سبحانه- إيمانا عميقا ثابتا، فزادهم الله ببركة هذا الإخلاص والثبات على الحق، هداية على هدايتهم، وإيمانا على إيمانهم.
وقوله- سبحانه- نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إيماء إلى أن قصة هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس، إلا أن معرفتهم بها كانت مشوبة بالخرافات والأباطيل.
قال ابن كثير: ما ملخصه: ذكر الله- تعالى- أنهم كانوا فتية- أى شبابا-، وهم أقبل للحق من الشيوخ، الذين عتوا في دين الباطل، ولهذا كان اكثر المستجيبين لله ولرسوله شبابا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل.
واستدل غير واحد من الأئمة كالبخارى وغيره بقوله وَزِدْناهُمْ هُدىً إلى أن الإيمان يزيد وينقص.. «١» .
ثم حكى- سبحانه- جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا.
وأصل الربط: الشد، يقال، ربطت الدابة، أى: شددتها برباط، والمراد به هنا:
ما غرسه الله في قلوبهم من قوة، وثبات على الحق، وصبر على فراق أهليهم، ومنه قولهم:
فلان رابط الجأش، إذا كان لا يفزع عند الشدائد والكروب.
والمراد بقيامهم: عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل، وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة.
ويصح أن يكون المراد بقيامهم: وقوفهم في وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة، دون أن يبالوا به عند ما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم، وإعلانهم دين التوحيد، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى- إِذْ قامُوا يحتمل ثلاثة معان. أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا ما دعاهم إليه.
والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراءها من غير ميعاد، وتعاهدوا على عبادة الله وحده.
стр. 3782
والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله- تعالى- ومنابذة الناس، كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا، إذا عزم عليه بغاية الجد «١» .
وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي اهتدت إليه، معتزة بالإيمان الذي أشربته، مستبشرة بالإخاء الذي جمع بينها على غير ميعاد، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» .
ثم حكى- سبحانه- ما قالوه بعد أن استقر الإيمان في نفوسهم فقال: فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً ...
أى: أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله- حين قاموا في وجه أعدائهم، وقالوا بكل شجاعة وجرأة: ربنا- سبحانه- هو رب السموات والأرض، وهو خالقهما وخالق كل شيء، ولن نعبد سواه أى معبود آخر.
ونفوا عبادتهم لغيره- سبحانه- بحرف- «لن» للإشعار بتصميمهم على ذلك في كل زمان وفي كل مكان، إذ النفي بلن أبلغ من النفي بغيرها.
قال الآلوسى: وقد يقال إنهم أشاروا بالجملة الأولى- وهي: ربنا رب السموات والأرض- إلى توحيد الربوبية، وأشاروا بالجملة الثانية- لن ندعو من دونه إلها- إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران، وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا، ويقولون بالأول:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وحكى- سبحانه- عنهم أنهم يقولون: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وصح أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك «٢» .
وقوله- سبحانه- لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً تأكيد لبراءتهم من كل عبادة لغير الله- تعالى-.
والشطط: مصدر معناه مجاوزة الحد في كل شيء، ومنه: أشط فلان في السّوم إذا جاوز الحد، وأشط في الحكم إذا جاوز حدود العدل: وهو صفة لموصوف محذوف، وفي الكلام قسم مقدر، واللام في «لقد» واقعة في جوابه، و «إذا» حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر.
стр. 3783
أى: ربنا رب السموات والأرض، لن ندعو من دونه إلها. ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر، والله لنكونن في هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا، أى: بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب.
والآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية، وعلى أن من كان كذلك ثبت الله- تعالى- قلبه، وقواه على تحمل الشدائد، كما تدل على أن من أشرك مع الله- تعالى- إلها آخر، يكون بسبب هذا الإشراك، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ «١» .
ثم حكى- سبحانه- عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم الصادق، بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ...
و «هؤلاء» مبتدأ، و «قومنا» عطف بيان، وجملة «اتخذوا من دونه آلهة» هي الخبر.
و «لولا» للتحضيض، وهو الطلب بشدة والمقصود بالتحضيض هنا: الإنكار والتعجيز، إذ من المعلوم أن قومهم لن يستطيعوا أن يقيموا الدليل على صحة ما هم عليه من شرك.
والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة.
أى: أن أولئك الفتية بعد أن اجتمعوا، وتعاهدوا على عبادة الله- تعالى- وحده، ونبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار والاحتقار لما عليه قومهم: هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل، أنهم اتخذوا مع الله- تعالى- أصناما يشركونها معه في العبادة، هلا أتى هؤلاء السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لا شك أنهم لن يستطيعوا ذلك.
قال صاحب الكشاف وقوله: لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على صحة عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من حجة حتى يصح ويثبت «٢» .
стр. 3784
وشبيه بهذه الآية في تعجيز المشركين وتجهيلهم قوله تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ «١» .
وقوله- سبحانه-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» :
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على تكذيبهم لقومهم، ووصفهم إياهم بالظلم فقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً.
أى: لا أحد أشد ظلما من قوم افتروا على الله- تعالى- الكذب، حيث زعموا أن له شريكا في العبادة والطاعة، مع انه- جل وعلا- منزه عن الشريك والشركاء: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم، بعد أن وضح موقفهم وضوحا صريحا حاسما، وبعد أن أعلنوا كلمة التوحيد بصدق وقوة.. فقال- تعالى-: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً.
و «إذ» يبدو أنها هنا للتعليل. والاعتزال: تجنب الشيء سواء أكان هذا التجنب بالبدن أم بالقلب. و «ما» في قوله وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير في قوله اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وقوله: إِلَّا اللَّهَ استثناء متصل، بناء على أن القوم كانوا يعبدون الله- تعالى- ويشركون معه في العبادة الأصنام. و «من» قالوا إنها بمعنى البدلية.
وقوله: مِرفَقاً من الارتفاق: بمعنى الانتفاع، وقرأ نافع وابن عامر مرفقا- بفتح الميم وكسر الفاء.
والمعنى: أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنوا كلمة التوحيد، وعقدوا العزم على مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا: ولأجل ما أنتم مقدمون عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار، واعتزالكم الذي يعبدونه من دون الله لأجل ذلك فالجأوا إلى الكهف، واتخذوه
стр. 3785
مأوى ومستقرا لكم، ينشر لكم ربكم الكثير من الخير بفضله ورحمته، ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب. أمرا آخر فيه اليسر والنفع.
وفي التعبير بقولهم- كما حكى القرآن عنهم.. يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.. دلالة واضحة على صدق إيمانهم وحسن ظنهم الذي لا حدود له، بربهم- فهم عند ما فارقوا أهليهم وأموالهم وزينة الحياة، وقرروا اللجوء إلى الكهف الضيق الخشن المظلم.. لم ييأسوا من رحمة الله، بل أيقنوا أن الله- تعالى- سيرزقهم فيه الخير الوفير، وييسر لهم ما ينتفعون به، ببركة إخلاصهم وصدق إيمانهم.
وهكذا الإيمان الصادق، يجعل صاحبه يفضل المكان الخالي من زينة الحياة، من أجل سلامة عقيدته، على المكان المليء باللين والرخاء الذي يحس فيه بالخوف على عقيدته.
فالآية الكريمة تدل على أن اعتزال الكفر والكافرين من أجل حماية الدين، يؤدى إلى الظفر برحمة الله وفضله وعطائه العميم وصدق الله إذ يقول في شأن إبراهيم- ﵇ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا. وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا «١» .
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال هؤلاء الفتية بعد أن استقروا في الكهف وبعد أن ألقى الله- تعالى- عليهم بالنوم الطويل فتقول:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)
стр. 3786
قال الآلوسى: قوله: وَتَرَى الشَّمْسَ.. بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف..
والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن يصلح، وهو للمبالغة في الظهور، وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية، بل المراد الإخبار بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ... » «١» .
وقوله تَتَزاوَرُ من الزور بمعنى الميل. ومنه قولهم: زار فلان صديقه، أى: مال إليه.
ومنه شهادة الزور، لأنها ميل عن الحق إلى الباطل. ويقال: فلان أزور، إذا كان مائل الصدر، ويقال: تزاور فلان عن الشيء، إذا انحرف عنه.
وفي هذا اللفظ ثلاث قراءات سبعية. فقد قرأ ابن عامر «تزور» بزنة تحمر. وقرأ الكوفيون- عاصم وحمزة والكسائي- «تزاور» بفتح الزاى- وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «تزّاور» بتشديد الزاى-. وأصله تتزاور فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
ومعنى: «تقرضهم» تقطعهم وتتجاوزهم وتتركهم، من القرض بمعنى القطع والصرم، يقال: قرض المكان، أى: عدل عنه وتركه.
والمعنى: إنك- أيها المخاطب- لو رأيت أهل الكهف، لرأيتهم على هذه الصورة، وهي أن الشمس إذا طلعت من مشرقها، مالت عن كهفهم جهة اليمين، وإذا غربت، تراها عند غروبها، تميل عنهم كذلك، فهي في الحالتين لا تصل إليهم، حماية من الله- تعالى- لهم، حتى لا تؤذيهم بحرها، بأن تغير ألوانهم، وتبلى ثيابهم.
وقوله: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ جملة حالية. أى: والحال أنهم في مكان متسع من الكهف وهو وسطه، والفجوة: هي المكان المتسع، مأخوذة من الفجا، وهو تباعد ما بين الفخذين، ومنه قولهم: رجل أفجى، وامرأة فجواء.
وللمفسرين في تأويل هذه الآية اتجاهان لخصهما الإمام الرازي فقال: للمفسرين هنا قولان: أولهما: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس
стр. 3787
كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل.
والثاني: يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله- تعالى- ضوءها من الوقوع عليهم، وكذا القول في حال غروبها، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة، وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف..» «١» .
ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب الرأى الأول، يرجعون عدم وصول حر الشمس إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب طبيعية حماهم الله- تعالى- بها ومن بينها أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة الشمال.
أما أصحاب الرأى الثاني فيردون عدم وصول أشعة الشمس إليهم إلى أسباب غير طبيعية، بمعنى أن الفتية كانوا في متسع من الكهف، أى: في مكان تصيبه الشمس، إلا أن الله- تعالى- بقدرته التي لا يعجزها شيء، منع ضوء الشمس وحرها من الوصول إليهم، خرقا للعادة على سبيل التكريم لهم.
ومع وجاهة الرأيين، إلا أن النفس أميل إلى الرأى الثاني، لأن قوله- تعالى- وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ يشير إلى أنهم مع اتساع المكان الذي ينامون فيه- وهو الفجوة- لا تصيبهم الشمس لا عند الطلوع ولا عند الغروب، وهذا أمر خارق للعادة، ويدل على عجيب حالهم، كما أن قوله- تعالى- بعد ذلك ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة، وليس أمرا عاديا مألوفا.
قال الآلوسى: وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس أصلا، وإن اختلفوا في منشأ ذلك واختار جمع منهم، أنه لمحض حجب الله- تعالى- الشمس على خلاف ما جرت به العادة، والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد، والاستبعاد مما لا يلتفت إليه، لا سيما فيما نحن فيه، فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة..» «٢» .
وعلى هذا الرأى الثاني يكون اسم الإشارة في قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ إلى ما فعله الله- تعالى- معهم، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم في متسع من الكهف.
أى: ذلك الذي فعلناه معهم من آياتنا الدالة على قدرتنا الباهرة، وإرادتنا التي لا يعجزها شيء.
стр. 3788
وأما على الرأى الأول فيكون اسم الإشارة مرجعه إلى ما سبق من الحديث عنهم، كهدايتهم إلى التوحيد، وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، ولجوئهم إلى الكهف، وجعل باب الكهف على تلك الكيفية، إلى غير ذلك مما ذكر- سبحانه- عنهم.
أى: ذلك الذي ذكرناه لك عنهم- أيها الرسول الكريم- هو من آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.
أى: من يهده الله إلى طريق الحق، ويوفقه إلى الصواب، فهو المهتد، أى فهو الفائز بالحظ الأوفر في الدارين، ومن يضلله الله- تعالى- عن الطريق المستقيم، فلن تجد له- يا محمد- نصيرا ينصره، ومرشدا يرشده إلى طريق الحق.
كما قال تعالى-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ «١» .
وكما قال- سبحانه-: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ ... «٢» .
ثم صور- سبحانه- بعد ذلك مشهدا عجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ...
والحسبان بمعنى الظن، والأيقاظ جمع يقظ وهو ضد النائم، والرقود: جمع راقد والمراد به هنا: النائم.
أى: وتظنهم- أيها المخاطب لو قدر لك أن تراهم- أيقاظا منتبهين، والحال أنهم رقود أى: نيام.
وقالوا: وسبب هذا الظن والحسبان، أن عيونهم كانت مفتوحة، وأنهم كانوا يتقلبون من جهة إلى جهة، كما قال- تعالى- بعد ذلك: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ.
أى: ونحركهم وهم رقود إلى الجهة التي تلى أيمانهم، وإلى الجهة التي تلى شمائلهم، رعاية منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب طول رقادهم عليها.
وعدد مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله- تعالى- وما أورده المفسرون في ذلك لم يثبت
стр. 3789
عن طريق النقل الصحيح، لذا ضربنا صفحا عنه.
ثم بين- سبحانه- حالة- كلبهم فقال: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.
والمراد بالوصيد- على الصحيح- فناء الكهف قريبا من الباب، أو هو الباب نفسه، ومنه قول الشاعر: بأرض فضاء لا يسد وصيدها. أى: لا يسد بابها.
أى: وكلبهم الذي كان معهم في رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه يحرسهم ويمنع من الوصول إليهم.
وما ذكره بعض المفسرين هنا عن اسم الكلب وصفاته، لم نهتم بذكره لعدم فائدته.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً.
أى. لو عاينتهم وشاهدتهم- أيها المخاطب- لأعرضت بوجهك عنهم من هول ما رأيت. ولملئ قلبك خوفا ورعبا من منظرهم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها: أن صحبة الأخيار لها من الفوائد ما لها.
قال ابن كثير- ﵀ ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب. لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب- كما ورد في الصحيح.. وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن «١» .
وقال القرطبي- ﵀ ما ملخصه: قال ابن عطية: وحدثني أبى قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله.
قلت- أى القرطبي-: إذا كان بعض الكلاب نال هذه الدرجة العليا بصحبة ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك في كتابه، فما ظنك بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء.
والصالحين!! بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات: المحبين للنبي ﷺ وآله خير آل.
روى في الصحيح عن أنس قال: بينا أنا ورسول الله ﷺ خارجان من المسجد،
стр. 3790
فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله. متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما أعددت لها؟ قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحببت الله ورسوله: قال ﷺ :
«فأنت مع من أحببت» . وفي رواية قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ «فأنت مع من أحببت» .
قال أنس. فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم.
قلت: وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس، فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين. «١» .
ثم حكى- سبحانه- حال هؤلاء الفتية بعد أن أعاد إليهم الحياة، فذكر بعض أقوالهم فيما بينهم فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠)
وقوله- سبحانه-: وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم، بيان للعلة التي من أجلها بعث أصحاب الكهف من نومهم الطويل.
стр. 3791
أى: وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، بعثناهم من نومهم بعدها، ليسأل بعضهم بعضا، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال.
والاقتصار على التساؤل الذي حصل الإيقاظ من أجله، لا ينفى أن يكون هناك أسباب أخرى غيره حصل من أجلها إيقاظهم، وإنما أفرده- سبحانه- بالذكر لاستتباعه لسائر الآثار الأخرى.
ثم حكى- سبحانه- بعض تساؤلهم فقال: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ أى: كم مكثتم مستغرقين في النوم في هذا الكهف.
فأجابه بعضهم بقوله: لَبِثْنا يَوْماً لظنهم أن الشمس قد غربت، فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أى: مكثنا نائمين بعض ساعات اليوم.
ويصح أن تكون أو للشك. أى قال بعضهم في الرد على سؤال السائل كم لبثتم، لبثنا في النوم يوما أو بعض يوم، لأننا لا ندري على الحقيقة كم مكثنا نائمين.
ثم حكى القرآن أن بعضهم رد علم مقدار مدة نومهم على جهة اليقين إلى الله- تعالى- فقال: قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ أى: ربكم وحده هو العليم بمقدار الزمن الذي قضيتموه نائمين في هذا الكهف.
قال الآلوسى: وهذا رد منهم على الأولين، على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب، وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق في قوله- تعالى- لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ «١» .
وقال بعضهم: وقد استدل ابن عباس على أن عدد الفتية سبعة بهذه الآية، لأنه قد قال في الآية: قال قائل منهم، وهذا واحد، وقالوا في جوابه: لبثنا يوما، أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة، ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما قالوه بعد أن تركوا الحديث في مسألة الزمن الذي قضوه نائمين في الكهف فقال- تعالى-: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ، وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً.
أى: كفوا عن الحديث في مسألة المدة التي نمتموها، فعلمها عند الله، وابعثوا أحدكم
стр. 3792
«بورقكم» . أى: بدراهمكم المضروبة من الفضة، إِلَى الْمَدِينَةِ التي يوجد بها الطعام الذي نحن في حاجة إليه، والتي هي أقرب مكان إلى الكهف.
قالوا: والمراد بها مدينتهم التي كانوا يسكنونها قبل أن يلجئوا إلى الكهف فرارا بدينهم.
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً أى: ومتى وصل إلى المدينة، فليتفقد أسواقها، وليتخير أى أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة.
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ أى: فليأتكم بما يسد جوعكم من ذلك الأزكى طعاما، فيكون الضمير في «منه» للطعام الأزكى.
ويصح أن يكون للدراهم المضروبة المعبر عنها «بورقكم» ، أى: فليأتكم بدلا منها بطعام تأكلونه، وليتلطف، أى: وليتكلف اللطف في الاستخفاء، والدقة في استعمال الحيل حال دخوله وخروجه من المدينة، حتى لا يعرفه أحد من أهلها.
وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً أى: ولا يفعلن فعلا يؤدى إلى معرفة أحد من أهل المدينة بنا.
وقوله: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً تعليل للأمر والنهى السابقين.
أى: قولوا لمن تختارونه لشراء طعامكم من المدينة: عليه أن يتخير أزكى الطعام، وعليه كذلك أن لا يخبر أحدا بأمركم من أهل المدينة، لأنهم إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أى: يطلعوا عليكم. أو يظفروا بكم.
وأصل معنى ظهر. أى: صار على ظهر الأرض. ولما كان ما عليها مشاهدا متمكنا منه، استعمل تارة في الاطلاع، وتارة في الظفر والغلبة، وعدى بعلى.
يَرْجُمُوكُمْ أى إن يعرفوا مكانكم، يرجموكم بالحجارة حتى تموتوا أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ الباطلة التي نجاكم الله- تعالى- منها.
وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً أى: وإن عدتم إليها بعد إذ نجاكم الله- تعالى- منها وعصمكم من اتباعها، فلن تفلحوا إذا أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وهكذا نجد هاتين الآيتين تصوران لنا بأسلوب مؤثر بليغ حال الفتية وهم يتناجون فيها بينهم، بعد أن استيقظوا من رقادهم الطويل.
стр. 3793
ونراهم في تناجيهم- بعد أن تركوا الحديث عن المدة التي لبثوها في نومهم- نراهم حذرين خائفين، ولا يدرون أن الأعوام قد كرت. وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالا قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيرت معالمها. وأن أعداءهم الكافرين قد زالت دولتهم.
ثم تمضى السورة الكريمة لتحدثنا عن مشهد آخر من أحوال هؤلاء الفتية. مشهد تتجلّى فيه قدرة الله- تعالى- على أبلغ وجه، كما تتجلى فيه حكمته ووحدانيته، استمع إلى القرآن الكريم وهو يحدثنا عن ذلك فيقول:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢١]
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١)
فقوله- سبحانه-: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها بيان للحكمة التي من أجلها أطلع الله- تعالى- الناس على هؤلاء الفتية.
قال الآلوسى ما ملخصه: وأصل العثور السقوط للوجه، يقال: عثر عثورا وعثارا إذا سقط لوجهه، ومنه قولهم في المثل: الجواد لا يكاد يعثر. ثم تجوز به في الاطلاع على أمر من غير طلبه.
وقال بعضهم: لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته، ورد العثور بمعنى الاطلاع والعرفان، فهو في ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية.
ومفعول «أعثرنا» محذوف لقصد العموم، أى: وكذلك أطلعنا الناس عليهم، «١» .
والمعنى: وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، وبعثناهم هذا البعث الخاص، أطلعنا الناس
стр. 3794
عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينة والمشاهدة، أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ وصدق وليعلموا كذلك أن الساعة، أى القيامة، آتية لا ريب فيها، ولا شك في حصولها، فإن من شاهد أهل الكهف، وعرف أحوالهم، أيقن بأن من كان قادرا على إنامتهم تلك المدة الطويلة ثم على بعثهم بعد ذلك. فهو قادر على إعادة الحياة إلى الموتى، وعلى بعث الناس يوم القيامة للحساب والجزاء.
وقد ذكروا في كيفية إطلاع الناس عليهم روايات ملخصها: أن زميلهم الذي أرسلوه بالدراهم إلى السوق ليشتري لهم طعاما عند ما وصل إلى سوق المدينة، عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من نقود لكي يأخذ في مقابلها طعاما، فلما رأى البائع النقود أنكرها- لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد- وأخذ يطلع عليها بقية التجار، فقالوا له: أين وجدت هذه الدراهم؟ فقال لهم: بعت بها أمس شيئا من التمر، وأنا من أهل هذه المدينة، وقد خرجت أنا وزملائى إلى الكهف خوفا من إيذاء المشركين لنا، فأخذوه إلى ملكهم وقصوا عليه قصته. فسر الملك به، وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم سلم عليهم..
ثم أماتهم الله- تعالى-» «١» .
ثم بين- سبحانه- ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف الناس في شأنهم، فقال:
إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ.
والظرف «إذ» متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، و «يتنازعون» من التنازع بمعنى التخاصم والاختلاف، والضمير في «أمرهم» يعود إلى الفتية.
والمعنى: لقد قصصنا عليك- أيها الرسول الكريم- قصة هؤلاء الفتية. وبينا لك أحوالهم عند رقادهم، وبعد بعثهم من نومهم، وبعد الإعثار عليهم، وكيف أن الذين عثروا عليهم صاروا يتنازعون في شأنهم. فمنهم من يقول إنهم وجدوا في زمن كذا، ومنهم من يقول إنهم مكثوا في كهفهم كذا سنة، ومنهم من يقول نبنى حولهم بنيانا صفته كذا.
ويجوز أن يكون الضمير في «أمرهم» يعود إلى الذين أطلعهم الله على الفتية، فيكون المعنى: اذكر وقت تنازع هؤلاء الذين عثروا على الفتية وتخاصمهم فيما بينهم، حيث إن بعضهم كان مؤمنا. وبعضهم كان كافرا، وبعضهم كان يؤمن يبعث الأرواح والأجساد، وبعضهم كان يؤمن ببعث الأجساد فقط.
стр. 3795
وقوله- تعالى-: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً تفسير للمتنازع فيه، وبيان لما قاله بعض الذين اطلعوا على أمر الفتية.
أى اختلف الذين عثروا على الفتية فقال بعضهم: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. حتى لا يصل الناس إليهم، وحتى نصونهم من الأذى.
وقوله- تعالى-: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يحتمل أنه حكاية لكلام طائفة من المتنازعين في شأن أصحاب الكهف، وقد قالوه ليقطعوا النزاع في شأنهم، وليفوضوا أمرهم إلى الله- تعالى-.
ويحتمل أن يكون من كلام الله- تعالى- ردا للخائضين في شأنهم.
أى: اتركوا أيها المتنازعون ما أنتم فيه من تنازع، فإنى أعلم منكم بحال أصحاب الكهف.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً.
أى: أن الذين أعثرهم الله على أصحاب الكهف قال بعضهم: ابنوا على هؤلاء الفتية بنيانا يسترهم.. وقال الذين غلبوا على أمرهم، وهم أصحاب الكلمة النافذة، والرأى المطاع، لنتخذن على هؤلاء الفتية مسجدا، أى: معبدا تبركا بهم.
قال الآلوسى: واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء، واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي. وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد. فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» .
وزاد مسلم: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك» .
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد..» «١» .
стр. 3796
ثم حكت السورة بعد ذلك ما أثير من جدل حول عدد أصحاب الكهف وأمرت النبي ﷺ أن يكل ذلك إلى الله- تعالى- وحده، فقال- سبحانه-:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٢]
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢)
أى: سيختلف- الناس في عدة أصحاب الكهف- أيها الرسول الكريم- فمن الناس من سيقول إن عدتهم ثلاثة رابعهم كليهم، ومنهم من يقول: إنهم خمسة سادسهم كلبهم.
فالضمير في قوله سَيَقُولُونَ وفي الفعلين بعده. يعود لأولئك الخائضين في قصة أصحاب الكهف وفي عددهم، على عهد النبي ﷺ .
قال الجمل: قيل إنما أتى بالسين في هذا لأن في الكلام طيا وإدماجا تقديره: فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف، فسلهم عن عددهم فإنهم سيقولون ثلاثة.
ولم يأت بها في بقية الأفعال، لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت حكمه من الاستقبال «١» .
وقال صاحب الكشاف، فإن قلت: لماذا جاء بسين الاستقبال في الأول دون الآخرين؟.
قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم.
تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له «٢» .
وقوله، ثلاثة. خبر لمبتدأ محذوف، أى: هم ثلاثة.
стр. 3797
وقوله- تعالى-: رَجْماً بِالْغَيْبِ رد على القائلين بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، وعلى القائلين بأنهم خمسة سادسهم كلبهم.
وأصل الرجم: الرمي بالحجارة، والمراد به هنا: القول بالظن والحدس والتخمين بدون دليل أو برهان.
قال صاحب الكشاف قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ، أى: رميا بالخبر الخفى وإتيانا به.
كقوله وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أى: يأتون به. أو وضع الرجم، موضع الظن فكأنه قيل ظنا بالغيب. لأنهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظن، مكان قولهم: ظن. حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير: وما هو عنها بالحديث المرجم.. أى:
المظنون» «١» .
وقوله: رَجْماً منصوب بفعل مقدر. والباء في بِالْغَيْبِ للتعدية.
أى: يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم، والذي لا اطلاع لهم على حقيقته، شأنهم في ذلك شأن من يرمى بالحجارة التي لا تصيب المرمى المقصود.
ثم حكى- سبحانه- القول الذي هو أقرب الأقوال إلى الصواب فقال: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
أى: وبعض الناس- وهم المؤمنون- يقولون إن عدد أصحاب الكهف سبعة أفراد وثامنهم كلبهم.
قال ابن كثير: - يقول- تعالى- مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف.
فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع. ولما ضعف القولين الأولين بقوله: «رجما بالغيب» .
أى: قول بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب. وإذا أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ دل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر» «٢» .
وقال الآلوسى ما ملخصه: والجملة الواقعة بعد العدد في قوله- تعالى-: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ في موضع الصفة له، والواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة.
стр. 3798
كما تدخل في الواقعة حالا عن المعرفة في قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله- تعالى-: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ.
وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلى ما ذكر، قالوه عن ثبات علم، وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين ... «١» .
ثم أمر الله- تعالى- النبي ﷺ أن يخبر الخائضين في عدة أصحاب الكهف، بما يقطع التنازع الذي دار بينهم فقال: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لمن خاضوا في عدة أصحاب الكهف: ربي- أقوى علما منكم بعدتهم- أيها المتنازعون، فإنكم إن علمتم عنهم شيئا علما ظنيا.
فإن علم ربي بهم هو علم تفصيلي يقيني لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ثم أثبت- سبحانه- علم عددهم لقليل من الناس فقال: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أى: ما يعلم عدة أصحاب الكهف إلا عدد قليل من الناس.
ولا تعارض بين هذه الجملة وبين سابقتها، لأن علم هذا العدد القليل من الناس بعدة أصحاب الكهف، هو علم إجمالى ظني.. أما علم الله- تعالى- فهو علم تفصيلي يقيني شامل لجميع الأزمنة.
فضلا عن أن علم هؤلاء القلة من الناس بعدة أصحاب الكهف، نابع من إعلام الله- تعالى- لهم عن طريق الوحى كالرسول ﷺ أو من يطلعه الرسول ﷺ على عدتهم.
قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: أنا من أولئك القليل، كانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم.
ثم نهى الله- تعالى- رسوله ﷺ عن الجدال المتعمق في شأنهم، كما نهاه عن استفتاء أحد في أمرهم فقال- تعالى-: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً.
والمراء: هو الجدال والمحاجة فيما فيه مرية، أى: تردد. مأخوذ من مريت الناقة إذا كررت مسح ضرعها للحلب.
стр. 3799
والاستفتاء: طلب الفتيا من الغير. والفاء في قوله فَلا تُمارِ للتفريع.
أى: إذا كان الشأن كما أخبرناك عن حال أصحاب الكهف، فلا تجادل في أمرهم أحدا من الخائضين فيه إلا جدالا واضحا لا يتجاوز حدود ما قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- ولا تطلب الفتيا في شأنهم من أحد، لأن ما قصصناه عليك من خبرهم، يغنيك عن السؤال.
وعن طلب الإيضاح من أهل الكتاب أو من غيرهم.
ثم نهى الله- تعالى- نبيه ﷺ عن الإخبار عن فعل شيء في المستقبل إلا بعد تقديم مشيئة الله- فقال:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤)
قال القرطبي: قال العلماء: عاتب الله- تعالى- نبيه ﷺ على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: غدا أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يستثن في ذلك.
فاحتبس الوحى عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرّجة. وأمر في هذه الآية ألا يقول في أمر من الأمور إنى أفعل غدا كذا وكذا، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله- حتى لا يكون محققا لحكم الخبر، فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل: كان كاذبا، وإذا قال، لأفعلن ذلك- إن شاء الله- خرج عن أن يكون محققا للمخبر عنه «١» .
والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان، ويدخل فيه اليوم الذي يلي اليوم الذي أنت فيه دخولا أوليا. وعبر عما يستقبل من الزمان بالغد للتأكيد.
أى: ولا تقولن- أيها الرسول الكريم- لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل: إنى فاعل ذلك الشيء غدا، إلا وأنت مقرن قولك هذا بمشيئة الله- تعالى- وإذنه، بأن تقول:
стр. 3800
سأفعل هذا الشيء غدا بإذن الله ومشيئته، فإن كل حركة من حركاتك- ومن حركات غيرك- مرهونة بمشيئة الله- تعالى- وإرادته، وما يتعلق بمستقبلك ومستقبل غيرك من شئون، هو في علم الله- تعالى- وحده.
وليس المقصود من الآية الكريمة نهى الإنسان عن التفكير في أمر مستقبله، وإنما المقصود نهيه عن الجزم بما سيقع في المستقبل، لأن ما سيقع علمه عند الله- تعالى- وحده.
والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله- تعالى- سواء أكانت هذه الأسباب تتعلق بالماضي أم بالحاضر أم بالمستقبل، ثم يقرن كل ذلك بمشيئة الله- تعالى- وإرادته. فلا يقول: سأفعل غدا كذا وكذا لأننى أعددت العدة لذلك، وإنما يقول: سأفعل غدا كذا وكذا إذا شاء الله- تعالى- ذلك وأراد، وأن يوقن بأن إرادة الله فوق إرادته، وتدبيره- سبحانه- فوق كل تدبير.
وكم من أمور أعد الإنسان لها أسبابها التي تؤدى إلى قضائها.. ثم جاءت إرادة الله- تعالى- فغيرت ما أعده ذلك الإنسان، لأنه لم يستشعر عند إعداده للأسباب أن. إرادة الله- تعالى- فوق إرادته، وأنه- سبحانه- القادر على خرق هذه الأسباب، وخرق ما تؤدى إليه، ولأنه لم يقل عند ما يريد فعله في المستقبل، إن شاء الله.
وقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ تأكيد لما قبله أى: لا تقولن أفعل غدا إلا ملتبسا بقول: إن شاء الله، واذكر ربك- سبحانه- إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة، أى: عند تذكرك بأنك لم تقرن قولك بمشيئة الله، فأت بها.
قال الآلوسى: قوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ أى: مشيئة ربك، فالكلام على حذف مضاف، إذا نسيت، أى: إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته. فهو أمر بالتدارك عند التذكر.. «١» .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: للمفسرين في تفسير قوله- تعالى-: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قولان:
الأول- أن هذه الجملة مرتبطة ومتعلقة بما قبلها: والمعنى: إنك إن قلت سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل: إن شاء الله.
стр. 3801
أى: اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول إنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان.
وهذا القول هو الظاهر، لأنه يدل عليه ما قبله، وهو قوله- تعالى-: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وهو قول الجمهور.
الثاني: أن هذه الجملة لا تعلق لها بما قبلها، وأن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر ربك، لأن النسيان من الشيطان، كما قال- تعالى- عن فتى موسى: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ.... «١» .
وعلى هذا القول يكون المراد بالذكر: التسبيح والاستغفار، وعلى الأول المراد به أن تقول: إن شاء الله أو ما يشبه ذلك.
والمقصود من هذه الآية الكريمة بيان أن تعليق الأمور بمشيئة الله- تعالى- هو الذي يجب أن يفعل، لأنه- تعالى- لا يقع شيء إلا بمشيئته فإذا نسى المسلم ثم تذكر، فإنه يقول: إن شاء الله، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، وبذلك يكون قد فوض أمره إلى الله- تعالى-.
وليس المقصود بها التحلل من يمين قد وقعت، لأن تداركها قد فات بالانفصال، ولأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً أى: قدم- أيها الرسول الكريم- مشيئة ربك عند إرادة فعل شيء، وأت بها إذا نسيت ذلك عند التذكر، وقل عسى أن يوفقني ربي ويهديني ويدلني على شيء أقرب في الهداية والإرشاد من هذا الذي قصصته عليكم من أمر أصحاب الكهف.
قال صاحب الكشاف: وقوله: لِأَقْرَبَ مِنْ هذا.. اسم الإشارة يعود إلى نبأ أصحاب الكهف: ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبي صادق، ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف.
وقد فعل- سبحانه- ذلك، حيث آتاه من قصص الأنبياء، والإخبار بالغيوب، ما هو أعظم من ذلك وأدل، «٢» .
стр. 3802
ثم بين- سبحانه- على وجه اليقين، المدة التي قضاها أصحاب الكهف راقدين في كهفهم، فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)
أى: أن أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم راقدين ثلاثمائة سنين، وازدادوا فوق ذلك تسع سنين.
فالآية الكريمة إخبار منه- سبحانه- عن المدة التي لبثها هؤلاء الفتية مضروبا على آذانهم.
وقوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا تقرير وتأكيد لكون المدة التي لبثوها هي ما سبق بيانه في الآية السابقة.
فكأنه- سبحانه- يقول: هذا هو فصل الخطاب في المدة التي لبثوها راقدين في كهفهم، وقد أعلمك الله- تعالى- بذلك- أيها الرسول الكريم-، وما أعلمك به فهو الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله شك، فلا تلتفت إلى غيره من أقوال الخائضين في أمر هؤلاء الفتية، فإن الله- تعالى- هو الأعلم بحقيقة ذلك.
ويرى بعضهم أن قوله- تعالى-: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ حكاية لكلام أهل الكتاب في المدة التي لبثها أهل الكهف نياما في كهفهم، وأن قوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا للرد عليهم.
وقد حكى الإمام ابن كثير القولين. ورجح الأول منهما فقال: هذا خبر من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أن أرقدهم الله إلى أن بعثهم
стр. 3803
وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان. كان مقداره ثلاثمائة سنين وتسع سنين بالهلالية وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة وَازْدَادُوا تِسْعاً.
وقال قتادة في قوله: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ.. وهذا قول أهل الكتاب وقد رده الله- تعالى- بقوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا.
وفي هذا الذي قاله قتادة نظر، فإن الذي بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع ولو كان الله- تعالى- قد حكى قولهم لما قال: وَازْدَادُوا تِسْعاً، وظاهر الآية أنه خبر عن الله لا حكاية عنهم.. «١» .
وقوله- تعالى-: لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تأكيد لاختصاصه- بعلم المدة التي لبثوها، أى: له- سبحانه- وحده علم ما خفى وغاب من أحوال السموات والأرض، وأحوال أهلهما، كما قال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.
وقوله- سبحانه-: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ صيغتا تعجب: أى: ما أبصره وما أسمعه- تعالى- والمراد أنه- سبحانه- لا يغيب عن بصره وسمعه شيء.
وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره- تعالى- في الإدراك خارج عما عليه إدراك المبصرين والسامعين. إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت عنده لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وجلى وخفى.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً.
أى: ليس لأهل السموات ولا لأهل الأرض ولا لغيرهما غير الله- تعالى- نصير ينصرهم، أو ولى يلي أمرهم. ولا يشرك- سبحانه- في حكمه أو قضائه أحدا كائنا من كان من خلقه. كما قال- تعالى- أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
هذا، وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات مسائل منها.
(أ) مكان الكهف الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية، والزمن الذي ظهروا فيه، أما مكان الكهف فللعلماء فيه أقوال: من أشهرها أنه كان بالقرب من مدينة تسمى «أفسوس» وهي
стр. 3804
من مدن تركيا الآن، قالوا إنها تبعد عن مدينة «أزمير» بحوالى أربعين ميلا، وتعرف الآن باسم: «أيازبوك» .
وقيل: إنه كان ببلدة تدعى «أبسس» - بفتح الهمزة وسكون الباء وضم السين- وهذه البلدة من ثغور «طرسوس» بين مدينة حلب بسوريا، وبلاد أرمينية وأنطاكية.
وقيل: إنه كان ببلدة تسمى «بتراء» بين خليج العقبة وفلسطين.. إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة، التي لا نرى داعيا لذكرها، لقلة فائدتها.
وأما الزمن الذي ظهروا فيه، فيرى كثير من المفسرين أنه كان في القرن الثالث الميلادى في عهد الإمبراطور الرومانى «دقيانوس» الذي كان يحمل الناس حملا على عبادة الأصنام، ويعذب من يخالف ذلك.
(ب) العبر والعظات والأحكام التي تؤخذ من هذه القصة- ومن أهمها:
١- إثبات صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، حيث أخبر- عن طريق ما أوحاه الله إليه من قرآن- عن قصة هؤلاء الفتية، وبين وجه الحق في شأنهم ورد على ما خاضه الخائضون في أمرهم، وصدق الله إذ يقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ....
٢- الكشف عن جانب من بلاغة القرآن الكريم في قصصه، حيث ساق هذه القصة مجملة في الآيات الأربع الأولى منها، ثم ساقها مفصلة بعد ذلك تفصيلا حكيما. وفي ذلك ما فيه من تمكن أحداثها وهداياتها في القلوب.
والمرشد العاقل هو الذي ينتفع بهذا الأسلوب القرآنى في وعظه وإرشاده.
٣- بيان أن الإيمان متى استقر في القلوب، هان كل شيء في سبيله. فهؤلاء الفتية آثروا الفرار بدينهم، على البقاء في أوطانهم، لكي تسلم لهم عقيدتهم.. فهم كما قال- سبحانه- في شأنهم: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً.
٤- بيان أن على المؤمن أن يلجأ إلى الله بالدعاء- لا سيما عند الشدائد والكروب، وأنه متى اتقى الله- تعالى- وأطاعه، جعل له- سبحانه- من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وصانه من السوء.
فهؤلاء الفتية عند ما لجئوا إلى الكهف، تضرعوا إلى الله بقولهم: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً.
فأجاب الله دعاءهم، حيث ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا، وجعل الشمس
стр. 3805
لا تصل إليهم مع أنهم في فجوة من الكهف، وصان أجسادهم من البلى والتعفن بأن قلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وأنام كلبهم بعتبة باب الكهف حتى لكأنه حارس لهم: وألقى الهيبة عليهم بحيث لو رآهم الرائي لولى منهم فرارا. ولملئ قلبه رعبا من منظرهم.
وسخر أصحاب النفوذ والقوة للدفاع عنهم. وللتعبير عن تكريمهم لهم بقولهم: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً.
٥- بيان أن التفكير السليم- المصحوب بالنية الطيبة والعزيمة الصادقة، يؤدى إلى الاهتداء إلى الحق، وأن القلوب النقية الطاهرة تتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. وأن فضح الباطل والكشف عن زيفه.. دليل على سلامة اليقين.
فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق، وربط الله على قلوبهم إذ قاموا للوقوف في وجه الباطل، وهداهم تفكيرهم السليم إلى أن المستحق للعبادة هو ربهم رب السموات والأرض، وأن من يعبد غيره يكون قد افترى على الله كذبا.
وأن اعتزال الكفر يوصل إلى نشر الرحمة، والظفر بالسداد والتوفيق. ولذا تواصوا فيما بينهم بقولهم: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً.
٦- بيان أن مباشرة الأسباب المشروعة لا تنافى التوكل على الله.
فهؤلاء الفتية عند ما خرجوا من ديارهم، أخذوا معهم بعض النقود، وبعد بعثهم من رقادهم أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاما طاهرا حلالا، وأوصوه بالتلطف في أخذه وعطائه وبكتمان أمره وأمرهم حتى لا يعرف الأعداء مكانهم.
وهكذا العقلاء، لا يمنعهم توكلهم على الله- تعالى- من أخذ الحيطة والحذر في كل شئونهم التي تستدعى ذلك.
٧- إقامة أوضح الأدلة وأعظمها على أن البعث حق. فقد أطلع الله- تعالى- الناس على هؤلاء الفتية، ليوقنوا بأنه- سبحانه- قادر على إحياء الموتى.. لأن من يقدر على بعث الراقدين من رقادهم بعد مئات السنين، فهو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة.
٨- بيان أن من الواجب على المؤمن إذا أراد فعل شيء أن يقرن ذلك بمشيئة الله- تعالى- لأنه- سبحانه- بيده الأمر كله، وصدق الله إذ يقول: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.
هذه بعض العظات والأحكام التي ترشدنا إليها هذه القصة، وقد ذكرنا جانبا آخر منها
стр. 3806
خلال تفسيرنا للآيات التي اشتملت عليها. ومن أراد المزيد فليرجع إلى ما كتبه المفسرون في ذلك «١» .
ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ بمداومة التلاوة لما أوحاه إليه- سبحانه-، فإن فيه فصل الخطاب وبالحفاوة بالمؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى، وبإعلان كلمة الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)
стр. 3807
قال الإمام الرازي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ.. اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى- ﵇ والخضر، كلام واحد في قصة واحدة وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله ﷺ : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء.. فنهاه الله عن طردهم لأنه مطلوب فاسد.. ثم إنه- سبحانه- أمره بالمواظبة على تلاوة كتابه، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين، وتعنت المتعنتين «١» .
قوله- سبحانه-: وَاتْلُ ... فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة.
أى: وعليك أيها الرسول الكريم- أن تواظب وتداوم على قراءة ما أوحيناه إليك من هذا القرآن الكريم، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته، فإن في ذلك ما يهديك إلى الطريق الحق، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء، قال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً، يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ «٢» .
وصيغة الأمر في قوله- سبحانه-: وَاتْلُ.. لإبقاء الفعل لا لإيجاده، كما في قوله- تعالى-: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
و «من» في قوله مِنْ كِتابِ رَبِّكَ بيانية.
وقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أى: ليس في هذا الكون أحد في إمكانه أن يغير أو يبدل شيئا من الكلمات التي أوحاها الله- تعالى- إليك- أيها الرسول الكريم-، لأننا قد تكفلنا بحفظ هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك.
قال- تعالى-: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٣» .
стр. 3808
وقال- سبحانه- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» .
فالجملة الكريمة وهي قوله- سبحانه- لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ نفت قدرة أحد على تبديل كلمات الله، لأن أخبارها صدق، وأحكامها عدل، وإنما الذي يقدر على التغيير والتبديل هو الله- تعالى- وحده.
والضمير في «كلماته» يعود على الله- تعالى-، أو على الكتاب.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً.
وأصل الملتحد: مكان الالتحاد وهو افتعال من اللحد بمعنى الميل. ومنه اللحد في القبر، لأنه ميل في الحفر. ومنه قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.. أى: يميلون في آياتنا.
فالمراد بالملتحد: المكان الذي يميل فيه إلى ملجأ للنجاة.
والمعنى: وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أوحيناه إليك من كتابنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واعلم أنك إن خالفت ذلك لن تجد غير الله- تعالى- ملجأ تلجأ إليه، أو مأوى تأوى إليه، لكي تنجو مما يريده بك.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير الشديد- في شخص الرسول ﷺ لكل من يقصر في تلاوة كتاب الله، أو يحاول التبديل في ألفاظه ومعانيه.
ثم ساقت السورة الكريمة لونا من الأدب السامي، والتوجيه العالي، حيث بينت أن أولى الناس بالرعاية والمجالسة هم المؤمنون الصادقون، وأمرت النبي ﷺ بأن يصبر نفسه معهم، فقال- تعالى-: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ...
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلال وعمار وابن مسعود. وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله- تعالى- عن ذلك.. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء الفقراء فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. «٢» .
стр. 3809
وصبر النفس معناه: حبسها وتثبيتها على الشيء، يقال: صبرت فلانا أصبره صبرا، أى: حبسته.
والغداة: أول النهار. والعشى. آخره.
والمعنى: عليك- أيها الرسول الكريم- أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أى: يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات، في الصباح والمساء، ويداومون على ذلك، دون أن يريدوا شيئا من وراء هذه العبادة، سوى رضا الله- تعالى- عنهم ورحمته بهم.
وفي تخصيص الغداة والعشى بالذكر: إشعار بفضل العبادة فيهما: لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية غالبا.
ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة. وإلى هذا المعنى أشار الآلوسى بقوله: قوله: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أى: يعبدونه دائما. وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام. وهي نظير قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. يريدون به ضرب جميع البدن. وأبقى غير واحد اللفظين على ظاهرهما أى: يعبدونه في طرفي النهار «١» .
وقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مدح لهم بالإخلاص والبعد عن الرياء والمباهاة.. فهم لا يتقربون إلى الله- تعالى- بالطاعات من أجل دنيا يصيبونها. أو من أجل إرضاء الناس.
وإنما هم يبتغون بعبادتهم رضا الله- تعالى- وحده، لا شيئا آخر من حظوظ الدنيا.
وقوله- سبحانه- وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا.. نهى له ﷺ عن الغفلة عنهم، بعد أمره بحبس نفسه عليهم.
والفعل تَعْدُ بمعنى تصرف. يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه عنه وشغله.
أى: احبس نفسك مع هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه- سبحانه- ولا تصرف عيناك النظر عنهم، وتتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء، طمعا في إسلامهم.
فالمراد بإرادة الحياة الدنيا الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا في إيمانهم.
وجملة تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا في موضع الحال من الضمير المضاف إليه في قوله
стр. 3810
عَيْناكَ، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه.
وقوله- تعالى- وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه ﷺ على هؤلاء المؤمنين الفقراء، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطرسين الأغنياء.
والفرط- بضم الفاء والراء-: مجاوزة الحد، ونبذ الحق والصواب، واتباع الباطل والضلال. أى: ولا تطع- أيها الرسول الكريم- في تنحية المؤمنين الفقراء عن مجلسك أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا وعبادتنا لاستحواذ الشيطان عليها، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الغي على الرشد. والذين كان أمرهم. فرطا أى: مخالفا للحق، ومجاوزا للصواب، ومؤديا للضياع والخسران.
قال ابن جرير- بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى قوله- تعالى-: فُرُطاً:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: ضياعا وهلاكا. من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا، إذا أسرف فيه. وتجاوز قدره. وكذلك قوله: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.
معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفا قد تجاوز حده، فضيع بذلك الحق وهلك» «١» .
فالآية الكريمة تسوق للناس توجيها حكيما في بيان القيم الحقيقية للناس وهي أنها تتمثل في الإيمان والتقوى، لا في الغنى والجاه.
فالمؤمن الصادق في إيمانه، الكريم في أخلاقه.. هو الذي يحرص على مخالطة أهل الإيمان والتقوى. ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم والتواضع لهم، والتقدم إليهم بما يسرهم ويشرح صدورهم.
ولقد ربي النبي ﷺ أصحابه على هذا الخلق الكريم، روى الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي قال: مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشرف الناس، هذا والله حرىّ إن خطب أن يزوج، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ﷺ ثم مرّ رجل آخر: فقال له ﷺ : «ما رأيك في
стр. 3811
هذا» ؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا والله حرى إن خطب أن لا يزوج، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال: رسول الله ﷺ : «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» «١» .
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يجهر بكلمة الحق في وجوه المستكبرين، فقال. وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ...
أى: وقل: أيها الرسول- لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتبعوا أهواءهم، وكان أمرهم فرطا، قل لهم: هذا الذي جئتكم به من قرآن هو الحق من ربكم وخالقكم..
فقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ خبر لمبتدأ محذوف.
أو أن لفظ الْحَقُّ مبتدأ، والجار والمجرور خبره. أى: الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، كائن مبدؤه من ربكم، وليس من أحد سواه.
وليس المراد من قوله فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ التخيير بين الإيمان والكفر، بل المراد به التهديد والتخويف، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً.. إلخ.
أى: قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذي يجب اتباعه، فمن شاء أن يؤمن به فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب، ومن شاء أن يكفر به فليكفر فإن عاقبته الخسران والعقاب، كما بين- سبحانه- ذلك في قوله: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها.
والسرادق: كل ما أحاط بغيره، كالحائط أو السور الذي يحيط بالبناء، فيمنع من الوصول إلى ما بداخله.
أى: إنا هيأنا وأعددنا للكافرين بهذا الحق نارا مهولة عظيمة، أحاط بهم سياجها إحاطة تامة بحيث لا يستطيعون الخروج منه، وإنما هم محصورون بداخله. كما ينحصر الشيء بداخل ما يحدق به من كل جانب.
وقوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرابُ، وَساءَتْ مُرْتَفَقاً بيان لما ينزل بهم من عذاب عند ما يطلبون الغوث مما هم فيه من كروب.
والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض. كالحديد، والرصاص،
стр. 3812
والنحاس، ونحو ذلك كما يطلق- أيضا- على الماء الغليظ كدردي الزيت أى: ما تعكر منه. وقيل. هو نوع من القطران أو السم.
والمرتفق: المتكأ، من الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد.
أى: إن هؤلاء الكافرين، إن يطلبوا الغوث عما هم فيه من كرب وعطش، يغاثوا بماء كالمهل في شدة حرارته ونتنه وسواده، هذا الماء يَشْوِي الْوُجُوهَ أى: يحرقها.
بِئْسَ الشَّرابُ ذلك الماء الذي يغاثون به «وساءت» النار منزلا ينزلون به، ومتكأ يتكئون عليه.
فالآية الكريمة تصور ما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب، تصويرا ترتجف من هوله الأبدان، ويدخل الرعب والفزع على النفوس.
قال بعضهم: فإن قيل، أى إغاثة لهم في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال- سبحانه-، يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ؟
فالجواب: إن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ونظيره من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب.
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع
أى: لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع، وإذا كان هؤلاء الظالمون لا يغاثون إلا بماء كالمهل، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا» «١» .
والمخصوص بالذم في قوله: بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً محذوف، بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به، وساءت النار مكانا للارتفاق والاتكاء.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
ثم بين- سبحانه- ما أعده لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ألوان النعيم فقال:
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ.
ولفظ «عدن» بمعنى إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول. وأصله من عدن فلان بالمكان. إذ أقام به واستقر فيه.
стр. 3813
أى: أولئك الذين عمروا دنياهم بالإيمان والعمل الصالح لهم جنات يقيمون فيها إقامة دائمة، تجرى من تحت مساكنهم الأنهار.
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ والأساور: جمع سوار. وهو نوع من الحلي يلبس بزند اليد.
أى: يلبسون في تلك الجنات أساور من ذهب على سبيل التزين والتكريم.
ولا مانع من أن يضاف إلى هذه الأساور الذهبية، أساور أخرى من فضة، وثالثة من لؤلؤ كما في قوله- تعالى-: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ «١» .
وقوله- سبحانه-: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً.. «٢» .
وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول ﷺ قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» .
وقوله وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ معطوف على ما قبله.
والسندس: ما رق من الحرير واحده سندسة.
والإستبرق: ما غلظ منه وثخن، واحده إستبرقة.
أى: يتزينون في الجنات بأساور من ذهب، ويلبسون فيها ثيابا خضرا من رقيق الحرير ومن غليظه.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً.
والأرائك: جمع أريكة. وهو كل ما يتكأ عليه من سرير أو فراش.
أى: متكئين في الجنات على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين «نعم الثواب» ذلك الذي وعدهم الله- تعالى- به وهو الجنة «وحسنت» تلك الأرائك في الجنات «مرتفقا» .
أى: متكأ ومقرا ومجلسا ومسكنا.
وبذلك نرى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح.
стр. 3814
فقد بشرهم- سبحانه- بجنات عدن، ثم بشرهم ثانيا بأن الأنهار تجرى من تحتهم، ثم بشرهم ثالثا بأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب، ثم بشرهم رابعا بأنهم يلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق، ثم بشرهم خامسا، بأنهم يتكئون في تلك الجنات على الأرائك.
وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذي يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، نسأل الله- تعالى- أن يرزقنا هذا الفضل، فهو أكرم مسئول، وأعظم مأمول.
ثم ساقت السورة الكريمة مثلا للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا، الجاحدة لنعم الله ... وللنفس الإنسانية المتواضعة، المعتزة بعقيدتها السليمة، الشاكرة لربها ... لكي يكون في هذا المثل عبرة وعظة لمن كان له قلب، فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٦]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)
والمثل في اللغة: الشبيه والنظير، وهو في عرف القرآن الكريم: الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع.
وضرب المثل: إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع.
стр. 3815
أى: واضرب- أيها الرسول الكريم- مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه، وللكافرين الذين غرتهم الحياة الدنيا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
قال الآلوسى: والمراد بالرجلين: إما رجلان مقدران على ما قيل، وضرب المثل لا يقتضى وجودهما. وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه. فقيل هما رجلان من بنى إسرائيل أحدهما: كافر.. والآخر: مؤمن.
ثم قال: والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين، لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا، بل من أن للمؤمنين في الآخرة كذا، وللكافرين فيها كذا، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم في نعم الله، وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر» «١» .
أى: واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمة، والطاعة مع الفقر، حال رجلين:
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما وهو الكافر جَنَّتَيْنِ أى: بستانين، ولم يعين- سبحانه- مكانهما، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض.
ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال: مِنْ أَعْنابٍ جمع عنب، والعنبة الحبة منه. والمراد: من كروم متنوعة.
وقوله: وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً بيان لما أضيف إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة.
والحف بالشيء: الإحاطة به. يقال: فلان حفه القوم، أى: أحاطوا به، ومنه قوله- تعالى-: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ....
أى: جعلنا لأحد الرجلين، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب، وأحطناهما بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما، وجعلنا في وسطهما زرعا وبذلك تكون الجنتان جامعتين للأقوات والفواكه، مشتملتين على ما من شأنه أن يشرح الصدر، ويفيد الناس.
ثم ذكر- سبحانه- ما يزيد من جودة الجنتين، ومن غزارة خيرهما فقال: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً، وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وكلتا: اسم مفرد اللفظ مثنى المعنى عند البصريين، وهو المذهب المشهور، ومثنى لفظا ومعنى عند غيرهم.
أى: أن كل واحدة من الجنتين آتَتْ أُكُلَها أى: أعطت ثمارهما التي يأكلها الناس
стр. 3816
من العنب والتمر وغيرهما من صنوف الزرع وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أى ولم تنقص من هذا المأكول شيئا في سائر السنين، بل كان أكل كل واحدة منهما وافيا كثيرا في كل سنة، على خلاف ما جرت به عادة البساتين، فإنها في الغالب تكثر ثمارها في أحد الأعوام وتقل في عام آخر.
وفي التعبير بكلمة تَظْلِمْ بمعنى تنقص وتمنع، مقابلة بديعة لحال صاحبهما الذي ظلم نفسه بجحوده لنعم الله- تعالى- واستكباره في الأرض.
وقوله وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً أى: وشققنا في وسطهما نهرا ليمدهما بما يحتاجان إليه من ماء بدون عناء وتعب.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هاتين الجنتين بما يدل على جمال منظرهما، وغزارة عطائهما، وكثرة خيراتهما، واشتمالهما على ما يزيدهما بهجة ومنفعة.
ثم بين- سبحانه- أن صاحب هاتين الجنتين كانت له أموال أخرى غيرهما فقال:
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ.
قال الآلوسى ما ملخصه: وَكانَ لَهُ أى: للأحد المذكور وهو صاحب الجنتين «ثمر» أى أنواع أخرى من المال.. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي.. «ثمر» بضم الثاء والميم، وهو جمع ثمار- بكسر الثاء-.. أى: أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما..» «١» .
وقوله- سبحانه-: فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً حكاية لما تفوه به هذا الكافر من ألفاظ تدل على غروره وبطره.
والمحاورة: المراجعة للكلام من جانبين أو أكثر. يقال: تحاور القوم، إذا تراجعوا الكلام فيما بينهم. ويقال: كلمته فما أحار إلى جوابا، أى: مارد جوابا.
والنفر: من ينفر- بضم الفاء- مع الرجل من قومه وعشيرته لقتال عدوه.
أى: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا.
وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها.. بطرا وفسادا في الأرض.
стр. 3817
وما أصدق قول قتادة- رضى الله عنه-: «تلك- والله- أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر» ، ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد. حكاه القرآن في قوله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ: ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً. وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً.
أى: أن هذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به نحو جنته حتى دخلها وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده وغروره.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته، ماله جنة غيرها: يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعدها الله للمؤمنين، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.
وقوله وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أى: وهو معجب بما أوتى مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم.. «١» .
وقوله: قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً أى: قال هذا الكافر لصاحبه: ما أظن أن هذه الجنة تفنى أو تهلك أبدا.
يقال: باد الشيء يبيد بيدا وبيودا: إذا هلك وفنى.
ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أى: كائنة ومتحققة. فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب بعد إنكاره لفناء جنته، ثم أكد كلامه بجملة قسمية فقال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي أى: والله لئن رددت إلى ربي على سبيل الفرض والتقدير كما أخبرتنى يا صاحبي بأن هناك بعثا وحسابا لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها أى:
من هذه الجنة مُنْقَلَباً أى: مرجعا وعاقبة. اسم مكان من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء إلى غيره.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً.
وقوله- سبحانه-: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.
والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه، - أولا- قد زعم أن مدار التفاضل هو الثروة والعشيرة، ويراه- ثانيا- قد بنى حياته على الغرور والبطر، واعتقاد الخلود لزينة الحياة
стр. 3818
الدنيا، ويراه- ثالثا- قد أنكر البعث والحساب، والثواب والعقاب.
ويراه- رابعا- قد توهم أن غناه في الدنيا سيكون معه مثله في الآخرة:
قال صاحب الكشاف: وأخبر عن نفسه بالشك في بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادى غفلته، واغتراره بالمهلة، واطراحه النظر في عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، منادية عليه.
وأقسم على أنه إن رد إلى ربه- على سبيل الفرض والتقدير- ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله..» «١» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين، الذي نطق بأفحش، وأفجر الفجور، فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٧ الى ٤١]
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)
أى: قال الرجل الفقير المؤمن، في رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرا عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: يا هذا أَكَفَرْتَ بالله الذي «خلقك» بقدرته
стр. 3819
«من تراب» . أى: خلق أباك الأول من تراب، كما قال: سبحانه إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» .
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أى: خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى.
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا أى: ثم صيرك إنسانا كاملا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة. كما قال- سبحانه-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
والاستفهام في قوله: أَكَفَرْتَ.. للإنكار والاستبعاد، لأن خلق الله- تعالى- له من تراب ثم نطفة، ثم تسويته إياه رجلا، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه.
قالوا: ولا يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً. أنه كان مؤمنا، لأنه قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الاعتقاد واليقين، بدليل تردده في إمكان قيام الساعة، ولأن اعترافه بوجود الله- تعالى- لا يستلزم الإيمان الحق، فالكفار كانوا يعترفون بأن الله- تعالى- هو الخالق للسموات والأرض، ومع هذا يشركون معه في العبادة آلهة أخرى.
وجاء التعبير بحرف «ثم» في الآية، للاشارة إلى أطوار خلق الإنسان التي فصلها- سبحانه- في آيات أخرى، منها قوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «٢» .
ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين:
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً.
أى: إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا، فإنى لست بكافر، ولكني أنا مؤمن، أعترف له بالعبادة والطاعة وأقول: هو الله-
стр. 3820
تعالى- وحده ربي، ولا أشرك معه أحدا من خلقه لا في الربوبية، ولا في الألوهية، ولا في الذات ولا في الصفات.
وقوله- سبحانه- في هذه الآية لكِنَّا ... أصله: «لكن أنا» أى: لكن أنا أقول هو الله ربي. فحذفت همزة «أنا» وأدغمت نون «لكن» في نون أنا بعد حذف الهمزة.
وجمهور القراء يقرءون في الوصل «لكن» بدون ألف بعد النون المشددة وقرأ أبو عامر في الوصل «لكنا» بالألف- أما في حالة الوقف فقد اتفق الجميع على إثبات الألف.
قال صاحب الكشاف: قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله: لكن أنا فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام، ونحوه قول القائل:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب ... وتقليننى، لكنّ إياك لا أقلى
أى: لكن أنا لا أقليك.
و «هو» ضمير الشأن: أى: والشأن أن الله ربي: والجملة خبر أنا. والراجع منها إليه ياء الضمير.
فإن قلت: هو استدراك لأى شيء؟ قلت: لقوله «أكفرت..» قال لأخيه أنت كافر بالله، لكني مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب لكن عمرا حاضر» «١» .
ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن يقوله عند دخوله جنته فقال: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ....
قال الإمام ابن كثير: هذا تحضيض وحث على ذلك. أى: هلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك وقلت ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ولده أو ماله، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روى فيه حديث مرفوع.. فعن أنس- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت» «٢» .