.. فإذا لم يستطع الشاب الزواج، فعليه بالصوم فإنه له وقاية- كما جاء في الحديث الشريف-. ٥- إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء، كما قال- تعالى-: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» . وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى، أما بالنسبة للمحصن وهو المتزوج أو الذي سبق له الزواج، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قضى في زان لم يتزوج وزانية متزوجة، بقوله لوالد الرجل: «على ابنك مائة جلدة وتغريب عام» ثم قال ﷺ لأحد أصحابه واسمه أنيس: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها. ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله- تعالى- على الزناة، لمحقت هذه الفاحشة محقا، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه- لتركها خوفا من تلك العقوبة الرادعة، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد. هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة، ولو اتبعها المسلمون، لطهرت أمتهم من رجسها، ولحفظت في دينها ودنياها. ثم نهى- سبحانه- عن قتل النفس المعصومة الدم، بعد نهيه عن قتل الأولاد، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
следующие страницы →