← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وقد ورد النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة، وورد في سورة الأنعام بصيغة أخرى، هي قوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وليست أحدهما تكرارا للأخرى وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة. فهنا يقول- سبحانه-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ لأن النهى موجه بالأصالة إلى الموسرين الذين يقتلون أولادهم لا من أجل فقر كائن فيهم، وإنما من أجل فقر هم يتوهمون حصوله في المستقبل بسبب الأولاد، لذا قال- سبحانه- نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر، في زعم آبائهم- لكي يمتنع الآباء عن هذا التوقع ولكي يضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء. وقال- سبحانه- هناك مِنْ إِمْلاقٍ لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء المعسرين: أى لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم- أيها الآباء-، فقد يجعل الله بعد عسر يسرا. ولذا قال- سبحانه-: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فجعل الرزق للآباء ابتداء. لكي يطمئنهم- سبحانه- على أنه هو الكفيل برزقهم وبرزق أولادهم. وفي كلتا الحالتين، القرآن الكريم ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس في نفوس الآباء الثقة بالله- تعالى- والاعتماد عليه. وجمله نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ تعليل للنهى عن قتل الأولاد، بإبطال موجبه- في زعمهم- وهو الفقر. أى: نحن نرزقهم لا أنتم، ونرزقكم أنتم معهم، وما دام الأمر كذلك فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء: وهي قتل الأولاد، لأن الأولاد، قطعة من أبيهم، والشأن- حتى في الحيوان الأعجم- أنه يضحى من أجل أولاده ويحميهم، ويتحمل الصعاب في سبيلهم. وقوله إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً تعليل آخر للنهى عن قتل الأولاد جيء به على سبيل التأكيد. والخطء: هو الإثم- وزنا ومعنى-، مصدر خطئ خطئا كأثم إثما من باب علم. أى: أن قتل الأولاد كان عند الله- تعالى- إثما كبيرا فاحشا، يؤدى إلى التعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة: والحق أن المجتمع الذي يبيح قتل الأولاد، خوفا من الفقر أو العار، لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية والتشاؤم والأوهام، لأن أفراده يظنون أن الله

стр. 3642

يخلق خلقا لا يدبر لهم رزقهم، ويعتدون على روح بريئة طاهرة، تخوفا من فقر أو عار مترقب، وذلك هو الضلال المبين. ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: إن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر، فهو سوء ظن بالله. وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعى في تخريب العالم. فالأول: ضد التعظيم لأمر الله- تعالى- والثاني: ضد الشفقة على خلقه، وكلاهما مذموم «١» . ولقد أمر النبي ﷺ برعاية الأبناء، وحذر من الاعتداء عليهم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أى؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أى؟ قال: أن تزنى بحليلة جارك «٢» . وبعد أن نهى- سبحانه- عن قتل الأولاد المؤدى إلى إفناء النسل، أتبع ذلك بالنهى عن فاحشة الزنا المؤدية إلى اختلاط الأنساب: فقال- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. والزنا: وطء المرأة بدون عقد شرعي يجيز للرجل وطأها. والفاحشة: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش الشيء، فحشا، كقبح قبحا- وزنا ومعنى-، ويقال أفحش الرجل، إذا أتى الفحش بضم الفاء وسكون الحاء-، وهو القبيح من القول أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقا على الزنا. وتعليق النهى بقربانها، للمبالغة في الزجر عنها، لأن قربانها قد يؤدى إلى الوقوع فيها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وهذا لون حكيم من ألوان إصلاح النفوس، لأنه إذا حصل النهى عن القرب من الشيء، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى. فكأنه- سبحانه- يقول: كونوا- أيها المسلمون بعيدين عن كل المقدمات التي تفضى إلى فاحشة الزنا كمخالطة النساء، والخلوة بهن، والنظر إليهن ... فإن ذلك يفتح الطريق إلى الوقوع فيها.

стр. 3643

قال بعض العلماء: وكثيرا ما يتعلق النهى في القرآن بالقربان من الشيء، وضابطه بالاستقراء: أن كل منهى عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه، وتدفع إليه الأهواء، جاء النهى فيه عن القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل في النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ... وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ... أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها، ولا اقتضاء الشهوات لها، فإن الغالب فيها، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه. ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... وقوله- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... فهذه وإن كانت فواحش، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية، يميل إليها الإنسان بشهوته. بل هي في نظر العقل على المقابل من ذلك، يجد الإنسان في نفسه مرارة ارتكابها، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها، أو في حكم الكاره.. «١» . وقوله: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا تعليل للنهى عن الاقتراب منه، أى: ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته، لأنه كان- وما زال- في شرع الله، وفي نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله- تعالى- وسخطه. ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التي تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة في الأفراد والمجتمعات، وما وجدت في أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا. ولقد تحدث الإمام الرازي عن تلك المفاسد التي تترتب على الزنا فقال ما ملخصه: الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد، أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية، أهو منه أو من غيره ... وثانيا: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة، لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل.

стр. 3644

وثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا، استقذرها كل طبع سليم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة، ولا يتم السكن والازدواج.. ورابعها: أنه إذا فتح باب الزنا، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان، وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته.. وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا ... فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح «١» . ولقد سد الإسلام جميع المنافذ التي تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة، وسلك لذلك وسائل من أهمها: ١- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء إلا في حدود الضرورة الشرعية، ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» . وروى الشيخان- أيضا- عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو- بفتح الحاء وسكون الميم- وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال ﷺ : «الحمو الموت» «٢» . أى: دخوله قد يؤدى إلى الموت. ٢- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. ووجوب غض البصر. قال- تعالى-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... وقال- سبحانه-: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.. «٣» . وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام ... والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» «٤» .

стр. 3645

٣- وجوب التستر والاحتشام للمرأة فإن التبرج والسفور يغرى الرجال بالنساء، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ.. «١» . ٤- الحض على الزواج، وتيسير وسائله، والبعد عن التغالى في نفقاته، وتخفيف مؤنه وتكاليفه.. فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإنسان، ويجعله يقضى شهوته في الحلال.. فإذا لم يستطع الشاب الزواج، فعليه بالصوم فإنه له وقاية- كما جاء في الحديث الشريف-. ٥- إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء، كما قال- تعالى-: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» . وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى، أما بالنسبة للمحصن وهو المتزوج أو الذي سبق له الزواج، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قضى في زان لم يتزوج وزانية متزوجة، بقوله لوالد الرجل: «على ابنك مائة جلدة وتغريب عام» ثم قال ﷺ لأحد أصحابه واسمه أنيس: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها. ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله- تعالى- على الزناة، لمحقت هذه الفاحشة محقا، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه- لتركها خوفا من تلك العقوبة الرادعة، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد. هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة، ولو اتبعها المسلمون، لطهرت أمتهم من رجسها، ولحفظت في دينها ودنياها. ثم نهى- سبحانه- عن قتل النفس المعصومة الدم، بعد نهيه عن قتل الأولاد، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال- تعالى-: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.

стр. 3646

أى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، إلا بالحق الذي يبيح قتلها شرعا، كردة، أو قصاص، أو زنا يوجب الرجم. قال الإمام ابن كثير: يقول- تعالى- ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين- عن عبد الله بن مسعود- أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . وفي السنن: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم «١» » . وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق بلا تقتلوا، والباء للسببية، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى: لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا في حال ارتكابها لما يوجب قتلها. وذلك: لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء بناه الله- تعالى- فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق. وبهذا يقرر الإسلام عصمة الدم الإنسانى، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا. قال- تعالى-: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً.. «٢» . وقوله- سبحانه-: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل عند المطالبة بحقه. والمراد بوليه: من يلي أمر المقتول، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من أقاربه الذين لهم الحق في المطالبة بدمه. فإن لم يكن للمقتول ولى، فالحاكم وليه. والمراد بالسلطان: القوة التي منحتها شريعة الله- تعالى- لولى المقتول على القاتل، حيث جعلت من حق هذا الولي المطالبة بالقصاص من القاتل، أو أخذ الدية منه، أو العفو عنه، ولا يستطيع أحد أن ينازعه في هذا الحق، أو أن يجبره على التنازل عنه. والمعنى: ومن قتل مظلوما، أى: بدون سبب يوجب قتله، فإن دمه لم يذهب هدرا، فقد شرعنا «لوليه سلطانا» على القاتل، لأنه- أى الولي- إن شاء طالب بالقصاص منه، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه. وبذلك يصير الولي هو صاحب الكلمة الأولى في

стр. 3647

التصرف في القاتل، حتى لكأنه مملوك له. وما دامت شريعة الله- تعالى- قد أعطت الولي هذا السلطان على القاتل، فعليه أن لا يسرف في القتل، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله- تعالى-. ومن مظاهر هذا التجاوز: أن يقتل اثنين- مثلا- في مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير القاتل، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله. قال الآلوسى ما ملخصه: كان من عادتهم في الجاهلية، أنهم إذا قتل منهم واحد، قتلوا قاتله، وقتلوا معه غيره ... وأخرج البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أنه قال: إن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا، لم يقتلوه به، وقتلوا شريفا من قومه، فنهوا عن ذلك، كما نهوا عن المثلة بالقاتل. وقرأ حمزة والكسائي: «فلا تسرف» بالخطاب للولي على سبيل الالتفات «١» . وقوله: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإسراف في القتل. والضمير يعود إلى الولي- أيضا-. أى: فلا يسرف هذا الولي في القتل، لأن الله- تعالى- قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم، من مظاهره: المطالبة بالقصاص من القاتل، أو بأخذ الدية، ومن مظاهره- أيضا- وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل، دون أن ينازعه منازع في هذا الحق. ومنهم من يرى أن الضمير في قوله إِنَّهُ يعود إلى المقتول ظلما، على معنى: أن الله- تعالى- قد نصره في الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا يضيع دمه، ونصره في الآخرة بالثواب الذي يستحقه، وما دام الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف في القتل. ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب. لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة. قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك: وأشبه ذلك بالصواب عندي، قول من قال: عنى بها- أى بالهاء في إنه- الولي، وعليه عادت، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول، وهو المنصور- أيضا- لأن الله- جل ثناؤه- قضى في كتابه المنزل، أن سلطه على قاتل وليه، وحكمه فيه، بأن جعل إليه قتله إن شاء،

стр. 3648

واستبقاءه على الدية إن أحب، والعفو عنه إن رأى. وكفى بذلك نصرة له من الله- تعالى-، فلذلك هو المعنى بالهاء التي في قوله إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً «١» . والمتأمل في هذه الآية الكريمة التي هي أول آية نزلت في شأن القتل كما قال الضحاك «٢» : يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما. فهي أولا: تنهى عن القتل، لأنه من أكبر الكبائر التي تؤدى إلى غضب الله- تعالى- وسخطه، قال- تعالى-: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً «٣» . وجاء النهى عنه في بعض الآيات بعد النهى عن الإشراك بالله- . قال- سبحانه-: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.. «٤» . كما جاء النهى عنه في كثير من الأحاديث النبوية، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» . وفي حديث آخر يقول ﷺ : «الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب» . وفي حديث ثالث: «لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار» . وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه: أنه يؤدى إلى شيوع الغل والبغض والتقاتل ... بين الأفراد والجماعات إذ النفس البشرية في كل زمان ومكان، يؤلمها، ويثير غضبها وانتقامها، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على الأرض.. وهي ثانيا: تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة، ما يهدئ نفسه، ويقلل من غضبه، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة. وقد أجاد صاحب الظلال- ﵀ في توضيح هذا المعنى فقال: «وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم

стр. 3649

لنصرته، تلبية للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي، الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا، في حمى الغضب والانفعال على غير هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل. وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ، ونفسه تسكن، ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ. والإنسان إنسان، فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص. لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا. إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره، ويجبب فيه، ويأجر عليه، ولكن بعد أن يعطى الحق. فلولى الدم أن يقتص أو يصفح. وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما، قد يجنح به إلى الصفح والتسامح، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه، ويدفع به إلى الغلو والجموح «١» . هذا، والذي نعتقده وندين الله- تعالى- عليه، أنه لا علاج لجريمة القتل- وغيرها- إلا بتطبيق شريعة الله- تعالى- التي جمعت بين الرحمة والعدل. وبالرحمة والعدل: تتلاقى القلوب بعد التفرق، وتلتئم بعد التصدع، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. وبعد أن نهى- سبحانه- عن إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا، أتبع ذلك بالنهى عن إتلاف الأموال التي هي قوام الحياة، وبدأ- سبحانه- بالنهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ثم ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان عند التعامل، فقال- تعالى-: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. واليتيم: هو الصغير الذي مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة. والخطاب في قوله: وَلا تَقْرَبُوا ... لأولياء اليتيم، والأوصياء على ماله. والأشد: قوة الإنسان، واشتعال حرارته، ومن الشدة بمعنى القوة. يقال: شد النهار إذا ارتفع واكتمل، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. أو هو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع شدة كأنعم ونعمة.

стр. 3650

أى: ولا تقربوا- أيها الأولياء على اليتيم- ماله الذي منحه الله إياه عن طريق الميراث أو غيره، إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق، والتي من شأنها أن تنفعه، كالمحافظة عليه، واستثماره له، وإنفاقه في الوجوه المشروعة. واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو في ماله لا يقع في تلك الدائرة- دائرة الأنفع والأحسن- فهو تصرف محظور ومنهى عنه، وسيحاسبكم الله- تعالى- عليه. وتعليق النهى بالقربان، للمبالغة في الزجر عن التصرف في مال اليتيم، إلا بالطريقة التي هي أحسن. وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ليس غاية للنهى، إذ ليس المعنى: فإذا بلغ أشده فاقربوه، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولي لمال اليتيم بعد بلوغه، وإنما هو غاية لما يفهم من النهى، فيكون المعنى: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده، أى: حتى يصير بالغا عاقلا رشيدا، فإذا ما صار كذلك، فسلموا إليه ماله بأمانة واستعفاف عن التطلع إلى شيء منه. هذا، وقد أمرت شريعة الإسلام، بحسن رعاية اليتيم، وبالمحافظة على حقوقه، ونهت عن الإساءة إليه، بأى لون من ألوان الإساءة. قال- تعالى-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ.. «١» . وقال- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً، إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «٢» . وقال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن سهل بن سعد رضى الله عنه: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى «٣» . وروى الشيخان عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .

стр. 3651

ومن الحكم التي من أجلها أمر الإسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه، أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى، والعائل والنصير منذ صغره.. فإذا نشأ في بيئة ترعاه وتكرمه.. شب محبا لمن حوله، وللمجتمع الذي يعيش فيه. وإذا نشأ في بيئة تقهره وتذله وتظلمه.. نظر إلى من حوله، وإلى المجتمع الذي يعيش فيه، نظرة العدو إلى عدوه.. وكأنه يقول لنفسه: إذا كان الناس لم يحسنوا إلى في صغرى وفي حالة ضعفى، فلماذا أحسن إليهم في حال كبرى وقوتي!! وإذا كانوا قد حرموني حقي الذي منحه الله لي فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى!!. هذه بعض الأسباب التي من أجلها أمر الإسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه، وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم. وبعد أن نهى- سبحانه- عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، أمر بالوفاء بالعهود فقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا. والعهد: ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كالوصية واليمين. وعهد الله: أوامره ونواهيه وعهد الناس: ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما تقتضيه شئون حياتهم. أى: وأوفوا بالعهود التي بينكم وبين الله- تعالى-، والتي بينكم وبين الناس، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة، وأن تقوموا بما تقتضيه من حقوق شرعية. وقوله إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا تعليل لوجوب الوفاء بالعهد. أى: كونوا أوفياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا عنه، أمام الله- تعالى- وأمام الناس، فالكلام على حذف مضاف كما في قوله- سبحانه- وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. وقال- سبحانه-: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ ... بالإظهار دون الإضمار للإشعار بكمال العناية بشأن الوفاء بالعهود. ويجوز أن يكون المعنى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا، أى: كان مطلوبا بالوفاء به وقد مدح الله- تعالى- الذين يوفون بعهودهم في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ «١» . وقوله- تعالى-: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ

стр. 3652

وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «١» . وبعد أن أمر- سبحانه- بالوفاء بصفة عامة، أتبع ذلك بالوفاء في شئون البيع والشراء، فقال- تعالى-: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. والقسطاس: الميزان الذي يوزن به في حالتي البيع والشراء. قال صاحب الكشاف: قرئ «بالقسطاس» بكسر القاف وضمها.. قيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها «٢» . وقال الآلوسى ما ملخصه: وهذا اللفظ رومي معرب.. وقيل: عربي.. وعلى القول بأنه رومي معرب- وهو الصحيح- لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام، يصير عربيا، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه.. «٣» . وقوله: تَأْوِيلًا من الأول- بفتح الهمزة وسكون الواو- بمعنى الرجوع. يقال: آل هذا الأمر إلى كذا، إذا رجع إليه. والمعنى: وأتموا أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيركم عند بيعكم لهم ما تريدون بيعه، وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ما تريدون وزنه لهم. وقيد- سبحانه- الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان في حالة البيع، لأنها الحالة التي يكون فيها التطفيف في العادة، إذ أن البائع هو الذي غالبا ما يطفف للمشتري في المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا. قال- تعالى-: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أى: ذلك الذي أمرناكم به. من وجوب إتمام المكيال والميزان عند التعامل، خير لكم في الدنيا، لأنه يرغب الناس في التعامل معكم، أما في الآخرة فهو أحسن عاقبة ومآلا، لما يترتب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله- . ثم ختم- سبحانه- تلك التوجيهات السامية السديدة، بالنهى عن تتبع مالا علم للإنسان به، وعن الفخر والتكبر والخيلاء.. فقال- تعالى-:

стр. 3653

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ. وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ. فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً. قال القرطبي- ﵀ ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أى: ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك- من قول أو فعل- قال قتادة: لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم.. ثم قال: وأصل القفو البهت، والقذف بالباطل. ومنه قوله- ﵊: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمّنا، ولا ننتفى من أبينا» أى: لا نسبّ أمنا. وقال: قفوته أقفوه ... إذا اتبعت أثره. وقافية كل شيء آخره، ومنه اسم النبي ﷺ : المقفّى، لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام-، ومنه القائف، وهو الذي يتبع الأثر.. «١» . وقال صاحب الكشاف- ﵀: قوله: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: يعنى، ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد: النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم. ويدخل فيه النهى عن التقليد الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده.. «٢» . وقوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا تحذير شديد من أن يقول الإنسان قولا لا علم له به، أو أن يفعل فعلا بدون تحقق، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل. أى: إن السمع الذي تسمع به- أيها المكلف-، والبصر الذي تبصر به، والفؤاد- أى القلب- الذي تحيا به، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا عن أفعالها يوم القيامة، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ: لماذا سمعت ما لا يحل لك سماعه، ونظرت إلى ما لا يجوز لك النظر إليه، وسعيت إلى ما لا يصح لك أن تسعى إليه!!.

стр. 3654

وعلى هذا التفسير يكون السؤال في قوله- تعالى-: كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا للإنسان الذي تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل. ومن الآيات التي تشهد لهذا التفسير قوله- تعالى-: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «١» . ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء، لتنطق بما اجترحه صاحبها، ولتكون شاهدة عليه، فيكون المعنى:. إن السمع والبصر والفؤاد، كل واحد من أولئك الأعضاء، كان مسئولا عن فعله، بأن يقال له: هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أولا؟. ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها، كما قال- تعالى-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» . وكما قال- سبحانه-: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» . واسم الإشارة أُولئِكَ على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء، كما في قول الشاعر: ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء، لأنها جزء منهم، وشاهدة عليهم. وعلى كلا التفسيرين أيضا، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ليس له به علم. قال الجمل: وقوله- تعالى-: كُلُّ أُولئِكَ مبتدأ، خبره جملة كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا، والضمير في «كان» وفي «عنه» وفي «مسئولا» يعود على كل. أى: كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعنى عما فعل به صاحبه: ويجوز أن يكون الضمير في: «عنه» لصاحب السمع والبصر والفؤاد.. «٤» .

стр. 3655

وشبيه بهذه الآية في النهى عن اتباع ما لا علم للإنسان به. قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «٢» . قال الإمام ابن كثير: ومضمون ما ذكروه- في معنى قوله- تعالى-: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.. أن الله- تعالى- نهى عن القول بلا علم، كما قال- سبحانه-: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.. وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ... » وفي سنن أبى داود: «بئس مطية الرجل زعموا» وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفري- أى أكذب الكذب- أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا» «٣» . وقال بعض العلماء: وهذه الكلمات القليلة- التي اشتملت عليها الآية- تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا، ويضيف إليه استقامة القلب، ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة!. فالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق.. فلا يقول اللسان كلمة، ولا ينقل رواية، ولا يروى حادثة، ولا يحكم العقل حكما، ولا يبرم الإنسان أمرا. إلا وقد تثبت من كل جزئية، ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها.. «٤» . ثم ينتقل القرآن الكريم من النهى عن أن يتبع الإنسان ما لا علم له به، إلى النهى عن التفاخر والتكبر والإعجاب في النفس فيقول: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.... والمرح في الأصل: شدة الفرح، والتوسع فيه، مع الخيلاء والتعالي على الناس، يقال: مرح- بزنة فرح- يمرح مرحا، إذا اشتد فرحه ومشى مشية المتكبرين. وهو مصدر وقع موقع الحال.

стр. 3656

أى: ولا تمش- أيها الإنسان- في الأرض مشية الفخور المتكبر المختال بل كن متواضعا متأدبا بأدب الإسلام في سلوكك. وتقييد النهى بقوله «في الأرض» للتذكير بالمبدأ والمعاد، المانعين من الكبر والخيلاء، إذ من الأرض خلق وإليها يعود، ومن كان كذلك كان جديرا به أن يتواضع لا أن يتكبر. قال- تعالى-: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ، وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا تعليل للنهى عن التفاخر مع السخرية والتهكم من المتفاخر المغرور. أى: إنك- أيها الماشي في الأرض مرحا- لن تخرق الأرض بوطئك عليها، أو بمشيك فوقها، ولن تبلغ- مهما ارتفعت قامتك- الجبال في الطول والعلو. ومادام شأنك كذلك، فكن متواضعا، فمن تواضع لله- تعالى- رفعه. وقوله «طولا» تمييز محول عن الفاعل. أى: لن يبلغ طولك الجبال. وشبيه بهذه الآية في النهى عن التعالي والتطاول، قوله- تعالى-: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «٢» . وقد أمر النبي ﷺ بالتواضع، ونهى عن التكبر والغرور، وبين سوء عاقبة ذلك في أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله- تعالى- أوحى إلى أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغى أحد على أحد» «٣» . وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» «٤» . وروى الترمذي عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الرجل يذهب بنفسه- أى يرتفع ويتكبر- حتى يكتب في الجبارين- فيصيبه ما أصابهم» «٥» . ورحم الله القائل: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم همو منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم همو منك أمنع

стр. 3657

ثم ختم- سبحانه- تلك التكاليف التي يغلب عليها طابع النهى عن الرذائل بقوله: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما تقدم ذكره من التكاليف والأوامر والنواهي. التي لا يتطرق إليها النسخ، والتي تبلغ خمسة وعشرين تكليفا، تبدأ بقوله- تعالى-: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ثم يأتى بعد ذلك النهى عن عقوق الوالدين، والأمر بصلة الأرحام، وبالعطف على المسكين وابن السبيل، ثم النهى عن البخل، والإسراف، وقتل الأولاد، والاقتراب من الزنا، وقتل النفس إلا بالحق، والاعتداء على مال اليتيم.. إلخ. والضمير في سَيِّئُهُ يعود إلى ما نهى الله عنه من أفعال، كالشرك، وعقوق الوالدين، والزنا. أى: كل ذلك الذي بيناه لك فيما سبق، كان الفعل السيئ منه، عند ربك مكروها، أى: مبغوضا عنده- سبحانه- وأما الفعل الحسن كالوفاء بالعهد، وإعطاء ذي القربى حقه، فهو محمود عند ربك- . قال الآلوسى: ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر- كالشرك والزنا ... - للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده- تعالى- كافية في وجوب الكف عن ذلك. وتوجيه الإشارة إلى الكل، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء، لما قيل: من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة، بل على وجه الاختلاط لنكتة اقتضته، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده- سبحانه-. وإنما لم يصرح بذلك، إيذانا بالغنى عنه، أو اهتماما بشأن التنفير من النواهي.. «١» . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ بالتاء والتنوين. وعلى هذه القراءة يكون اسم الإشارة، يعود إلى المنهيات السابقة فقط، ويكون المعنى: كل ذلك الذي نهيناك عنه في الآيات السابقة، من الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واتباع ما ليس لك به علم.. كان اقترافه سيئة من السيئات المبغوضة عند ربك، المحرمة في شرعه، المعاقب مرتكبها. ثم ختم- سبحانه- تلك الأحكام المحكمة، والتكاليف السامية، بقوله: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً.

стр. 3658

أى: ذلك الذي أمرناك به، ونهيناك عنه- أيها الرسول الكريم- بعض ما أوحاه الله- تعالى- عليك «من الحكمة» التي هي علم الشرائع ومعرفة الحق، والعمل به، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم، مع الله- تعالى- إلها آخر- أيها المخاطب- فتلقى وتطرح في جهنم، ملوما من نفسك ومن غيرك، مدحورا أى: مبعدا من رحمة الله- تعالى- قال صاحب الكشاف: ولقد جعل الله- تعالى- فاتحتها- أى تلك الآيات المشتملة على تلك الأوامر والنواهي- وخاتمتها، النهى عن الشرك، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذّفيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم «١» . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة التي اشتملت على بضع وعشرين تكليفا، والتي ابتدأت بقوله- تعالى- لا تجعل مع الله إلها آخر ... وانتهت بقوله- سبحانه-: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ.. قد ربطت قواعد السلوك والآداب: والتكاليف الفردية والاجتماعية، بإخلاص العبادة لله- تعالى- لأن هذا الإخلاص لله- تعالى- في العقيدة والعبادة والقول والعمل.. هو رأس كل حكمة وملاكها. كما قال صاحب الكشاف- ﵀. وبعد أن ذكر- سبحانه- ما ذكر من الأوامر والنواهي في الآيات السابقة، التي بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك بالله- تعالى- أتبع ذلك بإقامة الأدلة على استحالة أن يكون له شريك أو ولد، بل كل من في السموات ومن الأرض، خاضع لسلطانه، وما من شيء إلا ويسبح بحمده، فقال- تعالى-. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٠ الى ٤٤] أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)

стр. 3659

والخطاب في قوله- تعالى-: أَفَأَصْفاكُمْ.. للكافرين الذين قالوا، الملائكة بنات الله. والإصفاء بالشيء: جعله خالصا. يقال: أصفى فلان فلانا بالشيء، إذا آثره به. ويقال للأشياء التي يختص السلطان بها نفسه: الصوافي. وفعله: صفا يصفو، وتضمن هنا معنى التخصيص. والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتهكم. والمعنى- كما يقول صاحب الكشاف- أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد، وهم الذكور، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه، واتخذ أدونهم، وهن البنات، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدوهن وتقتلونهن!! فهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم. فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردؤها وأدونها للسادات «١» . والمقصود من الجملة الكريمة نفى ما زعموه من أن الملائكة بنات الله بأبلغ وجه، أى: لم يخصكم ربكم بالبنين، ولم يتخذ من الملائكة إناثا، لأنه- سبحانه- تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه. قال- تعالى-: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ «٢» . وقال- تعالى-: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «٣» . وقوله- سبحانه-: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً تسفيه لأقوالهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة وعقولهم السقيمة.

стр. 3660

أى: إنكم بنسبتكم البنات إلى الله- تعالى-، لتقولون قولا عظيما في قبحه وشناعته، وفي استهجان العقول السليمة له، وفيما يترتب عليه من عقوبات أليمة من الله- تعالى- لكم. قال- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً «١» . ثم بين- سبحانه- أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ قد اشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا، وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً. وقوله- تعالى-: صَرَّفْنا من التصريف وهو في الأصل صرف الشيء من حالة إلى أخرى، ومن جهة إلى أخرى. والمراد به هنا: بينا، وكررنا، ومفعوله محذوف للعلم به. والمعنى: ولقد بينا وكررنا في هذا القرآن أنواعا من الوعد والوعيد، والقصص، والأمثال، والمواعظ والأخبار، والآداب والتشريعات، ليتذكر هؤلاء الضالون ويتعظوا ويعتبروا، ويوقنوا بأنه من عند الله- تعالى- فيهديهم ذلك إلى اتباع الحق، والسير في الطريق القويم. وقوله- تعالى-: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً تصوير بديع لإصرارهم على كفرهم وعنادهم، وإيثارهم الغي على الرشد. والنفور: التباعد والإعراض عن الشيء. يقال: نفرت الدابة تنفر- بكسر الفاء وضمها- نفورا، إذا جزعت وتباعدت وشردت. أى: وما يزيدهم هذا البيان والتكرار الذي اشتمل عليه القرآن الكريم، إلا تباعدا عن الحق، وإعراضا عنه، وعكوفا على باطلهم، بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم للرسول ﷺ على ما آتاه الله من فضله.

стр. 3661

وكان بعض الصالحين إذا قرأ هذه الآية قال: زادني لك خضوعا، ما زاد أعداءك نفورا. ثم أمر الله- تعالى- رسول الله ﷺ أن يوبخهم على شركهم، وأن يسوق لهم الدليل الواضح على فساد عقولهم، فقال- تعالى-: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ، إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. وقد قرأ جمهور القراء «كما تقولون» وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «كما يقولون» . وللمفسرين في تفسير هذه الآية اتجاهان، أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه أن المعنى. قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين، لو كان مع الله- تعالى- آلهة أخرى- كما يزعمون- إذا لطلبوا إلى ذي العرش- وهو الله طريقا وسبيلا لتوصلهم إليه، لكي ينازعوه في ملكه، ويقاسموه إياه، كما هي عادة الشركاء، وكما هو ديدن الرؤساء والملوك فيما بينهم. قال- تعالى-: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ «١» . وقال سبحانه-: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ «٢» . وهذا الاتجاه قد صدر به صاحب الكشاف كلامه فقال ما ملخصه: قوله إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا جواب عن مقالة المشركين وجزاء للو. أى: إذا لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالية، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض.. «٣» . وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أن المعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين، لو كان مع الله- تعالى- آلهة أخرى- كما يزعمون-، إذا لابتغوا- أى الآلهة المزعومة- إلى ذي العرش سبيلا وطريقا ليقتربوا إليه، ويعترفوا بفضله، ويخلصوا له العبادة، كما قال- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخافُونَ عَذابَهُ، إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً «٤» .

стр. 3662

وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه في تفسيره للآية فقال: يقول- تعالى-: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه، لو كان الأمر كما تقولون، من أن معه آلهة تعبد.. لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه يبتغون إليه الوسيلة والقربة. «١» . ومع وجاهة الرأيين، إلا أن الرأى الأول أظهر، لأن في الآية فرض المحال، وهو وجود الآلهة مع الله- تعالى-، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه- سبحانه-، بل الذي يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة، ولأن هذا الرأى يناسبه- أيضا- قوله- تعالى- بعد ذلك: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً. أى: تنزه الله- تعالى- عما يقوله المشركون في شأنه وتباعد، وعلا علوا كبيرا، فإنه- جل شأنه- لا ولد له، فلا شريك له ... قال- تعالى-: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. والتعبير بقوله- سبحانه-: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة، وأنها دون عرشه- تعالى- وتحته، وليست معه.. ثم بين- سبحانه- أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال- تعالى-: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ، وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. والتسبيح: مأخوذ من السبح، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء، ومن كل ما لا يليق به- سبحانه-. أى تنزه الله- تعالى- وتمجده السموات السبع، والأرض، ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك، وما من شيء من مخلوقاته التي لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه- تعالى-، ولكن أنتم يا بنى آدم «لا تفقهون تسبيحهم» لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم، وفوق مستوى فهمكم، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو خالقهم ، وصدق- سبحانه- إذ يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. والمتدبر في هذه الآية الكريمة، يراها تبعث في النفوس الخشية والرهبة من الخالق- ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد، وكل حيوان، وكل طير، وكل حشرة..

стр. 3663

بل كل كائن في هذا الوجود يسبح بحمده- تعالى-. وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله، وإخلاص العبادة له، ومداومة ذكره ... حتى لا يكون- وهو الذي كرمه ربه وفضله- أقل من غيره طاعة لله- تعالى-. وقوله: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً تذييل قصد به بيان فضل الله- تعالى- ورحمته بعباده مع تقصيرهم في تسبيحه وذكره. أى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً لا يعاجل المقصر بالعقوبة، بل يمهله لعله يرعوى وينزجر عن تقصيره ومعصيته، غَفُوراً لمن تاب وآمن وعمل صالحا واهتدى إلى صراطه المستقيم. هذا، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه الكائنات بلسان الحال. قال بعض العلماء تسبيح هذه الكائنات لله- تعالى- هو دلالتها- بإمكانها وحدوثها، وتغير شئونها، وبديع صنعها- على وجود مبدعها، ووحدته وقدرته، وتنزهه عن لوازم الإمكان والحدوث، كما يدل الأثر على المؤثر. فهي دلالة بلسان الحال، لا يفقهها إلا ذوو البصائر. أما الكافرون فلا يفقهون هذا التسبيح، لفرط جهلهم وانطماس بصيرتهم.. «١» . ومنهم من يرى أن تسبيحها بلسان المقال، أى أن التسبيح بمعناه الحقيقي، فالكل يسبح بحمد الله، ولكن بلغته الخاصة التي لا يفهمها الناس. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أى: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ أى: لا تفقهون تسبيحهم- أيها الناس- لأنها بخلاف لغتكم وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد. وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري وغيره، عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبى ذر: أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل. وكذا في يد أبى بكر وعمر وعثمان- رضى الله عنهم- وهو حديث مشهور في المسانيد ... ثم قال ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول سورة الحج- وهو قوله- تعالى-:

стр. 3664

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.. «١» . وقال القرطبي: قوله- تعالى-: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل، لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله وَمَنْ فِيهِنَّ يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عمم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. واختلف في هذا العموم هل هو مخصص أولا. فقالت فرقة: ليس مخصوصا، والمراد به تسبيح الدلالة، كل محدث يشهد على نفسه بأن الله- خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر: ولا يفقهونه، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصفة والدلالة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه.. ويستدل لهذا القول من الكتاب بقوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ... وقوله- تعالى-: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ. ثم قال: فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة، فأى تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال، بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء فالقول به أولى «٢» . والذي تطمئن إليه النفس أن التسبيح حقيقى وبلسان المقال، لأن هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، ولأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤيد ذلك. وبعد أن أقام- سبحانه- الأدلة على وحدانيته، وأثبت أن كل شيء يسبح بحمده، أتبع ذلك ببيان أحوال المشركين عند سماعهم للقرآن الكريم، وببيان ما جعله الله- تعالى- على حواسهم بسبب جحودهم وعنادهم، فقال- تعالى-:

стр. 3665

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٨] وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) والخطاب في قوله- تعالى-: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ... للرسول ﷺ وقوله حِجاباً من الحجب بمعنى المنع. قال صاحب المصباح: حجبه حجبا- من باب قتل-: منعه. ومنه قيل للستر: حجاب لأنه يمنع المشاهدة. وقيل للبواب: حاجب، لأنه يمنع من الدخول. والأصل في الحجاب: جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني فقيل: العجز حاجب، أى: بين الإنسان ومراده.. «١» . وقوله مَسْتُوراً ساترا، فهو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل. كميمون بمعنى يامن. ومشئوم بمعنى شائم. واختار بعضهم أن مستورا على معناه الظاهر، من كونه اسم مفعول، لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه، أو مستورا به القارئ فلا يراه غيره، ويجوز أن يكون مستورا، أى: ذا ستر فهو للنسب كمكان مهول: ذو هول.. وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال، أشهرها قولان: أولهما يرى أصحابه، أن المراد بالحجاب المستور: ما حجب الله به قلوب هؤلاء الكافرين

стр. 3666

عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم. فهو حجاب معنوي خفى، حال بينهم وبين الانتفاع بالقرآن. فهم يستمعون إليه، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به، فكان استماعهم له كعدمه، وعاقبهم الله على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه. والمعنى: وإذا قرأت- أيها الرسول الكريم- القرآن الهادي إلى الطريق التي هي أقوم، جعلنا- بقدرتنا، ومشيئتنا-، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته، وساترا بينك وبينهم، بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول انتفاع وهداية. ويشهد لهذا المعنى قوله- تعالى-: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ «١» . ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول، فلم يذكروا غيره، الإمام البيضاوي، فقد قال- ﵀: قوله: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم مَسْتُوراً ذا ستر: كقوله- تعالى-: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أى مستورا عن الحس.. «٢» . أما القول الثاني فيرى أصحابه: أن المراد بالحجاب المستور، أن الله- تعالى- يحجب نبيه ﷺ عن أعين المشركين، بحيث لا يرونه في أوقات معينة، لحكم منها: النجاة من شرورهم. فيكون المعنى: وإذا قرأت القرآن- أيها الرسول الكريم- جعلنا بينك وبين هؤلاء الكافرين، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك، عند ما تكون المصلحة في ذلك. وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر- أى حجر- وهي تقول: مذمّما أتينا، وأمره عصينا، ودينه قلينا ورسول الله ﷺ جالس، وأبو بكر إلى جنبه. فقال أبو بكر: يا رسول الله، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك، فقال ﷺ : «إنها

стр. 3667

لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به منها، ومما قرأه-: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. فجاءت حتى قامت على أبى بكر، فلم تر النبي ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجانى: فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك. فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أنى بنت سيدها «١» . ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول، الإمام القرطبي، فقد قال بعد أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبى بكر- رضى الله عنهما-: وقال سعيد بن جبير: لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر، فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذيّة. فقال ﷺ : «إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره. فقالت لأبى بكر: يا أبا بكر هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما رأتك؟. قال: لا. ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت. ثم قال القرطبي: وقيل: الحجاب المستور، طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه: ولا يدركوا ما فيه من الحكمة. قاله قتادة. وقال الحسن: أى أنهم لإعراضهم عن قراءتك، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيتهم لك، حتى كأن على قلوبهم أغطية ... ثم قال: والقول الأول أظهر في الآية «٢» . ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح في ذاته، وأن كل واحد منهما يحكى حالات معينة، ويشهد لذلك ما نقله الجمل في حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال- ﵀. قوله: حِجاباً مَسْتُوراً، أى: ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم، كان يحجب بصره عن رؤية النبي ﷺ إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن: وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معاني القرآن.. وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن.. «٣» . وقوله- تعالى-: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ

стр. 3668

فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً يؤكد أن المشركين كانوا طوائف متعددة بالنسبة لموقفهم من القرآن الكريم، ومن النبي ﷺ . أى: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ أى: أغطية تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم، وفهمه فهما سليما. وجعلنا- أيضا-: فِي آذانِهِمْ وَقْراً أى: صمما وثقلا عظيما يمنعهم من سماعه سماعا ينفعهم. وقوله: - سبحانه-: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة. أى: وإذا ذكرت أيها الرسول الكريم- ربك في القرآن وحده، دون أن تذكر معه آلهتهم المزعومة انفضوا من حولك ورجعوا على أعقابهم نافرين شاردين كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ. وبذلك ترى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ تصوير، لتزيد في فضيحتهم وجهلهم، ولتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. ثم ساق- سبحانه- ما يدل على كمال علمه. وأنه- تعالى- سيجازى هؤلاء الكافرين بما يستحقون من عقاب، فقال- : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ. إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً. والباء في قوله- سبحانه-: بِما يَسْتَمِعُونَ متعلقة بأعلم، ومفعول يَسْتَمِعُونَ محذوف، تقديره، القرآن. قال الآلوسى: قوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ أى: متلبسين به من اللغو والاستخفاف، والاستهزاء بك وبالقرآن. يروى أنه ﷺ كان يقوم عن يمينه رجلان من بنى عبد الدار، وعن يساره رجلان منهم، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار- إذا قرأ القرآن-. ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام. أى: نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء، وهم متعلقة بيستمعون.. وأفعل التفضيل في العلم والجهل يتعدى بالباء، وفي سوى ذلك يتعدى باللام، فيقال: هو أكسى للفقراء، والمراد من كونه- سبحانه- أعلم بذلك: الوعيد لهم.. «١» .

стр. 3669

وإذ في قوله إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى ظرف لأعلم. ولفظ نَجْوى مصدر بمعنى التناجي والمسارة في الحديث. وقد جعلوا عين النجوى على سبيل المبالغة، كما في قولهم: قوم عدل. ويجوز أن يكون جمع نجىّ، كقتلى جمع قتيل أى: وإذ هم متناجون في أمرك. والمعنى: نحن- أيها الرسول الكريم- على علم تام بأحوال المشركين عند استماعهم للقرآن الكريم. حين تتلوه عليهم، وبالطريقة التي يستمعون بها وبالغرض الذي من أجله يستمعون إليك. وعلى علم تام بأحوالهم حين يستمعون إليك فرادى: وحين يستمعون إليك ثم يتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان، والتواصي بمعصيتك. فالجملة الكريمة وعيد شديد للمشركين على استماعهم المصحوب بالاستهزاء والسخرية من الرسول ﷺ ومن القرآن. وتسلية له ﷺ عما أصابه منهم، وبيان لشمول علم الله- تعالى- لكل أحوالهم الظاهرة والخفية. وقوله- تعالى-: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً بدل من قوله- تعالى-: وَإِذْ هُمْ نَجْوى. والمسحور. هو الذي سحر فاختلط عقله، وزالت عنه الهيئة السوية. أى: ونحن أعلم بهؤلاء الأشقياء- أيضا- عند ما يقول بعضهم لبعض: لا تتبعوا محمدا ﷺ فيما يدعو إليه، فإنكم إن اتبعتموه تكونون قد اتبعتم رجلا مسحورا، أصابه السحر فأخرجه عن وعيه وعقله. وقال- سبحانه-: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ بالإظهار دون الإضمار، لتسجيل الظلم عليهم فيما تفوهوا به، وأنهم سيستحقون عقوبة الظالم. وقوله- تعالى-: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تسلية عظيمة للرسول ﷺ ، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذي هداهم الله- تعالى- إليه. أى: انظر وتأمل- أيها الرسول الكريم- كيف أن هؤلاء المشركين. قد بلغ بهم الجحود والفجور، أنهم مثلوا لك الأمثال، فوصفوك تارة بأنك مسحور، وتارة بأنك شاعر. وهم في وصفهم هذا، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا، وصاروا كالحيران الذي التبست عليه الطرق، فأمسى لا يعرف السبيل الذي يسلكه. هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمة الله- عند تفسيره لهذه الآيات، ما يدل على أن

стр. 3670

المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول ﷺ عند قراءته للقرآن. فقال: قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدّث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق.. خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلى بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه. فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ﷺ ؟ فقال أبو سفيان: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها. ولا ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل. فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد ﷺ ؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منّا نبي يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه «١» . ثم حكى- سبحانه- أقوالهم الباطلة، في شأن البعث والحساب يوم القيامة ورد عليها بما يزهق باطلهم، فقال- تعالى-:

стр. 3671

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٩ الى ٥٢] وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢) قال الإمام الرازي: اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الإلهيات، ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوات، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة.. «١» . والرفات: ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتات. يقال: رفت فلان الشيء يرفته- بكسر الفاء وضمها-، إذا كسره وجعله يشبه التراب. والاستفهام في قوله- تعالى-: أَإِذا كُنَّا ... وفي قوله أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ.. للاستبعاد والإنكار. أى: وقال الكافرون المنكرون لوحدانية الله- تعالى-، ولنبوة النبي ﷺ ، وللبعث والحساب، قالوا للنبي ﷺ على سبيل الإنكار والاستبعاد، أإذا كنا يا محمد، عظاما بالية، ورفاتا يشبه التراب في تفتته ودقته، أإنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى، بحيث تعود إلينا أرواحنا، وتدب الحياة فينا ثانية، ونبعث على هيئة خلق جديد، غير الذي كنا عليه في الدنيا؟. وقولهم هذا، يدل على جهلهم المطبق، بقدرة الله- تعالى- التي لا يعجزها شيء، وكرر- سبحانه- الاستفهام في الآية الكريمة، للإشعار بإيغالهم في الجحود والإنكار.

стр. 3672

والعامل في إِذا محذوف، والتقدير: أنبعث أو أنحشر إذا كنا عظاما ورفاتا، وقد دل على هذا المحذوف قوله- تعالى-: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. وقوله- سبحانه-: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أمر من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بالرد عليهم فيما استبعدوه وأنكروه من إعادتهم الى الحياة بعد موتهم. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل الرد على استبعادهم، والتحقير من شأنهم، والتعجيز لهم: «كونوا» - إن استطعتم- حِجارَةً كالتي تعبدونها من دون الله، أَوْ حَدِيداً كالذي تستعملونه في شئون حياتكم، أَوْ كونوا خَلْقاً أى: مخلوقا سوى الحجارة والحديد مِمَّا يَكْبُرُ أى: يعظم ويستبعد- فِي صُدُورِكُمْ المظلمة- قبوله للحياة، قل لهم: كونوا أى شيء من ذلك أو غيره إن استطعتم، فإن الله- تعالى- لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى، لكي يحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها بما تستحقون من عقاب. فالمقصود من الجملة الكريمة، بيان أن قدرة الله- تعالى- لا يعجزها شيء.. قال الجمل: أجابهم الله- تعالى- بما معناه: تحولوا بعد الموت إلى أى صفة تزعمون أنها أشد منافاة للحياة، وأبعد عن قبولها، كصفة الحجرية والحديدية ونحوهما. فليس المراد الأمر، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله- تعالى- عن الإعادة «١» . وقوله- تعالى-: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا أى: فسيقولون لك- أيها الرسول الكريم- من يعيدنا إلى الحياة مرة أخرى بعد أن نكون حجارة أو حديدا أو غيرهما؟. وقوله- سبحانه-: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ رد على جهالاتهم وإنكارهم للبعث والحساب. أى: قل لهم: الله- تعالى- الذي فطركم وخلقكم، أول مرة، على غير مثال سابق، قادر على أن يعيدكم الى الحياة مرة أخرى. كما قال- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . ثم بين- سبحانه- ما يكون منهم من استهزاء وسوء أدب عند ما يسمعون من الرسول ﷺ هذه الإجابات السديدة، فقال: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ...

стр. 3673

أى: فسيحركون إليك رءوسهم عند ما يسمعون ردك عليهم، ويقولون على سبيل الاستهزاء والسخرية والتكذيب: متى هو؟ أى ما ذكرته من الإعادة بعد الموت، أو متى هو ذلك اليوم الذي سنعود فيه إلى الحياة بعد أن نصير عظاما ورفاتا. فالجملة الكريمة تصور تصويرا بليغا ما جبلوا عليه من تكذيب بيوم القيامة ومن استهزاء بمن يذكرهم بأحوال ذلك اليوم العصيب. ومن استبعاد لحصوله كما قال- تعالى-: حكاية عنهم في آية أخرى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وقوله- تعالى-: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً تذييل قصد به التهديد والوعيد لهم. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل التأنيب والوعيد: عسى هذا اليوم الذي تستبعدون حصوله، يكون قريبا جدا وقوعه. ولا شك في أنه قريب، لأن عسى في كلام الله- تعالى- لما هو محقق الوقوع، وكل ما هو محقق الوقوع فهو قريب، ولأن الرسول ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» - وأشار بالسبابة والوسطى. ثم بين- سبحانه- أحوالهم عند ما يدعون في هذا اليوم الهائل الشديد فقال: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ.... والظرف يَوْمَ منصوب بفعل مضمر أى: اذكروا يوم يدعوكم.. ويجوز أن يكون منصوبا على البدلية من قَرِيباً. والداعي لهم هو «إسرافيل» ﵇ عند ما يأذن الله- تعالى- له بالنفخ في الصور، كما قال- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «١» . وكما قال- سبحانه-: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ «٢» . وقوله بِحَمْدِهِ حال من ضمير المخاطبين وهم الكفار، والباء للملابسة. أى: اذكروا- أيها المكذبون- يوم يدعوكم الداعي إلى البعث والنشور فتلبون نداءه

стр. 3674

بسرعة وانقياد، حال كونكم حامدين الله- تعالى- على كمال قدرته، وناسين ما كنتم تزعمون في الدنيا من أنه لا بعث ولا حساب. قال صاحب الكشاف: وقوله بِحَمْدِهِ حال منهم. أى: حامدين، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ويتمنع، ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى: أنك تحمل عليه وتقسر قسرا. حتى أنك تلين لين المسمح- أى الذليل- الراغب فيه، الحامد عليه. وعن سعيد بن جبير: ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك «١» . وقوله: فَتَسْتَجِيبُونَ بمعنى تجيبون، إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة، فهي أوكد من الإجابة، وأسرع في التلبية. وجملة «وتظنون إن لبثتم إلا قليلا» حالية، أى: والحال أنك تظنون عند بعثكم أنكم ما لبثتم في الدنيا أو في قبوركم إلا زمنا قليلا. قال قتادة: إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلّت، حين رأوا يوم القيامة، لهول ما يرون فقالوا هذه المقالة. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-:.. كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ. قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ «٢» . وقوله- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ. قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ «٣» . وقوله- تعالى-: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها «٤» . ثم ترك القرآن الكريم أولئك الذين كفروا بالبعث والنشور في طغيانهم يعمهون، ووجه خطابه إلى المؤمنين، آمرا إياهم بأن يقولوا الكلمة الطيبة، ومبينا لهم ولغيرهم، أن مصائرهم بيد الله- تعالى- وحده، فقال- تعالى-:

стр. 3675

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٣ الى ٥٥] وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... الآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلا من العرب شتمه، وسبه عمر وهمّ بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله فيه: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وقيل: نزلت لما قال المسلمون: ائذن لنا يا رسول الله في قتال المشركين، فقد طال إيذاؤهم لنا فقال: «لم أومر بعد بالقتال» «١» . والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لعبادي المؤمنين، أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم، الكلمة التي هي أحسن، والعبارة التي هي أرق وألطف. وذلك لأن الكلمة الطيبة، تزيد في المودة التي بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة التي بينهم وبين أعدائهم. قال- تعالى-: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٢» . قال الآلوسى: ومقول فعل الأمر محذوف، أى: قل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا ذلك. فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر. وإلى هذا ذهب الأخفش.

стр. 3676

وقال الزجاج: إن قوله يَقُولُوا هو المقول، وجزمه بلام الأمر محذوفة، أى: قل لهم ليقولوا ... «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ تعليل للأمر السابق. أى: إن الشيطان يتربص بكم، ويتلمس السقطات التي تقع من أفواهكم، والعثرات التي تنطق بها ألسنتكم، لكي يشيع الشر بينكم، ويبذر بذور الشر والبغضاء في صفوفكم، ويهيج أعداءكم عليكم. وينزغ بمعنى يفسد. يقال: نزغه- كنفعه- ينزغه، إذا طعن فيه واغتابه، وقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً تعليل لحرص الشيطان على الإفساد بينهم. أى إن الشيطان حريص على الإفساد بين الناس، لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم ولقد حذرنا الله- سبحانه- من الشيطان وكيده في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ «٢» . وقوله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما. إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ «٣» . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: يأمر الله- ﵎ عبده ورسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته.. وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده. أى: فربما أصابه بها. روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدرى أحدكم، لعل الشيطان أن ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار «٤» .

стр. 3677

ثم بين- سبحانه- أن مصير جميع الخلائق إليه، وأنه محيط بأحوالهم فقال. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ، أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ... أى: ربكم- أيها الناس- أعلم بكم من أنفسكم، وهو- سبحانه- إن يشأ بفضله يرحمكم، بأن يوفقكم لطاعته وتقواه، وإن يشأ بعدله يعذبكم، بسبب معاصيكم وفسوقكم عن أمره، لا يسأل- عما يفعل، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا بيان لوظيفة الرسول ﷺ . أى: وما أرسلناك- أيها الرسول الكريم- إلى الناس، لتكون حفيظا ورقيبا. وموكولا إليك أمرهم في إجبارهم وإكراههم على الدخول في الإسلام، وإنما أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ثم انتقل- سبحانه- من بيان كمال علمه بأحوال الناس، إلى بيان كمال علمه بجميع من في السموات والأرض، فقال- تعالى-: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أى: وربك- أيها الرسول الكريم- أعلم بأحوال من في السموات والأرض من إنس وجن وملك، وغير ذلك، ولا يخفى عليه شيء من ظواهرهم أو بواطنهم، ولا يعزب عن علمه- تعالى- شيء من طاعتهم أو معصيتهم، ولا يعلم أحد سواه من هو أهل منهم للتشرف بحمل رسالته، وتبليغ وحيه كما قال: - تعالى-: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً بيان لمظهر من مظاهر علمه المطلق، وفضله العميم: وعطائه الواسع. والزبور: هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على داود- ﵇. أى: ولقد فضلنا- على علم وحكمة منا- بعض النبيين على بعض، بأن جعلنا منهم من كلم الله، ومنهم من اتخذناه خليلا لنا، ومنهم من آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ومنهم من آتيناه الزبور وهو داود- ﵇. قال الإمام ابن كثير: وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وقوله- تعالى-: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... لا ينافي ما ثبت من الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهى والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل عن بقية الأنبياء، وأن أولى العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون

стр. 3678

نصا في قوله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... ولا خلاف في أن محمدا ﷺ أفضلهم.. «١» . وإنما خص كتاب داود بالذكر، لأن اليهود زعموا أنه لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فكذبهم الله- تعالى- في ذلك، ولأن في هذا الإيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما أعطاه الله من ملك، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول ﷺ وأمته، قال- تعالى-: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «٢» . والمراد بالعباد الصالحين: محمد ﷺ وأمته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا عرف الزبور، كما عرف في قوله: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ ... ؟. قلت: يجوز أن يكون الزبور وزبور، كالعباس وعباس، والفضل وفضل. ويجوز أن يريد: وآتينا داود بعض الزبر- وهي الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا «٣» . ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يتحدى المشركين، بأن يبين لهم: أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم، أو جلب الخير لهم، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب الله، وترجو رحمته، فقال- سبحانه-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٧] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧)

стр. 3679

أورد المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: قال ابن كثير: قال العوفى عن ابن عباس في قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ.... قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا. وروى البخاري وغيره عن ابن مسعود في قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء- أى الإنس- بدينهم.. فنزلت هذه الآية «١» . وقال القرطبي: لما ابتليت قريش بالقحط، وشكوا إلى رسول الله ﷺ ، أنزل الله هذه الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ... «٢» . والمراد بالزعم هنا: الظن الكاذب الذي لا أساس له من الحقيقة والواقع. قال الآلوسى ما ملخصه: والزعم قريب من الظن، ويقال إنه القول المشكوك فيه، ويستعمل بمعنى الكذب، حتى قال ابن عباس: كل ما ورد في القرآن زعم فهو كذب. وقد يطلق على القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه ... فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «زعم جبريل كذا ... » . وهو مما يتعدى إلى مفعولين، وقد حذفا هنا، أى: زعمتموهم آلهة.. والظاهر أن المراد من الموصول- الذين- كل من عبد من دون الله من العقلاء» «٣» . والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة. قل لهم على سبيل الإرشاد والتحدي: هذه الآلهة التي تعبدونها، اطلبوا منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض أو فقر أو قحط أو أن تحوله منكم إلى غيركم ... فإذا لم تستطع ذلك- وهي بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع- فاتركوا عبادتها، وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شيء قدير، وهو الله- . واكتفى- سبحانه- بذكر كشف الضر، لأنه هو الذي تتطلع إليه النفوس عند نزول

стр. 3680

المصائب، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع، إذ عند نزول الضر، لا تشتغل الألسنة والقلوب إلا برجاء كشفه. ثم بين- سبحانه- أن كل معبود- سوى الله- يفتقر إلى عونه- سبحانه-، وإلى رجاء الثواب منه، وإلى دفع العذاب عنه، فقال- تعالى- أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ.. واسم الإشارة أُولئِكَ يعود على المعبودين من دون الله، وهو مبتدأ، وخبره. قوله: يَبْتَغُونَ وما عطف عليه من قوله: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ. والضمير في يَدْعُونَ يعود إلى المشركين، وفي يبتغون يعود إلى المعبودين وأَيُّهُمْ بدل من واو الفاعل في يبتغون، وأَقْرَبُ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو، أى: يبتغيها الذي هو أقرب، والجملة صلة أى. والوسيلة: ما يتقرب به الإنسان إلى خالقه من الأعمال الصالحة. والمعنى: أولئك المعبودون الذين يزعم المشركون أنهم آلهة. ويسمونهم أربابا، وينادونهم لكشف الضر عنهم، هؤلاء المعبودون يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. أى: يتقربون إلى خالقهم ومالك أمرهم بصالح الأعمال، ويبتغى أكثرهم صلاحا وطاعة لله- تعالى- الرضا منه- . وإذا كان هذا شأن أكثرهم قربا فكيف يكون حال من هو أقل منه؟ لا شك أنه يكون أشد طلبا لرضا الله- تعالى- وعفوه، وأشد حرصا على طاعته. وقوله- تعالى- وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ زيادة بيان لشدة حرص هؤلاء المعبودين على طاعة الله- تعالى- أى: وهم فوق ذلك يرجون رحمة الله- تعالى- وفضله، بأن يحشرهم مع الأبرار، ويخشون عذابه ونقمته، ويتضرعون إليه أن يجنبهم عذاب النار، وبالرجاء والخشية يحيا الصالحون الأخيار، إذ الرجاء يدفع المؤمن إلى الإكثار من العمل الصالح، والخشية تمنعه من الوقوع في المعاصي. وقوله- تعالى-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو خوف العذاب.
следующие страницы →