← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

لموسى- ﵇ إذ من المعروف عند علماء الأصول، أن تحديد العدد بالذكر، لا يدل على نفى الزائد عنه. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا القول- المروي عن ابن عباس وغيره- ظاهر جلى حسن قوى.. فهذه الآيات التسع، التي ذكرها هؤلاء الأئمة، هي المرادة هنا ... وقد أوتى موسى- ﵇ آيات أخرى كثيرة منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه.. وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا. ثم قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ... فسألاه: فقال النبي ﷺ : «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسخروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف» .. فقبّلا يديه ورجليه ... ثم قال: «أما هذا الحديث فهو حديث مشكل. وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وتكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات، بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ... » «١» . والحق أن ما رجحه الإمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا: ما آتاه الله- تعالى- لنبيه موسى- ﵇ من العصا، واليد ... هو الذي تسكن إليه النفس، لأن قوله- تعالى- بعد ذلك قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ... يؤيد أن المراد بها ما تقدم من العصا، واليد، والسنين.. ولأنها هي التي فيها الحجج، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى- ﵇. أما تلك الوصايا التي وردت في الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون- كما قال الإمام ابن كثير. هذا، والخطاب في قوله- تعالى-: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ يرى بعضهم أنه

стр. 3747

للنبي ﷺ والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. وعلى هذا التفسير يكون قوله إِذْ جاءَهُمْ ظرف لقوله آتَيْنا وجملة فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ معترضة بين العامل والمعمول. والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وقت أن أرسله الله- تعالى- إلى فرعون وقومه، فاسأل- أيها الرسول الكريم- المؤمنين من بنى إسرائيل عن ذلك، فستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه في التوراة. والمقصود بسؤالهم: الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت، أن تكون أقوى وأثبت في تأييد المدعى. قال الآلوسى: والمعنى: فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى- في التثبيت-، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم. وليس المقصود حقيقة السؤال. بل كونهم- أعنى المسئولين- من أهل علمه، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم» «١» . ويرى آخرون أن الخطاب لموسى- ﵇، وعليه يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب، ويكون قوله إِذْ جاءَهُمْ ظرفا لفعل مقدر. والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فقلنا له حين مجيئه إلى بنى إسرائيل: اسألهم عن أحوالهم مع فرعون، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك. والفاء في قوله: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً هي الفصيحة. إذ المعنى: فامتثل موسى أمرنا، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم، وطلب من فرعون أن يرسلهم معه، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالي والتهوين من شأنه- ﵇: يا موسى إنى لأظنك مسحورا. أى: سحرت فخولط عقلك واختل، وصرت تتصرف تصرفا يتنافى مع العقل السليم، وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم. فقوله مَسْحُوراً اسم مفعول. يقال: سحر فلان فلانا يسحره سحرا فهو مسحور، إذا اختلط عقله.

стр. 3748

ويجوز أن يكون قوله مَسْحُوراً بمعنى ساحر، فيكون المعنى: إنى لأطنك يا موسى ساحرا، عليما بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها- ﵇. وهذا شأن الطغاة في كل زمان ومكان، عند ما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم ... يرمون أهله- زورا وبهتانا- بكل نقيصة. وعند ما يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول: قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ. أى: قال موسى لفرعون ردا على كذبه وافترائه: لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه الآيات التسع إلا الله- تعالى- خالق السموات والأرض، وقد أوجدها- سبحانه- بصورة واضحة جلية، حتى لكأتها البصائر في كشفها للحقائق وتجليتها. فقوله بَصائِرَ حال من هؤُلاءِ أى: أنزل هذه الآيات حال كونها بينات واضحات تدلك على صدقى. وفي هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى- ﵇ ليس مسحورا ولا ساحرا، وأن الآيات التي جاء بها إنما هي من عند الله- تعالى-، كما قال- سبحانه-: مخاطبا موسى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً، قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ «١» . وقوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً توبيخ آخر لفرعون، وتهديد له لأنه وصف نبيا من أنبياء الله- تعالى- بأنه مسحور. ومثبورا بمعنى مهلك مدمر. يقال: ثبر الله- تعالى- الظالم يثبره ثبورا، إذا أهلكه. أو بمعنى مصروفا عن الخير. مطبوعا على الشر من قولهم: ما ثبرك يا فلان عن هذا الأمر؟ أى: ما الذي صرفك ومنعك عنه. والظن هنا بمعنى اليقين، والمعنى: وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير،

стр. 3749

بسبب إصرارك على الكفر والطغيان، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربي الذي خلقني وخلقك وخلق كل شيء. ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون، بعد أن أخرسه موسى- ﵇ بقوة حجته، وثبات جنانه فقال: فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.. والاستفزاز: الإزعاج والاستخفاف، والمراد- به هنا: الطرد والقتل. والضمير المنصوب في يَسْتَفِزَّهُمْ يعود إلى موسى وقومه بنى إسرائيل. أى: فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده، أن يطرده وقومه من أرض مصر التي يسكنون معه فيها. وأن يقطع دابرهم، كما أشار إلى ذلك- سبحانه- في قوله: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ «١» . ثم حكى- سبحانه- ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه فقال: فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً. وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ.... أى: أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر، وأن يهلكهم.. فكانت النتيجة أن عكسنا عليه مكره وبغيه، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق، دون أن نستثنى منهم أحدا. وقلنا من بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى- ﵇: اسكنوا الأرض التي أراد أن يستفزكم منها فرعون وهي أرض مصر. قال الآلوسى: وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها، وبعد أن أغرق الله فرعون وجنده. وإن لم يثبت فالمراد من بنى إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون استفزازهم، واختار غير واحد أن المراد من الأرض. الأرض المقدسة، وهي أرض الشام «٢» . وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله- تعالى- في إهلاك الظالمين، وفي توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم. ورحم الله الإمام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة. مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا

стр. 3750

بإخراج الرسول ﷺ منها، كما قال- تعالى-: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها ... ولهذا أورث الله- تعالى- رسوله مكة، فدخلها، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلما وكرما، كما أورث الله القوم الذين كانوا مستضعفين من بنى إسرائيل، مشارق الأرض ومغاربها. وأورثهم بلاد فرعون ... » «١» . ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة بقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً. أى: فإذا جاء وعد الدار الآخرة، أى: الموعد الذي حدده الله- تعالى- لقيام الساعة، أحييناكم من قبوركم، وجئنا بكم جميعا أنتم وفرعون وقومه مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل. واللفيف: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه الجماعة التي اجتمعت من قبائل شتى. يقال: هذا طعام لفيف، إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبا مما دار بين موسى- ﵇ وبين فرعون من محاورات ومجادلات، وبينت لنا سنة من سنن الله- تعالى- التي لا تتخلف في نصرة المؤمنين، ودحر الكافرين. ثم عادت السورة الكريمة إلى التنويه بشأن القرآن الكريم، وأثنت على المؤمنين من أهل الكتاب الذين تأثروا تأثرا بليغا عند سماعه، فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)

стр. 3751

قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.. عود إلى شرح حال القرآن الكريم، فهو مرتبط بقوله: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ.. وهكذا طريقة العرب في كلامها، تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى آخر، ثم إلى آخر، ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا، والحديث شجون ... » «١» . والمراد بالحق الأول: الحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله، والمراد بالحق الثاني: ما اشتمل عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ومعاملات ... والباء في الموضعين للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير القرآن الذي دل الكلام على أن الحديث عنه. والمعنى: وإن هذا القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه حكمتنا، وما أنزلناه إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات وغيرهما. فالحق سداه ولحمته، والحق مادته وغايته. قال بعض العلماء: بين- جل وعلا- في هذه الآية الكريمة، أنه أنزل هذا القرآن بالحق، أى: ملتبسا به متضمنا له، فكل ما فيه حق، فأخباره صدق. وأحكامه عدل، كما قال- تعالى-: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ... وكيف لا، وقد أنزله- سبحانه- بعلمه، كما قال- تعالى- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. وقوله وَبِالْحَقِّ نَزَلَ يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله، لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه، حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل، كما أشار إلى هذا- سبحانه- بقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «٢» .

стр. 3752

وقوله- سبحانه-: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ثناء على الرسول ﷺ الذي نزل عليه القرآن، بعد الثناء على القرآن في ذاته. أى: وما أرسلناك- أيها الرسول الكريم- إلا مبشرا لمن أطاعنا بالثواب، وإلا منذرا لمن عصانا بالعقاب. ولم نرسلك لتخلق الهداية في القلوب، فإن ذلك من شأن الله تعالى. ثم بين- سبحانه- الحكم التي من أجلها أنزل القرآن مفصلا ومنجما، فقال: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا. ولفظ: قُرْآناً منصوب بفعل مضمر أى: وآتيناك قرآنا. وقوله: فَرَقْناهُ أى: فصلناه. أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. أو أنزلناه منجما مفرقا. قال الجمل: وقراءة العامة فَرَقْناهُ بالتخفيف. أى: بينا حلاله وحرامه ... وقرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد وفيه وجهان: أحدهما: أن التضعيف للتكثير. أى: فرقنا آياته بين أمر ونهى وحكم وأحكام. ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار. والثاني: أنه دال على التفريق والتنجيم» «١» . وقوله عَلى مُكْثٍ أى: على تؤدة وتمهل وحسن ترتيل، إذ المكث التلبث في المكان، والإقامة فيه انتظارا لأمر من الأمور. والمعنى: «ولقد أنزلنا إليك- أيها الرسول- هذا القرآن، مفصلا في أوامره ونواهيه، وفي أحكامه وأمثاله ... ومنجما في نزوله لكي تقرأه على الناس على تؤدة وتأن وحسن ترتيل، حتى يتيسر لهم حفظه بسهولة، وحتى يتمكنوا من تطبيق تشريعاته وتوجيهاته تطبيقا عمليا دقيقا. وهكذا فعل الصحابة- رضى الله عنهم-: فإنهم لم يكن القرآن بالنسبة لهم متعة عقلية ونفسية فحسب، وإنما كان القرآن بجانب حبهم الصادق لقراءته وللاستماع إليه منهجا لحياتهم، يطبقون أحكامه وأوامره ونواهيه وآدابه ... في جميع أحوالهم الدينية والدنيوية. قال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، أنهم كانوا يستقرئون عن النبي ﷺ ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتركوها حتى يعملوا بما فيها «فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» .

стр. 3753

وقوله- سبحانه-: وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أى: ونزلناه تنزيلا مفرقا منجما عليك يا محمد في مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة، على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وعلى حسب الحوادث والمصالح، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب. ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يخاطب المشركين بما يدل على هوان شأنهم. وعلى عدم المبالاة بهم، فقال- تعالى-: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً.... أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين. الذين طلبوا منك ما هو خارج عن رسالتك، والذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين: قل لهم: آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به، لأن إيمانكم به، لا يزيده كمالا، وعدم إيمانكم به لا ينقص من شأنه شيئا، فإن علماء أهل الكتاب الذين آتاهم الله العلم قبل نزول هذا القرآن، وميزوا بين الحق والباطل، كانوا إذا تلى عليهم هذا القرآن، - كأمثال عبد الله بن سلام وأصحابه «يخرون للأذقان سجدا» أى: يسقطون على وجوههم ساجدين لله- تعالى- شكرا له على إنجاز وعده، بإرسالك- أيها الرسول الكريم- وبإنزال القرآن عليك، كما وعد بذلك- سبحانه- في كتبه السابقة. فالجملة الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.. تعليل لعدم المبالاة بهؤلاء المشركين الجاهلين، والضمير في قوله: مِنْ قَبْلِهِ يعود إلى القرآن الكريم. وقوله: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً يدل على قوة إيمانهم، وعلى سرعة تأثرهم بهذا القرآن، فهم بمجرد تلاوته عليهم، يسقطون على وجوههم ساجدين لله- تعالى-. وخصت الأذقان بالذكر، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود، ولأن ذلك يدل على نهاية خضوعهم لله- تعالى- وتأثرهم بسماع القرآن الكريم: ثم حكى- سبحانه- ما يقولونه في سجودهم فقال: وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا. أى: ويقولون في سجودهم، ننزه ربنا- عن كل ما يقوله الجاهلون بشأنه، إنه- تعالى- كان وعده منجزا ومحققا لا شك في ذلك. ثم كرر- سبحانه- مدحه لهم فقال: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ، وَيَزِيدُهُمْ أى سماع القرآن خُشُوعاً وخضوعا لله- .

стр. 3754

وكرر- سبحانه- خرورهم على وجوههم ساجدين لله- تعالى- لاختلاف السبب، فهم أولا أسرعوا بالسجود لله تعظيما له- سبحانه- وشكرا له على إنجازه لوعده. وهم ثانيا أسرعوا بالسجود، لفرط تأثرهم بمواعظ القرآن الكريم. فأنت ترى هاتين الآيتين قد أمرتا النبي ﷺ بالإعراض عن المشركين، وباحتقارهم وبازدراء شأنهم، فإن الذين هم خير منهم وأفضل وأعلم قد آمنوا. وفي ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله ﷺ فكأن الله- تعالى- يقول له: يا محمد تسلّ عن إيمان هؤلاء الجهلاء، بإيمان العلماء. هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين أن البكاء من خشية الله، يدل على صدق الإيمان، وعلى نقاء النفس، ومن الأحاديث التي وردت في فضل ذلك، ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بآيتين دالتين على تفرده- سبحانه- بالتقديس والتعظيم والتمجيد والعبادة، فقال- تعالى-: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١١٠ الى ١١١] قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.. ذكروا روايات منها: ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: وصلّى رسول الله ﷺ بمكة ذات يوم فدعا الله- تعالى- فقال: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو

стр. 3755

إلهين فنزلت «١» . ومعنى: ادعوا، سموا، وأَوِ للتخيير. وأَيًّا اسم شرط جازم منصوب على المفعولية بقوله: ادْعُوا والمضاف إليه محذوف، أى: أى الاسمين. وتَدْعُوا مجزوم على أنه فعل الشرط لأيّا، وجملة فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى واقعة موقع جواب الشرط، وما مزيدة للتأكيد. والحسنى: مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل. والمعنى: قل يا محمد للناس: سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما سميتموه فقد أصبتم، فإنه- تعالى- له الأسماء الأحسن من كل ما سواه، وقال- سبحانه-: فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى للمبالغة في كمال أسمائه- تعالى- وللدلالة على أنه ما دامت أسماؤه كلها حسنة، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك، كل واحد منهما حسن. وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية، أسماء الله الحسنى، فارجع إليها إن شئت «٢» . وقوله- سبحانه-: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا تعليم من الله- تعالى- لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة في الصلاة. فالمراد بالصلاة هنا: القراءة فيها. والجهر بها: رفع الصوت أثناءها، والمخافتة بها: خفضه بحيث لا يسمع. يقال: خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه، والكلام على حذف مضاف. والمعنى: ولا تجهر يا محمد في قراءتك خلال الصلاة، حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها، حتى لا يسمعها من يكون خلفك، بل أسلك في ذلك طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة. ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا: القراءة فيها، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس. قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فأمره الله بالتوسط. وقيل: المراد بالصلاة هنا: الدعاء. أى: لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله، ولا تخافت به. وقد روى ذلك عن عائشة، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت في الدعاء.

стр. 3756

ويبدو لنا أن التوجيهات التي بالآية الكريمة تتسع للقولين، أى: أن على المسلم أن يكون متوسطا في رفع صوته بالقراءة في الصلاة، وفي رفع صوته حال دعائه. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً.... أى: وقل- أيها الرسول الكريم-: الحمد الكامل، والثناء الجميل، لله- تعالى- وحده، الذي لم يتخذ ولدا لأنه هو الغنى، كما قال- تعالى-: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.. «١» . ولم يكن له، - سبحانه- شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ بل هو المالك لكل شيء، ليس له في هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه في ملكه أو في عبادته. كما قال- تعالى-: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً «٢» . وكما قال- : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ «٣» . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ أى: ولم يكن له- سبحانه- ناصر ينصره من ذل أصابه أو نزل به، لأنه- هو أقوى الأقوياء، وقاهر الجبابرة، ومذل الطغاة، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً أى: وعظمه تعظيما تاما كاملا، يليق بجلاله . قال الإمام ابن كثير: عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً.... ثم قال ابن كثير: وقد جاء في حديث أن رسول الله ﷺ سماها آية العز «٤» .

стр. 3757

وبعد: فهذا تفسير لسورة الإسراء نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وشافعا لنا يوم نلقاه يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى المدينة المنورة- مساء الخميس ١٥ من جمادى الأولى سنة ١٤٠٤ هـ الموافق ١٦ من فبراير سنة ١٩٨٤ م

стр. 3758

تفسير سورة الكهف

стр. 3759

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فقد كان من فضل الله- على، أن أعارتنى جامعة الأزهر إلى قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد امتدت هذه الإعارة لمدة أربع سنوات، من سنة ١٤٠٠ إلى ١٤٠٤ هـ ١٩٨٠- ١٩٨٤ م. وقد وفقني الله- تعالى- خلال هذه المدة، أن أكتب- وأنا في الجوار الطيب- تفسيرا محررا ونافعا- إن شاء الله- لسور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء. وها أنا ذا- وأنا في الأشهر الأخيرة من الإعارة- انتهى من كتابة تفسير سورة الكهف. أسأل الله- تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وأن يعينني على خدمة كتابه الكريم، وعلى السير في تفسيره حتى النهاية، وأن يزيل من طريقي كل عقبة تمنعني من ذلك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المدينة المنورة- مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤ هـ. ١٩ من إبريل سنة ١٩٨٤ م د/ محمد سيد طنطاوى

стр. 3760

تمهيد ١- سورة الكهف هي السورة الثامنة عشرة في ترتيب سور المصحف، فقد سبقتها في الترتيب سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران.. إلخ. أما ترتيبها في النزول، فهي السورة الثامنة والستون، فقد ذكر قبلها صاحب الإتقان سبعا وستين سورة، كما ذكر أن نزولها كان بعد سورة الغاشية «١» . ومما ذكره صاحب الإتقان يترجح لدينا، أن سورة الكهف من أواخر السور المكية التي نزلت على النبي ﷺ قبل الهجرة، إذ من المعروف عند العلماء أن السور المكية زهاء اثنتين وثمانين سورة. قال الآلوسي: سورة الكهف، ويقال لها سورة أصحاب الكهف.. وهي مكية كلها في المشهور، واختاره الداني.. وعدها بعضهم من السور التي نزلت جملة واحدة. وقيل: مكية إلا قوله- تعالى- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ.. الآية. وقيل هي مكية إلا أولها إلى قوله- تعالى- جُرُزاً وقيل: مكية إلا قوله- تعالى- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا.. إلى آخر السورة. وهي مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين، ومائة وعشر آيات عند الكوفيين ... «٢» . والذين تطمئن إليه النفس أن سورة الكهف كلها مكية، وقد ذكر ذلك دون أن يستثنى منها شيئا الإمام ابن كثير، والزمخشري، وأبو حيان، وغيرهم، وفضلا عن ذلك فالذين قالوا بأن فيها آيات مدنية، لم يأتوا بما يدل على صحة قولهم، كما سيتبين لنا عند تفسير الآيات التي قيل بأنها مدنية. ٢- وقد صدر الامام ابن كثير تفسيره لهذه السورة، بذكر الأحاديث التي وردت في فضلها فقال ما ملخصه: ذكر ما ورد في فضلها، والعشر الآيات من أولها وآخرها، وأنها عصمة من الدجال.

стр. 3761

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد، عن معدان بن أبى طلحة، عن أبى الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال» . وفي رواية عن أبى الدرداء، عن النبي ﷺ : «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» . وأخرج الحاكم عن أبى سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين «١» » . ٣- عرض إجمالى لسورة الكهف: (أ) عند ما نقرأ سورة الكهف، نراها في مطلعها تفتتح بالثناء على الله- تعالى- وبالتنويه بشأن النبي ﷺ وبالقرآن الذي نزل عليه ثم تنذر الذين نسبوا إلى الله- مالا يليق به، وتصمهم بأقبح ألوان الكذب، ثم تنهى النبي ﷺ عن التأسف عليهم، بسبب إصرارهم على كفرهم. قال- تعالى-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً. ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً. (ب) ثم ساقت السورة بعد ذلك فيما يقرب من عشرين آية قصة أصحاب الكهف، فحكت أقوالهم عند ما التجأوا إلى الكهف، وعند ما استقروا فيه واتخذوه مأوى لهم، كما حكت جانبا من رعاية الله، تعالى، لهم، ورحمته بهم.. ثم صورت أحوالهم وهم رقود، وذكرت تساؤلهم فيما بينهم بعد أن بعثهم الله- تعالى- من رقادهم الطويل، وإرسالهم أحدهم إلى المدينة لإحضار بعض الأطعمة، وإطلاع الناس عليهم. وتنازعهم في أمرهم، ونهى الله- تعالى- عن الجدال في شأنهم، كما ذكرت المدة التي لبثوها في كهفهم. قال- تعالى- وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً.

стр. 3762

(ج) ثم أمرت السورة الكريمة النبي ﷺ برعاية الفقراء من أصحابه. ومدحتهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه.. كما أمرته بأن يجهر بكلمة الحق، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإن الله- تعالى- قد أعد لكل فريق ما يستحقه من ثواب أو عقاب. قال- تعالى- وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. (د) ثم ضربت السورة الكريمة مثلا للشاكرين والجاحدين، وصورت بأسلوب بليغ مؤثر تلك المحاورة الرائعة التي دارت بين صاحب الجنتين الغنى المغرور، وبين صديقه الفقير المؤمن الشكور، وختمت هذه المحاورة ببيان العاقبة السيئة لهذا الجاهل الجاحد. استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك بأسلوبه فيقول: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، وَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً. (هـ) ثم أتبعت السورة هذا المثل للرجلين، بمثال آخر لزوال الحياة الدنيا وزينتها، وببيان أحوال الناس يوم القيامة، وأحوال المجرمين عند ما يرون صحائف أعمالهم وقد خلت من كل خير. قال- تعالى-: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا. وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. (و) وبعد أن ذكرت السورة الكريمة طرفا من قصة آدم وإبليس، وبينت أن هذا القرآن قد صرف الله فيه للناس من كل مثل، وحددت وظيفة المرسلين عليهم الصلاة والسلام. بعد كل ذلك ساقت في أكثر من عشرين آية قصة موسى مع الخضر- ﵉ وحكت ما دار بينهما من محاورات. انتهت بأن قال الخضر لموسى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. (ز) ثم جاءت بعد قصة موسى والخضر- ﵉ قصة ذي القرنين في ست

стр. 3763

عشرة آية، بين الله، تعالى، فيها جانبا من النعم التي أنعم بها على ذي القرنين، ومن الأعمال العظيمة التي مكنه- سبحانه- من القيام بها. قال- تعالى- حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً. (ح) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان ما أعده- سبحانه- للكافرين من سوء العذاب وما أعده للمؤمنين من جزيل الثواب، وببيان مظاهر قدرته، التي توجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة. قال- تعالى-: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً. ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا. قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً. ٤- وبعد: فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات التي اشتملت عليها سورة الكهف، ومن هذا العرض نرى: (أ) أن القصص قد اشتمل على جانب كبير من آياتها، ففي أوائلها نرى قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الرجلين اللذين جعل الله لأحدهما جنتين من أعناب. ثم بعد ذلك جاء طرف من قصة آدم وإبليس، ثم جاءت قصة موسى والخضر- ﵉ ثم ختمت بقصة ذي القرنين. وقد وردت هذه القصص في أكثر من سبعين آية، من سورة الكهف المشتملة على عشر آيات بعد المائة. (ب) اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عنه، وعلى إثبات أن هذا القرآن من عنده- تعالى. نرى ذلك في أمثال قوله- تعالى- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.

стр. 3764

وقوله- تعالى-: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وفي غير ذلك من الآيات التي حكت لنا تلك القصص المتعددة. (ج) برز في السورة عنصر الموازنة والمقارنة بين حسن عاقبة الأخيار وسوء عاقبة الأشرار، ترى ذلك في قصة أصحاب الكهف، وفي قصة الرجلين وفي قصة ذي القرنين. وفي الآيات التي ذكرت الكافرين وسوء مصيرهم، ثم أعقبت ذلك يذكر المؤمنين وحسن مصيرهم كما برز فيها عنصر التسلية للرسول ﷺ والتهوين من شأن أعدائه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً. كما برز فيها التصوير المؤثر لأهوال يوم القيامة كما في قوله- تعالى-: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. والخلاصة: أن سورة الكهف قد- ساقت- بأسلوبها البليغ الذي يغلب عليه طابع القصة- ألوانا من التوجيهات السامية، التي من شأنها أنها تهدى إلى العقيدة الصحيحة، وإلى السلوك القويم. وإلى الخلق الكريم، وإلى التفكير السليم الذي يهدى إلى الرشد، وإلى كل ما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3765

التفسير قال- تعالى-: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) سورة الكهف هي إحدى السور الخمس، التي افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين، وهي أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين. والسور الأربع الأخرى التي افتتحت بقوله- تعالى-: الْحَمْدُ لِلَّهِ هي: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر. وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السور وإن كانت قد اشتركت في هذا

стр. 3766

الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها في بيان الأسباب التي من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله- تعالى- وحده «١» . وإنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة على الله- تعالى-، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه إذ هو الخالق لكل شيء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو في الحقيقة حمد لله، لأنه- سبحانه- هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه. وقد بين بعض المفسرين الحكمة في افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: «أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء أكان ذلك الإنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر. وكان قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ تصريحا بأن المؤثر في وجود العالم هو الفاعل المختار، الذي وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم..، «٢» . وقوله: الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً.. بيان للأسباب التي توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله- تعالى- وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله. والعوج- بكسر العين- أكثر ما يكون استعمالا في المعاني، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه. أما العوج- بفتح العين- فأكثر ما يكون استعمالا في الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج. وقوله: قَيِّماً أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما- أى: عوجا وقيما-

стр. 3767

حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله قَيِّماً منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما. والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله- تعالى- وحده، الذي أنزل على عبده محمد ﷺ القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا في لفظه، ولا في معناه، وإنما جعله في أسمى درجات الاستقامة والإحكام. وإنما أمر الله- تعالى- الناس بأن يحمدوه لإنزال الكتاب على عبده محمد ﷺ لأن في هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. وفي التعبير عن الرسول ﷺ بالعبد، مضافا إلى ضميره- تعالى-، تعظيم وتشريف له ﷺ وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته «فهو عبد الله- تعالى-، وأن الذين عبدوا أو أشركوا مع الله- تعالى- بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا. والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل- سبحانه- على عبده محمد ﷺ الكتاب الكامل في بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب. والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع. وجاء لفظ «عوجا» بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة في سياق النفي تعم، أى: لم يجعل له- سبحانه- أى شيء من العوج. وقوله: قَيِّماً تأكيد في المعنى لقوله- سبحانه-: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج في حقيقة الأمر، ولذا جمع- سبحانه- بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع «١» .

стр. 3768

وشبيه بهذه الآية في مدح القرآن الكريم قوله- تعالى-: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.. «٢» . وقوله- : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ «٣» . وقوله- تعالى-: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٤» . ثم شرع- سبحانه- في بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإحكام، فقال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.... والإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، ولبس كل إعلام إنذارا. واللام في قوله لِيُنْذِرَ متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثاني للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف. والمعنى: أنزل- سبحانه- على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده- تعالى-. والتعبير بقوله مِنْ لَدُنْهُ يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى- القاهر فوق عباده. أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها- سبحانه- بعد ذلك في قوله: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ. أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً. أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم- أجرا حسنا هو الجنة ونعيمها، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير في قوله فِيهِ يعود إلى الأجر الذي يراد به الجنة.

стр. 3769

قال- تعالى-: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «١» . ثم خص- سبحانه- بالإنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله- تعالى- ما هو منزه عنه، فقال: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً. ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً. فقوله- سبحانه- هنا: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً.. معطوف على قوله قبل ذلك لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ من باب عطف الخاص على العام لأن الإنذار في الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله- تعالى- الولد. والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركي العرب، قال- تعالى- وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ «٢» . وقال- سبحانه-: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ «٣» . قال الآلوسي: وترك- سبحانه- إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا.. كما قال في شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين.. للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضي في الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق «٤» . وقوله- تعالى-: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم في الجهل والبهتان. أى: ما نسبوه إلى الله- تعالى- من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له- تعالى-، كما قال- : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٥» . و «من» في قوله: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ مزيدة لتأكيد النفي، والجملة مستأنفة،

стр. 3770

و «لهم» خبر مقدم، و «من علم» مبتدأ مؤخر، وقوله وَلا لِآبائِهِمْ معطوف على الخبر. أى: ما لهم بذلك شيء من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم. قال الكرخي: فإن قيل: اتخاذ الولد محال في نفسه، فكيف قال: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟ فالجواب أن انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله- تعالى-: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ «١» . وقوله- تعالى-: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم. وكبر: فعل ماض لإنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهي قوله كَلِمَةً المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف. والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التي تفوهوا بها، وهي قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله- تعالى- ومخالفا للواقع ومنافيا للحق والصواب. وفي هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه- سبحانه- بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم. قال صاحب الكشاف: قوله كَبُرَتْ كَلِمَةً قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة. وقوله تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره فكيف بهذا المنكر؟ فإن قلت: إلام يرجع الضمير في «كبرت» ؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت

стр. 3771

كلمة كما يسمون القصيدة بها «١» . وشبيه بهذه الآية في استعظام ما نطقوا به من قبح قوله- تعالى-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً «٢» . ثم ساق- سبحانه- ما يسلى الرسول ﷺ عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال- تعالى-: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً. قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم- أولا- أن لفظة لعل تكون للترجى في المحبوب، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان أن لعل هنا للإشفاق عليه ﷺ أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. وقال بعضهم إن لعل هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم.. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال- تعالى-: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ.. «٣» . وقوله باخِعٌ من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع- بكسر الباء- وهو عرق يجرى في الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: عَلى آثارِهِمْ أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله أَسَفاً أى: هما وغما مع المبالغة في ذلك، وهو مفعول لأجله. والمعنى: لا تهلك نفسك- أيها الرسول الكريم- هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ، وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. قال الزمخشري: شبهه- سبحانه- وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم «٤» .

стр. 3772

وقوله- تعالى-: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً تعليل للنهى المقصود من الترجي في قوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ ... وزيادة في تسليته ﷺ عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. أى: إنا بمقتضى حكمتنا- أيها الرسول الكريم- قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان.. زينة لها ولأهلها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع في الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا- أيضا- بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة في الوقت الذي نريده لنهاية هذه الدنيا، «صعيدا» ، أى: ترابا «جرزا» أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال. ويقال: جرزت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذي أتى على نباتها قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ، فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ «١» . والمقصود من الآيتين: الزيادة في تثبيت قلب النبي- ﷺ وفي تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. فكأنه- سبحانه- يقول له: امض أيها الرسول الكريم في تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسيء، كما اقتضت حكمتنا- أيضا أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً. وفي التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه.. فهو إلى زوال، شأنه في ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم. وقوله لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.

стр. 3773

أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به- أيها الرسول الكريم-، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة. قال تعالى: بارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. وفي الحديث الشريف: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء» . وقوله- سبحانه-: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً زيادة في التزهيد في زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذي يؤدى بالإنسان إلى السعادة الباقية الدائمة. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله- ، وأن الكتاب الذي أنزله على عبده ونبيه ﷺ لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه ﷺ وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله- تعالى- قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسيء، وليجازى- سبحانه- الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته- فقد أوجد- سبحانه- ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال- تعالى-: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩ الى ١٢] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢)

стр. 3774

قال الإمام الرازي: اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول ﷺ على سبيل الامتحان، فقال- تعالى-: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً؟ لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا على خلق السموات والأرض، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خالية من الكل، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم..» «١» . وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة، بيان أن قصة أصحاب الكهف ليست شيئا عجبا بالنسبة لقدرة الله- تعالى-. وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات ملخصها: أن قريشا بعثت النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد ﷺ ، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول. وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ووصفوا لهم أمره ﷺ فقالوا لهما سلوه عن ثلاث نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ماذا كان من خبرهم. فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف طاف المشارق والمغارب ماذا كان من خبره؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل

стр. 3775

ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور. ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد أخبرنا، ثم سألوه عما قالته لهم يهود. فقال لهم رسول الله ﷺ سأجيبكم غدا بما سألتم عنه ولم يستثن-: أى. ولم يقل إن شاء الله- فانصرفوا عنه. ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة. لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل- ﵇ حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحى عنه، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله- تعالى- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «١» . والخطاب في قوله- تعالى- أَمْ حَسِبْتَ.. للرسول ﷺ ويدخل فيه غيره من المكلفين. و «أم» في هذه الآية هي المنقطعة، وتفسر عند الجمهور بمعنى بل والهمزة، أى: بل أحسبت، وعند بعض العلماء تفسر بمعنى بل، فتكون للانتقال من كلام إلى آخر، أى: بل حسبت. ويرى بعضهم أنها هنا بمعنى الهمزة التي للاستفهام الإنكارى أى: أحسبت أن أصحاب الكهف والرقيم. والكهف: هو النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار، وجمعه كهوف. والمراد به هنا: ذلك الكهف الذي اتخذه هؤلاء الفتية مستقرا لهم. وأما الرقيم فقد ذكروا في المراد به أقوالا متعددة منها: أنه اسم كلبهم، ومنها أنه اسم الجبل أو الوادي الذي كان فيه الكهف، ومنها أنه اسم القرية التي خرج منها هؤلاء الفتية. ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد به اللوح الذي كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم، فيكون الرقيم بمعنى المرقوم- فهو فعيل بمعنى مفعول- ومأخوذ من رقمت الكتاب إذا كتبته.

стр. 3776

ومنه قوله- تعالى- كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ. كِتابٌ مَرْقُومٌ «١» . أى مكتوب. قال بعض العلماء: والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين: أحدهما: معطوف على الآخر، خلافا لمن قال أن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه في هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم. وخلافا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدّت عليهم باب الكهف فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت، وهم البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر، وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيد كما ترى» «٢» . والمعنى: أظننت- أيها الرسول الكريم- أن ما قصصناه عليك من شأن هؤلاء الفتية، كان من بين آياتنا الدالة على قدرتنا شيئا عجبا؟ لا، لا تظن ذلك فإن قدرتنا لا يعجزها شيء. ثم حكى- سبحانه- ما قالوه عند ما حطوا رحالهم في الكهف فقال: إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً. وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً. و «إذ» هنا ظرف منصوب بفعل تقديره: اذكر. و «أوى» فعل ماض- من باب ضرب- تقول: أوى فلان إلى مسكنه يأوى، إذا نزله بنفسه. واستقر فيه. و «الفتية» : جمع قلة لفتى. وهو وصف للإنسان عند ما يكون في مطلع شبابه. وقوله: وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا: من التهيئة بمعنى: تيسير الأمر وتقريبه وتسهيله حتى لا يخالطه عسر أو مشقة. والمراد بالأمر هنا: ما كانوا عليه من تركهم لأهليهم ومساكنهم، ومن مفارقتهم لما كان عليه أعداؤهم من عقائد فاسدة.

стр. 3777

والرشد: الاهتداء إلى الطريق المستقيم مع البقاء عليه. وهو ضد الغي. يقال: رشد فلان يرشد رشدا ورشادا، إذا أصاب الحق. أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- للناس ليعتبروا، وقت أن خرج هؤلاء الفتية من مساكنهم، تاركين كل شيء خلفهم من أجل سلامة عقيدتهم فالتجأوا إلى الكهف، واتخذوه مأوى لهم، وتضرعوا إلى خالقهم قائلين: يا ربنا آتنا من لدنك رحمة، تهدى بها قلوبنا، وتصلح بها شأننا، وتردّيها الفتن عنا، كما نسألك يا ربنا أن تهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه- وهو: فرارنا بديننا. وثباتنا على إيماننا- ما يزيدنا سدادا وتوفيقا لطاعتك. وقال- سبحانه-: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ.. بالإظهار- مع أنه قد سبق الحديث عنهم بأنهم أصحاب الكهف لتحقيق ما كانوا عليه من فتوة، وللتنصيص على وصفهم الدال على قلتهم، وعلى أنهم شباب في مقتبل أعمارهم، ومع ذلك ضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم. والتعبير بالفعل أَوَى يشعر بأنهم بمجرد عثورهم على الكهف. ألقوا رحالهم فيه واستقروا به استقرار من عثر على ضالته، وآثروه على مساكنهم المريحة، لأنه واراهم عن أعين القوم الظالمين. والتعبير بالفاء في قوله- سبحانه- فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً.. يدل على أنهم بمجرد استقرارهم في الكهف ابتهلوا إلى الله- تعالى- بهذا الدعاء الجامع لكل خير. والتنوين في قوله: رَحْمَةً: للتهويل والتنويع. أى: آتنا يا ربنا من عندك وحدك لا من غيرك. رحمة عظيمة شاملة لجميع أحوالنا وشئوننا. فهي تشمل الأمان في المنزل، والسعة في الرزق والمغفرة للذنب. قال القرطبي ما ملخصه: هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والأوطان.. خوف الفتنة، ورجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين.. «١» . ثم بين- سبحانه- ما حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجئوا إلى الكهف، وبعد أن دعوا الله بهذا الدعاء الشامل لكل خير. فقال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم، بظاهر جسم آخر بشدة.

стр. 3778

يقال: ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها بشدة، وتفرعت عن هذا المعنى معان أخرى ترجع إلى شدة اللصوق. والمراد بالضرب هنا النوم الطويل الذي غشاهم الله- تعالى- به فصاروا لا يحسون شيئا مما حولهم، ومفعول ضربنا محذوف. والمعنى: بعد أن استقر هؤلاء الفتية في الكهف، وتضرعوا إلينا بهذا الدعاء العظيم، ضربنا على آذانهم وهم في الكهف حجابا ثقيلا مانعا من السماع، فصاروا لا يسمعون شيئا يوقظهم، واستمروا في نومهم العميق هذا سِنِينَ ذات عدد كثير، بينها- سبحانه- بعد ذلك في قوله: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً. وخص- سبحانه- الآذان بالضرب، مع أن مشاعرهم كلها كانت محجوبة عن اليقظة، لأن الآذان هي الطريق الأول للتيقظ. ولأنه لا يثقل النوم إلا عند ما تتعطل وظيفة السمع. وقد ورد أن النبي ﷺ عند ما علم أن رجلا لا يستيقظ مبكرا أن قال في شأنه: «ذلك رجل قد بال الشيطان في أذنه» أى: فمنعها من التبكير واليقظة قبل طلوع الشمس. والتعبير بالضرب- كما سبق أن أشرنا- للدلالة على قوة المباشرة، وشدة اللصوق واللزوم، ومنه قوله تعالى- وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أى: التصقتا بهم التصاقا لا فكاك لهم منه، ولا مهرب لهم عنه. ثم بين- سبحانه- ما حدث لهم بعد هذا النوم الطويل فقال: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. وأصل البعث في اللغة: إثارة الشيء من محله وتحريكه بعد سكون. ومنه قولهم: بعث فلان الناقة- إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإيقاظ وهو المقصود هنا من قوله: بَعَثْناهُمْ أى: أيقظناهم بعد رقادهم الطويل. وقوله لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ بيان للحكمة التي من أجلها أيقظهم الله من نومهم. وكثير من المفسرين على أن الحزبين أحدهما: أصحاب الكهف والثاني: أهل المدينة الذين أيقظ الله أهل الكهف من رقادهم في عهدهم، وكان عندهم معرفة بشأنهم. وقيل: هما حزبان من أهل المدينة الذين بعث هؤلاء الفتية في زمانهم، إلا أن أهل هذه المدينة كان منهم حزب مؤمن وآخر كافر. وقيل: هما حزبان من المؤمنين كانوا موجودين في زمن بعث هؤلاء الفتية، وهذان الحزبان اختلفوا فيما بينهم في المدة التي مكثها هؤلاء الفتية رقودا.

стр. 3779

والذي تطمئن إليه النفس أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف، لأن الله- تعالى- قد قال بعد ذلك- وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أى الفتية لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ... قال الآلوسى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أى: أيقظناهم وأثرناهم من نومهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أى: منهم، وهم القائلون لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ والقائلون رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ. وقيل: أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم، والثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم تاريخ غيبتهم.. والظاهر الأول لأن اللام للعهد، ولا عهد لغير من سمعت «١» . والمراد بالعلم في قوله لِنَعْلَمَ.. إظهار المعلوم، أى ثم بعثناهم لنعلم ذلك علما يظهر الحقيقة التي لا حقيقة سواها للناس. ويجوز أن يكون العلم هنا بمعنى التمييز، أى: ثم بعثناهم لنميز أى الحزبين أحصى لما لبثوا أبدا. فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، إذ العلم سبب للتمييز. ولفظ «أحصى» يرى صاحب الكشاف ومن تابعه أنه فعل ماض، ولفظ «أمدا» مفعوله، و «ما» في قوله لِما لَبِثُوا مصدرية، فيكون المعنى، ثم بعثناهم لنعلم أى الحزبين أضبط أمدا- أى مدة- للبثهم في الكهف. قال صاحب الكشاف: و «أحصى» فعل ماض، أى: أيهم أضبط «أمدا» لأوقات لبثهم. فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس.. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به.. «٢» . وبعضهم يرى أن لفظ «أحصى» صيغة تفضيل، وأن قوله «أمدا» منصوب على أنه تمييز وفي إظهار هذه الحقيقة للناس، وهي أن الله- تعالى- قد ضرب النوم على آذان هؤلاء الفتية

стр. 3780

ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ثم بعثهم بعد ذلك دون أن يتغير حالهم، أقول: في إظهار هذه الحقيقة دليل واضح على قدرة الله- تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وعلى أن البعث بعد الموت حق لا ريب فيه. وبذلك تكون هذه الآيات قد ساقت لنا قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم جاءت آيات بعد ذلك لتحكى لنا قصتهم على سبيل التفصيل والبسط، وهذه الآيات هي قوله- تعالى-. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٣ الى ١٦] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) أى: «نحن» وحدنا يا محمد، نقص عليك وعلى أمتك خبر هؤلاء الفتية قصصا لحمته وسداه الحق والصدق، لأنه قصص من ربك الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقوله: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً كلام مستأنف جواب عن سؤال تقديره ما قصتهم وما شأنهم بالتفصيل؟ أى: إنهم فتية أخلصوا العبادة لخالقهم، وأسلموا وجوههم لبارئهم، وآمنوا بربوبيته-

стр. 3781

سبحانه- إيمانا عميقا ثابتا، فزادهم الله ببركة هذا الإخلاص والثبات على الحق، هداية على هدايتهم، وإيمانا على إيمانهم. وقوله- سبحانه- نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إيماء إلى أن قصة هؤلاء الفتية كانت معروفة لبعض الناس، إلا أن معرفتهم بها كانت مشوبة بالخرافات والأباطيل. قال ابن كثير: ما ملخصه: ذكر الله- تعالى- أنهم كانوا فتية- أى شبابا-، وهم أقبل للحق من الشيوخ، الذين عتوا في دين الباطل، ولهذا كان اكثر المستجيبين لله ولرسوله شبابا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. واستدل غير واحد من الأئمة كالبخارى وغيره بقوله وَزِدْناهُمْ هُدىً إلى أن الإيمان يزيد وينقص.. «١» . ثم حكى- سبحانه- جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا. وأصل الربط: الشد، يقال، ربطت الدابة، أى: شددتها برباط، والمراد به هنا: ما غرسه الله في قلوبهم من قوة، وثبات على الحق، وصبر على فراق أهليهم، ومنه قولهم: فلان رابط الجأش، إذا كان لا يفزع عند الشدائد والكروب. والمراد بقيامهم: عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل، وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة. ويصح أن يكون المراد بقيامهم: وقوفهم في وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة، دون أن يبالوا به عند ما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم، وإعلانهم دين التوحيد، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال. قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى- إِذْ قامُوا يحتمل ثلاثة معان. أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا ما دعاهم إليه. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراءها من غير ميعاد، وتعاهدوا على عبادة الله وحده.

стр. 3782

والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله- تعالى- ومنابذة الناس، كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا، إذا عزم عليه بغاية الجد «١» . وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي اهتدت إليه، معتزة بالإيمان الذي أشربته، مستبشرة بالإخاء الذي جمع بينها على غير ميعاد، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . ثم حكى- سبحانه- ما قالوه بعد أن استقر الإيمان في نفوسهم فقال: فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً ... أى: أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله- حين قاموا في وجه أعدائهم، وقالوا بكل شجاعة وجرأة: ربنا- سبحانه- هو رب السموات والأرض، وهو خالقهما وخالق كل شيء، ولن نعبد سواه أى معبود آخر. ونفوا عبادتهم لغيره- سبحانه- بحرف- «لن» للإشعار بتصميمهم على ذلك في كل زمان وفي كل مكان، إذ النفي بلن أبلغ من النفي بغيرها. قال الآلوسى: وقد يقال إنهم أشاروا بالجملة الأولى- وهي: ربنا رب السموات والأرض- إلى توحيد الربوبية، وأشاروا بالجملة الثانية- لن ندعو من دونه إلها- إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران، وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا، ويقولون بالأول: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وحكى- سبحانه- عنهم أنهم يقولون: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وصح أنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك «٢» . وقوله- سبحانه- لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً تأكيد لبراءتهم من كل عبادة لغير الله- تعالى-. والشطط: مصدر معناه مجاوزة الحد في كل شيء، ومنه: أشط فلان في السّوم إذا جاوز الحد، وأشط في الحكم إذا جاوز حدود العدل: وهو صفة لموصوف محذوف، وفي الكلام قسم مقدر، واللام في «لقد» واقعة في جوابه، و «إذا» حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر.

стр. 3783

أى: ربنا رب السموات والأرض، لن ندعو من دونه إلها. ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر، والله لنكونن في هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا، أى: بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب. والآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية، وعلى أن من كان كذلك ثبت الله- تعالى- قلبه، وقواه على تحمل الشدائد، كما تدل على أن من أشرك مع الله- تعالى- إلها آخر، يكون بسبب هذا الإشراك، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ «١» . ثم حكى- سبحانه- عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم الصادق، بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ... و «هؤلاء» مبتدأ، و «قومنا» عطف بيان، وجملة «اتخذوا من دونه آلهة» هي الخبر. و «لولا» للتحضيض، وهو الطلب بشدة والمقصود بالتحضيض هنا: الإنكار والتعجيز، إذ من المعلوم أن قومهم لن يستطيعوا أن يقيموا الدليل على صحة ما هم عليه من شرك. والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة. أى: أن أولئك الفتية بعد أن اجتمعوا، وتعاهدوا على عبادة الله- تعالى- وحده، ونبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار والاحتقار لما عليه قومهم: هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل، أنهم اتخذوا مع الله- تعالى- أصناما يشركونها معه في العبادة، هلا أتى هؤلاء السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لا شك أنهم لن يستطيعوا ذلك. قال صاحب الكشاف وقوله: لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على صحة عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من حجة حتى يصح ويثبت «٢» .

стр. 3784

وشبيه بهذه الآية في تعجيز المشركين وتجهيلهم قوله تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» : ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على تكذيبهم لقومهم، ووصفهم إياهم بالظلم فقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً. أى: لا أحد أشد ظلما من قوم افتروا على الله- تعالى- الكذب، حيث زعموا أن له شريكا في العبادة والطاعة، مع انه- جل وعلا- منزه عن الشريك والشركاء: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم، بعد أن وضح موقفهم وضوحا صريحا حاسما، وبعد أن أعلنوا كلمة التوحيد بصدق وقوة.. فقال- تعالى-: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً. و «إذ» يبدو أنها هنا للتعليل. والاعتزال: تجنب الشيء سواء أكان هذا التجنب بالبدن أم بالقلب. و «ما» في قوله وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير في قوله اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وقوله: إِلَّا اللَّهَ استثناء متصل، بناء على أن القوم كانوا يعبدون الله- تعالى- ويشركون معه في العبادة الأصنام. و «من» قالوا إنها بمعنى البدلية. وقوله: مِرفَقاً من الارتفاق: بمعنى الانتفاع، وقرأ نافع وابن عامر مرفقا- بفتح الميم وكسر الفاء. والمعنى: أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنوا كلمة التوحيد، وعقدوا العزم على مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا: ولأجل ما أنتم مقدمون عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار، واعتزالكم الذي يعبدونه من دون الله لأجل ذلك فالجأوا إلى الكهف، واتخذوه

стр. 3785

مأوى ومستقرا لكم، ينشر لكم ربكم الكثير من الخير بفضله ورحمته، ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب. أمرا آخر فيه اليسر والنفع. وفي التعبير بقولهم- كما حكى القرآن عنهم.. يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.. دلالة واضحة على صدق إيمانهم وحسن ظنهم الذي لا حدود له، بربهم- فهم عند ما فارقوا أهليهم وأموالهم وزينة الحياة، وقرروا اللجوء إلى الكهف الضيق الخشن المظلم.. لم ييأسوا من رحمة الله، بل أيقنوا أن الله- تعالى- سيرزقهم فيه الخير الوفير، وييسر لهم ما ينتفعون به، ببركة إخلاصهم وصدق إيمانهم. وهكذا الإيمان الصادق، يجعل صاحبه يفضل المكان الخالي من زينة الحياة، من أجل سلامة عقيدته، على المكان المليء باللين والرخاء الذي يحس فيه بالخوف على عقيدته. فالآية الكريمة تدل على أن اعتزال الكفر والكافرين من أجل حماية الدين، يؤدى إلى الظفر برحمة الله وفضله وعطائه العميم وصدق الله إذ يقول في شأن إبراهيم- ﵇ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا. وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا «١» . ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال هؤلاء الفتية بعد أن استقروا في الكهف وبعد أن ألقى الله- تعالى- عليهم بالنوم الطويل فتقول: [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٧ الى ١٨] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)
следующие страницы →